عدس الأنصاري النجاري، وجده أسعد أحد النقباء الاثنى عشر.
(قال: قُدِم) بضم القاف وكسر الدال (بالأسارى) بضم الهمزة (حين قُدِم بهم) من غزوة بدر (وسودة بنت زمعة) بسكون الميم زوج النبي ﷺ (عند آل عَفْراء) أي: أهل بني عفراء (في مناحهم) يناح فيه (على عوف) بن الحارث (ومعوذ) بفتح العين المهملة وتشديد الواو المكسورة ثم ذال معجمة، إخوة (ابني عفراء) بفتح العين المهملة والمد، أمهما، اشتهرت نسبتهم إلى أمهم دون أبيهم، وقتل عوف ومعوذ يوم بدر شهيدين، رحمهما الله تعالى. واعلم أنه لا يلزم من كون سودة ﵂ حضرت في المناحة أن تكون ناحت أو حضرت النوح.
(قال: وذلك) أي: ذهابها إليهم (كان قبل أن يضرب عليهن الحجاب) أي: يؤمرون بالاحتجاب عن أعين الناس بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١).
(قال) يحيى (تقول سودة: والله إني لعندهم) قاعدة (إذ أتيت) بضم الهمزة (فقيل: هؤلاء الأسارى) أي: أسارى بدر، وكان جملتهم سبعين (قد أتى بهم) قالت سودة (فرجعت إلى بيتي ورسول الله فيه) فيه خروج المرأة من بيتها في غيبة زوجها لكن إذا أذن لها أو علمت رضاه (وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو) خطيب الكفار، ولما أراد عمر أن يمثل به قال ﷺ : "عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه" (٢) (في ناحية الحجرة) أي: البيت، وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة
стр. 7387
(مجموعة) خبر أبي يزيد، أو خبر بعد خبر ساد مسد الخبر لشدة شبهه بالفعل؛ لأنه اسم مفعول وهو يعمل عمل فعل بني لما لم يسم فاعله و (يداه) مثنى مرفوع بالألف، وهو نائب عن الفاعل، والتقدير: وإذا أبو زيد جمعت يداه (إلى عنقه) وربطتا (بحبل) ربطًا وثيقًا. وفيه دليل أيضًا على ما تقدم من جواز الاستيثاق من الكافر الأسير بالرباط والغل والقيد إذا خيف انفلاته كما تقدم (وذكر) يحيى بقية (الحديث) ومنه أن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى فرقهم بين الصحابة وقال: "استوصوا بالأسارى خيرًا". وفيه: ثم بعثت قريش في فداء الأسارى فقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذي أسره خالد بن الدخشم ومن حديثه: أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، دعني أنزع (١) ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : "لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيًّا" (٢).
(قال أبو داود: وهما) يعني: ابنا عفراء (قتلا أبا جهل) يوم بدر (وكانا انتدبا له) لما قيل لهما: إنه يسب رسول الله ﷺ (ولم يعرفاه) إلى أن أراهما إليه عبد الرحمن بن عوف (وقتلا يوم) غزوة (بدر) رحمهما الله ورضي عنهما.
(فإذا هم بروايا قريش) جمع راوية، وهي: القربة الكبيرة التي تروي بما فيها، قال يعقوب: لا يقال راوية، إنما الراوية البعير (١). فيحتمل أن القربة سميت راوية؛ لأن البعير يحملها، فهي من باب تسمية الشيء بما يلابسه (فيها عبد أسود) اسمه أسلم البني الحجاج) وغلام بني العاص (فأخذه أصحاب رسول الله ﷺ ) فسألوهما فقالوا: نحن سقاة العرب، يعنون: نسقيهم الماء (فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان؟ ) وأصحابه (٢) فيه سؤال الأسير قبل أن يأتي إلى الإمام (فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم) فيه دليل على صحة اليمين على نفي العلم كما هو مذكور في الشهادات، وقد أخبر النبي ﷺ بصدقه.
(ولكن هذِه قريش قد جاءت) توضحه رواية مسلم (٣): ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف في الناس. وأوضح منه ما في "سيرة ابن هشام" (٤) فقال لهم رسول الله ﷺ : من (فيهم) من أشراف قريش؟ قالا (٥) (أبو جهل) بن هشام (وعتبة وشيبة ابنا ربيعة) وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، (وأمية بن خلف) ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو ابن عبد ود، فأقبل رسول الله ﷺ ، فقال: "هذِه مكة ألقت إليكم
стр. 7390
أفلاذ كبدها" (١). أي: أشراف من فيها، وأصل الفلذ: القطعة من كبد البعير. وخص الكبد؛ لأنها من أطايب الجزور، فإن العرب تقول: أطايب الجزور السنام، ووسط الظهر ما بين الكاهن والعجز والكبد.
(فإذا قال لهم ذلك ضربوه) وفي ضرب الصحابة للغلام وإقرار النبي ﷺ إياهم عليه ما يدل على جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له وإن كان أسيرًا، وتقريره بما ينال منه من الضرب والتوبيخ وغير ذلك.
وفيه تعزير المتهم المسلم إذا كان هنالك سبب يقتضي ذلك، وأنه يضرب في التعزير فوق ذلك، خلافًا لمن قال بظاهر الحديث لا يجلد فوق عشرة إلا في حد (فيقول: دعوني دعوني أُخبرْكم) بالجزم؛ لأنه جواب الأمر (فإذا تركوه) فيه دليل على أن المتهم إذا أقر بما يتهم به يترك ضربه ويصدق في الظاهر (قال: والله ما لي بأبي سفيان علم) أي: ولا أظن، فإن الظن هنا في معنى العلم فكلاهما معمول به في الأحكام (ولكن هذِه قريش) وراء الكثيب الذي بالعدوة القصوى (قد أقبلت) إليكم (فيهم أبو جهل، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف قد أقبلوا) إليكم في جمع كثير (والنبي ﷺ يصلي) فيه المبادرة إلى الصلاة عند شدائد الأمور والخوف من المحذور (وهو يسمع ذلك) فيه استماع المصلي كلام من هو خارج الصلاة، وإنه لا يقطع الصلاة بل يتعين إذا احتاج إليه.
(فلما) ركع ركعتيه و (انصرف) أي: سلم من صلاته (قال) قد يستدل
стр. 7391
به أبو حنيفة على أنه لا يشترط السلام منها (والذي نفسي بيده) فيه جواز الحلف بهذا وأنه ينعقد به اليمين، ويلزم في الحنث منه الكفارة (إنكم لتضربونه) قال النووي (١): في هذا الحديث استحباب تخفيف الصلاة إذا عرض أمر في أثنائها، ووقع في نسخ مسلم: لتضربوه بغير نون، وهي لغة أعني: حذف النون من الأمثلة الخمسة إذا كان مرفوعًا لتجرده عن الناصب والجازم، وهذِه اللام الداخلة عليه مفتوحة؛ لأنها لام التأكيد الداخلة في خبر إن.
(إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم) فيه معجزة من أعلام النبوة في إخباره عن الغلامين الذين كانوا يضربونهما يصدقان إذا تركوهما ويكذبان إذا ضربوهما، وكان كذلك في نفس الأمر، ثم (٢) قال (هذِه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان) وأصحابه.
(قال أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ ) أبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم (هذا مَصرِعُ) بفتح الميم وكسر الراء (فلان غدًا ووضع يده على الأرض) يحتمل أنه أشار إلى موضع مصرعه، ويحتمل أن يكون وضعها على الأرض وهو الحقيقة المرجحة (وهذا مصرع فلان) هاهنا (غدًا) وسماه (ووضع يده على الأرض) كما تقدم.
(قال) أنس (والذي نفسي بيده) تأسى بحلفه ﷺ في اليمين الأولى (ما جاوز أحد منهم) هذا بيان لرواية مسلم فما ماط أحدهم (عن موضع يد
стр. 7392
رسول الله ﷺ ) وهذا معجزة ثانية لرسول الله ﷺ (١) في إخباره بمصارع القوم؛ إذ وقع ذلك ووجد كما أخبر ولم يتعد أحد مصرعه (فأمر بهم رسول الله ﷺ ) أن يلقوهم في البئر (فأُخذ بأرجلهم) فيه جواز أخذ قتيل الكفار وسحبهم بأرجلهم، وكذا ما يذبح من الأنعام (فسحبوا) والسحب جر بعنف (فألقوا) بضم الهمزة والقاف (٢) أي: طرحوا (في قَلِيب) بفتح القاف وكسر اللام (بدر) وهو البئر قبل أن يطوى بالحجارة، وهو حفيرة قلب ترابها.
وفيه دليل على أن الكافر الحربي لا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بل يرمى في بئر، ويجوز إغراء الكلاب عليه.
قال ابن هشام في "السيرة" (٣): لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايد فأقروه فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم فقال: "يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا .. ؟ " الحديث.
стр. 7393
١٢٦ - باب في الأَسِيرِ يُكْرهُ عَلى الإِسْلامِ
٢٦٨٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلَيٍّ المُقَدَّمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أَشْعَثُ بْن عَبْدِ اللهِ يَعْنَي: السِّجِسْتانِيَّ ح وَحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن بَشّارٍ قالَ: حَدَّثَنا ابن أَبِي عَدَيٍّ وهذا لَفْظُهُ ح وَحَدَّثَنا الحَسَن بْن عَلَيٍّ قالَ: حَدَّثَنا وَهْبُ بْن جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِها إِنْ عاشَ لَها وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْناءِ الأَنْصارِ، فَقالُوا: لا نَدَعُ أَبْناءَنا. فَأَنْزَلَ الله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١).
قالَ أَبُو داوُدَ: الِمقْلاتُ التَي لا يَعِيشُ لَها وَلَدٌ.
* * *
باب في الأسير يكره على الإسلام
[٢٦٨٢] (حدثنا محمد بن عمر المقدمي) وثقه النسائي (٢) (حدثنا أشعث بن عبد الله السجستاني) قال البخاري في "تاريخه" (٣): هو أشعث بن عبد الله الخراساني. وثقه ابن حبان (٤) (وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي (٥)، وحدثنا الحسن بن
стр. 7394
علي) الحلواني (حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة) قال أبو سعيد: بلغني عن أبي داود أنه قال: لما كان الحديث مرسلًا جمعت فيه هؤلاء الثلاثة يريد: الرواة عن شعبة (عن أبي بشر) جعفر بن إياس (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت أمرأة) من اليهود قبل مجيء دين الإسلام (تكون مقلاتا) بكسر الميم آخره تاء ممدودة، وهي المرأة التي لا يعيش لها ولد فتكاد تهلك نفسها من موت الأولاد، وأصله من القلت، وهو الهلاك (فتجعل) لله (على نفسها) نذرًا (إن عاش لها ولد) ذكر أو أنثى أو خنثى (أن تهوده) أي: تعلمه اليهودية وتحمله عليها، وقيل: تكون سببًا لإجراء حكم اليهودية عليه ما دام في الدنيا صغيرًا (فلما أجليت) أي: أخرجت من أوطانهم يهود (بنو النضير) حين غدروا بالنبي ﷺ لما هزم المسلمون يوم أحد وأظهروا العداوة بعد أن كانوا صالحوه (وكان فيهم) أي: في بني النضير (أبناء من الأنصار) المسلمين (فقالوا: ) يعني الأنصار الذين أسلموا (لا ندع أبناءنا) الذين هودوا قبل مجيء الإسلام يذهبون معكم وهو على حكم اليهودية، بل نكرههم على حكم دين الإسلام ونأخذهم (فأنزل الله هذِه الآية: (﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾) أي: لا يكره على الدخول في الإسلام من دخل في اليهودية قبل مجيء دين الإسلام، بل يقر على ما كان انتقل إليه، وتجري عليه أحكام أهل الكتاب في أخذ الجزية منه وجواز مناكحتهم، ولكن يكره على الإسلام من انتقل إلى اليهودية أو النصرانية بعد نسخهما؛ لأنه (﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾) أي: الحق من الباطل، فالحق هو الإسلام، والباطل ما عداه، فلفظ الآية عام مخصوص بمن نزلت فيه من اليهود.
стр. 7395
ومعنى الآية: لا يكره أهل الكتاب وهم (١) اليهود والنصارى على الدخول في دين الإسلام؛ لأنهم تهودوا قبل ظهور الإسلام، لكن يكره من تهود أو تنصر بعد ظهور الإسلام بأن يقال له: أسلم وإلا قتلناك، فإن أسلم حكم بإسلامه ويكون حكم من تهود أو تنصر مخصصًا لقوله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وإنها من العموم المراد به الخصوص ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
(قال أبو داود: المقلات التي لا يعيش لها ولد) ومنه الحديث: "المسافر وماله على قلت". والقلت بفتح القاف واللام، وهو الهلاك.
رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الِمغْفَرُ فَلَمّا نَزَعَهُ جاءَهُ رَحُلٌ فَقالَ: ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتارِ الكَعْبَةِ فَقالَ: "اقْتُلُوهُ".
قالَ أَبُو داوُدَ: ابن خَطَلٍ اسْمُه عَبْدُ اللهِ وَكانَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمَيُّ قَتَلَهُ (١).
* * *
باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام
[٢٦٨٣] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن المفضل) قرشي، وثقه ابن حبان (٢) (حدثنا أسباط بن نصر) الهمداني، أخرج له مسلم والأربعة (قال: زعم السدي) إسماعيل بن عبد الرحمن، سمي بذلك لأنه كان يقعد في سدة باب الجامع، قال ابن عدي: صدوق (٣).
(عن مصعب بن سعد، عن سعد) بن أبي وقاص (قال: لما كان يوم فتح مكة) شرفها الله تعالى (أمَّن) بتشديد الميم وآمن بهمزة ممدودة (رسول الله الناس) أي: أعطاهم الأمان، والأمن هو ضد الخوف (إلا أربعة نفر وامرأتين فسماهم) بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وفي رواية موضع عكرمة علي بن نفيل، وعبد الله ابن خطل، ومِقْيَس -بكسر الميم وإسكان القاف وفتح الياء المثناة ثم سين مهملة- بن ضُبابة بضاد معجمة مضمومة (و) عبد الله (بن أبي سرح) العامري وهبار بن الأسود، وقيس بن خطل.
(فذكر الحديث) وفي رواية النسائي (٤): فأما عبد الله بن خطل فأدرك
стр. 7398
وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن جرير وعمار بن ياسر فسبق سعيد (١) عمارًا، وكان أشب الرجلين فقتله، وأما مقيس بن ضبابة فأدركوه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن ألهتكم لا تغن عنكم هاهنا شيئًا (٢)، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فما ينجيني في البر غيره: اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريمًا، فجاء (٣) فأسلم.
(قال: وأما) عبد الله (ابن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله الناس إلى البيعة) على الإسلام وهي المعاقدة والمعاهدة، كان كل واحد باع ما عنده وأعطاه خالصة نفسه وطاعته (جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ) فيه وقوف الأسير بين يدي الأمير، وقد يؤخذ منه وقوف المعلم بين يدي العالم والمولود بين يدي الوالد كما أنه يقوم لهم إذا جاؤوا إليه إكرامًا لهم (فقال: يا نبي الله بايع عبد الله) وفيه جواز تسمية الكافر عبد الله الذي هو أحب الأسماء إلى الله، وفيه جواز الشفاعة عند الإمام بلفظ الأمر وطلب الأمان للأسير.
(فرفع رأسه) فيه إطراق الرأس عند حضور الأسير إهانة له (٤) وصغارًا
стр. 7399
وما رفع رأسه إليه [إلا لأنه كان قائمًا بين يديه فنظر إليه] (١) وصمت، ثم أطرق رأسه، ثم رفع رأسه إليه (فنظر إليه ثلاثًا) بعد الإطراق (كل ذلك) وهو صامت (يأبى أن يبايعه) ثم قال: نعم (فبايعه بعد ثلاث) نظرات وطول السكتات (ثم) لما انصرف عثمان (أقبل على أصحابه) الذين حوله (فقال) منكرًا عليهم (: أما كان فيكم رجل رشيد) أي: ذو رشد، أي: فطنة يهتدي إلى سبيل الحق وصواب الحكم في قتله وفعله الجميل، ثم بعد ذلك حسن إسلامه، ولم يظهر عليه شيء ينكر عليه إلى أن توفي ﵀ (يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته) وأمانه (فيقتله) فإني ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. قال الخطابي (٢): فيه دليل على أن ظاهر السكوت من رسول الله ﷺ في الشيء يراه يصنع بحضرته يحل محل الرضا به والتقرير له.
(فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا) أي: فهلا (أومأت إلينا بعينك) بالإفراد. فيه دليل على جواز العمل بالإشارة بالعين والرأس واليد، وأنه يقوم مقام اللفظ لمن فهمه وإن كانت الإشارة مما يفهمها كل الناس فهو قائم مقام صريح اللفظ وإلا فكالكتابة (فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) قال الرافعي (٣): فسروها بالإيماء إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يشعر به الحال، فلا يخالف ظاهره باطنه ولا سره علانيته، وإذا نفذ حكم الله بشيء لم
стр. 7400
يومئ به، بل يصرح به ويظهره، وإنما قيل له خائنة الأعين لأنه يشبه الخيانة، ومن حيث إنه يخفى. قال: ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور.
واستدل صاحب "التلخيص" بتحريم خائنة الأعين على أنه لم يكن له أن يخدع في الحرب، وخالفه المعظم على ما اشتهر أنه كان إذا أراد سفرًا وَرى بغيره. انتهى.
وقد عد تحريم خائنة الأعين من خصائصه ﷺ ، وظاهر الحديث أنه ليس مختصًّا به دون الأنبياء، بل من خصائصه وخصائص كل نبي ومرسل.
(قال أبو داود: وكان عبد الله) يعني: ابن سعد بن أبي سرح (أخا عثمان) بن عفان (من الرضاعة) أرضعت أمه عثمان (وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه) أروى بنت كريب بن ربيعة العشمية (وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر) فإذ ينصرف للماضي كقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١)، ويحتمل أن تكون للتعليل. أي: لأجل أنه يشرب الخمر، ومن معناها التعليل لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ (٢) وفي بعض النسخ: أنّى شرب الخمر. بفتح الهمزة وتشديد النون.
وشرب الوليد الخمر جاء حديثه في مسلم (٣) عن حصين بن المنذر
стр. 7401
قال: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد قد صلى الصبح أربعًا ثم قال: أزيدكم. فشهد عليه رجلان أحدهما أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيؤها حتى شربها. وفيه: فقال: يا عبد الله ابن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك .. الحديث.
[٢٦٨٤] (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (حدثنا زيد بن الحباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة (أنبأنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي) وثقه ابن حبان (١) (حدثني جدي، عن أبيه) يعني: سعيد بن يربوع المخزومي، كان اسمه الصرم فغير رسول الله ﷺ اسمه، وقال: "أنت سعيد" وقال له رسول الله ﷺ : "أينا أكبر؟ " فقال: أنا أقدم منك وأنت أكبر مني، وخير مني (٢). وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم، توفي في خلافة معاوية وعمره مائة سنة وأربعة وعشرون سنة.
(أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: أربعة لا أؤمنهم) بضم الهمزة وكسر الميم الخفيفة (في حل) بكسر الحاء المهملة (ولا حرم) بفتح الحاء والراء، أي: في أرض حلال ولا حرام (فسماهم) كما تقدم.
فأما عكرمة بن أبي جهل -واسم أبي جهل عمرو بن هشام- فإنه كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ هو وأبوه فهرب حين الفتح، فلحق باليمن
стр. 7402
ولحقته امرأته أم حكيم، فأتت به النبي ﷺ ، فلما رآه قال: "مرحبًا بالراكب المهاجر" فأسلم وحسن إسلامه. [وأما ابن خطل] (١) فإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا فبعثه رسول الله ﷺ مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار مسلمًا يخدمه، فنزل منزلًا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا يصنعه له طعامًا، فنام فاستيقظ ابن خطل ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا.
وأما مقيس فكان أسلم على يدي (٢) النبي ﷺ ثم ارتد أيضًا.
وأما ابن أبي سرح فأسلم أيضًا، وكان يكتب الوحي لرسول الله ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش، ثم جاء فأسلم وحسن إسلامه كما تقدم.
(قال: وقَيْنتين) هما قَرَيْنَا وَقُرَيْبَةَ (كانتا لِمقْيَس) بكسر الميم كما تقدم، كانتا قينتا ابن خطل تهجو رسول الله ﷺ (فقتلت إحداهما) وهي قريبة (وأفلتت الأخرى [فأسلمت]) (٣) وهي قرينا بفتح القاف، واستؤمن رسول الله ﷺ للأخرى فأمنها، ذكره السهيلي.
(قال أبو داود: ) هذا الحديث (لم أفهم إسناده من) محمد (ابن العلاء) فما بعده إلى رسول الله ﷺ (كما أحب) فليراجع من غيره.
[٢٦٨٥] ([حدثنا القعنبى، عن مالك، عن ابن شهاب] (٤) عن أنس: أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح) أي: فتح مكة عام ثمان (وعلى
стр. 7403
رأسه المغفر) وهو برد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة، قال التميمي: فيه أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح غير محرم، وفيه أنه لبس المغفر مرة. وفيه استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها، وهو من تمام التوكل. وضمان الله العصمة في الآية لا ينافي تعاطيه لأسبابها، كما أنه ضمن له حياته حتى يبلغ رسالته وهو يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب.
(فلما نزعه جاءه رجل، فقال: ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة! فقال: اقتلوه) فيه جواز القتل في الحرم قصاصًا أو حدًّا.
وفيه أن للإمام أن يقتل من حاد الله ورسوله صبرًا وكان في قتله صلاح للمسلمين، وأن الإمام يخير بين القتل والمن.
(قال أبو داود: اسم ابن خَطَل) بمفتوحتين (عبد الله بن خطل) وقيل: هلال، وقيل: ابن هلال أخوه وكان يقال لهما: الخطلان من بني تيم بن غالب (وكان أبو برزة) نضلة بن عبيد (الأسلمي قتله) بأمر النبي ﷺ .
стр. 7404
١٢٨ - باب في قَتْلِ الأَسِيرِ صَبْرًا
٢٦٨٦ - حَدَّثَنا عَلَيُّ بْنُ الحُسَيْنِ الرَّقَّيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن جَعْفَرٍ الرَّقَّيُّ، قالَ: أَخْبَرَنَي عُبَيْدُ اللهِ بْن عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْراهِيمَ قالَ: أَرادَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَسْرُوقًا فَقالَ لَهُ عُمارَةُ بْنُ عُقْبَةَ: أَتَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ بَقايا قَتَلَةِ عُثْمانَ فَقالَ لَهُ مَسْرُوقٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ - وَكانَ في أَنْفُسِنا مَوْثوقَ الحَدِيثِ- أَنَّ النَّبي ﷺ لَمّا أَرادَ قَتْلَ أَبِيكَ قالَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ قالَ: "النّارُ". فَقَدْ رَضِيتُ لَكَ ما رَضَيَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١).
* * *
باب قتل الأسير صبًرا
يقال: قتل فلان صبرًا إذا حبس وأمسك على القتل.
[٢٦٨٦] (حدثنا علي ين حسين الرقي) صدوق (حدثنا عبد الله بن جعفر) بن غيلان (الرقي، حدثنا عبيد الله) بالتصغير (بن عمرو) الرقي (عن زيد بن أبي أُنيسة) الجزري (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله (عن إبراهيم) النخعي.
(قال: أراد الضحاك بن قيس) بن خالد، وكان على شرطة معاوية ثم صار عاملًا له على الكوفة (أن يستعمل مسروقًا) ابن الأجدع (فقال له عمارة بن عقبة) بن أبي معيط أبان بن عمرو أخو الوليد بن عقبة (أتستعمل رجلًا من بقايا قتلة عثمان؟ ) بن عفان ﵁، وكان مسروقًا
стр. 7405
يخلف عن علي ﵁ في حروبه.
(فقال له) أي: لعمارة بن عقبة (مسروق حدثنا عبد الله بن مسعود، وكان) مأمونًا (١) أي: ابن مسعود (في أنفسنا، موثوق الحديث) أي: مأمونًا (٢) في نقل الحديث (أن النبي لما أراد قتل أبيك) يعني عقبة بن أبي معيط (قال) يا محمد (من للصبية) جمع صبي. أي: أولادي الصغار بعدي (قال) لهم (النار) تحرقهم (فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ ) من النار. وكان عقبة من أسارى المشركين يوم بدر، أسره عبد الله بن سلمة، فلما أمر النبي ﷺ بقتله صبرًا، قال: من للصبية يا محمد؟ قال: "النار"، فقتله عاصم بن ثابت بضرب عنقه، لا بحرق ولا مثلة، وقيل: علي بن أبي طالب، ولعل قول النبي ﷺ لهم النار تنكيلًا وزيادة في عقوبته، لا أنه حكم علي بنيه بالنار؛ فإن الوليد وعمارة أسلما يوم الفتح، والصحابة كلهم مرضيون.
стр. 7406
١٢٩ - باب في قَتْلِ الأَسِيرِ بِالنَّبْلِ
٢٦٨٧ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنِ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْن الحارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ ابن تِعْلَى قالَ: غَزَوْنا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَأُتِيَ بِأَرْبَعَةِ أَعْلاجٍ مِنَ العَدُوِّ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا صَبْرًا.
قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ لَنا غَيْرُ سَعِيدٍ، عَنِ ابن وَهْبٍ في هذا الحَدِيثِ قالَ: بِالنَّبْلِ صَبْرًا فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبا أَيُّوبَ الأَنْصارِيَّ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الصَّبْرِ، فَوالَّذَي نَفْسَي بِيَدِهِ لَوْ كانَتْ دَجاجَةٌ ما صَبَرْتُها. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَأَعْتَقَ أَرْبَعَ رِقابٍ (١).
* * *
باب قتل الأسير بالنبل
وهي السهام العربية، وهي لطاف ليست بطوال كسهام النشاب، كما تقدم.
[٢٦٨٧] (٢) (حدثنا سعيد بن منصور) المروزي (قال: حدثنا عبد الله ابن وهب) القرشي (قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله) ابن الأشج (عن) عبيد (ابن تِعْلَى) بكسر المثناة فوق وإسكان المهملة وفتح اللام المقصورة، الطائي الفلسطيني، صدوق، وثقه النسائي (٣).
стр. 7407
(قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد) رأى النبي ﷺ ، وكان من الأبطال (فأُتي بأربعة أعلاج) جمع علج بكسر العين، وهو الكافر الغليظ الشديد، سمي بذلك لأنه يدفع عن نفسه بقوته، ومنه سمي العلاج لدفعه الداء بنفسه (من العدو، فأمر بهم فقتلوا صبرًا) أي: حبسوا وأمسكوا للقتل حتى قتلوا.
(قال أبو داود: قال لنا غير سعيد) بن منصور (عن) عبد الله (ابن وهب في هذا الحديث قال: بالنبل) وهي السهام العربية (صبرًا) أي: حبس وأمسك، ثم رمي بالنبل حتى قتل (فبلغ ذلك أبا أيوب) خالد بن زيد ابن كليب بن ثعلبة (الأنصاري) الخزرجي (فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن قتل) أي: في كل ما له روح، أما ما لا روح له فجائز أن يتخذ هدفًا يرمى إليه، ويدخل في عموم النهي عن قتل الصبر فيما له روح (الصبر) القتل بكل ما يرمى به من نبل وبندق وحجارة وغير ذلك، ولهذا أستدل أبو أيوب على قتل الأسير بالنبل؛ لأنه يدخل في عموم قتل الصبر، لاسيما وقد صرح بذلك في رواية للبخاري (١) عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل، مع رواية مسلم (٢): أن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا.
نعم يقال رواية أبي داود نهى عن قتل الصيد مطلقا (٣). ورواية
стр. 7408
البزار (١) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن صبر الروح، وعن إخصاء البهائم نهيًا شديدًا.
(فوالذي نفسي بيده) هذا تأكيد منه كما تقدم، ثم قال: (لو كانت دجاجة) فيها روح (ما صَبرتُها) أي: ما جاز لي أن أرمي إليها بالنبل، فكيف بالآدمي الذي كرمه الله تعالى، وكذا لا يجوز صبر من وجب إراقة دمه بقصاص أو حد أو غيرهما (فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد) فرأى أنه قارف معصية لله تعالى، لكن كان لا يعرف التحريم، فلما عرفه عاقب نفسه (فأعتق أربع رقاب) لله تعالى؛ ليكون ذلك كفارة لما وقع منه، وهكذا كان فعل السلف ﵃ في خوفهم من الله إذا وقع منهم نوع مخالفة أو تأخير طاعة عن وقتها، وهذا من المجاهدة في الله تعالى، فكان ابن عمر إذا أخَّر صلاة المغرب حتى طلع كوكبان أعتق رقبتين (٢). وفات ابن أبي ربيعة ركعتا الفجر فأعتق رقبة (٣).
стр. 7409
١٣٠ - باب في المَنِّ على الأَسِيرِ بِغيْرِ فِداءٍ
٢٦٨٨ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ، قالَ: أَخْبَرَنا ثابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى النَّبي ﷺ وَأَصْحابِهِ مِنْ جِبالِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلَمًا، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إِلى آخِرِ الآيَةِ (١).
٢٦٨١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ لأُسارى بَدْرٍ: "لَوْ كانَ مُطْعِمُ بْنُ عَديٍّ حيّا ثُمَّ كَلَّمَني في هؤلاء النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ" (٢).
* * *
باب في المن على الأسير بغير فداء
[٢٦٨٨] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدثنا حماد) ابن سلمة (قال: أخبرنا ثابت) البناني (عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة) شرفها الله تعالى (هبطوا على النبي ﷺ وأصحابه من جبال التنعيم) رواية مسلم (٣): من جبل التنعيم، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة؛ لأن جبلًا على يمينها يقال له نعيم، وآخر عن شمالها يقال له ناعم، والوادي نعيمان (عند صلاة الفجر) يقال لها:
стр. 7410
صلاة الفجر، وصلاة الصبح، وصلاة الغداة، وأيهما نوى أجزأ. زاد مسلم: متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه.
(ليقتلوهم) في حال الصلاة (فأخذهم رسول الله ﷺ سلمًا) قال النووي (١): سِلْمًا ضبطوه بوجهين، أحدهما: بفتح السين واللام، والثاني: بإسكان اللام مع كسر السين وفتحها.
قال الحميدي (٢): ومعناه: الصلح.
قال القاضي عياض (٣): هكذا ضبطه الأكثرون. والرواية الأولى أظهر، ومعناها: أسرهم وأخذهم أسرى.
وجزم الخطابي (٤) بفتح السين واللام.
قال: والمراد به الاستسلام والإذعان، كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ (٥) أي: الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع.
قال ابن الأثير (٦): هذا هو الأشبه بالقضية؛ فإنهم لم يؤخذوا صلحًا، وإنما أخذوا قهرًا وسلموا أنفسهم عجزًا.
(فأعتقهم رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾) بما ألقى في قلوبهم من الرعب، فأجبنهم عن مقاتلة المؤمنين (﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾) بأن أوقع في قلوبكم ترك القتل؛ فذكر الله منته على الفريقين حين لم يقتتلا حتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم
стр. 7411
من الفتح (﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾) قال أبو علي: هو المكان الذي يسمى الحديبية الذي كان نزله رسول الله ﷺ (إلى آخر الآية) ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
[٢٦٨٩] (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس) الذهلي (قال: حدثنا عبد الرزاق) بن همام (قال: أخبرنا معمر) بن راشد البصري (عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعِم، عن أبيه) جبير بن مطعِم بن عدي بن نوفل القرشي.
(أن النبي ﷺ قال لأُسارى بدر) من المشركين حين أسرهم، يحتمل أن يكون التقدير: قال عن أسارى بدر (لو كان مطعم بن عدي) بن نوفل ابن عبد مناف، وهو أبو جبير بن مطعم ﵁.
(حيًّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى) بفتح النون، وإسكان التاء، جمع النتن بكسر المثناة، كزمنى جمع زمن، بوزن فعلى، جمع كثرة لما دل على هلك أو توجع أو ما في معناه كقتيل وقتلى، وأسير وأسرى، ومريض ومرضى، والنتن كل شيء يستقبح من الريح وغيره، سماهم نتنى لكفرهم.
(لأطلقتهم له) قال سفيان: كانت له عند النبي ﷺ يد، وكان مطعم معظمًا في قريش، وهو الذي قام بنقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب. قال الخطابي (١): فيه دليل على جواز إطلاق الأسير والمن عليه من غير فداء، كما بوب عليه أبو داود.
بَرْذَعَةً لي. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمّا ما كانَ لي وَلبَني عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ". فَقالَ: أَمّا إِذْ بَلَغَتْ ما أَرى فَلا أَرَبَ لي فِيها. وَنَبَذَها (١).
* * *
باب فداء الأسير بالمال
[٢٦٩٠] (حدثنا: أحمد بن محمد بن حنبل) الشيباني (قال: ثنا أبو نوح، قال: أخبرنا: عكرمة بن عمار، قال: ثنا سِمَاك الحنفي، قال: ثنا ابن عباس ﵄، قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر) الكبرى (فأخذ -يعني: النبي ﷺ الفِداء) بكسر الفاء مع المد وفتحها مع القصر، وهو ما يعطى في فكاك الأسير بعد ما] (٢) استشارهم في أمرهم واختار ما قال أبو بكر (٣) أن يؤخذ منهم الفداء فيكون ما أخذ منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا، ففاداهم بالمال والأسرى فادى رجلًا برجلين فـ (أنزل الله: ﴿مَا كَانَ﴾) ينبغي (﴿لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾) أي: يحبس كافرًا يقدر عليه من عبدة الأوثان للفداء أو للمن (﴿حَتَّى يُثْخِنَ﴾) أي: يبالغ في قتل أعدائه حتى يغلب على كثير ممن (﴿فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ وهو الفداء ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يعني: الجنة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: أن الغنائم حلال
стр. 7415
لك ولأمتك ([إلى قوله] (١): ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾) أي (من الفداء) ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قال الحسن (٢): أخذوا الفداء قبل أن يؤمروا به، فعاب الله عليهم ذلك (ثم أحل) الله (لهم الغنائم) بقوله بعده: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.
(قال أبو داود: سمعت) الإمام (أحمد بن) محمد بن (حنبل) حين (سئل عن اسم أبي نوح) شيخ أحمد (فقال: أيش) أي: أي شيء (تصنع باسمه؟ ! ) فيه دليل على أن معرفة ما أبهم من الكنى والألقاب إذا عرف بالكنية أو اللقب ليس فيه كبير فائدة، بل هو مما ينفع علمه ولا يضر جهله.
(اسمه اسم شنيع) والشنيع لا يسمى به (٣) إلا لحاجة، وهو معروف بالكنية فلا يسمى به.
(قال أبو داود: [اسم أبي داود]) (٤) أي: الاسم الذي استشنعه هو (قُرَاد) بضم القاف، وتخفيف الراء كالحيوان المعروف الكثير الفساد، قيل: إنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها ليتعلق بها فيؤذيها ويؤذي راكبها وربما قتلها، ولهذا ضرب به المثل في قوة السماع فيقال: أسمع من قراد.
стр. 7416
(والصحيح) أن اسمه (عبد الرحمن بن غزوان) بفتح الغين وإسكان الزاي المعجمتين.
[٢٦٩١] (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي) بياء مثناة من تحت، وشين معجمة، نسبة إلى بني عائش بن مالك، شيخ البخاري (حدثنا سفيان بن حبيب) البصري (عن أبي العَنْبس) بفتح العين المهملة، وإسكان النون، ثم باء موحدة، وسين مهملة، قيل: اسمه: عبد الله بن مروان الكوفي.
(عن أبي الشعثاء) جابر بن زيد (عن ابن عباس، أن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية) من أسرى المشركين (يوم) غزوة (بدر) كل رجل (أربعمائة) وروى الإمام أحمد (١) عن ابن عباس: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة.
وفيه دليل على أخذ الفداء بالمال، وهذا في الرجال الأحرار البالغين العقلاء الذين كفرهم أصلي، أما المرتد فيطالبه الإمام بالإسلام أو السيف ولا يقبل منه المال، وقد يكون الأصلح الفداء بالمال كالرجل الضعيف الذي له مال كثير، ففداؤه بمال كثير أصلح.
[٢٦٩٢] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة) بفتح اللام، ابن عبد الله الباهلي.
(عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن يحيى بن عباد) بفتح
стр. 7417
المهملة، وتشديد الموحدة.
(عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة) إلى النبي ﷺ (في فداء أسراهم) بفتح الهمزة والقصر، وأسرائهم بضم الهمزة والمد لغتان قرئ بهما في السبع (١) (بعثت زينب) بنت رسول الله (في فداء أبي العاص) لقيط، وقيل: هشيم بن الربيع بن عبد العزى بن [عبد] (٢) شمس بن عبد مناف، ابن خالة زينب فإن أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها. -قال الدارقطني: فخديجة خالته- ختن رسول الله ﷺ حين أصيب في الأسرى يوم بدر فكان بالمدينة عند رسول الله، وكان الإسلام قد فرق بينهما -حين أسلمت- وبين أبي العاص (بمال، وبعثت فيه بقلادة لها) فيه جواز لبس المرأة القلادة والعنبر والسوار ونحو ذلك من أنواع الحلي، وجواز تصرف المرأة في مالها إذا كانت بالغة بغير إذن وليها (كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص) حين بنى عليها، فيه إيثار المرأة بنتها عند زواجها ببعض قماشها وحليها (قالت: فلما رآها رسول الله) عرفها و (رق لها رقة شديدة) لأنه كان رقيق القلب على الأجانب، فكيف على ابنته؟ .
(وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها) الذي استجار بها، فيه جواز المن على الأسير بغير مال إفداءً بأسير أو عوض، واستشارة القوم في تخلية سبيله (وتردوا عليها الذي لها) وعليه ماله الذي قد أصبتم له،
стр. 7418
وأنا أرى أن تحسنوا له وتردوه عليه (١)، وإن أبيتم فأنتم أحق به (قالوا: نعم) يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص وردوا عليها الذي لها إكرامًّا لرسول الله ﷺ (وكان رسول الله) قد (أخذ عليه) العهد (أو وعده) شك من الراوي (أن يخلي سبيل زينب إليه) لإسلامها، وصرح الدولابي أنه كان مغلوبًا بمكة لا يقدر أن يفسخ نكاحها منه (٢).
قال ابن هشام (٣): أو كان فيما شرط عليه تخلية سبيلها في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله فيعلم ما هو -يعني: من هذِه الأقسام التي تقدمت في أمر فراقه لها- هل هو عهد أو وعد أو شرط؟ إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخُلي سبيله.
(وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة) وناوله خاتمه معه (ورجلًا من الأنصار) مكانه ليحضر معه (فقال: كونا ببطن يَأْجَج) بياء مثناة تحت وهمزة ساكنة ثم جيم مكررة أولاهما مفتوحة، قال البكري: وقد تكسر.
قال أبو عبيد (٤): هو وادٍ من مطلع الشمس إلى مكة قريب منها، ويوم يأجج يوم الرقم كانت فيه وقعة لغطفان على عامر (حتى تمرَّ بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها) فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو نحوه، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرج بها ليلًا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها على رسول
стр. 7419
الله (١) فرد عليه رسول الله زينب على النكاح الأول لم يجد شيئًا.
وخرج الدارقطني أنه رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد (٢).
[٢٦٩٣] (حدثنا أحمد) بن سعد بن الحكم (بن أبي مريم، حدثنا عمي يعني: سعيد بن الحكم) بن أبي مريم (أنبأنا الليث) بن سعد [(عن عقيل) بن خالد، مصغر (عن) محمد (ابن شهاب) الزهري.
(وذكر) ابن شهاب أن (عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه: أن رسول الله ﷺ قال حين جاءه وفد) جمع وافد كزور جمع زائر، وهم القوم يأتون الملوك ركبانًا، وكانوا أربعة عشر رجلًا (هوازن) بفتح الهاء وخفة الواو وكسر الزاي قبيلة من قيس (مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم) ويمن عليهم بالسبي.
(فقال لهم رسول الله ﷺ : ) إن (معي) أظن تقديره: معي من السبي (مَن ترون، وأَحبُّ الحديث إليَّ أصدقُه) فيه إشارة إلى طلب الصدق منهم.
(فاختاروا) الطائفة من السبي قطعة منه (إما) أن نرد إليكم (السبي) وهم الأبناء والنساء.
(وإما) أن نرد (المال) زاد البخاري في رواية في باب: من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية، فقال: وكان النبي
стр. 7420
- ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن النبي ﷺ غير راذ إليهم إلا إحدى الطائفتين (١).
(فقالوا: ) فإنا (نختار) أن نأخذ (سَبْينا) زاد ابن هشام (٢): ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا. فقال: "أما مالي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس" (فقام رسول الله ﷺ ) فقال: "إذا صليت الصلاة فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله ﷺ أن يرد علينا سبينا". فلمَّا صلى القوم قالوا ذلك في الناس (فأثنى على الله تعالى)، زاد البخاري: بما هو أهله.
فيه دليل على أنه يستحب لكل خطيب ومدرس وواعظ ومتكلم أن يبتدئ بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ (ثم قال: أما بعد) حمد الله والثناء عليه. فيه دليل على استحباب أما بعد، بعد الحمد والصلاة في الخطبة وغيرها.
(فإن إخوانكم هؤلاء) لما أسلموا صاروا إخوانًا لهم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وفيه نوع استعطاف عليهم؛ لأنهم صاروا إخوانهم في الإيمان. (جاؤوا تائبين) أي: مسلمين كما في أول الحديث، والإسلام يهدم ما قبله (وإني قد رأيت) من المصلحة.
(أن أردَّ إليهم سَبْيهم) الذي حصل لي هبةً لهم مني؛ لأنهم لم يسلموا إلا بعد أن وقعوا في الأسر، ولو أسلموا قبل الأسر لأحرزوا أموالهم وأولادهم دون هبة.
стр. 7421
وفيه من الفقه أن من جاء وأسلم بعد ما غنم ماله لا يجب رد ماله عليه، بل يملكه الغانمون، ويجوز تصرف الغانم فيه بعد القسمة بالهبة والبيع والوطء وغير ذلك.
(فمن أحب منكم) المحبة أعلى من الإرادة (أن يطيب) بفتح أوله؛ لأن ماضيه طابت نفسه وهو ثلاثي، وبضم أوله وسكون الباء؛ لأن ماضيه أطاب وهو رباعي، وبضم أوله وتشديد الياء من قولهم: طيبت به نفسًا، أي: طابت به نفسي من غير أن يكرهني أحد على (ذلك فليفعل) وهو في معنى الشفاعة لهم (ومن أحب منكم أن يكون على حظه) أي: نصيبه من المغنم.
قال ابن إسحاق: ومن أبي فليرد عليهم وليكن ذلك فرضًا علينا ست فرائض (حتى نعطيه إياه) عوضه (من أول ما يُفيءُ) بضم أوله وكسر ثانيه (الله) أي: يرجع علينا ويعطينا من مال الكفار من خراج أو غنيمة أو غير ذلك (علينا) أي: بنو سليم (فليفعل) فيه جواز تقديم لفظ القبول على لفظ الإيجاب في القرض والبيع ونحو ذلك (فقال الناس) أي: بنو سليم وغيرهم (قد طيَّبْنا) بفتح أوله وتشديد الياء (ذلك لهم يا رسول الله) من قلوبنا، أي: طابت أنفسنا بذلك.
فيه دليل على أن هبة الجماعة للقوم أو الرجل للجماعة جائز كما بوب عليه البخاري؛ فإن الصحابة وهبوا لهوازن السبي وهو مشاع لم يقسموه، وهو حجة على أبي حنيفة (١) في منعه هبة المشاع، وقيل: إنما فعلوا ذلك بشفاعة النبي ﷺ ؛ فإنه وعد بالعوض لمن لم تطب
стр. 7422
نفسه بالهبة وكأنه هو الواهب إذا كان هو السبب.
(فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا لا ندري مَن أذِن منكم ممن لم يأذن) فيه أنه لابد من تعيين الواهب والمقرض والبائع ومعرفته، كما لا يصح بيع المجهول (فارجعوا حتى يَرفع إلينا عُرفاؤكم) جمع عريف، وهو الذي يعرف أمر القوم ويقوم بأمرهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فهو فعيل بمعنى فاعل، وفيه استحباب إقامة العرفاء على القوم فيقيم على كل قبيلة أو جماعة عريفًا يلي أمرهم، ويعرف الأمير أحوالهم (أمركم) ليعرف من أذن ممن لم يأذن (فرجع الناس) إلى رواحلهم (فكلمهم عرفاؤهم) في الإذن لهم أن يخبروا الإمام بأنهم طابت أنفسهم.
(فأخبروهم أنهم قد طيبوا) بفتح الطاء والياء المشددة كما تقدم، أي: طابت قلوبهم؛ فإن اللسان ترجمان القلب.
وفيه دليل على أن الهبة والقرض والبيع لا يصح بالمعاطاة، ولو كان حقيرًا ولا بد من الإيجاب والقبول الدال على ما في القلب.
قال البغوي (١): يستدل بهذا من يقبل إقرار الوكيل على الموكل؛ لأن العرفاء بمنزلة الوكلاء، وقد أطلق النبي ﷺ السبايا حين أخبره عرفاؤهم بأنهم طيبوا (وأذِنوا) من غير أن يرجع إلى الموكلين. وجوز أبو حنيفة (٢) إقرار الوكيل على الموكل في مجلس الحكم، ولم يجوزه الشافعي (٣).
стр. 7423
[٢٦٩٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدثنا حماد) ابن سلمة (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) محمد بن عبد الله (عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص، فالصحابي هو عبد الله بن عمرو وهو جد شعيب، قال البخاري (١): رأيت أحمد بن حنبل وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
قال ابن الصلاح (٢): احتج أكثر أهل الحديث بحديثه حملًا لمطلق الجد على الصحابي عبد الله بن عمرو دون أبيه محمد.
وقال أبو داود فيما رواه أبو عبيد الآجري عنه: قيل له: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة (٣).
وقال ابن عدي (٤): روايته مرسلة؛ لأن جده محمدًا (٥) لا صحبة له. والصحيح الأول؛ لأنه صح سماع شعيب من عبد الله بن عمرو كما صرح به البخاري في "تاريخه".
وفي المسألة قول ثالث (في هذِه القصة) المذكورة.
(قال: فقال رسول الله ﷺ : رُدُّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن مَسَّك) بتشديد السين، يريد: أمسك، يقال: مسكت الشيء وأمسكت
стр. 7424
بمعنى، كما أن نزلت وأنزلت بمعنى.
قال الخطابي: وفي الكلام إضمار الرد كأنه قال: من أصاب شيئًا (١) (بشيء من هذا الفيء) فأمسكه ثم رده إليهم (فإن له به علينا به) أي: بكل فريضة يردها عليهم، أي: بسببه عوضا عنه (ست فرائضَ) جمع فريضة وهي الناقة الكبيرة، وهي الفارض، قال الله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ وقد فرضت الناقة فهي فارض وفارضة وفريضة إذا كبرت وأسنت، وتكون هذِه الفرائض فرضًا علينا نقوم به.
وفيه دليل على جواز بيع الرقيق بالحيوان من الإبل وغيرها متفاضلًا. وقد صحح الترمذي النهي (٢) عن بيع الحيوان بالحيوان (٣).
ويجمع بينهما أن النهي لا يرد ريعه إلى النسبة في الربويات متفاضلًا، وهنا جوز لمصلحة المسلمين وحاجتهم إلى تجهيز الجيش، ومصلحة تجهيز الجيش أرجح من مفسدة بيع الحيوان، ونظير هذا لبس الحرير للحرب.
(من أول شيء يُفيئه) بضم أوله أيضًا (الله تعالى علينا، ثم دنا) أي: قرب (يعني: النبي ﷺ من بعير) من تلك الأبعرة (فأخذ وَبَرَة) بفتح الباء وهي الواحدة من شعر الإبل تحقيرًا لأمرها (من سنامه) جمعه أسنمة.
(ثم قال: يا أيها الناس) يعني: المؤمنين (إنه ليس لي من هذا الفيء) الحاصل (شيء، ولا هذا) الذي بين إصبعي (ورفع إصبعيه) بالوبرة (إلا
стр. 7425
الخُمُسَ) يعني: خمس الخمس المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وذكر الله للافتتاح به، فإن الأشياء كلها لله تعالى، وكان الخمس له في حياته يصنع فيه ما شاء (والخُمُسُ) الذي لي (مردود عليكم) استدل بعض أهل العلم بهذا على أن سهم النبي ﷺ ساقط بعد موته ومردود على شركائه المردودين معه، كما أن كل صنف فقد مستحقه من الأصناف الثمانية يجب صرفه إلى الباقين، ومذهب الشافعي (١) أن الخمس بعده لمصالح المسلمين كالثغور والقضاة والعلماء يقدم الأهم فالأهم، واستدل به من أنكر كون الصفي للنبي ﷺ .
(فأدوا الخِياط) بكسر الخاء وتخفيف الياء يعني: الخيط الذي يسلك به في سم الإبرة (والمِخْيَط) بكسر الميم: الإبرة التي يخاط بها، قال الزمخشري (٢): قرأ عبد الله ﴿في سم المخيط﴾ والخياط والمخيط كالخرام والمخرم. وهذا ضرب مثل، والمراد به المبالغة في القلة كما ضرب الله سم الإبرة وهو ثقبها مثلًا لضيق المسلك. وفيه دليل على أن جميع ما يغنم يقسم قليله -ولو خيطًا- بين من شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستأثر بشيء منه إلا الطعام الذي وردت فيه الرخصة.
وقال مالك (٣): إذا كان شيئًا خفيفًا فلا أرى به بأسًا يرتفق به آخذه دون أصحابه، والحديث حجة عليه.