← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

٣٣ - باب في الرَّجُلِ يغْزُو وَأبَواهُ كارِهانِ ٢٥٢٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا عَطَاءُ بْن السّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: جِئْتُ أُبايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوي يَبْكِيانِ. فَقالَ: "ارْجِعْ عَليْهِما فَأَضْحِكْهُما كَما أَبْكيْتَهُما" (١). ٢٥٢١ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيان، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثابِتٍ، عَنْ أَبِي العَبّاسِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أُجاهِدُ؟ قالَ: "أَلَكَ أَبَوانِ؟ ". قالَ: نَعَمْ. قالَ: "فَفِيهِما فَجاهِدْ" (٢). قالَ أَبُو داوُدَ: أَبُو العَبّاسِ هذا الشّاعِرُ أسْمُهُ السّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ. ٢٥٣٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْن الحارِثِ أَنَّ دَرّاجًا أَبا السَّمْحِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي الهيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ: أَنَّ رَجُلًا هاجَرَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ: "هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِاليَمَنِ؟ ". قالَ: أَبَواي. قالَ: "أَذِنا لَكَ؟ ". قالَ: لا. قالَ: "ارْجِعْ إِليْهِما فاسْتَأْذِنْهُما، فَإِنْ أَذِنا لَكَ فَجاهِدْ، وَإِلَاّ فَبِرَّهُما" (٣). * * * باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان [٢٥٢٨] ([حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا عطاء بن

стр. 7037

السائب، عن أبيه] (١) عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال) يا رسول الله (جئت أبايعك على الهجرة) معك إلى الجهاد، كما في رواية أظنها لأحمد (٢): إني جئت أريد الجهاد معك، ولقد أتيت وإن أبواي يبكيان .. الحديث. (وتركت أبوي يبكيان) لفراقي، وفيه دليل على شدة احتراص الصحابة على حفظ دينهم فإن هذا ترك وطنه وأهله وأبويه وهاجر إلى الله ورسوله ولم يمنعه بكاؤهما من ذلك. (فقال: ارجع إليهما) استدلوا به على تحريم الجهاد إلا بإذنهما، هذا إذا كان الجهاد فرض كفاية أو تطوع؛ لأن برهما فرض عين، وهو مقدم على فرض الكفاية، ولم يبين له النبي ﷺ أن سفره الذي جاء فيه معصيته يجب عليه التوبة؛ لأنه كان جاهلًا بالتحريم، بل كان يظنه عبادة، فلما علم الحكم وجب عليه الرجوع في الحال، وكذا لو خرج في جهاد تطوع بإذنهما ثم علم في أثناء سفره قبل وجوب الجهاد عليه أنهما رجعا عن إذنهما ومنعاه، فعليه الرجوع؛ لأن منعهما لو وجد في ابتداء الجهاد منعه، فإذا وجد في أثنائه منع كسائر الموانع إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع، وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعين الجهاد لم يؤثر رجوعهما شيئًا. والأجداد والجدات كالأبوين؛ لأنهما يسميان أبوين حقيقة أو مجازًا، فلا يجاهد عند فقدهما أو جنونهما أو إغمائهما أو كفرهما إلا بإذنهم، وفي وجوب استئذانهم مع بقاء

стр. 7038

الأبوين المسلمين العاقلين وجهان، أصحهما نعم. (فأضحكهما) لعل المراد ارجع إليهما لتدخل السرور على قلوبهما برجوعك، كما أدخلت عليهما الحزن بفراقهما، وهو المراد بقوله: (كما أبكيتهما) ويحتمل أن يراد: ارجع إليهما فبالغ في أنواع برهما بما تقدر عليه على [أن] (١) تضحكهما حقيقة [كما أبكيتهما حقيقة] (٢). وفيه دليل على أن من أساء إلى شخص من جهة من الجهات يحسن إليه من تلك الجهة، الفعل بالفعل والقول بالقول، وإن جاز بغير الجنس، لكن الجنس أولى. [٢٥٢٩] ([حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس] (٣) عن عبد الله بن عمرو: جاء رجل إلى رسول الله) لعله هو الرجل المذكور في الحديث الذي قبله (فقال: يا رسول الله) جئتك أبايعك على الهجرة و (أجاهد) معك فقد ورد الجمع بينهما في رواية في "صحيح مسلم" في كتاب البر من رواية ابن عمرو (٤): أقبل رجل إلى النبي ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله (٥). (قال: لك أبوان؟ ) فيه جواز حذف همزة الاستفهام، تقديره: ألك والدان، ويجمع بينهما بأنه لما سأله (قال: نعم) تركت أبويّ يبكيان

стр. 7039

(قال: ففيهما فجاهد) (١) وأضحكهما كما أبكيتهما، والمراد بالجهاد فيهما: جهاد النفس في وصول البر إليهما بالتلطف بهما وحسن الصحبة والطاعة وغير ذلك. وتقدم أن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس الأمارة بالسوء. [٢٥٣٠] ([حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث] (٢) أن دَرَّاجًا) بفتح الدال وتشديد الراء، بعد الألف جيم (أبا الحارث) بفتح السين المهملة، وإسكان الميم. ضعفه أبو حاتم (٣) والدارقطني (٤) لكن وثقه يحيى بن معين (٥) وعلي بن المديني وغيرهما (٦)، واحتج به ابن خزيمة (٧) وابن حبان (٨) والحاكم (٩). (حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان (الخدري: أن رجلًا أتى إلى النبي ﷺ من اليمن) فيه فضيلة أهل اليمن كما في أحاديث (فقال: هل لك أحد) ممن يجب عليك بره (باليمن،

стр. 7040

قال: نعم أبواي) فيه استحباب تعرف أحوال السائل عما يتعلق به السؤال لما يبنى عليه من الأحكام الشرعية (قال: أَذِنا لك؟ ) في الهجرة (قال: لا) فيه الاقتصار في الجواب على ما يحتاج إليه، إذ لم يقل: لا، لم يأذنا لي في الهجرة. (قال: فارجع إليهما فاستأذِنْهما) في الجهاد (فإن أذنا لك فجاهد) يعني: أذن الأبوان جميعًا، فلو أذن أحدهما ومنع الآخر امتنع، وحكى الدارمي عن ابن القطان أنه لو أذن الأب ومنعت الأم، قبل من الأب، وهذا شاذ، وعكسه أقرب منه؛ لما لا يخفى. (وإلا فَبَرَّهُما) بفتح الباء الموحدة، أمر من البر، من قولهم: صدقت وبررت، ويجوز كسر الموحدة، وهو منصوب على الإغراء بفعل محذوف تقديره: وإلا فالزم برهما. وفي رواية لمسلم (١): "فأحسن صحبتهما". وفي رواية لأبي يعلى (٢) والطبراني (٣): " فإذا فعلت ذلك فأنت مجاهد".

стр. 7041

٣٤ - باب في النِّساءِ يغْزُونَ ٢٥٣١ - حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهِّرٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ سُليْمانَ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُليْمٍ وَنسْوَءة مِنَ الأنصارِ لِيَسْقِينَ الماءَ ويُداوِينَ الجَرْحَى (١). * * * باب في النساء يغزون [٢٥٣١] (حدثنا عبد السلام بن مطهر) بتشديد الطاء، الأزدي (حدثنا جعفر بن سليمان) الضبعي (عن ثابت) بن أسلم البناني (عن أنس، كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم) بنت مِلحان بكسر الميم، قيل: اسمها سهلة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء والرميصاء. (ونسوة من الأنصار) فيهن: أم عطية، واسمها: نسيبة بنت الحارث، وكانت تقاتل، وقطعت يدها يوم اليمامة، وكذلك الرُّبيع بضم الراء مصغر ابنة معوذ، كانت تغزو مع رسول الله ﷺ تسقي القوم وتخدمهم وترد الجرحى والقتلى إلى المدينة. رواه البخاري (٢). وفيه دليل على جواز دخول النساء إلى أرض العدو، ويستحب للإمام أن يأذن للنساء غير ذوات الهيئات الطاعنات في السن، ويستحثهن ولا يجب عليهن، لما في البخاري (٣) عن عائشة استأذنت

стр. 7042

رسول الله ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج"، أما الشواب ذوات الهيئات، فلا؛ لما روى حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه، أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادسة ستِّ نسوة، فبلغ رسول الله ﷺ فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال: "مع من خرجتن؟ (١) " وقيل للأوزاعي: هل كانوا يغزون في الصوائف؟ (٢) قال: لا إلا بالجواري. (فيسقين الماء) والسويق للرجال (ويداوين الجرحى) بأدوية يخرج معهن، ويناولن السهام، ويغزلن الشعر والصوف للإعانة على الجهاد. وفي هذا الحديث دليل على معالجة المرأة الأجنبي من جرح وغيره، وعلى سقيه الماء، لكن مع حضور محرم أو زوج، بشرط عدم رجل يعالج. وإطلاق الحديث يقتضي الجواز مطلقًا إلا أن يختص بحديث آخر.

стр. 7043

٣٥ - باب في الغَزْو مَعَ أئمَّة الجَوْرِ ٢٥٣٢ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي نُشْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "ثَلاثَة مِنْ أَصْلِ الإِيمانِ: الكَفُّ عَمَّنْ قالَ: لا إله إِلَّا اللهُ وَلا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ وَلا تُخْرِجْهُ مِنَ الإِسْلامِ بِعَمَلٍ، والجِهادُ ماضٍ مُنْذُ بَعَثَنيَ اللهُ إِلى أَنْ يُقاتِلَ آخِرُ أمَّتي الدَّجّالَ، لا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جائِرٍ وَلا عَدْلُ عادِلٍ، والإِيمانُ بِالأَقْدارِ" (١). ٢٥٣٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَني مُعاوِيَة بْن صالِحٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الجِهادُ واجِبٌ عَليْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرّا كانَ أَوْ فاجِرًا، والصَّلاةُ واجِبَةٌ عَليْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرّا كانَ أَوْ فاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الكَبائِرَ، والصَّلاةُ واجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرّا كانَ أَوْ فاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الكَبائِرَ" (٢). * * * باب في الغزو مع أئمة (٣) الجور الجَور: بفتح الجيم، هو الظلم. قال الجوهري (٤): هو الميل عن القصد، يقال: جار عن القصد إذا عدل عنه، وجار عليه في الحكم.

стр. 7044

[٢٥٣٢] (حدثنا سعيد بن منصور) الخراساني (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (حدثنا جعفر بن بُرْقان) بضم الموحدة الكلابي (عن يزيد) من الزيادة (بن أبي نُشْبَة) بضم النون وإسكان الشين المعجمة ثم موحدة، وهكذا ذكره الدارقطني (١) (عن أنس، قال رسول الله ﷺ : ثلاث) أي: عن خصال ثلاث (من أصل الإيمان: الكف عن كل من قال لا إله إلا الله) فيه أنا مكلفون بالعمل بالظاهر وفيما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس طريق إلى معرفة ما فيه، بل الله يتولى السرائر، وأن من قال: لا إله إلا الله وجب الكف عنه وعن ماله وحكم بإيمانه بالظاهر. قال القاضي عياض (٢): وهذا في مشركي العرب وعبدة الأوثان ومن لا يوحد، وأما أهل الكتاب وغيرهم ممن (٣) يقر بالتوحيد فلا يكفي في الكف عنه قول لا إله إلا الله إن كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، بل لا بد من شهادة أن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. (ولا يُكفرْه بذنب) من الذنوب بضم التحتانية وجزم الراء على النهي، وكذا لا يخرجه بعده (ولا يُخرجه من) ملة (الإسلام بعمل) يعمله من المعاصي، بل هو في مشيئة الله لا يقطع في أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه الجنة لأول وهلة، بل يقطع بأنه لا بد من دخوله الجنة آخرًا، وحاله قبل ذلك في حكم المشيئة إن شاء الله تعالى عذبه بذنبه

стр. 7045

وإن شاء عفا عنه بفضله، خلافًا للخوارج في أن من ارتكب كبيرة يخلد في النار. (والجهاد ماضٍ) حكمه (منذ بعثني الله) أول ما بعثه الله أمره بالتبليغ والإنذار بلا قتال، وأول كلمة سُمعت منه ﷺ : "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " (١). ثم بحد الهجرة أذن الله بالقتال إذا ابتدأ الكفار به، ثم أبيح لهم القتال ابتداء، لكن في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به من غير شرط ولا زمان، ووجوب القتال مستمر بعد ذلك (إلى أن يقاتل آخر أمتي) المسيح (الدج (ل) فينتهي الجهاد. (لا يبطله جور) إمام (جائر) أي: لا يسقط فرض الجهاد بظلم الإمام، ولا بفسقه، ولا ينعزل الإمام بالفسق والظلم ولا يخلع بل يقاتل معه ولا يمتنع عن القتال معه بظلم ظالم (ولا عدل عادل) كما جاء في الحديث الصحيح: "عليك بالسمع والطاعة في يسرك، وعسرك، ومنشطك، ومكرهك، وأثرة عليك" (٢) ولقوله ﷺ : "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (٣). (و) من أصل الإيمان (الإيمان (٤) بالأقدار) فإن من (٥) مذهب الحق إثبات القدر.

стр. 7046

قال النووي (١): ومعناه أن الله قدر الأشياء في القدم، وعَلِم الله سبحانه أفها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها، وأنه سبحانه إنما يعلمها بعد وقوعها، وكذبوا على الله تعالى، وسميت هذِه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر. [٢٥٣٣] [(ثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر (ثنا) عبد الله (بن وهب، حدثني معاوية بن صالح) ابن حدير بضم المهملة مصغر (عن العلاء بن الحارث، عن مكحول) مكحول لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع] (٢). (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الجهاد واجب) أي: مستمر وجوبه (عليكم مع كل) إمام أو (أمير) كان عليكم (برًّا) بفتح الباء خبر مقدر (كان أو فاجرًا) لأنكم لو تركتم الجهاد مع الفاجر وقعد الناس كما قعدتم لأدى ذلك إلى ذهاب الإسلام والعياذ بالله، وأدى ذلك إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم، وفيه فساد عظيم، قال الله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٣) (والصلاة) أي: والصلوات الخمس (واجبة عليكم) أي: على كل بالغ عاقل منكم (خلف كل مسلم برًّا) بفتح الباء، أي: بارًّا (كان) الإمام (أو فاجرًا) يعني: فاسقًا (وإن عمل

стр. 7047

الكبائر) جمع كبيرة، وهي التي يجب الحد في فعلها، وفيه حجة لمذهب الشافعي أن الصلاة - قال ابن المنذر: - خلف من لا نكفره ببدعته جائزة (١). قال أبو داود: سمعت أحمد وقيل له: إذا كان الإمام يسكر؟ قال: لا يصلى خلفه البتة (٢). وسأله رجل قال: صليت خلف رجل ثم علمت أنه يسكر أعيد؟ قال: نعم، أعد. قال: أيتهما صلاتي؟ قال: الذي صليت وحدك (٣). وفي معنى شارب الخمر كل فاسق فلا يصلى خلفه، نص عليه أحمد (٤)؛ لما روى جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: "لا تؤمن امرأة رجلًا ولا فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره سلطان يخاف سوطه أو سيفه". رواه ابن ماجه (٥). قال [ابن قدامة] (٦): وهذا يعني: حديث ابن ماجه أخص من حديث الدارقطني: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" (٧)، فتعين تقديم

стр. 7048

حديث جابر، وحديث: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" أخص من الحديث الأول، والحديث الأول نقول به في الجمع والأعياد، وتعاد، وهو مطلق، فالعمل به في موضع يحصل الوفاء [بدلالته] (١)؛ لأنه قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن إمام قال: أصلي لكم رمضان بكذا وكذا درهمًا. قال: أسأل الله العافية لا يصلى خلف هذا كما لا يصلى خلف من لا يؤدي الزكاة ولا خلف من يشارط، ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط. ومذهب الشافعي الجواز خلف الكل للحديث، واستدل بأن ابن عمر كان يصلي مع الحجاج (٢)، والذين كانوا في زمن الوليد بن عقبة كانوا يصلون خلفه وقد شرب الخمر وصلى الصبح أربعًا وقال: أزيدكم. رواه مسلم (٣). فصار هذا إجماعًا (٤). وأجاب المانعون الجواز بأن حديث: "كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا" حديث منقطع؛ لأن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة كما قال المنذري (٥) وغيره.

стр. 7049

٣٦ - باب الرَّجُلِ يَتَحَمَّل بِمالِ غيْرِهِ يَغْزُو ٢٥٣٤ - حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ سُليْمانَ الأنباريُّ، حَدَّثَنا عَبِيدَةُ بْنُ حُميْدٍ، عَنِ الأسوَدِ ابْنِ قيسٍ، عَن نُبيحٍ العَنَزيِّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَرادَ أَنْ يَغْزُوَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ إِنَّ مِنْ إِخْوانِكُمْ قَوْمًا ليْسَ لَهُمْ ما وَلا عَشِيرَةٌ فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِليْهِ الرَّجُليْنِ أَوِ الثَّلاثَةَ فَما لأحَدِنا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ". يَعْني أَحَدِهِمْ. فَضَمَمْتُ إِلى اثْنيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، قالَ: ما لي إِلا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ أَحَدِهِمْ مِنْ جَمَلي (١). * * * باب الرجل يتحمل بمال غيره يغزو يتحمل. أي: يعين غيره على الحمل من مال غيره. [٢٥٣٤] [(حدثنا محمد بن سفيان (٢) الأنباري) أبو هارون، وثقه الخطيب (٣). (حدثنا عَبيدة) بفتح الموحدة (ابن حُميد) مصغر الحمد (عن الأسود بن قيس) العبدي] (٤) ([عن] (٥) نُبيح) بضم النون مصغر (العَنَزي) الكوفي، والعنزي نسبة إلى عَنَزة بفتح العين والنون بن أسد ابن ربيعة بن نزار بن معد.

стр. 7050

(عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه أراد أن يغزو) فرأى في القوم قلة الظهر (فقال: يا معشر) المعشر: الجماعة من الناس (المهاجرين والأنصار) قيل: المهاجرون الذين صلوا إلى القبلتين، ففي ندائهم استئناس لهم وحثهم على ما يذكرهم (إن من) معناها التبعيض. أي: بعض (إخوانكم) وهو في الأصل صفة لقوله بعده (قومًا) أي: ظهروا في الغزو معنا (ليس لهم مال) يملكونه، فمال هنا نكرة في معنى العموم، فيعم نفي (١) جميع المال، فتقديره: لا يملكون (٢) شيئًا من المال، وفيه دليل على أن شاهد الإعسار إذا قال: أشهد أنه ليس له مال أن شهادته هذِه صحيحة مقبولة. وإن كان يملك من المال في الغزو يستثنى شرعًا، وهو ثياب البدن وقوت يومه وسكناه، ويدل على هذا أن من أخبر عنهم النبي ﷺ لابد أن يكون عليهم ما يستر عورتهم، وأن منهم من يملك قوت يومه، وقد قال أصحابنا: لا يمحض الشاهد النفي، كقوله لا يملك شيئًا، بل (٣) يقول: أشهد أنه معسر لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه. [كذا قال الرافعي وغيره (٤)، وأن محض النفي ينضم إليه وهو معسر، وفي الحديث دليل على أن الحالف إذا قال: والله لا يملك فلان شيئًا، وكان يملك قوت يومه وثياب بدنه] (٥) لا يحنث؛ لأن استثناءه معلوم شرعًا.

стр. 7051

(ولا) لهم (عشيرة) أي: قبيلة تنضم إليهم فيقومون به، وينصرونه ويحملونه إذا عيي، وفيه: الحض والتحريض على طعام المسكين وحمله، وقد ذم الله تعالى من لم يحض على طعام المسكين، وهذا الوصف الذي وصفهم النبي ﷺ هو تفسير للفقراء أو للمساكين على الخلاف (فليضم أحدكم) إذا كان له البعير الواحد (الرجلين أو الثلاثة) هذا من باب المواساة والرفق بالمشاة، فإذا كان مع الغزاة أو المسافرين في غير الغزو مشاة كثيرون، فينبغي للجماعة أن يتوزعونهم، ويأخذ كل واحد منهم رجلين أو ثلاثة يضمهم إليه، يتعاقبون في الركوب على الدابة يركب كل واحد منهم مرة، ليرتفق بعضهم ببعض على حسب ما يحتمل الحال، وأنه ينبغي لكبير القوم أو أميرهم أن يأمر أصحابه بذلك، ويأخذ هو من يمكنه أخذه فيضمه إليه، وهذا من المعاونة على البر والتقوى الذي أمر الله به، وكذلك يفعل في الإطعام إذا كان معه من لا زاد له يضم إلى من كان معه الزاد رجلين أو ثلاثة على ما يحتمل الحال، وكذا إذا حضر في الإقامة ضيفان كثيرون يتوزعهم الجماعة كما جاء في الحديث الصحيح (١): أن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وأن رسول الله ﷺ قال مرة: "من كان معه طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس"، وفي الصحيح (٢): "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة"، وفي لفظ (٣): "طعام رجل

стр. 7052

يكفي رجلين، وطعام رجلين يكفي أربعة". وهذا كله من باب المواساة والإيثار. (فما لأحدنا) أي: ليس لكل واحد منا (من ظهر يَحْمِله) بفتح التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم، وفي بعضها: جَمَله (١) بفتح الجيم والميم وجر اللام على الإضافة، ويروى بتنوين (ظهر)، و (يحمله) بفتح الياء وإسكان الحاء المهملة وهو أعم من الرواية الأولى، فإنه يشمل ظهر الجمل وغيره، والمعنى: ليس ينتفع أحد منا بظهر الجمل الذي له (إلا عُقْبة) بضم العين، وهي النوبة من الركوب، سميت بذلك لأن كل واحد منهم يعقب صاحبه في الركوب، ويجوز في عقبة الرفع على البدل، والنصب على الاستثناء (كعقبة) بالتنوين، يحتمل أن يكون المضاف محذوفًا، تقديره كعقبة شخص منهم، ثم فسره بقوله: (يعني: أحدهم) والمراد أن كل واحد من أصحاب الظهور حكمه في الانتفاع بظهره، كحكم الشركاء المشتركين في منفعة الظهر لا يستأثر عنهم بركوب ولا يختص بشيء عنهم، وهذا من المواساة التي أمرهم بها النبي ﷺ . (ق (ل) يعني: جابر (فضممت إلى) أي: منهم (اثنين أو ثلاثة) رجال، وضرب (ما لي) معهم من ظهري الذي (٢) يحملني (إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي) بفتح الجيم والميم.

стр. 7053

٣٧ - باب في الرَّجُلِ يَغْزو يَلْتمِسُ الأَجْر والغَنِيمَةَ ٢٥٣٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بْن صِالِحٍ، حَدَّثَني ضَمْرَة، أَنَّ ابن زُغْبٍ الإِياديَّ حَدَّثَهُ قالَ: نَزَلَ عَليَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَوالَةَ الأزْديُّ، فَقالَ لي: بَعَثَنا رَسُول اللهِ ﷺ لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدامِنا فَرَجَعْنا فَلَمْ نَغْنَمْ شيْئًا، وَعَرَفَ الجُهْدَ في وُجُوهِنا فَقامَ فِينا فَقالَ: "اللَّهُمَّ لا تَكِلْهُمْ إِلي فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ وَلا تَكِلْهُمْ إِلى أَنْفُسِهِمْ فيعْجِزُوا عَنْها وَلا تَكِلْهُمْ إِلى النّاسِ فيسْتَأْثِرُوا عَليْهِمْ". ثمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسي -أَوْ قالَ: عَلَى هامَتي- ثمَّ قالَ: "يا ابن حَوالَةَ إِذا رَأيْتَ الخِلافَةَ قَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ المُقَدَّسَةِ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلازِلُ والبَلابِلُ والأُمُورُ العِظامُ والسّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النّاسِ مِنْ يَدي هذِه مِنْ رَأْسِكَ" (١). قالَ أَبُو داوُدَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ حَوالَةَ حِمْصيٌّ. * * * باب الرجل يغزو (٢) يلتمس الأجر والمغنم [٢٥٣٥] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري (حدثني أسد بن موسى) ابن إبراهيم الأموي، روى له البخاري في الأدب. [(حدثني معاوية بن صالح، حدثني ضمرة، أن) عبد الله] (٣) (ابن زُغْب) (٤) بضم الزاي

стр. 7054

وسكون الغين المعجمة بعدها باء موحدة، حكى المنذري (١) عن الأمير أبي نصر أن له صحبة (٢)، وحكي عن أبي زرعة الدمشقي أن اسمه عبد الله (٣). (نزل علي عبد الله بن حوالة) بفتح الحاء المهملة، قال أبو داود: ابن حوالة حمصي. قالوا: سكن دمشق وقدم مصر مع مروان بن الحكم، ولم يرو لعبد الله في الكتب الستة سوى أبي داود (٤). (فقال لي: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم) من الكفار ونلتمس الأجر من الله تعالى، أي: ليس غزوهم خالصًا لله، بل خالطه طلب الغنيمة، وليس هذا محبطًا للثواب بالكلية، قال الغزالي (٥): بل العدل أن يقال: إذا كان الغالب الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلًا فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة (على أقدامنا) أي: لا على ظهر خيل ولا إبل ولا غيرها، وفيه دليل على شدة ما كانوا عليه من الفاقة (٦)، ومع هذا فقد فتح الله على يديهم الفتوحات العظيمة. (فرجعنا) من غزونا (فلم نغنم شيئًا) من المال في تلك الغزوة

стр. 7055

(وعرف) بفتح الراء رسول الله ﷺ (الجَهد) بفتح الجيم على المشهور، وهو: غاية المشقة في تلك الأيام (في وجوهنا) أي: بما ظهر له من رؤية وجوهنا، وعرف أننا لم نغنم شيئًا من المال (فقام فينا) حين رآنا وعرف ما نحن فيه من التعب والشدة ودعا لنا. (فقال: اللهم لا تكلهم إلى فأضعُف) بضم العين (عنهم) أي: عن القيام بهم (ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا) بكسر الجيم (عنها) ومن دعائه ﷺ "لا تكلني إلى نفسي فأضيع، ولا إلى غيرك فأهلك" (١) (ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم) أي: يستبدوا بالشيء ويختصوا به دونهم ويفضلوا أنفسهم عليهم، وفيه دليل على استحباب الدعاء للإمام إذا رجعوا من الغزو ورآهم في جهد ولم يغنموا، وكذا يستحب له أن يدعو من رآه في شدة أو جوع أو تعب، فإن في ذلك [رفقًا بهم وتطييبًا] (٢) لقلبه. (ثم وضع يده) الكريمة (على رأسي، أو قال) الراوي (على هامَتي) بفتح الميم المخففة، أي: رأسي، لكن شك الراوي فيهما. (ثم قال: يا ابن حَوَالة) بفتح المهملة وتخفيف الواو، وحوالة أمه بنت حمزة بن عبد المطلب (إذا رأيت الخلافة) أي: حكم من ولي الخلافة (قد نزلت الأرض المقدسة) أي: التي يطهر فيها من الذنوب وهي إيلياء. قال الخطابي (٣): إنما أنذر به ﷺ أيام بني أمية وما حدث من الفتن في زمانهم وانتشر ذكره (فقد دنَت) بفتح النون، أي: قرب وقوع (الزلازل)

стр. 7056

وفي هذا معجزة عظيمة لرسول الله ﷺ ، فإن عبد الله بن حوالة عاش إلى أن رأى خلافة معاوية بن أبي سفيان في شوال سنة إحدى وأربعين ببيت المقدس، وعاش بعد ذلك إلى أن رأى خلافة عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بالشام، وكانت الزلازل قد قربت؛ فإن في سنة خمس وتسعين كانت الزلازل في الدنيا حتى عم الهدم الأبنية الشاهقة، وقتل الحجاج سعيد بن جبير، وتهدمت دور أنطاكية (و) كثرت (البلابل) جمع بلبال وبَلْبَالة بفتح الباءين وإسكان اللام بينهما، وهو الهم والحزن ووسواس الصدر (والأمور العظام) ورواه الحاكم في "المستدرك" (١) عن ابن حوالة الصحابي أيضًا. يعني؛ الفتن العظيمة بين الحجاج وعبد الله بن الأشعث، واتصلت الحرب بينهما مائة يوم كان فيها إحدى وثمانون وقعة، حكاه ابن الجوزي (٢). وقال ثور بن يزيد: قدس الأرض الشام، وقدس الشام فلسطين، وقدس فلسطين بيت المقدس، وقدس بيت المقدس الجبل، وقدس الجبل المسجد، وقدس المسجد القبة (٣). وثور بفتح المثلثة، قيل: ينسب إليه جبل ثور. (والساعة يومئذٍ أقرب من الناس) لعله أريد بالساعة: أماراتها، أقرب (من يدي هذِه من رأسك) وقد وقعت علامات الساعة وتواصلت، فنسأل الله العافية والسلامة في الدين والدنيا والآخرة.

стр. 7057

٣٨ - باب في الرَّجُلِ الذي يشْري نَفْسَهُ ٢٥٣٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا عَطاءُ بْن السّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَجِبَ رَبُّنا مِنْ رَجُلٍ غَزا في سَبِيلِ اللهِ فانْهَزَمَ". يَعْني: أَصْحابَهُ: "فَعَلِمَ ما عَليْهِ فَرَجَعٍ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ فيقُولُ اللهُ تَعالَى لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلى عَبْدي رَجَعَ رَغْبَةً فِيما عِنْدي وَشَفَقَةً مِمّا عِنْدي حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ" (١). * * * باب في الرجل يشري (٢) نفسه وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: يبيعها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باعوه. [٢٥٣٦] (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري (حدثنا حماد) بن سلمة (أخبرنا عطاء بن السائب، عن مُرَّة) بن عبد الله، مختلف في صحبته (الهَمْداني) بإسكان الميم (عن ابن مسعود، قال رسول الله ﷺ : عجب ربنا) قال الإمام أبو بكر محمد بن فورك (٣): اعلم أن أصل معنى التعجب إذا استعمل في أحدنا فالمراد به أن يرهقه أمر يستعظمه مما لم يعلمه، وذلك لا يليق بالله ، وإذا قيل في صفته عجب ربنا فالمراد به أحد شيئين:

стр. 7058

إما أن يراد به مما يعظمه قدر ذلك ويكبره؛ لأن المتعجب معظم لما يتعجب منه، ولكن لما كان الله عالمًا بما كان ويكون لم يلق به أحد الوجهين الذي يقتضي استدراك علم ما لم يكن به عالمًا، فبقي أمر التعظيم له. أو يراد بذلك الرضا له والقبول؛ لأن من أعجبه الشيء فقد رضيه وقبله، ولا يصح أن يعجب مما يسخطه ويكرهه، فلما أراد ﷺ تعظيم قدر هذا الرجل وتعظيم فعله في قلوب خلقه أخبر عنها باللفظ الذي يقتضي التعظيم حثًّا على مثل فعله والمبادرة إليه (من رجل) هكذا رواية أبي داود، وأما أحمد (١) وأبو (٢) يعلى (٣) والطبراني (٤) وابن حبان في "صحيحه" (٥) فإنه قال: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه وفراشه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقًا مما عندي". ولفظ الطبراني (٦): "إن الله ليضحك إلى رجلين: رجل قام في ليلة باردة من فراشه [ولحافه ودثاره فتوضأ ثم قام إلى الصلاة". قلت: وفي هذا فضيلة عظيمة للقيام من فراشه] (٧) إلى الصلاة لكونه قرنه مع الغازي

стр. 7059

الذي قاتل في سبيل الله حتى أهريق دمه، [ثم قال في الحديث: ] (١) ورجل (غزا في سبيل الله فانهزم يعني: أصحابه) هذا من تفسير أبي داود، لا أنه سمعه من الراوي (فعلم ما عليه) العدو (فرجع حتى أُهريق) بضم الهمزة وفتح الهاء الزائدة، أي: أريق (دمه) بالرفع نائب عن الفاعل. وفي هذا الحديث دليل على أن الغازي إذا انهزم عنه أصحابه وكان في ثباته للقتال نكاية للكفار فيستحب الثبات، لكن لا يجب كما قاله السبكي، وأما إذا كان (٢) الثبات موجبًا للهلاك المحض من غير نكاية فيجب الفرار قطعًا. (فيقول الله لملائكته) مباهيًا به الملائكة (انظروا إلى عبدي) أضافه إلى نفسه تعظيمًا لمنزلته عنده (رجع) إلى القتال (رغبة) وفي رواية (٣): "رجع رجاء" (فيما عندي) و (رغبة) و (رجاء) منصوبان على المفعول له (و) كذا (شفقة) أي: خوفًا (مما عندي) من العقوبة (حتى أهريق) بضم الهمزة (دمه) وفي هذا دليل على أن نية المقاتل في الجهاد طمعًا فيما عند الله من الثواب وخوفًا مما وعد على الفرار من العقاب؛ لأنه علل الرجوع للرغبة وللإشفاق.

стр. 7060

٣٩ - باب فِيمَنْ يسْلِمُ ويُقْتلُ مكانهُ في سَبيلِ اللهِ - ٢٥٣٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا محَمَّد بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُقيْشٍ كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخذَهُ فَجاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقالَ: أَيْنَ بَنُو عَمّي؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. قالَ: أيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. قالَ: أيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. فَلَبِسَ لأمَتَهُ وَرَكِبَ فَرَسَهُ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ، فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إِليْكَ عَنّا يا عَمْرُو. قالَ: إِنّي قَدْ آمَنْتُ. فَقاتَلَ حَتَّى جُرِحَ فَحُمِلَ إِلى أَهْلِهِ جَرِيحًا، فَجاءَهُ سَعْدُ بْن مُعاذٍ فَقالَ لأُخْتِهِ: سَلِيهِ حَمِيَّةً لقَوْمِكَ أَوْ غَضَبًا لَهُمْ أَمْ غَضَبًا لله؟ فَقالَ: بَلْ غَضَبًا لله وَلرَسُولِهِ فَماتَ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ وَما صَلَّى لله صَلاةً (١). * * * باب فيمن يسلم ويقاتل مكانه أي: يقاتل في المكان الذي أسلم فيه. [٢٥٣٧] [(حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (حدثنا حماد) بن أسامة (أنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي (عن أبي سلمة) عبد الله، أحد الفقهاء السبعة] (٢). (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (أن عمرو بن أُقيش) [بن ثابت ابن وقيش، ويقال: أقيش] (٣) بضم الهمزة، وفتح القاف، وياء التصغير، ثم شين معجمة. قال الجوهري (٤): بنو أقيش قوم من العرب من بني عبد

стр. 7061

الأشهل. قيل: أقيش ووقيش (كان له ربًا في الجاهلية) أصل الربا في اللغة هو: الزيادة، وكانت العرب يأكلون الربا إلى أن أنزل الله تحريمه في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) قال النبي ﷺ : "ألا كل ربا في الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" (٢). (فكره أن يسلم) أي: يدخل في الإسلام (حتى يأخذه) أي: يأخذ ماله من الربا الذي استحلته قلوبهم لخفة اكتسابه، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب بالتجارة والصناعة المشقة اللذين لا ينتظم مصالح العالم إلا بهما، وأفضى به حب ذلك مع حب المال (٣) إلى الاستمرار على الكفر وتأخر الإسلام والعياذ بالله، هذا فيما هو باقٍ على الكفر، وربما كان الربا سببًا لنزع الإيمان، كما حكي عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت الذنوب. قال زيد الوراق: فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نر شيئًا أسرع نزعًا للإيمان من ظلم العباد. (فجاء يوم) خروج النبي ﷺ إلى غزاة (أحد) فتفقد أقاربه (فقال: أين بنو عمي؟ ) رفاعة، وهم سهل بن روي بن أقيش (فقالوا) هو (بأحد، قال: أين فلان؟ ) أظنه يعني: والده ثابت بن وقيش (قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ ) أظنه: سلمة بن ثابت، أخوه (قالوا: بأحد، فلبس) حين سمع ذلك (لأْمَته) بهمزة ساكنة بعد اللام، ثم ميم مخففة. أي: درعه الحديد (وركب فرسه ثم توجه) أي: في أول النهار (قِبَلهم) بكسر القاف وفتح

стр. 7062

الباء، وهو على الإسلام حتى دخل في عرض الناس (فلما رآه المسلمون) سألوه و (قالوا له: إليك عنا يا عمرو) ما جاء بك؟ (قال: إني آمنت) بالله وبرسوله وأسلمت (فقاتل حتى جرح) وأثبتته الجراحة، [قال: فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به] (١). (فحمل إلى أهله جريحًا) فيه: استحباب حمل الجرحى إلى أهلهم ليداووهم من جراحاتهم (فجاءه سعد بن معاذ) بن النعمان الذي اهتز (٢) لموته عرش الرحمن (٣). (فقال لأخته (٤) سليه) أتقاتل (٥) (حمية) بتشديد الياء. أي: أنفًا وغضبًا (لقومك) لتحميهم وتمنعهم (أو) تقاتل (غضبًا) منصوبًا على المفعول الهم) (٦). أي: لأجل غضبك على قومك وانتصارًا لهم (أم أغضبًا لله؟ ] (٧) فقال: بل) أقاتل رغبة في الإسلام و (غضبًا لله ورسوله. فمات) من جراحاته (فدخل الجنة) وذكروه لرسول الله ﷺ ، فقال: "إنه من أهل الجنة". (وما صلى لله صلاة) فرضًا ولا نفلًا. والظاهر أنه لم تجب عليه صلاة، أو وجبت عليه ولكن لم يخرجها عن وقتها المقدور لها شرعًا، وعن أبي هريرة كان يقول: حدثوني عن

стр. 7063

رجل دخل الجنة ولم يصل صلاة قط، فإذا لم يعرفوه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: هو أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقيش (١). واعلم أنه لم يذكر في هذا الحديث غسله، ولا الصلاة عليه. وفيه دليل على أن [من جرح] (٢) في الحرب وحمل إلى أهله جريحًا، ومات من تلك الجراحة، أنه يكون شهيدًا، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ومذهب الشافعي (٣) أن الجريح إذا مات بعد انقضاء الحرب ولم يكن فيه إلا حركة المذبوح أنه شهيد، وإن كان بقي فيه حياة مستقرة فوجهان: أظهرهما أنه ليس بشهيد فيغسل (٤) ويصلى عليه. وموضع الوجهين ما إذا تيقن موته من تلك الجراحة، أما لو مرض في حرب الكفار فمات فليس بشهيد، وعند أحمد (٥): إن حمل وبه حياة مستقرة فيغسل ويصلى عليه وإن مات شهيدًا؛ لأن النبي ﷺ غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدًا وحمل إلى المسجد ولبث فيه أيامًا، وسعد ابن الربيع وأصيرم بني عبد الأشهل تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب. وقال مالك: إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة، غسل (٦).

стр. 7064

٤٠ - باب في الرَّجُلِ يَفوت بِسِلاحِهِ ٢٥٣٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، قالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ -قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ أَحْمَدُ: كَذا قالَ هُوَ -يَعْني: ابن وَهْبٍ- وَعَنْبَسَة -يَعْني: ابن خالِدٍ- جَمِيعًا عَنْ يُونُسَ -قالَ أَحْمَدُ: والصَّوابُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللهِ - أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ خيبَرَ قاتَلَ أَخي قِتالا شَدِيدًا فارْتَدَّ عَليهِ سيفهُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ - وَشَكُّوا فِيهِ - رَجُلٌ ماتَ بِسِلاحِهِ. فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "ماتَ جاهِدًا مُجاهِدًا". قالَ ابن شِهابٍ: ثمَّ سَأَلتُ ابنا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَحَدَّثَني عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ غيْرَ أَنَّهُ قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَذَبُوا ماتَ جاهِدًا مُجاهِدًا فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتيْنِ" (١). ٢٥٣١ - حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ خالِدٍ الدِّمَشْقيُّ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أَبي سَلامٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبي سَلامٍّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحابِ النَّبي ﷺ قالَ: أَغَرْنا عَلَى حَي مِنْ جُهيْنَةَ، فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصابَ نَفْسَهُ بِالسّيْفِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَخُوكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ". فابْتَدَرَهُ النّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ فَلَفَّهُ رَسُول اللهِ ﷺ بِثِيابِهِ وَدِمائِهِ وَصَلَّى عَليْهِ وَدَفَنَهُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قالَ: "نَعَمْ، وَأَنا لَهُ شَهِيدٌ" (٢). * * * باب في الرجل يموت بسلاحه أي: الذي معه.

стр. 7065

[٢٥٣٨] ([حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرنى عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك. قال أبو داود قال أحمد: كذا قال هو -يعني: ابن وهب- وعنبسة -يعني: ابن خالد- جميعًا، عن يونس -قال أحمد: والصواب عبد الرحمن ابن عبد الله أن] (١) سلمة بن الأكوع قال: لما كان يوم) غزاة (خيبر، قاتل أخي) هكذا وقع في رواية مسلم (٢): قاتل أخي. قال القرطبي (٣): هذا مخالف لما ذكره مسلم في الرواية المتقدمة، ولما يأتي بعد في مسلم أيضًا من أن هذِه القصة إنما وقعت لعمه، واسمه عامر بن الأكوع (٤)، قال: وهو الصحيح. ولعل سلمة أطلق على عمه أسم الإخوة لرضاع كان بينهما أو مؤاخاة، وإلا فهو وهم من بعض الرواة، والله أعلم. قلت: وهذا إنما يقال إذا لم يكن له عم غير أخيه، فإن كان له عم وأخ فيحمل على أنها كانت قصتين، وهو أولى من حمل ما وقع في "الصحيح" على الوهم، والله أعلم. (قتالاً شديدًا) كيف لا يكون قتالهم شديدًا وقد باعوا أنفسهم لله تعالى، واختاروا الدار الباقية. (فارتد) أي: رجع (عليه سيفه) وهو يقاتل؛ لأنه كان فيه قِصَر، فرجع عليه لما أراد أن يضرب به، فأصاب ركبته - لكن ذكر الدارقطني أن حماد ابن سلمة تفرد به - فجرحه جرحًا

стр. 7066

شديدًا (فقتله) ومات منه (فقال أصحاب رسول الله في ذلك) إنما قتله سلاحه (وشكُّوا فيه) بتشديد الكاف المضمومة. أي: شكوا في أمره وحصول الأجر له، وقد بينه في "صحيح مسلم" فقال: وشكوا في بعض أمره هل هو شهيد أم لا، وقالوا (رجل مات بسلاحه) يعني: سيفه، وفي "صحيح مسلم" لما تصاف القوم، كان سيف عامر بن الأكوع - عم سلمة بن الأكوع - فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب ركبة عامر فمات منه (١). قلت: فعلى هذا يستحب أن يكون السيف الذي يجاهد به طويلًا؛ لأن القصير ربما رجع على صاحبه إذا ضرب به ولم يصل إلى المضروب، فيرجع على صاحبه فيقتله كما وقع لعامر رحمه الله تعالى. قال المنذري: ذكر [أبو عبيد القاسم بن سلام] (٢) أن لسلمة بن الأكوع أخوين أحدهما (٣) عامر، والآخر عباد. وقال أبو القاسم البغوي: إن عامرًا أخا سلمة صحب النبي ﷺ . وحكى محمد بن سعد في "الطبقات الكبرى" (٤) إن أهبان بن الأكوع أسلم وصحب النبي ﷺ . وصرح المنذري: والظاهر أنهما قصتان (٥). وزاد مسلم في "صحيحه": فلما فعلوا، قال سلمة وهو آخذ بيدي، فلما رآني رسول الله ﷺ ساكتًا قال: "مالك" قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرًا (٦) حبط عمله. قال: "من قاله؟ " قلت: فلان، وفلان، وأسيد

стр. 7067

ابن حضير الأنصاري. (فقال رسول الله) "كذبوا" (مات جاهِدًا) بكسر الهاء والتنوين، وهو اسم فاعل منصوب على الحال (مُجَاهِدًا) بضم الميم وكسر الهاء والتنوين، وفسروا الجاهد بأنه الجاد في عمله وأمره، قاله ابن دريد (١). أي: إنه لجاد مجتهد في طاعة الله، وفسروا الثاني بأنه تكرار على جهة التأكيد والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله، وهو الغازي، قال ابن الأنباري: العرب إذا بالغت في الكلام وفي تعظيم شيء اشتقت من اللفظة الأولى لفظة أخرى على غير بنائها زيادة في التأكيد، وأعربوها بإعرابها، فقالوا: جاد مجد، وليل لائل، وشعر شاعر (٢). (قال ابن شهاب) يعني الزهري (ثم سألت ابنا لسلمة بن الأكوع) هو إياس بن سلمة (فحدثني عن أبيه بمثل ذلك) يعني: في الرواية الأولى (غير أنه قال) في هذِه الرواية زيادة (فقال رسول الله: كذبوا) رواية مسلم: "كذب من قاله" (٣). (مات جاهدًا مجاهدًا فله أجره مرتين) أشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين (٤) ثبت له بهما الأجر مرتين وهما جاهد مجاهد، فمعنى الثاني غير الأول؛ لأن مجاهدًا الأول معناه: أنه مبالغ في عمل الخير والثاني معناه (٥): أنه مجاهد لأعداء الله، وفي رواية مسلم: "إن له

стр. 7068

لأجرين" (١) وجمع بين إصبعيه. أي: اجتمع له الأجر مرتين كاجتماع أصبعي هاتين، ولم يذكر أبو داود الصلاة عليه، [وفي رواية مسلم: أن ناسًا يهابون الصلاة عليه] (٢) فقال رسول الله ﷺ : "كذبوا" (٣) يعني (٤): بل يصلى عليه. [٢٥٣٩] ([حدثنا هشام بن خالد الدمشقى، حدثنا الوليد، عن معاوية ابن أبي سلام، عن أبيه] (٥)، عن جده أبي سلام) بتشديد اللام، واسمه ممطور، قال المنذري (٦): وهو الحبشي. بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة منسوب إلى حبش بن حمير. أعن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أغرنا على حي من جهينة) وهي قبيلة (فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم) ليقتله (فضربه) بالسيف (فأخطأه) أي: لم يصبه سيفه (وأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله) جرح (أخوكم يا معشر المسلمين) نفسه بسيفه (فابتدره) أي: تسارع إليه (الناس) فيه المبادرة إلى ما أمر به الأمير، لاسيما إن خيف على المجروح من العدو. (فوجدوه قد مات) قبل أن يدركوه، فحملوه إلى النبي ﷺ (فلفه رسول الله بثيابه) أي: بثياب المجروح (ودمائه) التي مات فيها لا في ثياب النبي ﷺ ، هذا هو الظاهر، وظاهر هذا أنه لم يغسل (و) لكن (صلى عليه)

стр. 7069

الحقيقة الشرعية في الصلاة عليه أنها صلاة الجنازة، وحمله بعضهم على أن المراد بالصلاة: الدعاء، أي: دعا له كالدعاء للميت، وفي هذا دليل لمذهب أبي حنيفة والثوري (١)، واختاره المزني من أصحاب الشافعي (٢)، وروي عن أحمد أن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه (٣)، لكن هذا فيمن قتله المشركون، أما من جرح بسيف نفسه فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، لكن في "فروق الجويني" من الشافعية أن من ارتد إليه سيفه يغسل ويصلى عليه عند كثير من أصحابنا (٤)، ويدل عليه قول الشافعي في البويطي: كل من قتله كذا وكذا، أو غريق، أو حريق، أو غير ذلك فإنهم يغسلون ويصلى عليهم إلا من قتله أهل الحرب في المعركة، فخرج من هذا المجروح بسيف نفسه، فإنه يصلى عليه ويستدل له بهذا الحديث، لكن الحديث لم يذكر فيه الغسل، ففيه حجة ظاهرة لمذهب أبي حنيفة المتقدم ومن تبعه. (ودفنه، فقال: يا رسول الله أشهيد هو؟ ) هذا الاستفهام يدل على أنهم شكوا في أمره كما تقدم في ابن الأكوع (قال: نعم) أي: هو شهيد عند الله (وأنا له شهيد) بأنه مات شهيدًا.

стр. 7070

٤١ - باب الدُّعاء عِنْدَ اللِّقاءِ ٢٥٤٠ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا ابن أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ يَعْقوبَ الزَّمْعيُّ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "ثِنْتانِ لا تُرَدّانِ أَوْ قَلَّما تُرَدّانِ: الدُّعاءُ عِنْدَ النّداءِ وَعِنْدَ البَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". قالَ مُوسَى: وَحَدَّثَني رِزْقُ بْن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: وَوَقْتَ المَطَرِ (١). * * * باب الدعاء عند اللقاء أي: لقاء الكفار في الحرب. [٢٥٤٠] ([حدثنا الحسن بن علي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا موسى ابن يعقوب] (٢) الزَّمَّعي) بفتح الزاي والميم، نسبة إلى جده زمعة الأسدي، وثقه أبو داود، وابن حبان (٣) وابن معين (٤) وضعفه بعضهم (٥). قال ابن السمعاني (٦): وكان ثقة. (عن سهل بن سعد) بن مالك الساعدي، توفي النبي ﷺ وهو ابن

стр. 7071

خمس عشرة سنة، وعمر حتى أدرك الحجاج وامتحن به. (قال رسول الله: ثنتان) أي: دعوتان (لا تُرَدَّان - أو قلما تُرَدَّان -) هذا ظاهر في أن الدعاء منه مردود ومنه مقبول عند الله فيقبل الله ما يشاء ويرد ما يشاء، كما قال تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (١)، وهذِه الآية مقيدة لقوله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣)، ويبن هذا الحديث رواية ابن خزيمة (٤): "ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء وقلما يرد على داعٍ دعوته". (الدعاء عند) حضور (النداء) ورواية ابن حبان (٥): "عند حضور الصلاة"، وفي رواية له (٦): "ساعتان لا ترد على داعٍ دعوته: حين تقام الصلاة". فيحتمل أن يراد بالنداء إقامة الصلاة كما في هذِه الرواية، لكن الظاهر أن المراد بالنداء الأذان لما روى الحاكم (٧): "إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء، فمن نزل به كرب أو شدة [فليتحين] (٨) المنادي ". أي: ينتظر بدعوته حين يؤذن

стр. 7072

المؤذن فيجيبه ثم يسأل الله حاجته (وعند البأس) بهمزة بعد الباء يعني الصف (١) في سبيل الله، كما في رواية ابن خزيمة. (حين يُلْحِمُ) بضم الياء وكسر الحاء المهملة (بعضهم بعضًا) أيْ ينشب بعضهم في بعض في الحرب كما يلحم الثوب، يقال: ألحم الرجل واستلحم إذا نشب الحرب فلم يجد مخلصًا منه، قال النووي: وفي بعض النسخ: يلجم. بالجيم، وكلاهما - ظاهر يعني: أن رواية الجيم معناها إدخال الشيء في الشيء وإنشابه به، ومنه تلجم المرأة. (قال موسى: وحدثني رزيق بن سعيد بن عبد الرحمن) المدني، ويقال: اسمه رزق، له في أبي داود هذا الحديث، وأخرجه الطبراني (٢) وقال (٣) في روايته عن رزيق: وليس لرزيق إلا هذا الحديث وحديث آخر منقطع، والمشهور اسمه رزيق, (عن أبي حاتم) (٤) بن دينار. (وعن سهل، عن النبي قال: وتحت المطر) أي (٥): ودعاء من هو تحت المطر لا يرد، أو قل ما يرد، فإنه وقت نزول الرحمة لعباده لاسيما أول مطر السنة؛ لما روى مسلم (٦) عن أنس قال: أصابنا

стр. 7073

ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فحسر رسول الله ﷺ ثوبه (١) حتى أصابه المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: "لأنه حديث عهد بربه". ومعناه أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى، وروى الشافعي في "الأم" (٢) بإسناده حديثًا مرسلًا عن النبي ﷺ قال: "اطلبوا الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث"، قال الشافعي: وقد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة.

стр. 7074

٤٢ - باب فِيمنْ سَأَلَ الله تَعالَى الشَّهادَةَ ٢٥٤١ - حَدَّثَنا هِشامٌ بْنُ خالِدٍ أَبُو مَرْوانَ وابْن المُصَفَّى، قالا: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ، عَنِ ابن ثَوْبانَ، عَنْ أَبِيهِ يَرُدُّ إِلى مَكْحُولٍ إِلى مالِكِ بْنِ يُخَامِرَ أَنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "مَنْ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ فُواقَ ناقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وَمَنْ سَأَلَ اللهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صادِقًا ثُمَّ ماتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ". زادَ ابن المُصَفَّى مِنْ هُنا: "وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا في سَبِيلِ اللهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّها تَجيءُ يَوْمَ القِيامَةِ كَأَغْزَرِ ما كانتْ لَوْنُها لَوْنُ الزَّعْفَران وَرِيحُها رِيحُ المِسْكِ وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُراجٌ في سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّ عَليْهِ طابَعَ الشُّهَداءِ" (١). * * * باب فيمن سأل الله تعالى الشهادة [١٢٥٤] (حدثنا هشام بن خالد أبو مروان) الأزرق (و) محمد (بن المصفى، قالا: حدثنا بقية، عن) عبد الرحمن بن ثابت (بن ثوبان، عن أبيه - يرد) الحديث (إلى مكحول -) ثم (إلى مالك بن يَخَامر) بفتح الياء تحت والخاء المعجمة، بعضهم بعضا (أن معاذ بن جبل سمع رسول الله ﷺ يقول: من قاتل في سبيل الله فُواق) بضم الفاء (ناقة) أي: قدر ما بين حلبتي الناقة كونها تحلب ثم تترك قليلًا يرضعها الفصيل لقدر (٢) ثم تحلب، ويحتمل أن الفواق ما بين الغداة إلى

стр. 7075

المساء؛ لأنها تحلب في الغداة ثم تحلب في المساء، وقيل: هو ما بين رفع يدك عن الضرع حال الحلب ووضعها، وزمن القتال على هذا القول أقصر من القول الأول. (فقد وجبت له الجنة) أي: التي أعدها الله للمجاهدين أو وجب له دخول الجنة مع السابقين، وإلا فالجنة للمؤمن وإن لم يقاتل (ومن سأل الله القتل من نفسه) ورواية الترمذي (١): "القتل في سبيله" (صادقًا) "من قلبه" كما في رواية الترمذي (ثم مات أو قتل فله أجر شهيد) ورواية ابن حبان في "صحيحه" (٢) بنحوه، إلا أنه قال فيه: "ومن سأل (٣) الله الشهادة مخلصًا أعطاه الله أجر شهيد وإن مات على فراشه". أما من سأل الله الشهادة ومات على فراشه فله أجر شهيد بسؤاله الشهادة وإن لم تحصل له، وأما من قتل شهيدًا فقد حصلت له الشهادة لكن يعطى أجر شهيد زيادة على من قتل شهيدًا لم يسأل الله الشهادة قبل القتل. (زاد ابن المصفى) بضم الميم وتشديد الفاء، قال المنذري: هو عبد الله محمد بن المصفى القرشي الحمصي شيخ أبي داود (من هاهنا) أي: بعد قوله: "أجر شهيد" (ومن جُرح جَرحا) بفتح الجيم هو المصدر، وبالضم الاسم منه، وهو المراد (في سبيل الله أو نكب) بضم النون وكسر الكاف (نكبة) بسكون الكاف، هو ما يصيب الإنسان من الحوادث. الفرق بين الجرح والنكبة: أن الجرح من الكفار، والنكبة من دابته أو
следующие страницы →