القِيامَةِ". فَما زالَ يَقُولُها حَتَّى وَددْت أَنِّي لَمْ أسلِمْ إِلا يَوْمَئِذٍ (١).
٢٦٤٤ - حَدَّثَنا قتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابن شِهابٍ عَنْ عطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثَيِّ عَنْ عبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدَيِّ بْنِ الخِيارِ عَنِ الِمقْدادِ بْنِ الأسوَدِ أَنَّهُ أَخْبَرَه أَنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجلاً مِنَ الكفّارِ فَقاتَلَنَي فَضَرَبَ إِحْدى يَدى بِالسَّيْفِ ثمَّ لاذَ مِنَّي بِشَجَرَةٍ فَقالَ أَسْلَمْتُ لله. أفَأقْتله يا رَسولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قالَها قالَ رَسول اللهِ ﷺ : "لا تَقْتُلْهُ". فَقُلْت: يا رَسُولَ اللهِ إِنهُ قَطَعَ يَدَي. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التَي قالَ" (٢).
* * *
باب على ما يقاتل المشركين
من رواها المشركين كسر التاء من يقاتل، ومن روى المشركون فتح التاء.
[٢٦٤٠] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم، بمعجمتين (عن الأعمش) هو: سليمان بن مهران الأسدي (عن أبي صالح) هو: ذكوان السمان (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) قال الخطابي (٣): معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم
стр. 7283
السيف حتى يسلموا ويقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله كما سيأتي في الرّواية الآتية.
(فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم) فيه دليل على صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ودمه ولو كان عند السيف، وأن الأحكام تجري على قوله الظاهر والله تعالى يتولى السرائر [(إلا بحقها)] (١) زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان.
(وحسابهم على الله) أي: حساب سرائرهم على الله؛ لأنه سبحانه هو المطلع عليها، فمن أخلص لله في إيمانه وأعماله جازاه عليها جزاء المخلصين، ومن لم يخلص في ذلك كان من المنافقين يحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوأ الكافرين، بوب عليه البخاري (٢): باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام وعلى ما يقاتلون.
[٢٦٤١] (حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) وفي رواية الصحيحين (٣) "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وبأيهما نطق دخل في الإسلام.
(وأن يستقبلوا قبلتنا) فيه أمر ولاة الأمر أن يقاتلوا الكفار حتى ينطقوا بالشهادتين ويستقبلوا القبلة في الصلاة (وأن يأكلوا ذبيحتنا) فعيل بمعنى
стр. 7284
مفعول أي: يأكلوا ما ذبحه المسلمون، (وأن يصلوا) إلى قبلتنا ويركعوا ويسجدوا كما نفعل في (صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمت علينا دماؤهم) أي: سفك دمائهم في الحرب (وأموالهم) أي: نأخذها غنيمة (إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين).
[٢٦٤٢] ([حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا: ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب] (١)، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل المشركين بمعناه).
[٢٦٤٣] (حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: حدثنا يعلي بن عبيد) بضم العين مصغر (عن الأعمش، عن أبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة حصين بن جندب قال: (حدثنا أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية إلى الحُرَقَات) بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف، موضع معروف من بلاد جهينة، سمي بجمع المؤنث السالم كعرفات وأذرعات.
(فنذِروا) بكسر الذال المعجمة (بنا) أي: علموا بمجيئنا إليهم (فهربوا) منا (فأدركنا) بإسكان الكاف (رجلًا) منهم (فلما غَشِيناه) بكسر الشين المعجمة. أي: قربنا منه (قال: لا إلة إلا الله، فضربناه حتى قتلناه) رواية مسلم (٢): طعنته. فيجمع بين الروايتين بأن أسامة طعنه ثم طعنه غيره حتى قتلوه، وفيه دليل على أنه لا يقتصر في القتال على ضربة واحدة ثم ينتقل إلى غيره، بل يكرر الضرب هو وغيره على
стр. 7285
الواحد من العدو حتى يقتلوه.
(فذكرته للنبي ﷺ ) فيه دليل على أن السرية إذا رجعت من الغزو يذكرون جميع ما وقع لهم في المحاربة للإمام؛ ليبين لهم ما يترتب على فعلهم من الأحكام الشرعية (فقال: من لك بلا إله إلا الله) أي: من يشفع لك ويحاجج عنك وبماذا تحتج إذا جيء بكلمة التوحيد (يوم القيامة) وقيل لك: كيف قتلت من قال لا إله إلا الله وقد حصلت له ذمة حرمة الإسلام.
وأما كونه ﷺ لم يوجب على أسامة قصاصًا ولا دية ولا كفارة.
قال النووي (١): فقد يستدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة؛ فإنَّه ظنه كافراً، ويدل عليه قول أسامة (فقلت: يا رسول الله إنما قالها مخافة) منصوب على المفعول له. أي: لأجل الخوف من (السلاح) فإنَّه ظن أن إظهاره كلمة التوحيد في هذِه الحال لا يجعله مسلماً.
وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكلِّ واحد منهما بعض العلماء، وقيل: إنما لم تجب الدية لأن مستحقي ديته كانوا معاندين.
ويجاب عن عدم ذكر الكفارة بأنها ليست على الفور، بل تجب على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على الصحيح عند الأصوليين. وأما الدية على قول من أوجبها، فيحتمل أن أسامة كان في ذلك الوقت معسرًا [بها فأخرت إلى يساره (٢). (قال أفلا شققت عن
стр. 7286
قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أقالها أم لا؟ ) بقلبه وتكلم بها في نفسه، والفاعل في قوله: (أقالها) هو القلب (من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة) وفيه دليل لأهل السنة أن في النفس كلامًا وقولًا خلافًا للمعتزلة.
وفيه دليل على ترتيب الأحكام على الأسباب الظاهرة الجلية دون الباطنة الخفية (فما زال يقولها) أي: يكررها يعني كلمة الإنكار (حتى وددت) أي: تمنيت، كما في مسلم (١) (أني لم أسلم إلا يومئذٍ).
وإنما تمنى أسامة أن يتأخر إسلامه إلى يوم المعاتبة على قتله ليسلم من هذِه الجناية وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام والعمل الصالح قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من هذِه الجناية لما حصل في نفسه من شدة إنكار النبي ﷺ وتعظيمه لذلك.
[٢٦٤٤] (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار) بكسر الخاء المعجمة.
وفي هذا الإسناد لطيفة وهي: أن فيه ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب الزُّهريّ، وعطاء، وعبيد الله بن عدي.
(عن المقداد بن الأسود، أنه أخبره، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ) أي: اعتصم باستتاره عني.
(مني بشجرة) يقال: لاذ يلوذ لواذًا إذا استتر، والملاذ ما يستتر به
стр. 7287
(فقال: أسلمت لله) أي: دخلت في دين الإسلام وتدينت به (أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ ) أي قال: أسلمت لله (قال رسول الله ﷺ : لا تقتله) قال القرطبي (١): فيه دليل على أن كل من صدر عنه أمرٌ ما مما يدل على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل حكم له بذلك بالإسلام، وامتنع قتله، وأن ذلك ليس مقصورًا على النطق بالشهادة.
وقد حكم النبي ﷺ بإسلام بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد وهم يقولون: صبأنا صبأنا. ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" ثلاث مرات رافعًا يديه إلى السماء، ثم وداهم (٢).
على أن قوله: في هذِه الرِّواية: أسلمت لله يحتمل أن يكون نقلًا بالمعنى، فيكون بعض الرواة عبَّر عن قوله: لا إله إلا الله بأسلمت كما جاء مفسرًا في رواية لمسلم (٣) قال فيها: فلما أهويت لأقتله قال: لا إله إلا الله.
(فقلت: يا رسول الله، إنَّه قطع يدي) بكسر الدال (قال رسول الله ﷺ : لا تقتله) أي: لأنه حرام الدم، عصم نفسه وماله حين نطق بما يوجب عصمته من كلمتي الإسلام التي قالها (فإن قتلته) وتأثم بقتله (فإنَّه بمنزلتك) ظاهره في الكفر. قال القرطبي: وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إنما قتله متأولًا أنه باقٍ على كفره، فلا يكون قتله كبيرة، إذا لم
стр. 7288
يكن قتله كبيرة لا يصح لأحد - وإن كان مكفرًا بالكبائر- أن يقول هذا كفر بوجه (١). فدل على أنه متأول.
قال النووي (٢): وأحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الشافعي وابن القصار المالكي وغيرهما: أن معناه أنه معصوم الدم محرمٌ قتله بعد قوله: أسلمت لله. أو: لا إله إلا الله. كما كنت أنت قبل أن تقتله، وأنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم الدم كما كان هو.
(قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) قال ابن القصار: لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك.
قال القاضي (٣): وقيل: معناه: إنك مثله في مخالفة الحق وارتكاب الإثم، وإن اختلفت أنواع المخالفة والإثم فيسمى إثمه كفرًا وإثمك معصية.
* * *
стр. 7289
١٠٥ - باب النَّهْي عنْ قَتْلِ من اعتصمَ بِالسُّجُودِ
٢٦٤٥ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْن السَّرَيِّ، حَدَّثَنا أَبُو معاوِيةَ، عَنْ إِسْماعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: بَعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلى خَثْعَمٍ فاعْتَصَمَ ناسٌ مِنْهمْ بِالسّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِم القَتْلُ -قالَ: - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبي ﷺ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ العَقْلِ وقالَ: "أنا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِم يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُر المُشْركينَ". قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ لِمَ؟ قالَ: "لا تَراءَى ناراهُما" (١).
قال أبُو داودَ: رَواه هُشَيْمٌ وَمُعْتَمِر وَخالِدٌ الواسِطَي وَجَماعَةٌ لم يَذْكُروا جَرِيرًا.
* * *
باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود
[٢٦٤٥] (حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) بن أبي حازم (عن جرير) بن عبد الله (قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى) حي من (خثعم، فاعتصم ناس منهم) أي: أرادوا أن يمنعوا القتل عنهم وعن ذراريهم (بالسجود) إلى القبلة (فأسرع فيهم) أمير السرية (القتل) ولم يعتبر هو ولا من معه سجودهم.
والسرية التي بعثها النبي ﷺ إلى خثعم كان أميرها: قطنة بن عامر.
وقد اختلف العلماء في أن الكافر هل يحكم بإسلامه بالصلاة أم لا؟
فذهب أحمد وجماعة إلى أن الكافر يحكم بإسلامه إذا صلى، سواء كان في دار الكفر أو دار الإسلام؛ لأن الصلاة ركن يختص به الإسلام
стр. 7290
فحكم بإسلامه بها كالشهادتين (١).
وقال الشافعي: إن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه، وإن صلى في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه؛ لأنه يحتمل أنه صلى رياءً وتقية (٢). والقائل بأن الإسلام يثبت بالصلاة فلا بد أن تكون الصلاة مما يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود، ولا يحصل بمجرد الركوع ولا بالقيام؛ لأنهم يسجدون ويقومون؛ ولهذا لم يحكم الصحابة بسجودهم.
(قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم) أي: لمستحقي دية المقتولين (بنصف العقل) أي: بنصف دية المقتولين على عاقلة القاتلين؛ لأن القتل خطأ؛ لأنهم لم يعلموا إسلام المقتولين، ولم يقصدوا قتل مسلم.
قال الخطابي (٣): وإنما أمر لهم بنصف العقل ولم يكمل لهم الدية بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره، فسقطت حصة جنايته من الدية. (وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين).
وقد استدل بهذا الحديث على أن من قتل مسلماً ظن كفره بدار الحرب، أو ظن المقتول على حالة فبان خلافها فلا قصاص على القاتل ولا دية؛ لأنه أسقط حرمة نفسه بمقامه في دار الحرب التي هي
стр. 7291
دار الإباحة، وقيل: يجب نصف الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة، والأول هو الأظهر عند الشافعي.
(قالوا: يا رسول الله، لم) تبرأت من المقيم بين المشركين؟ وفيه سؤال المفتي عن العلة إذا لم يتضح للسائل معنى ذلك (قال: لا) أي: لا تقيموا مع المشركين في بلادهم ولا تساكنوهم بحيث (تراءى ناراهما) (١) بفتح التاء والراء ثم همزة ممدودة، أصله: تتراءى بتاءين ثم حذفت إحداهما. و (ناراهما) تثنية نار، أي: بحيث يرى المقيم عند ناره نار المشرك إذا أوقدها، ويرى المشرك إذا وقف عند ناره نار المسلم لكنَّه يبعد عنه وينزل في مكان بحيث إن المشرك إذا أوقد ناره لا يراها من مكانه، كأنه كره النزول والإقامة في جوار المشركين؛ لأنه لا عهد لهم ولا أمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ (٢) أي: صار الجمعان يرى كل واحد منهما مكان الآخر، وهو تفاعل من الرؤية، وتقول العرب: تراءت منازلهم. إذا كان بعضهم يرى منازل بعض.
وفي بعض النسخ: لا ترايا ناراهما، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على النقل، أي: نقلت الهمزة في مكان الياء، والياء في مكان الهمزة فبقي تترايأ بهمز آخره، والثَّاني: أن يكون الأصل تتراءى: ثم أبدلت الهمزة ياء. وقيل غير ذلك.
ومما يدل على أن المراد: لا تقيموا مع المشركين في بلادهم ما
стр. 7292
رواه الترمذي (١) بعد هذا الحديث في الباب عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم".
(قال أبو داود: رواه هشيم، ومعمر، وخالد الواسطيِّ، وجماعة لم يذكروا جريرًا) بل رووه مرسلًا.
وأخرجه الترمذي (٢) أيضاً مرسلًا عن قيس بن أبي حازم: أن النبي ﷺ بعث سرية ... الحديث. وقال: سمعت محمدًا يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي ﷺ مرسل.
* * *
باب في التولي يوم الزحف
[٢٦٤٦] (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا) عبد الله (ابن المبارك، عن جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي (عن الزبير بن خِرِّيت) بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة البصري (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾) شرط بمعنى الأمر، أي: ليقاتل واحد منكم عشرة منهم، وفرار الواحد من العشرة من الكبائر، وقد بعث رسول الله ﷺ حمزة في ثلاثين راكبًا فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب (١).
(فشق ذلك على المسلمين) وثقل عليهم بعد مدة طويلة (حين فرض الله عليهم أن لا يفر واحد) ويصبر على القتال (من عشرة) من الكفار الذين يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم (ثم إنَّه) رحمهم و (جاء تخفيف) ونسخ لما تقدم، (فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾) قيل: كان فيهم قلة في الابتداء ثم لما كثروا بعدُ نزل التخفيف.
(قرأ أبو توبة) الربيع شيخ أبي داود الآية (إلى قوله: ) تعالى (﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾) قال القاضي: المعنى في نظائره المائة المائتين: أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين إما أن يقتل فيدخل الجنة، أو يسلم فيفوز بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا فقط.
ومفهوم الآية: أنهم إذا زادوا على المثلين جاز الانصراف مطلقًا
стр. 7295
وهو كذلك، لكن حكى القرطبي في "تفسيره" فيما إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا أنه يحرم الانصراف وإن زاد الكفار على مثليهم عند جمهور العلماء منهم للحديث المتقدم: "لن يغلب اثني عشر ألفًا من قلة". وأنهم جعلوا هذا الحديث مخصصًا لهذِه الآية (١).
ومفهوم الآية أنه لا يجوز الانصراف إذا لم يزيدوا على الضعف وإن غلب على الظن الهلاك، وهو كذلك لقوله تعالى: ﴿فَاثْبُتُوا﴾؛ ولأن المجاهد إنما يقاتل ليقتل أو يقتل.
وقيل: لهم الفرار إذا ظنوا الهلاك.
(قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد) رواية البخاري: من العدة (٢) (نقص من الصبر) الذي كان أعطاهم قبل التخفيف (بقدر ما خفف عنهم) من العدد، يعني: أنه كان يوضع عنهم أن يصبروا والأكثر من مثليهم.
[٢٦٤٧] (حدثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله (ثنا زهير) بن معاوية (حدثنا يزيد بن أبي زياد) مولى عبد الله بن الحارث من الكوفيين، تكلم فيه غير واحد (٣)؛ لكن أخرج له مسلم متابعة (أن عبد الرحمن بن أبي ليلى) التَّابعي المشهور (حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ) قيل: إن هذا كان في سرية مؤتة كما جاء مصرحًا به في رواية، واستعمل عليهم زيد بن حارثة.
стр. 7296
(قال: فحاص) بالحاء والصاد المهملتين (الناس حَيصة) أي: كروا راجعين وحالوا منهزمين، يقال: حاص الرجل إذا حاد عن طريقه وانصرف عن وجهه إلى جهةٍ أخرى، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾، وروي جاض الناس جيضة بالجيم والضاد المعجمتين وهو بمعناه، وحكى الجوهري عن الأصمعي: حاص عن الشيء يحيص حيصا أي: حاد عنه (١).
(فكنت فيمن حاص) عن النبي ﷺ . فيه الاعتراف بالذنب والتوبة منه (فلما برزنا) أي: ظهرنا من عنده وصرنا في البراز، وهو المتسع من الأرض (قلنا: كيف نصنع) فيما وقع منا.
وفيه دليل على فضل الصحابة ﵃، في تدارك ما فرط منهم والمبادرة إلى الندم على ما صدر منهم والتوبة من الذنب على قرب عهدٍ منه (و) كيف الخلاص مما اقترفنا.
(قد فررنا من الزحف) أصل الزحف: المشي المتثاقل كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسمي القتال عند التقاء المسلمين والكفار زحفًا لأنه يزحف فيه، وليس في الحديث أنهم انصرفوا عن الصف، ولا رأوا العدو، وإنما رجعوا من السرية التي كانوا فيها، ولا يظن بالصحابة ﵃ أنهم ارتكبوا كبيرة الفرار من الزحف، وإنما تكون كبيرة إذا التقوا هم والكفار كما قال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٢) وتسمية رجوعهم من السرية فرارًا من الزحف وبوءًا
стр. 7297
بغضب الله من باب تعظيم الذنب والخوف منه، فكلما عظَّم الإنسان ذنبه صغر عند الله، وإذا احتقره عظم عند الله كما في الصحيح (١): "الفاجر يرى ذنبه كذباب مر على أنفه، والمؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه". ويشهد بهذا ما في الوجود من خوف المؤمن وتهاون الفاجر.
ولعل هذا الفرار والحيصة حين كانوا بأرض عثمان وبلغهم أن هرقل نزل بأرض مآب من أرض البلقاء بمائة ألفٍ من الروم وانضم إليهم من لَخْمٍ، وَجُذَامٍ، وبَلِيّ مائة ألف، وأنهم أقاموا في معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، وكان المسلمون لا يزيدون على ثلاثة آلاف (٢).
قال الترمذي في "السنن" (٣): حاص الناس حيصةً. يعني: أنهم فروا من القتال.
(وبُؤْنا) بضم الباء وإسكان الهمزة، فرجعنا به، أي: صار علينا لازمًا لنا (بالغضب) والمراد به العقاب المذكور في قوله تعالى: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤).
стр. 7298
(فقلنا: ندخل المدينة فنبيت فيها) (١) بكسر الباء الموحدة بعد النون ثم ياء مثناة تحت. هذِه الرّواية الصحيحة إن شاء الله، ويدل على ذلك رواية أحمد (٢): ثم دخلنا المدينة فبتنا، وفي رواية لأحمد أو الشافعي: ثم قلنا: ندخل المدينة ليلًا ولا يرانا أحد، ثم (لنذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله) ﷺ ، أي: نريد أن نعرض أنفسنا على رسول الله ﷺ .
(فإن كانت) أي: وجدت، وهي كان التَّامة (لنا توبة) أي: مقبولة من الله ورسوله (أقمنا) في المدينة (وإن كان غير ذلك) ورواية أحمد: وإلا (ذهبنا) على وجوهنا كما في رواية أحمد: منها. رواية الترمذي (٣): فقدمنا المدينة فاختبأنا بها، وقلنا: هلكنا (فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر). رواية أحمد: قبل صلاة الغداة.
اختلاف الرواة يدل على أنها تسمى صلاة الصبح وصلاة الفجر وصلاة الغداة، (فلمَّا خرج قمنا إليه). فيه دليل على جواز القيام بل على استحبابه للأستاذ والوالدين ومن فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة أو رحم أو نحو ذلك، ويكون هذا القيام للبر والإكرام لا للرياء والإعظام.
قال النووي (٤): وهذا الذي نختاره، وهو الذي استمر عليه السلف
стр. 7299
والخلف. قال: وقد جمعت في ذلك جزءًا جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف ([فلما خرج قمنا إليه] (١)، فقلنا: نحن الفَرَّارون) بفتح الفاء والراء الأولى المشددة. يحتمل أن يراد بالفرار ورجوعهم من السرية كما تقدم، ويحتمل أن يراد به تقهقرهم عن الجيش وانحيازهم عنهم من غير هزيمة، فسماه النبي ﷺ فتحًا، وكانت قهقرتهم سببًا لكسرة العدو عند تفرقهم، ولذلك استحب الفرار من العدو للمكيدة والخديعة.
(فأقبل إلينا) بوجهه الكريم (فقال: لا، بل أنتم العَكَارون) بفتح العين المهملة والكاف المشددة وبعد الألف راء مهملة. أي: العائدون إلى القتال العاطفون، يقال للرجل الذي تولى عن الحرب ثم كرَّ راجعًا عكر واعتكر. قال الترمذي: العكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف (٢) (فدنونا) منه (فقبلنا يده) استدل به على تقبيل يد الأستاذ والوالدين ونحوهم.
قال النووي في "فتاويه": يستحب تقبيل أيدي الصالحين وفضلاء العلماء، ويكره تقبيل يد غيرهم -يعني: من المسلمين- وتقدم في حديث وفد عبد القيس قال: فجعلنا نتبادر عن رواحلنا فنقبل يد النبي ﷺ ورجله.
قال البغوي (٣): ومن قبَّل فليقبل اليد والرأس والجبهة ولا يقبل الفم.
(فقال: أنا) بتخفيف النون. يعني: نفسه الكريمة (فئة المسلمين) أي:
стр. 7300
الذي يتحيز المسلمون إليه كما قال تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (١) قال ذلك تسلية لهم ورعاية لحالهم وتمهيدًا لغيرهم من الفرار الذي خافوا منه.
وقد استدل بهذا الحديث أنه يجوز التحيز إلى فئة بعيدة، وكانوا بمكان بعيد منهم لإطلاق قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ ومثلوه بما لو كانت الفئة بخراسان والمتحيز بالحجاز جاز تحيزه إليهم. وقال عمر: أنا فئة كل مسلم (٢). وكان بالمدينة وجيوشه بالشام ومصر وخراسان، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. والثَّاني: لا يجوز التحيز للبعيدة، ولم أر ضبطًا للقريب والبعيد.
وفي "البسيط": هنا لا يضبط القريب بمسافة القصر، بل يكون بينهما نوع قرب يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال ولحوق مددهم.
[٢٦٤٨] (ثنا محمد بن هشام المصري، حدثنا: بشر بن المفضَّل، حدثنا داود عن أبي نضرة) بنون وضاد معجمة العوقي بالقاف وفتح الواو، واسمه منذر بن مالك (عن أبي سعيد) الخدري (قال: نزلت) هذِه الآية ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (٣) (في يوم بدر ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾) ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ قال أبو نضرة: لأنهم لو انحازوا يومئذٍ لانحازوا إلى المشركين، ولم
стр. 7301
يكن يومئذٍ مسلم غيرهم (١).
قال إلكيا الهراسي (٢): وهذا الذي قاله أبو نضرة فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي ﷺ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون ذلك.
وقيل: إنهم لم يجز لهم الانحياز يومئذٍ؛ لأنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ، ولم يكن الانحياز جائزًا (٣) لهم. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (٤).
* * *
стр. 7302
١٠٧ - باب في الأَسِيرِ يكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ
٢٦٤٩ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عَوْنٍ، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ وَخالِد عَنْ إِسْماعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبي حازِم عَنْ خَبّابٍ قالَ أَتَيْنا رَسولَ اللهِ ﷺ وَهوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَشَكَوْنا إِلَيْهِ فَقلْنا أَلا تَسْتَنْصِر لَنا أَلا تَدْعُو اللهَ لَنا فَجَلَسَ مُحْمَرّا وَجْهُهُ فَقالَ: "قَدْ كانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بالمِنْشارِ فيجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فيجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ، عَنْ دِينِهِ ويُمْشَطُ بِأَمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْم وَعَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ، عَنْ دِينِهِ والله ليتِمَّنَّ اللهُ هذا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرّاكِبُ ما بَيْنَ صَنْعاءَ وَحَضْرَمَوْتَ ما يَخافُ إِلَّا اللهَ تَعالَى والذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَكُمْ تَعْجلُونَ" (١).
* * *
باب الأسير يكره على الكفر
[٢٦٤٩] (حدثنا عمرو بن عون) بن أوس (أخبرنا هشيم) بن بشير (وخالد) بن عبد الله الطحان (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس بن أبي حازم) بالمهملة والزاي (عن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة هو ابن الأرت (قال: أتينا رسول الله ﷺ ) وقلت: لقينا من المشركين شدة كما في رواية للبخاري (٢).
(وهو متوسِّد) أي: جاعل تحت رأسه (بردة) (٣) كالمخدة، والبردة: كساء أسود مربع يلبسه الإعراب، ويحتمل أن يراد بالتوسد هنا الاتكاء والاعتماد.
стр. 7303
وفيه دليل على جواز النوم في المسجد والاتكاء، وكان له ﷺ وسادة من أدم حشوها ليف (١). وفي رواية أحمد: حشوها إذخر (٢).
(في ظل الكعبة) فيه دليل على الجلوس والاتكاء في الظل كما قال تعالى حكايةً عن موسى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ﴾ (٣). (فشكونا إليه) أي: ما نحن فيه (فقلنا: ألا تستنصر لنا) بالتخفيف، معناه العرض وهو طلب بلين، ويقع للتحضيض وهو طلب بحب؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٤) ويحتمل هنا المعنيين. (ألا تدعو الله لنا) يريد أن يكفينا الله عدوان الكفار علينا وهم بمكة قبل هجرتهم.
فيه طلب الاستنصار والدعاء في الأشياء المهمة والأمور المدلهمة من الإمام والرجل الصالح والوالدين ومن في معناهما.
(فجلس) من توسده (مُحْمَرّا وجهُه) بالرَّفع، أي: جلس وقد احمر وجهه من الغضب لعدم تصبرهم وتحملهم المشاق والآلام في دين الله ومبادرتهم إلى طلب النصرة والدعاء.
وفيه دليل على حدوث الغضب منه ﷺ ؛ لكن لا يخرجه الغضب عن مجاوزة حكم الشريعة وانتهاك حرمتها.
وقد يستدل بهذا الحديث من يقول: لا فائدة في الدعاء؛ فإن القضاء لا مرد له.
стр. 7304
وجوابه: ما في الكتاب والسنة من الأدعية] (١) وأن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، والدعاء سبب لرد البلاء، فكما أن الترس سبب لدفع السلاح والماء سبب لخروج النبات من الأرض.
(فقال: قد كان من كان قبلكم) من الأنبياء والرسل (يؤخذ الرجل) منهم (فيُحفَرُ له في الأرض) حفرة فيجعل فيها، أي: كما يحفر للمرأة إذا زنت حفرة إلى صدرها ويحفر للرجل إذا زنى عند أبي حنيفة (ثم يؤتى بالمئشار) بهمزة ساكنة بعد الميم عند الأكثرين من أشرت الخشبة ووشرتها. وفي حديث الدجَّال: يؤشر بالمئشار (٢). وروي بالنون بدل الهمزة، كما هو المستعمل الآن من نشرت الخشبة، والمراد به: الآلة المستعملة لذلك.
(فيجعل على رأسه) وفي رواية: "فيوضع على رأسه". أي: فينشر كما ينشر الخشب (فيجعل فرقتين) وفي رواية: "نصفين" (ما يصرفه) وفي رواية (٣): "ما يصده" (ذلك عن دينه) وقد يستدل بهذا الحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن النبي ﷺ أنكر عليهم كونهم لم يصبروا على أذى المشركين كما صبر من قبلهم من الأنبياء والرسل ويقتدوا بهم في ذلك.
(ويمشط) الرجل منهم (بأمشاط الحديد) جمع مشط، وأما جمعه على مشاط بكسر الميم كرمح ورماح كما في رواية البخاري فلم
стр. 7305
يذكره الجوهري، لكن قاله الصغاني (١) في "شوارد اللغات" (٢). (ما دون عظمه) أي: اللحم الذي تحت العظم، وهو أوضح من رواية البخاري: "ما دون لحمه".
(من لحم وعصب) جمع عصبة ويجمع على أعصاب، وهي: أطناب المفاصل، وهي أشد من اللحم (ما يصرفه ذلك) ولا يصده (عن دينه) وقد اختلف فيمن أكره على كلمة الكفر بضرب أو قتل أو نشر أو مشط لحم وغير ذلك، هل الأفضل الصبر على ذلك إعزازًا لدينه، لا سيما إن كان ممن يقتدى به؟ أو الإجابة إلى التلفظ بما طلب منه مع اعتقاد الإيمان بالقلب؟ والصحيح أن التلفظ بكلمة الكفر مباح مع الاطمئنان بالقلب على الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٣) ولا يجب ذلك، بل الثبات وترك التلفظ بكلمة الكفر لاسيما لمن يقتدى به أفضل لهذا الحديث، ولأنَّه أثقل على النفس وأشق.
(والله) قسم فيه دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لأن فيه تقوية للكلام وتأكيدًا (ليُتمَّن) بضم الياء المثناة تحت وكسر المثناة فوق وفتح الميم المشددة (الله) بالرَّفع أي: كمله ويظهره (هذا الأمر) أي: أمر الإسلام (حتى يسير الراكب) على راحلته (ما بين صَنْعاء) بفتح المهملة وسكون النون وبالمد قاعدة اليمن ومدينته العظمى (وحَضْرَموت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء
стр. 7306
والميم: بلدة أيضاً باليمن أعظم مدن اليمن. وصنعاء أيضاً مدينة قريبة من دمشق بناحية باب الفراديس تُشَبَّه بدمشق؛ لكثرة أنهارها وبساتينها، ويجوز في حضرموت وفي أمثالها بناء الاسمين على الفتح، ويجوز بناء الأول وإعراب الثاني كإعراب ما لا ينصرف، وعلى هاتين اللغتين، فالراء والتاء مفتوحتان والنسبة إليها حضرمي.
فإن قلت: لا مبالغة فيه؛ لأنهما بلدتان متقاربتان (١).
والجواب: أن الغرض بيان انتفاء خوف المسلمين من الكفار، ويحتمل أن يراد بصنعاء صنعاء الروم أو صنعاء دمشق قرية في ناحية الربوة.
(ما يخاف إلا الله) (والذئبَ) منصوب بالعطف على المستثنى وهو (الله)، وإن احتمل أن يعطف على المستثنى منه المقدر (على غنمه) فيه إشارة إلى أنه يستحب لمن له غنم أن يحفظها من الذئب براعٍ أو غيره (ولكنكم تَعْجَلون) (٢) بفتح التاء والجيم أي: تستعجلون حصول الأمن وتطلبون سرعته قبل أوانه.
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة ومعجزة باهرة على صدق نبوته، ولهذا ذكره البيهقي (٣) في "دلائل النبوة".
* * *
[باب حكم الجاسوس إذا كان مسلماً] (١)
[٢٦٥٠] (حدثنا مسدد، حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار (حديثه حسن) بفتح الحاء والسين (بن محمد) بن الحنفية (بن علي) وهي أم محمد (أخبره عبيد الله بن أبي رافع) تصغير عبد (قال: سمعت عليًّا يقول: بعثني رسول الله ﷺ ) وفي رواية لمسلم (٢): أنا ومرثد (٣)، (والزبير) بن العوام (والمقداد) وكلنا فارس.
(فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ) بخاءين معجمتين، هذا هو الصواب الذي قاله كافّة العلماء (٤). وهو موضع بحمراء الأسد بين مكة والمدينة بقرب المدينة، بينه وبينها مسيرة اثنا عشر ميلًا. (فإن بها ظعينة) يعني: جارية، وأصله الهودج، سميت به الجارية؛ لأنها تكون فيه، واسم هذِه الظعينة سارة مولاة لعمران بن أبي صيفي القرشي.
(معها كتاب فخذوه منها) وفي هذا البيان (٥) عن بعض أعلام النبوة، وذلك إعلام الله نبينا بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش ومكانها الذي هي به، وكل هذا لا يعلم إلا بوحي من الله.
(فانطلقنا تتعادى) بتاءين مفتوحتين (بنا خيلنا) أي: تجري. وفيه دليل
стр. 7309
على استحباب المبادرة لأمر الإمام وسرعة المضي فيه، لاسيما إذا خيف فواته (حتى أتينا الروضة) التي أخبر عنها النبي ﷺ .
(فإذا نحن بالظعينة) التي ذكرها النبي ﷺ كما أخبر، وفي رواية للبخاري (١): فأدركناها تسير على بعير لها (فقلنا: هلمي) بضم اللام (الكتاب) منصوب بمقدر، أي: أخرجيه. كما في رواية الصحيحين (فقالت: ما عندي من كتاب) رواية "الصحيح": ما معي كتاب.
(فقلت) يعني: قال علي ﵁ (لتخرجنَّ) بكسر الجيم (الكتاب) الذي معك من حاطب (أو) معناها التخيير؛ لأنها وقعت بعد الطلب، أي: تخيري لك إما إخراج الكتاب وإما (لتَلقينَّ) بفتح التاء وتشديد النون أي: يجردن عنك (الثياب) هكذا الرِّواية، وصوابه في العربية: لتلقن بحذف الياء؛ لأن النون المشددة تجتمع مع الياء الساكنة فتحذف لالتقاء الساكنين (٢). وفي جواز تجريد المرأة كلها وتكشفها للحاجة والمصلحة العامة [وكشف ستر المفسد] (٣) وكشف المرأة العاصية إذا كان في الستر مفسدة، وإنما يندب الستر إذا لم يكن فيه مفسدة ولا فوات مصلحة، وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر.
(فأخرجته من عِقاصها) بكسر العين أي: شعرها المعقود عقيصة. بوب عليه البخاري (٤): باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعر أهل
стр. 7310
الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن.
وإنما جاز له ذكر التجريد الذي فيه كشف العورة؛ لأن من عصى الله لا حرمة له، والمعصية تبيح حرمته، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم. ولَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ" (١). وفي رواية للبخاري: فأخرجته من حُجْزتها. بضم الحاء وإسكان الجيم. وهو معقد السراويل. والجمع بين الروايتين أنه كان فيها كتابان أو أخرجته من الحجزة أولاً ثم أخفته في عقاصها، ثم اضطرت إلى الإخراج منهما (٢).
(فأتينا به النبي) ففتحه (فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة) بفتح الباء الموحدة والمثناة من فوق، واسمه عامر مات سنة ثلاثين (إلى ناس من المشركين) قال الكرماني: هو كلام الراوي وضع موضع (٣) إلى فلان وفلان المذكورين في الكتاب (٤) (يخبرهم ببعض أمر رسول الله) ﷺ أختلف الفقهاء في المسلم يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، فقال الشافعي (٥): إن كان ذا هيئة عفا للإمام عنه، واحتج بهذا الحديث، وأن النبي ﷺ لم يعاقبه وإن كان غير ذي هيئة عزره الإمام.
وقال ابن القاسم في "الْعُتْبِيَّةِ": يضرب عنقه لأنه لا تعرف توبته، وهو
стр. 7311
قول سحنون.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يوجع عقوبة ويطال حبسه (١).
(فقال: ما هذا يا حاطب) فيه العمل بالخط إذا عرف وإن لم يعرف بأنه خطه؛ لأن النبي ﷺ لم يسأله هذا خطك أم لا؟ بل سأله عن حجته، والعمل بالخط مقبول عند المالكية، ولعلّه اعترف بأنه خطه.
(فقال: يا رسول الله لا تعجل علي) أي: بالعقوبة حتى تسمع عذري، ولعلّه إنما سأل ترك العجلة لشدة خوفه، وإلا فالنبي ﷺ كان لا يعجل بالعقوبة على أحد، وقد مدح التأني في الأمور وذم العجلة وقال: إنها من الشيطان (٢) (فإنِّي كنت امرءًا ملصقًا في قريش) أي: مضافًا إليهم، ولست من نفس قريش وأقربائهم، وقيل: للدعي في القوم ملصق؛ ولهذا قال (ولم أكن من أنفسهم) بضم الفاء، أي: ممن ولدته قريش، وهي قراءة الجمهور في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) وقرأ ابن عباس بفتح الفاء، أي: من أشرفهم.
[(وإن قريشًا] (٤) يحمون بها) أي بسبب القرابة (أهليهم) الذين عندهم (بمكة) شرفها الله (فأحببت إذ فاتني) أي: حين فاتني القرابة عندهم (أن أتخذ فيهم) لي (يداً) أي: يد نعمة أسوقها لهم، ومنه تكون لي عليهم أتقي بها عن قرابتي (٥) السوء كي (يحمون قرابتي) أي: أقاربي الذين عندهم
стр. 7312
(بها، والله ما كان بي كفر) أي: ما كانت كتابة هذا الكتاب من أجل كفر أصلي كنت عليه (ولا ارتداد) أي: ولا من ردة صدرت مني.
(فقال رسول الله ﷺ : صدقكم) لعل النبي ﷺ علم صدقه بوحي من الله أو بينة شهدت، ولم تذكّر في الحديث أو دلت قرائن الحال على صدقه (فقال عمر: ) ﵁ (دعني أضرب) بالجزم جواب الأمر (عنق) جمعه أعناق، فيه دليل على من وجب عليه القتل يضرب عنقه بالسيف، وأما قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ (١) فقيل: فوق صلة، وقيل: بمعنى على، وقيل: أي (٢) فاضربوا الأعناق فما فوقها.
وفيه دليل على استحباب استئذان الإمام في القتل، وأن لا يحد العاصي إلا بإذن الإمام.
وفيه دليل على جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً؛ لأن عمر لما أستأذن النبي ﷺ في قتله لم يقل له: لا يحل لك قتله إنَّه مسلم، بل ذكر أن المانع من قتله كونه شهد بدرًا.
وفيه استشارة الوزير بالرأي على السلطان وإن لم يستشره.
(هذا المنافق) بالجر بدل من (هذا)، إنما أطلق عليه اسم النفاق لأنه صدر عنه ما يشبه فعلهم، ويحتمل أنه قاله قبل قول النبي ﷺ : "قد صدقكم". أو يريد أنه وإن صدق فلا عذر له، وإنما عذره النبي ﷺ لأنه كان متأولًا ولم ينافق بقلبه، بل ذكر أنه ذكر في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ وأنهم (٣) لا طاقة لهم به فخوفهم بذلك
стр. 7313
ليخرجوا من مكة، وحَسَّن هذا التأويل [تعلق (١) حاطب بأهله] (٢) وولده إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من [قال: ما] (٣) يفلح من كان له عيال، لكن لطف الله به فنجاه بما علم من صحة إيمانه.
وفيه دليل على أن الرجل إذا نسب المسلم المتأول إلى النفاق أو الكفر لا يكفر بذلك، لاسيما إن قاله غضبًا لله ولرسوله ودينه لا لحظه وهواه ولا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وكذا لا يكفر إن كان غير متأول؛ لكن يستغفر الله تعالى، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع فإنهم يُكَفِّرون بالمعاصي.
(فقال رسول الله: قد شهد بدرًا) وشهوده لها يدل على قوة إيمانه الذي حمله على ذلك وبذله نفسه مع رسول الله ﷺ ، وإيثاره الله ورسوله على قومه وأقاربه، وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم ولم يثن ذلك عنان عزمه ولا صرفه عن مواجهة القتال. (وما يدريك لعل الله) [أن يكون] (٤) (قد اطلع على أهل بدر) فـ (يدريك) بمعنى يعلمك، و (لعل) للترجي؛ لكنَّه هنا محقق (٥) عند رسول الله ﷺ ، وقيل: معنى الترجي راجع إلى عمر (فقال: اعملوا ما شئتم) من الذنوب وغيرها (فقد غفرت لكم) ذلك. فيه غفران ما تأخر وقوعه من الذنوب قبل وقوعه، وهذا يقوي الأحاديث التي قيل فيها غفر له ما تقدم من ذنبه
стр. 7314
وما تأخر، وقد جمعها المنذري وغيره.
وقد استشكل هذا بعضهم؛ لأن فيه إباحة مطلقة للذنوب المستقبلة وهو خلاف قاعدة الشرع.
فقيل: معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فلو توجه على أحد منهم حدّ وغيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد (١). فأقامه عمر على بعضهم، وضرب النبي ﷺ مسطحاً الحد وكان بدريًّا، وقيل: ليس هو للاستقبال بل للماضي، تقديره: أي عمل كان لكم فقد غفرته، وهو ضعيف؛ لأن هذا الصادر من حاطب كان في المستقبل من بعد بدر، فلو كان للماضي لم يحسن التمسك به هنا (٢)، وقيل: هو خطاب إكرام وتشريف أي: هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السابقة وتأهلوا بها أن يغفر لهم ذنوب لاحقة إن وقعت منهم.
وقد استدل ابن قيم الجوزية بهذا الحديث على أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة؛ لأن الحسنة العظيمة [التي هي شهود بدر مكفر (٣) لهذِه المكاتبة، فإن الذي اشتلمت عليه الحسنة العظيمة] (٤) خير وتضمنته من محبة الله لها ورضاه بها ومباهاته لملائكته بفاعلها أعظم مما اشتملت عليه سنة المكاتبة من المفسدة فغلب الأقوى الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه، وهذِه حكمة الله في
стр. 7315
الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات الموجبتين لصحة القلب ومرضه، فهو نظير حكمة الله في الصحة والمرض اللاحقين للبدن، فإن الأقوى منها يقهر المغلوب حتى يقهر الأضعف ويذهبه، وهذا كما قال: إن الله يمحو السيئات بالحسنات؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "أتبع السيئة الحسنة تمحها" (٢) وهذا الحكم ثابت في عكسه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٤) وقول عائشة عن زيد بن أرقم لما باع بمسألة العينة: إنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب (٥) ونظيره كثيرة (٦).
[٢٦٥١] (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) يعني: ابن عبد الله (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن الواسطيِّ (عن سعد بن عبيدة) مصغر (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب (السلمي) بضم السين (عن علي بهذِه القصة) المذكورة (قال: انطلق حاطب فكتب إلى أهل مكة) صرح في هذِه بالكتابة (أن محمدًا قد سار
стр. 7316
إليكم) فيه بيان ما أبهم في الرّواية المتقدمة (وقال فيه: فابتحثناها) بإسكان الباء الموحدة وفتح التاء والحاء المهملة، ثم ثاء مثلثة، من البحث. أي: فتشناها، وضبطه المنذري بإسكان النون وفتح التاء والجيم والفاء. قال الجوهري (١): انتجفت الشيء استخرجته، ويقال: انتجفت إذا استخرجت أقصى ما في الضرع من اللبن.
(فما وجدنا معها كتابًا) ظاهر في أن الأربعة كل منهم فتشها فلم يجد معها شيئًا، وفيه دليل على أن الجماعة إذا انتدبوا لأمر لا يقتصر بعضهم عليه دون (٢) غيره، وأنَّه لو وكل أربعة أو أوصى لهم لا بد من اجتماعهم (فقال علي: والذي يحلف به) فيه دليل على جواز القسم به، وأنَّه يمين يجب به الكفارة إذا حنث.
(لأقتلنك أو لتخرجن الكتاب) فيه دليل على جواز تهديد المتهم بمعصية كسرقة ونحوها، وتخويفه بالقتل والضرب والانتهار ونحو ذلك، واليمين على ذلك إذا احتاج إليها. (وساق الحديث) كما تقدم.
* * *
стр. 7317
١٠٩ - باب في الجاسوس الذِّمَّيِّ
٢٦٥٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدَّثَنَي مُحَمَّد بْن مُحَبَّبٍ أَبُو هَمّامٍ الدَّلالُّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْن سَعِيدٍ، عَنْ أَبي إِسْحاق، عَنْ حارِثَةَ بْنِ مضَرِّبٍ عَنْ فُراتِ بْنِ حَيّانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَكانَ عَيْناً لأبي سُفْيانَ وَكانَ حَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنصارِ فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأنصارِ فَقالَ: إِنَّي مُسْلِمٌ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّي مُسْلِمٌ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْكُمْ رِجالاً نكلُهُمْ إِلى إِيمانِهِمْ مِنْهُمْ فُراتُ بْنُ حَيانَ" (١).
* * *
باب حكم الجاسوس الذمي
[٢٦٥٢] (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن مجيب) بضم الميم وكسر الجيم والباء، الكوفيِّ (٢) (أبو همام الدلال) وثقه المصنف (٣) وأبو حاتم (٤) (حدثنا سفيان بن سعيد) الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي، وثقه ابن معين (عن حارثة) بحاء مهملة (بن مُضَرب) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة، ثم باء موحدة
стр. 7318
(عن فُرَات) بضم الفاء وتخفيف الراء (بن حَيّان) بفتح المهملة وتشديد المثناة تحت، ابن ثعلبة العجلي من بني عجل بن لجيم.
(أن رسول الله ﷺ أمر بقتله) فصار قتله فرضًا على كل من استطاع قتله من غير تعيين فاعله، وهذا القتل فرض كفاية أو في معناه؛ لأنه [مهم ديني يقصد] (١) الشرع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله، وهذا حد فرض الكفاية، وإنما أمر بقتله؛ لأنه (كان عينًا) أي: جاسوسًا (لأبي سفيان) وهذا علة للأمر بقتله؛ لأنه حربي دخل دار الإسلام بغير أمان، وفي بقائه مفسدة عامة، فلو أمن الجاسوس مسلم لم يصح أمانه ووجب قتله؛ فإن الإمام صرح بأن شرط الأمان المعقود للحربي أن لا يكون فيه ضرر عائد على المسلمين، ومال الجاسوس إذا قتل يكون فيئًا؛ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وعند بعض العلماء أنه لمن قتله؛ لأن النبي نفل (٢) سلمة بن الأكوع العين الذي قال النبي فيه: "اطلبوه فاقتلوه"؛ لأنه الذي قتله، رواه البخاري (٣).
(وكان) فوات بن حيان (حليفًا) بفتح الحاء وكسر اللام، تجمع على حلفاء وأحلاف، وهو ما كان عليه الجاهلية من التزام ونصرة (٤) بعضهم لبعض، وأن لا يتخاذلوا، وأن يرث بعضهم بعضًا، وأصله من الحلف التي هي اليمين، كانوا يتقاسمون عند عقدهم الالتزام، ولعل حلفه
стр. 7319
هذا (لرجل من الأنصار) كان قبل الإسلام، قال الطبري (١): لا يجوز الحلف اليوم، والحلف المذكور في الحديث كله منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، قال الحسن: نسخ التوارث بالحلف بآية المواريث.
(فمر فرات بحلقة) قوم (من الأنصار) في بعضها معتمدة بحليفه [يعني: الأنصاري] (٢)، والحلْقة بإسكان اللام على اللغة الفصحى (فقال) حين علم أنه [حليف لرجل] (٣) منهم (إني مسلم. فقال رجل من الأنصار) لعله حليفه المذكور (يا رسول الله إنَّه يقول إني مسلم) قد يستدل بهذا من قال: إن الكافر إذا قال أنا مسلم أو مؤمن أنه يحكم بإسلامه بهذا، وإن لم يتلفظ بالشهادتين؛ لأنهما اسمان لشيء معلوم وهو الشهادتان، فإذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرًا بهما، ومذهب الشافعي أنه لا يصير مسلماً بهذين اللفظين ولا بأحدهما كما لو قال: آمنت أو أسلمت؛ لاحتمال أن يريد أنا مؤمن بموسى أو عيسى، وأن يريد بقوله: أنا مسلم. أي: مستسلم، وأسلمت استسلمت (٤).
(فقال رسول الله ﷺ : إن منكم) وفي رواية غير أبي داود: وإن فيكم (رجالاً نكلهم إلى إيمانهم) أي: نكتفي منه ومن أمثاله بالمنطق بالشهادتين،
стр. 7320
فإنهما أصل الإسلام (منهم فرات بن حيان) [قال ابن عبد البر: وبعث رسول الله ﷺ فرات بن حيان] (١) إلى ثمامة بن أثال في قتل مسيلمة وقتاله (٢). ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ إلى أن توفي، وهو فرات ابن حيان بن ثعلبة الربعي البكري ثم العجلي ﵁.
* * *