← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

إليكم) فيه بيان ما أبهم في الرّواية المتقدمة (وقال فيه: فابتحثناها) بإسكان الباء الموحدة وفتح التاء والحاء المهملة، ثم ثاء مثلثة، من البحث. أي: فتشناها، وضبطه المنذري بإسكان النون وفتح التاء والجيم والفاء. قال الجوهري (١): انتجفت الشيء استخرجته، ويقال: انتجفت إذا استخرجت أقصى ما في الضرع من اللبن. (فما وجدنا معها كتابًا) ظاهر في أن الأربعة كل منهم فتشها فلم يجد معها شيئًا، وفيه دليل على أن الجماعة إذا انتدبوا لأمر لا يقتصر بعضهم عليه دون (٢) غيره، وأنَّه لو وكل أربعة أو أوصى لهم لا بد من اجتماعهم (فقال علي: والذي يحلف به) فيه دليل على جواز القسم به، وأنَّه يمين يجب به الكفارة إذا حنث. (لأقتلنك أو لتخرجن الكتاب) فيه دليل على جواز تهديد المتهم بمعصية كسرقة ونحوها، وتخويفه بالقتل والضرب والانتهار ونحو ذلك، واليمين على ذلك إذا احتاج إليها. (وساق الحديث) كما تقدم. * * *

стр. 7317

١٠٩ - باب في الجاسوس الذِّمَّيِّ ٢٦٥٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدَّثَنَي مُحَمَّد بْن مُحَبَّبٍ أَبُو هَمّامٍ الدَّلالُّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْن سَعِيدٍ، عَنْ أَبي إِسْحاق، عَنْ حارِثَةَ بْنِ مضَرِّبٍ عَنْ فُراتِ بْنِ حَيّانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَكانَ عَيْناً لأبي سُفْيانَ وَكانَ حَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنصارِ فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأنصارِ فَقالَ: إِنَّي مُسْلِمٌ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّي مُسْلِمٌ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْكُمْ رِجالاً نكلُهُمْ إِلى إِيمانِهِمْ مِنْهُمْ فُراتُ بْنُ حَيانَ" (١). * * * باب حكم الجاسوس الذمي [٢٦٥٢] (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن مجيب) بضم الميم وكسر الجيم والباء، الكوفيِّ (٢) (أبو همام الدلال) وثقه المصنف (٣) وأبو حاتم (٤) (حدثنا سفيان بن سعيد) الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي، وثقه ابن معين (عن حارثة) بحاء مهملة (بن مُضَرب) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة، ثم باء موحدة

стр. 7318

(عن فُرَات) بضم الفاء وتخفيف الراء (بن حَيّان) بفتح المهملة وتشديد المثناة تحت، ابن ثعلبة العجلي من بني عجل بن لجيم. (أن رسول الله ﷺ أمر بقتله) فصار قتله فرضًا على كل من استطاع قتله من غير تعيين فاعله، وهذا القتل فرض كفاية أو في معناه؛ لأنه [مهم ديني يقصد] (١) الشرع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله، وهذا حد فرض الكفاية، وإنما أمر بقتله؛ لأنه (كان عينًا) أي: جاسوسًا (لأبي سفيان) وهذا علة للأمر بقتله؛ لأنه حربي دخل دار الإسلام بغير أمان، وفي بقائه مفسدة عامة، فلو أمن الجاسوس مسلم لم يصح أمانه ووجب قتله؛ فإن الإمام صرح بأن شرط الأمان المعقود للحربي أن لا يكون فيه ضرر عائد على المسلمين، ومال الجاسوس إذا قتل يكون فيئًا؛ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وعند بعض العلماء أنه لمن قتله؛ لأن النبي نفل (٢) سلمة بن الأكوع العين الذي قال النبي فيه: "اطلبوه فاقتلوه"؛ لأنه الذي قتله، رواه البخاري (٣). (وكان) فوات بن حيان (حليفًا) بفتح الحاء وكسر اللام، تجمع على حلفاء وأحلاف، وهو ما كان عليه الجاهلية من التزام ونصرة (٤) بعضهم لبعض، وأن لا يتخاذلوا، وأن يرث بعضهم بعضًا، وأصله من الحلف التي هي اليمين، كانوا يتقاسمون عند عقدهم الالتزام، ولعل حلفه

стр. 7319

هذا (لرجل من الأنصار) كان قبل الإسلام، قال الطبري (١): لا يجوز الحلف اليوم، والحلف المذكور في الحديث كله منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، قال الحسن: نسخ التوارث بالحلف بآية المواريث. (فمر فرات بحلقة) قوم (من الأنصار) في بعضها معتمدة بحليفه [يعني: الأنصاري] (٢)، والحلْقة بإسكان اللام على اللغة الفصحى (فقال) حين علم أنه [حليف لرجل] (٣) منهم (إني مسلم. فقال رجل من الأنصار) لعله حليفه المذكور (يا رسول الله إنَّه يقول إني مسلم) قد يستدل بهذا من قال: إن الكافر إذا قال أنا مسلم أو مؤمن أنه يحكم بإسلامه بهذا، وإن لم يتلفظ بالشهادتين؛ لأنهما اسمان لشيء معلوم وهو الشهادتان، فإذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرًا بهما، ومذهب الشافعي أنه لا يصير مسلماً بهذين اللفظين ولا بأحدهما كما لو قال: آمنت أو أسلمت؛ لاحتمال أن يريد أنا مؤمن بموسى أو عيسى، وأن يريد بقوله: أنا مسلم. أي: مستسلم، وأسلمت استسلمت (٤). (فقال رسول الله ﷺ : إن منكم) وفي رواية غير أبي داود: وإن فيكم (رجالاً نكلهم إلى إيمانهم) أي: نكتفي منه ومن أمثاله بالمنطق بالشهادتين،

стр. 7320

فإنهما أصل الإسلام (منهم فرات بن حيان) [قال ابن عبد البر: وبعث رسول الله ﷺ فرات بن حيان] (١) إلى ثمامة بن أثال في قتل مسيلمة وقتاله (٢). ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ إلى أن توفي، وهو فرات ابن حيان بن ثعلبة الربعي البكري ثم العجلي ﵁. * * *

стр. 7321

١١٠ - باب في الجاسُوسِ المُسْتأْمنِ ٢٦٥٣ - حَدَّثَنا الحَسَن بْنُ عَلَيٍّ، حَدَّثَنا أَبو نُعَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنا أَبو عُمَيْسٍ، عَنِ ابن سَلَمَةَ بْنِ الأكوَعِ عَنْ أَبِيهِ قالَ أَتَى النَّبي ﷺ عيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ- وَهُوَ في سَفَرٍ - فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحابِهِ ثمَّ انْسَلَّ فَقالَ النَّبي ﷺ : "اطْلُبُوهُ فاقْتُلُوهُ". قالَ: فَسَبَقْتُهُمْ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ وَأَخَذْت سَلَبَة فَنَفَّلَنَي إِيّاهُ (١). ٣٦٥٤ - حَدَّثَنا هارُونُ بْن عَبْدِ اللهِ أَنَّ هاشِمَ بْنَ القاسِمِ وَهِشامًا حَدَّثاهُمْ قالا: حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْن عَمّارٍ، قالَ: حَدَّثَنَي إِياسُ بْنُ سَلَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنَي أَبي قالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هوازِنَ، قالَ: فَبَيْنَما نَحْنُ نَتَضَحَّى وَعامَّتنا مُشاة وَفِينا ضَعَفَةٌ إِذْ جاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فانْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حِقْوِ البَعِيرِ فَقَيَّدَ بِهِ جَمَلَهُ ثُمَّ جاءَ يَتَغَدى مَعَ القَوْمِ فَلَمّا رَأى ضَعَفَتَهُمْ وَرِقَّةَ ظَهْرِهِمْ خَرَجَ يَعْدُو إِلى جَمَلِهِ فَأَطْلَقَهُ ثمَّ أَناخَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثمَّ خَرَجَ يَرْكُضُهُ واتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ عَلَى ناقَةٍ وَرْقاءَ هَيَ أَمْثَلُ ظَهْرِ القَوْمِ، قالَ: فَخَرَجْت أَعْدُو فَأَدْرَكْتُهُ وَرَأْسُ النّاقَةِ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ وَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النّاقَةِ ثمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطامِ الجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ فَلَمّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ بِالأرْضِ اَخْتَرَطْت سَيْفي فَأضْرِبَ رَأْسَهُ فَنَدَرَ فَجِئْتُ بِراحِلَتِهِ وَما عَلَيْها أَقُودُها فاسْتَقْبَلَنَي رَسُول اللهِ ﷺ في النّاسِ مُقْبِلاً فَقالَ: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ ". فَقالُوا سَلَمَةُ بْن الأكوَعِ. قالَ: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ". قالَ هارُونُ: هذا لَفْظُ هاشِمٍ (٢). * * * باب الحكم في الجاسوس المستأمن [٢٦٥٣] (حدثنا الحسن بن علي) الخلال (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن

стр. 7322

دكين (حدثنا أبو عُمَيس) مصغر وهو عُتْبة بضم المهملة وسكون الفوقانية، ابن عبد الله الهذلي (عن) إياس (ابن سلمة، عن أبيه) سلمة بن الأكوع (قال: أتى النبي ﷺ عين من المشركين) تبينه رواية البخاري: عين من المشركين (١). والعين: الجاسوس (وهو في سفر) الغزو (فجلس عند أصحابه) أي: بغير أمان، فإن البخاري بوب عليه باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان (٢). (ثم انسل) أي: خرج من بينهم كما تخرج المسلة من الثوب، ورواية البخاري: ثم انفتل (فقال النبي ﷺ اطلبوه فاقتلوه) قال المهلب: هذا الحديث أصل في أن الجاسوس الحربي يقتل، وعلى هذا جماعة العلماء (٣). (قال) سلمة (فسبقتهم إليه فقتلته) فيه المسابقة إلى طاعة الإمام والوالد والمعلم وغيرهم (فأخذت سَلَبَه) بالمفتوحات، أي: ما عليه من لباس وآلة حرب (فنفَّلني) بتشديد الفاء (إياه) أي: أعطاني ما سلبته منه، وأما النفل باصطلاح الفقهاء فهو مع ما شرطه الأمير لمتعاطي الخطر. هذا الحديث ظاهر الدلالة في أن السلب الذي عليه لمن قتله؛ لأن النبي ﷺ إنما جعل السلب لسلمة وحده لكونه قتله، وهو قول محمد بن الحسن (٤).

стр. 7323

وقال الشافعي: هو فيء إلا أن يسلم قبل الظفر به؛ لأن هذا مال لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وأجاب عن هذا الحديث بأن الفيء للإمام أن يعطيه من يشاء (١). [٢٦٥٤] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان بن عبيد (٢)، بغدادي (أن هاشم بن القاسم) الليثي (وهشامًا حدثاهم) يعني: ابن عبد الله الدستوائي أو الفردوسي (قالا: حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة، حدثني أبي) يعني: سلمة بن الأكوع (قال: غزوت مع رسول الله ﷺ هوازن) هي قبيلة من قيس، وغزاة حنين هي غزاة هوازن. (قال: فبينما نحن نَتضحَى) أي: نتغدى وقت الضحاء بفتح الضاد والمد، وهو بعد امتداد النهار وفوق الضحى بالمد والقصر. فيه فضيلة الفطر للغازي ليتقوى على الجهاد، وفضيلة الأكل جماعة، وتأخير الغداء إلى نزول المركب وارتفاع النهار. (وعامَّتنا) بتشديد الميم. قال الجوهري: العامة خلاف الخاصة (٣)، ورواية مسلم: وبعضنا (٤). (مشاة) بضم الميم جمع ماشٍ كقاضٍ وقضاة (وفينا ضَعَفَة) بمفتوحات جمع ضعيف، قال النووي في "شرح مسلم": ضبطوه على وجهين الصحيح المشهور رواية الأكثرين بفتح الضاد وإسكان العين.

стр. 7324

أي: حالة ضعف وهزال. قال: وفي بعض النسخ بحذف الهاء (١) (إذ جاء رجل على جمل أحمر) فأناخه كما في رواية مسلم. (فانتزع طَلَقاً) بفتح الطاء واللام وبالقاف. وهو عقال من حبل أو سير يقيّد به البعير (من حَقْو) بفتح الحاء وإسكان القاف (البعير) وهو مؤخر القتب، هذِه الرّواية الصحيحة، والرواية الثانية من حَقَب البعير -بفتح الحاء والقاف- وهو حبل يشد على حقو البعير وهو أعلى الخاصرة. قال القاضي: لم يرو هذا الحرف إلا بفتح القاف، قال: وكان بعض شيوخنا يقول: صوابه بإسكان القاف، أي: مما احتقب خلفه وجعله في حقيبته وهي الرفادة في مؤخر القتب (٢). (فقيد به جمله) فيه أنه من سافر وكان معه دابة تهرب أن يستصحب معه عقالًا في السفر وإذا نزل عقله به (ثم جاء يتغدى مع القوم) ظاهره أنه أكل معهم ولم يدعه أحد إلى الأكل، وهذِه عادة العرب، وهي مستمرة فيهم إلى الآن. (فلما رأى ضعفتهم) فيه وجهان كما تقدم (ورِقَّة) بكسر الراء (٣) وتشديد القاف (ظهرهم) أي: ضعف دوابهم التي يركبون على ظهورها ويحملون عليها الأثقال (خرج يعدو إلى جمله فأطلقه) من قيده (ثم أناخه فقعد عليه) وأثاره، كما في مسلم (ثم خرج يركضه) أي يضربه برجله ليسرع المشي هاربًا قال الله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي:

стр. 7325

يهربون (واتَّبعه رجل من أسلم) قبيلة معروفة (على ناقة ورقاء) أي: في لونها بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمود عندهم في حمله وسيره، قاله الجوهري (هي أمثل ظهر القوم) أي: خير إبلهم. (قال) سلمة بن الأكوع (فخرجت أعدو) على رجلي خلفه (فأدركته ورأس الناقة) التي عليها الرجل الذي تبعه (عند وَرِك الجمل) [بكسر الراء] (١) والورك ما فوق الفخذ وهي مؤنثة، وقد تخفف مثل فخذ وفخذ (وكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت) أعدو [خلفه (حتى كنت عند ورك الجمل) الأحمر (ثم تقدمت أعدو] (٢) حتى أخذت بخطام الجمل) أي: زمامه الذي يقاد به (فأنخته، فلما وضع) الجمل (ركبته بالأرض) ليبرك عليها (اخترطت سيفي) أي: سللته من غمده (فأضرب) أي: ضربت. كما في رواية مسلم (رأس الرجل) الذي على الجمل (فَنَدر) بفتح النون والدال المهملة. أي: سقط رأسه إلى الأرض. (فجئت براحلته) أي: بالجمل. كما في رواية مسلم، وسمي الجمل (٣) راحلة؛ لأنه يوضع عليه الرجل، وهو أصغر من القتب، والهاء للمبالغة فهو فاعل بمعنى مفعول ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي (٤): مرضية ورحل الرجل منزله وأثاثه (وما عليها) من أثاث الرجل المقتول وسلاحه (أقودها) (٥) يعني: الجمل. ولم يذكر في الحديث أنه دفن

стр. 7326

رأس المقتول ولا حمله معه، فيحتمل أنه تركه مكانه، فعلى هذا يستدل به على أن الكافر الحربي والذمي لا يغسل، ولا يكفن، [ولا يدفن] (١)، وفي الحربي وجه أنه يجب مواراته. (قال: فاستقبلني رسول الله في) جماعة من (الناس مقبلاً) رواية مسلم: فاستقبلني رسول الله ﷺ والنّاس معه. وفيه استقبال الإمام ومن معه للسرايا إذا رجعوا، والثناء على من فعل جميلًا [أو ما] (٢) فيه مصلحة للمسلمين. (فقال: من قتل الرجل؟ ) لعله إنما سأل عنه لينبه على فضيلته وشجاعته؛ ليتأسى به غيره (فقالوا: ابن الأكوع) فيه الاقتصار على اسم أبي الرجل دون اسمه إذا كان مشهورًا به (قال: له سلبه أجمع) اعلم أن هذا الحديث والذي قبله بوب عليه أبو داود: باب في الجاسوس المستأمن، والحديث الذي قبله بوب عليه البخاري: باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان (٣)، فيتعين حمل هذا الحديث على المستأمن، وليس في الحديث أن أحدًا أمنه، فيحتمل تركهم قتله بعد رؤيته، وإقراره على الإقامة في دار الإسلام قائم مقام الأمان بالنطق، وهذا احتمال ضعيف لكن هذا (٤) لا يتأتى إلا لمن يقرأ الجاسوس المستأمن بفتح الميم التي قبل النون، أما من كسر ميم

стр. 7327

المستأمن على أن يكون اسم الفاعل. أي: الجاسوس الذي يطلب الأمان [(١) في الظاهر بهيئة خديعة منه ومكر؛ ليتوصل إلى مقصوده من الفساد في الأرض، فهذا يقتل إذا علم به، والظاهر أنهم لم يشعروا بكونه جاسوسًا إلا عند انفتاله وعدوه هارباً منهم. قال النووي: وفي هذا الحديث دليل على قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ كان أمرهم بطلبه وقتله، وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك. قال أصحابنا: إلا أن يكون قد اشترط عليه انتقاض عهده بذلك. وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يراه من حبس وضرب ونحوهما، ولا يجوز قتله (٢). وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه أن القاتل يستحق السلب، وأنَّه لا يخمس (٣). وفيه استحباب محاسنة الكلام واستعمال السجعان إذا لم [يكن] (٤) فيه تكلف ولا فوات مصلحة. (قال هارون) شيخ أبي داود (هذا لفظ هاشم) شيخ هارون المذكور. * * *

стр. 7328

١١١ - باب في أي وَقْتِ يسْتَحَبُّ اللّقاءُ ٢٦٥٥ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا أَبُو عِمْرانَ الجَوْنَيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنَيِّ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أَنَّ النُّعْمانَ -يَعْنَي: ابن مُقَرِّنٍ- قالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذا لَمْ يقاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ أَخَّرَ القِتالَ حَتَّى تَزولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّياحُ وَينْزِلَ النَّصْرُ (١). * * * باب في أي وقت يستحب اللقاء أي: لقاء العدو للقتال. [٢٦٥٥] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (حدثنا حماد) بن سلمة (أخبرنا أبو عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفتح الجيم، ثم نون بعد الواو، من ولد الجون بن عوف (عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار) المزني الصحابي، بايع تحت الشجرة (أن النُّعمان يعني ابن مُقَرِّن) بفتح القاف وتشديد الراء المكسورة المزني. (قال: شهدت) أي: حضرت (رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل من أول النهار) وهو الوقت الذي تهب فيه الرياح ويحصل بها نشاط النفوس وتمكنها من القتال، فكلما زادوا نشاطًا زاد إقدامهم على العدو (أخر القتال حتى تزول الشَّمس) ومعنى زوالها ميلها عن كبد السماء، ويعرف ذلك بطول ظل الشجرة بعد تناهي قصره (وتهب الرياح) استبشارًا بما نصره من الرياح، وهذا مفهومٌ من قوله ﷺ : "نصرت

стр. 7329

بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (١). فهو يرجو أن يهلك الله أعداءه بالدبور كما أهلك عادًا بها ونصر بالصبا (وينزل النصر) بهبوب الرياح. وفي رواية البخاري: وتهب رياح النصر (٢). وفي رواية: وتحضر الصلوات (٣). أي: أوقاتها، فأوقات الصلوات أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء. * * *

стр. 7330

١١٢ - باب فِيما يُؤْمَر بِه مِن الصَّمْتِ عِنْد اللّقاءِ ٢٦٥٦ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا هِشام ح وَحَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدَيٍّ، حَدَّثَنا هِشام، حَدَّثَنا قَتادَةُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ قالَ: كانَ أَصْحابُ النَّبي ﷺ يكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ القِتالِ (١). ٢٦٥٧ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ هَمّام حَدَّثَنَي مَطَرٌ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَبي بُردَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبي ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ (٢). * * * باب ما يؤمر من الصمت عند اللقاء [٢٦٥٦] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (حدثنا هشام) الدستوائي (حدثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد) بضم العين وتخفيف الباء الموحدة البصري (قال: كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون) ارتفاع (الصوت عند القتال) رفقًا بهم لئلا يجتمع عليهم مشقة القتال مع مشقة رفع الصوت. وكان ﷺ رحيمًا بالمؤمنين، والله تعالى يسمع الصوت الخفي كما يسمع العالي. وجاء في رواية عن قيس بن عباد أيضاً قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند ثلاثة مواطن: عند الذكر، وعند اللقاء،

стр. 7331

وعند الجنائز (١). وفي رواية عنه: يكرهون رفع الصوت، ورفع الأيدي عند القتال، والدعاء. والصوت المكروه عند القتال هو أن ينادي بعضهم بعضًا برفع الصوت، أو يفعل أحدهم فعلًا له أثر فيصيح. * * *

стр. 7332

١١٣ - باب في الرَّجُلِ يَتَرجَّلُ عِنْد اللِّقاءِ ٢٦٥٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: لَمّا لَقَيَ النَّبي ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فانْكَشَفُوا نَزَلَ، عَنْ بَغْلَتِهِ فَتَرَجَّلَ (١). * * * باب الرجل يترجَّل عند اللقاء [٢٦٥٨] (حدثنا) أبو محمد (عثمان بن أبي شيبة) الكوفي شيخ الشيخين (حدثنا وكيع) بن الجراح (عن إسرائيل) بن يونس (عن أبي إسحاق) اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب (قال) ثم فسر المعنى فقال (لما لقي النبي ﷺ المشركين) يعني: جمع هوازن وبني النضير (يوم) غزوة (حنين فانكشفوا نزل) رسول الله ﷺ (عن بغلته) البيضاء التي أهداها له فروة بن نفاثة، بنون مضمومة، ثم فاء مخففة، ثم ألف، ثم ثاء مثلثة. قال العلماء: ركوبه ﷺ البغلة في مواطن الحرب هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضًا يكون معتمدًا عليه يرجع إليه المسلمون، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإلا فقد كانت له أفراس معروفة، وكذا كونه نزل إلى الأرض (٢). (فترجل) أي: صار راجلًا كالمشاة حين غشوها، وهذِه مبالغة في

стр. 7333

الثبات والشجاعة والصبر على عادة الشجعان في المنازلة، ولهذا قالت الصحابة: إن الشجاع منَّا الذي نلوذ بجانبه. وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين.

стр. 7334

١١٤ - باب في الخُيَلاءِ في الحَرْبِ ٢٦٥٩ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ -المَعْنَى واحِدٌ- قالا: حَدَّثَنا أَبانُ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنِ ابن جابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّ نَبي اللهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: "مِنَ الغَيْرَةِ ما يُحِبُّ اللهُ وَمِنْها ما يُبْغِضُ اللهُ، فَأَمّا التَي يُحِبُّها اللهُ فالغَيْرَةُ في الرِّيبَةِ، وَأَمّا الغَيْرَةُ التَي يُبْغِضُها اللهُ فالغَيْرَةُ في غَيْرِ رِيبَةٍ، وَإِنَّ مِنَ الخُيَلاءِ ما يُبْغِضُ اللهُ وَمِنْها ما يُحِبُّ اللهُ، فَأَمّا الخُيَلاءُ التَي يُحِبُّ اللهُ فاخْتِيالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ القِتالِ واخْتِيالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمّا التَي يُبْغِضُ اللهُ فاخْتِيالهُ في البَغْى". قالَ مُوسَى: "والفَخْرِ" (١). * * * باب في الخيلاء في الحرب [٢٦٥٩] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) (٢) الفراهيدي (وموسى بن إسماعيل) التبوذكي (المعنى واحد قالا: حدثنا أبان) بن يزيد (حدثنا يحيى) بن سعد (٣) الأنصاري (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث (عن ابن جابر) لعل اسمه عبد الرحمن (بن عَتيِك) بفتح العين المهملة وكسر التاء المثناة فوق، ابن قيس الأنصاري (عن جابر بن عَتيك، أن نبي الله ﷺ كان يقول) إن (من الغَيرة) بفتح الغين، وهو تغير القلب وهيجان

стр. 7335

الحفيظة بسبب المشاركة في الاختصاص من أحد الزوجين بالآخر (ما يحب الله) وهي التي في محلها (ومنها ما يُبْغِض) بضم الياء أوله وكسر الغين (الله) وهي التي في غير محلها (فأما التي يحبها الله) تعالى (فالغيرة) التي (في الريبة) وهي التهمة؛ لقوله ﷺ : ما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب. رواه أبو عمر النُّوقَاتِي (١) في كتاب "معاشرة الأهلين" من رواية عبد الله بن محمد، والظاهر أنه عبد الله بن محمد ابن الحنفية مرسلًا (٢). وروى البزار (٣) والدارقطني (٤) من حديث علي أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: "أي شيء خيرٌ للمرأة؟ " قالت: أن لا ترى رجلًا ولا يراها. فضمها إليه وقال: "ذرية بعضها من بعض". وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسدون الكوى والثقب في الحيطان؛ لئلا تطلع النساء إلى الرجال. وقال عمر: أعروا النساء يلزمن الحجال (٥). وإنما قال ذلك لأنهن لا

стр. 7336

يرغبن في الخروج في الهيئة الرثة، فينبغي أن لا تخرج المرأة إلا لمهم، فإن الخروج للنظارات يقدح في المروءة، وربما يفضي إلى الفساد. (وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة) لأن غيرة الرجل على أهله من غير ريبة من سوء الظن الذي نهينا عنه في قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وقال علي: لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك (١). (وإن من الخيلاء) بضم الخاء (٢) وفتح الياء ممدود من الاختيال وهو التكبر واحتقار الناس (ما يبغض الله) ، أي: لا يرتضيه (ومنها ما يحب الله) أي: يرتضيه (فأمَّا الخيلاء التي يحب الله) ويثيب عليه (فاختيال الرجل نفسه) نصب بحذف الجر، تقديره: بنفسه، أي: إظهار التكبر والعظمة والعزة على العدو (عند القتال) وهو أن يتقدم إلى الحرب بنشاط نفس وقوة جنان رغبة فيما عند الله، ولا يكبع (٣) ولا يجبن خوفًا من الموت (واختياله عند الصدقة) بأن تهزه أريحية، السخاء والكرم، فيعطيها طيبة بها نفسه شاكرًا لله على توفيقه لإخراجها، راغبًا

стр. 7337

في قبول ثوابه من غير من ولا أذى يسقطان أجرها (وأما) الخيلاء (التي يبغض الله) تعالى (فاختياله) على الغير (في البغي) والاستطالة عليه والتكبر، ومنه قوله ﷺ : "إن الأولى قد بغوا علينا" (١) أي: استطالوا علينا وظلمونا. وأصل البغي الفساد. (قال موسى) بن إسماعيل شيخ أبي داود (و) اختياله في (الفخر) وهو التطاول وتعدد لباقته كبرًا، وإنما أبغض الله هذِه الخصال لأنها تحمل صاحبها على الأنفة من القريب الفقير والجار المسكين، وغيرهم من الثمانية الذين ذكرهم الله في الآية، فيضيع ما أمره الله من الصدقة عليهم.

стр. 7338

١١٥ - باب في الرَّجُلِ يُسْتَأْسَرُ ٢٦٦٠ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ -يَعْنَي: ابن سَعْدٍ- أَخْبَرَنا ابن شِهابٍ أَخْبَرَنَي عَمْرُو بْن جارِيَةَ الثَّقَفي -حَلِيفُ بَنَي زُهْرَةَ-، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بْنَ ثابِتٍ، فَنَفَرُوا لَهُمْ هُذَيْلْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رامٍ، فَلَمّا أَحَسَّ بِهِمْ عاصِمٌ لَجَئُوا إِلى قَرْدَدٍ فَقالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ العَهْدُ والمِيثاقُ أَنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا. فَقالَ عاصِمٌ: أَمّا أَنا فَلا أَنْزِلُ في ذِمَّةِ كافِرٍ. فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عاصِمًا في سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَى العَهْدِ والمِيثاقِ مِنْهُمْ خبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِها، فَقالَ الرَّجُلُ الثّالِثُ: هذا أَوَّل الغَدْرِ، والله لا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لَي بهؤلاء لأُسْوَةً. فَجَرُّوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فاسْتَعارَ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِها، فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ قالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُوني أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: والله لَوْلا أَنْ تَحْسِبُوا ما بي جَزَعًا لَزِدْتُ (١). ٢٦٦١ - حَدَّثَنا ابن عَوْفٍ، حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرَيِّ أَخْبَرَني عَمْرُو بْن أَبِي سُفْيانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جارِيةَ الثَّقَفي -وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنَي زهْرَةَ- وَكانَ مِنْ أَصْحابِ أَبي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ (٢). * * * باب في الرجل يُسْتَأْسَر بضم أوله وفتح السين الثانية أي: يصير أسيرًا لغيره باختياره.

стр. 7339

[٢٦٦٠] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (حدثنا إبراهيم (١)، يعني ابن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (أخبرنا) محمد (بن شهاب) الزهري (أخبرني عمرو بن) أبي سفيان بن أسيد بن (جارية) بالجيم والمثناة تحت بعد الراء (الثقفي، حليف بني زهرة) قال بعضهم: أسيد بن جارية صحابي أسلم يوم الفتح وشهد حنينًا (٢) (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة) رجال سرية (عينًا) أي: جاسوسًا (وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت) بن أقلح بفتح الهمزة وسكون القاف وبالمهملة، الأنصاري، جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه؛ لأن أم عاصم بن عمر هي بنت عاصم بن ثابت واسمها جميلة بفتح الجيم. زاد البخاري: حتى إذا كانوا بالهدأة (٣). وهي بين عسفان ومكة وذُكروا لحي من هذيل، يقال لهم بنو لحيان (فنفروا لهم) أي: انطلقوا، ونهضوا إليهم (هذيل بقريب من مائة رجل) ورواية البخاري: قريبًا من مائتي رامٍ رجل، ويجمع بين الحديثين أن رواية المصنف: مائة رجل لم يحسب فيها كسر السنين، بل اعتبر المائة الكاملة، ورواية البخاري حسبة كل منهم (رامٍ) زاد البخاري: فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مآكلهم تمرًا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم (فلما أحس بهم) زاد البخاري: فلما رآهم (عاصم)

стр. 7340

وأصحابه (لجؤوا) أي: التجؤوا (إلى قَرْدَد) بفتح القاف وسكون الراء ودال مهملة مكررة الأولى مفتوحة، أي: تحصنوا منهم برابية مشرفة على وهدة. قال الجوهري (١): القردد: المكان الغليظ المرتفع، وإنما أظهر لأنه ملحق بفعلل، والملحق لا يدغم. ورواية البخاري: لجؤوا إلى فدفد بفاء مكررة، وهو بمعناه، وقيل: هو الأرض المستوية، وهو الذي ذكره الجوهري. وفيه دليل على جواز فرار الواحد من العشرة على رواية أبي داود: بقرب من مائة رامٍ. وأما رواية البخاري: من مائتي رجل. فهو أولى بالفرار. وعلى رواية أبي داود فلعل هذا قبل أن ينزل التخفيف بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وفيه دليل على التحصن من العدو بالصعود إلى حصن أو جبل ونحو ذلك إذا علموا أنهم لا يقدرون عليهم. وفي رواية البخاري: وأحاط بهم القوم. (فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم) أي: سلموا أنفسكم، فالباء زائدة كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ واليدين بمعنى النفس، عبَّر بالبعض عن الكل، سمي بذلك لأن المستسلم يلقي السلاح بيديه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ التقدير: لا تدخلوا أنفسكم الهلاك (ولكم) منا (العهد والميثاق) أن لا نقتلكم (أن لا نقتل منكم أحدًا) إذا سلمتم أنفسكم بلا قتال.

стр. 7341

(فقال عاصم) بن ثابت أمير السرية (أما أنا فلا أنزل) فيه دليل على أنهم كانوا في مكان مرتفع. رواية البخاري: فوالله لا أنزل اليوم (في ذمة) أي: في عهد (كافر) فيه الدليل على جواز الأخذ بالأشد ويمتنع بالشدة وألا يأبه من الأسر والأنفة من أن يجري عليه ملك كافر، قال الثوري: أكره للأسير أن يمكن من نفسه إلا مجبورًا (١)، لاسيما من كان كبير القوم ممن يتأسى به (فرموهم بالنبل) وهي السهام العربية (فقتلوا عاصمًا في سبعة نفر) أي: في جملة سبعة نفر منهم (ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق) المتقدم (منهم: خُبَيب) بضم المعجمة وفتح الباء الموحدة الأولى وسكون التحتانية، ابن عدي الأنصاري (وزيد بن الدَّثِنَّة) بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وقد تسكن، وبفتح النون المخففة وقد تشدد، البياضي الأنصاري، (ورجل آخر) هو عبد الله بن طارق الظفري. فيه أنه جائز أن يسلم الرجل نفسه أسيرًا إذا أراد أن يأخذ برخصة الله في إحياء نفسه. قال الحسن البصري: لا بأس أن يستسلم الرجل إذا خاف أن يغلب (٢). (فلما استمكنوا منهم أطلقوا) أي: حلوا (أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث) منهم (هذا أول الغدر) الذي أنتم أهله (والله لا أصحبكم) أبدًا (إن لي بهؤلاء) السبعة الذين قتلتموهم (لأسوة) بالنصب

стр. 7342

اسم (إن) قدم عليه الخبر أي: هم قدوة لي في أن أقتل] (١) كما قتلوا (فجروه) على أن يأخذوه أسيرًا (فأبى أن يصحبهم) بعدما عالجوه (فقتلوه) فانطلقوا بخبيب. (فلبث خبيب) معهم (أسيرًا) وابن الدثنة، في رواية البخاري: حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عمرو يوم بدر (حتى أجمعوا) أي اجتمع رأيهم على (قتله، فاستعار) من بنت الحارث (موسى) وهو ما يحلق به، من أوسيت رأسه إذا حلقته بالموسى على وزن مفحل فعلى هذا ينصرف، ومن قال هو فعلى فهو مؤنث لا ينصرف على خلاف البصريين، وفيه دليل على صحة العارية من المحارب (يستحد بها) أي: يحلق شعر عانته بالحديدة. وفيه دليل على أن حلق العانة لا يسقط عن الأسير إذا تمكن منه. وعلى استحباب الاستحداد للأسير الذي يقتل لئلا يطلع منه على قبح عورته، وفي رواية البخاري: فأعارته، يعني بنت الحارث، قالت: فأخذ ابنا لي وأنا غافلة، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تحسبين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرًا قط مثل خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق من الله رزقه خبيبًا (فلما خرجوا به) من الحرم (ليقتلوه) في الحل (قال لهم خبيب: دعوني أركع) بالجزم

стр. 7343

جواب الأمر (ركعتين) فتركوه فركع ركعتين. فيه استنان ركعتين لكل من قتل صبرًا (ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعًا) قال القاضي عياض: والوجه جزعًا مفعول ثانٍ لتحسبوا وما في المفعول الأول وفي بعضها: تحسبوا ما بي جزع. أي: بالرفع (١) (٢).

стр. 7344

١١٦ - باب في الكُمَناءِ ٢٦٦٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدٍ النُّفيلَيُّ، حَدَّثَنا زهَيْرٌ، حَدَّثَنا أَبُو إِسْحاقَ سَمِعْتُ البَراءَ يُحَدِّثُ قالَ: جَعَلَ رَسُول اللهِ ﷺ عَلَى الرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكانُوا خَمْسِينَ رَخلاً- عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وقالَ: "إِنْ رَأَيْتُمُونا تَخَطَّفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مِنْ مَكانِكُمْ هذا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونا هَزَمْنا القَوْمَ وَأَوْطَأْناهُمْ فَلا تبرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ". قالَ: فَهَزَمَهُمُ اللهُ. قالَ: فَأَنا والله رَأَيْتُ النِّساءَ يَشْتَدِدْنَ عَلَى الجَبَلِ، فَقالَ أَصْحابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْر الغَنِيمَةَ: أي قَوْمِ الغَنِيمَةَ ظَهَرَ أَصْحابُكُمْ فَما تَنْتَظِرُونَ؟ ! فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ ما قالَ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقالُوا: والله لَنَأْتِيَنَّ النّاسَ فَلَنصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَأَتَوْهُمْ فَصُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ (١). * * * باب في الكُمَناء الكمناء بضم الكاف والمد جمع كمين كبخيل وبخلاء وكريم وكرماء، والكمين في الحرب: هم القوم (٢) يختفون في مكان أو أمكنة يتطلبون عدة العدو ليظهروا عليهم، ويستحب للأمير أن يتبع مكامن العدو الذي كمنوا فيها. [٢٦٦٢] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير) (٣) بن معاوية (حدثنا أبو إسحاق) السبيعي (سمعت البراء يحدث قال: جعل رسول الله

стр. 7345

- ﷺ على الرماة) وهم خمسون رجلًا، والجميع سبعمائة رجل (يوم أحد) وكان يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث (وكانوا خمسين رجلًا) كلهم رماة، وأمر عليهم (عبد الله بن جبير) أخا بني عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذٍ بثياب بيض (وقال) اثبت مكانك لا نؤتين من قبلك (إن رأيتمونا تَخْطَفُنَا الطير) بإسكان الخاء وتخفيف الطاء المفتوحة، ويروى بفتح الخاء وتشديد الطاء هو من باب ضرب المثل يريد به الهزيمة، أي: إن رأيتمونا انهزمنا فلا تفارقوا مكانكم، وفيه دليل على جواز المبالغة في الكلام وضرب المثل كما ضرب الله المثل في قوله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾. (فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم) لما يعتمد (وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم) الهمزة فيه للتعريض. أي: جعلناهم في معرض الدوس التي يمشى عليهم، ويوطأ عليهم بالأقدام وهم قتلى بالأرض (فلا تبرحوا) من مكانكم هذا (حتى أرسل إليكم، فهزمهم الله) أي: هزم الله المشركين وولوا على أدبارهم لا يلوون على شيء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون. (قال) البراء: وقال عبد الله بن الزبير (فأنا والله رأيت النساء) يعني: هند بنت عتبة وصواحبها (يشْتدِدْن) بشين معجمة وكسر الدال الأولى. أي: يجرين على الكفار، يقال: شد عليه في الحرب إذا حمل عليه، وروي بسين مهملة ثم نون ودال أي: يمشين في سند (١) الجبل يردن

стр. 7346

أن يرقين (على الجبل) فرارًا من المسلمين، وفي رواية البخاري (١): قد بدت خلاخلهن وأسواقهن رافعات ثيابهن. (فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة) منصوب على الإغراء. أي: دونكم الغنيمة (أي: قوم) فيه دليل على جواز النداء بأي المخففة. أي: يا قوم (الغنيمة) منصوب أيضًا كما تقدم (ظهر) أي: غلب (أصحابكم) المشركون (فماذا تنتظرون) في تأخركم عن الغنيمة. (فقال عبد الله بن جبير) حين وقع المسلمون في انتهاب العسكر وأخذ الغنائم وثبت هو في نفر معه دون العشرة مكانه، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله، وقالوا: لم يرد رسول الله ﷺ هذا، وقد انهزم المشركون، وجعل يعظ أصحابه ويذكرهم، ويقول: (أنسيتم ما قال لكم رسول الله؟ قالوا) قد انهزم المشركون (٢) فما مقامنا عنه (والله لنأتين الناس) الذين يصيبون من الغنيمة (فلنصيبن من الغنيمة) كما يصيبون (فأتوهم) أي (٣): فلما نظر خالد بن الوليد وكان قبل إسلامه إلى خلاء الجبل الذي أمرهم رسول الله ﷺ أن يثبتوا فيه وقلة أهله لانصرافهم إلى الغنيمة عنه فكرَّ بالخيل الذين معه، وتبعه عكرمة بن أبي جهل، فأتوا إلى عبد الله بن جبير والذين معه دون العشرة وحملوا عليهم، فقتل الأمير عبد الله بن جبير، وانتقضت صفوف المسلمين (فصرفت وجوههم) عن القتال (فأقبلوا (٤) منهزمين) وحالت الريح

стр. 7347

وصارت دبورًا بعد أن كانت صبا، وإنما صرفت وجوههم عقوبة من الله لمخالفتهم أمر رسول الله ﷺ وعصيانهم قوله وأمره كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ولهذا ذكر البخاري في تبويب هذا الحديث: عقوبة من عصى إمامه (١). وأما تبويب أبي داود في الكمناء لما انصرفوا عن الجبل الذي أمرهم النبي ﷺ بالثبات فيه ظهر لهم كمائن من خلفهم وأتوا من الجهة التي وصاهم النبي ﷺ بها وصرخ الصارخ.

стр. 7348

١١٧ - باب في الصُّفُوفِ ٢٦٦٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن سِنانٍ، حَدَّثَنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرَيُّ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن سُلَيْمانَ بْنِ الغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ اصْطَفَفْنا يَوْمَ بَدْرٍ: "إِذا أَكْثَبُوكُمْ -يَعْنَي: إِذا غَشُوكُمْ- فارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ واسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ" (١). * * * باب في الصفوف [٢٦٦٣] (حدثنا أحمد بن سنان) القطان (حدثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله (الزبيري) بضم الزاي (حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل) أي: غسلته الملائكة حين استشهد جنبًا، غسيل الملائكة واسمه حنظلة (عن حمزة بن أبي أُسَيد) مصغر، واسمه مالك بن ربيعة (عن أبيه) أبي أسيد مالك بن ربيعة بن البدن بفتح الباء والدال، ثم نون، الساعدي. (قال رسول الله ﷺ حين اصطففنا) للقتال (يوم بدر) فيه دليل على استحباب التصاف في القتال صفًّا واحدًا إن أمكن، وضم بعضهم إلى بعض، فإن الله يحب من ثبت في القتال ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص، وقد تقدم في الصلاة حديث أنس (٢): "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف" بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة، وهي غنم صغار، فشبه الشياطين الداخلة في خلل الصفوف بالغنم الصغار،

стр. 7349

فيدخل في عموم هذا الحديث الاصطفاف في الصلاة وفي القتال، وقيل: المراد بالاصطفاف استواء الثبات في الحرب حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم كالبناء كما قال ﷺ : "أمتي كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (١). ذكر أبو عبيد الهروي في حديث آخر: "كثبوكم"، وقال: فلعلهما لغتان (إذا أكثبوكم) أي: كاثروكم كرواية البخاري وأبي (٢) داود، وهذا التفسير ليس معروفًا في اللغة، والمعروف: قاربوكم من الكثب بفتح المثلثة وهو القرب، يقال: رماه من كثب. أي: قرب، والهمزة في أكثبوكم لتعدية كثب، فكذلك عداها إلى ضميرهم، لكن فسرها أبو داود بقوله: (يعني غشوكم) بضم الشين (فارموهم بالنبل) وهي السهام العربية، وهي لطاف ليست بطوال كسهام النشاب، والخشبان أصغر من النبل، وهي التي يرمى بها عن القسي الكبار في مجاري من خشب، واحدها خشبانة يريد إذا دنوا منكم بحيث يصلهم نبلكم فارموهم، ولا ترموهم على بعد، وهو معنى قوله: (واستبقوا نبْلكم) بسكون الموحدة، فإنه إذا رمى عن البعد سقط على الأرض أو في البحر فذهب سهام الرامي، ولم يحصل بها نكاية في العدو، وإذا صانها عن ذلك استبقاها لوقت الحاجة إليها عند القرب، وعلى هذا فقوله: ارموهم بالنبل ثلاث ببعض النبل، واستبقوا البعض للحاجة إليها عند القرب.

стр. 7350

١١٨ - باب في سَلِّ السُّيُوفِ عِنْدَ اللِّقاءِ ٢٦٦٤ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن عِيسَى، حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْن نَجِيحٍ -وَلَيْسَ بِالَملْطَيِّ- عَن مالِكِ ئنِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيدٍ السّاعِدَيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ النَّبي ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِذا أَكْثَبُوكُمْ فارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَلا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ" (١). * * * باب سل السيوف عند اللقاء [٢٦٦٤] (حدثنا محمد بن عيسى) الطباع (حدثنا إسحاق بن نجيح) وهو مجهول ولم يصب من قال أنه الملطي (عن مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه) أبي أسيد، واسمه مالك بن ربيعة (عن جده) أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي (قال رسول الله ﷺ يوم بدر: إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف) فيه النهي عن سل السيوف في غير وقت القتال، وتقدم النهي عن تعاطيه مسلولًا، وفي معناه إلتقافه مسلولًا والمشي به مسلولًا، وكذا إذا كان العدو بعيدًا لا يسل (حتى يَغْشَوكم) بفتح الشين المعجمة. أي: يدنو منكم، وكل ذلك [لما يخشى] (٢) من الجرح به. وفيه ترويع المسلم، وفيه فساد له من الهوى وغيره.

стр. 7351

١١٩ - باب في المُبارَزَةِ ٢٦٦٥ - حَدَّثَنا هارُون بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن عُمَرَ، أَخْبَرَنا إِسْرائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلَيٍّ قالَ: تَقَدَّمَ -يَعْنَي: عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَتَبِعَهُ ابنهُ وَأَخُوهُ فَنادى مَنْ يُبارِزُ؟ فانْتَدَبَ لَهُ شَبابٌ مِنَ الأَنْصارِ، فَقالَ: مَنْ أَنْتُمْ فَأَخْبَرُوهُ فَقالَ: لا حاجَةَ لَنا فِيكُمْ، إِنَّما أَرَدْنا بَنَي عَمِّنا. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُمْ يا حَمْزَةُ قُمْ يا عَلَيُّ قُمْ يا عُبَيْدَةُ بْنَ الحارِثِ". فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلى عُتْبَةَ وَأَقْبَلْتُ إِلى شَيْبَةَ واخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ والوَلِيدِ ضَرْبَتانِ فَأَثْخَنَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما صاحِبَهُ ثُمَّ مِلْنا عَلَى الوَلِيدِ فَقَتَلْناهُ واحْتَمَلْنا عُبَيْدَةَ (١). * * * باب في المبارزة [٢٦٦٥] (حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا إسرائيل) بن يونس قال أبو حاتم (٢): هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق. (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن حارثة) بحاء مهملة (ابن مُضَرِّب) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء، ثم باء موحدة (عن علي ﵁ قال: تقدم -يعني عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه) الوليد بن عتبة (وأخوه) شيبة بن ربيعة ونصلوا من الصف (فنادوا من يبارز) وفي رواية: فنادى -يعني: عتبة- من يبارز (فانتدب إليه) أي: أجاب نداءه (شباب) أي: فتية (من الأنصار) ثلاثة وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما

стр. 7352

عفراء- ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواحة، فيه استحباب الخروج إلى الكافر إذا طلب من يبارزه؛ لأن في التأخر عن الخروج إليه إضعافًا (١) للمسلمين وتقوية للكافرين، وإنما يحسن ذلك ممن جرب نفسه فعرف قوته في المحاربة، لكن لا يخرج مديون ومن لم يأذن له أبواه ولا عبد بغير إذن سيده. وفيه دليل على جواز الخروج بغير إذن الإمام إذا لم يذكر هنا إذن. (فقال) ربيعة، وهذا يرجح رواية: فنادى يعني: ربيعة (من أنتم؟ فأخبروه) أي: قالوا: نحن رهط من الأنصار (فقال: لا حاجة لنا فيكم) لأنهم لما أجابوا بأنهم فتية من الأنصار أنفوا من مبارزتهم (إنما أردنا) أن يخرج إلينا (بني عمنا) الذين هم من قومنا وأكفاء لنا. (فقال رسول الله: قم يا حمزة) فيه تعيين الإمام من يخرج للمبارزة، (قم يا علي، قم يا عبيدة) بضم العين مصغر، ويجوز ضم آخره على أصل نداء المفرد العلم، ويجوز الفتح على إتباع ما بعده وهو ابن، وطلبًا للتخفيف، وأما (ابن) ففيه الفتح فقط (الحارث) بن المطلب بن عبد مناف. وعن علي ﵁ قال: في وفي حمزة وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ حين تبارزوا يوم بدر، فقال عتبة عند ذلك: أكفاء كرام (٢). وفيه دليل على استحباب الخروج وتأكده إذا عينه الإمام المطلع على حال الجيش وقوتهم وضعفهم. (فأقبل حمزة إلى عتبة) فبارزه (وأقبلت)

стр. 7353

يعني: عليًّا (إلى شيبة) فبارزه، وأقبل عبيدة -وكان أسن القوم إلى الوليد- فبارزه، هذا أصح الروايات، لكن الذي في السير أن الذي بارزه علي هو الوليد، وهو المشهور وهو اللائق بالمقام. وروى الطبراني (١) بإسناد حسن، عن علي قال: أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة فلم يعب النبي ﷺ ذلك علينا. وهو موافق لرواية المصنف. وفيه إعانة المبارز رفقته. وفي رواية البزار (٢): فلم يلبث حمزة صاحبه. أي: لم يمهل حمزة أن قتل صاحبه شيبة وفرغ منه. (واختلف بين عتبة و) بين (الوليد ضربتان) هذا هو الصواب، وفي بعض النسخ: ضربتين (فأثخن) رواية البزار: فانتحر (كل واحد منهما صاحبه) وفيها قال -يعني: عليًّا- فأقبلت أنا وحمزة إليهما (ثم مِلْنَا) بأسيافنا (على الوليد) بن عتبة (فقتلناه) فيه دليل على أن معاونة المبارز جائزة إذا أثخنه بالجراح وتبعه ليقتله أو افترقا فقد انقضى قتالهما، فللمسلمين أن يحولوا بينه وبينه، فإن قاتلهم قاتلوه؛ لأنه إذا منعهم إنقاذه فقد نقض أمانه، فإن قاتله على أن لا يقاتله غيره وفَّى بذلك، ألا ترى أن عبيدة لما أثخن أعانه علي وحمزة، هذا مذهب الجمهور. وذكر الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم وإن أثخن بالجراح؛ لأن المبارزة إنما تكون هكذا. (واحتملنا عبيدة) أي: احتمل حمزة وعلي صاحبهما عبيدة فحازاه إلى أصحابه.

стр. 7354

١٢٠ - باب في النَّهْي عَنِ المُثْلَةِ ٢٦٦٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ عِيسَى وَزِيادُ بْنُ أَيُّوبَ قالا: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا مُغِيرَةُ، عَنْ شِباكٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ هُنَي بْنِ نُوَيْرَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعَفُّ النّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الإِيمانِ" (١). ٢٦٦٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنا مُعاذُ بْن هِشامٍ، حَدَّثَنَي أَبي، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الهَيّاجِ بْنِ عِمْرانَ أَنَّ عِمْرانَ أَبَقَ لَهُ غلامٌ فَجَعَلَ لله عَلَيهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْطَعَنَّ يَدَهُ، فَأَرْسَلَنَي لأَسْأَلَ لَهُ، فَأَتَيْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقالَ: كانَ نَبي اللهِ ﷺ يَحُثُّنا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهانا عَنِ المُثْلَةِ، فَأَتَيْتُ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحُثُّنا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهانا عَنِ المُثْلَةِ (٢). * * * باب النهي عن المُثْلة بضم الميم وسكون المثلثة، ويجوز ضمها أيضًا. وهي ما يفعل بالقتلى من التشويه. [٢٦٦٦] (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح الطباع، ثقة، قال النسائي (٣): ثقة (وزياد بن أيوب) بن زياد (قالا: حدثنا هشيم) بن بشير (حدثنا مغيرة) بن مقسم الضبي (عن شِباك) بكسر الشين المعجمة ثم

стр. 7355

باء موحدة، الضبي، روى (١) له النسائي، وابن ماجه. وثقه النسائي (٢). (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن هُنَيّ) بفتح النون مصغر (بن نُوَيرة) بضم النون مصغر الضبي مقبول (عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود. (قال رسول الله ﷺ : أعفُّ الناس) أي: أكفهم عما لا يحل فعله وأرحمهم بالناس في (قِتْلةً) والعفاف والعفة ترك ما لا يجوز قتله، والقتلة بكسر القاف؛ لأن المراد هنا هيئة القتل التي لا يحل فعلها من تشويه المقتول وإطالة تعذيبه، فأكثر الناس عهدًا بهذِه الخصال (أهلُ الإيمان) لما جعل الله في قلوبهم من الرحمة والشفقة لجميع خلقه بخلاف أهل الكفر. [٢٦٦٧] (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي) يعني: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سنبر (عن قتادة، عن الحسن) البصري، روى عن عمران بن حصين (عن الهَيَّاج) بفتح الهاء وتشديد المثناة تحت (بن عمران: أن عمران) بن حصين والده (أبَق) بفتح الباء (له غلام) وفيه أنه لا يقال عبدي بل غلامي وخادمي وفتاي (فجعل لله عليه) هذا من صيغ (٣) النذر الئن قدر عليه ليقطعن يده) وقطع اليد معصية؛ لأنه من المثلة المنهي عنها، وفي الصحيح: "لا نذر في معصية" (٤). (فأرسلني) فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه لا يجوز
следующие страницы →