← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فرَغَ مِن مَسْح الرأس مَسَح بهما أذنَيه (١). (قَالَ سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: يَقُولُهَا) يعني: الكلمة التي هي: الأذنان مِن الرأس (أَبُو أُمَامَةَ ﵁ قَالَ قُتَيبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ) بن زَيد (لَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ) قول (أبي (٢) أُمَامَةَ ﵁) يَعْنِي: قِصَّةَ الأُذُنَيْنِ، فإن قلنا: إنه من قول أبي أمامة فهو مدرج كما تقدم. قال الدارقطني (٣) في هذا الحَديث: رفعهُ وهم، والصوابُ أنه موقوف (٤). (قَالَ قُتَيبَةُ) في الإسناد عَنْ سِنان بْن ربِيعةَ، عَنْ (سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ) وقال مُسَدد: سنان بن رَبيعة، والاختلاف إنَّما هُو في لفظ السَّنَد وإلا فهو سنان بن ربيعَة (وكنيته أبو ربيعة) البصري (٥) [كذا قال] (٦) الذهبي (٧) وغيره، ورواية الترمذي: سِنان بن رَبيعَة. فقط. * * *

стр. 737

٥١ - باب الوضُوء ثَلاثًا ثَلاثًا ١٣٥ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عائِشَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعا بِماءٍ فِي إِناءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَة ثَلاثًا، ثمَّ غَسَلَ ذِراعَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبّاحَتَيْنِ فِي أذنَيْهِ وَمَسَحَ بإبْهامَيْهِ عَلَى ظاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسَّبّاحَتَيْنِ باطِنَ أُذنَيْهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثمَّ قالَ: "هَكَذا الوضُوءُ، فَمَنْ زادَ عَلَى هذا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَساءَ وَظَلَمَ" أَوْ: "ظَلَمَ وَأَساءَ" (١). * * * باب الوضوء ثلاثًا [١٣٥] (ثَنا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنا أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح، مَولى يزيد بن عَطَاء اليشكري (٢) (عَنْ مُوسَى (٣) بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الهمداني الكوفي، قال جرير: كنت إذا رَأيته ذكرت الله لرُؤيته، وكان لا يخضب. (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) فشعيب هو ابن محمد بن عَبد الله بن عَمرو بن العَاص، والصحَابي هو عَبد الله بن عَمرو وهو جدّ شعَيب. قال ابن الصَّلاح: احتج أكثر أهل الحَديث بحَديثه حَملًا لمُطلق الجدّ على الصحَابي عبد الله بن عَمرو دُون أبيه محمد والد شعيب لما ظهرَ لهُ

стр. 738

من إطلاقه ذلك (١). وروى أبُو عُبيد الآجري، عَن أبي داود، قيل لهُ: عمرو بن شَعيب، عن أبيه، عن جَده حجة عندك؟ قال: لا، ولا نصف حجة (٢). وقد صح سَماع شعيب من عبد الله بن عَمرو، كما صَرح به البخاري في "التاريخ" (٣) وأحمد، وكما رواهُ الدارقطني (٤) والبيهقي في "السُنن" (٥) (٦) بإسنَاد صَحيح. (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله) لفظ النسَائي: جَاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسألهُ (٧) عن الوضُوء (٨) (كَيْفَ الطُّهُورُ؟ ) بضم الطاء، أي: كيفَ فِعْل الطهور؟ (فَدَعا بِمَاء فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيهِ) إلى المرفقين (ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) ثلاثًا (٩) (فَأَدْخَلَ) هَكذا رواية أبي عَلي التستري، ورواية الخَطيب: وأدخل. بالواو (إِصْبَعَيهِ السَّبَّاحَتَينِ) قال ابن يُونس في "شرح التعجيز": المسبحة هِي الإصبَع التي تَلي الإبهَام، سميت بذلك؛ لأن المصَلي يشيرُ بها إلى التوحيد والتنزيه لله تعالى مِنَ الشريك، وتُسمى أيضًا سَباحة ومهَللة ودَعّاة، وكانت تسمى السّبابة؛ لأنهم كانوا يُشيرُون

стр. 739

بها عند السَّبّ والمخاصَمة (فِي أُذُنَيْهِ) فَعند الشَافعي (١): يَمسْح الأذُن بماءٍ جَديد لا بالماء الذي يمسَح به الرأس، وعند أبي حنيفة (٢) وأحمد (٣): يمسَح الأذن معَ الرأس بماء واحد. (وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيهِ) قال ابن خروف في "شَرح الجمل (٤) ": تذكيرها قليل (٥). قال الصغاني: سُمَيتْ بِذَلك؛ [لأنه أبهم اشتقاقها] (٦) (عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ) ظاهر الأذن (٧): الطرف الذي يَلي الرأس. (وَبِالسَّبَّاحَتَينِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ) بَاطن الأذن الطرف الذي يَلي ثقب الأذن والوَجه، وقد حكى الإمَام عن شيخه أنه [يلصق كفيه] (٨) مَبلولتين بالأذن بَعد ذلك استظهَارًا. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ ثَلانا ثَلَاثًا) وفي الحَديث دَليل على استكمال الطَّهارة ثلاثًا ثلاثًا في المغسُول والممسُوح عند الشافعي (٩). (ثُمَّ قَالَ: هَكَذا الوضُوءُ) الألف واللام في الوضُوء للعَهد، أي:

стр. 740

الوضوء المعهُود مِن وضوء رسُول الله ﷺ (فَمَنْ زَادَ عَلَى هذا) أي: على الثلاث، وفي وجه ثالث في "الروضة" (١) أن الزيَادة على الثلاث محرمَة (أَوْ نَقَصَ) قال ابن الرفعَة: يَعني: عَن الواحِدة. فإنه سَيأتي الوضوء مرتين، والوضُوء مَرة. ولم يتفق الروَاة على ذكر النقص، بَل أكثرهُم اقتصر على قوله: "فمن زاد" فقط، كذا روَاهُ ابن خزيمة في "صحيحه" (٢) وغيره (فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ) رواية النسَائي: "أسَاء وتعدى وظلم" (٣). يجوز أن يكون الإساءة والظلم، وما ألحق بهما مجموعًا لمن نقص أو زاد، ويجوز أن يكون عَلى التوزيع فإسَاءته بالنقصَان (٤) وظلمه بالزيَادة؛ لأنهُ وضَعَها في غير مَحلهَا، وقيل: عكسه، ويشهد له قوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٥) يعني: ولم تنقص (أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ) شك مِنَ الراوي. * * *

стр. 741

٥٢ - باب الوضُوءِ مَرَّتَينِ ١٣٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا زَيْدٌ -يَعْنِي: ابنِ الحُبابِ- حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبانَ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الفَضْلِ الهاشِمِيُّ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ توَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ (١). ١٣٧ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنا زَيْدٌ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ لَنا ابن عَبّاسٍ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يتَوَضَّأُ؟ فَدَعا بِإِناءٍ فِيهِ ماءٌ، فاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ اليُمْنَى فَتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، ثمَّ أَخَذَ أخرى، فَجَمَعَ بِها يَدَيْهِ ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ أخرى فَغَسَلَ بِها يَدَهُ اليُمْنَى، ثمَّ أَخَذَ أُخْرى فَغَسَلَ بِها يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً -مِنَ الماءِ، ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِها رَأْسَه وَأُذُنَيْهِ، ثمَّ قَبَضَ قَبْضَةً أخرى مِنَ الماءِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى وَفِيها النَّعْلُ، ثُمَّ مَسَحَها بِيَدَيْهِ يَدٍ فَوْقَ القَدَمِ وَيَدٍ تَحتَ النَّعْلِ، ثُمَّ صَنَعَ بِاليُسْرى مِثْلَ ذَلِكَ (٢). * * * باب الوضوء مرتين [١٣٦] (ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قال ثَنا زَيْد بْنَ حباب) (٣) رواية الخَطيب: "زيد بن الحباب" أبُو الحُسين العُكلي الخراساني ثم الكُوفي

стр. 742

الحافظ أخرج له مُسلم في مَوَاضع. قال (ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) [بن ثابت] (١) (بْنُ ثَوْبَانَ) القيسي، قال أبُو حَاتم: ثقة (٢)، قال: (ثَنا عَبْدُ الله (٣) بْنُ الفَضْلِ) بن العَباس بن ربيعَة بن الحَارث بن عَبد المُطلب بن هَاشم (الْهَاشِمِيُّ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَينِ) (٤). قال الترمذي: حَديث حسَن غَريب لا نَعرفه إلا من حديث ابن ثوبَان عَن عَبد الله بن الفضل وهَو إسنَاد حَسَن صَحيح (٥). وروى الإمام أحمد بإسناد رجَاله رجَال الصحيح عَن عَبد الله بن زيد (٦) أن النبي ﷺ توضأ فغسَل يَدَيه مَرتين ووجهه تلاثًا ومَسَحَ برَأسه مَرَّتَيْنِ (٧)، هذا (٨) في "الصحيح" خلا قوله: ومَسَح برَأسِهِ مَرَّتَيْنِ. [١٣٧] (ثَنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، قال ثَنا مُحَمَّدُ (٩) بْنُ بِشْرٍ) بن الفرافصَة (١٠) الكوفي أحَد العلماء بالحَديث.

стр. 743

قال أبو داود: هو أحفظ مَن كانَ بالكوفة (١) (عن هِشَام بْن سَعْدٍ) القرُشي المدَني مَولىً لآل أبي لهَب (٢) بن عَبد المطلب أخرجَ لهُ مُسلم في مَوَاضع، قال (ثَنا زَيْدٌ) بن أسلم (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ لَنا ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ! فَدَعا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَرَفَ منه غَرْفَةً) بِفَتح الغَين. (بِيَدِهِ اليُمْنَى) فيه فَضيلة جَعل الإناء إن كانَ واسعًا عن يَمينه يَغترف منه بيَمينه (٣)، وإن كانَ ضَيقًا كالإبريق عن يسَاره يُفرغ منه على يمينه (٤)، وعده المحَاملي مِن آدَاب الوضوء العَشرة (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ) أي: بالغرفة الوَاحدة، وفيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق مِن غرفة واحدة وسيأتي الفَصْل بين المضمَضة والاستنشاق في بَابه. (ثُمَّ أَخَذَ) غرفة (أُخْرى فَجَمَعَ بِها بين يَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ) بها (وَجْهَهُ) فيه غسل الوَجْه بالكفين جَميعهما (٥) وهو ممّا لا يقدم اليَمين فيه بل يَبدأ بأعاليه كما تقدم (ثُمَّ أَخَذَ غَرفَة أُخْرى) إطلاقه يقتضي أنه لا ينوي الاغتراف إذ لو كانَ لنقل (٦). (فَغَسَلَ بِها يَدَهُ اليُمْنَى) إلى المرفقين ثلاثًا (ثُمَّ أَخَذَ أُخْرى فَغَسَلَ بِها يَدَهُ اليُسْرى) إلى المرفقين ثلاثًا (ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ المَاءِ ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ) من

стр. 744

الماء، أي: أرسَل الماء الذي في يَده ويَدل عليه قوله بَعده (ثُمَّ مَسَحَ) فإن المَسْح لا يكون إلا بالبَلل إذ لو فعَل ذلك بالغرفة لكانَ غسْلًا. (رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ) كما تقدم (ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرى مِنَ المَاءِ فَرَشَّ) مِن الماء (١). قال ابن حجر: أي سَكبَ (٢) الماء قليلًا قليلًا إلى أن صَدف عليه مُسَمى الغسل (٣). [وَسكبه عليه] (٤) حَتى يستَوعب العضو (عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى وَفِيها النَّعْلُ ثُمَّ مَسَحَهَا) المراد بالمَسْح إسَالة الماء عَلى الرجْل قليلًا قليلًا حتى يستوعبه (بِيَدَيْهِ يَدٍ) بالجر علي البدَل (فَوْقَ القَدَمِ) وفي رواية الخطيب: فوق النَعل وهو الموَافق لقَوله بَعدهُ (وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ) قال ابن حجر: قوله: "تحت النعل" فإن لم يحمل عَلى التجوز عَن القدَم وإلا فهي رواية شاذة وراويها هشَام بن سَعد لا يحتج بما ينفرد به فكيف إذا خالفَ (٥). يَعني الرِّوايات الصَّحيحة، ومَما يَدل على أن المراد بالرش الغسْل روَاية البخاري: ثم أخذ غرفةً مِن مَاء فرش على رجله اليُسرى حتى غسلها (٦)، وروى الطبراني في "الأوسَط": وتناول الماء بيده اليُمنى فرش على قَدَميه فغَسَلهما (٧). ذكرهُ مِن روَاية جَابر.

стр. 745

قال ابن بَطال في بَاب غسْل الرجْلين في النعلين: لم يَصح عند البخاري حديث المسح على النعلين. قالَ: ومن روى عن النبي ﷺ المسح على النَّعلين كان وهمًا وإنما كانَ غسْلًا (١). قلتُ: ويحتمل أن يحمل الرش عَلى حقيقته والمسْح على حقيقته، وقوله على رجْله، أي: على النَّعل الذي فيه رجله اليُمنى بدليل قوله بعد: يَد فوق النَّعْل: ويد تحت النعل. ويكون المرادُ بالنعْل الذي (٢) غيّب (٣) القدمَين بِشَرطه، واللهُ أعلم. (ثمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرى مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مِنَ الرش وما بَعْدَهُ. * * *

стр. 746

٥٣ - باب الوضُوءِ مَرَّةً مرَّةً ١٣٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: أَلا أُخْبِرُكُم بِوضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً (١). * * * باب الوضوء مرة مرة [١٣٨] (ثَنا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنا يَحْيَى القَطان، عَنْ سُفْيَانَ) بن سَعيد الثوري. (عَن زَيْد بْن أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكمْ بِوضُوءِ رَسُولِ الله ﷺ فَتَوَضَّأ) ليريهم كيفية وضُوئهُ (مَرَّةَ مَرَّةً) مَنْصوب عَلى الظرف أي: توضأ في زَمَان وَاحِد ولو كانَ ثمة غَسلات أو غَسلتان لكل عضو مِنْ أعضاء الوضُوء لكانَ التوضؤ في أزمنة أو زَمَانَين إذ لا بُد لكل غسلة مِنْ زمَان غَير زَمَان الغسلة الأخرى، أو منصُوب على المصدر، أي: توضأ مَرة مِنَ التوضؤ أي: غسل الأعضاء (٢) غَسْلة واحدة وتكرار المرة يَدُل عَلى تكرير الفعْل، أو يكون المراد: توضأ وغسل لكل عضو مرة؛ لأن تكرار الوضُوء مِن رسُول الله ﷺ معلوم بالضرورة، وروى الإمام أحمد بسند فيه زيد العمي وقد وثق، وبقية رجَاله رجَال الصحيح عن ابن عُمر عَن النَّبي

стр. 747

- ﷺ : "من توضأ واحِدة فتلك وظيفة (١) الوضوء التي لابد منها ومَن توضأ اثنتَين فلهُ كفلين مِنَ الأجر، ومن توضأ ثَلاثا فذَلك (٢) وضُوئي ووضُوء الأنبياء من قَبلي" (٣). * * *

стр. 748

٥٤ - باب فِي الفرْقِ بيْن المضْمَصَةِ والاسْتِنْشاقِ ١٣٩ - حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ، قالَ: سَمِعْت لَيْثًا يَذْكُرُ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قالَ: دَخَلْتُ -يَعْنِي: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهوَ يَتَوَضَّأُ والماء يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلحيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِل بَيْنَ المَضْمَضَةِ والاستِنْشاقِ (١). * * * باب في الفرق (٢) بين المضمضة والاستنشاق [١٣٩] (ثَنا حُمَيدُ) بالتصغير (بْنُ مَسْعَدَةَ) البَاهلي شيخ مُسلم، قال: (ثَنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ لَيثًا) يَعني ابن أبي سُليم (يَذْكُرُ عَنْ طَلْحَةَ) بن مصرف (عَنْ أَبِيهِ) مصرف (عَنْ جَدِّهِ) كعب [بن عمرو] (٣) بن عَامِر اليامي تقدم ﵁ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ) فيه جَوَاز الإذن بالدخول على مَن كانَ في عبَادة مِن وضوء أو غسل أو صَلاة أو غَيرها، ولا يؤخر المُستأذن عَن الدُخُول إلى الفراغ مِنَ العِبادَة، ولا يكون هذا مِنْ إظهار العِبادات لا سيَّما إن كانَ المتعبِّد ممن يُقْتَدَى به، فإن الداخل عليه يَنظر أفعَاله في العبادَة فيقتدي به فيها ويبلغها عَنه كما حَصَل في هذا الحَديث. (وَالْمَاءُ يَسِيلُ) في غسْل وجهه (مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ) فيه فضيلة إجراء

стр. 749

الماء على العضو المغسُول وإسْباغ الوضُوء (عَلَى صَدْرِهِ) فيه طَهَارة الماء المُستعمل في الوضوء والغُسْل والتراب المتَيمم به (فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ) بِفَتح أوله وكسر ثالثه. (بَينَ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ) فيه حجة عَلى فضيلة (١) الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهو الأظهَر مِنْ مَذهَب الشافعي كما نص عَليه في البويطي (٢)، ثم الأصح عَلى قول الفصل أنهُ يمضمض بغَرفة ثلاثًا، ثم يستنشق بأخرى ثلاثًا حَتى لا ينتقل من عضو إلا بَعد كمال ما قبله. والثاني: بست غرفات يمضمض بثلاث غرفات ويَستنشق بثلاث؛ لأنه أقرب إلى النظافة، ورواهُ الطبراني مِن هذا الوَجه الذي أخرجهُ أبُو داود، وقال: عَن جَده كَعب بن عَمرو أن رَسُول الله ﷺ توضأ فمَضمض ثلاثًا واستنشق (٣) ثلاثًا يأخذ لكل واحدة ماء جَديدًا (٤) وهذا أظهر في المقصود. * * *

стр. 750

٥٥ - باب فِي الاسْتِنْثارِ ١٤٠ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ماءً ثُمَّ لْيَنْثُرْ" (١). ١٤١ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ قارِظٍ، عَنْ أَبِي غَطفانَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا" (٢). ١٤٢ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - فِي آخَرِينَ - قالُوا: حَدَّثَنا يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قالَ: كُنْتُ وافِدَ بَنِي المُنْتَفِقِ - أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي المُنْتَفِقِ - إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: فَلَمّا قَدِمْنا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ نُصادِفْهُ في مَنْزِلِهِ وَصادَفْنا عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قالَ: فَأَمَرَتْ لَنا بِخَزِيرَةٍ، فَصُنِعَتْ لَنا، قالَ: وَأُتينا بِقِناعٍ - وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: القِناعَ، والقِناعُ: الطَّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ - ثُمَّ جاءَ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقالَ: "هَلْ أَصَبْتُمْ شَيْئًا" أَوْ: "أُمِرَ لَكُمْ بِشَيء". قالَ: قُلْنا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: فَبَيْنا نَحْن مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جُلُوسٌ، إِذْ دَفَعَ الرّاعِي غَنَمَهُ إِلَى المُراحِ وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعَرُ، فَقالَ: "ما وَلَّدْتَ يا فُلانُ". قالَ: بَهْمَةً. قالَ: فاذْبَحْ لَنا مَكانَها شاةً. ثُمَّ قالَ: لا تَحْسِبَنَّ - وَلَمْ يَقُلْ: لا تَحْسَبَنَّ - أنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْناها لَنا غَنَمٌ مِائَةٌ لا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ، فَإِذا وَلَّدَ الرّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنا مَكانَها شاةً. قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإنَّ فِي لِسانِها شَيْئًا يَعْنِي البَذاءَ. قالَ: "فَطَلِّقْها إِذًا". قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَها صُحْبَةً وَلِي مِنْها وَلَدٌ. قالَ:

стр. 751

"فَمُرْها - يَقُولُ: عِظْها - فَإِنْ يَكُ فِيها خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ وَلا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ". فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الوضُوءِ. قالَ: "أَسْبغِ الوضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأصابِع، وَبالِغْ فِي الاسْتِنْشاقِ إلَّا أَنْ تَكونَ صائِمًا" (١). ١٤٣ - حَدَّثَنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي إِسْماعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ وافِدِ بَنِي المُنْتَفِقِ أنَّهُ أَتَى عائِشَةَ، فَذَكَرَ مَعْناهُ. قالَ: فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَقَلَّعُ يَتَكَفَّأُ. وقالَ: عَصِيدَةٍ. مَكانَ: خَزِيرَةٍ (٢). ١٤٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا أَبُو عاصِمٍ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ بهذا الحدِيثِ، قالَ فِيهِ: "إِذا تَوَضَّأتَ فَمَضْمِضْ" (٣). * * * باب في الاستنثار قال في "النهَاية": نثر ينثر بالكَسْر إذا امتخط، والاستنثار منه وهو استخراج ما في الأنف لينثره (٤)، وقيل: هو من تحريك النثرة، و [هي طرف] (٥) الأنف (٦).

стр. 752

[١٤٠] (ثَنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب القعنبي، (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ (١) أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوَان. (عن) عَبد الرحمَن بن هرمز (الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَليَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً) وكذا ثَبت لمُسلم وفي روَاية للبخاري، وأكثر روايَات البخاري بإسْقاط لفظة: (ماء) وقد اختلف رواة "الموطأ" في إسقاطه. (ثُمَّ لْيَنْثُرْ) بِمُثلثة مَضمومة بَعد النون السَّاكنة، كذا ضَبَطَهُ ابن حَجر قال: وفي رواية أبي ذرّ والأصيلي: ليَنتثر. بوَزن ليفتَعل، والروايتان لأصحَاب "الموطأ" (٢) انتهى. وسبق كلام "النهاية" بكسر الثاء، وحكي عن الأزهَري: يروى فأنثر (٣) بألف مقطوعَة، وأهلُ اللغَة لا يُجيزُونهُ، والصوابُ بألف وصل (٤). وظَاهِر الأمر أنه للوجُوب فيلزم مَن قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به كأحمد، وإسحاق (٥)، وأبي عبَيد (٦)، وأبي ثور (٧)، وابن المنذر (٨) أن يقول به (٩) في الاستنثار، واستدل الجمهُور على أن الأمر

стр. 753

فيه للندب (١) بما حَسنهُ الترمذي وصححهُ الحاكم من قوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمَرك الله" (٢) وأحَالهُ على الآية وليس فيها ذكر الاستنشاق ولا الاستنثار. [١٤١] (ثَنا إِبْرَاهِيمُ (٣) بْنُ مُوسَى) الرازي الفَراء (قال: ثَنا وَكِيعٌ، قال: ثنا) محَمد بن عَبد الرحمن (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ قَارِظٍ) (٤) بالقاف والظاء المشالة المعجمة، ابن شيبة الليْثي الزهري، قال النسَائي: ليسَ به بَأس (٥). (عَنْ أَبِي غَطَفَانَ) ذكرهُ ابن عَبد البر فيمن لم يذكر لهُ سوى كنيته قال: وهو ابن طريف المري (٦) ويُقالُ: ابن مَالك قال: وكانَ له دارٌ بالمدينة عند دار عُمر بن عَبد العَزيز. قال ابن معين: مدَني ثقة (٧). (عَنِ ابن عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَينِ بَالِغَتَينِ) (٨) يعني: إلى أعلى نهاية الاستنثار من قولهم: بلغت المنزل إذا وصَلته (أَوْ ثَلاثًا) ولم يذكر في الثلاث المبَالغة، وكأن المبَالغة في الثنتَين قائمة مقَام المرة الثالثة، وفيه التثليث في الاستنثار،

стр. 754

وأخرج الحميدي في "مُسنده": "وإذا استنثر فليَستنثر وترًا" (١) للبخَاري في بَدء الخلق: "إذا استيقظ أحَدكم من مَنامه فليَستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يَبيت على خَيشومه" (٢). وعلى هذا فالمراد بالاستنثار في الوضُوء للتنظيف وللمُستيقظ لطرد الشيطان، فإن الشيطان يكون مُلتقمًا (٣) قلبهُ يُوسوس لهُ ويأمرهُ بالسوء، فإذا نامَ علم الشيطان أنه لا يمكنهُ وسوسته (٤)؛ لأنه زَال بالنوم إحسَاسه، ورفع عنه بالنوم قلم التكليف فيبيت عند نومه في باطن أنفه؛ ليُلقي في دمَاغه الرؤيا الفَاسدة ويمنعهُ من الرؤيا الصالحة؛ لأن محل الرؤيا الدمَاغ، وكثير من الناس يضل في الفتنة بالرؤيا الفاسدة مِنَ الشيطان. [١٤٢] (ثَنا قُتَيبَةُ (٥) بْنُ سَعِيدٍ) أبُو رَجَاء البَلخي (فِي) جماعة (آخَرِينَ قَالُوا: ثَنا يَحْيَى بْنُ سُلَيمٍ) القرشي الطائفي الحَذاء وثقه ابن معين (٦). (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كثِيرٍ) أبي هَاشِم المكي؛ وثقه أحمد بن حَنبل (٧). (عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ) بفتح الصَاد المُهملة وكسر الباء الموَحدة [وبعضهُم يُسكنها] (٨) العقيلي الحجازي، زعم البخاري وغَيره

стр. 755

أن أباه هو أبو (١) رزين العقيلي (٢)، وقيل: هو غيره. روى له البخاري في "الأدب" والباقون سِوى مسلم، رووا (٣) له هذا الحديث الوَاحد؛ رواهُ الترمذي في الصيَام مُختصرًا (٤)، والنسَائي في الطهارة (٥) وفي الوليمَة (٦)، وابن مَاجه في الطهَارة (٧). (عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ) قال المنذري: يقال فيه: لقيط بن عَامِر بن صَبرة، وقيل: إن لقيط بن عَامِر غير لقيط بن صَبرَة، وليس بشيء. قال: وهو أبو رزين العقيلي كما تقدم عَن البخاري. (قَالَ: كُنْتُ وَافِدَ) جمعه وفد، كراكب وركب، وهم القَوم يَأتون الملُوك رُكبانًا، وقيل: هُم القَوم (مجتمعون) (٨) ويردون البلاد، والذينَ يقصدُون الأمَراء للزيَارة والاسترفاد (بَنِي المُنْتَفِقِ) بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة فوق وكسر الفاء بَعدها قاف، يريد أن أولاد المنتَفق أرسَلوه إلى النَّبي ﷺ بإسلامهم وهم مُنتسبُونَ إلى المنتفق بن عَامر بن عقيل بضم العَين ابن كعب بن ربيعة بن عَامِر بن صعصعة (٩) بن معاوية

стр. 756

ابن بكر بن هَوازن قبيل (١) مشهور منهم جَماعة مِنَ الصَّحابة وغَيرهم (أَوْ) كنت (فِي وَفْدِ) جَمع وافد كما تقدم. (بَنِي المُنْتَفِقِ) الذين وفدُوا (إِلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: فَلَمّا قَدِمْنا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ) أي: قدمنا إلى مَكانه (فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنا عَائِشَةَ أُمَّ) بالنَّصب (الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَ: فَأَمَرَتْ لَنا بِخَزِيرَةٍ) أن تصنع لنَا، والخزيرة بفتح الخاء المُعجمة وكسر الزاي وسُكون المثناة تحت وبعدها راء مُهملة وبعدها (٢) تاء تأنيث، وهي طعام (٣) يتخذ من دقيق ولحم، وهي أن يقطع اللحم صغارًا (٤) ويصبُ عليه ماء كثير، فإذا نضج اللحمُ ذر عليه الدَّقيق، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة سميت بذلك؛ لأنها تقلب وتلوى، والحريرة بفتح الحَاء المهملة وراءين مُهملتَين وهي حساء مِن دَقيق ودسم لبن أو سمن أو غَيرهما. (فَصُنِعَتْ لَنَا) فيهِ أن الضيف إذا قدم ولم يجد صَاحِب المنزل، فيُستحب لأهل البيت مِن زوجة أو ابن أو بنت أو من يقوم مقامهم ممن يتَولى أمر المنزل أن يُهيئوا له طَعَامًا يصلح لهُ لتأكد (٥) حق القادم، والأولى أن يُطبخ له ما تيسر (٦) من أدم البيت، فإن الطعَام السخين أرفق بالمسَافر وأوفق، وإن لم يتيسر فما يوجد من أدم البيت.

стр. 757

(قَالَ: وَأُتِينا بِقِنَاعٍ) بِكسْر القاف وتخفيف النون، ويُقالُ لهُ: القنع بِكسْر القاف وضمهَا، وقيل: القناع جَمع القنع، وفي حَديث عَائشة: إن كانَ ليهدى لنا القناع فيه كعب (١) مِن إهَالة فنفرح به (٢). والكعْب (٣) القطعة مِن السمن أو الدهن. (وَلَمْ يفهم قُتَيبَةُ القِنَاعَ) وفي بَعض النسخ: ولم يقم قتيبة القناع. و (يقم) بِضَم اليَاء وكسر القاف، أي: لم يتلفظ به تلفظًا (٤) صحيحًا. قاله النووي. (وَالْقِنَاعُ طبقٌ) ورواية الخطيب: (القناع: الطَّبق) يعني: الذي يؤكل عَليه أو (فِيهِ تَمْرٌ) أو رطب أو غَيرهما مِنَ الفواكه وغَيرها، والطبق يتخذ مِن عسيب النخل أو غَيرهَا، سُمي بذلك؛ لأن أطرافه قد أقنعَت، أي: عطفت إلى دَاخِل. (ثمَّ جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ) للوَافدين عليهِ بعَد السَّلام عَليهم: (هَلْ أَصَبْتُمْ شَيئًا أَوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَيء) منَ الطعام، فيه سُؤال صَاحب المنزل إذا حَضَر ووجَد الضيف حَضَر في غيبَته عَنْ حَاله فيما ينبغي لهُ من وجُوه الإكرام أو سؤال من يقوم مقامه في المنزل. (قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ يا رَسُولَ الله) صنعَ لنا خزيرة. (قَالَ: فَبَينا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ) يُقال: بَينا أنا جَالس، وبينما أنا

стр. 758

جَالس، ومعناهما: حين أنا جَالس (جُلُوسٌ) بالرفع، وروايَة الخَطيب: (جُلوسًا) بالنصب وكلا الرفع والنصب جَائزان، فالرفع على أن يكون خبرًا لنحن، وبين نصب على الظرفية، والنَّصْب على أن يكون بين ظرف وقع هُو وما يتَعلق به خبرًا مُقدمًا، و (نحنُ) مُبتَدأ مؤخر وَ (جُلوسًا) نصب على الحَال وصَاحب الحَال نحن (إِذْ دَفَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ) أي: سَاق غنمه التي يَرعَاها (إِلَى المُرَاحِ) بضم الميم، وهوَ المكان الذي تأوي إليه الإبل والبَقر والغَنم بالليل؛ لتنَام فيه وتبيت. وفتح الميم فيه خطأ (١)؛ لأنه اسم مَكان واسم المكان والزمَان والمصدر من أفعل بالألف مُفعَل بِضَم الميم على صيغة المفعُول، وأما المراح بالفتح فهو الذي يروح القوم منه أو يرجعُون إليه. (وَمَعَهُ سَخْلَةٌ) قال أبُو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعه مِنَ الضَّأن والمعز جَميعًا ذكرًا كان أو أنثى: سخلَة، ثم هي بهمَة للذكر والأنثى أيضًا (٢)، وقيل: السّخال أولاد المعز خَاصة (تَيعَرُ) بفتح المثناة فوق وسُكون المثناة تحت وفتح العَين المهملة [وكسرها وهو أرجح] (٣) بعدها راء واليعار بفتح الياء صوْت المعِز يقال: يعرت العَنز تَيعر بكسْر العَين يعارًا بالضَّم إذا صَاحت، كذا للمنذري، وفي "الجمهرة": تيعَر وتيعِر لغتان، واقتصَر ابن فارس في "المجمل" على الفتح (٤).

стр. 759

(فَقَالَ: ما وَلَّدْتَ) بفتح الوَاو واللام المشددة وتاء المخاطبة (١)، يقَال: ولّد الراعي الشاة تَوليدًا إذا حَضَر ولادتها وعَالجها حَتى يبين الوَلد منها، والموَلدة القَابلة والمولد والناتج للماشية كالقابلة للنسَاء. قال في "النهَاية": وأصحَاب الحَديث يقولون: ما ولدَت. يَعني: بسُكون تاء التأنيث؛ يَعنون: الشاة، والمحفوظ تشديد اللام عَلى الخطاب للراعي، ومنهُ حَديث الأقرع والأبرص: "فأنتج هذان وولد هذا" (٢) (يا فُلَانُ) وفي رواية: "يا راعي" (قَالَ: بَهْمَةً) بالنَّصب وفتح البَاء (٣) الموَحدَة جَمعُها بَهم مثل تمرة وتمر وجَمع البهم بهَام كسَهْم وسهَام، وأصل البهمة: ولد الضأن، فَيُطلق على الذكر والأنثى، ويُطلق البهَام عَلى أولاد الضَّأن والمعز إذا اجتمعت تغليبًا، فَإذا انفردت، قيل لأولاد الضَّأن: بهَام، ولأولاد المعِز: سخال. قال ابن فارس: البَهم صغَار الغَنم (٤). وقوله ﷺ للراعي: "ما ولدتْ؟ " وجوابهُ: (بهمة) يدُل على أن البَهمة اسْم للأنثى؛ لأنه إنما سَألهُ ليَعْلم أذَكر هو أم أنثى، وإلا فقد كانَ يَعْلم أنهُ إنما ولد أحَدهما (٥). (قَالَ: اذْبَحْ) رواية الخَطيب: فَاذْبَحْ (لَنا مَكَانَها شَاةً) فيه فَضيلة التقلل

стр. 760

من الدنيا وترك المكاثرة منها، والقناعَة بما يحصُل به قوت الإنسَان، وأن من كان له رأس مَال فمهما حَصَل فيه من الربح، ينفق منهُ ما يحتاج إليه ويتصَدق بالبَاقي للفُقَرَاء ولمن يقدم عليه من أضيَاف وَيصل به رَحمه ويواسي إخوانه، وغير ذلك من أنواع البر. (ثُمَّ قَالَ) للوَافد (لَا تَحْسِبَنَّ) أي: بكسْر السِّين لغة عليا مضر، واستحسن لورود السماع به، [كما سيأتي في كتاب الحروف] (١) (ولم يقل: لا تحسبن) بفتح السين وهو لغَة سفلى مضر، وهو القياسُ عند النحويين (أَنَّا) بفتح الهَمزة (مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا) فيه تطييب قلب الضيف وإعلَامه بأنا لم نتكلف لأجلك فيما جئنا به إليك؛ لئلا يكون على الضيف امتنان بهذا، وكذا يقالُ لهُ: ما أتيناك بِشيء تكلفنا لكَ به بالشراء مِنَ السُّوق بل من حوَاضر (٢) البيت، ولم نُجدد لك طعَامًا بل جئنَاك من طعَامنا المعتَاد، ونحو ذلك مما يُهوّن على الضيف ويطيب خَاطِره ويزيل استحياءهُ، بل (لَنا غَنَمٌ مِائَةٌ) فيه اقتناء الغَنم وبَركتها. ذكر ابن حبَّان وغَيره أنه ﷺ كانَ لهُ مائة شاة مِنَ الغنم للقنية وكانت له شاة تسمَّى غوثة، وقيلَ: غيثة وَشاة [تسمى قمر، وعنز تسمى اليمن، وكان له سبعة (٣) أعنز ومنائح ترعاهن أم أيمن، وأما] (٤) البَقر فلم يُنقل أن رَسُول الله ﷺ مَلَك منها شَيئًا (٥) (لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ) عَن المائة (٦) شَيئًا،

стр. 761

كذَلك مَن كانَ له رَأس مَال يتجرُ فيه: يحترص أن لا يدَع زيادة عليه، بل ما حصَل له (١) منه مِنَ الربح تصَدق منهُ وواسى كما تقدم. (فَإِذا وَلَّدَ) بتَشديد اللام كما تقدمَ. (الرَّاعِي بَهْمَة) بفتح البَاء كما تقَدَّمَ (ذَبَحْنا مَكَانَها شَاةً) أكبرَ منها لتعَوض البهمة عنها إذا كبرَتْ، وفيه أن من له رأس مَال [يتجر فيه] (٢) ينبغي أن لا ينقص منهُ شَيئًا إذا كانَ يأتي منهُ من الرّبح ما يقويه (٣). (قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إِنَّ لِي) اللام لشبه الملك والاختصَاص. (امْرَأَةً وَإنَّ فِي لِسَانِهَا) أي: كلامها (شيئا يَعْنِي: البَذَاءَ) بفتح البَاء وتخفيف الذال المعجمة والمدّ: الفُحش (٤) من القَول والسَّفَه، وإن كانَ (٥) صدقًا، وامرأة بذئة إذا كانَ في (٦) منطقها فحش، وكانَ في لسَان فاطِمة بنت قيس بَعض البَذاء - والبَاء مفتوحة - وهذا من الأسبَاب المرخّصَة للغيبَة، وهو أن يذكر ذلكَ على صورة الاستفتاء، فلا يكون ذكره لذلك محرمًا، ولهذا قالت هند: إن أبا سُفيان رجُل شحيح؛ لا يُعطيني ما يكفيني أنا وولدي (٧)، فذكرته بالشح والظلم لها ولوَلدهَا، ولم يزجرها النبي ﷺ إذ كانَ قصدها الاستفتاء، وكذا هنا ذكر زوجته

стр. 762

أن في لسَانها فحش، ولم يزجرهُ النبي ﷺ ، ولكن الأسلم والأصوَن (١) في هذا ومثله التعريض مثل قوله: ما قولك في رجُل ظلمهُ أبُوه أو أخوهُ أو زَوجته ونحو ذلك ولكن التعيين مباح لهذا العُذر. قَالَ (فَطَلِّقْها إِذًا) هذا تنوين العِوَض عن الجملة المحذوفة تقديرهُ: فطلقها إذا كانَ في لسَانها البَذاء، فيكون هذا علة وسببًا لطلاقها، فإن (إذًا) من صَرائح ألفاظ العِلة كقولِهِ ﷺ لأبي بن كعب حينَ قالَ له (٢) أجعَل لكَ صلاتي كلها "إذَن يَغفر الله لك ذَنبك كله". رواهُ أحمد وصححه الحاكم (٣)، ولفظ الترمذي: "إذن تكفى همك ويغفر الله لك ذنبكَ" (٤). وقوله ﷺ : "طَلقها" أمر إباحَة، فإنَّ الرجُل إذا صَبر على لسَان زَوجته وفحش منطقها كانَ أفضل وفي "الإحيَاء" إن في الحَديث: "من صَبر على سُوء خُلق امرأة (٥) أعطاهُ الله مِنَ الأجر مثل ما أعطى أيوب على بَلائه"، لكن قال العراقي: لم أقف لهُ على أصل (٦). وفي الحَديث المتفق عليه أن أزوَاج النبي ﷺ كن يرَاجعنَهُ، وتهجرهُ الوَاحِدة منهُنَّ يَومًا إلى الليْل (٧).

стр. 763

(قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله إِنَّ لَهَا) طُول (صُحْبَة) مَعي، وطول الصحبة تُراعى (وَلِي مِنْها وَلَدٌ) بالرفع، والولد بفتحتين يُطلق عَلى الذكر والأنثى والمثنى والمجموع، وظاهِر هذا الاعتذار منهُ يدل على أنهُ يشق مُفارقتها. (قَالَ: فَمُرْهَا. يَقُولُ (١): عِظْهَا) بكتاب الله وسُنة رسُوله، أي: ذكرها ما أوجب الله عليها مِن حسن الصحبة والمعَاشرة للزوج، وبقَوله ﷺ : "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجُد لزوجهَا" (٢) "وأيما امرأة بَاتت هَاجِرَة فراش زَوجها لعَنَتْها الملائكة حَتى تصبح" (٣). وفي روَاية: "حَتى ترجع" (٤) وتضع يدها في يد زوجها ونَحو ذلك. (فَإِنْ يَكُ (٥) فِيها خَيرٌ فَسَتَفْعَلُ) أي: تتعظ بقَولك وترجع إلى حُسن القَول وتترك الشر. (وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ) والظَّعينة المرأة سُميت بذَلك؛ لأنها تظعَن مع الزوج، وتنتقل بانتقاله، وأصْل الظَّعينة الهَوْدَج التي تكون به المرأة ثم تسمَّى المرأة به مجازًا، وقيل: لا تُسمَّى ظعينَة إلا المرأة الراكبَة فيه، وكثر حَتى استعمل في كل امرأة وحتى يُسمَّى (٦) الجمل الذي تركب عليه ظَعينة، ولكن لا يقالُ ذلك إلا للإبل التي عليها الهوَادج.

стр. 764

قال الخطابي: ليس في هذا الحديث ما يمنع من ضَربهنَّ أو يُحرمهُ على الأزواج عند الحَاجَة إليه، فقد أبَاح الله ذلك في قولهِ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١)، وإنما فيه النهي عن تبريح الضرب كما يُضرب المملوك في عَادات من يَستجيز ضَربهم، ويستعمل سُوء الملكة بينهم (٢). انتهى. ولا بأس بضَرب المرأة للتأديب ضَربًا غَير مُبرح، وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يجرح عضوًا. قال في "النهاية": ضربًا غير مبرح؛ أي: شاق، وأصْل التبريح المشقة والشدة، وفي الحَديث: "اضربوا النسَاء إذا عَصَينكم في مَعْروف ضَربًا غَير مُبرح" (٣). قال عَطاء: قلتُ لابن عَباس: ما الضربُ غَير المبرح؟ قال: بالسِّواك ونحوه. (كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ) بِضَم الهمزة وتخفيف الميم المفتوحة (٤) وتشديد ياء التصغير والتاء مَنصُوبة مفَعُول للضرب وهو تصغير أمة، وهي: الرقيقة (٥). قال الخَطابي: تمثيله بضَرب المماليك لا يُوجب إبَاحَة ضَربهم، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذم لأفعَالهم، ونَهَاهُ عن الاقتداء

стр. 765

بهَا، وقد نهى رسُول الله ﷺ عَنْ ضَرب المماليك إلا في الحدود (١). وروى الإمام أحمد (٢) عن عَائشة: جاء رجُل فقعد بين يدي رسُول الله ﷺ فقال: إن لي مملوكين يكذبوني ويخونونني (٣) ويعصُوني وأسبهم وأضربهم. فكيف أنا منهم؟ فقال رسُول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبُوك وعقابك إياهم، فإن كانَ عقابك إياهُم بقدر ذنوبهم (٤)، كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كانَ عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل" فتنحى الرجُل وجعَل يهتف ويبكي، فقال له رسُول الله ﷺ : "ألا تقرأ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٥). وفي إسنَاده عبد الرحمن بن غزوَان، وهو ثقة (٦)، احتج به البخاري وبقية رجَاله رجَال الصحيحين (٧). ورَوى الحافظ أبُو يعَلى بأسَانيد أحدها جَيد عن أم سَلمة: كانَ رسُول الله ﷺ في بيتي، وكان في يَده سواك، فدعى وصيفة له أو: لها حتى استبَان الغَضب في وجهه، وخَرجت أمُّ سلمة فوَجَدَت الوصَيفة تلعب

стр. 766

ببَهمة (١) فقالت: ألا أراك تلعبين بهذِه البهمة ورسول الله ﷺ يدْعُوك فقالت: والذي بعَثك بالحق ما سمعتُك. فقال رسُول الله ﷺ : "لولا خشيَة القود لأوجعتُك بهذا السِّواك" (٢). وفي رواية لهُ: "لضَربتُك بهذا السِّواك" (٣). (فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي عَنِ الوضُوءِ) قال الخَطابي: ظاهر السُّؤال يقتضي الجَوَابُ عن جُملة الوضوء، إلا أنهُ [ ﷺ لما اقتصر في الجواب على تخليل الأصابع والاستنشاق علم أن السائل: لم يسأله عن حكم ظاهر الوضوء] (٤) إنما سَألهُ عن حُكم بَاطنه (٥). (قَالَ: أَسْبغِ الوضُوءَ) أي: تممهُ وبَالغ في غسْل الأعضاء، ولهذا عَطف عَليه (وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابع) وفيه أن تخليل الأصَابع سُنة، وهو يشمل أصَابع اليدَين والرجلَين، والتنصيص عليهما رواه أحمد وابن مَاجَه والترمذي عن ابن عَباس أن رَسُول الله ﷺ قال: "إذا توضأتَ فخلل بين أصَابع يَديك ورجليك" (٦). قال ابن الملقن: والذي يقربُ مِنَ الفَهم هُنا؛ يَعني: في أصابع اليدين أن يَشبك بين الأصَابع (٧).

стр. 767

لكن روى الطبراني في "الأوسَط" عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسُول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فلا يُشبكن بين أصابعه" (١) وفي سنده عتيق بن يعقوب وبقية رجَاله رجَال الصَّحيح (٢). (وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ) المبالغة في المضمَضة والاستنشاق سُنة، وهو أن يصل الماء في المضمضة إلى الحلق، وفي الاستنشاق إلى بَاطن الأنف. وفي رواية الحَافظ أبي بشر الدّولابي في جَمعه لحديث الثوري: إذا توضأت فبَالغ في المضمَضة والاستنشاق ما لم تكن صَائمًا. قال ابن القطان: إسنادها صَحيح (٣). فاستفد هذِه الروَاية فإنها جَليلة، وإن الأصحَاب قاطبة (٤) يقيسُونَ المبَالغة في المضمَضة على المبالغة في الاستنشاق بل قال الماوردي (٥): إنه يبالغ في المضمضة ولا يبَالغ في الاستنشاق للرِّواية الأولى، ثم شرعَ يُفرق بينهما بأن الممضمض (٦) يمكنهُ رد الماء بإطبَاق الحَلق. (إلَاّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) قال ابن الصَّلاح: يُكرهُ المبَالغة للصَّائم في الاستنشاق بحيث يصَل الماء إلى دمَاغه، لئلا يصير ذلك سُعُوطًا. وقال أبُو الطيب: المبَالغة محَرمة، وهي تفطر إذا وصَل الماء إلى الجَوف.

стр. 768

[١٤٣] (ثَنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرم) بضَم الميم وكسْر الراء، العمي البَصري الحافظ، روى عنهُ مُسْلم في مَوَاضع، قال: (ثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان، قال: (ثَنَا) عَبد الملك (ابْنُ جُرَيْجٍ) قال: (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ كثِيرٍ) تقدم. (عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) لقيط بن صَبرة (وَافِدِ بَنِي المُنْتَفِقِ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ ﵂ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) و (قَالَ) فيه: (فَلَمْ يَنْشَبْ) بفتح اليَاء والشين، أي: لم يلبث، وحقيقته لم يتعَلق بشيء ولا اشتغل بسِوَاه (أَنْ جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَقَلَّعُ) بفتح اليَاء والتاء واللام المشدَّدة بَعدَها عَين مهملة، أي: يَمشي بقوة كأنه يَرفع رجليه مِنَ الأرض رَفعًا قويًّا لا كمن يَمشى اختيالًا ويقارب خطَاهُ، فإن ذَلك من مشي النسَاء يُوصَفن (١) به. (يَتَكَفَّأُ) بهمز آخره، أي: يتمايَل إلى قدام كما تتكفأ السَّفينة في جريها. قال في "النهاية": هَكذا رُوي غير مَهموز، والأصل فيه الهَمز، [قال: و] (٢) بعضهم يرويه مهموزًا؛ لأن مصدر تفعل منَ الصحيح تفعلًا، والهَمزة حَرف صَحيح (٣). (وَقَالَ) في هذِه الرواية: (عَصِيدَةٍ) بالجر؛ لأنها بدَل مِن خزيرة في قوله: بِخزيرة (مَكَانَ خَزِيرَةٍ) كما تقدم. [١٤٤] (ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن عَبد الله بن خَالد (بْنِ فَارِسٍ) ابن

стр. 769

ذؤيب الذّهلي، روى عنهُ البخاري في مَوَاضع، لكن لم يبينه (١) فتارة يقولُ: محمد بن خالد، وتارة يقول: حَدَّثَنا محمد. قال: (ثنا أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مخلد النبيل الشيباني (٢)، قال: (ثَنا ابن جُرَيْج بهذا الحَدِيثِ) و (قَالَ فِيهِ: إِذا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ) فيه ردّ لمن ألحق المضمضة بالاستنشاق قياسًا، كما تقدم حَتى قال الماوردي (٣): لا استحباب في المضمضَة؛ لأنه لم يرد فيها الخَبر، ورواية الدولابي: مُصرحة بالجمع بينهما كما تقدم. واللهُ أعلم. * * *

стр. 770

٥٦ - باب تَخْليل اللِّحْيَةِ ١٤٥ - حَدَّثَنا أَبُو تَوْبَةَ - يَعْنِي: الرَّبِيعَ بْنَ نافِعٍ - حَدَّثَنا أَبُو المَلِيحِ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ زَوْرانَ، عَنْ أَنَسٍ - يَعْنِي: ابن مالِكٍ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إِذا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ ماءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لْحِيَتَهُ، وقالَ: "هَكَذا أَمَرَنِي رَبِّي ". قالَ أَبُو داودَ: ابن زَوْرانَ رَوى عَنْهُ حَجّاجُ بْنُ حَجّاجٍ وَأَبُو الملِيحِ الرَّقِّيُّ (١). باب تخليل اللحية [١٤٥] (ثَنا أَبُو تَوْبَةَ) بفتح المثناة (الرَّبِيع بْن نَافِعٍ) الحَلبي حَافظ مِنَ الأبدال، أخرجَ له الشيخان (٢). قال: (ثَنا أَبُو المَلِيحِ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ زروانَ) (٣) بفتح الزاي وإسْكان الراء (يَقال: زوران ورجح) (٤) الرقي، ثقة (٥) (عَنْ أَنس بْن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذا تَوَضَّأَ أَخَذَ كفًّا

стр. 771

مِنْ مَاءٍ) أي: بيَده اليُمنَى (فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ) فيه (١) أنهُ يُستحبّ أن يَأخذ لتخليل اللحيَة ماء جَديدًا. (فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ) قال السرخسي من أصحَابنَا (٢): يخَللها بأصَابعه من أسفلها. قال الذهلي في "الزهريات": ثنا محمد بن خالد الصَّفار وكانَ صَدُوقًا، ثنا محمد بن حَرب، ثنا الزبيدي، عَن الزهري، عن أنس. أن رسُول الله ﷺ توضأ فأدخَل أصَابعه تحتَ لحيته وخلل بأصَابعه (وقال: هَكذا أمَرني ربي) ورجَاله ثقات. قال الذهلي (٣): وثَنا يزيد بن عَبد الله (٤)، ثنا محمد بن حَرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس الحديث، وصححهُ [الحاكم قبل] (٥) ابن القطان أيضًا (٦). وروى ابن عَدي في "الكامل" من طريق أصرم (٧) بن غياث (٨) ثنا مقاتل بن حيان عَن الحسَن عن جَابر قال: وضأت رسُول الله ﷺ غَير مرة ولا مرتَين ولا ثلاث فرأيته يخلل لحيته بأصَابعه كأنها أنياب مشط (٩). قال النسَائي: وأصرم متروك الحَديث (١٠).

стр. 772

وفي البَاب حَديث مرسَل أخرجَه سَعيد بن منصُور عن الوَليد، عن سَعيد بن سنان (١) عن أبي الزاهرية (٢) عن جبير بن نفير (٣) قال: كان رسُول الله ﷺ إذا توضأ خلل أصَابعه ولحيته وكانَ أصحابه إذا توضَّؤوا خلَّلوا لحَاهُم (٤). (وَقَالَ: هَكَذا أَمَرَنِي رَبِّي يستدلّ به على وجوب التخليل، وبه قال المزني (٥) ورواه ابن كج (٦) عن بَعض الأصحَاب والصَّحيح عَدَم الوجوب؛ لأنه لم يأمُر به الأعرابي في الحَديث المتقدم. * * *

стр. 773

٥٧ - باب المَسْحِ عَلى العمامَةِ ١٤٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصابَهُم البَرْدُ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى العَصائِبِ والتَّساخِينِ (١). ١٤٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَن أَبي مَعْقِلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال: رأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ العِمامَةِ فَمَسَحَ فقَدَّمَ رَأْسهِ، وَلَمْ يَنْقُضِ العِمامَةَ (٢). * * * باب المسح على العمامة [١٤٦] (ثَنا أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلٍ) قال: (ثَنا يَحْيَى (٣) بْنُ سَعِيدٍ) بن أبان، الأمَوي الحَافظ (عَنْ ثَوْرٍ) بن يزيد، أخرجَ له البخاري (عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ) الحِمْصي ثقة (٤) (عَنْ ثَوْبَانَ) السّروي مولى النَّبي ﷺ (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً) أي: قطعة من الجيش، فعيلة بمَعنى فاعلة سُميت بذلك؛ لأنها تسري (٥) في خفية (فَأَصَابَهُمُ البَرْدُ) بإسْكان الرَّاء يعني: الشديد (فَلَمّا قَدِمُوا

стр. 774

عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى العَصَائِبِ) (١). قال أبُو عبيَد (٢): العَصَائب: العَمائم، سُميَت بذَلك؛ لأن الرأس تُعصب بهِ (٣) فكُلّ ما عصَّبتَ بهِ رَأسَك من عمامة أو منديل أو عصَابة [فهو عصَابة] (٤) استدلَّ به على جوَاز الاقتصَار على مسْح العمامة مِن غَير أن يمسَح شيئًا مِن رأسه. قال ابن المنذر (٥): وممن مسَحَ على العمامة أبُو بَكر الصديق، وبه قال عُمر وأنَس وأبُو أمَامَة، وروي عن سعد بن مَالك وأبي الدرداء، وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وروى الخلال بإسْنَاده عن عُمرَ ﵁ أنهُ قالَ: من لم يُطهرهُ المسح على العمامة فلا طهرهُ الله تَعالى (٦). لأنه حَائل في (٧) محل ورد الشرع بمَسْحه فجاز المَسْح عليه كالخفين؛ ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المَسْح على حائله كالقدمين. والآية لا تنفي المَسْح على العمامَة، والنبي ﷺ مُبين لكلام الله مُفَسر لهُ، وقد مَسَحَ على العمامة وأمر بالمسح عليها، وهذا يدُل على أن المراد بالآية المسح على الرأس وحائله.

стр. 775

واشترط لجَواز المسح عليها أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العَادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنَين وشبههما (١) مِنْ جَوَانب الرأس؛ لمشقة التحرز عنه ومن شَرط جَوَاز المسح عَليها أن يكون على صفة عمائم المُسْلمين. إما بأن يَكون تحت الحَنَك منها شيء؛ لأن هذِه عَمائم العَرب وهي أكثَر سترًا من غيرها ويشق نزعها فيجوز المسح عليها سواء كانت لها ذؤابة أو لم يكن، وإن لم يكن تَحتَ الحَنَك منها شيء ولا لها ذؤابة لم يجز المسح عليها؛ لأنها على صفة عَمائم أهْل الذمة ولا يشق نزعهَا. وروي أن عمر رأى رجلًا ليسَ تحت حنكه من عمامته شيء فحنكهُ بكور منها، وقالَ: ما هذِه الفاسقية؟ (٢) فامتنع المسْح [عليها للنهي عنها] (٣)، وإن نزع العمامَة بَعد المسْح عَليها بطلت طَهَارَته نص عليه أحمد (٤) وكذَلك إن انكشف رأسهُ إلا أن يكونَ يَسيرًا مثل أن حَك رَأسَهُ أو رفعها لأجل الوضوء فلا بأسَ، وإن انتقضت العمامة بَعد مَسْحها بَطلت طَهَارته؛ لأن ذلك بمنزلة نزعها. قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت (٥). واختلف في وجوب استيعاب العمامة بالمسح والأظهر عند أحمد وجُوبه (٦)؛ لأن
следующие страницы →