← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

من أفاضل الصحابة ﵃، وأن هذا الفعل تكرر منه؛ لأن لفظة "كان" تدل على التكرار (فأُتى بي إلى النبي ﷺ ) ورواية الترمذي (١): فأخذوني وذهبوا بي إلى النبي ﷺ . فيه دليل على أن من ظلم في شيء وأراد أخذ حقه فليرفع الأمر إلى الحاكم، وإن كان الذي ظلمه صبيًّا (فقال: يا غلام) بالضم؛ لأنه نكرة مقصودة نحو: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٢). (لم ترمي النخل؟ ) رواية الترمذي: "يا رافع لم ترمي نخلهم؟ " وفيه استفهام المدعى عليه عن سبب تعديه؛ ليذكر حجته (قال: آكل) أي: إنما أرمي النخل؛ لآكل من ثمرها، فحذف اللام التي (٣) للتعليل اختصارًا، ويوضح ذلك رواية الترمذي، فإنه قال فيها: قلت: يا رسول الله، الجوع. يعني: هو الذي حملني على الرمي. (قال: فلا ترم النخل) فيه النهي عن رمي الثمار التي على الأشجار، ورميها بالأحجار، فإن ذلك يفسدها، وإذا كان فيه فساد الثمرة فلا فرق في النهي بين أن يكون المرمي ملكًا للرامي أو لغيره، وهو مقتضى إطلاق النهي (وكل ما يسقط في أسفلها) لفظ ابن ماجه: "وكل مما يسقط في أسافلها (٤) ". فيه دليل على أن من مر ببستان غيره وهو محوط وفيه فاكهة رطبة أنه يجوز له الأكل منها إذا كان جائعًا وإن لم يكن جائعًا فلا يأكل، وهو

стр. 7247

رواية عن أحمد بن حنبل، قال: وقد فعله غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وقال في موضع: إنما الرخصة للمسافر إلا أنه لم يعتبرها هنا حقيقة الاضطرار؛ لأن الاضطرار يبيح ما وراء الحائط ورويت عنه الرخصة من الأكل من غير المحوط مطلقًا من غير اعتبار رجوع ولا غيره (١). وروي عن أبي زينب التيمي قال: سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي برزة فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم (٢)، وإذا أكل فلا ضمان عليه. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يباح له الأكل من غير ضرورة إلا بإذن مالكه ومع الضرورة يأكل بشرط الضمان، وأما إذا كان عليه حائط فلا يباح له الأكل بالإجماع. (ثم مسح رأسه) لعل هذا الغلام كان يتيمًا؛ فإن النبي ﷺ كان يمسح على رأس اليتيم ويدعو له كما مسح على رأس عبد الله بن جعفر ثلاثًا، فكلما مسح قال: "اللهم اخلف جعفرًا في ولده". رواه البيهقي في "الدعوات" (٣). (فقال: اللهم أشبع بطنه) فيه دليل على استحباب هذا الدعاء للجائع، ورواية الترمذي (٤): "أشبع الله بطنك وأرواك". وقال: حديث حسن غريب صحيح. * * *

стр. 7248

٩٥ - باب فِيمنْ قال: لا يَحْلِبُ ٢٦٢٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا يَحْلبَنَّ أَحَدٌ ماشِيَةَ أَحَدٍ بِغيْرِ إِذْنِهِ، أيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزانتُهُ فينْتَثَلَ طَعامُهُ؟ فَإنَّما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَواشيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلا يَحْلبَنَّ أَحَدٌ ماشِيَةَ أَحَدٍ إِلَاّ بِإذْنِهِ" (١). * * * باب من قال: لا يَحلُب [٢٦٢٣] ([حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، ] عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه) فيه تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه والأكل منه والتصرف فيه، وأنه لا فرق بين اللبن وغيره، وسواءٌ المحتاج وغيره إلا المضطر، وإنما كان هذا؛ لأن أصل الأملاك بقاؤها على ملك مالكها وتحريمها على غيرهم، وإنما خص اللبن بالذكر؛ لتساهل الناس فيه كما يتساهل في الثمار التي تحت الأشجار. (أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته) بفتح الميم وفي الراء لغتان: الضم والفتح، والضم أشهر، وهي كالغرفة يخزن فيها الطعام وغيره. وفيه إثبات القياس والتمسك في المسائل. (فتكسر خزانته، فينْتَثَل) أي: يستخرج وينتثر كله ويرمى، وهو بالثاء

стр. 7249

المثلثة، وفي رواية مسلم (١): "فينتقل" (٢) بالقاف بدل الثاء، ومعناهما متقارب إلا أن النثل النثر بمرة واحدة، يقال: نثل ما في كنانته، أي: صبها، وما يخرج من تراب البئر يقال له: المنتثل. (طعامه) فيه أن اللبن يسمى طعامًا يحنث به من حلف لا يتناول طعامًا إلا أن يكون له نية تخرج اللبن، (فإنما تَخزُن) بفتح التاء وضم الزاي (لهم ضروع) جمع ضرع، وهو لكل ذات ظلف أو خف، وهو بمنزلة الثدي من المرأة (مواشيهم أطعمتهم) شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه لأحد. قال القرطبي (٣): تشبيه ضرع الماشية بالخزانة يقتضي أن من حلب ماشية أحد في خفية، وكانت قيمة ما أخذ نصابًا فإنه يقطع كما يقطع من أخذ من خزانته، وقد قال به بعض العلماء، فأما مالك فلم يقل به، إلا إذا كانت الماشية في حرز. (فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) أو إذن وكيله، وكرر النهي المذكور أولًا، للمبالغة والتأكيد. * * *

стр. 7250

٩٦ - باب في الطّاعَة ٢٦٢٤ - حَدَّثَنا زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا حَجّاجٌ قالَ: قالَ ابن جُريْجٍ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في عَبْدِ اللهِ بْنِ قيْسِ بْنِ عَديِّ بَعَثَهُ النَّبي ﷺ في سَرِيَّةٍ، أَخْبَرَنيهِ يَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ (١). ٢٦٢٥ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ زُبيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبيْدَةَ، عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَميِّ، عَنْ عَليٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ جيْشًا وَأَمَّرَ عَليْهِمْ رَجُلاً وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ ويُطِيعُوا فَأَجَّجَ نارًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيها فَأَبَى قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوها وَقالُوا: إِنَّما فَرَرْنا مِنَ النّارِ، وَأَرادَ قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوها فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبي ﷺ فَقالَ: " لَوْ دَخَلُوها - أَوْ دَخَلُوا فِيها - لَمْ يَزالُوا فِيها". وقالَ: "لا طاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللهِ؛ إِنَّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ" (٢). ٢٦٢٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحيَى عَنْ عُبيْدِ اللهِ، حَدَّثَني نافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "السَّمْعُ والطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِم فِيما أَحَبَّ وَكَرِهَ ما لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإذا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طاعَة" (٣). ٢٦٢٧ - حَدَّثَنا يَحيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوارِثِ، حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ المُغِيرةِ، حَدَّثَنا حُميْدُ بْنُ هِلالٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ عاصِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مالِكٍ - مِنْ رَهْطِهِ - قالَ: بَعَثَ النَّبي ﷺ سَرِيَّةً فَسَلَحْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ سيْفًا فَلَمّا رَجَعَ قالَ: لَوْ رَأيْتَ ما لامَنا رَسُول اللهِ ﷺ قالَ: "أَعَجَزْتُمْ إِذْ بَعَثْتُ رَجُلاً مِنْكُمْ فَلَمْ يَمْضِ لأَمْري أَنْ تَجْعَلُوا مَكانَهُ مَنْ يَمْضي لأمْري؟ " (٤).

стр. 7251

باب في الطاعة [٢٦٢٤] ([حدثنا زهير بن حرب، حدثنا حجاج قال: ] قال) عبد الملك (ابن جريج) نزلت (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾) في امتثال أمره واجتناب نواهيه (﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾) فيما أمر به ونهى عنه (﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾) قال ابن خويز (١) منداد: طاعة أولي الأمر تجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجب طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم، (في عبد الله) بن حذافة، بضم الحاء المهملة (بن قيس بن عدي) بفتح العين المهملة وكسر الدال السهمي القرشي، مات بمصر، وكان (بعثه النبي ﷺ ) وأمره عليهم (في سرية) وتمام القصة: أن عبد الله بن قيس أمرهم بأمر فخالف بعضهم وأنف على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطاعة. قال الشافعي: كانت العرب تأنف من الطاعة للأمراء، فلما أطاعوا رسول الله ﷺ أمرهم بطاعة الأمراء (٢). (أخبرنيه) أي: أخبرني بذلك (يعلى) بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح اللام ابن مسلم، (عن سعيد بن جبير، عن) عبد الله (ابن عباس). [٢٦٢٥] ([حدثنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا: شعبة] عن زُبيد) بضم الزاي وفتح الموحدة، ابن الحارث اليامي، (عن سعد بن عبيدة) بضم

стр. 7252

العين، مصغر. (عن) ختنه (أبي عبد الرحمن السلمي) [بضم السين] (١) واسمه: عبد الله بن حبيب، صاحب علي ﵁، (عن علي: أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا) في بعض الغزوات (وأمَّر عليهم) فيه دليل على استحباب التأمير كما تقدم (رجلاً) هذا الرجل ليس هو عبد الله بن قيس بن حذافة المذكور أولًا؛ لأن في رواية مسلم: رجلًا من الأنصار، (وأمرهم أن يسمعوا له) قوله (ويطيعوا) أمره كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (٢). والسمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة واجبة؛ لظاهر الأمر، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية. (فأجج نارًا) رواية الصحيحين: فقال: اجمعوا لي حطبًا فجمعوه، ثم قال: أوقدوا لي نارًا فأوقدوا. (وأمرهم أن يقتحموا فيها) والاقتحام الدخول في الشيء من غير روية ولا تثبت، قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ (٣)، أي: لم يتحمل الأمر العظيم في الدخول في طاعة الله، ورواية "الصحيح": قال لهم: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. (٤)

стр. 7253

قيل: كان أمره لهم بالدخول في النار امتحانًا لهم (١) واختبارًا لطاعتهم، وقيل: كان مازحًا؛ فإنه كانت فيه دعابة كما قال الليث بن سعد: بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى كاد رسول الله ﷺ أن يقع. قال ابن وهب: فقلت لليث: ليضحكه؟ قال: نعم، كانت فيه دعابة. وقيل: إنما حمله على ذلك غضبه عليهم فأراد عقوبتهم بذلك؛ لأنه قد جاء في رواية مسلم: فأغضبوه في شيء. (فأبى قوم) حين نظر بعضهم إلى بعض (أن يدخلوها، وقالوا: إنما فررنا) إلى رسول الله (من النار) أي نار جهنم، وهذِه منها لما روى ابن ماجه (٢) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "ناركم هذِه جزء من سبعين جزءًا من جهنم". (وأراد قوم أن يدخلوها) (٣) امتثالًا لطاعته. (فبلغ ذلك النبي ﷺ ) ورواية الصحيحين (٤): فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ (فقال: لو دخلوها أو) قال: لو (دخلوا فيها) وهذا شك من الراوي (لم يزالوا فيها) زاد مسلم: "إلى يوم القيامة"، قال النووي (٥): هذا مما علمه النبي ﷺ بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبين للرواية الأخرى بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها.

стр. 7254

قال القرطبي (١): هذا ظاهر في أنه تحرم الطاعة في المعصية المأمور بها، وأن المطيع فيها يستحق العقاب. (وقال: لا طاعة في معصية الله) قال القرطبي (٢): لو أمر بمعصية مثل أخذ مالٍ بغير حق أو قتل أو ضرب بغير حق فلا يطاع في ذلك ولا ينفذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما ولا ماله بأولى من دم الآخر ولا ماله، وكلاهما يحرم شرعًا؛ إذ هما مسلمان ولا يجوز الإقدام على واحد منهما لا للآمر ولا للمأمور؛ لقوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". كما ذكره الطبراني (٣) (٤) ولقوله في الحديث الآتي: "فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". (إنما الطاعة) أي الواجبة (في المعروف) ومقتضى هذا الحصر أن الطاعة لا تكون إلا في معروف. ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، وقد صرح أصحابنا بأن الإمام إذا أمر بصيام الثلاثة الأيام المستحبة لصلاة الاستسقاء أنها تصير واجبة بأمر الإمام. قلت: فعلى هذا إذا أمر الإمام في الشتاء برفع الطين من الشوارع، أو أمر بتعليق الثياب التي يتزين بها عند ولاية الإمام فتجب طاعته، إذا لم

стр. 7255

يؤد ذلك إلى معصية، والله أعلم. [٢٦٢٦] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله) بن عمر ﵁ (عن رسول الله ﷺ أنه قال: السمع) بالرفع على الابتداء (والطاعة) أي واجبة (على المرء المسلم) ويجوز النصب على الإغراء عن من يجوزه في الغائب كقول بعضهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب. ويدل عليه رواية مسلم: "عليك السمع والطاعة" (١) فإنه تقدم لاجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (فيما أحب) المسلم ووافق هواه (و) فيما (كره) أي: ويجب السمع والطاعة فيما تكرهه نفس المسلم ويشق عليها مما ليس بمعصية (ما لم يؤمر) المسلم (بمعصية) كما تقدم، (فإذا أمر بمعصية) تعلمونها من دين الله ولا تشتبه عليكم (فلا سمع ولا طاعة) فيما أمر، لكن إذا ظلموا لا يجوز الخروج عليهم ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإسلام، لكن يجب تغيير الظلم على من قدر بيده أو بلسانه فإن عجز فيكرهه بقلبه ولا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا، قاله النووي وغيره. قال سهل بن عبد الله التستري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل، والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد. قال: وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإذا أفتى فهو عاصٍ.

стр. 7256

[٢٦٢٧] (حدثنا يحيى بن معين، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن بشر) بكسر الباء الموحدة وإسكان المعجمة أخو نضر (بن عاصم) [الليثي] (١) (عن عقبة ابن مالك) الليثي البصري، قال أبو عمر بن عبد البر وغيره: إن عقبة هذا روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا (٢) (من رهطه) لعل المراد: من رهط بشر الراوي عنه. (قال: بعث النبي ﷺ سرية فسلحت) بفتح السين واللام المشددة وإسكان الحاء المهملة (رجلاً منهم سيفًا) أي جعلته ذا سلاح بالسيف الذي دفعته إليه، وهو داخل في قوله ﷺ : "من جهز غازيًا فقد غزا" (٣). (فلما رجع) أي: من الغزو (قال: لو رأيتَ ما لامنا) بفتح الميم المخففة من اللوم، و (ما) مصدرية تقدر هي وما بعدها بالمصدر والتقدير: لو رأيت لوم (رسول الله ﷺ ) لنا. ثم فسر اللوم المذكور إذ (قال: أعجزتم إذ بعثت رجلًا منكم) أمرته على سرية وأمرته بأمر (فلم يمض لأمري) الذي أمرته به أن تقوموا عليه وتخلعوه من الإمارة بمخالفته أمري، قال القاضي عياض (٤): لو طرأ عليه

стр. 7257

كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين (أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري) أي أمر رسول الله ﷺ . وقال القرطبي: لو ابتدع بدعة، أي: مخالفة للشريعة المحمدية، فالجمهور على أنه يخلع (١). ومعنى الحديث إذا جعلت عليكم أميرًا وأمرته بأمر فلم يمض فيه، ولم يذهب إلى حيث أرسلته فاعزلوه وأقيموا مكانه أميرًا يعمل عمله، والحديث معمول به، وإذا كان الأمير لا يحفظ الرعية ويظلمهم، قال بعضهم: يجوز للمسلمين عزله وإقامة غيره إن لم يحصل من عزله إثارة فتنة وإراقة دماء. * * *

стр. 7258

٩٧ - باب ما يُؤْمَرُ مِنَ انضمامِ العَسْكرِ وَسِعَتِهِ ٢٦٢٨ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ الِحمْصيُّ وَيَزِيدُ بْنُ قُبَيْسٍ - مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ ساحِلِ حِمْصٍ وهذا لَفْظُ يَزِيدَ - قالا: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ العَلاءِ أنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ مِشْكَمٍ أَبا عُبَيْدِ اللهِ يقول: حدثَنا أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنيُّ قالَ: كانَ النّاسُ إِذا نَزَلُوا مَنْزِلًا - قالَ عَمْرٌو: كانَ النّاسُ إِذا نَزَلَ رَسُول اللهِ ﷺ مَنْزِلاً - تَفَرَّقُوا في الشِّعابِ والأودِيَةِ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ في هذِه الشِّعابِ والأوْدِيَةِ إِنَّما ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطانِ". فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلَاّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ حَتَّى يُقالُ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ (١). ٢٦٢٩ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخَثْعَميِّ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجاهِدٍ اللَّخْميِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنيِّ عَنْ أَبِيهِ قالَ غَزَوْتُ مَعَ نَبي اللهِ ﷺ غزْوَةَ كَذا وَكَذا فَضَيَّقَ النّاسُ المَنازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ فَبَعَثَ نَبي اللهِ ﷺ ! مُنادِيًا يُنادَي في النّاسِ أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلاً أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلا جِهادَ لَهُ (٢). ٢٦٣٠ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنا بَقِيَّة، عَنِ الأَوزاعيِّ عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ عَنْ أَبِيهِ قالَ: غَزَوْنا مَعَ نَبي اللهِ ﷺ . بِمَعْناهُ (٣). * * *

стр. 7259

باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته [٢٦٢٨] (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي ويزيد بن قُبَيس) بضم القاف وفتح الباء الموحدة مصغر الشامي ثقة (من أهل جَبَلة) بفتح الجيم والباء الموحدة (ساحل حمص) لا ينصرف للتأنيث والعلمية (وهذا لفظ يزيد قالا: حدثنا الوليد عن عبد الله بن العلاء، أنه سمع مسلم بن مِشكم) بكسر الميم (أبا عبيد الله يقول: حدثنا أبو ثعلبة) جرثوم، ويقال: جرهم بن ناشم (الخشني) وخشينة حي من قضاعة. (قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً) هذا لفظ رواية يزيد و (قال عمرو) في روايته: (كان الناس إذا نزل رسول الله منزلاً) ثم اتفقا (تفرقوا في الشعاب) جمع شعب بكسر الشين، وهو الطريق في الجبل (والأودية) ينزلون متفرقين يطلبون الظلال ليرتفقوا به لما ينالهم من مشقة السفر، فلما كان في الغزوة التي غزوها قبل نجد ونزل في الوادي وتفرق الناس عنه يستظلون بالشجر ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة وعلق سيفه، فأتى أعرابي (١) (غورث)، والنبي ﷺ نائم، فأخذ السيف، فاستيقظ وهو قائم على رأسه، والسيف صلت في يده، فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله (٢). (فقال رسول الله ﷺ : ) بعد ذلك (إن تفرُّقكم) (٣) بفتح التاء والفاء، أصلها: تتفرقوا ثم حذفت إحدى التاءين

стр. 7260

(في الشعاب والأودية) فتتفرق قلوبكم، فإن الافتراق هلكة والاجتماع نجاة ورحمة، فإن المؤمنين كالبنيان يشد بعضهم بعضًا. (إنما ذلكم) أي: هذا التفرق الذي تتفرقونه في الشعاب (من الشيطان) وهو الذي يدعوكم إليه ليتخلل (١) الشيطان في فُرجكم إذا تفرقتم ويطمع فيكم العدو. (فلم ينزل بعد ذلك) الذي نهاهم فيه عن التفرق (منزلاً) واحدًا (إلا انضم بعضهم إلى بعض) امتثالًا لأمره في منازلهم (حتى يقال: ) أي: يقول القائل إذا رآهم منضمين (لو بسط عليهم) في حال انضمامهم (ثوب) واحد (لعمَّهم) وشملهم جميعهم، وهذا يدل على فضل الصحابة وشدة اعتنائهم بالدين وحرصهم على العمل بما أمروا به ومبادرتهم إلى ترك ما نهوا عنه، جعلنا الله كذلك. [٢٦٢٩] (حدثنا سعيد بن منصور قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد اللخمي) بإسكان الخاء المعجمة (عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني) ضعَّفه بعضهم، لكن حسن له الترمذي وصحح أيضًا، واحتج به ابن خزيمة (٢) وغيرهما. (عن أبيه معاذ) بن أنس ﵁ (قال: غزوت مع نبي الله ﷺ غزوة كذا وكذا فضيق الناس) على أهل (المنازل) الذين نزلوا فيها منازلهم

стр. 7261

بنزولهم عليهم فيها (وقطعوا الطريق) على المارين بها لنزولهم فيها (فبعث نبي الله ﷺ مناديًا ينادي في الناس: ) أي: في حال النزول (أن من ضيق) على من سبق إلى منزل نزل فيه (منزلاً) بنزوله عنده، وكذا من ضيق على المصلين مسجدًا ببناء لا يحتاج إليه فيه، أو وضع كرسيًّا (١) أو غرس شجرًا وغير ذلك مما يضيق على المصلين، ولهذا كره أبو حنيفة ومالك الصلاة في المسجد على الجنازة؛ لأنها تضيق على المصلين. (أو قطع طريقًا) عن المارين فيه إلى الغزاة، وكذا من ضيق طريق الحجاج والطريق إلى الجوامع والمساجد، وكذا الشوارع المسلوكة بإدخال شيء منها في بيوتهم بالبناء، وكذا بالجلوس فيها للبيع، وكذا بناء سباط قصير يمنع من مرور الفارس ومحامل الإبل، وكذا بناء الدكة فيه وهي المسطبة، وكذا غرس الشجر وإن لم يضر بالمارة، وكذا اتخاذ الطين فيه إن منع المرور منه (فلا جهاد له) أي: كاملًا، ويحتمل أن لا يراد لا أجر له في جهاده، وكذا من ضيق طريق الحاج والمسجد والجامع، وفيه دليل على أنه يستحب للإمام إذا رأى بعض الناس فعل شيئًا مما تقدم أن يبعث مناديًا ينادي بإزالة ما تضرر به الناس، وينادون به من جميع ما تقدم، وهذا لا يختص بالجهاد، بل أمير الحاج كذلك، وكذا الأمير والحاكم في المدينة، ومن يتكلم في الحسبة ونحو ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 7262

٩٨ - باب في كَراهيةِ تَمَنّي لِقاء العَدُوِّ ٢٦٣١ - حَدَّثَنا أَبُو صالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا أَبُو إِسْحاقَ الفَزاريُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سالمٍ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ - يَعْني ابن مَعْمَرٍ وَكانَ كاتِبًا لَهُ - قالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي أَوْفَى حِينَ خَرَجَ إِلى الحرُورِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ في بَعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقيَ فِيها العَدُوَّ قالَ: "يا أَيُّها النَّاسُ لا تتمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ وَسَلُوا اللهَ تَعالَى العافِيَةَ فَإذا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا واعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ". ثُمَّ قالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتاب وَمُجْريَ السَّحاب وَهازِمَ الأحْزابِ اهْزِمْهُمْ وانْصُرْنا عَلَيْهِمْ" (١). * * * باب كراهية تمني لقاء العدو [٢٦٣١] (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة) من موالي أمية (عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله) تصغير عبد (يعني: ابن معمر) بقوله إلا أن تفسير عمر بن عبيد الله بأنه (وكان) ليس هو من كلام الراوي الذي سمع منه (كاتبًا) يعني: سالمًا (له) أي: لعمر بن عبيد الله (قال): يعني: سالمًا (كتب إليه) يعني: إلى عمر بن عبيد الله (عبد الله بن أبي أوفى) الأسلمي، واسمه علقمة الأسلمي. قال النووي: واتفاق البخاري ومسلم على روايته حجة في جواز

стр. 7263

العمل بالمكاتبة والإجازة، وقد جوزوا (١) العمل (٢) بالمكاتبة، وبه قال جماهير العلماء من أهل الحديث والأصول والفقه، ومنعت طائفة العمل بها، وهو غلط (٣). (حين خرج إلى الحرورية) نسبة إلى حروراء، وهو موضع أو قرية بظاهر الكوفة. قال السمعاني (٤): وهي على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج فيه فتعاقدوا في هذِه القرية على مذهبهم الفاسد؛ فنسبوا إليها. وكان عبد الله آخر من بقي بالكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ ابتنى بها دارًا، ومات بالكوفة سنة سبع وثمانين بعدما كف بصره. (أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقِي) بكسر القاف (فيها العدو، قال: يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو) فيه الدليل على كراهة تمني لقاء العدو خشية اضطراب النفوس عند اللقاء وتغيرها عما عزمت عليه لصعوبة فقد الحياة عند الملاقاة أو غير ذلك مما علمه ﵇، وقد نهى عن تمني الموت. قال ابن عباس: لم يتمن الموت غير يوسف ﵇ (٥). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: اللهم رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني

стр. 7264

غير مقصر ولا عاجز (١). قال الإمام: وقد يشكل في هذا الموضع أن يقال: إذا كان الجهاد طاعة فتمني الطاعة كيف ينهى عنه؟ ! قيل: قد يكون المراد بهذا أن التمني ربما أثار فتنة وأدخل حسرة إذا التحق به ومن استخف بعدوه فقد أضاع الحزم، فيكون المراد: لا تتمنوا لقاء العدو في حالة الشك في غلبته عليكم، أو يخاف منه استباحة (٢) الحريم ويذهب بالأنفس (٣) والأموال. (وسلوا الله العافية) قد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة، وقيل: لما يخاف من ظفر العدو بالمسلمين: "اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبابي وجميع المسلمين". (فإذا لقيتموهم فاصبروا) فيه الحث على الصبر في القتال وهو أركز أركانه، وقد جمع الله آداب القتال في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤)، فوعد الله أن يكون مع الصابرين، ومن كان الله معه فلا يبالي.

стр. 7265

(واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) فمعناه أن ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، وهذا من المجاز البليغ الحسن جدًّا، فإن ظل الشيء لما كان ملازمًا له جعل ثواب الجنة واستحقاقها سبب الجهاد وإعمال السيوف لازمًا لذلك كما يلازم الظل، وهذا كقوله ﷺ لمن استشاره للجهاد، وذكر أن له والدين: "الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما". رواه الطبراني بإسنادٍ جيد (١). وتخصيص السيوف دون غيرها؛ لأنها الغالب ما يقاتل به. (ثم قال: اللهم (٢) منزل الكتاب) منادى مضاف فيه إشارة إلى السبب الذي تطلب به الإجابة، وهو طلب النصرة لكتاب الله المنزل عليه كأنه قال: كما أنزلته فانصره وأعله وأهله (مجري السحاب) فيه إشارة إلى قدرته ، وفيه التوسل بالنعمة السابقة (وهازم الأحزاب) جمع حزب وهم القطعة من الناس، ويعني به الذين تحزبوا عليه بالمدينة فهزمهم الله. فيه التوسل بالنعمة اللاحقة، وقد ضمن الشعراء هذا المعنى أشعارهم بعدما أشار إليه كتاب الله حكاية عن زكريا ﵇ ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٣) وعن إبراهيم ﵇: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٤) أي: بارًّا وصولًا. وقال الشاعر:

стр. 7266

كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقى وفي قوله: (هازم الأحزاب) إشارة إلى تفرد الله سبحانه بالفعل وتجريد التوكل وإطراح الأسباب واعتقاد أن الله هو الفاعل، وفيه دليل على أنه يستحب الدعاء (١) بصفات الله التي تناسب طلبة الداعي كقوله: وهازم الأحزاب (اهزمهم) وفيه الدعاء على العدو بالانهزام (وانصرنا عليهم) فيه الدعاء بالنصر والغلبة على الكفرة، وفيه دليل على جواز السجع في الدعاء إذا لم يتكلف. * * *

стр. 7267

٩٩ - باب ما يُدْعَى عِنْد اللِّقاءِ ٢٦٣٢ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، أَخْبَرَنا أَبي، حَدَّثَنا المُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا غَزا قالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدي وَنَصِيري بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أُقاتِلُ" (١). * * * باب ما يُدعى عند اللقاء [٢٦٣٢] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أخبرني أبي) هو علي الجهضمي الأزدي (حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي) أي: عوني، والأصل فيه عضد اليد، ثم يوضع موضع العون؛ لأن اليد قوامها بالعضد، قال الله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٢) أي: أعوانًا (ونصيري) النصير والناصر المعاون (بك أحول) بالحاء المهملة. أي: بقدرتك أتحرك لملاقاة العدو لا بقوتي من قولك: حال الشخص إذا تحرك. وقال الخطابي (٣): أحول أحتال. (وبك أصول) أي: أسطو على العدو (وبك أقاتل) أي: لأستعين على القتال، ورواية النسائي (٤): "رب بك أقاتل، وبك أصول، ولا حول ولا قوة إلا بك". * * *

стр. 7268

١٠٠ - باب في دُعاءِ المُشْرِكِينَ ٢٦٣٣ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا ابن عَوْنٍ قالَ: كَتَبْتُ إِلى نافِعٍ أَسْألُهُ، عَنْ دُعاءِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ القِتالِ فَكَتَبَ إِلى أَنَّ ذَلِكَ كانَ في أَوَّلِ الإِسْلامِ وَقَدْ أغارَ نَبي اللهِ ﷺ علَى بَني المُصْطَلِقِ وَهُمْ غارُّونَ وَأَنْعامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الماءِ فَقَتَلَ مُقاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيةَ بِنْتَ الحارِثِ حَدَّثَنَي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ وَكانَ في ذَلِكَ الجيْشِ. قالَ أَبُو داوُدَ: هذا حَدِيثٌ نَبِيلٌ رَواهُ ابن عَوْنٍ عَنْ نافِعٍ وَلَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ (١). ٢٦٣٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا ثابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ كانَ يُغِيرُ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَكانَ يَتَسَمَّعُ فَإِذا سَمِعَ أَذانًا أَمْسَكَ وَإِلا أَغارَ (٢). ٢٦٣٥ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ عَبْدِ الملِكِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ مُساحِقٍ، عَنِ ابن عِصامٍ المُزَنىِّ عَنْ أَبِيهِ قالَ بَعَثَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ فَقالَ: "إِذا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلا تَقْتُلُوا أَحَدًا" (٣). * * * باب في دعاء المشركين [٢٦٣٣] (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ابن عون قال: كتبت إلى نافع) مولى ابن عمر ﵄ (أسأله عن

стр. 7269

دعاء المشركين) إلى الإسلام (عند القتال) تقدم أن الصحيح أن الدعوة إلى الإسلام تجب قبل القتال إن لم تبلغهم الدعوة ولا تجب إن بلغتهم، ولكن تستحب. (فكتب إلي) فيه دليل على جواز العمل بالمكاتبة والإجازة وهو مذهب الجمهور كما تقدم (أن ذلك) يعني: الدعوة قبل القتال (كان في أول الإسلام) قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام حتى أظهر الله الدين وأعلى الإسلام، واستدل نافع على أن الدعاء إلى الإسلام قبل أن يحارب كان أولًا بقضية بني المصطلق. وكلامه يفهم (١) أن هذا نسخ بقضية بني المصطلق وبه تمسك من قال: سقوط الدعوة مطلقًا؛ فإنه قال: (وقد أغار نبي الله علي بني المصطلق) بكسر اللام حي من خزاعة، أي: أرسل إليهم الغارة [بالغين المعجمة] (٢) وهي الخيل التي تغير في أول النهار (٣) (وهم غارُّون) بالغين المعجمة وتشديد الراء المضمومة. أي: غافلون آمنون في دارهم (وأنعامهم) وهي الإبل والبقر والغنم (تُسْقَى) بضم التاء وفتح القاف (على الماء فقتل مقاتِلتهم) بكسر التاء. وهم: الصالحون للقتال (وسبى سبيهم) السبي هم الذراري والنساء، وفي هذا الحديث دليل على جواز الإغارة على الكفار الذين تبلغهم الدعوة من غير إنذار الإغارة. (وأصاب يومئذٍ) أي: يوم المريسيع في غزوة بني المصطلق (جويرية)

стр. 7270

كان اسمها برة (١) فحوله رسول الله ﷺ وسماها جويرية (بنت الحارث) بن ضرار، وكانت قبل رسول الله ﷺ عند مسافع بن صفوان المصطلقي وكانت عليها حلاوة وملاحة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بقلبه وعندما تزوجها رسول الله ﷺ قال الناس: صهر رسول الله. فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق، قالت عائشة: فلا نعلم امرأة كانت أكثر بركة على قومها منها (٢). (حدثني بذلك عبد الله) بن عمر (وكان في ذلك الجيش) الذين أغاروا على (٣) بني المصطلق. (قال أبو داود: هذا حديث مرسل؛ ) (٤) لأنه أرسله نافع مولى ابن عمر التابعي الجليل المشهور، والمرسل عند المحدثين: ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ سواء كان من كبار التابعين أو صغارهم. هذا هو المشهور، وقيل: لا يكون مرسلًا إلا ما رفعه التابعي الكبير كسعيد بن المسيب وإن رواه صغار التابعين كالزهري ويحيى بن سعيد فهو منقطع. (رواه ابن عون عن نافع لم يشركه) بفتح الياء وكسر الراء أي: لم يشاركه (فيه أحد) قال أبو داود: سمعت بندارًا يقول وقد (٥) حدث

стр. 7271

بهذا الحديث: هذا قفل قد (١) ضل مفتاحه. قال أبو داود: لم يشرك البصريين فيه أحد، ذكره في كتاب "المنفرد". [٢٦٣٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أنبأنا ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يغير) بضم الياء الأولى وكسر الغين أي: يرسل الخيل لطلب غرة العدو مسرعة صبحًا من غير إعلام لهم (عند صلاة الصبح) ورواية مسلم: يغير إذا طلع الفجر (٢). ورواية البخاري (٣): إذا جاء قومًا بليل لا يغير عليهم حتى يصبح. لأنه وقت الصلاة، وهو مظنة إجابة الدعاء، وحصول الغنيمة منهم، فإنه وقت يقسم فيه أرزاق الناس، ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية أو جيشًا بعثه أول النهار ويقول: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" (٤) كما تقدم. (وكان) إذا دنا من القوم (يتسمع) ويصغي بسمعه إلى جهتهم (فإذا سمع أذانًا) في ناحيتهم أمنهم من الغارة و (أمسك) عن قتالهم. قال النووي (٥): فيه دليل على [أن الأذان يمنع من الإغارة على أهل ذلك الموضع فإنه دليل على] (٦) إسلامهم. قال: وفيه أن النطق بالشهادتين

стр. 7272

يكون إسلامًا وإن لم يكن الأذان باستدعاء ذلك منه، وهذا هو الصواب. ولا يحتاج مع النطق بالشهادتين أن يقول: وأنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام إلا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ بالعرب؛ فإنه لا يحكم بإسلامه إلا إذا تبرأ. قال: ومن أصحاب الشافعي من شرط أن يتبرأ مطلقًا، وليس بشيء. (وإلا) أي: وإن لم يسمع أذانًا (أغار) على العدو بالهجوم عليهم صبحًا من غير إعلام. [٢٦٣٥] ([حدثنا سعيد بن منصور، أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق] (١) عن) عبد الرحمن (ابن عصام المزني عن أبيه) عصام المزني، وكانت له صحبة (قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية) هي: القطعة من الجيش فعيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تسري في خفية. (فقال: إذا رأيتم مسجدًا) من مساجد المسلمين محرابه إلى قبلتهم فكفوا عن قتال أهل ذلك الموضع؛ فإنه يدل على إسلامهم سواء وجد المسجد في بلد أو قرية أو طريق مطروق، وتكون رؤية المسجد قائمة مقام التخبر عن إسلامهم كما أن من يعرف القبلة إذا رأى مسجدًا للمسلمين فإنه يجب عليه في الصلاة إلى محرابه وقبلته المنصوبة، وجرى ذلك مجرى المخبر عن القبلة، وهذا مما يقوم فيه فعل العبد (٢) مقام قوله، وهذا إذا رأى مسجدًا عامرًا، أما إذا رأى آثار مسجد قديم خرب وغلب على ظنه أنه ليس من بنائهم فلعل هذا لا يكون سببًا

стр. 7273

للكف عنهم. (أو سمعتم مؤذنًا) يؤذن في مسجد أو فلاة (فلا تقتلوا أحدًا) من أهل ذلك الموضع كما أن النبي ﷺ أمسك عن الإغارة على أهل الموضع الذي سمع منه رجلًا يقول: الله أكبر. فقال: "على الفطرة" ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "خرجت من النار" فنظر فإذا هو راعي معز. تفرد بروايته مسلم عن البخاري (١). وفي الحديث دلالة على أنه يجوز الاعتماد في دخول الوقت على أذان المنفرد وإن لم يره ولا عرفه، وأن المنفرد في الفلاة يشرع له الأذان كما يشرع للمقيم. * * *

стр. 7274

١٠١ - باب المَكْرِ في الحَرْب ٢٦٣٦ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ جابِرًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "الحَرْبُ خُدْعَةٌ" (١). ٢٦٣٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنا ابن ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْريّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبي ﷺ كانَ إِذا أَرادَ غَزْوَةً وَرى غَيْرَها وَكانَ يَقُولُ: "الحَرْبُ خُدْعَةٌ". قالَ أَبُو داوُدَ: لَمْ يَجِيْء بِهِ إِلا مَعْمَرٌ يُرِيدُ قَوْلَهُ: "الحَرْبُ خُدْعَةٌ". بهذا الإِسْنادِ إِنَّما يُرْوى مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ جابِرٍ وَمِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنْ هَمّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (٢). * * * باب المكر في الحرب [٢٦٣٦] (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان) يعني ابن عيينة (عن عمرو) يعني: ابن دينار (أنه سمع جابر) بن عبد الله (يقول: أن رسول الله ﷺ قال: الحرب خَدعة) في يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود. (الحرب خدعة) فيه ثلاث لغات مشهورة اتفقوا على أن أفصحهن: خَدْعة بفتح الخاء وإسكان الدال مصدر خدع، قال ثعلب وغيره: هي لغة النبي ﷺ (٣).

стр. 7275

والثانية بضم الخاء وإسكان الدال. والثالثة: بضم الخاء وفتح الدال. والمعنى: أن الحرب تكون ذات خدعة، فوضع المصدر موضع الاسم، أي: ينبغي أن يستعمل فيهم الخداع ولو مرة واحدة. وقد اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها الحرب (١). قال الطبري: إنما يجوز من (٢) الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل (٣). قال النووي (٤): والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل. قيل: إن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، روي أن عمرو بن عبد ود بارز عليًّا، فلما أقبل عليه قال علي: ما بارزت لأقاتل اثنين، فالتفت عمرو فوثب عليه علي فقتله. [٢٦٣٧] (حدثنا محمد بن عبيد الله، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن

стр. 7276

الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه) كعب بن مالك (أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة وَرى) أي سترها وأوهم بغيرها، وهو من الوري أي: ألقى البيان والظهور وراءه (غيرَها) ولم يذكرها. وفيه أنه يستحب لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يوري بغيرها لئلا يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير منهم إلا إذا كانت سفرة بعيدة فيستحب أن يعرفهم البعد ليتأهبوا له. (وكان يقول: الحرب خدعة) تقدم أن فيها ثلاث لغات، وفيها لغة رابعة وهي فتح الخاء والدال جمع خادع يعني أن أهلها بهذِه الصفة يخدعون فلا يطمئن إليهم، كأنه قال: أهل الحرب خدعة، ثم حذف المضاف، وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه. * * *

стр. 7277

١٠٢ - باب في البَياتِ ٢٦٣٨ - حَدَّثَنا الحسَنُ بْنُ عَلَيٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو عامِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ، حَدَّثَنا إِياسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنا أَبا بَكْرٍ ﵁ فَغَزَوْنا ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ فَبَيَّتْناهُمْ نَقْتُلُهُمْ وَكانَ شِعارُنا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ. قالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدَي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبْياتٍ مِنَ المُشْرِكِينَ (١). * * * باب البيات البيات بفتح الباء والتبييت وهو الإغارة عليهم ليلًا. [٢٦٣٨] (حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الصمد وأبو عامر، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه) سلمة بن الأكوع ويقال: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي يكنى أبا إياس؛ لأن ابنه إياس الراوي عنه (قال: أمَّرَ رسول الله علينا) فيه استحباب التأمير كما تقدم (أبا بكر) الصديق ﵁ (فغزونا ناسًا من المشركين فبيتناهم نقتلهم) فيه جواز التبييت، وهو الإغارة عليهم ليلًا في غفلة. فإن قيل: التبييت فيه قتل النساء والصبيان، وقد نهى الشارع عنه كما تقدم. فأجيب: بأنه إنما نهى عن قتلهم صبرًا بعد السبي؛ لأنهم صاروا غنيمة، وأما إذا كانوا في دار الحرب فهي دار إباحة فيقتلون تبعًا لرجالهم. فإن قيل: ادعى الزهري وسفيان بن عيينة نسخ حديث التبييت بحديث

стр. 7278

النهي عن قتل النساء والصبيان، وادعاه ابن حبان في "صحيحه" (١). فالجواب: أن الشافعي أنكر ذلك. وقال ابن الجوزي: إنه ليس بصحيح، وأن النهي عن تعمد النساء والصبيان بالقتل (٢)، وحديث أنه سئل عن أهل الديار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: هم منهم. فيما إذا لم يتعمد. وهذا حسن؛ لأن فيه الجمع بين الحديثين. (وكان شعارنا تلك الليلة) أي علامتنا (أمِت أمِت) بكسر الميم فيهما، كما تقدم الحديث من طريق أخرى في باب: الرجل ينادي بالشعار (٣). (قال سلمة) بن الأكوع (فقتلت بيدي تلك الليلة) التي كان شعارنا فيها أمت أمت (سبعةَ أهلِ أبياتٍ) لعل التقدير: فقتلت أهل أبيات سبعة، فهو على التقديم والتأخير (من المشركين) هو كالعلة لما تقدم. أي: إنما قتلتهم لأنهم مشركون. فإن قيل: ذكر هذا فيه إظهار للعمل والفضيلة في إخفائه. فالجواب: أن هذا من ذكر النعمة التي أنعم الله عليه بها كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (٤) وليتأس به سامعه في ذلك. * * *

стр. 7279

١٠٣ - باب في لُزومِ السّاقَةِ ٢٦٣٩ - حَدَّثَنا الحسَنُ بْن شَوْكَرٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنا الحجّاجُ بْنُ أَبي عُثْمانَ، عَنْ أَبى الزُّبَيْرِ أَنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُمْ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَخَلَّفُ في المسِيرِ فيزْجي الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُمْ (١). * * * باب في لزوم الساقة أي: الذين يساق بهم، والساقة جمع سائق كالقادة جمع قائد. [٢٦٣٩] (حدثنا الحسن بن شوكر) البغدادي (حدثنا إسماعيل ابن عُلَية، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير) أي: يتأخر ليسير في آخر القوم (فيُزْجِي) بضم الياء وإسكان الزاي أي: يسوق (الضعيف) أي: الذي دابته ضعيفة، وهذا سبب تخلفه في المسير، يقال: أزجيت المطي وزجيتها إذا سقتها، ومنه قوله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ (٢) أي: يسوقه (٣)، و ﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ (٤) أي: يسيره. فيه أنه يستحب للأمير أن يسير آخر الركب ويرفق بالجيش ويسير بهم سير أضعفهم؛ لئلا يشق عليهم، ويسوق بمن دابته ضعيفة إذا اعتلت.

стр. 7280

وفيه الحمل على الدابة ببعض ما يشق عليها؛ لأن السوق يكلف الدابة [ما يشق عليها] (١)، وإذا صح ذلك فكذلك يجوز أن يكلف العبد والأمة بعض ما يشق عليهما إذا كان من طاقتهما ووسعهما، وإذا احتاج في السوق إلى ضرب الدابة وإيلامها جاز، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لجابر في غزوة أو عمرة: "يا جابر استمسك"، فضربه بسوطه ضربة فوثب البعير مكانه فقال: "أتبيع الجمل ... " الحديث (٢). وفيه دليل على أن (٣) الأمير يستحب له التواضع لمن معه والإحسان إليهم؛ فإن السوق بالبعير فيه نوع تواضع. (و) كان (يردف) خلفه من أعيا عن المشي أو أعيت دابته إذا كانت دابته تردف، وإذا وجد من تعب أو ماتت دابته يحمل متاعه، وهذا فيه نوع تواضع أيضًا. (ويدعو لهم) أي: للجيش ولمن يرافقه ولدوابهم، ولاسيما إذا رآهم في جهد كما سيأتي في رواية عبد الله بن حوالة: اللهم لا تكلهم إلى فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم (٤). * * *

стр. 7281

١٠٤ - باب علَى ما يُقاتَل المُشْركونَ ٢٦٤٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوَيةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إله إِلَاّ اللهُ فَإِذا قالُوها مَنَعُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إِلَاّ بِحَقِّها وَحِسابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعالَى" (١). ٢٦٤١ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ يَعْقوبَ الطَّالقانيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إِلَاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنا وَأَنْ يَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنا وَأَنْ يُصَلُّوا صَلاتَنا فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنا دِماؤُهُمْ وَأَمْوالُهُمْ إِلَاّ بِحَقِّها لَهُمْ ما لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ ما عَلَى المُسْلِمِينَ" (٢). ٢٦٤٢ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْرِيُّ، أَخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَي يَحْيَى بْن أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ المُشْرِكِينَ". بِمَعْناهُ (٣). ٢٦٤٣ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ وَعُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ المعْنى قالا: حَدَّثَنا يَعْلى بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبي ظَبْيانَ، حَدَّثَنا أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ قالَ بَعَثَنا رَسُول اللهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلى الحُرَقاتِ فَنَذِرُوا بِنا فَهَرَبُوا فَأَدْرَكْنا رَجُلًا فَلَمّا غَشَيْناهُ قالَ: لا إله إِلا الله فَضَرَبْناهُ حَتَّى قَتَلْناهُ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبي ﷺ فَقالَ: "مَنْ لَكَ بِلا إله إِلَاّ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ". فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّما قالَها مَخافَةَ السِّلاحِ. قالَ: "أَفَلا شَقَقْتَ، عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قالَها أَمْ لا مَنْ لَكَ بِلا إله إِلَاّ اللهُ يَوْمَ

стр. 7282

القِيامَةِ". فَما زالَ يَقُولُها حَتَّى وَددْت أَنِّي لَمْ أسلِمْ إِلا يَوْمَئِذٍ (١). ٢٦٤٤ - حَدَّثَنا قتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابن شِهابٍ عَنْ عطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثَيِّ عَنْ عبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدَيِّ بْنِ الخِيارِ عَنِ الِمقْدادِ بْنِ الأسوَدِ أَنَّهُ أَخْبَرَه أَنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجلاً مِنَ الكفّارِ فَقاتَلَنَي فَضَرَبَ إِحْدى يَدى بِالسَّيْفِ ثمَّ لاذَ مِنَّي بِشَجَرَةٍ فَقالَ أَسْلَمْتُ لله. أفَأقْتله يا رَسولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قالَها قالَ رَسول اللهِ ﷺ : "لا تَقْتُلْهُ". فَقُلْت: يا رَسُولَ اللهِ إِنهُ قَطَعَ يَدَي. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التَي قالَ" (٢). * * * باب على ما يقاتل المشركين من رواها المشركين كسر التاء من يقاتل، ومن روى المشركون فتح التاء. [٢٦٤٠] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم، بمعجمتين (عن الأعمش) هو: سليمان بن مهران الأسدي (عن أبي صالح) هو: ذكوان السمان (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) قال الخطابي (٣): معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم

стр. 7283

السيف حتى يسلموا ويقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله كما سيأتي في الرّواية الآتية. (فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم) فيه دليل على صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ودمه ولو كان عند السيف، وأن الأحكام تجري على قوله الظاهر والله تعالى يتولى السرائر [(إلا بحقها)] (١) زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان. (وحسابهم على الله) أي: حساب سرائرهم على الله؛ لأنه سبحانه هو المطلع عليها، فمن أخلص لله في إيمانه وأعماله جازاه عليها جزاء المخلصين، ومن لم يخلص في ذلك كان من المنافقين يحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوأ الكافرين، بوب عليه البخاري (٢): باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام وعلى ما يقاتلون. [٢٦٤١] (حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) وفي رواية الصحيحين (٣) "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وبأيهما نطق دخل في الإسلام. (وأن يستقبلوا قبلتنا) فيه أمر ولاة الأمر أن يقاتلوا الكفار حتى ينطقوا بالشهادتين ويستقبلوا القبلة في الصلاة (وأن يأكلوا ذبيحتنا) فعيل بمعنى

стр. 7284

مفعول أي: يأكلوا ما ذبحه المسلمون، (وأن يصلوا) إلى قبلتنا ويركعوا ويسجدوا كما نفعل في (صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمت علينا دماؤهم) أي: سفك دمائهم في الحرب (وأموالهم) أي: نأخذها غنيمة (إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين). [٢٦٤٢] ([حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا: ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب] (١)، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل المشركين بمعناه). [٢٦٤٣] (حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: حدثنا يعلي بن عبيد) بضم العين مصغر (عن الأعمش، عن أبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة حصين بن جندب قال: (حدثنا أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية إلى الحُرَقَات) بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف، موضع معروف من بلاد جهينة، سمي بجمع المؤنث السالم كعرفات وأذرعات. (فنذِروا) بكسر الذال المعجمة (بنا) أي: علموا بمجيئنا إليهم (فهربوا) منا (فأدركنا) بإسكان الكاف (رجلًا) منهم (فلما غَشِيناه) بكسر الشين المعجمة. أي: قربنا منه (قال: لا إلة إلا الله، فضربناه حتى قتلناه) رواية مسلم (٢): طعنته. فيجمع بين الروايتين بأن أسامة طعنه ثم طعنه غيره حتى قتلوه، وفيه دليل على أنه لا يقتصر في القتال على ضربة واحدة ثم ينتقل إلى غيره، بل يكرر الضرب هو وغيره على

стр. 7285

الواحد من العدو حتى يقتلوه. (فذكرته للنبي ﷺ ) فيه دليل على أن السرية إذا رجعت من الغزو يذكرون جميع ما وقع لهم في المحاربة للإمام؛ ليبين لهم ما يترتب على فعلهم من الأحكام الشرعية (فقال: من لك بلا إله إلا الله) أي: من يشفع لك ويحاجج عنك وبماذا تحتج إذا جيء بكلمة التوحيد (يوم القيامة) وقيل لك: كيف قتلت من قال لا إله إلا الله وقد حصلت له ذمة حرمة الإسلام. وأما كونه ﷺ لم يوجب على أسامة قصاصًا ولا دية ولا كفارة. قال النووي (١): فقد يستدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة؛ فإنَّه ظنه كافراً، ويدل عليه قول أسامة (فقلت: يا رسول الله إنما قالها مخافة) منصوب على المفعول له. أي: لأجل الخوف من (السلاح) فإنَّه ظن أن إظهاره كلمة التوحيد في هذِه الحال لا يجعله مسلماً. وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكلِّ واحد منهما بعض العلماء، وقيل: إنما لم تجب الدية لأن مستحقي ديته كانوا معاندين. ويجاب عن عدم ذكر الكفارة بأنها ليست على الفور، بل تجب على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على الصحيح عند الأصوليين. وأما الدية على قول من أوجبها، فيحتمل أن أسامة كان في ذلك الوقت معسرًا [بها فأخرت إلى يساره (٢). (قال أفلا شققت عن
следующие страницы →