← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

يقتل مؤمن (١) بكافر". واحتج الشافعي في "الأم" (٢) بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٣) فخص المؤمن بالذكر، وأراد: إذا كان القتل بين المؤمنين، وأيضا إذ قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾؛ لأنه جعل الأخوة بين المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ومفهوم قوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم". يمنع من حمل الكافر في آخر الحديث على الحربي. وأيضا فقد استدل له من القياس، بأنه لا يقتل بالمستأمن بلا خلاف، مع أنه في تحريم القتل كالذمي، فإذا لم يقتل بأحد الكافرين لا يقتل بالآخر (يسعى بذمتهم) قيل: يأخذ بالضمان منهم (أدناهم) أي: عبيدهم، ومن ذلك سميت أهل الذمة؛ لدخولهم في ضمان المسلمين كما قال أبو عبيد: لأنهم أدنى من الأحرار. وقد استدل النخعي وداود بهذا الحديث على أن القصاص يجب على قاتل عبده؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤)، وبهذين (٥) استدل الحنفية على [أنَّ] (٦) القصاص يجب في النفس ولا يجب في الأطراف إذا كان المقتول عبد غيره، ولا

стр. 7597

يجب فيما إذا قتل عبد نفسه (١). وأجاب الماوردي عن الآية بأنها تضمنت نفسًا وأطرافًا، فلما خرج العبد من حكم الأطراف، خرج من حكم النفوس (٢). وهذا يحسن أن يجاب به الحنفية. وأجيب عن الحديث بأنه ﵊ جعل العبد أدناهم، ومن كان أدنى لم يجز أن يؤخذ بالأعلى. فإن قيل في جواب الحنفية بالفرق بين النفس والطرف: أن الطرف يعتبر فيه المماثلة؛ إذ لا تؤخذ السليمة بالشلاء المريضة، ولا تؤخذ الأيدي بيد واحدة، والمماثلة غير معتبرة في النفوس، إذ (٣) يقتل الصحيح بالمريض، والجماعة بالواحد، فلذلك فرق بين النفس والأطراف. قلنا: جوابه أنهما عندنا سواء؛ لأنا نقطع الجماعة بالواحد، ونقتل الصحيح بالمريض، وإنما لم تقطع غير الشلاء بالشلاء؛ لأنها عندنا كالميتة، ونحن لا نقتل الحي بالميت. وقال أبو عبيد (٤): المراد بالذمة في الحديث الأمان ها هنا، والمراد: أن الرجل إذا أعطى العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يخفروه كما أجاز عمر ﵁ أمان عبد على

стр. 7598

جميع العسكر (١)، وسمي المعاهد ذميًّا لأنه أعطي الأمان على ذمته (٢). (ويجير) بالراء (٣). أي: يؤمن المؤمن من الكفار (عليهم) أي: على المسلمين وإن كان (أقصاهم) أي: أبعدهم، وليس لأحد من المؤمنين إخافته. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ (٤) أي: يُؤَمِّن من أخافه غيره (٥) ولا يؤمن غيره (٦) إذا أخافه. قال البغوي وغيره: حد القرب الذي يرد عليه ما يتصور فيه الإمداد عند الحاجة. وقال القفال: حد القرب بالاجتماع في دار القرب والأقصى ما فوق ذلك (٧). (وهم يد) أي: جماعة مجتمعون (على من سواهم) من الكفار، ويتعاونون على أعدائهم من أهل الملل، لا يخذل بعضهم بعضًا، وقيل: اليد القوة أي: هم قوة على من سواهم؛ قال الله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٨) أي: أولي القوة والبصائر، وهو بمعنى القول الأول؛ فإنهم إذا اجتمعوا على الأعداء وتآلفت قلوبهم على قتالهم، صارتْ لهم قوة وقدرة على من سواهم (يرد مُشِدُّهم) بضم الميم وكسر الشين المعجمة وتشديد الدال. أي: من له دواب

стр. 7599

شديدة قوية. (على مُضْعِفهم) أي: من دوابه ضعيفة، ورواية ابن ماجه المتقدمة: لا نفل بعد رسول الله ﷺ يرد المسلمون قويهم على ضعيفهم (١). مما يكتسبه من الغنيمة، وقال عمر ﵁: المضعف أمير على أصحابه (٢). قال في "النهاية": يريد في الحديث أن القوي من الغزاة يساهم الضعيف فيما يكتسبه من الغنيمة (٣). يقال (٤): أضعف الرجل فهو مضعف إذا ضعفت دابته، ومن حديث عمر: المضعف أمير أصحابه. يعني: أنهم يسيرون بسيره في السفر. (ومتسريهم) المتسري (٥) الذي يخرج في السرية بإذن الإمام، يروى في بعض النسخ: متسرعهم (٦) بالعين، بل أكثر النسخ، والمراد به من يستحق العشر من الغنيمة، يرد ما أخذه على القاعد، وخرج بالمعشر من لا يستحق العشر كالعبد والمرأة والصبيان، والمعنى أن الإمام إذا ميز الجيش بنفسه (٧) وهو خارج إلى أرض العدو، فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين بقية الجيش عامة؛ لأنهم أولهم، فإن كان خروج السرية من

стр. 7600

البلد، فإنهم لا يردون على الجيش شيئًا. قاله المنذري. (على قاعدهم) أي: على القاعدين الذين كانوا عونًا له على الخروج في السرية وهو في العسكر الذين ظهرت منهم العسكر مما حصل له من الغنائم، وعليه بوب المصنف: باب (١) في السرية ترد على أهل العسكر. وقال أحمد بن حنبل في رواية أبي طالب (٢): قال النبي ﷺ : "السرية ترد على العسكر، والعسكر يرد على السرية" (٣). (لا يقتل مؤمن بكافر) سواء كان له عهد وذمة أو لا. وخالف أبو حنيفة في الذمي فقال: المسلم يقتل بالذمي دون المعاهد. ومعنى الخبر عنده: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (ولا ذو عهدة في عهده) بكافر حربي، إذ هو يقتل بالمعاهد، وقال الشافعي: الكافر يعم الذمي وغيره، فما الفرق؟ واعترض أبو داود على ذلك فقال: ليس هذا الجواب بقوي (٤)، إذ عموم حديث لا يمنع من تخصيص آخر، ولكن الأقوى أن يقال: أمرنا بقتال أهل الحرب، فلا يظن أحذ (٥) أنه يجب علينا فيهم القود فيحتاج إلى تقييد. قال ابن الرفعة: وما ذكره من الجواب صحيح دون الاعتراض.

стр. 7601

فإن (١) الشافعي: لم يذكره إلا لأجل الاستنطاق بالعلة المقتضية للتعميم الموجود في محل النزاع، ومفهوم قوله في ابتداء الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" يمنع من حمل باقي عجزه على الحربي. (ولا ذو عهدٍ في عهده) هذا كلام تام بنفسه، وقوله (٢): ولا ذو عهدة أي: لا يقتل معاهد ما دام في عهده، وعلى قول أصحاب أبي حنيفة، فيه تقديم وتأخير تقديره: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهدة [في عهده] (٣) بكافر، وعلى الأول يدل قوله (٤) في أول الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم". ويستدل له من القياس بأنه لا يقتل بالمستأمن بلا خلاف مع أنه في تحريم القتل كالذمي، فإذا لم يقتل في عهده بأحد الكافرين لا يقتل بالآخر (ولم يذكر) محمد (بن إسحاق القَوَد) بفتح القاف والواو هو القصاص (والتكافؤ) بهمزة آخره وهو المساواة في القصاص والديات، ومنه المكافأة في النكاح. [٢٧٥٢] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان أبو موسى البغدادي البزار، قال (حدثنا هاشم بن القاسم) أبو النضر الحافظ قيصر ثقة، يفتخر به أهل بغداد، قال (حدثنا عكرمة قال: حدثني إياس) بكسر الهمزة وتخفيف المثناة تحت (ابن سلمة) الأكوع (عن أبيه) سلمة بن الأكوع، ويقال: سلمة بن عمرو بن الأكوع [واسم الأكوع] (٥) سنان

стр. 7602

ابن عبد الله بن قُشير بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة مصغر. (قال: أغار عبد الرحمن بن عُيينة) بضم العين مصغر بن حصن (على إبل رسول الله ﷺ ) التي بالغابة، وكانت عشرين لقحة (فقتل راعيها) قال ابن سعد (١): قتلوا ابن أبي ذر (وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل) أي: على خيل. كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ﴾ أي؛ على جذوع. وذكر ابن سعد (٢) أن الخيل كانت أربعين فارسًا. (فجعلت وجهي قِبَل المدينة) بكسر القاف. أي: مقابلها (ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه) قال القرطبي (٣): هاؤه ساكنة، وهو يشبه المنادى المندوب، وليس به. ومعناه هنا: الإعلام بهذا الأمر المهم الذي قد دهمهم في الصباح. قال النووي (٤): فيه جواز مثل هذا للإنذار بالعدو ونحوه (ثم أتبعت) بفتح الهمزة وسكون المثناة (القوم) على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا بذي قَرد بفتح القاف وهم يستقون الماء والزاد، هو ماء على نحو يوم من (٥) المدينة مما يلي بلاد غطفان (فجعلت أرمي) القوم بنبلي، وكنت راميًا (وأعقرهم) قال النووي (٦): أي: أعقر خيلهم. وفيه

стр. 7603

جواز عقر خيل العدو في القتال (١) قال المنذري: عقر فلان بفلان إذا قتل دابته من تحته وجعله راجلًا. (فإذا رجع إلى فارس) أي: منهم (جلست) مستترًا منه (في أصل شجرة) يحتمل أن يستتر بالجلوس خلفها. (حتى ما خلق الله شيئًا) أي: بعيرًا، كما في رواية البيهقي (٢) (من ظَهْر) أي: من ظهور رسول الله ﷺ التي يركب عليها هو وأصحابه (النبي ﷺ إلا خلفته) (٣) بتشديد اللام، قال الجوهري (٤): تقول: خلفت فلانًا ورائي فتخلف عني. أي: تأخر. انتهى، قال: وخليا القوم بيني وبين الظهر واتبَعْتُهُم أرميهم (وراء ظهري وحتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا وثلاثين بُردة) بضم الباء الموحدة وإسكان الراء، قال الجوهري (٥): كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب. (يستخِفّون منها) أي: من حملها. رواية مسلم في "صحيحه" (٦): ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه (٧) حتى أتوا متضايقًا من ثنية و (ثم أتاهم عيينة) بن حصين

стр. 7604

الفزاري (مددًا) أي: زيادة لهم في القوة على عدوهم، فجلسوا يتضحون. أي: يتغدون وجلست على رأس قرن بفتح القاف وإسكان الراء وهو الجبل الصغير، قال الفزاري: ما هذا الذي أرى قالوا: لقينا من هذا البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا (١). (فقال: ليقم إليه نفر منكم، فقام إليه منهم أربعة) نفر (قال: فصعِدوا) بكسر العين، رواية مسلم: فصعد إلى أربعة منهم (الجبل فلما أسمعتهم) رواية مسلم: فلما أمكنوني من الكلام (قلت: أتعرفونني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قال: قلت: أنا) سلمة (ابن الأكوع) فيه تسمية الرجل نفسه للعدو ليعرفوه إذا كان مشهورًا عندهم بالنجدة والشجاعة. (والذي كرَّم) بتشديد الراء (وجه محمد ﷺ ) على وجوه بني آدم (لا يطلبني رجل منكم فيدركني) برفع المضارعين؛ إذ لا طلب فيهما. (ولا أطلبه فيفوتني) رواية مسلم: إلا أدركته. فيه مدح الإنسان نفسه عند العدو، ووصفه (٢) بالشجاعة ليرهب خصمه ويوقع الرعب في قلوبهم كقول علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... أكيلهم بالسيف كيل السندرة (٣)

стр. 7605

زاد مسلم: أنا أظن، قال: فرجعوا (فما بَرِحت) بكسر الراء. أي: من مكاني. (حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون) بالخاء المعجمة (الشجر) قال النووي (١): أي: يدخلون من خلالها. أي: بينها، ومنه ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (٢)، ومنه: "أرى الفتن خلال بيوتكم" (٣). (أولهم الأخرم) بالخاء المعجمة والراء، قال ابن الأثير (٤): اسمه محرز بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاي ابن نضلة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة (الأسدي) بفتح السين، من أسد بني خزيمة. زاد مسلم: وعلى أثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى أثره المقداد بن الأسود، قال: فأخذت بعنان الأخرم قال: فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم آحذرهم لا يقتطعونك حتى تلحق برسول الله ﷺ وأصحابه، قال يا (٥) سلمة: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل (٦) بيني وبين الشهادة. قال: فخليته (فيلحق) بالياء قبل اللام (بعبد الرحمن بن عيينة) بن حصن، قال ابن إسحاق: إنما هو حبيب ابن عيينة، ولم تعرف العرب عبد الرحمن، ولا تسمي به، فانظره. ورواية مسلم موافقة لأبي داود، والعمل على قولهما أولى من ابن

стр. 7606

إسحاق (١). (ويعطف عليه عبد الرحمن) بن عيينة (فاختلفا طعنتين) رواية مسلم: فالتقى هو وعبد الرحمن (فعقر) بفتح العين (الأخرم عبد الرحمن) أي: جرحه (وطعنه عبد الرحمن فقتله) فمات شهيدًا. فيه جواز المبارزة بغير إذن الإمام، وهو حجة على من كرهها مطلقًا وهو الحسن، وعلى من اشترط في جوازها إذن الإمام (٢). (وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم) المقتول (فيلحق) بالياء بعد الفاء، ورواية مسلم: ولحق. بحذف الياء (أبو قتادة) فارس رسول الله ﷺ (بعبد الرحمن) بن عيينة [(فاختلفا طعنتين) بينهما (فعقر بأبي قتادة) طعنه (وقتله أبو قتادة) قال ابن إسحاق (٣): ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة] (٤) بن حصن، وغشاه بُرْدَهُ ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله ﷺ في المسلمين. قال ابن هشام (٥): فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله ﷺ : "ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيل لأبي قتادة"، ووضع عليه برده؛ ليعرفوا أنه صاحبه. (فتحول أبو قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري (على فرس الأخرم)

стр. 7607

فوالذي كرم وجه محمد لتبعتهم على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا [إليّ] (١) أعدو وراءهم فحليتهم عنه، فما ذاقوا منه قطرة (٢). (ثم جئت إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حَلّيتهم) بفتح الحاء المهملة واللام المشددة بلا همز (عنه) أي: طردتهم عنه، وقد فسره مسلم في الحديث بقوله: يعني: أجليتهم عنه بالجيم. قال القاضي: وروايتنا فيه هنا بغير همز، وأصله الهمز فسهله (٣). والرواية المشهورة التي وقع: جليتهم. بالجيم والياء آخر الحروف. قال المنذري: جلا عن الوطن يجلو جلاءً، وأجلى يجلي إجلاء إذا خرج مفارقًا، والرواية الأخرى: حلأتهم بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام مهموز. أي: طردتهم، وأصله الهمز فسهله هنا، والذي وقع جليتهم بالجيم والياء آخر الحروف فيه نظر. يقال له (٤) (ذو قَرَد) بفتح القاف، المشهور فتح القاف والراء، وقد قيل فيه بضمها: ماء على نحو يوم من المدينة، كما تقدم، والقَرَد في اللغة هو: الصوف الرديء. قاله السهيلي (٥).

стр. 7608

(فإذا رسول الله ﷺ في خمسمائة، فأعطاني) قال الخطابي (١): يشبه أن يكون أعطاه من الغنيمة (سهم الراجل) حسب؛ لأن سلمة كان راجلًا في ذلك اليوم (و) أعطاه سهم (الفارس) زيادة له نفلًا لما كان من حسن بلائه. قال ابن المنذر (٢): قد صح أن سلمة كان أجيرًا لطلحة حين أدرك عبد الرحمن بن عيينة لما أغار على سرح رسول الله ﷺ وأعطاه النبي ﷺ سهم الفارس والراجل. وهذا المعنى لأحمد بن حنبل، ومسلم في حديث طويل (٣). قال (٤): ويحمل هذا على أجير يقصد مع الخدمة الجهاد (٥). وحديث يعلي بن منبه المتقدم يحمل على من لا يقصد الجهاد أصلًا. وروى البيهقي (٦) خبرًا مسندًا عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه قال: كنت خادمًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه، وأحسه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله. وذكر قصة إغارة ابن عيينة الفزاري على ظهر رسول الله ﷺ ، قال: فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا اليوم أبو قتادة،

стр. 7609

وخير رجالنا سلمة"، قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ : سهم الفارس، وسهم الراجل. وذكر البيهقي تلو ذلك سندًا متصلًا، وقال: إنه رواية مسلم (١). وللشافعي في الأجير على سياسة الدواب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يستحق؛ لأنه لم يخرج لقصد النصرة، ويشهد له رواية يعلي بن أمية المتقدمة (٢). والثاني: يستحق إن قاتل، وإن لم يقاتل فلا، ويشهد له هذا الحديث. والثالث: أنه يخير بين إسقاط الأجرة وطلبها، فإن أعرض عن الأجر استحق السهم وإلا فلا (٣). ولقائل أن يقول: ليس في الحديث المتقدم أن سلمة كان مستأجرًا، وعلى تقدير ذلك فليس في الخبر ما يدل على أنه ﵇ قضى له بالسهم مع الأجرة، وذلك هو المدعى.

стр. 7610

١٦٠ - باب في النَّفْلِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ومِنْ أَوَّلِ مَغْنَمٍ ٢٧٥٣ - حدثنا أَبُو صالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا أَبُو إِسْحاقَ الفَزاريُّ، عَنْ عاصِمِ بْنِ كُليْبٍ، عَنْ أَبي الجُويْرِيَةِ الجَرْميِّ قال: أَصَبْتُ بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حَمْراءَ فِيها دَنانِيرُ في إِمْرَةِ مُعاوِيَةَ وَعَليْنا رَجُلٌ مِنْ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ بَني سُليْم يُقالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ، فَأَتيْتُهُ بِها فَقَسَمَها بيْنَ الُمسْلِمِينَ وَأَعْطْاني مِنْها مِثْلَ ما أَعْطى رَجُلاً مِنْهُمْ، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الخُمُسِ" .. لأَعْطيْتُكَ. ثمَّ أَخَذَ يَعْرِضُ عَليَّ مِنْ نَصِيبِهِ فَأَبيْتُ (١). ٢٧٥٤ - حدثنا هَنّادٌ، عَنِ ابن الُمبارَكِ، عَنْ أَبِي عَوانَةَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ كُليْبٍ بإِسْنادِهِ وَمَعْناهُ (٢). * * * باب النفل (٣) من الذهب والفضة ومن أول مغنم [٢٧٥٣] (حدثنا أبو صالح محبوب) بالحاء المهملة (بن موسى) أبو صالح الأنطاكي (قال: أخبرنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد بن الحارث (الفزاري) قال أبو حاتم: ثقة مأمون وله تصانيف (٤). (عن عاصم بن كليب) بن شهاب الجرمي (عن أبي الجويرية) بضم الجيم والتصغير، التابعي حطان - بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء

стр. 7611

المهملة وبالنون - بن خفاف، بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء (١) الأولى (الجَرْمي قال: أصبت بأرض الروم جرَّةً) بفتح الجيم والراء. وفي بعض النسخ: صرة. بضم الصاد المهملة. والجرة: الإناء من الفخار (حمراء) بفتح الحاء المهملة والمد. (فيها دنانير في إمرة) بإسكان الميم وحذف الهمزة. أي: إمارته، قال الجوهري (٢): [ومن الأمر] (٣) لا تقل: إمرة بالكسر، إنما الإمرة من الولاية (معاوية) بن أبي سفيان، الناصر لحق الله، وكانت أيام إمارته تسع عشرة سنة (٤) وثمانية أشهر، ودفن بدمشق وكان عنده من شعر رسول الله ﷺ وظفره فقال: احشوا منخري وشدقي من شعر رسول الله ﷺ وأظفاره، وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين. (وعلينا رجل من أصحاب النبي ﷺ من بني سُليم) بضم السين وفتح اللام ابن منصور (يقال له: ) أبو يزيد (معن بن يزيد) بن الأخنس، بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة، من بني بهثة - بضم الباء الموحدة وإسكان الهاء ثم ثاء مثلثة - ابن سليم بن خصفة، شهد بدرًا فيما قيل، ولا يعرف من شهد هو وأبوه وجده بدرًا غيرهم، وقيل: لا يصح شهوده بدرًا، يعد في الكوفيين (فأتيته بها) فيه دليل

стр. 7612

على ما قاله الجمهور أن المال الذي يؤخذ في دار الكفار على هيئة اللقطة أنه غنيمة يحضره الآخذ إلى أمير الجيش، ولا يختص به الآخذ، وهذا إذا علم أنه للكفار، فإن كان هثاك مسلمون أو أمكن أن يكون ضالة لبعض الجيش وجب تعريفه. وقال الإمام والغزالي (١): المأخوذ على هيئة اللقطة هو من أخذه بناء على أن المسروق من أخذه. هكذا قاله الرافعي والنووي (٢)، وتعقبه ابن الصلاح، وقال: هذا موقع الغلط، وحقه أن يقول: لقطة دار الحرب تنقسم إلى الأقسام الثلاثة، وهي أنه إن وصل إليها الآخذ بقتال المسلمين لهم فهو غنيمة، وإن وصل إليها بانجلاء الكفار خوفًا من غير قتال فهي فيء، وإلا فغنيمة. (فقسمها) أي: قسم الدنانير (بين المسلمين) كما يقسم الغنيمة، وأما الصرة وهي الخرقة المصرور فيها الدنانير فلم يذكر قسمتها؛ إذ لا قيمة لها، وما ذكرته من الصرة هو الظاهر في الرواية، وأما الجرة من الجرار الخزف فبعيد؛ لأن غالب الناس لا يقدر على حملها لثقل الذهب، إلا أن يحمل قوله: فيها دنانير. على أن فيها بعض دنانير، وهذا خلاف الظاهر، وظاهر قوله: فقسمها بفاء التعقيب يدل على استحباب مبادرة الأمير إلى قسمة الغنيمة في بلاد الكفار إذا لم يكن عذر، كما إذا خافوا كرة العدو، ولا يؤخرها إلى أن يقسمها الإمام الذي ولاه في بلاد الإسلام، كما اتفق فيما غنمه المسلمون في غزوهم في سنة تسع وعشرين وثمانمائة، حيث

стр. 7613

أخروا القسم إلى أن رجعوا إلى مصر بالأسرى والأعيان التي غنموها. (وأعطاني منها مثلَ) بالنصب مثل (١) (ما أعطى رجلاً منهم) أي: من غير زيادة على سهمه ولا نقصان (ثم) اعتذر إليه؛ لكونه لم يزده شيئًا في مقابلة إتيانه بها (قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول)، فيه دليل على أنه يستحب للإمام أو الأمير إذا فعل أحد من الرعية فعلًا وترك مجازاته عليه؛ لتعلق حق الغير به، أن يعتذر إليه من ذلك فيقول: ما تركت إعطاءك انتقاصًا بك، بل لقوله ﷺ : (لا نَفَل) أي: لا يعطى النفل (إلا بعد) إخراج (الخمس) المعد للمصالح (لأعطيتك) زيادة على سهمك، فيه دليل على جواز التنفل من الذهب والفضة كما بوب عليه المصنف (ثم أخذ يَعرِض) بفتح أوله وكسر ثالثه (عليَّ من نصيبه) أي: سألني أن آخذ من نصيبه. فيه أن من فعل شيئًا لا يستحق به شيئًا (٢) يلاطفه (فأبيت) أن آخذ شيئًا منه. [٢٧٥٤] (حدثنا هناد) بفتح الهاء والنون المشددة (بن السري) بن مصعب التميمي (عن) عبد الله (بن المبارك) الإمام (عن أبي عوانة) اسمه الوضاح مولى يزيد بن عطاء، الحافظ، المشهور (عن عاصم بن كليب) الجرمي (بإسناده) عن أبي الجويرية (ومعناه) في الحديث قبله.

стр. 7614

١٦١ - باب في الإِمام يَسْتَأْثِرُ بِشَيء مِنَ الفَيء لِنفْسِهِ ٢٧٥٥ - حدثنا الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، حدثنا الوَلِيدُ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ العَلاءِ أنَّهُ سَمِعَ أَبا سَلامٍّ الأسوَدَ قالَ: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ قال: صَلَّى بِنا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى بَعِيرٍ مِنَ المغْنَم فَلَمّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ البَعِيرِ، ثمَّ قالَ: "وَلا يَحِلُّ لي مِنْ غَنائِمِكُمْ مِثْل هذا إِلَّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ" (١). * * * باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه [٢٧٥٥] (حدثنا الوليد بن عتبة) بإسكان التاء المثناة فوق، أبو العباس الأشجعي (قال: حدثنا الوليد) بن مسلم عالم الشام، قال: (حدشما عبد الله بن العلاء) بن زَبْر، بفتح الزاي وإسكان الموحدة الربعي بفتح الراء والباء الموحدة، الدمشقي. (أنه سمع أبا سلَّام) بتشديد اللام ممطور (الأسود) الحبشي الدمشقي (قال: سمعت عمرو بن عَبَسة) بفتح الباء الموحدة، بن عامر بن خالد بن غاضرة، بالغين والضاد المعجمتين، ابن عتاب بن امرئ القيس بن بهثة ابن سليم السلمي. (قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير) فيه جواز الصلاة إلى الدابة ليس بينه وبينها حائل (من المغنم، فلما سلَّم) من صلاته (أخذ وَبَرَةً) بفتح الباء الموحدة، من وبر البعير (من جنب البعير) هذِه الرواية تبين رواية

стр. 7615

الشافعي في القديم (١): عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ أخذ وبرة من بعير، وفي رواية: أخذ وبرة من الأرض. وذكره في "البسيط" وزاد فيه: أن ذلك حين انصرافه من خيبر. وفي "الوسيط" (٢): أخذ وبرة البعير أو من غيره، وأخرج البيهقي (٣) بسنده عن أم حبيبة بنت العرباض عن أبيها: أن النبي ﷺ أخذ وبرة من الفيء (ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم) ورواية الشافعي في القديم: "ما لي مما أفاء الله عليكم"، ورواية المصنف تدل على أن المراد بما أفاء الله الغنيمة نسخة، قال: "ولا مثل هذا"، وفي رواية (مثل هذه إلا الخمس) وأخرج البيهقي بسنده عن أم حبيبة بنت العرباض، عن أبيها: أن النبي ﷺ أخذ وبرة من الفيء، فقال: "ما لي من هذِه إلا ما لأحدكم إلا الخمس" (٤). ومعلوم أن أحدهم ليس له شيء إلا من الخمس، فإن أربعة أخماسه للنبي ﷺ ، ولذلك قال البيهقي لما ذكره (٥): وفي هذا دلالة على أنه كان يستحق من الغنيمة سهمًا لأجل قوله: "إلا ما لأحدكم" (٦) وهو سهم فارس إن كان فارسًا، وسهم راجل إن كان راجلًا.

стр. 7616

قال ابن الرفعة: وقد يقال: إن المراد بالغنيمة في رواية عمرو بن عبسة (١): الفيء؛ لأن للنبي ﷺ من الغنيمة وراء الخمس الصفي، لكن حكى الإمام عن بعض الأصحاب أن الصفي يكون محسوبًا من خمس النبي ﷺ (٢). ولعل المأخذ في هذا الوجه الحديث؛ فإنه شاهد له. (والخمس مردود فيكم) أو "عليكم" كما ذكره غيره (٣)، المراد به بعد موته، والمخاطب بذلك المؤمنين، فيتعين أن يكون هو المراد بالمصالح كسد الثغور، وعمارة القناطر، وأرزاق القضاة، وعمال الصدقة، والقسام.

стр. 7617

١٦٢ - باب في الوَفاء بِالعَهْدِ ٢٧٥٦ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ الغادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِواءٌ يَوْمَ القِيامَةِ فيقال: هذِه غَدْرَةُ فُلانٍ بْنِ فُلانٍ" (١). * * * باب الوفاء بالعهد [٢٧٥٦] (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن) الإمام (مالك) بن أنس (عن عبد الله بن دينار) مولى عبد الله بن عمر، من تابعي المدينة وثقاتهم (عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: إن الغادر) وهو الذي يواعد على أمر ولا يفي، يقال: غدر يغدر، بكسر الدال في المضارع. (يُنصَبُ له لواء) قال أهل (٢) اللغة (٣): اللواء هو الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعًا (٤) له، قالوا: ومعنى "لكل غادر لواء" أي: علامة يشتهر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس، وهو علامة لمكانه، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق لغدرة الغادر لتشهره بذلك، فتنصب للوفاء راية بيضاء وللغدر راية سوداء؛ ليشتهر

стр. 7618

بها الوفاء فيعظمونه به، والغادر فيذمونه ويلومونه بغدره (١). قال القرطبي: وقد شاهدنا هذا عادة مستمرة فيهم إلى اليوم، فمقتضى هذا الحديث: أن الغادر يفعل به مثل ذلك (٢). (يوم القيامة) ليشتهر بالخيانة والغدر فيذمه أهل الموقف، قال: ولا يتعدى أن يكون للوفي بالعهد يرفع له يوم القيامة لواء يعرف به وفاؤه بالعهد فيمدحه أهل الموقف، كما يرفع لنبينا محمد (٣) ﷺ لواء الحمد فيحمده كل من في الموقف. (فيقال: هذِه غدرة) بفتح الغين (فلان بن فلان) لما يعرفه أهل الموقف، وفي هذا بيان عظيم تحريم الغدر، لاسيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين، ولكونه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء، كما جاء في الحديث الصحيح في تعظيم كذبة الملك (٤)، وذكر القاضي عياض (٥) احتمال أن يكون المراد نهي الرعية في الغدر بالإمام فلا يشقوا عليه العصا. قال النووي: والصحيح الأول (٦).

стр. 7619

١٦٣ - باب في الإِمام يسْتَجَنُّ بِهِ في العُهُودِ ٢٧٥٧ - حدثنا محَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ البَزّازُ، قالَ: حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن أَبي الزِّنادِ عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّما الإِمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ بِهِ" (١). ٢٧٥٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْن وَهْبٍ، أَخْبَرَني عَمْرٌو، عَنْ ئكيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَليِّ بْنِ أَبي رافِعِ أَنَّ أَبا رافِعٍ أَخْبَرَهُ قال: بَعَثَتْني قُريْشٌ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمّا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُلْقيَ في قَلْبيَ الإسْلامُ، فَقلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنّي والله لا أَرْجِعُ إليْهِمْ أَبَدًا. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنّي لا أَخِيسُ بِالعَهْدِ وَلا أَحْبِسُ البُرُدَ، ولكن ارْجِعْ فَإِنْ كانَ في نَفْسِكَ الذي في نَفْسِكَ الآنَ فارْجِعْ" قال: فَذَهَبْتُ ثُمَّ أَتيْت النَّبيَّ ﷺ فَأَسْلَمْتُ. قالَ بُكيْرٌ: وَأَخْبَرَني أَنَّ أَبا رافِعٍ كانَ قِبْطِيّا. قالَ أَبُو داوُدَ: هذا كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، فَأَمّا اليَوْمَ فَلا يَصْلُحُ (٢). * * * باب يُستجنُّ بالإمام في العهود أي: يستتر بالإمام في آرائه وفي نظره بالعهود الصادرة منه. [٢٧٥٧] (حدثنا محمد بن الصباح) أبو جعفر البغدادي (البزاز) بزاءين يعني: التاجر، ولا يختص ببائع القماش (قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد) عبد الله (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن

стр. 7620

ابن هرمز (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الإمام جُنَّةٌ) أي: كالساتر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته. والمجن والجنة والجان والجنة، بكسر الجيم، والجنة بفتحها، كلها راجع إلى معنى التستر والتوقي، يعني: أنه يتقي بنظره ورأيه وعهوده في الآراء العظام، ولا يتقدم على رأيه، ولا ينفرد دونه بأمر حتى يكون هو الذي يشرع فيه. (يُقاتَلُ به) أي: يقاتل برأيه وإذنه فيكونون بين يديه، ولا يترك يباشر القتال بنفسه لما فيه [من تعرضه] (١) للهلاك، فيهلك كل من معه، كما قاتل النبي ﷺ يوم بدر وغيره؛ فإنه كان في القلب والمقاتلة أمامه. [٢٧٥٨] (حدثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري (قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب (عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) ثقة مأمون (٢) (عن الحسن بن علي بن أبي رافع) هو ثقة (٣). (أن) جده (أبا رافع أخبره قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ ) أي: جماعة من قريش رسولًا (فلما رأيت رسول الله ﷺ ) أدخل الله في قلبي برؤيته النور، وانشرح صدري للإسلام، وانشرح في قلبي وبتكملته هداية الله، وهي أشبه شيء بالضوء إذا حصل للبصر و (ألقي في قلبي) حب (الإسلام) والإيمان لله ورسوله وكتابه، وكرهت الرجوع إلى كفار

стр. 7621

قريش (فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا) عنى بالأبد: أبد حياته، كما قال تعالى: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (١). ويحتمل أن يكون المراد: لا أحب أن أرجع إليهم؛ فإن الإنسان إذا كره خصلة كره أهلها العاملين بها، وكره مخالطتهم، وعلامة صحة التوبة من المعصية أن يهجر من كان يعاشره في تلك المعصية. (فقال رسول الله ﷺ : إني لا أَخِيس) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت ثم سين مهملة (بالعهد) أي: لا أنقضه ولا أنكثه، أصله من قولك: خاس الشيء في الإناء إذا فسد. قال في "النهاية": خاس بعهده يخيس، وخاس بوعده أخلفه، خاس بعهده إذا نقضه. وأصله من خاس الشيء في الوعاء إذا فسد، ويقال: خاس بوعده إذا أخلفه (٢). قال الجوهري: خاس به يخيس ويخوس، أي: غدر به، وخاس الطعام إذا فسد (٣). وفيه دليل على وجوب الوفاء بالشرط الصحيح مع المسلمين والكفار، وقوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" كما أخرجه أبو داود (٤) والترمذي (٥)، زاد الترمذي: إلا "شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا". والمعتاد في الشرط أن يقول": صالحناكم على أن (٦) من جاءكم من

стр. 7622

المسلمين رددتموه، ومن جاءنا منكم مسلمًا رددناه. ونقل الروياني عن النص أنه يفسد العقد بهذا الشرط (١). (ولا أحبِس) بكسر الباء الموحدة (البُرُد) بضم الباء الموحدة والراء، جمع (٢) بريد، ويجوز إسكانها، تقول: لا أحبس الرسل الواردين علي من الملوك وأطراف البلاد. واحدها بريد وهو الرسول، قال الرافعي: لا يقتل رسولهم، وقد جرت السنة أن لا تقتل الرسل أي: ولا تحبس عن الرجوع، ولا تمنع من دخول [دار الإسلام] (٣) لا دار الرسالة. قال المنذري: يشبه أن يكون المعنى: إن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول فصار كأنه عقد له العقد مدة مجيئه ورجوعه (٤). (ولكن ارجع) إليهم، فإن قيل: كيف أمره بالرجوع إليهم مع أنه أقسم أن لا يرجع إليهم؟ والجواب: يحتمل أنه لم يأمره بالكفارة؛ لأنها لا تجب عليه إلا بالرجوع وهو لم يرجع الآن، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة (٥)، وقد يستدل به من يقول: إن الكافر إذا أسلم وقد لزمته كفارة يمين أنها

стр. 7623

تسقط بالإسلام؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، والصحيح لا تسقط (١). (فإن كان في نفسك) يحتمل أن تكون كان هنا تامة، وهي التي يكتفى بمرفوعها، وهي تفيد التقدير للشيء، وتقدر بثبت، أي (٢): فإن ثبت في نفسك بعد الرجوع (الذي) ثبت (في نفسك الآن) من الإسلام (فارجع) إلينا، فإنه خير. (قال: فذهبت) إليهم فبلغتهم الجواب (ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت) يحتمل أن المراد: أظهرت الإسلام وتلفظت به؛ فإن مجرد التصديق بالقلب لا يكفي، بل لابد من الإقرار باللسان؛ لأن القول مأمور به كالعقد؛ لقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" (٤). فلابد من العقد والقول، وعلى هذا فالتلفظ شرط، لا ركن. (قال بكير) بن الأشج: (فأخبرني) الحسن (أن أبا رافع كان قبطيًّا) القبط، بكسر القاف، نصارى مصر. (قال أبو داود: هذا) يعني: رد من جاء من الكفار إلى دار الإسلام وأسلم أو أراد الإسلام إليهم (كان في ذلك الزمان) أي: زمن مهادنة النبي ﷺ قريشًا عام الحديبية (فأما اليوم) فقد أظهر الله دين الإسلام على الدين كله وأعزه (فلا يصلح) رد المسلم بعد أن شرطت إن أزد في المدة التي ماددتهم عليها أن أرد من جاءني منهم مسلمًا.

стр. 7624

١٦٤ - باب في الإِمامِ يَكونُ بيْنَهُ وَبينَ العَدُوِّ عهْدٌ فيسِيرُ إليْهِ ٢٧٥١ - حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَريُّ، قالَ: حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الفيضِ، عَنْ سُليْمِ بْنِ عامِرٍ - رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ - قال: كانَ بيْنَ مُعاوِيَةَ وَبيْنَ الرّومِ عَهْدٌ وَكانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلادِهِمْ حَتَّى إِذا انْقَضَى العَهْدُ غَزاهُمْ فَجاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقول: الله أَكْبَرُ اللهُ فيَ وَفاءٌ لا غَدْرٌ. فَنَظَرُوا فَإِذا عَمْرُو بْن عَبَسَةَ، فَأَرْسَلَ إِليْهِ مُعاوِيَةُ فَسَأَله، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كانَ بيْنَهُ وَبيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلا يَحُلُّها حَتَّى يَنْقَضيَ أَمَدُها أَوْ يَنْبِذَ إِليْهِمْ عَلَى سَواءٍ" .. فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ (١). * * * باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه أي: نحو عدوه ليقرب منهم فيغير بعد المدة عليهم. [٢٧٥٩] (حدثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة (النمري) بفتح النون والميم الحوضي. (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي (عن أبي الفيض) اسمه موسى بن أيوب (عن سليم) بضم السين وفتح اللام (بن عامر) الخبائري بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وكسر الياء تحتها نقطتان وبالراء، الكلاعي بفتح الكاف من تابعي الشام، كثير الحديث (رجل) بالجر على البدل مما قبله (من حمير) بكسر الحاء المهملة وإسكان الميم. (قال: كان) معاوية يسير في أرض الروم، وكان (بين معاوية وبين) أهل (الروم عهد) مؤقت إلى مدة

стр. 7625

بأمانهم وترك القتال معهم إلى أن تنقضي المدة (وكان يسير نحو بلادهم) رواية الترمذي: وكان يسير في بلادهم (١). ورواية (٢) أحمد بن حنبل: فأراد أن يدنو منهم (٣) (حتى إذا أنقضى العهد) يعني: انقضت مدة عهدهم (غزاهم) رواية الترمذي: أغار عليهم. وهو الذي بوب عليه المصنف ﵀. (فجاء رجل) رواية أحمد: فإذا شيخ (على فرس أو بِرْذَونٍ) بكسر الباء وفتح الذال المعجمة: الدابة الثقيلة المشي (وهو يقول: الله أكبر الله أكبر) فيه التكبير عند ظهور عز الإسلام. (وفاءً) بالنصب والتنوين منصوب بفعل محذوف؛ لأن المصدر المؤكد يتصدره بقوة عامله، وتقدير معناه عند السامع تقديره أوف لهم وفاء (لا غدر) فيه بالنصب [كقوله شكرًا لا كفرًا، والغدر نقض العهد (٤) (فنظروا فإذا) هو (عمرو] (٥) بن عَبَسة) بن عامر كما تقدم (فأرسل إليه معاوية) رواية الترمذي: فسأله معاوية. فيحتمل أنه لما سئل بإذنه كان كمن سأله فأطلق عليه مجازًا (فسأله فقال: ) عمرو (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم عهد) أي: إلى مدة أو مطلقًا (فلا يشُدَّ عقدةً) بالنصب والتنوين، ورواية الترمذي: "فلا يخلف عهدًا". أي: العهد الذي بينهم، ويجوز وفاء لا غدر - بالرفع - وكذا في بعض النسخ (ولا يحُلَّها) رواية الترمذي: "ولا يشدنه" (حتى ينقضي) رواية الترمذي: حتى يمضي (أمدُها) قال العلماء: إذا هادنهم

стр. 7626

الإمام بعقد صحيح فيجب الكف عنهم إلى انقضاء المدة، أو إلى خيانة تصدر منهم تناقض العهد فيغتالهم إن علموا أنها خيانة، فإن لم يعلموا ففي اغتيالهم من غير إنذار وجهان لأصحابنا (١). قال الخطابي (٢): إنما كره عمرو مسير معاوية إلى ما يتاخم بلاد العدو والإقامة بقرب دارهم من أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره (٣) بعد انقضاء المدة كالمشروط مع المدة المضروبة في أن لا يغزوهم فيها فيأمنوه على أنفسهم، فإذا كان مسيره (٤) إليهم في أيام الهدنة حتى ينيخ بقرب دارهم، كان إيقاعه بهم قبل الوقت الذي يتوقعونه فكان ذلك داخلًا عند عمرو في معنى الغدر المنهي عنه. وفيه فضيلة الوفاء بالعهد وذم النقض بالعهد ولو مع الكفار، لاسيما إذا كان العهد بالله. (أو يَنبِذَ) بفتح أوله (إليهم) عهدهم، أي: يعلمهم بأنه قد نقض عهدهم حتى يبقى علمه وعلم العدو بأنه محارب لهم وهم حرب له، وأنه لم يبق عهد بينه وبينهم على السواء، أي: يستوي هو وهم في العلم. وعن الوليد بن مسلم: على سواء، أي: على مهل (٥). قال أبو داود: في الآية إضمار تقديره: فانبذ إليهم على سواء حتى تكون أنت وهم (على سواء) في العلم بأنك نبذت إليهم عهدهم. (فرجع معاوية) من مسيره.

стр. 7627

١٦٥ - باب في الوَفاء لِلْمُعاهِدِ وَحُرْمَةِ ذِمَّتِهِ ٢٧٦٠ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، حدثنا وَكِيعٌ، عَنْ عُييْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي بَكْرَةَ قال؛ قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعاهِدًا في غيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللهُ عَليْهِ الجَنَّةَ" (١). * * * باب الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته قوله: للمعاهد. بكسر الهاء. [٢٧٦٠] (حدثنا عثمان) بن محمد بن إبراهيم (بن أبي شيبة) العنسي الكوفي، قال (حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن) بن جوشن بفتح الجيم وإسكان الواو وفتح الشين المعجمة (عن أبيه) عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني (عن أبي بكرة) نفيع (قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل معاهدًا) بفتح الهاء اسم مفعول، وهو الذي عوهد بعهد، أي: صولح، ويجوز كسر الهاء على الفاعل؛ لأن من عاهدته فقد عاهدك، لكن الفتح أكثر. وفي رواية للنسائي: "من قتل رجلًا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة" (٢) ورواية الترمذي (٣): "من قتل نفسًا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله" (في غير كُنهِهِ) بضم الكاف. قال ابن الأثير: كنه الأمر وقته

стр. 7628

وحقيقته (١). والمراد به هاهنا: الوقت المعاهد الذي بينك وبينه فيه عهد وأمان، فإذا قتلته قبل وقته كان قتلك ظلمًا بغير ذنب، ولهذا بوب عليه البخاري: من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته (٢) (حرَّم الله عليه الجنة) فإن قيل: كيف تحرم عليه الجنة (٣) والمؤمنون مقطوع لهم بدخول الجنة؟ فالجواب: أن المراد أنه لا يدخلها مع أول من يدخلها من المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر.

стр. 7629

١٦٦ - باب في الرُّسُلِ ٢٧٦١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْن عَمْرٍو الرّازيُّ، حدثنا سَلَمَةُ - يَعْني ابن الفَضْلِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ قال: كانَ مُسيْلِمَةُ كَتَبَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قال: وَقَدْ حَدَّثَني محَمَّد بْن إِسْحاقَ، عَنْ شيْخٍ مِنْ أَشْجَعَ يُقالُ لَهُ: سَعْدُ بْن طارِقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعيْمِ ابْنِ مَسْعُودٍ الأشجَعيِّ، عَنْ أَبِيهِ نُعيْم قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُما حِينَ قَرَأ كِتابَ مُسيْلِمَةَ: "ما تَقُولانِ أَنْتُما". قالا: نَقُولُ كَما قالَ. قالَ: "أَما والله لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْناقَكُما" (١). ٢٧٦٢ - حدثنا محَمَّد بْن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيان، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ فَقالَ: ما بيْني وَبيْنَ أَحَدٍ مِنَ العَرَبِ حِنَةٌ وَإِنّي مَرَرْتُ بِمَسْجِدٍ لِبَني حَنِيفَةَ فَإِذا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُسيْلِمَةَ. فَأَرْسَلَ إِليْهِمْ عَبْدُ اللهِ فَجيءَ بِهِمْ فاسْتَتابَهُمْ غيْرَ ابن النَّوّاحَةِ قالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْلا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ" فَأَنْتَ اليَوْمَ لَسْتَ بِرَسُولٍ فَأَمَرَ قَرَظَةَ بنَ كَعْبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ في السُّوقِ، ثُمَّ قال: مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى ابن النَّوّاحَةِ قَتِيلاً بِالسُّوقِ (٢). * * * باب في الرُّسل بضم السين ويجوز إسكانها. [٢٧٦١] (حدثنا محمد بن عمرو) بن بكر بن سالم (الرازي) المعروف بزنيج، مات سنة أربعين ومائتين (قال: حدثنا سلمة) بفتح اللام (يعني:

стр. 7630

ابن الفضل) الأبرش الأزرق قاضي الري، قال أبو حاتم: محله الصدق (١) (عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي. (عن شيخ من أشجع يقال له: سعد بن طارق) بن أشيم، أبو مالك الأشجعي الكوفي (عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي) له ولأبيه صحبة. (عن أبيه نعيم) بن مسعود بن عامر الأشجعي، أسلم بالخندق. (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما) رواية أحمد (٢) والحاكم (٣): أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ رسولين لمسيلمة (حين قرأ كتاب مسيلمة) بن حبيب الكذاب، وكان المسلمون يذكرونه بتصغير الاسم على الاحتقار له، وقوم يأبون ذلك، وكان صاحب نارنجيات (٤)، وبذلك اغتر قوم، فقتله وحشي بن حرب قاتل حمزة بن عبد المطلب في خلافة أبي بكر الصديق (٥)، وفي رواية لأحمد: قال: جاء ابن النواحة، وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي ﷺ (٦). (ما تقولان أنتما) في مسيلمة؟ (قالا: نقول كما قال) رواية أحمد والحاكم: فقال لهما: "أتشهدان أني رسول الله ﷺ " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله (قال: أمَا) بفتح الهمزة أصله أما ثم حذفت الهمزة تخفيفًا، ومعناها تحقيق الكلام الذي يتلوه تقول: أما إن زيدًا عاقل.

стр. 7631

يعني: أنه عاقل على الحقيقة لا على المجاز. (والله لولا إن) بكسر الهمزة (الرسل لا تقتل) رواية أحمد والحاكم: لو كنت قاتلًا رسولًا (لضربت أعناقكما) فجرت السنة أن لا تقتل الرسل، والرسولان ابن النواحة، وابن أثال رسولا مسيلمة، كما صرح به أحمد في روايته، وفي هذا الحديث حجة على من شرط لصحة الأمان أن يكون مع مدعي الرسالة كتاب، والصحيح أن هذا شرط لصحة صدق الرسول لا لأمنه (١)، وقد استدل بالحديث من يقول: إن الصيغة في الأمان لا تشاطر. [٢٧٦٢] (حدثنا محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي البصري، قال: (أخبرنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي، بفتح السين، الهمداني التابعي. (عن حارثة) بفتح الحاء المهملة، وبعد الراء ثاء مثلثة (بن مُضرِّب) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبالباء الموحدة (أنه أتى عبد الله) بن مسعود (فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة، ثم هاء، هذِه الرواية المشهورة، واللغة الفصحى في اللغة: إحنة، بكسر الهمزة وإسكان الحاء المهملة. قال الجوهري: يقال: في صدره عليّ إحنة. ولا تقل: حنة، والجمع إحَن، وقد أحنت عليه بالك، قال الشاعر: إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها (٢)

стр. 7632

قوله: فلا تستثرها، هو بعد السين مثناة فوق ثم مثلثة، والإحنة: الحقد وإضمار العداوة. وفيه فضيلة ابن مسعود وسلامة صدره للخلق كلهم، وهذا كالتمهيد لروايته الآتية حتى لا يتهم فيها. (وإني مررت بمسجد لبني حنيفة) بن لجيم، بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء، وكان هذا المسجد بالكوفة يتردد إليه بنو حنيفة، وهم قبيلة كبيرة (فإذا هم يؤمنون بمسيلمة) الكذاب، أي: يصدقونه فيما ادعى وافتراه. (فأرسل إليهم عبد الله) بن عباس (١) (فجيء بهم) وذكر أبو نعيم في ترجمة وَبَر بن مُشَهَّرٍ الحَنَفِيَّ أن مسيلمة بعثه هو وابن شَغَاف الحَنَفِي وابن النواحة، فأما وَبَر فأسلم، وأما الآخران فشهدا أنه رسول الله، وأن مسيلمة من بعده فقال: خذوهما (٢). (فاستتابهم غيرَ) عباد بن الحارث وشهرته (ابن النَّوَّاحة) بفتح النون وتشديد الواو وبالحاء المهملة، فإنه (قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك) أي: لولا علة الرسالة لضربت عنقك، أي: لأمرت بضربه (فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرَظَة) بفتح القاف والراء والظاء المعجمة (بن كعب) بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا، وفتح الري في زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وشهد مع علي مشاهده كلها، وتوفي في خلافته بالكوفة (فضرب عنقه) لأن علة الرسالة قد زالت، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين في

стр. 7633

وجوب استتابته كما قال مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد في إحدى الروايتين (٣). وقال أبو حنيفة: لا يجب استتابة المرتد عن الإسلام، ويقتل في الحال إلا أن يطلب أن يؤجل فيؤجل ثلاثًا، وهذا لم يطلب التأجيل (٤). قال الخطابي: ومعلوم أن هؤلاء أسروا بالكفر، ولم يمكنهم إظهاره بالكوفة في مسجدهم وهي دار الإسلام فرفع أمرهم إلى ابن مسعود فاستتاب قومًا منهم، بخلاف ابن (٥) النواحة فإنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة الكذاب، فلم يعرض عليه التوبة ورأى الصلاح في قتله، وإلى نحو هذا ذهب أكثر العلماء في أمر هؤلاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية (٦) (بالسوق) ليظهر أمره ويشهر أمره بين المسلمين؛ فإنه قد استحق إراقة دمه. (ثم قال: من أراد أن ينظر إلى) عباد (بن النواحة قتيلاً) أي مقتولًا (بالسوق) فيه حذف جواب الشرط أي: فلينظر إليه. وفيه إشهار قتل من تعين قتله بالأسواق والطرق المسلوكة كثيرًا ونحوها؛ ليظهر أمره ويرتدع برؤيته أمثاله وينزجروا عن فسادهم.

стр. 7634

١٦٧ - باب في أَمانِ المَرْأَةِ ٢٧٦٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِح، حدثنا ابن وَهْب، قال: أَخْبَرَني عِياضُ بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُليْمانَ، عَنْ كريْب، عَنِ ابن عَبّاس قال: حَدَّثَتْني أُمّ هانِئِ بِنْت أَبِي طالِبِ أنَها أَجارَتْ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَأَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: "قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ وَأَمَّنّا مَنْ أَمَّنْتِ" (١). ٢٧٦٤ - حدثنا عُثْمانُ بْن أَبِي شيْبَةَ، حدثنا سُفْيانُ بْنُ عُييْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إِنْ كانَتِ الَمرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُؤْمِنِينَ فيجُوزُ (٢). * * * باب أمان المرأة [٢٧٦٣] (حدثنا أحمد بن صالح) المعروف بابن الطبري الحافظ (٣). قال (٤): (حدثنا) عبد الله (ابن وهب قال: أخبرني عياض) بكسر العين المهملة وتخفيف المثناة تحت (بن عبد الله) الفهري، قال الذهبي: وثق (٥). (عن مخرمة) بالخاء المعجمة (بن سليمان) الأسدي الوالبي بالباء الموحدة بعد اللام، وقتل بقديد (٦) (عن كريب، عن ابن عباس ﵄ عن أم هانئ) بهمز آخره فاختة، بالخاء المعجمة، صرح

стр. 7635

باسمها الطبراني (١) أنه ﷺ قال لها: "مرحبًا بفاختة أم هانئ"، وادعى الحاكم تواتره (٢)، وقيل: اسمها هند. قاله الشافعي، وقيل: عاتكة، وحكاه ابن حبان (٣)، وقيل: حمامة. حكاه الزبير بن بكار، وقيل: إن حمامة أختها (٤) (بنت أبي طالب) بن عبد المطلب زوجة هبيرة، خطبها النبي ﷺ فقالت: والله، إني كنت أختك في الجاهلية فكيف في الإسلام؟ ! ولكني امرأة مصبية. فسكت عنها (أنها أجارت رجلًا من المشركين) رواه في "الموطأ" (٥) والصحيحين (٦)، وفيه: قاتل رجلًا أجرته فلان بن هبيرة. واسمه جعدة. وقال أبو عبيدة بن سلام: إنما أجارت هبيرة أو أبو هبيرة شك. وفي الترمذي من حديث أم هانئ: أجرت رجلين من أحمائي. يعني: الحارث ابن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميين، كذا ساقه الحاكم في ترجمة الحارث بن هشام بسند فيه الواقدي، وكذا رواه الأزرقي، عن الواقدي عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن أم هانئ فذكر الحديث وفي آخره: فكان الذي أجارت عبد الله بن ربيعة والحارث بن هشام (يوم الفتح) أي: فتح مكة، فأراد علي ﵁ قتلهما، فدخلت أم هانئ إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي الضحى (فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له) فأمضى جوارها (فقال: قد أجرنا من أجرت وآمَنَّا
следующие страницы →