← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

وفيه من الفقه أن من جاء وأسلم بعد ما غنم ماله لا يجب رد ماله عليه، بل يملكه الغانمون، ويجوز تصرف الغانم فيه بعد القسمة بالهبة والبيع والوطء وغير ذلك. (فمن أحب منكم) المحبة أعلى من الإرادة (أن يطيب) بفتح أوله؛ لأن ماضيه طابت نفسه وهو ثلاثي، وبضم أوله وسكون الباء؛ لأن ماضيه أطاب وهو رباعي، وبضم أوله وتشديد الياء من قولهم: طيبت به نفسًا، أي: طابت به نفسي من غير أن يكرهني أحد على (ذلك فليفعل) وهو في معنى الشفاعة لهم (ومن أحب منكم أن يكون على حظه) أي: نصيبه من المغنم. قال ابن إسحاق: ومن أبي فليرد عليهم وليكن ذلك فرضًا علينا ست فرائض (حتى نعطيه إياه) عوضه (من أول ما يُفيءُ) بضم أوله وكسر ثانيه (الله) أي: يرجع علينا ويعطينا من مال الكفار من خراج أو غنيمة أو غير ذلك (علينا) أي: بنو سليم (فليفعل) فيه جواز تقديم لفظ القبول على لفظ الإيجاب في القرض والبيع ونحو ذلك (فقال الناس) أي: بنو سليم وغيرهم (قد طيَّبْنا) بفتح أوله وتشديد الياء (ذلك لهم يا رسول الله) من قلوبنا، أي: طابت أنفسنا بذلك. فيه دليل على أن هبة الجماعة للقوم أو الرجل للجماعة جائز كما بوب عليه البخاري؛ فإن الصحابة وهبوا لهوازن السبي وهو مشاع لم يقسموه، وهو حجة على أبي حنيفة (١) في منعه هبة المشاع، وقيل: إنما فعلوا ذلك بشفاعة النبي ﷺ ؛ فإنه وعد بالعوض لمن لم تطب

стр. 7422

نفسه بالهبة وكأنه هو الواهب إذا كان هو السبب. (فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا لا ندري مَن أذِن منكم ممن لم يأذن) فيه أنه لابد من تعيين الواهب والمقرض والبائع ومعرفته، كما لا يصح بيع المجهول (فارجعوا حتى يَرفع إلينا عُرفاؤكم) جمع عريف، وهو الذي يعرف أمر القوم ويقوم بأمرهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فهو فعيل بمعنى فاعل، وفيه استحباب إقامة العرفاء على القوم فيقيم على كل قبيلة أو جماعة عريفًا يلي أمرهم، ويعرف الأمير أحوالهم (أمركم) ليعرف من أذن ممن لم يأذن (فرجع الناس) إلى رواحلهم (فكلمهم عرفاؤهم) في الإذن لهم أن يخبروا الإمام بأنهم طابت أنفسهم. (فأخبروهم أنهم قد طيبوا) بفتح الطاء والياء المشددة كما تقدم، أي: طابت قلوبهم؛ فإن اللسان ترجمان القلب. وفيه دليل على أن الهبة والقرض والبيع لا يصح بالمعاطاة، ولو كان حقيرًا ولا بد من الإيجاب والقبول الدال على ما في القلب. قال البغوي (١): يستدل بهذا من يقبل إقرار الوكيل على الموكل؛ لأن العرفاء بمنزلة الوكلاء، وقد أطلق النبي ﷺ السبايا حين أخبره عرفاؤهم بأنهم طيبوا (وأذِنوا) من غير أن يرجع إلى الموكلين. وجوز أبو حنيفة (٢) إقرار الوكيل على الموكل في مجلس الحكم، ولم يجوزه الشافعي (٣).

стр. 7423

[٢٦٩٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدثنا حماد) ابن سلمة (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) محمد بن عبد الله (عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص، فالصحابي هو عبد الله بن عمرو وهو جد شعيب، قال البخاري (١): رأيت أحمد بن حنبل وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. قال ابن الصلاح (٢): احتج أكثر أهل الحديث بحديثه حملًا لمطلق الجد على الصحابي عبد الله بن عمرو دون أبيه محمد. وقال أبو داود فيما رواه أبو عبيد الآجري عنه: قيل له: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة (٣). وقال ابن عدي (٤): روايته مرسلة؛ لأن جده محمدًا (٥) لا صحبة له. والصحيح الأول؛ لأنه صح سماع شعيب من عبد الله بن عمرو كما صرح به البخاري في "تاريخه". وفي المسألة قول ثالث (في هذِه القصة) المذكورة. (قال: فقال رسول الله ﷺ : رُدُّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن مَسَّك) بتشديد السين، يريد: أمسك، يقال: مسكت الشيء وأمسكت

стр. 7424

بمعنى، كما أن نزلت وأنزلت بمعنى. قال الخطابي: وفي الكلام إضمار الرد كأنه قال: من أصاب شيئًا (١) (بشيء من هذا الفيء) فأمسكه ثم رده إليهم (فإن له به علينا به) أي: بكل فريضة يردها عليهم، أي: بسببه عوضا عنه (ست فرائضَ) جمع فريضة وهي الناقة الكبيرة، وهي الفارض، قال الله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ وقد فرضت الناقة فهي فارض وفارضة وفريضة إذا كبرت وأسنت، وتكون هذِه الفرائض فرضًا علينا نقوم به. وفيه دليل على جواز بيع الرقيق بالحيوان من الإبل وغيرها متفاضلًا. وقد صحح الترمذي النهي (٢) عن بيع الحيوان بالحيوان (٣). ويجمع بينهما أن النهي لا يرد ريعه إلى النسبة في الربويات متفاضلًا، وهنا جوز لمصلحة المسلمين وحاجتهم إلى تجهيز الجيش، ومصلحة تجهيز الجيش أرجح من مفسدة بيع الحيوان، ونظير هذا لبس الحرير للحرب. (من أول شيء يُفيئه) بضم أوله أيضًا (الله تعالى علينا، ثم دنا) أي: قرب (يعني: النبي ﷺ من بعير) من تلك الأبعرة (فأخذ وَبَرَة) بفتح الباء وهي الواحدة من شعر الإبل تحقيرًا لأمرها (من سنامه) جمعه أسنمة. (ثم قال: يا أيها الناس) يعني: المؤمنين (إنه ليس لي من هذا الفيء) الحاصل (شيء، ولا هذا) الذي بين إصبعي (ورفع إصبعيه) بالوبرة (إلا

стр. 7425

الخُمُسَ) يعني: خمس الخمس المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وذكر الله للافتتاح به، فإن الأشياء كلها لله تعالى، وكان الخمس له في حياته يصنع فيه ما شاء (والخُمُسُ) الذي لي (مردود عليكم) استدل بعض أهل العلم بهذا على أن سهم النبي ﷺ ساقط بعد موته ومردود على شركائه المردودين معه، كما أن كل صنف فقد مستحقه من الأصناف الثمانية يجب صرفه إلى الباقين، ومذهب الشافعي (١) أن الخمس بعده لمصالح المسلمين كالثغور والقضاة والعلماء يقدم الأهم فالأهم، واستدل به من أنكر كون الصفي للنبي ﷺ . (فأدوا الخِياط) بكسر الخاء وتخفيف الياء يعني: الخيط الذي يسلك به في سم الإبرة (والمِخْيَط) بكسر الميم: الإبرة التي يخاط بها، قال الزمخشري (٢): قرأ عبد الله ﴿في سم المخيط﴾ والخياط والمخيط كالخرام والمخرم. وهذا ضرب مثل، والمراد به المبالغة في القلة كما ضرب الله سم الإبرة وهو ثقبها مثلًا لضيق المسلك. وفيه دليل على أن جميع ما يغنم يقسم قليله -ولو خيطًا- بين من شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستأثر بشيء منه إلا الطعام الذي وردت فيه الرخصة. وقال مالك (٣): إذا كان شيئًا خفيفًا فلا أرى به بأسًا يرتفق به آخذه دون أصحابه، والحديث حجة عليه.

стр. 7426

(فقام رجل في يده كُبَّة) بضم الكاف وتشديد الباء الموحدة، وهو ما يكبب (من شعر) مغزول، وقد يكون من وبر أو صوف، تقول: كببت الغزل إذا جعلته كببًا (فقال: أخذت هذِه) من الغنيمة (لأصُلح بها بَرذعة لي) بفتح الباء قال ابن سيده: وأخطأ من كسرها؛ لأنه اسم آلة، وإنما تكسر الآلة إذا كان أولها ميمًا وفتح الذال المعجمة، وحكى الأزهري (١) عن بعضهم إهمالها: وهو الحلس المحشو الذي تحت القتب، ويكون للبغل والحمار (فقال رسول الله ﷺ : أمّا ما) كان (لي ولبني المطلب) أي: وبني هاشم فإنهما شيء واحد (فهو لك) أي: لآخذ الكبة، وفي حديث آخر: "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" (٢). واختلفوا في هذا العطاء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس؟ فقال الشافعي (٣) ومالك (٤): هو من خمس الخمس وهو سهمه الذي جعله الله له من خمس الخمس؛ لأن النبي ﷺ لم يستأذن الغانمين في هذِه العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة لاستأذنهم؛ لأنهم ملكوها بالاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس؛ لأنه مقسوم على خمسة فهو أقل من خمس الخمس، ونص أحمد بن حنبل (٥) على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من

стр. 7427

النفل، نفل النبي ﷺ به رؤوس القبائل والعشائر، ليتألفهم به وأتباعهم على الإسلام، تقوية للإسلام وشوكته، واستجلاب عدوه إليهم. (فقال: أمّا إذْ بَلَغتْ) بفتح المعجمة هذِه الكبة من الشعر (ما أرى) أي: ما أراه من عظم شأنها (فلا أرَبَ) أي: لا حاجة ([لي فيها] (١) ونَبَذها) أي: طرحها من يده.

стр. 7428

١٣٢ - باب في الإِمامِ يُقِيمُ عنْدَ الظُّهُورِ عَلَى العَدُوِّ بِعرْصَتِهمْ ٢٦٩٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ، ح، وَحَدَّثَنا هارُونُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبي طَلْحَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا غَلَبَ عَلَى قَوْمٍ أَقامَ بِالعَرْصَةِ ثَلاثًا. قالَ ابن المُثَنَّى: إِذا غَلَبَ قَوْمًا أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاثًا. قالَ أَبُو داوُدَ: كانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَطْعَن في هذا الحَدِيثِ، لأَنَّهُ ليْسَ مِنْ قَدِيمِ حَدِيثِ سَعِيدٍ لأَنَّهُ تَغيَّرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُخْرِجْ هذا الحَدِيثَ إِلَّا بِأَخَرَةٍ. قالَ أَبُو داوُدَ: يُقال إِنَّ وَكِيعًا حَمَلَ عَنْهُ في تَغيُّرِهِ (١). * * * باب الإمام يقيم (٢) عند الظهور على العدو بعَرْصتهم [٢٦٩٥] (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن معاذ) بن نصر بن حسان (ح وحدثنا هارون بن عبد الله) الحمال بالمهملة (حدثنا رَوْح) بفتح الراء، ابن عبادة بن العلاء القيسي (قالا: حدثنا سعيد) بن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة بكسر الدال (عن أنس) بن مالك (عن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري. (قال: كان رسول الله ﷺ إذا غلب على قوم) رواية البخاري (٣): إذا ظهر على قوم. وهو بمعنى: غلب (أقام بالعَرْصة) وهي كل بقعة بين (٤)

стр. 7429

الدور واسعة ليس فيها بناء، ولفظ الترمذي (١): أقام بعرصتهم. وفي رواية لأحمد (٢): لما فرغ من أهل بدر أقام بالعرصة. فيه دليل على استحباب الإقامة في مواضع النصر، وليريح الظهر والأنفس، وهذا إذا كان في أمن من عدو طارق (ثلاثًا) رواية البخاري: ثلاث ليالٍ (قال) محمد (بن المثنى: إذا غلب) يعني: الإمام (قومًا أحب أن يقيم بعرصتهم ثلاثًا) وإنما قصد الثلاث لأنه أكثر راحة المسافر، ولأن النبي ﷺ رخص للمهاجر أن يقيم بعد نسكه ثلاثًا، أي: غير يوم الدخول والخروج؛ لأنه مشتغل بعلق السفر. ورخص للمسافر إذا نوى الإقامة ثلاثة أيام أن يقصر الصلاة؛ لأن الثلاثة في حكم السفر، فإن نوى إقامة أربعة أيام أتم الصلاة.

стр. 7430

١٣٣ - باب في التَّفْريقِ بينَ السَّبْى ٢٦١٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْن حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ميْمُونِ بْنِ أَبي شَبِيبٍ، عَنْ عَليٍّ أَنَّهُ فَرَّقَ بيْنَ جارِيَةٍ وَوَلَدِها فَنَهاهُ النَّبي ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَرَدَّ البيْعَ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَميْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيّا قُتِلَ بِالجَماجِمِ والجَماجِمُ سَنَةُ ثَلاثٍ وَثَمانِينَ. قالَ أَبُو داوُدَ: والَحرَّةُ سَنَةُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ وَقُتِلَ ابن الزُّبيْرِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ (١). * * * باب التفريق بين السبي [٢٦٩٦] [(حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن منصور) السلولي (حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن) الدمشقي (عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي ﵁: أنه فرَّق بين جارية وولدها) أي: الطفل من السبي لما فيه من الإضرار وإن رضيت الأم؛ لأنها قد ترضى بما فيه ضررها لغرض حاصل عند التفريق ثم يتغير قلبها فتندم (فنهاه النبي ﷺ عن ذلك) للضرر، وفي معنى الأم الوالد، فلا يجوز التفريق بينه وبين ولده؛ لأنه أحد الأبوين، فأشبه الأم. وقال مالك (٢) والليث (٣) وبعض أصحاب أحمد: يجوز؛ لأنه ليس

стр. 7431

من أهل الحضانة بنفسه، ولأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن الأم أشفق عليه (١). ورد عليه بأنا لا نسلم أنه ليس من أهل الحضانة، بل يحضن في صور. (وردَّ البيع) الذي يؤدي إلى التفريق بينهما. وقال أبو حنيفة (٢): يصح البيع؛ لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه فأشبه النهي عنه النهي عن البيع وقت النداء. وهذا الحديث حجة عليه، وما ذكره لا يصح؛ لأنه نهى عنه لما يلحق المبيع من الضرر، فهو لمعنى فيه، وتفاريعه كتب الفقه. وفي الحديث دليل لمن قال: يحرم التفريق بين الولد ووالدته بعد التمييز؛ لأنه يسمى ولذا كما روي عن أحمد أنه يجوز التفريق بينهما إذا بلغ الولد، وهو قول سعيد بن عبد العزيز وأصحاب الرأي لعموم الحديث (٣). (قال المصنف: وميمون) بن أبي شبيب (٤) (لم يدرك عليًّا) قال أبو حاتم: رواية ميمون عن علي مرسلة، وميمون قيل (قتل بالجماجم) أي: بوقعة دير الجماجم بين الحجاج وعبد الرحمن (٥) بن الأشعث.

стр. 7432

قال أبو عبيدة: سمي دير الجماجم لأنه كان يعمل فيه الجماجم، وهي أقداح من خشب (١). (و) وقعة دير (الجماجم سنة ثلاث وثمانين). وقال ابن الجوزي: سنة اثنتين وثمانين، وكان ابن الأشعث قد دعا إلى خلع الحجاج فيها (٢). (قال أبو داود) فيه: (والحرة سنة ثلاث وستين) أيام يزيد، وكانت بظاهر المدينة (وقتل) عبد الله (بن الزبير سنة ثلاث وسبعين) وفيها قتل عبد الله بن عمر، وخلق كثير من الصحابة ﵃. * * *

стр. 7433

١٣٤ - باب الرخْصَة في المُدْرِكِينَ يُفَرَّقُ بيْنَهُمْ ٢٦٩٧ - حَدَّثَنا هارُون بْنُ عَبْدِ اللهِ، قالَ: حَدَّثَنا هاشِم بْن القاسِمِ، قالَ: حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ، قالَ: حَدَّثني إِياسُ بْن سَلَمَةَ، قالَ: حَدَّثَني أَبي قالَ: خَرَجْنا مَعَ أَبي بَكْرٍ وَأَمَّرَهُ عَليْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَغَزَوْنا فَزارَةَ فَشَنَنّا الغارَةَ ثمَّ نَظَرْتُ إِلى عُنُقٍ مِنَ النّاسِ فِيهِ الذُّرِّيَّةُ والنِّساء فَرَميْتُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ بيْنَهُمْ وَبيْنَ الجَبَلِ فَقامُوا فَجِئْتُ بِهِمْ إِلى أَبي بَكْرٍ فِيهِمُ امْرَأة مِنْ فَزارَةَ وَعَليْها قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ مَعَها بِنْتٌ لَها مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ فَنَفَّلَني أَبو بَكْرٍ ابنتَها فَقَدِمْت المَدِينَةَ فَلَقِيَني رَسولُ اللهِ ﷺ فَقالَ لي: "يا سَلَمَةُ هَبْ ليَ المَرْأَةَ". فَقُلْت: والله لَقَدْ أَعْجَبَتْني وَما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا. فَسَكَتَ حَتَّى إِذا كانَ مِنَ الغَدِ لَقِيَني رَسُول اللهِ ﷺ في السّوقِ فَقالَ: "يا سَلَمَةُ هَبْ ليَ المَرْأَةَ لله أَبُوكَ". فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ والله ما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا وَهيَ لَكَ. فَبَعَثَ بِها إِلى أَهْلِ مَكَّةَ وَفي أيْدِيهمْ أَسْرى فَفاداهُمْ بِتِلْكَ المَرْأَةِ (١). * * * باب الرخصة في المدركات يفرق بينهن أي: المدركات إذا بلغن يفرق بينهن وبين أمهاتهن. [٢٦٩٧] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان (٢) (قال: حدثنا هاشم ابن القاسم) الخراساني (قال: حدثنا عكرمة) بن عمار (قال: حدثني إياس ابن سلمة، قال: حدثني أبي) يعني: سلمة بن الأكوع (قال: خرجنا مع أبي بكر) الصديق (وأمَّره) بتشديد الميم، جعله أميرًا (علينا رسول الله ﷺ ، فغزونا فزارة) بفتح الفاء أبو حي من غطفان (فَشَنَنَّا) بالشين المعجمة

стр. 7434

(الغارة) شن الغارة، أي: فرقها وأرسلها، كما تقدم. (ثم نظرت إلى عُنُق) بضم العين والنون، أي: جماعة من الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (١) أي: جماعاتهم، وقيل: كبراؤهم ورؤساؤهم (من الناس فيه الذرية) يعني: الصبيان (والنساء) زاد في مسلم (٢): فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل (فرميت) إليهم (بسهم، فوقع بينهم وبين الجبل) فلما رأوا السهم (فقاموا، فجئت بهم) أسوقهم (إلى أبي بكر) فيه أن من أخذ شيئًا من الغنيمة يأتي به إلى أمير القوم و (فيهم امرأة من فزارة) و (عليها قِشْع) بقاف وشين معجمة ساكنة ثم عين مهملة، وفي القاف لغتان: فتحها وكسرها، قال النووي (٣): لغتان مشهورتان. (من أَدَم) أي: قطعة من جلد قد لبسته؛ سمي بذلك لأنه يقشع، أي: يؤخذ قشره (معها بنت لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر ابنتها) أي: أعطانيها نافلة، أي: زيادة من الخمس على سهمه من الغنيمة لما رأى من نجدته وعنائه. فيه جواز التنفيل، وقد يحتج به من يقول: النفل من أصل الغنيمة، وقد يجيب عنه الآخرون بأنه حسب قيمتها لبعض أهل الخمس عن حصتهم فيها. (فقدمت المدينة) وما كشفت لها ثوبًا (فلقيني رسول الله ﷺ ) في

стр. 7435

السوق كما في مسلم (فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة) فيه استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلماً، أو يصرفه في مصالح المسلمين، أو يتألف به من تأليفه مصلحة، كما فعل رسول الله ﷺ هنا وفي غنائم حنين. (فقلت: والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا) يعني: أنه توقف على الاستمتاع بها منتظرًا إسلامها، وكانت عادة الصحابة إذا سبوا المرأة لم يقربوها حتى تسلم وتطهر (فسكتَ، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق، فقال: يا سلمة هب لي المرأة) وفي بعض الروايات: هب لي ابنة المرأة التي نفلتها (لله أبوك) فيه جواز قول الإنسان للآخر: لله أبوك، ولله درك، ولله أبوك كلمة مدح تعتاد العرب الثّناء بها؛ فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بيت الله، وناقة الله، وقيل: فيه حذف تقديره: لله أبوك حيث أتى بمثلك. (فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفت لها ثوبًا) فيه استحباب الكناية عن الوقاع بما يفهم (وهي لك) فيه التفرقة بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا؛ فإن المرأة في قوله: (هب لي المرأة) هي البالغة لغةً وعرفًا، وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق في تحريم التفريق بين كون الولد كبيرًا بالغًا أو طفلًا (١). قال ابن قدامة: وهذِه إحدى الروايتين عن أحمد؛ لعموم الخبر المتقدم، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه

стр. 7436

الجهاد دون إذنهما (١). (فبعث) رسول الله ﷺ (بها إلى أهل مكة وفي أيديهم) أي: أيدي أهل مكة (أسرى) من المسلمين (ففاداهم بتلك المرأة) توضحه رواية مسلم: ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسراء بمكة. فيه جواز المفاداة. وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة (٢) حيث لم يجز للإمام المفاداة ولا الفداء بالأسير. وفيه دليل على جواز فداء الرجال بالنساء. * * *

стр. 7437

١٣٥ - باب في المالِ يصِيبهُ العدوُّ مِنَ المُسْلِمين ثُمّ يدْرِكه صاحِبُة في الغَنِيمَةِ ٢٦٩٨ - حَدَّثَنا صالِحُ بْنُ سُهيْلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى -يَعْني: ابن أَبي زائِدَةَ- عَنْ عبيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ غُلامًاً لابنِ عُمَرَ أَبَقَ إِلى العَدوِّ فَظَهَرَ عَليْهِ الُمسْلِمُونَ فَرَدَّة رَسول اللهِ ﷺ إِلى ابن عُمَرَ وَلَمْ يُقْسَمْ. قالَ أَبُو داوُدَ: وقالَ غيْرُه: رَدَّهُ عَليْهِ خالِدُ بْن الوَلِيدِ (١). ٢٦٩٩ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن سليْمانَ الأنباريُّ والحَسَن بْنُ عَليٍّ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا ابن نميْرٍ، عَنْ عُبيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَها العَدُوُّ فَظَهَرَ عَليْهِمُ المسْلِمُونَ فَردَّ عَليْهِ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَأَبَقَ عَبْد لَهُ فَلَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ فَظَهَرَ عَليْهِمُ المسلمون، فَرَدَّهُ عَليْهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بَعْدَ النَّبي ﷺ (٢). * * * باب المال يصيبه العدو من المسلمين ثم يدركه صاحبه في الغنيمة [٢٦٩٨] (حدثنا صالح بن سهيل) النَّخعيُّ (حدثنا يحيى) بن زكريا (يعني: ابن أبي زائدة، عن عبيد الله) العمري (عن نافع، عن ابن عمر أن غلامًا لابن عمر أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون) أي: استولوا عليه وحازوه حين غلبوا المشركين. (فرده رسول الله ﷺ إلى) مالكه عبد الله (ابن عمر) فيه حجة لمذهب

стр. 7438

الجمهور: أن العبد إذا أبق وذهب إلى الكفار أو الفرس أو أعار إليهم لا يملكونه (١)، وإذا استنقذه المسلمون من أيديهم وأخذوه منهم رد إلى مالكه، خلافًا للزهري (٢) في أنه لا يرد إلى مالكه وهو للجيش، وروي نحوه عن عمرو بن دينار (٣)؛ لأن الكفار ملكوه باستيلائهم عليه وصار غنيمة لهم كسائر أموالهم (و) هذا فيما (لم يُقْسَم) مبني لما لم يسم فاعله، أما إذا قسم فقد اختلفوا فيه، فقال الشافعي: يأخذه صاحبه ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح؛ لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحق أخذه بغير شيء، كما قبل القِسْمة، ويعطى من حسب عليه القيمة كما يفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة، وجعل من سهم المصالح؛ لأن هذا منها. وقال أبو حنيفة ومالك: صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من أخذه، يدفع إليه من ماله فهو بمنزلة مشتري الشقص للمشفوع. وقال عمر وعلي والليث وهو رواية عن أحمد: لا حق له فيه بحال. نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره؛ لأن عمر كتب إلى النواب (٤): أيُّما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعدما قسم فلا سبيل إليه (٥). رواه سعيد في

стр. 7439

"سننه" (١). [٢٦٩٩] (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري) وثقه الخطيب (والحسن ابن علي) الحلواني (المعنى قالا: حدثنا) عبد الله (ابن نمير (٢)، عن عبيد الله) مصغر (عن نافع، عن ابن عمر قال: ذهب فرس له فأخذها العدو فظهر عليهم المسلمون) أي: غلبوهم وعلوهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٣) أي: غالبين لهم، عالين عليهم، واستنقذوا الفرس منهم (فرده عليه) أي: على مالكها الأصلي سواء كان قبل القسمة أو بعدها، لكن إن كان قبل القسمة فيرد عليه بلا عوض، وإن كان بعدها عُوِّض من هي في يده من خمس الخمس جبرًا لحقه، ولا تنفسخ القسمة؛ لأن في نقضها مشقة. قال القاضي حسين: فإن لم يشق القسمة نقضت بلا تعويض، ولو كان الذي وقعت في يده هو مالكها الذي أخذ منه أقرت في يده، وعوض نصيبه من القسمة، وكان هذا الرد (في زمن رسول الله ﷺ ) أي: هذا الرد لم يكن باجتهاد من الصحابة، بل كان في زمن النبي ﷺ . قال الإمام فخر الدين في "المحصول": إذا قال الصحابي قولًا ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على أنه مسموع من النبي ﷺ تحسينًا للظن به (٤).

стр. 7440

(وأبق عبد له) الظاهر أن الضمير يعود على صاحب الفرس (فلحق بأرض الروم) وهم الفرنج، ويقال لهم: بنو الأصفر، وأصل الروم من ولد الروم بن عيصو بن إسحاق (١) (فظهر عليهم المسلمون) حين فتحوا البلاد (فرده عليه خالد بن الوليد) بن المغيرة، مات بحمص في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين (بعد النبي ﷺ ) اعتمادًا على ما رد له في زمن النبي ﷺ فإن حكمه حكمه. * * *

стр. 7441

١٣٦ - باب في عَبِيدِ المًشْركينَ يَلْحقُونَ بِالمُسْلِمِينَ فيسْلمُونَ ٢٧٠٠ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرّانيّ حَدَّثَني محَمَّدٌ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ- عَنْ محَمَّدِ بْنِ إِسْحاق، عَنْ أَبانَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ مَنْصورِ بْنِ المُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعيِّ بْنِ حِراشٍ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طالبِ قالَ: خَرَجَ عِبْدانٌ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ -يَعْني: يَوْمَ الحُديْبِيَةِ- قَبْلَ الصّلْحِ فَكَتَبَ إِليْهِ مَوالِيهِمْ فَقالُوا: يا محَمَّد والله ما خَرَجُوا إِليْكَ رَغْبَةً في دِينِكَ وِإنَّما خَرَجوا هَرَبًا مِنَ الرِّق فَقالَ ناسٌ: صَدَقُوا يا رَسولَ اللهِ رُدَّهمْ إِليْهِمْ. فَغَضِبَ رَسُول اللهِ ﷺ وقالَ: "ما أراكُمْ تَنْتَهُونَ يا مَعْشَرَ قُريْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ عَليْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقابَكُمْ عَلَى هذا". وَأَبَى أَنْ يَردهمْ وقالَ: "هُمْ عُتَقاءُ اللهِ " (١). * * * باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلِمون [٢٧٠٠] (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني) وثقه المصنف (٢). (حدثني محمد، يعني: ابن سلمة) بفتح اللام، ابن عبد الله الباهلي. (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي". (عن أبان بن صالح) بن عمير القرشي. (عن منصور بن المعتمر) الكوفيِّ. (عن رِبعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة. (عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرج عِبْدان) بكسر العين وإسكان

стр. 7442

الباء جمع عبد [وبكسر العين والباء، ] (١) وتشديد الدال، وكذا عبدَّان بكسر العين، وله جموع كثيرة ذكرها ابن مالك في بيتين وهما: عِباد، عَبِيد، جمْع عَبْدٍ، وأَعْبَدٌ ... أَعابِدُ، مَعبوداءُ، مَعْبَدَةٌ، عُبُدْ كذالِك عُبْدَان، وعِبْدَان أثبتا ... كذَلكَ العِبِدى وامدُدِ أن شِئتَ أَن تَمُد (٢) (إلى رسول الله ﷺ -يعني: يوم) غزوة (الحديبية قبل) أن يقع (الصلح) الذي من جملته على أن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم. (فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك) أي: دين الإسلام (وإنما خرجوا) إليك (٣) (هربا من الرق) أي: رق العبودية، وفرارًا من مشقاته. (فقال ناس) لعلهم من المنافقين (صدقوا يا رسول الله) في قولهم (رُدَّهم إليهم) أي: لأنهم لم يسلموا إذ لو أسلموا اعتقوا. (فغضب رسول الله ﷺ ) حين سمع قولهم لما علم من كذبهم ونفاقهم؛ إذ كان رسول الله ﷺ لا يقر على باطل سمعه، أو رآه أو في عصره وعلم به سواء كان الباطل صدر من كافر أو منافق، كما يدل عليه هذا الحديث؛ لأن القول بأنهم لم يخرجوا إليك رغبة في

стр. 7443

دينك صدر من كافر، وقول الناس: صدقوا يا رسول الله، صدر هذا الباطل من المنافق ومع هذا فغضب، وقال ما سيأتي، ولم يقر الكافر ولا المنافق على ذلك. وخالف في ذلك إمام الحرمين، فإنَّه استثنى من قولنا: كان لا يقر على باطل إلا إذا كان من كافر أو منافق. والحديث يرده، وغضبه ﷺ من سماع ذلك يدل على أنهم جاؤوا راغبين في الإسلام، ولهذا قال أبو داود في تبويبه: باب عبيد الكفار يلحقون بالمسلمين فيسلمون. (وقال: ما أراكم) استفهام إنكار على فاعله (تنتهون) عن منكر القول وباطله. (يا معشر قريش) فيه إشارة إلى أنكم تنتصرون لكفار قريش. (حتى يبعث الله) يحتمل أن تكون حتى هنا للاستثناء، وتكون ما نافية، على النفي كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ وعلى هذا فيكون التقدير: لا أجدكم تنتهون عن هذا المنكر إلا أن يبعث الله (عليكم من) يحتمل أن يكون اسم نكرة فيؤول باسم نكرة، والتقدير: يبعث الله عليكم رجلًا كقولهم: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك. (يضرب رقابكم على هذا) على ما وقع منكم، مثل عمر بن الخطاب ﵁. وهذا الحديث رواه أحمد، ولفظه: من يضرب أعناقكم. وقد اختلف العلماء في إمساك النبي ﷺ عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال: أحدها: أنه لم يعلم حالهم أحد سواه، وقد اتفق العلماء على أن

стр. 7444

القاضي لا يقضي بعلمه. وقال أصحاب الشافعي (١): لأن الزنديق هو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان فيستتاب ولا يقتل. والثالث: أن ترك قتلهم مصلحة ليتألفهم على الإسلام كقوله لعمر: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". متَّفقٌ عليه (٢)، ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ (٣). وقيل الرابع: أن الله كان حفظ أصحاب نبيه ﷺ أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا عليهم دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر، وليس كذلك اليوم (٤). ويحتمل خامس: وهو أنه أمسك عنهم لما علم من أنه يخرج منهم أبناء مؤمنون ينصرون دين الإسلام كما في عبد الله بن أبي وأمثاله. (وأبى) أي: امتنع (أن يردهم) إلى من كانوا له من العدو. وفيه دليل على أن العبد الحربي أو أمته إذا خرج إلينا فأسلم، وإن أسر سيده وأولاده وأخذ ماله وخرج إلينا فهو حر، وإن أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقه، وإن أسلمت أم ولد الحربي وخرجت إلينا عتقت ثم تستبريء نفسها.

стр. 7445

قال ابن المنذر (١): قال بهذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، إلا أن أبا حنيفة قال في أم الولد تزوج إن شاءت من غير استبراء وأهل العلم على خلافه؛ لأنها أم ولد عتقت فلم يجز أن تتزوج بغير استبراء كما لو كانت لذمي. وعن أبي سعيد الأعسم (٢)، قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده فهو حر، فإن خرج سيده بعد لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد يرد على سيده. وفيه دليل على عبد الكافر البالغ إذا أسلم يصح إسلامه ... قال أصحابنا: إذا كان في يد الكافر عبد فأسلم فإنَّه يصح إسلامه ولم يزل ملكه عنه لكن لا يقر في يده لئلا يفتنه عن دينه، أو يعذبه كما كان عبد الله ... قبل أن يسلم في ... يومئذٍ بل يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة أو عتق وغيره ولا يكفى الرهن والتزويج والإجارة (٣). فكما قالوا: لو أسلم الصبي فعندنا لا يصح إسلامه ... إلى دين أهله بالألفة (وقال ﷺ : هم عتقاء الله) لمّا أسلموا أعتقهم الله من العبودية ومن الرجوع إلى الكفار ومن ... النبي ﷺ ... أن يأتوا بعده بمعصية ولم يغفر لهم. * * *

стр. 7446

١٣٧ - باب في إِباحَةِ الطَّعامِ في أَرْضِ العَدُوّ ٢٧٠١ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزّبيْريّ، قالَ: حَدَّثَنا أَنَس بْنُ عِياضٍ، عَنْ عبيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ جيْشًا غَنِمُوا في زَمانِ رَسولِ اللهِ ﷺ طَعامًا وَعَسَلا فَلَمْ يؤْخَذْ مِنْهُم الخمس (١). ٢٧٠٢ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ والقَعْنَبي، قالا: حَدَّثَنا سليْمان، عَنْ حُميْدٍ يَعْني: ابن هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قالَ: دلّيَ جِراب مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خيْبَرَ، قالَ: فَأَتيْتُهُ فالتَزَمْته، قالَ: ثمَّ قُلْت: لا أعطْي مِنْ هذا أَحَدًا اليَوْمَ شيْئًا، قالَ: فالتَفَتّ فَإذا رَسُول اللهِ ﷺ يَتَبَسَّم إِلَيّ (٢). * * * باب إباحة الطَّعام في أرض العدو [٢٧٠١] (حدثنا إبراهيم بن حمزة) بن محمد (الزبيري قال: حدثنا أنس بن عياض) بن ضمرة الليثي. (عن عبيد الله) بالتصغير (عن نافع، عن ابن عمر: أن جيشاً غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلاً) أي: أدمًا وقوتًا هو من عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ذكر جبريل بعد الملائكة لأنه أفضلهم، وكذا هنا ذكر العسل بعد الطَّعام مع أنه طعام؛ لأنه أفضل طعام غنموه. (فلم يؤخذ منهم الخمس) أي: لم يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة، وهذا من تخصيص

стр. 7447

الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). فيه تخصيص للآية؛ لقوله ﷺ : "السلب للقاتل" (٢) بل يجوز للغزاة أكله قبل تقسيمه ما دام الطَّعام في حد القلة وما دام صاحبه مقيماً في دار الحرب، فإن أكل فوق الحاجة أدى ثمنه في المغنم. [٢٧٠٢] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (والقعنبي) عبد الله بن مسلمة (قالا: حدثنا سليمان) بن المغيرة القيسي (عن حميد -يعني: ابن هلال-) العدوي. (عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: دُلِّي) بضم الدال وتشديد اللام المكسورة رواية مسلم: رُمي إلينا (٣). يعني: من الحصن (جِراب) بكسر الجيم أفصح لا تفتح، والقصعة لا تكسر، وهو وعاء من جلد. (من شحم) أي: فيه شحم (يوم) حصار قصر (خيبر، قال: فأتيته) لآخذه (فالتزمته) رواية مسلم: فَوَثَبْتُ لآخذه. فيه دليل على جواز أخذ الطَّعام من الغنيمة قبل القسمة، ألا ترى أنه ﷺ أقره على أخذ الجراب بما فيه من الشحم، وإقراره يدل على الإباحة، والجمهور على أنه لا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام إذ لو استأذنه أو أذن له لنفل. وحكي عن الزُّهريّ (٤) أنه لا يجوز إلا بإذن الإمام، والجمهور (٥) على أنه لا يخرج منه شيء إلى عمارة دار

стр. 7448

الإسلام، فإن أخرجه رده إلى المغنم وجوبًا. قال القرطبي: أجاز مالك أخذ ما فضل عن كفايته وأكله في أهله، وقاله الأوزاعي وذلك فيما قل (١). وفيه دليل على جواز أكل شحوم اليهود المحرمة عليهم، وهو مذهب أبي حنيفة والشَّافعيّ (٢) وعامة العلماء، غير أن مالكًا كرهه (٣). وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها (٤)، وإليه ذهب أكثر أهل مذهبه ومتمسكهم أن ذكاتهم لم تعمل في الشحم وإن عملت في اللحم؛ لأن الذكاة لا تبعض عندهم. والحديث حجة عليهم. وفيه دليل على جواز ذبائح أهل الكتاب. ومذهب الجمهور إباحتها (٥) سواء سموا الله تعالى عليها أم لا. (قال: ثم قلت: لا أعطي من هذا أحدًا اليومَ شيئًا قال: فالتفتُّ) أي: لأنظر هل أتى إليه أحد غيري. (فإذا رسول الله ﷺ يتبسم إليّ) أي: لما رأى من شدة حرصي على أخذ الجراب في التزامي له وقولي: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا. ورواية مسلم: فاستحييت منه. * * *

стр. 7449

١٣٨ - باب في النَّهْى عَنِ النُّهْبَى إِذا كانَ في الطَّعامِ قِلَّة في أَرْضِ العَدوِّ ٢٧٠٣ - حَدَّثَنا سليْمان بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ - يَعْني ابن حازِمٍ - عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبي لُبيْدٍ قالَ: كُنّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمرَةَ بِكابلَ فَأَصابَ النّاس غَنِيمَةً فانْتَهَبوها فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: سَمِعْت رَسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ النُّهْبَي. فَرَدّوا ما أخَذُوا فَقَسَمَه بينَهُم (١). ٢٧٠٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا أَبو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنا أَبُو إِسْحاقَ الشّيْبانيّ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ أَبي مُجالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى قالَ: قُلْت: هَلْ كنْتُم تُخَمِّسونَ - يَعْني الطَّعامَ- في عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَقالَ: أَصَبْنا طَعامًا يَوْمَ خيْبَرَ فَكانَ الرَّجلُ يجيءُ فيأْخُذ مِنْه مِقْدارَ ما يَكْفِيهِ ثمَّ يَنْصَرِفُ (٢). ٢٧٠٥ - حَدَّثَنا هَنّاد بْن السَّريِّ، حَدَّثَنا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ عاصِمٍ، يَعْني: ابن كُليْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَأَصابَ النّاسَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ وَأَصابُوا غنَمًا فانْتَهَبوها، فَإِنَّ قُدورَنا لَتَغْلي إِذْ جاءَ رَسُول اللهِ ﷺ يَمْشي عَلَى قَوْسِهِ فَأكفَأَ قدُورَنا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتّرابِ، ثُمَّ قالَ: "إِنَّ النُّهْبَةَ ليْسَتْ بأَحَلَّ مِنَ الميْتَةِ". أَوْ: "إِنَّ الميْتَةَ ليْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ". الشَّكُّ مِنْ هَنّادٍ (٣). * * *

стр. 7450

باب النهي عن النهبى في أرض العدو إذا كان في الطَّعام قلة [٢٧٠٣] (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي (قال: حدثنا جرير بن حازم) العتكي (عن يعلي بن حكيم، عن إبي لبيد) لمازة بكسر اللام وتخفيف الميم والزاي ابن زبار بكسر الزاي البصري، صدوق، تابعي. (قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة بكابُل) بضم الباء كما تقدم، مدينة في بلاد الترك، غزاها عبد الرحمن بن سمرة، وفتحت على يديه هي وسجستان. (فأصاب الناس غنيمة) من تلك الغزوة (فانتهبوها) والانتهاب: أخذ من شاء من الجماعة الشيء على غير استواء واعتدال، أو على حسب نهمة السابق إليه (فقام) ابن سمرة (خطيباً) فيه أنه يستحب للعالم إذا رأى من القوم ما يخالف الشريعة أن يقوم فيحمد الله ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يعرفهم أحكامه المشروعة كما في خطب الحج (فقال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النُّهبي) بضم النون مقصور والهاء ساكنة وقد تحرك من الانتهاب كما تقدم. وفيه دليل على أن الطَّعام إذا كان قليلًا لا يكفي الغانمين فلا يحل النهب منه بما يزيد على كفايته؛ لأنه من الغصب، وفيه دناءة نفس وإخلال بالمروءة، وفي تركه صيانة للنفس والعرض؛ فإن أهل المروءات يصونون أنفسهم عن مزاحمة] (١) سفلة الناس على شيء من

стр. 7451

الطَّعام أو غيره، ويدخل في عموم النهي الانتهاب في أخذ الأجود مما يعرض للبيع من المأكول وغيره كما يفعل في مدينة الرملة في شراء البطيخ الأصفر فيسبق القوي إلى الأجود ويضعف بعضهم عن مزاحمته فيأخذ الرديء المتأخر منه، وفيه إخلال بالمروءة كما تقدم. ويدخل في العموم الآكلون من الطَّعام المقدم إليهم، إذا كان قليلًا فلا يأخذ منه الآكل أكثر من غيره فيكون كالناهب من الغنيمة فإنهم متساوون في الإباحة كلهم (فردوا ما أخذوا) من الغنيمة حين بلغهم النهي عنه (فقسمه بينهم) أي: قَسَم مال الغنيمة على من حضر الغزو بالتخميس. [٢٧٠٤] (حدثنا محمد بن العلاء) الهمداني (حدثنا أبو معاوية) محمد ابن خازم الضَّرير (حدثنا أبو إسحاق) سليم بن أبي سليمان (الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد) ويقال له: عبد الله (عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة له ولأبيه صحبة (قال: قلت: هل كنتم تخمسون الطَّعام؟ ) والمراد به ما يعتاد أكله عمومًا (في عهد رسول الله ﷺ ) قطع الحاكم، وغيره من أهل الحديث أن هذِه الصيغة ونحوها من قبيل المرفوع إلى النبي ﷺ . قال ابن الصلاح: وهو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهره مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة (١). (فقال: أصبنا طعامًا) أي: من العدو في (يوم خيبر، فكان الرجل) منا أي: ممن حضر الوقعة، وخرج بالرجل المرأة (يجيء فيأخذ منه) ظاهره

стр. 7452

أن الأخذ لا يتوقف على إذن الإمام كما تقدم (مقدار ما يكفيه) أي: قدر الشبع، والثَّاني: قدر (١) ما يسد الرمق؛ لاستغنائه عن أخذ حق الغير فيكون كالمضطر، والمذهب الذي نص عليه الشافعي الأول (٢)، ولا فرق في الجواز بين أن يجد سوقًا يمكنه الشراء منه أم لا. قال الإمام: ولم أر أحدًا منع التبسط بسبب ذلك والجنس الذي يأخذه هو القوت وما يصلح به القوت ويؤاخذ واحد فوق الحاجة كالذي حكاه الروياني عن نص الشافعي أنه يؤدي ثمنه إلى المغنم، ورخص أكثر العلماء في علف الدواب ورآه في معنى الطَّعام وكذا سائر الأدوية والأشربة التي لا تجري مجرى الأقوات (٣). (ثم ينصرف) على ما فضل عن كفايته لاستغنائه. وأعلم أن هذا الحديث رواه الحاكم (٤) وصححه، ولفظه: أنه سئل ما صنع رسول الله ﷺ بطعام خيبر: هل خمسه؟ قال: لا، كان أقل من ذلك، كان أحدنا إذا أراد شيئًا أخذ منه حاجته. وذكر أنه على شرط البخاري ومسلم، وأقره الذهبي عليه في "تلخيصه". [٢٧٠٥] (حدثنا هناد بن السَّرِي) بن مصعب (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب الجرمي (عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله في سفر)

стр. 7453

أي: للجهاد (فأصاب الناسَ حاجة شديدة) أي: إلى الطَّعام (وجَهد) بفتح الجيم وحكي ضمها، والمراد به: الشدة في الحال والمبالغة في المشقة. وفيه دليل على جواز ذكر الإنسان ما حصل له من الجوع والمشقة والوجع إذا كان في ذكره مصلحة تعود على المسلمين أو عليه، وعلى أن المريض يجوز له ذكر ما يجده من الألم لمن يصف له دواء لا على هيئة الشكوى، فالشاكي لغيره في غير حاجة فكأنما يشكو الله. (فأصابوا) من العدو (غنمًا فانتهبوها) أي: انتهب الغنم جميعاً كل الجيش أو أكثرهم، فإن المعلوم أن النبي ﷺ لم ينتهب ولا أكابر الصحابة، وفيه حذف تقديره: فذبحوها وطبخوا منها. (فإن قُدورنا لَتَغْلي) بفتح التاء وإسكان الغين المعجمة، يقال: غلت القدرة ولا يقال: غليت، حتى قيل في ذلك: ولا أقول لقدر القوم قد غليت ... ولا أقول لباب الدار مغلوق (إذ جاء رسول الله ﷺ يمشي على قوسه) أي: يتوكأ عليه؛ لأنه كان في الجهاد وهو من آلة الجهاد كما تقدم في الصلاة أنه قام يعني: في خطبة الجمعة متوكئاً على عصا أو قوس [وكان ﷺ ] (١) (فأكفأ) فيه رد على ما قاله الأصمعي: كفأت الإناء قلبته، ولا يقال: أكفأت، والصحيح على ما قاله ابن السكيت (٢)، وابن قتيبة (٣): إن كفأت

стр. 7454

وأكفأت لغتان، وقيل: كفأت القدر كفيتها فخرج ما فيها وأكفأتها أملتها (١) (قدورنا بقوسه) فيه تغيير المنكر؛ لأن اللحم كان نهبة فهو بمنزلة ما لو غصب شاة من قوم فذبحها وطبخ لحمها. ولم يأمر النبي ﷺ بغسل القدور؛ لأن اللحم طاهر، فالموضوع فيه ظاهر وإن طبخ ألا ترى أن القدور التي طبخ [فيها لحم] (٢) الحمر الأهلية، قال لهم: "أكفئوا القدور واكسروها"، قالوا: يا رسول الله أو نغسلها؟ قال: "أو ذاك". وفيه دليل على أن الغنم لا يجوز نهبها، بل تقسم بخلاف الطعام، وعلى أنه لا يجوز ذبحها للأكل وإن حصل لهم حاجة شديدة وجهد؛ لأن الحاجة إليها نادرة وهو وجه ضعيف في المذهب، لكن هذا الحديث حجة للقائل به ومما هو حجة له ما رواه الحاكم في "المستدرك" (٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: شهدت فتح خيبر، فلما انهزموا أخذ الناس ما وجدوا من جزر، قال زيد: وهي المواشي، فلم يكن بأسرع من [أن] (٤) فارت القدور، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم بيننا فجعل لكل عشرة شاة. وصححه وأقره الذهبي عليه. ثم أسند (٥) عن ابن عباس قال: انتهب الناس غنمًا يوم خيبر فذبحوها وطبخوا منها، فجاء رسول الله ﷺ فأمر بالقدور فأكفئت وقال: "إنَّه لا تصلح النهبة".

стр. 7455

روى الحافظ عبد الحق في "الأحكام" (١) عن القاسم مولى عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه (٢). لكن الصحيح جواز ذبح المأكول للجهد كما يجوز تناول الأطعمة، فتحمل الأحاديث المتقدمة على ما إذا كانت الغنم قليلة لا تحتمل القسمة، وازدحم الناس عليها (٣) لشدة الحاجة، وانتهابهم وذبحهم يؤدي حرمان البعض، ويفضي إلى التنازع ووقوع الفتنة، فإذا استشعر الإمام ذلك، فقال المحققون: يثبت يده على الطَّعام ويقسمه على قدر الحاجات، ويقول لمن معه ما يكفيه: اكتف بما معك ولا تزاحم المحتاجين (٤). (فجعل (٥) يُرمل) بضم أوله وتشديد الجيم أي: يلطخ (اللحم بالتراب) ليفسد كي لا ينتفع به لأنه نهب، والانتهاب اختطاف؛ وقد صرح أصحابنا بأن المختطف كالمسروق وسيأتي في باب عقوبة الغال أن متاعه يحرق، وهذا في معناه. ويؤخذ من هذا الحديث أن الطَّعام المخلوط بالتراب والملوث به لا يؤكل إذا كثر فيه التراب أو الرمل [كالتوت المرمل الملقوط من تحت الشجر إذا كثر فيه التراب أو الرمل] (٦) وقد جزم النووي (٧) وآخرون

стр. 7456

بتحريم أكل التراب منهم القاضي حسين عن اختيار والده، والخياطي، والجرجاني، والقفال المروزي، ولم يفرقوا بين قليله وكثيره أي: إذا كان منفردًا. وفي "الذخائر" أن التراب والطين إنما يحرم على من تضرر به لا على من أعتاد أكله من غير مضرة. قال: وسائر أجزاء الأرض تجري مجرى الطين، وقال الإمام (١): أكره الطين؛ لأنه يضر بالبدن ولا يصح فيه حديث، ويقال: إنه رديء. (ثم قال: إن النهبة) بضم النون هي النهبى كما تقدم (ليست بأحل من الميتة) لأن ما يأخذه بقوته واختطافه فوق حقه من حق أخيه الذي ضعف عن مقاومته حرام كالميتة ليس بأحل منها (أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة) أي أقل إثمًا منها في الأكل، بل هما متساويتان. وقد اختلف العلماء فيما لو وجد المضطر الميتة وطعام غيره على ثلاثة أوجه أو أقوال، أصحها: يجب أكل الميتة؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة لعدم الضمان. والثالث: التخيير، وأشار الإمام (٢) إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله وحق الآدمي. (الشَّك) في التقديم والتأخير (من هناد) بن السري. * * *

стр. 7457

١٣٩ - باب في حَمْلِ الطَّعامِ منْ أرْضِ العَدُوّ ٢٧٠٦ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُوِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَني عَمْرُو بْن الحارِثِ أَنَّ ابن حَرْشَفٍ الأزْديَّ حَدَّثَهُ، عَنِ القاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحابِ النَّبي ﷺ ، قالَ: كُنّا نَأكلُ الجَزْرَ في الغَزْوِ وَلا نَقْسِمُه حَتَّى إِنْ كُنّا لَنَرْجِع إِلى رِحالِنا وَأَخْرِجَتُنا مِنْه مُمْلاةٌ (١). * * * باب في حمل الطَّعام من أرض العدو [٢٧٠٦] (حدثنا سعيد بن منصور) الخراساني (حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث) الأنصاري (أن ابن حرشف) بضم الحاء المهملة (٢) وإسكان الراء وضم الشين المعجمة ثم فاء كان اسمه تميم (الأزدي) بضم الهمزة والدال وتشديد النون. (حدثه عن القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: كنا نأكل الجَزَر) بفتح الجيم والزاي جمع جزرة هو المأكول وكسر الجيم لغة، قال زيد: هي المواشي، قال في "الصحاح": لا تكون الجزرة إلا من الغنم (٣). وهي في "المجمل" (٤): الجزرة: الشَّاةِ يقرم إليها (٥) أهلها

стр. 7458

فيذبحونها، والقرم شدة شهوة اللحم والجزر القطع، ومنه سميت الجزور، ويحتمل أن يراد بالجزر القطع من اللحم لقوله: كنا نأكل الجزر (في الغزو) في بلاد العدو، ولأن الحاجة تدعو إليه، وفي المنع منه مضرة بالجيش (ولا نَقسمه) إذ لو قسم لم يحصل للواحد منه شيء يعظم نفعه فأباح الله لهم ذلك (حتى إن) بكسر الهمزة وإسكان النون وهي المخففة من إن المشددة، ولهذا جاءت لام الابتداء بعدها في قوله: لنرجع، وإذا وليها الفعل فالغالب كونها ماضيًا ناسخًا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ (١) (كنا لنرجع إلى رحالنا) جمع رحل، وهو المنزل الذي يسكن فيه، ويطلق على الموضع الذي ينزل فيه المسافر ويضع فيه أثاثه (وأَخْرِجَتُنا) بكسر الراء جمع خرج بضمها وهو جوالق ذو أذنين وهو الوعاء المعروف وهو جمع قلة (منه مُمْلأة) بضم الميم الأولى وسكون الميم الثانية وفتح اللام والهمزة، ويجوز فتح الثانية وتشديد اللام المفتوحة أي: مملوءة. استدل به أصحاب مالك (٢) ومن قال بقولهم، على أن من فضل معه من الطَّعام الذي أخذه من المغنم شيء فأدخله إلى بلده أنه يباح له أكله ولا يرده إلى المغنم. قال أحمد (٣): وأهل الشَّام يتساهلون في هذا. قال الأوزاعي (٤): أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض لا ينكره إمام

стр. 7459

ولا عامل ولا جماعة، والذي صححه الشافعي والجمهور (١): يجب عليه رده إلى المغنم الذي في تلك الغزوة للحديث المتقدم: ["أدوا الخيط والمخيط" (٢) ولأنَّه من الغنيمة ولم تقسم فلم يبح وهذا إذا لم تقسم الغنيمة] (٣)، فإن قسمت رده إلى الإمام، وهذا في اليسير، أما الكثير الذي له قيمة كبيرة فهو مردود لا محالة (٤). * * *

стр. 7460

١٤٠ - باب في بيع الطّعامِ إذا فضَلَ، عَنِ النّاس في أرْض العَدوّ ٢٧٠٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْن المُصَفَّى، حَدَّثَنا محَمَّدُ بْنُ المُبارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو عَبْدِ العَزِيزِ -شيْخ مِنْ أَهْلِ الأرْدُنِّ- عَنْ عبادَةَ بْنِ نسي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قالَ: رابَطْنا مَدِينَةَ قِنَّسْرِينَ مَعَ شرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ فَلَمّا فَتَحَها أَصابَ فِيها غَنَمًا وَبَقَرًا فَقَسَمَ فِينا طائِفَةً مِنْها وَجَعَلَ بَقِيَّتَها في المَغْنَمِ، فَلَقِيتُ معاذَ ابْنَ جَبَلٍ فَحَدَّثْتُه فَقالَ مُعاذ: غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خيْبَرَ فَأَصَبْنا فِيها غَنَمًا فَقَسَمَ فِينا رَسول اللهِ ﷺ طائِفَةً وَجَعَلَ بَقِيَّتَها في المَغْنَمِ (١). * * * باب بيع الطَّعام إذا فَضَل عن الناس في أرض العدو [٢٧٠٧] (حدثنا محمد بن المصفى) بضم الميم وفتح الصاد المهملة والفاء، واسمه محمد بن بهلول الحمصي (حدثنا محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة) بالمهملة والزاي، الحضرمي (قال: حدثني أبو عبد العزيز) واسمه: يحيى بن عبد العزيز الشَّامي. قال أبو حاتم: الشَّامي ما بحديثه بأس (٢). (شيخ من أهل الأردن) بضم الهمزة والدال وتشديد النون اسم نهر وكورة أحد أجناد الشَّام الخمسة منها طبرية وصور وعكا. (عن عُبَادة) بضم العين وتخفيف الباء (ابن نُسي) بضم النون مصغر
следующие страницы →