← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ابن عنبسَة وقد أجمعوا على ضعفه (١). (فَدَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، أي: بماء يتوضأ به (فَأَتَينَاهُ بِتَوْرٍ) بفتح المثناة. قال في "النهاية": هو إناء مِنْ صفر أو حجارة (٢) كالإجانة. (٣) (فِيهِ مَاءٌ حَتَّى وَضَعْنَاهُ بَينَ يَدَيْهِ) فيه خدمة أهل العِلم وإكرامهم بإحضار ما يَحتَاجُون إليه. (فَقَالَ: يَا ابن عَبَّاسٍ، أَلَا أُرِيكَ كَيفَ كَانَ يَتَوَضأُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَأَصْغَى الإِنَاءَ) أي: أمَاله (عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَهَا) قبل أن يدخلها الإناء (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى) يعني: التي غسَلها (فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى) يده (الأخرى ثُمَّ غَسَلَ كفَّيهِ) ثلاثًا (ثُمَّ تمَضْمَضَ) (٤) واستنشق (وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الإِنَاءِ جَمِيعًا فَأَخَذَ بِهِمَا حَفْنَةً) الحفنة بفتح الحَاء: ملء الكفين، والجمع حَفنات مثل: سجدة وسَجدات. (مِنْ مَاء فَضَرَبَ بِهَما (٥) عَلَى وَجْهِهِ) وفي قوله: وأخذ بهمَا دليل لما قاله صَاحب "الحاوي" (٦): أنَّ المُستحب في غَسل الوجه أن يأخذ الماء بيديه جميعًا، لأنه أمكن وأسبغ، وقوله: فَضرب بهَا يدل على أنه يلطم بالماء وجهه، هاذا وضع الماء على وجهه فيبدأ بأعلى وجهه ثم يحدره؛ لأن رسُول الله ﷺ كانَ يَفعَل ذلك" ولأن أعلى الوجه

стр. 702

أشرف؛ لكونه مَوضع السُّجود؛ ولأن الماء يجْري بطبعه. (ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ) أي: جَعل إبهاميه للبياض الذي بَين الأذن والعِذار كاللقمة للفم توضع فيه، وقد أستدل به الماوردي (١) على أن البيَاض الذي بين الأذن والعذار من الوجه كما هُو مَذهبنا. وقال مَالك (٢): ما بين اللحْية والأذن ليس من الوجه قال ابن عَبد البَر (٣): لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مَالك. وعن أبي يوسُف (٤): يجب على الأمرد غسله دُون الملتحي. (ثُمَّ الثَّانِيَةَ) مثل ذلك (ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ) على الوجه، (ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ اليُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاء فَصَبَّهَا) أي: صب قبضة المَاء (عَلَى نَاصِيَتِهِ) الناصَية: شعر مقدم الرأس (فَتَرَكَهَا (٥) تَسْتَنُّ) أي: تَسيل وتنصبُّ (عَلَى وَجْهِهِ) (٦) يقالُ: سننت (٧) الماء على الوَجه أي: صببته صَبًّا سَهلًا، وقد استدل به عَلى أنهُ يُستحبُّ أن يزيد في مَاء الوَجْه؛ لأن فيه غضوُنًا وشعُورًا (٨) كثيرة خفيفة وكثيفَة. قال الإمام أحمد (٩): يُؤخذ للوَجه أكثر ما يُؤخذ لعضو منَ الأعضاء،

стр. 703

ويتعاهَد ما فيه منَ الغضون والدواخِل والخَوارج؛ ليصل الماء إلى جَميعه. (ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيهِ إِلَى المِرْفَقَينِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) أي: كل واحد (١) ثلاثًا. (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَظُهُورَ أُذُنَيهِ) وكيفيته على ما قالوهُ أن يَبل يَديه، ثم يضع سبابتيه على مقدم رأسه [ويمر بهما] (٢) إلى قفاه، ثم إلى ظهور أذنيه وهو ما أدبر منهما، فيمسَح ظاهر الأذنين مَعَ الرأس بماء واحِد. ولهذا استدل به الشعبي والحسَن بن صالح وغيرهما على أن ظاهر الأذنين مِنَ الرأس يمسحان معهُ، وأن بَاطن الأذنين وهو ما أقبل منهما مِنَ الوجه يغسلان معهُ، قالا: ولأن الوَجه مَا يحصُل به المَواجهة وهي حَاصلة بما أقبل (٣). وأجاب أصحابنا عن هذا الحَديث بأنه ليسَ فيه دليل على مقدم الرأس ومُؤخرها، وبأنه محمُول على أنه استوعب الرأس، فالمسح (٤) مؤخر الأذُن معهُ ضمنًا لا مقصودًا ولا يتأتى الاستيعَاب غالبًا إلا بِذَلك. (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ جَمِيعًا) في الماء (فَأَخَذَ حَفْنَةً) بفتح الحَاء المهملة (٥) كما تقدمَ. (مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا (٦) عَلَى رِجْلِهِ) اليُمنَى (وَفِيهَا النَّعْلُ). قال الخطابي: يحتمل أن تكون تلك الحفنة مِنَ الماء قدَ وصلت إلى

стр. 704

ظاهِر القدم وباطنه، وإن كانت الرجْل في النَعل، ويدل على ذلك قوله: (ففتلها (١) بِهَا) يحتمل أن يراد ففتل (٢) الحفنة التي بيديه على رجليه (٣) في النعل، فيدير يده في الغسل على الرجل ليَصِل الماء إلى جَميعها. قال الخطابي: والحفنة إنما كفت مع (٤) الرفق (٥) في مثل هذا، فأما من أرَادَ المسح على بعض القدم فقد يكفيه ما دُون الحفنة، قالَ: وقد روي في غَير هذِه الرواية عن عَليّ أنه توضأ ومسحَ على نَعليه، وقال: هذا وضُوء من لم يحدث، وإذا احْتمل الحَديث وجهًا من التأويل فوافق قول (٦) الأمة فهو أولى مِن قول (٧) يكون فيه مُفارقتهم والخروج مِن مذاهبهم (٨) (ثُمَّ) فعل في (الأُخْرى مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ) علي (٩) ﵁: (قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَينِ؟ ) أي: غسْل رجليه في النعْلين (قَالَ: وَفِي النَّعْلَينِ. قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَينِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَينِ. قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَينِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَينِ (١٠) قيل: يحتمل إن ثبت الحَديث أن تكون تلك

стр. 705

الحَفنة من الماء قد دخلت (١) إلى ظاهِر القدَم وباطنه، وإن كانت في النَّعل فالحفنة من الماء تكفي مع الرفق. ([قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ] (٢) وَحَدِيثُ) عبد الملك بن عبد العزيز (ابْنِ جُرَيْجٍ) نُسب لجده (عَنْ شَيبَةَ) ابن نصاح بكسر النون وتخفيف الصَّاد المهملة ابن سَرجس المخزومي المدَني القارئ مولى أُم سَلمة زوج النَّبي ﷺ أتي به إليها وهو صغيرٌ فمسحتْ رأسهُ ودَعَت لهُ بالخَير والصَّلاح. قال البخَاري: حَدثني الأويسي حَدَّثني الدراوردي، قال: رأيتُ شيبة بن (٣) نصاح قاضيًا بالمدِينة (٤) وثقه النسَائي، وروى (٥) له حَديثًا واحدًا (٦) وهو هذا (٧) (يشبه حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ فِيهِ حَجَّاجُ (٨) بْنُ مُحَمَّدٍ) المصيصي الأعوَر الحَافظ، روى له الجماعة. قال أبو داود: بلغَني أن (٩) ابن معين كتب عنهُ خَمسين ألف حَديث (١٠)، ولفظه: أخبرنا إبراهيم بن حُسين (١١) المقسمي، قالَ: ثنا

стр. 706

حجاج، قال: قال عن ابن جُرَيْجٍ حَدثني شيبة أن محمد بن علي أخبرهُ، قال: أخبرني أبي علي أن (١) الحُسين بن علي قال: دعَاني أبي عليّ بوضوء فقربته إليه، فبدأ فَغَسَل (٢) كفيه ثلاث مَرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم تمضمض ثلاثًا، واستنثر واستنشق ثلاثًا، ثم غسَل يده اليُمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليُسرى كذلك، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ مَرَّة وَاحِدَة -رواية النسَائي: مسحة واحدة (٣) - ثم غسَل رجله اليُمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليُسرى كذلك، ثم قام قائمًا (٤) فقال: ناولني. فَنَاوَلته الإناء الذي فيه فضل وضوئه فشربَ من فضل وضوئه قائمًا، فعَجبت، فلما رآني قال: لا تعجب؛ فإني رَأيت أباك النبي ﷺ يَصْنَع مثل ما رأيتني صَنعت. (قَالَ) عَبد الله (ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ عَنِ ابن جُرَيْجٍ) عَن محمد بن علي (وَمَسَحَ) أيضًا (٥) (بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا) هذا ممَّا احتج به الشافِعي على التثليث في مَسح الرأس (٦). قال البيهقي: كذا قال ابن وَهب عن ابن جريج عنه (٧). قال ابن الجَوزي في "كشف المشكل": وقد ورد تكرار المَسْح في حَديث علي

стр. 707

منها: عند الدارقطني (١) من طريق عَبد خير وهو من رواية أبي يوسُف القاضي، عن أبي حنيفة، عن خالد (٢) بن علقمة عنه. [١١٨] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ) ابن قعنب القعنبي (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ (٣)، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة بن أبي حسَن المازني. (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ) قال ابن حجرَ: قوله جدّ عمرو بن يحيى فيه تجوز؛ لأنه عَم أبيه، وسَماهُ جَدًّا، لِكَوْنه في منزلته، وأما قول صاحب "الكمال" ومن تبعهُ في ترجمة عمرو بن يحيى أنهُ ابن بنت عَبد الله بن زَيْد فغلط بوَهمه من هذِه الرواية. وقد ذكر ابن سَعد أن أم عمرو بن يحيى هي حميدَة بنت محمد بن إياس (٤)، وقال غَيرهُ: هي أُم النعمان [بنت أبي] (٥) حنة، فالله أعلم (٦). وقد اختلف في ذلك، والذي يجتمعُ من هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عَبد الله بن زَيد أبُو حسَن الأنصَاري وابنه عمرو وابن ابنه (٧) يحيى بن عمارة بن أبي حسَن فسَألوهُ عن صفةِ وضُوء النبي ﷺ

стр. 708

وتوَلى السُّؤال منهم له عَمرو بن أبي حَسَن فحيث (١) نسب إليه السؤال كان على الحقيقة ويُؤيدهُ رواية سُليمان بن بلال عند البخاري في باب: الوُضوء مِنَ التور، قال: حَدثني عَمرو بن يَحيى عن أبيه قال: كانَ عَمي (٢) يَعني: عَمرو بن أبي حسَن يكثر الوُضُوء فقال لعَبد الله بن زيد: أخبرني فذكره. [وحيث نسب] (٣) السُّؤال إلى أبي حسَن فعَلى المجاز؛ لكونه كانَ الأكبرَ وكانَ حاضرًا، وحيثُ نسبَ السُّؤال ليحيى بن عمارة فعَلى المجَاز أيضًا؛ لكونه ناقل الحَديث وقد حضر السُّؤال (٤). (هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ ) فيه فضيلة السُّؤال عن أفعَال النَّبي ﷺ ليقتدى به ومُلاطفة الطَّالب للشيخ. (فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو (فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ) وفي رواية للبخاري: فأكفأ (٥) بهمزتين، وفي رواية له: فكفأ (٦) بفتح الكاف وهُما لُغتان بمعنىً. يقالُ: كفأ الإناء وأكفأهُ إذا أمَاله. وقالَ الكسائي (٧): كفأت الإناء قلبته (٨) وأكفأته: أملته. والمرادُ

стр. 709

بالجَميع إفراغ (١) المَاء مِنَ الإناء على اليَد دُون وضع اليد فيه قبل غسلها. (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) وتقدم في الرواية المتقدمة: على يده بالإفراد وهي محمولة (٢) على جنس اليد، وقد ذكر مُسلم من طريق بَهز عن وُهيب أنه سَمع هذا الحَديث مَرتين مِن عَمرو بن يحيى إملاء (٣) فتأكد ترجيح الروايتين [ولا يقال: يحمل على واقعتين، لأنا نقول: المخرج متحد والأصل عدم التعدد فيه دليل على غسل اليد قبل] (٤) إدخَالها (٥) الإناء، ولو كانَ من غَير نَوم، والمرادُ باليدين هاهنا الكفان لا غير لما تقدم. (ثُمَّ تَمَضْمَضَ (٦) وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) فيه تقديم غسل الكفين على المضمضة والمضمضة على الأستنشاق والاستنثار (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) لم تختلف الروَايات في ذلك (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ) كذا رواية البخاري بتكرار مَرتين (٧)، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يَحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مُسلم من طريق حبان بن واسع، عن عبد الله بن زَيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وفيه: ويده اليُمنى ثلاثًا ثم الأخرى ثلاثًا (٨) فيحمل على أنهُ وضوء آخر لكون

стр. 710

مخرج الحَديثَين غير متحد (١) (إِلَى المِرْفَقَينِ) وقد اختلف العُلماء هَل يدخل المرفقان في غسْل اليدَين أم لا؟ فقالَ المعظم: نعم، وخالف زفر، وحكاهُ بَعضهم عن مَالك (٢). قال ابن القصَّار: اليَد يتناولها (٣) الاسم إلى الإبط لحديث عَمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جَاء قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤) بقي المرفق مَغسُولًا مع الذرَاعين بحق الاسم (٥). ويمكن أن يستدل لدُخولهما بفعله ﷺ ، ففي الدارقطني بإسَناد حَسَن مِن حَديث عثمان في صفة الوُضوء: فغسَل يديه إلى المرفقين حَتى مسّ أطراف العَضدين (٦). وفي البزار والطبرَاني من حَديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: وغسل ذراعيه حتى جَاوز المرفق (٧). قال الشافعي في "الأم" (٨): لا أعلم مخالفًا في إيجاب دُخول المرفقَين في الوُضوء. فعَلى هذا فَزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك مِن أهل الظاهِر بعدهُ، ولم يثبت ذلك عَن مَالك صَريحًا

стр. 711

(ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) وفي رواية ابن خزيمة: مسَح رَأسَه كله (١) ثم بيَّن كيفية المَسح (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بدأ (٢) بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ) الظاهر أنه من الحَديث، وليس مدرجًا من كلام مالك (ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ) فيه حُجة على من قالَ: السُّنة أن يَبدأ بُمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه لظاهر رواية البخاري في باب الوضوء مِن التور: فمسَحَ رأسه فأدبر به وأقبل (٣). وليس فيه حجة؛ لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه (٤)، ومخرج الطريقين متحد فهُما بمعنى واحد، وعينت رواية مَالك البدَأة بالمقدم، فيحمل قوله: (أقبل) على أنه مِن تسمية الفِعل بابتدائه أي: بدأ بمقبل الرأس. (ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الذِي بَدَأَ مِنْهُ) والحكمة في هذا الإقبَال والإدبار استيعَاب جهَتي الشَّعر بالمسْح، فعَلى هذا يختص هذا الإدبار بمن لهُ شَعر، أما مَن لا شعر لهُ أو حَلق رأسه وطلع منهُ يَسير فلا يُستحب له الرد؛ لأنهُ لا فائدة فيه، وكذا لا يُستحب الردّ لمن لهُ شعر كثير مظفور، فلو فَعَلهُ في هذِه الحَالة قال في "التهذيب": لا تستحبُ له مَرة ثانية؛ لأنَّ المَاء صَارَ مُستعملًا. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ) (٥) أي: ثلاثًا، وفي هذا الحَديث دليل على أن

стр. 712

الوُضوء الوَاحد يكون بَعضه بمرة (١) وبعضه بمرتين (٢) وبَعضه بثلاث (٣)، وأن الاغتراف مِن الماء القليل للتطهير لا يصير الماء مستعملًا. [١١٩] (ثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنَا خَالِد) بن عَبد الله الوَاسِطي الطحان (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة المازني (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) حَدث (بهذا الحَدِيثِ قَالَ) فيه: (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ) واحِدَة، كذا للبخاري (٤)، ورواية أبي داود عند الخَطيب. (مِنْ كَفٍّ وَاحِدَة يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا) وهو صَريح في الجَمع في كل مَرة بخلاف الروَاية المتقدِّمة، وقد استدل به على (٥) الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرفَة واحدة يمضمض من كل غرفَة، ثم يستنشق منهَا فيتمضمض ويستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات، وهذا ما صححهُ النووي (٦) للأحاديث الصَّحيحة فيه، والوَجه الثاني الذي استحسنهُ الرافِعي (٧) في "الشَّرح الصَّغير" أنه لا يجمع بينهما. (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ) أي: قريبًا ممَّا تقدم. [١٢٠] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ) (٨) قال: (ثَنَا عَبد الله ابن

стр. 713

وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بن الضحاك الحِمْصي وثق (١) (أَنَّ حَبَّانَ) بفتح الحَاء المهملة والبَاء الموَحَّدة (بْنَ وَاسِع حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ) واسِع بن حَبان بفتح المُهملة والموَحدة أيضًا المازني، أخرج له مُسلم والترمذي أَنَّهُ (سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) الأنصَاري (المَازِنيَّ) له ولأبيه (٢) صحبة ولأخيه حَبيب بن زَيد المدَني (٣) الذي قطعهُ مُسيلمة (٤)، وقَد شهد عَبد الله أحُدًا هو وأمُه أم عمارة نسيبَة بِنت كعب. قال الذَهَبي: وهِمَ ابن عيينة فادعى أنهُ هوَ الذي أري الأذان أقتل بالحرة، (٥) وكانت الحرة آخِر ثلاث وستين (٦). (يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَ وُضُوءَهُ) بضَم الواو أي: صفة وضوئه (قَالَ) فيه (وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ) جَديد (غَيرِ) بالجر (٧) (فَضْلِ) أي: غير الماء الفاضِل من (يَدَيْهِ) أي: ذراعَيه، فيه دَليل عَلى أنه لا يجوز أن يمسَح رأسَهُ بالماء الفَاضل عَن ذرَاعَيه، وهو قول أبي حَنيفة (٨) والشافعي (٩) وأحمد (١٠)، قال الترمذي بعَد ما روى الحَديث: حَديث

стр. 714

حَسَن صَحيح، وقد روي من غير وجه هذا الحَديث عن عبد الله بن زَيد وغَيره، أن النَّبي ﷺ أخذ لرَأسِهِ ماءً جَديدًا، والعَملُ على هذا عند أكثر أهل العِلم؛ رأوا أن يأخُذ لِرَأسِه ماءً جديدًا. انتهى (١). وجَوَّزَهُ الحَسَن وعُروة والأوزاعي (٢) لظاهر حَديث عُثمان، ويتخرج لنا مثل ذَلك إذا قلنا: المُستَعمل لا يخرج عن طهُوريته سيَّما الغسْلَة الثانية والثالثة (٣) (٤). (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا) (٥) فيه دَليل على تنظيف الرجلين؛ لأنهما يكثر مُلاقاتهما الأوسَاخ والأقذار بقربهما (٦) مِنَ الأرض لا سيَّما من يمشي حَافيًا، وقد يُؤخذ منه دَلك الرجلين، ويُقَاسُ عليه بقية الأعضاء. [١٢١] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: ثَنَا أَبُو (٧) المُغِيرَةِ) عَبد القُدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي؛ روى عنهُ البخاري في جزاء الصَّيد وبدء الخلق (٨)، قال (ثَنَا حَرِيزٌ) بفتح الحاء المهملة وآخِره زَاي، ابن عثمان الرحبي الحمصي، ورحبة: بَطن مِن حمير تابعي، قال: (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ) أبو سَلمة الحمصي ثقة (٩)

стр. 715

(الْحَضْرَميُّ) روى لهُ ابن مَاجه أيضًا، قال: (سَمِعْتُ المِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ) [معدي كرب] (١) مُركب من كلمتَين تركيبَ (٢) مَزج، وفيه ثلاثة أوجُه أفصحها أن يسكن آخِر الجُزء الأول وهو اليَاء المثَناة مِن (٣) معدي، وإنما لم تفتح وإن كانت تفتح قَبل تاء التَّأنيث؛ لأن للتركيب مَزيد ثقل فَخص بِمزيد خفة، وأمَّا آخِر الجُزء الثاني [فالباء الموحدة مفتوحة] (٤)؛ لأنه غير منصَرف بتَنزيل الجُزء الثاني مَنزلة هَاء التأنيث فأعطي حكمهَا في مَنع الصَّرف. (الْكِنْدِيَّ) نزيل حمْص، مات سَنة سَبع وثَمانين، ولهُ إحدى وتسعُون سنة. (قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِوَضُوء) بفتح الواو (فَتَوَضَّأ) به (فَغَسَلَ كفَّيهِ ثَلَاثًا) فيه التثليث في (٥) غسل الكفين (وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ) إلى المرفقين (ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا) استدل به على جواز تأخير المضمَضة والاستنشاق عَن غسل الوَجه واليدين، واستدل أيضًا بما روى الدارقطني عن العَباس بن يزيد، عن سُفيان بن عيَينة، عَن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبيع بنت المعوذ بن عفراء قال: أتيتها فأخرجت إليَّ إناء، فقالت: في هذا كنتُ أخرج الوَضوء لِرسُول الله ﷺ فيَبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثًا، ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويَستنشق ثلاثا، ثم يغسل يدَيه، ثم

стр. 716

يمسح برأسه مُقبلًا ومُدبرًا، ثم يغسل رجليه. قال العَباس بن يزيد: هذِه المرأة التي حَدثَت عن النَّبي ﷺ أنهُ بدأ بالوَجْه قبل المضمَضة والاستنشاق، وقد حَدث أهل بدر، مِنهم: عُثمان وعَلي أنهُ بدَأ بالمضمَضة والاستنشَاق والنَّاس عليه (١). انتهى. وبِهَذا قال أحمد وأصحابه (٢)، ومع القول بالجَواز يُستحب أن يبدأ بهما قبل الوجه، لأن كل من وصف وضوء رَسُول الله ﷺ ذكر أنه بدأ بهما إلا شَيئًا نادرًا قالوا (٣): وهَل يجبُ الترتيب والموَالاة بينهما وبين سَائر الأعضاء غَير الوجه؟ على روايتَين: إحداهما: يجب وهو ظاهِر كلام الخرقي؛ لأنهما مِنَ الوَجْه، فوَجَب غَسلهما قبل غسل اليَدين للآية، وقياسًا على سائر أجزائه. والثانية: لا يجب، بل لو تركهما (٤) في وُضوئه وصَلى فإنهُ يتمضمض ويَستنشق ويُعيد الصَّلاة ولا يعيد الوُضوُء (٥). (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ) ظَاهرُه أن الأذنين يمسحَان مع الرأس كما تقدَّم (ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا) جَميعًا، وزاد أحمد في روايته: وغَسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا (٦).

стр. 717

[١٢٢] (ثَنَا مَحْمُودُ (١) بْنُ خَالِدٍ) بن يزيد السلمي الدّمشقي، وثقهُ النسَائي (٢)، وقالَ أبُو حاتم: ثقة رضي (٣) (وَيَعْقُوبُ بْنُ كعْبٍ) الحَلبي (الأَنطَاكِيُّ) ثقة صَالح سُني (٤) وهذا (لَفْظُهُ قَالَا: ثَنَا الوَلِيدُ (٥) بْنُ مُسْلِمٍ) أبُو العَباس عَالم أهل الشام، صَنف سَبعين كتابًا، ويقالُ: من كتب مُصنفات الوليد صَلح للقضاء (٦) (عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ) الرحبي كما تقدم. (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قال: رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ (٧) فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ) بفتح القاف والدال المشَددة، هذِه أفصح اللغات الست الجاريات في المؤخر (رَأْسِهِ) لعَل المراد بالكفين كما قال أصحَابنا وغيرهم: إبهاميه، فإن المستحب في مَسْح الرأس أن يلصق طرف سَبابته بطرف سَبابته الأخرى ويضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه. (فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ القَفَا) مقصور، وهو مؤخر العُنق. قال ابن السِّكيت: القفا مذكر (٨) وقد يؤنث، وألفه واو، ولهذا يُثنى

стр. 718

قفوين (١) (ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الذِي بَدَأَ مِنْهُ) (٢) أي: إذا كانَ له شعر يُقيمه وينيمهُ في الذهَاب والإياب، وإذا مَسَح جَميع رأسه، فالأصَح عندنا أن الفرض منه ما يقع عليه أسْم المَسْح والبَاقي سُنة، والثاني: أن الجميع يَقع فَرضًا فعلى هذا يكون حكمه حكم خصال الكفارة في اليَمين فأي خصلة فعَلهَا حكم بأنها الواجب. (قَالَ مَحْمُودٌ: أَخْبَرَنِي حَرِيزٌ) بهذا كله. [١٢٣] (ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ) ابن يزيد السلمي (وَهِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، المعنى) الأزرَق الدمشقي، ثقة (٣). (قَالَا: ثَنَا الوَلِيدُ) ابن مُسلم، عن حريز (بهذا الإِسْنَادِ) قَالَ: قال كذا في رواية أبي عَلي التستري ورواية الخطيب (قَالَ: وَمَسَحَ أذنَيه ظَاهِرهما وَبَاطنهما) و (زَادَ هِشَامٌ) ابن خالد في روايته: (وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ) أي: أصْبَعَيْه. (فِي صِماخِ) بالإفراد عَلى تأويل الجنس (٤) والمرادُ في صماخي (أُذُنَيْهِ) والصماخ بكسر الصَّاد، ويُقالُ: السِّماخ بالسِّين لغتان الصَّاد أفصَح وأشهر كما في الحَديث فيه دَليل لما قالهُ الشافِعِي في "الأم" (٥) والبُوَيطي (٦): أنه يُستحبُّ لمن مَسَح أُذنَيه أن يأخذ لصماخيه ماء جَديدًا

стр. 719

غَير الماء الذي مَسَح به ظاهِر الأذن وباطنها للحَديث؛ ولأن الصِّماخ في الأذن كالفَم والأنف في الوَجْه كما انفرد الفم والأنف عَن الوَجْه بالماء؛ فكذلك الصِّماخ (١) في الأُذن، فإنْ ترك مَسح الأذن جَاز لحَديث الأعرابي: "توَضأ كما أمرك (٢) الله" (٣)، وليس فيما أمر الله مَسْح الأذنين. [١٢٤] (ثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ الحَرَّانِيُّ) أبُو سَعيد قالَ أبو حَاتم: ثقة رضي (٤)، قال (ثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) عَالم أهل الشام، قال (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ العَلَاءِ) [بن زبر] (٥) بن عَطارد الربعي الدمشقي، أخرج له البخاري في الجزية (٦) وتفسير الأعراف (٧)، قال: (ثَنَا أَبُو الأزهَرِ المُغِيرَةُ (٨) بْنُ فَرْوَةَ) الثقفي الدّمشقي، ويقالُ: فروة بن المغيرة ذكرهُ ابن حبان في "الثقات" (٩) مَات قبل مَكحوُل (وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ) هَانئ الهَمداني قاضي دمشق. (أَنَّ مُعَاوِيَةَ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأى رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ فَلَمَّا بَلَغَ) في وضوئه (رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةَ) بفتح الغَين هي المرة، وبضمها الماء المغروف باليَد (مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا) أي: تلَقَّى غرفة المَاء (بِشِمَالِهِ) فرَفَعَها (حَتَّى وَضَعَهَا

стр. 720

عَلَى وَسَطِ) بفتح السِّين وأصله ما تساوت أطرافه مِن كل جهة، والسُّكون فيه لغة فيقال: ضربَ وسَط رَأْسِهِ، وجَلس وسَط الحلقة، وسَال على جوانب (رَأسه حَتَّى قَطَرَ المَاءُ أَوْ كَادَ) يَعني: قارَب (يَقْطُرُ) من رأسه، اسْتدل به على أن المتَوضئ لو غَسَل رَأسَه بَدَل مَسْحِه؛ جَاز كما لو انغمسَ في مَاء أجزأهُ إذا نوى الطَّهَارتين، وإن لم يمسح، أمَّا لو أَمَرَّ (١) يدهُ على رأسه مع صب الماء أو بَعدَهُ فأولى بالجوَاز، وفي وجه لا يجزئه؛ لأنهُ لا يُسمى مسحًا، وحَكى إمامُ الحَرمين: إجزاء الغسْل بالاتفاق، قال: لأنه فوق المَسْح، فإذا قلنا بالمذْهَب وهو إجزاء الغسل، واتفق الأصحَاب عَلى أنه لا يُستحب، وهَل يكره؟ قالَ الأكثرون: هو مكروه؛ لأنه سَرف، كالغسلة الرابعَة، وصَحح الغزالي والرافعي عَدم الكراهة والحَديث يدل عليه (٢) (ثُمَّ مَسَحَ رأسهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ وَمِنْ مُؤَخرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ) وهذا محمُول على أنهُ كان له (٣) شعر يقيمه وينيمه كما تقدم، وسَيَأتي في الحَديث. [١٢٥] (ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قال: ثَنَا الوَلِيدُ) بن مُسلم (بهذا الإِسْنَادِ) المذكورُ، و (قَالَ) فيه: (فتوضأ (٤) ثَلَاثًا ثَلَاثًا و) قال فيه: (غَسَلَ رِجْلَيهِ بِغَيرِ عَدَدٍ) أي: لم يذكر في غسْل الرجلين عددًا، بل أطلقهُ، والمُطلق يحمل على المقيد المتقدّم في الروايات قبله.

стр. 721

[١٢٦] (ثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنَا بِشْرُ) بكسْر الموَحَّدَة وسُكون المُعجمة (بْنُ المُفَضَّلِ) (١) بن لاحق (٢)، الإمَام الحُجة، كانَ يصلي كل يَوم خَمسمائة ركعة، قال (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ) بفتح المهملة ابن أبي طالب. (عَنِ الرُّبَيِّعِ) بضم الراء [وتشديد ياء] (٣) التصغير (بِنْتِ مُعَوِّذِ) بكسْر الواو المشَدَّدَة، ويجوُز الفَتح (بْنِ عَفْرَاءَ) بفتح المهملة وسُكون الفاء والمدّ، الصّحابية الأنصارية (٤). (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْتِينَا) فيه إتيَان الإمَام إلى بَعض رعيته لزيَارة ونحوها تواضعًا (فَحَدَّثَتْنَا) الرُّبيع (أَنَّهُ قَالَ) لهَا: (اسْكُبِي لِي وَضُوءًا) أي: مَاء أتوضأ به (فَذَكَرَ) عبد الله بن محمد عنها (وُضُوءَ النبي ﷺ وقَالَ فِيهِ: فَغَسَلَ كفَّيهِ ثَلَاثًا وَوَضَّأ) أي: غسل (وَجْهَهُ) سُمِّي بذلك؛ لأن الغسْل يحصُل به الوضَاءة وهي النظافة، والحُسن والبَهجة (ثَلَاثًا وَتمَضْمَضَ (٥) وَاسْتَنْشَقَ) فيه جَوَاز تأخير المضمضة والاستنشاق عَن غسْل الوَجه كما تقدم، من رواية الدارقطني، عَن العَباس بن يزيد، عن ابن عيينة، عن عَبد الله بن محمد بن عَقيل، في الحَديث الذي رواهُ المقدام بن معدي كرب. (مَرَّةً) ولا تعَارضه الروَاية المتقدمة "أنه تمضمض واستنشق ثلاثا"؛

стр. 722

لأن (مَرة) مِن مفهوم العَدد وليس هُو حجة، وفي "المُستدرك" و"سُنن أبي مُسلم الكجي": عن بشر بن المفضل (١) عن ابن عقيل عن الرُّبيع صَببت (٢) على رسُول الله ﷺ فتوضأ، وقال لي: "اسْكبي عليَّ" فسَكبتُ. (وَوَضَّأَ يَدَيْهِ) إلى المرفقين (ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَينِ) هَكذا (٣) رواهُ الترمذي وقال في (٤) (يَبْدَأُ): بدأ (بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيهِ كِلْتَيهِمَا) بسكون المثناة تحت (ظُهُورِهِما وَبُطُونِهِما) بالجَر فيهما عَلى البَدَل، وهَكذا للترمذي، ولم يَذكر ما بعده مِنَ الرِّجلين، وقال: حَديث حسَن. قال: وحَديث عَبد الله بن زيد أصح مِن هذا، وأجود إسنادًا (٥). ولفظ حَديث عَبد الله بن زَيد الذي أشارَ إليه عند مَسْحِ رأسِهِ بيديه: فأقبل بهما وأدبَر، بدأ (٦) بمقدم رَأسه ثم ذَهب بهما إلى قفاه ثم ردَّهما حَتى رَجَعَ إلى المكان الذي بدأ منه ثمَّ غسل رجليه. ثم قالَ بعده: حَديث عَبد الله بن زَيد أصَح شيء في هذا البَاب وأحسن (٧). وبه يقول الشافعي (٨)، وأحمد، وإسحاق (٩)، وحَديث عَبد الله بن زَيد المتفق

стр. 723

عليه: ومسَحَ برأسه مَرة واحدة (١). وفي حديث الرُّبيع دليل على جواز غسْل بَعض الأعضاء مرة وبَعضها مرتَين وبَعضها ثلاثًا، ويستَدل به على جواز مَسح الرأس والابتداء بِمؤخَّرِه قَبل مقدمه، كما تقدم عن بعضهم أنه قال به (وَوَضَّأَ رِجْلَيهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) (٢) فيه ما تقدَّم. (وهذا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ) الذي رواهُ. [١٢٧] (ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الطالقاني، ثقة (٣)، قال (ثَنَا سُفْيَانُ) الثوري (عَن) عَبد الله (٤) بن محمد (ابْنِ عَقِيلٍ) بن أبي طالب (بهذا الحَدِيثِ) لكنَّهُ (يغَيّر فيه بَعْضَ مَعَانِي) حَديث (بِشْبر) بكسْر الموَحدة، و (قَالَ فيه (٥): وَيُمَضْمِض) بضم المثناة تحت وكسر الميم الثانية (وَيسْتَنْثَرَ) ورواية الخَطيب: وتمضمض. بفتح المثناة فوق والميم وَاسْتَنْثَرَ (ثَلَاثًا) إلى آخره. [١٢٨] (ثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الهَمْدَانِي) بسُكون الميم نسبة إلى قبيلة مِنَ اليمن، وهو رملي زاهِد ثقة (٦) (قالا (٧): ثَنَا اللَّيثُ، عَنِ) محمد (ابْنِ عَجْلَانَ) المدني الفقيه الصَّالح، وثقه أحمد وابن معين (٨)

стр. 724

(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ) بفتح العَين المهملة (عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ) تقدم. (أَنَّ (١) رَسُولَ الله ﷺ توَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كله (٢) مِنْ قَرْنِ) فيه روايتان: إحداهما: من فوق بإسْكان الواو وقاف بَعدها أي: مسَح بيَده من فَوق (الشَّعْرِ) إلى (كُلِّ نَاحِيَةٍ) يعني: لنَاحِيَة (٣) مقدم رَأسه وناحيَة مؤخره. والرواية الثانية: مِن قرن بإسْكان الواو ونون بعَدها أي: مَسَحَ الشعر من ناحيَة انصباب الشعر، والقرن: الناحِيَة، ومنه حَديث قيلة: "وأصَاب (٤) ظبته طائفة من قرون رأسي (٥) " أي: بَعض نواحي رأسي، والقرن: الضَفيرَة من ضَفَائر الشعَر، ومنه حَديث غسل الميت: ومشطنا رأسها ثلاثة قرون (٦). وفي بَعض النُسخ: "مِن فرق الشعر". بإسكان الراء وقاف بعدها أي: من مرفق الشعر، ويدل على الرواية الأولى رواية أبي عبيد في كتاب "الطهارة": فمسح رأسَه كلهُ فوق الشعر من كل ناحِيَة (٧).

стр. 725

(لِمُنْصَبِّ) بضم الميم وتشديد الموحدة آخره، أي: للناحِية التي ينصب (الشَّعْرِ) ويسْترسَل بحيث (لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيئَتِهِ) التي هو عليها، ولا يستنشر شعره، وهذِه الكيفية مَخصُوصة بِمَن له شَعر طويل إذا رد يده عليه ليَصل الماء إلى أصُوله ينتفش ويتضرر صَاحبه بانتفاشه وانتشار بَعضه، ولا بأس بهذِه الكيفية للمحْرِم، فإنهُ تلزمهُ الفدية (١) بانتشار شعره وسُقوُطه. ويدُل على الرواية الثانية (٢) ما رُوي عن أحمد أنهُ سُئل: كيف تمسح المرأة -يَعني: ومن له شعر كشَعرها- فقالَ: إن شاء مَسَحَ كما روي عَن الربيع .. وذكر الحديث، ثم قال: هكذا ووضع يديه على وسط رأسه ثم جرها إلى مقدمه، ثم رفعهَا فوضعها حَيث بدأ منهُ، ثم جَرها إلى مُؤخره (٣). وكيف مسح بَعد استيعَاب [قدر الواجب أجزأه] (٤) (٥) أي: بالسّنة أو الوَاجب على الخلاف، لكن إذا لم يحصُل به ضَرر فالأفضَل أن يَبدأ بمقدم رأسِه كما في أكثر الروايات الصَّحيحة. [١٢٩] (ثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثَنَا بَكْرٌ يعني: (٦) بْنَ مُضَرَ) بن محَمد بن حكيم بن سَلمان القرشي المصري، أخرج له الشيخان. (عَنِ ابن عَجْلَانَ) (٧) [عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن ربيع بنت

стр. 726

معوذ بن عفراء]) (١). (أَخْبَرَتْهُ (٢) قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ. [قالت: فمسح] (٣) رأسه وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَأَدْبَرَ) رواية الخَطيب: (وَمَا أَدْبَرَ) وهي أصَح. (وصُدغَيه) بضَم الصَاد وهو ما بين لحظ العَين إلى أصْل الأذُن ويُسمى الشعر الذي تدَلى علي هذا الموضَع صُدغًا، واللحظ مُؤخر العَين مما يَلي الأذن، ويَستدل بذكر الصّدغ مع الرأس أنهُ منه. قال الشافعي في "مُختَصر المزني": أحَبّ إليَّ أن يتَحرى جَميع رأسه وَصُدْغَيْهِ (٤). قال صَاحِب "الحَاوي" (٥) وغَيره: فَمن جَعَل الصُّدغَين مِنَ الرأس قال: قال الشافِعي ذلك؛ لاستيعاب الرأس. ومن جعلهما مِنَ الوَجْه، قال: قال الشَافعي ذلك ليَصير بالابتداء منهما محتَاطًا في استيعَاب (٦) الرأس، فإنه إذا لم يفعل هَكذا ترك جزءًا مِنَ أول (٧) الرأس لا يمر المسح عليه، فتفوت السُّنة في مَسح جَميع الرأس (وأذُنَيه) استدل بذكر الأذنَين مع الرأس أنهما منه، قال ابن قدامة في "المغني": وقياس المذهَب وُجوب مسحهما مع مسحه، وقال الخلال: كلهم حَكوا عن

стр. 727

أبي عبد الله فيمن ترك مَسْحهما عَامدًا أو ناسيًا أنهُ يُجزئه (١)؛ لأنهما تبع للرأس. قال: والأولى مَسْحهُما مَعَهُ؛ لأن النَّبي ﷺ مَسَحَهما مع رأسه (٢). (مَرَّة وَاحِدَة) مَسَح النَّبي ﷺ مرة ليبين الجواز، ومَسَح ثلاثًا ليُبين الفضل (٣) كما فعَل في غسل بقية الأعضاء، فنقل الأمران نقلًا صحيحًا من غير تعارض بينَ الروايات. [١٣٠] (ثَنَا مُسَدَدٌ، قال: ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دَاوُدَ) بن عَامر بن الربيع الهمداني ثم الخريبي، والخريبة محلة بالبَصرة، أخرجَ له البخاري. (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ) بن مسروق الثوري الحافظ، قال عَبد الله بن المبَارك: كتبت عن ألف ومَائة شيخ ما كتبت عن أفضَل من سُفيان (عَنْ) عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ. (ابْنِ عَقِيلٍ بن أبي طَالب، عَنِ الرُبَيِّعَ) بِنْتَ مُعَوِّذِ ﵂ (أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاء كَانَ فِي يَدِهِ) (٤) فيه دليل لما ذَهَبَ إليه الحَسَن وعُروة والأوزاعي أنه يجوز مسح الرأس بالفاضل من غسل ذرَاعَيه، إذا قلنا أن المُستعمل لا يخرج عن طهوريته بالاستعمال لا سيَّما الغَسْلة الثانية والثالثة. قال المنذري (٥): وابن عقيل هذا اختلفَ الحفاظ في الاحتجاج

стр. 728

بحَديثه؛ ولأنه روي عن عَبد الله بن زيد وغيره أن النبي ﷺ أخذ لرأسِهِ ماءً جَديدًا، وتقدم الخلاف فيه. [١٣١] (ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ) الجوهري البَغدادي الحَافظ، روى عنه مُسلم، وقال في "دلائل النبُوة": وممن روي ذلك عنهُ إبراهيم بن سَعيد (١). قال عبد الله بن جَعفر بن خاقان: سَألته عَن حَديث لأبي بكر الصِّديق فقال لجَاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعِشرين من مُسند أبي بكر. فقلت له: أبُو بكر لا يصح له خمسُون حَديثًا، فمن أين هذا؟ قال: كل حَديث لا يَكونُ عندي من مائة وَجْه فأنا فيه يتيم (٢). قال: (ثَنَا وَكِيعٌ، قال: ثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ) بن صالح، أخرجَ لهُ مُسلم. (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدِ بن (٣) عَقِيلٍ، عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ﵂ أَنَّ النَّبِي ﷺ تَوَضَّأَ) عندها (فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيهِ فِي جُحْرى) بتقديم الجيم [وإسكان الحاء] (٤) وهو الثقب الذي داخل الأذُن، وتقدم في الرواية المتقدَمة: في صماخي (أُذُنَيْهِ) وهو تفسير له، وفيه دليل على إدخَال الإصبعين بَعد مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما في صماخي أُذنَيه. قال الشافعي والأصحاب (٥): يَأخُذ للصماخين مَاءً غَير ماء ظاهر (٦)

стр. 729

الأذن وباطنه، ويكوُن المأخوذ للصّماخ ثلاثًا كسَائر الأعضاء. وحَكى المارودي (١) وجهًا أنه يكفي مَسْح الصماخ ببقية ماء الأذن لكونه مِنها. [١٣٢] (ثَنَا مُحَمَدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ لَيْثٍ) ابن أبي سليم بن أبي زنيم القرشي (٢)، واسم أبي سليم أنس، مولى (عتبة) (٣) بن أبي سُفيان، أخرج له مُسلم عَن أشعث بن أبي الشعثاء في الأطعمة (٤)، مَولده بالكوفة وكانَ مُعلمًا بها مِنَ العباد. (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ) مُصرف (عَنْ جَدِّهِ) كعب بن عمرو اليامي من بني يام بن رَافِع. قال المنذري (٥): كعب له صُحبة، ومنهم من ينكرُها (قال: رأيْتُ النبي ﷺ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ القَذَالَ) بفتح القاف والذال المعجمة: جماع مؤخر الرأس (وَهُوَ أَوَّلُ القَفَا) والقفا أوَّل العُنق، وقد اسْتدلَّ به على ما قالهُ البغوي والغزالي (٦) أنه يُستحب مَسْح الرقبَة ببلل (٧) مَسْح الرأس والأذن، وصَحح الرافِعي في "الشَرح الصَغير" أنه

стр. 730

سُنة، ومقتضى كلام الحَمَوي أن فيه قولين فإنهُ قال: مَسْح الرقبة ليس بسُنة على الجَديد (١). وروى الإمام أحمد هذا الحَديث، وقال فيه: "حَتى بَلغَ القذال وما يليه مِن مقدم العُنُق" (٢)، وإسنَاده ضَعيف (٣)، ويَعضده ما رَوَاهُ أبو عَبيد في كتاب "الطهور" عن عَبد الرحمن بن مَهدي عن المَسْعُودي، عن القاسِم بن عَبد الرحمن، عَن مُوسى بن طلحة قال: من مَسَحَ قفاهُ مَعَ رأسه وُقي الغل يَوم القيامة (٤). وهذا الحَديث وإن كان مَوقوفًا فلهُ حكم المرفوع؛ لأن هذا لا يقال من قِبَل الرأي، فَهو على هذا مُرسَل (٥). وروى الدَيلمي في "مُسْنَد الفردَوس" عن ابن عُمر أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "مَسْح الرقبة أمَان مِنَ الغل" (٦)، وروى الحَافظ [أبو نعيم] (٧) في "تاريخ أصْبهان" عَن ابن عمر أنه كانَ إذا توضأ مَسَحَ عُنقه ويقول: قال رسول الله ﷺ : ["من توضأ ومسح عنقه] (٨) لم يغل بالأغلال يَوم القيَامَة" (٩). قال ابن حجرَ:

стр. 731

وقرأت جُزءًا رَوَاهُ أبُو الحُسين ابن فارس بإسناده عن فليح بن سُليمان، عَن نافِع، عن ابن عُمر أن النبي ﷺ قال: "مَن توضأ ومَسَح بيديْه على عُنقه وقي الغل يَوم القيامة"، وقال (١): هذا إن شاء الله تعالى صَحيح. ثم قال: وبين ابن فارس وفليح مَفازة، فلينظر فيها (٢). (قَالَ مُسَدَّدٌ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ مرة (٣) مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ [يَدَه نسخة: يَدَيه (٤) مِنْ تَحْتِ أُذُنَيهِ] يَحتمل أن يراد باليَد السباحة والإبهَام، فتجوز باليَد عَنهُما، والمراد أنه (٥) مسح رأسه حتى أخرجَ الإبهَام مِنْ ظَاهِر أذُنه تحتها وَالسَّباحة من باطنها، ويدل على ذلك ما رَوَاهُ ابن حبَّان في "صَحيحه" عن ابن عَباس أنَّ النَّبي ﷺ أمسَك سَبابتَيه وأذنَيه على الرأس (٦) فمسح الأذنَين فمسَح بِسَبَّابتَيه باطنهما وبإبهَامَيه (٧) ظاهرهما (٨). وصَححهُ ابن خزيمَة (٩)، وابن منده، ورواهُ أيضًا النسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقي (١٠)، ولفظ النسائي: ومَسَحَ

стр. 732

برأسه وأذنيه باطنهما بالسَّباحَتين وظاهِرهما بإبهاميه. ولفظ ابن ماجه: مَسَح أذنيه [داخلهما بالسَّبابتين] (١) وخالف إبهَاميه إلى ظاهِر أذنَيه فمسَح ظاهِرهما وباطنهما. قال الأصحاب: كأنهُ يعزل مِن كل يد إصبعين يمسح بهما الأذنَين. (قَالَ مُسَدَّدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى) بن سَعيد القطان التميمي، قال أبُو حَاتم الرازي: مُسَدَّد، عن يَحيى بن سَعيد، عَن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر كأنها الدنانير كأنك تسمعها مِنَ النَّبي ﷺ (٢). (فَأَنْكَرَهُ) ولم يثبته. (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ) بن حنبل (يَقُولُ) إن (٣) سُفيان (ابْنُ عُيَينَةَ) فيما زَعَمُوا أنه (كَانَ يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: أَيْشٍ) بإسْكان اليَاء وكسْر الشين مع التنوين أصْلهُ: أي شيء، ثم خففت الياء الأولى، ووصلت بالشين. (هذا طَلْحَةُ بن مصرف، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) كعب بن عمرو اليامِي، ولعَلهُ كان ممن يرى أنه ليسَ بصَحابي. [١٣٣] (ثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) الحلواني، قال: (ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلمي الحافظ أحَد الأعلام، كانَ يُصَلي الضحى ست عَشرة ركعة (٤) وعمي، قال: ثنا (عَبَّادُ (٥) بْنُ مَنْصُورِ) البَاجي البَصري، ولي قضاء

стр. 733

البصرة خَمس مَرات، استشهد به في "الصحيح" تعليقًا (١). (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) بن العَاص المخزومي، أخرج له الشيخان. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير (٢)، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أنهُ رَأى النَّبي ﷺ يَتَوَضَّأُ .. فَذَكَرَ الحَدِيثَ) وذكر الغَسل (كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا قال: (٣) وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً) (٤) وكذا رواية الصحيحين في حديث عَبد الله بن زَيد ذكر الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا (٥) إلا مَسْح الرأس فأطلقهُ، وفي رواية: ومَسَحَ رأسَهُ مَرة واحدة. [١٣٤] (ثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قال: ثَنَا حَمَّاذ وَثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيبَةُ) بن سَعيد (عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سِنانِ بْنِ رَبِيعَةَ) البَاهلي البَصري، روى له البخاري في "الجامع" حَديثًا واحِدًا مقرونًا بغيره، وفي "الأدب" (٦) (عَنْ شهر (٧) بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) صدي بن عجلان البَاهلي، نسبة إلى بَاهلة وهو مَالك بن يعصر (٨)، سكن مصر، ثم انتقل إلى حمص، ومَات بها، أكثر حَديثه في الشاميين، توفي سَنة إحدى وثمانين، وهو آخِر من مَات بالشام من الصحَابة.

стр. 734

(قَالَ: كان (١) رَسُولُ الله ﷺ يَمْسَحُ المَأْقَيْنِ) (٢) المأق بِسُكوُن الهَمزَة لغة في الموق. قال الأزهري (٣): أجمع أهل اللغة أن الموق والماق مُؤخر العَيْن الذي يَلي الأنف، وأن الذي يلي الصُدغ يقال له: اللحاظ، وجمَع الموق أمْآق بسُكون الميم، ويجوُز القلب فيقال: آماق مثل أبآر وآبار، ورواية الإمام أحمد عن أبي أمامة أيضًا أن رَسُول الله ﷺ كانَ يتعاهَد المأقين (٤). وروى الدارقطني بإسنَاد ضعيف، أن النَّبي ﷺ قال: "أشربُوا الماء أعينكم" (٥). قال الغزالي: ويدخل المتوضئ الإصبع في محاجر العيْنين (٦) ومَوْضع الرمص ومجتمع (٧) الكحْل وينقيهما، فقد روي أنهُ ﵇ فعَل ذلك، ويتأمل عند ذلك خروج الخطايا مِنْ عينَيْه (٨). (قَالَ: وَقَالَ: الأُذُنانِ مِنَ الرَّأْسِ) (٩) رواهُ الترمذي وابن مَاجه قال

стр. 735

الترمذي: قال قتيبة: لا أدري هذا مِنْ قَول النَّبي ﷺ أو مِن قَول أبي أمَامَة؟ (١). قال ابن حجر: قد بيّنت (٢) أنهُ مدرَج [في كتابي] (٣)، وفي ذلك حَديث عَبد الله بن زَيد، وقواهُ المنذري وابن دقيق العيد (٤) وقد بينت (٥) أيضًا أنهُ مدرج (٦). قال الترمذي: العَمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبي ﷺ ومنْ بعدهم أن الأذنَين من الرأس، وبه يقول سُفيان الثوري وابن المبارك، وأحمد (٧). وعلى هذا فيجب مسحهما مع مسحه، ومذهبنَا أنهما ليسَا مِنَ الوَجه ولا مِنَ الرأس بل عضوان مُستقلان يُسَن مَسحهما على الانفراد ولا يجب، وأجَابُوا عن هذا (٨) الحَديث بأنه ليسَ فيه دليل على أنه (٩) مَسحهما بماء الرأس المُستعمل في الرأس. قال البيهَقي: قال أصحابنا: كأنهُ كانَ يَعزل مِن كل يَد إصبعَين، فإذا

стр. 736

فرَغَ مِن مَسْح الرأس مَسَح بهما أذنَيه (١). (قَالَ سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: يَقُولُهَا) يعني: الكلمة التي هي: الأذنان مِن الرأس (أَبُو أُمَامَةَ ﵁ قَالَ قُتَيبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ) بن زَيد (لَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ) قول (أبي (٢) أُمَامَةَ ﵁) يَعْنِي: قِصَّةَ الأُذُنَيْنِ، فإن قلنا: إنه من قول أبي أمامة فهو مدرج كما تقدم. قال الدارقطني (٣) في هذا الحَديث: رفعهُ وهم، والصوابُ أنه موقوف (٤). (قَالَ قُتَيبَةُ) في الإسناد عَنْ سِنان بْن ربِيعةَ، عَنْ (سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ) وقال مُسَدد: سنان بن رَبيعة، والاختلاف إنَّما هُو في لفظ السَّنَد وإلا فهو سنان بن ربيعَة (وكنيته أبو ربيعة) البصري (٥) [كذا قال] (٦) الذهبي (٧) وغيره، ورواية الترمذي: سِنان بن رَبيعَة. فقط. * * *

стр. 737

٥١ - باب الوضُوء ثَلاثًا ثَلاثًا ١٣٥ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عائِشَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعا بِماءٍ فِي إِناءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَة ثَلاثًا، ثمَّ غَسَلَ ذِراعَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبّاحَتَيْنِ فِي أذنَيْهِ وَمَسَحَ بإبْهامَيْهِ عَلَى ظاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسَّبّاحَتَيْنِ باطِنَ أُذنَيْهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثمَّ قالَ: "هَكَذا الوضُوءُ، فَمَنْ زادَ عَلَى هذا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَساءَ وَظَلَمَ" أَوْ: "ظَلَمَ وَأَساءَ" (١). * * * باب الوضوء ثلاثًا [١٣٥] (ثَنا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنا أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح، مَولى يزيد بن عَطَاء اليشكري (٢) (عَنْ مُوسَى (٣) بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الهمداني الكوفي، قال جرير: كنت إذا رَأيته ذكرت الله لرُؤيته، وكان لا يخضب. (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) فشعيب هو ابن محمد بن عَبد الله بن عَمرو بن العَاص، والصحَابي هو عَبد الله بن عَمرو وهو جدّ شعَيب. قال ابن الصَّلاح: احتج أكثر أهل الحَديث بحَديثه حَملًا لمُطلق الجدّ على الصحَابي عبد الله بن عَمرو دُون أبيه محمد والد شعيب لما ظهرَ لهُ

стр. 738

من إطلاقه ذلك (١). وروى أبُو عُبيد الآجري، عَن أبي داود، قيل لهُ: عمرو بن شَعيب، عن أبيه، عن جَده حجة عندك؟ قال: لا، ولا نصف حجة (٢). وقد صح سَماع شعيب من عبد الله بن عَمرو، كما صَرح به البخاري في "التاريخ" (٣) وأحمد، وكما رواهُ الدارقطني (٤) والبيهقي في "السُنن" (٥) (٦) بإسنَاد صَحيح. (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله) لفظ النسَائي: جَاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسألهُ (٧) عن الوضُوء (٨) (كَيْفَ الطُّهُورُ؟ ) بضم الطاء، أي: كيفَ فِعْل الطهور؟ (فَدَعا بِمَاء فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيهِ) إلى المرفقين (ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) ثلاثًا (٩) (فَأَدْخَلَ) هَكذا رواية أبي عَلي التستري، ورواية الخَطيب: وأدخل. بالواو (إِصْبَعَيهِ السَّبَّاحَتَينِ) قال ابن يُونس في "شرح التعجيز": المسبحة هِي الإصبَع التي تَلي الإبهَام، سميت بذلك؛ لأن المصَلي يشيرُ بها إلى التوحيد والتنزيه لله تعالى مِنَ الشريك، وتُسمى أيضًا سَباحة ومهَللة ودَعّاة، وكانت تسمى السّبابة؛ لأنهم كانوا يُشيرُون

стр. 739

بها عند السَّبّ والمخاصَمة (فِي أُذُنَيْهِ) فَعند الشَافعي (١): يَمسْح الأذُن بماءٍ جَديد لا بالماء الذي يمسَح به الرأس، وعند أبي حنيفة (٢) وأحمد (٣): يمسَح الأذن معَ الرأس بماء واحد. (وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيهِ) قال ابن خروف في "شَرح الجمل (٤) ": تذكيرها قليل (٥). قال الصغاني: سُمَيتْ بِذَلك؛ [لأنه أبهم اشتقاقها] (٦) (عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ) ظاهر الأذن (٧): الطرف الذي يَلي الرأس. (وَبِالسَّبَّاحَتَينِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ) بَاطن الأذن الطرف الذي يَلي ثقب الأذن والوَجه، وقد حكى الإمَام عن شيخه أنه [يلصق كفيه] (٨) مَبلولتين بالأذن بَعد ذلك استظهَارًا. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ ثَلانا ثَلَاثًا) وفي الحَديث دَليل على استكمال الطَّهارة ثلاثًا ثلاثًا في المغسُول والممسُوح عند الشافعي (٩). (ثُمَّ قَالَ: هَكَذا الوضُوءُ) الألف واللام في الوضُوء للعَهد، أي:

стр. 740

الوضوء المعهُود مِن وضوء رسُول الله ﷺ (فَمَنْ زَادَ عَلَى هذا) أي: على الثلاث، وفي وجه ثالث في "الروضة" (١) أن الزيَادة على الثلاث محرمَة (أَوْ نَقَصَ) قال ابن الرفعَة: يَعني: عَن الواحِدة. فإنه سَيأتي الوضوء مرتين، والوضُوء مَرة. ولم يتفق الروَاة على ذكر النقص، بَل أكثرهُم اقتصر على قوله: "فمن زاد" فقط، كذا روَاهُ ابن خزيمة في "صحيحه" (٢) وغيره (فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ) رواية النسَائي: "أسَاء وتعدى وظلم" (٣). يجوز أن يكون الإساءة والظلم، وما ألحق بهما مجموعًا لمن نقص أو زاد، ويجوز أن يكون عَلى التوزيع فإسَاءته بالنقصَان (٤) وظلمه بالزيَادة؛ لأنهُ وضَعَها في غير مَحلهَا، وقيل: عكسه، ويشهد له قوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٥) يعني: ولم تنقص (أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ) شك مِنَ الراوي. * * *
следующие страницы →