← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

يعني: أنه عاقل على الحقيقة لا على المجاز. (والله لولا إن) بكسر الهمزة (الرسل لا تقتل) رواية أحمد والحاكم: لو كنت قاتلًا رسولًا (لضربت أعناقكما) فجرت السنة أن لا تقتل الرسل، والرسولان ابن النواحة، وابن أثال رسولا مسيلمة، كما صرح به أحمد في روايته، وفي هذا الحديث حجة على من شرط لصحة الأمان أن يكون مع مدعي الرسالة كتاب، والصحيح أن هذا شرط لصحة صدق الرسول لا لأمنه (١)، وقد استدل بالحديث من يقول: إن الصيغة في الأمان لا تشاطر. [٢٧٦٢] (حدثنا محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي البصري، قال: (أخبرنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي، بفتح السين، الهمداني التابعي. (عن حارثة) بفتح الحاء المهملة، وبعد الراء ثاء مثلثة (بن مُضرِّب) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبالباء الموحدة (أنه أتى عبد الله) بن مسعود (فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة، ثم هاء، هذِه الرواية المشهورة، واللغة الفصحى في اللغة: إحنة، بكسر الهمزة وإسكان الحاء المهملة. قال الجوهري: يقال: في صدره عليّ إحنة. ولا تقل: حنة، والجمع إحَن، وقد أحنت عليه بالك، قال الشاعر: إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها (٢)

стр. 7632

قوله: فلا تستثرها، هو بعد السين مثناة فوق ثم مثلثة، والإحنة: الحقد وإضمار العداوة. وفيه فضيلة ابن مسعود وسلامة صدره للخلق كلهم، وهذا كالتمهيد لروايته الآتية حتى لا يتهم فيها. (وإني مررت بمسجد لبني حنيفة) بن لجيم، بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء، وكان هذا المسجد بالكوفة يتردد إليه بنو حنيفة، وهم قبيلة كبيرة (فإذا هم يؤمنون بمسيلمة) الكذاب، أي: يصدقونه فيما ادعى وافتراه. (فأرسل إليهم عبد الله) بن عباس (١) (فجيء بهم) وذكر أبو نعيم في ترجمة وَبَر بن مُشَهَّرٍ الحَنَفِيَّ أن مسيلمة بعثه هو وابن شَغَاف الحَنَفِي وابن النواحة، فأما وَبَر فأسلم، وأما الآخران فشهدا أنه رسول الله، وأن مسيلمة من بعده فقال: خذوهما (٢). (فاستتابهم غيرَ) عباد بن الحارث وشهرته (ابن النَّوَّاحة) بفتح النون وتشديد الواو وبالحاء المهملة، فإنه (قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك) أي: لولا علة الرسالة لضربت عنقك، أي: لأمرت بضربه (فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرَظَة) بفتح القاف والراء والظاء المعجمة (بن كعب) بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا، وفتح الري في زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وشهد مع علي مشاهده كلها، وتوفي في خلافته بالكوفة (فضرب عنقه) لأن علة الرسالة قد زالت، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين في

стр. 7633

وجوب استتابته كما قال مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد في إحدى الروايتين (٣). وقال أبو حنيفة: لا يجب استتابة المرتد عن الإسلام، ويقتل في الحال إلا أن يطلب أن يؤجل فيؤجل ثلاثًا، وهذا لم يطلب التأجيل (٤). قال الخطابي: ومعلوم أن هؤلاء أسروا بالكفر، ولم يمكنهم إظهاره بالكوفة في مسجدهم وهي دار الإسلام فرفع أمرهم إلى ابن مسعود فاستتاب قومًا منهم، بخلاف ابن (٥) النواحة فإنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة الكذاب، فلم يعرض عليه التوبة ورأى الصلاح في قتله، وإلى نحو هذا ذهب أكثر العلماء في أمر هؤلاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية (٦) (بالسوق) ليظهر أمره ويشهر أمره بين المسلمين؛ فإنه قد استحق إراقة دمه. (ثم قال: من أراد أن ينظر إلى) عباد (بن النواحة قتيلاً) أي مقتولًا (بالسوق) فيه حذف جواب الشرط أي: فلينظر إليه. وفيه إشهار قتل من تعين قتله بالأسواق والطرق المسلوكة كثيرًا ونحوها؛ ليظهر أمره ويرتدع برؤيته أمثاله وينزجروا عن فسادهم.

стр. 7634

١٦٧ - باب في أَمانِ المَرْأَةِ ٢٧٦٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِح، حدثنا ابن وَهْب، قال: أَخْبَرَني عِياضُ بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُليْمانَ، عَنْ كريْب، عَنِ ابن عَبّاس قال: حَدَّثَتْني أُمّ هانِئِ بِنْت أَبِي طالِبِ أنَها أَجارَتْ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَأَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: "قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ وَأَمَّنّا مَنْ أَمَّنْتِ" (١). ٢٧٦٤ - حدثنا عُثْمانُ بْن أَبِي شيْبَةَ، حدثنا سُفْيانُ بْنُ عُييْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إِنْ كانَتِ الَمرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُؤْمِنِينَ فيجُوزُ (٢). * * * باب أمان المرأة [٢٧٦٣] (حدثنا أحمد بن صالح) المعروف بابن الطبري الحافظ (٣). قال (٤): (حدثنا) عبد الله (ابن وهب قال: أخبرني عياض) بكسر العين المهملة وتخفيف المثناة تحت (بن عبد الله) الفهري، قال الذهبي: وثق (٥). (عن مخرمة) بالخاء المعجمة (بن سليمان) الأسدي الوالبي بالباء الموحدة بعد اللام، وقتل بقديد (٦) (عن كريب، عن ابن عباس ﵄ عن أم هانئ) بهمز آخره فاختة، بالخاء المعجمة، صرح

стр. 7635

باسمها الطبراني (١) أنه ﷺ قال لها: "مرحبًا بفاختة أم هانئ"، وادعى الحاكم تواتره (٢)، وقيل: اسمها هند. قاله الشافعي، وقيل: عاتكة، وحكاه ابن حبان (٣)، وقيل: حمامة. حكاه الزبير بن بكار، وقيل: إن حمامة أختها (٤) (بنت أبي طالب) بن عبد المطلب زوجة هبيرة، خطبها النبي ﷺ فقالت: والله، إني كنت أختك في الجاهلية فكيف في الإسلام؟ ! ولكني امرأة مصبية. فسكت عنها (أنها أجارت رجلًا من المشركين) رواه في "الموطأ" (٥) والصحيحين (٦)، وفيه: قاتل رجلًا أجرته فلان بن هبيرة. واسمه جعدة. وقال أبو عبيدة بن سلام: إنما أجارت هبيرة أو أبو هبيرة شك. وفي الترمذي من حديث أم هانئ: أجرت رجلين من أحمائي. يعني: الحارث ابن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميين، كذا ساقه الحاكم في ترجمة الحارث بن هشام بسند فيه الواقدي، وكذا رواه الأزرقي، عن الواقدي عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن أم هانئ فذكر الحديث وفي آخره: فكان الذي أجارت عبد الله بن ربيعة والحارث بن هشام (يوم الفتح) أي: فتح مكة، فأراد علي ﵁ قتلهما، فدخلت أم هانئ إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي الضحى (فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له) فأمضى جوارها (فقال: قد أجرنا من أجرت وآمَنَّا

стр. 7636

من آمَنْتِ) بمد الهمزة فيهما. استدل به على أن مكة فتحت عنوة؛ إذ لو فتحت صلحًا لما احتيج إلى جوارها، بل استحقا الأمان بالصلح، ولما أراد علي قتلهما، وهو قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والأوزاعي (١). قال الماوردي (٢): وأكثر الفقهاء وأصحاب (٣) المغازي أنه ﷺ منَّ على أهلها فَلَمْ يَسْب وَلَمْ يَغْنَمْ لِعَفْوهِ، واستدلوا بآيات منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني: والله أعلم أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، ولو قاتلوا لم ينصروا. فإن قيل: فما فائدة قوله: "أجرنا من أجرت وآمنا من آمنت" على قول الشافعي (٤) ومن تابعه أنها فتحت صلحًا؟ قلت: لعل فائدته عقد أمان يأتي من دخلها بعد القتال؛ فإن الأمان الأول لا يشمله، ولفظه: "قد أجرنا" يشعر بأن المراد تقرير الحكم وتبيينه. [٢٧٦٤] (حدثنا عثمان) بن محمد بن إبراهيم (بن (٥) أبي شيبة) الكوفي قال: (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي أحد الأعلام (عن منصور) بن عبد الرحمن بن صفية (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي [الكوفي ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا.

стр. 7637

(عن الأسود)] (١) بن يزيد [بن قيس النخعي الكوفي خال إبراهيم بن يزيد] (٢) وأخو عبد الرحمن وابن أخي علقمة بن قيس، وكلهم من بني بكر ابن النخع. (عن عائشة قالت: إن كانت المرأة لتجير) بالراء في آخره (على المؤمنين) ورواية الترمذي (٣): "إن المرأة لتأخذ للقوم". يعني: تجير على المسلمين. وقال: حديث حسن. (فيجوز) بالزاي آخره. يعني: أمانها عليهم. وفي هذا والذي قبله دليل على صحة أمان المرأة، وهو مما أجمع عليه عوام أهل العلم (٤) (٥) كما يجوز من كل مكلف، ولا يشترط وجود المصلحة مهما انتفى الضرر كما أورده الرافعي؛ لأنا لو أنطناه بالمصلحة اختص بأولي الأمر لأنهم الذين لهم النظر في المصالح العامة، وفي "الوافي في تتمة التتمة"؛ أن شرط الأمان أن يكون على جهة المصلحة، وهو أن يكون المؤمن لا يخاف شره (٦).

стр. 7638

١٦٨ - باب في صُلْح العَدُوِّ ٢٧٦٥ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ أَنَّ محَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبيْرِ، عَنِ الِمسْوَرِ بْنِ مخْرَمَةَ قال: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ زَمَنَ الحُديْبِيَةِ في بِضْعَ عَشَرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحابِهِ حَتَّى إِذا كانُوا بِذي الحُليْفَةِ قَلَّدَ الهَدى وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. وَساؤَا الَحدِيثَ قال: وَسارَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى إِذا كانَ بِالثَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عَليْهِمْ مِنْها بَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ، فَقالَ النّاسُ: حَلْ حَلْ خَلأتَ القَصْواءُ. مَرَّتيْنِ، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "ما خَلأتْ وَما ذَلِكَ لَها بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ". ثمَّ قالَ: "والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُوني اليَوْمَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِها حُرُماتِ اللهِ إِلَّا أَعْطيْتُهُمْ إِيَّاها". ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الُحديْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الماءِ، فَجاءَهُ بُديْلُ بْنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ، ثُمَّ أَتاهُ - يَعْني عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ - فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ ﷺ ، فَكُلَّما كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قائِمٌ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَمَعَهُ السّيْفُ وَعَليْهِ الِمغْفَرُ فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السّيْفِ وقالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَتِهِ. فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقال: مَنْ هذا؟ قالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقال: أي غدَرُ أَوَلَسْتُ أَسْعَى في غَدْرَتِكَ. وَكانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوالَهُمْ ثمَّ جاءَ فَأَسْلَمَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمّا الإِسْلامُ فَقَدْ قَبِلْنا، وَأَمّا المالُ فَإِنَّهُ مالُ غَدْرٍ لا حاجَةَ لَنا فِيهِ". فَذَكَرَ الَحدِيثَ، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "اكتُبْ: هذا ما قاضَى عَليْهِ مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ". وَقَصَّ الَخبَرَ فَقالَ سُهيلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لا يَأْتِيكَ مِنّا رَجُلٌ وِإنْ كانَ عَلَى دِينِكَ إِلا رَدَدْتَه إِليْنا. فَلَمّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتابِ قالَ النَّبيُّ ﷺ لأصحابِهِ: "قُومُوا فانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا". ثُمَّ جاءَ نِسْوَة مُؤْمِناتٌ مُهاجِراتٌ الآيَةَ فَنَهاهُمُ اللهُ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلى الَمدِينَةِ فَجاءَه أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُريْشٍ - يَعْني فَأَرْسَلُوا في طَلَبِهِ - فَدَفَعَهُ إِلى الرَّجُليْنِ فَخَرَجا بِهِ، حَتَّى إِذا بَلَغا ذا الحُليْفَةِ نَزَلُوا

стр. 7639

يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُليْنِ: والله إِنّي لأرَى سيْفَكَ هذا يا فُلانُ جيِّدَا. فاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقالَ: أَجَلْ قَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، فَقالَ أَبُو بَصِيرِ: أَرِني أنْظُرْ إِليْهِ. فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الَمدِينَةَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَقَدْ رَأى هذا ذُعْرًا". فَقالَ: قَدْ قُتِلَ والله صاحِبي وَإنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقال: قَدْ أَوْفَى الله ذِمَّتَكَ فَقَدْ رَدَدْتَني إِليْهِمْ ثمَّ نَجّاني الله مِنْهُمْ. فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "ويْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كانَ لَهُ أَحَدٌ". فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سيَرُدُّهُ إِليْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ، ويَنْفَلِت أَبُو جَنْدَلٍ فَلَحِقَ بِأَبي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصابَةٌ (١). ٢٧٦٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حدثنا ابن إِدْرِيسَ، قالَ: سَمِعْتُ ابن إِسْحاقَ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبيْرِ، عَنِ الِمسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَن فِيهِنَّ النّاسُ وَعَلَى أَنَّ بيْنَنا عيْبَةً مَكْفُوفَةَ وَأَنَّه لا إِسْلالَ وَلا إِغْلالَ (٢). ٢٧٦٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفيليُّ، حدثنا عِيسَى بْن يُونُسَ، حدثنا الأوزاعيُّ، عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطَيَّةَ قال: مالَ مَكْحُولٌ وابْن أَبي زَكَرِّياءَ إِلى خالِدِ بْنِ مَعْدانَ وَمِلْتُ مَعَهُما فَحَدَّثَنا عَنْ جُبيْرِ بْنِ نُفيرٍ قال: قال جُبيْرٌ: انْطَلِقْ بِنا إِلى ذي مِخْبَرٍ - رَجُلٌ مِنْ أَصْحابِ النَّبيّ ﷺ فَأَتيْناهُ فَسَأَلَهُ جُبيْرٌ، عَنِ الهُدْنَةِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "سَتُصالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوّا مِنْ وَرائِكُمْ" (٣). * * *

стр. 7640

باب صلح العدو [٢٧٦٥] (حدثنا محمد بن عبيد) بضم العين مصغر، ابن حساب الغبري (أن محمد بن ثور) الصنعاني العابد (حدثهم عن الزهري، عن عروة بن الزبير) الفقيه صائم الدهر، ومات وهو صائم (عن المسور بن مخرمة) ﵁ ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه. (قال: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُديبية) بتخفيف الياء الثانية (في بِضعَ عشْرةَ مائة) قال ابن مغلطاي وغيره (١): كان خروجه في هلال ذي القعدة، وكانوا في ألف وأربعمائة (من أصحابه) الذين يقاتلون (حتى إذا كانوا بذي الحليفة) وهي ميقات أهل المدينة (قلد الهدي) التي معه في أعناقها. والهدي: ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا ما يجزئ في الأضحية (وأشعَر) بعلامة يعرف بها [(وأحرم بالعمرة)] (٢) هذا معارض لحديث عائشة المذكور في الحج وأهل رسول الله ﷺ بالحج، وموافق لحديث ابن عباس في الحج أيضًا، وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج (وساق الحديث) المذكور كما تقدم، والله أعلم. (قال: وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية) وهي الطريق في الجبل (التي يُهبط) بضم أوله وفتح ثالثه (عليهم منها بَرَكت) بفتح الباء والراء (به راحلته) القصوى (فقال الناس: حَل حَلْ) بفتح الحاء المهملة

стр. 7641

وسكون اللام فيهما، وهو زجر للناقة إذا حملها على السير، يقال لها: (حل) ساكنة اللام فإذا كررت وقلت: (حل حل) كسرت اللام الأولى منونًا، وسكنت اللام الثانية كقولك: بخ بخ، وصه صه (١). (خَلأتِ) بفتح الخاء المعجمة وهمزة قبل التاء (٢). والخلأ في الإبل كالحران في الخيل (القصواء) الناقة التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة النبي ﷺ كذلك، وإنما كان لقبًا لها، وقيل كذلك. (مرتين، فقال النبي ﷺ : ما خلأت وما ذاك لها بخُلُق) بضم الخاء واللام، أي: عادة سبقت. (ولكن حَبَسَها حابس الفيل) أي: الذي حبس الفيل عن دخول مكة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٣). ووجهه أنه لو دخل ﷺ عامئذٍ لم يؤمن وقوع قتال كبير، وقد سبق في العلم القديم إسلام جماعة منهم؛ فحبس عن ذلك كما حبس الفيل؛ إذ لو دخل أصحاب الفيل مكة قتلوا خلقًا كثيرًا، وقد سبق العلم بإيمان قوم، فلم يكن للفيل عليهم سبيل فمنع سببه، كذا قالوا (٤). ويمكن أن يقال أنه ﷺ كان خرج إليهم على أنهم إن صدوه عن البيت قاتلهم فصدوه وبركت الناقة، فعلم أنه أمر من الله، فقاضاهم على اعتمار العام القابل.

стр. 7642

وقصته أن أبرهة جاء على الفيل بعسكره يقصد هدم الكعبة واستباحة الحرم، فلما وصل إلى ذي المجاز امتنع الفيل من التوجه إلى مكة، ولم يمتنع من غيرها، ولعل القصواء كانت كذلك. (ثم قال: والذي نفسي بيده (١) لا يسألوني اليوم خطة) بضم الخاء المعجمة، الخصلة الجميلة أو الأمر العظيم كأنه يستحق أن يخط في الدفاتر. (يُعظمون) بضم المثناة تحت (٢) (فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) وإن كان في ذلك احتمال مشقة، فيه إشارة للجنوح إلى المصالحة وترك القتال في الحرم ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجهًا. (ثم زجرها فوثبت) به (فعدل عنهم) أي: عن طريقهم (حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَد) بفتح المثلثة والميم، هو الماء القليل الذي لا مادة له، وما بعده على سبيل التفسير له (قليلِ الماء) أزاد البخاري] (٣): "يتبرضه الناس تبرضًا" (٤) بالضاد المعجمة، أي: يأخذون منه قليلًا قليلًا، وفيه (فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فجاءه).

стр. 7643

رواية البخاري: فبينما هم كذلك إذ جاء (١) (بُديل) بضم الباء الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية (٢) (ابن ورقاء) مؤنث الأورق (الخزاعي) في نفر من قومه من خزاعة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على أعداد مياه الحديبية ومعهم العُوذُ المطَافِيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا شجئنا معتمرين وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي" فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا وقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود: فقال: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه. قالوا: ائته، فأتاه (٣). (ثم أتاه عروة، يعني: ابن مسعود) الثقفي، وقد أسلم بعد ذلك ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام، فقتلوه، فقال النبي ﷺ : "مثل ياسين في قومه" (٤). (فجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما كلمه) كلمة (أخذ بلحيته) أي: بلحية

стр. 7644

النبي ﷺ [عادة للعرب يستعملونها. (والمغيرة بن شعبة قائم على) رأس (النبي ﷺ ] (١) ومعه السيف وعليه المِغْفر) بكسر الميم، وهو: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، وفي قيام المغيرة على رأسه بالسيف استحباب الفخر والخيلاء في الحرب لإرهاب العدو، وليس بداخل في ذمه من أحب أن يمثل له الناس قيامًا. رواية البخاري: فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ (فضرب يده بنعل السيف) قال الجوهري: هو ما يكون في أسفل جفن السيف من حديدة أو فضة (٢). (وقال: أخر يدك عن لحيته) ووضع اليد على اللحية كان عادة للعرب يستعملونها كثيرًا، وأكثر من يستعملها أهل اليمن، ويقصدون بذلك الملاطفة، وإنما منعه من ذلك المغيرة تعظيمًا للنبي ﷺ إذ كان إنما يفعل ذلك الرجل بنظيره، وكان النبي ﷺ لا يمنعه من ذلك تألفًا له واستمالة لقلبه (فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ ) وما رفع رأسه إلا أنه كان جالسًا، وفيه تألف الرسول بالجلوس مع الأمير (فقالوا) أي قال بعضهم هو (المغيرة بن شعبة) ولم يقولوا: عز الدين، ولا بدر الدين (فقال: أي) يا (غُدَرُ) بضم الغين المعجمة وفتح الدال وبالراء بلا تنوين، ووزنه فعل وهو من أبنية المبالغة، فوصفه بالغدر منقول من غادر مثل عمر منقول من عامر (أوَ لستُ أسعى في غدرتك) في غدرتك ببذل المال وغيره لأرفع عني شر جنايتك وأتبرأ منها؛ لأن

стр. 7645

بينهما قرابة، واستمر أقاربه بعده في دار الكفر، والغدرة بالفتح الفعلة وبالكسر أسم لما فعل من الغدر (وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم) عام الخندق وقدم مهاجرًا، وقيل: أول مشاهده الحديبية. (فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فقد قبلنا) منك ومن كل من جاء مسلمًا (وأما المال فإنه مال غَدر) فإن كان الإنسان مصاحبًا لقوم وقد أمن كل واحد منهم صاحبه فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر، والغدر بالكفار وغيرهم محظور، وإذا كانت أموالهم ثم (١) مغنومة عند القهر فلا يحل أخذها عند الأمن (لا حاجة لنا فيه) أي: في أخذه؛ لأنه علم أن أصله غصب، وفيه دليل على أن الحربي إذا أتلف مال الحربي ثم أسلم ضمنه ولزمه أن يرد إليه المثل إن كان مثليًّا وإلا قيمته، وهو أحد الوجهين لأصحابنا (٢) (٣). (فذكر الحديث) الذي رواه البخاري وغيره، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب محمد بعينيه، فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: إنه قد (٤)

стр. 7646

عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. ثم جاء سهيل فقال النبي ﷺ : "لقد سهل لكم من أمركم"، فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات (١) اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب (فقال: اكتب) "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ثم قال: (هذا ما قاضى عليه رسول الله) فقال سهيل: والله، لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال: "اكتب محمد بن عبد الله"، فقال النبي ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به"، فقال سهيل: لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذاك من العام المقبل. (فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا) وفي رواية: علينا. قوله: (رجل) يدل على أن المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء، وليس فيها نسخ حكم النساء على هذِه الرواية، وأن النساء يردهن النبي ﷺ كما رد الرجال، إلا من أجل أن الشرط إنما وقع على الرجال خاصة، ثم نزلت الآية في أمر النساء حين هاجرن إلى النبي ﷺ متممة لما تقدم من حكم برد ذلك (٢). (فلما فرغ من قضية الكتاب) بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة ثم مثناة تحت، أي: من كتابته وما وقع في أثنائه (قال النبي ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا) يدل على قيام من ينحر هديًا أو غيره، وأن نحر الإبل أفضل من ذبحها (ثم احلقوا) شعر رؤوسكم أو قصروا

стр. 7647

منها، زاد البخاري: فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج إليهم (١) ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى (٢) فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا. (ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات) من أهل مكة، فأول امرأة هاجرت بعد هجرة رسول الله ﷺ في هدنة بالحديبية أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (الآية) إلى آخرها (فنهاهم الله) تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ (٣) (أن يردوهن) إلى الكفار (فأمرهم) بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٤) (أن يردوا) أي: يعطوا الكافر (الصداق) وهو ما أنفق على زوجته إذا أسلمت، فلا يجمع على زوجها خسران الزوجية والمالية، وكان النبي ﷺ إذا امتحنهن أعطى أزواجهن مهورهن، قال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما كان في نساء أهل العهد، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد عليه الصداق، والأمر كما قال قتادة (٥). (ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير) بفتح الباء الموحدة، عبيد،

стр. 7648

بضم العين، وقيل: عتبة بن أَسِيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة القرشي (رجل) بالرفع بدل مما قبله (من قريش) زاد البخاري: وهو مسلم (يعني) نقله من كلام أبي داود مبين أنه لم يسمعه من راوي الحديث (فأرسلوا في طلبه) رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا (فدفعه إلى الرجلين) أي: رجلًا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم (فخرجا به حتى إذ بلغا ذا الحليفة) جلس أبو بصير إلى جدار وجلس معه صاحباه (نزلوا يأكلون من تمر لهم) كان معهم. (فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى) بضم الهمزة وفتحها (سيفك هذا يا فلان) أي: يا أخي بني عامر (جيدًا؟ ) قال: نعم، قال: أأنظر إليه؟ قال: إن شئت. (فاستله الآخر) لعله المولى (فقال: أجل) بإسكان اللام، أي: نعم، والقائل صاحب السيف (قد جربت به) ثم جربت به كثيرًا (١) (فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه) أي: من أخذه، فأخذه فعلاه (فضربه) به (حتى بَرَد) بفتح الراء، أي: مات وهو كناية؛ لأن البرودة لازمة للموت. وقَتْل أبي بصير لأحد الرسولين بعد أن أسلمه إليهما النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ ليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم؛ لأن هذا لم يكن من شرطهم ولا طالب أولياء القتيل النبي ﷺ بالقود من أبي بصير؛ لأن الحراسة ليست في الشرط. (وفر الآخر) يعني: المولى سريعًا (حتى أتى المدينة) والنبي ﷺ في

стр. 7649

المسجد (فدخل المسجد يعدو، فقال النبي ﷺ : لقد رأى هذا ذُعرًا) بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة، أي: فزعًا وخوفًا، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: "ويحك ما لك؟ " (فقال: قتل) بضم القاف وكسر التاء، أي: قتل (والله) صاحبكم (صاحبي وإني لمقتول) قال: فوالله فما برح (فجاء أبو بصير فقال) يا نبي الله، والله (قد أوفى الله ذمتك) يعني: أنك قد رددتني إليهم كما شرطت لهم فلا تردني الثانية (وقد رددتني إليهم) وأوفيت بشرطك (ثم نجاني الله منهم) وقد امتنعت بعون الله أن أفتن في ديني. (فقال النبي ﷺ : ويل) قال في "التنقيح": بضم اللام وكسرها (أمه) بضم الهمزة وكسرها قراءتان في السبع دعاء عليه وليس بمقصود، قال ابن مالك: أصله: ويل لأمه، فحذفت اللام فسقط التنوين للإضافة، وفي بعضها: ويلمه. بحذف الهمزة تخفيفًا وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ويل لأمه، وويل من أسماء الأفعال بمعنى العجب، واللام المحذوفة متعلقة به، واستعمال التعجب هاهنا عبارة عن إقامة الحرب وسرعة النهوض لإنفاذها والمبالغة في مدحه، وليس المراد بالدعاء وقوعه في الهلكة، لكنه جرى مجرى عادة العرب واستعمالها نقل الألفاظ الموضوعة في بابها إلى [غير ذلك] (١)، وأراد بهذا المدح له ولأمه لولادتها مثل في شجاعته دون الدعاء عليه بالويل الذي هو الهلكة، كما يقال: ثكلتك أمك، وتربت يداك، ونحوهما. (مسعر) بكسر الميم بلفظ الآلة، وبضمها بصفة اسم الفاعل من

стр. 7650

الإسعار، أي: هو مسعر (حرب) يعني: موقدها في الحرب والنجدة، والمسعر عود تحرك به النار من خشب ونحوه، ويقال: مسعار مشتق من سعرت النار والحرب إذا أوقدتهما، يريد وصفه بالمبالغة. قال القاضي: وهذا اللفظ من النبي ﷺ تعريضًا له بأن يرتصد لقطع الطريق عليهم، فعرف ذلك وفعل ما فعل، وعدم إنكاره ﷺ على أبي بصير حين بلغه ما فعل دليل على عدم وجوب الرد عليه، على أنه يجوز أن يقال: ما فعله النبي ﷺ أولًا حصل وفاء العهد به؛ لأن رده على رسوله رد عليهم فليس في اللفظ ما يوجب التكرار، والله أعلم. (لو كان له أحد) جواب (لو) محذوف يدل عليه السياق، أي: لو فرض له أحد ينصره وعلم منه أنه سيرده إليهم؛ إذ لا ناصر له (فلما سمع ذلك عرف) يعني (١) (أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى) الغيض من ناحية ذي المروة على (سيف) بكسر السين المهملة (البحر) أي: ساحله بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، الإضافة للبيان لا للتمييز، وجعل يطلب غرة أهل مكة ويغتال من يطلبه منهم؛ لأن طالبه ناقض للأمان لكونه بغير حق، وهو لا يجوز له الرجوع إليهم، وقد صرح الأصحاب بأن الرجوع ليس بواجب عليه؛ فإن المراد بالرد المشروط تمكنهم منه كما صرح الماوردي (٢) والقاضي حسين، وكذلك يفعل إذا شرطنا لهم رد من جاءنا منهم؛ لأنا (٣) نرسله

стр. 7651

إليهم، ولا يبعد تسمية التخلية أبينه وبينهم ردًّا كما في رد الوديعة إلى صاحبها فإن المراد التخلية] (١) بين الوديعة وبين مالكها. (وينفلت) بإسكان النون وفتح الفاء، أي: يتخلص (أبو جندل) اسمه العاص، وغلط جماعة فيه فقالوا: عبد الله. قال ابن الصلاح: إنما عبد الله أخوه. بفتح الجيم، ابن سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، أسلم بمكة ومات في خلافة عمر بن الخطاب (فلحق بأبي بصير) [زاد البخاري: فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير] (٢) (حتى اجتمعت منهم) أي: من المسلمين (عصابة) وزاد: فوالله ما يسمعون بعير خرجت من قريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. قال في "عيون الأثر": انفلت أبو جندل بن سهيل في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في هدنة، وكان أبو بصير يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان يؤمهم (٣) انتهى. ولما لحق أبو جندل بما معه من الجماعة بأبي بصير وآذوا المشركين رضي المشركون بحل هذا الشرط، وأن يكفيهم النبي ﷺ نكايته ويكف عنهم أذاه. [٢٧٦٦] (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي، قال: (أخبرنا) عبد الله (ابن إدريس) الكوفي أحد الأعلام (قال: سمعت) محمد

стр. 7652

(ابن إسحاق) بن يسار صاحب "المغازي" (عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أمية ولد على عهد رسول الله ﷺ ، قيل: سنة اثنتين من الهجرة، ولم ير النبي ﷺ ؛ لأن النبي نفى أباه إلى الطائف، فلم يزل بها حتى ولي عثمان، فرده إلى المدينة وقدمها هو وابنه. (أنهم اصطلحوا) توضحه (١) رواية الإمام أحمد (٢): هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، وسهيل بن عمرو (على وضع الحرب) أي: على ترك القتال بينهم (عشر سنين يأمن فيهم) رواية أحمد: يأمن فيها (الناس) وأصله في الصحيحين في قصة الحديبية من غير ذكر المدة، قال البيهقي: المحفوظ أن المدة كانت عشر سنين كما رواه ابن إسحاق (٣)، وروى في "الدلائل" (٤) عن موسى بن عقبة وعروة في آخر الحديبية، وكان الصلح بينه وبين قريش سنتين، وقال: هو محمول على أن المدة قبل النقض وقعت هذا العدد، وهو صحيح، وأما أصل الصلح فكان على عشر سنين. قال: ورواه عاصم العمري عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنها كانت أربع سنين، وعاصم ضعفه البخاري (٥) وغيره، لكن صححه من طريق الحاكم، كما حكاه شيخنا ابن حجر (٦). وقد استدل بهذا على أنه إذا كان بالمسلمين ضعف وخوف جازت المهادنة عشر سنين.

стр. 7653

ووجه الدليل أنها كانت ولم يقوَ الإسلام بعد، ولا يجوز الزيادة عليها، ولكن أن النقض والحاجة باقية فيستأنف العقد، وعن صاحب "التقريب" وجه أنه يجوز الزيادة [بحسب الحاجة والمصلحة في ذلك الوقت، وروى البيهقي (١) أن النبي ﷺ ] (٢) لما هادن قريشًا عام الحديبية دخل بنو خزاعة في عهده وبنو بكر في عهد قريش، فجعل النبي ﷺ ذلك نقضا للعهد، وسار إلى مكة وفتحها قبل تمام العشر، وهذا أحد الوجهين الذين ذكرهما الأصحاب أن هذا كان سبب إبطال العهد المذكور، وهو الأصح؛ فإن النبي ﷺ أقام على الهدنة (٣) سنتين ثم أبطله لهذا. والوجه الثاني: الإبطال لا لسبب، بل هو فسخ للزائد على الأشهر الأربعة، وعلى هذا فلا تجوز الزيادة على أربعة أشهر لا لحاجة ولا ضرورة. (وعلى أن بيننا عيبةً) بالنصب، وهو بعين مهملة مفتوحة ثم ياء مثناة تحت (٤) ثم باء موحدة، والعيبة هاهنا مثل ضربه لكل من سمعه. قال ابن الأعرابي في تفسيره: على أن بيننا وبينهم صدرًا نقيًّا من الغل والخداع والدغل مطويًّا على الوفاء بالصلح (٥). ومعنى (مكفوفة) المسرجة المشدودة، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب التي يضع الإنسان فيها متاعه، ومنه: "الأنصار كرشي وعيبتي" (٦) أي: موضع

стр. 7654

سري وأمانتي، وإذا كان هذا مع الكفار المعاهدين فبالأولى والأحرى أن تكون قلوب المسلمين بينهم على الصفاء المودة والتآلف ليشد بعضهم بعضًا. (وأنه لا إسْلال) بإسكان السينِ المهملة من السَّلة بفتح السين، وهي: السرقة الخفية، ويقال: الخلة تورث السلة، والخَّلة بفتح الخاء المعجمة الحاجة. قال الجوهري: وهذا الحديث يحتمل الرشوة والسرقة جميعًا (١). يقال: سل البعير وغيره في جوف الليل. إذا انتزعه من بين الإبل، وقيل: الإسلال الغارة الظاهرة. وقيل: سل السيوف. (ولا إغلال) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة، أي: لا خيانة، قال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان (٢). قال أبو عبيد (٣): يقال من الخيانة: أغل يغل، ومن الحقد: غل يغِل بكسر الغين في المضارع. وقيل: الإغلال لبس الدروع. [٢٧٦٧] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق، أحد الأعلام في الحفظ والعبادة، كان يحج سنة ويغزو سنة (قال: أنبأنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أحد الأعلام (عن حسان بن عطية) المحاربي، قال الذهبي: ثقة عابد نبيل، لكنه قدري (٤). (قال: مال مكحول) أبو عبد الله الشامي (و) يحيى (ابن أبي زكريا)

стр. 7655

الغساني، روى عن التابعين (إلى) أبي عبد الله (خالد بن معدان) بفتح الميم، الكلاعي بفتح الكاف، الحمصي، لقي سبعين من أصحاب النبي ﷺ (وملت معهما) إليه (فحدثنا عن) أبي عبد الرحمن (جبير بن نفير) بضم النون وفتح الفاء، ابن مالك الحضرمي تابعي مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، من ثقات الشاميين. (قال: قال جبير بن نفير: انطلق بنا إلى ذي مِخْبر) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة، ويقال: هو ذو مخمر بميم ثانية بدل الباء ابن أخي النجاشي على الصحيح، ويقال: ابن أخيه أحد خدام النبي ﷺ ، يعد في الشاميين (رجل من أصحاب النبي ﷺ ) وخدامه. (فأتيناه فسأله جبير) بن نفير (عن الهدنة) هو الاسم من المهادنة، وهي: الموادعة والمصالحة على ترك القتال، وأصله من الهدون وهو السكون (١). (فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستصالحون الروم صلحًا آمنًا) ضبطه بعضهم بمد الهمزة وكسر الميم كما سيأتي [ويجوز بقصر الهمزة وسكون الميم مصدر (وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم) سيأتي] (٢) هذا الحديث في كتاب الملاحم، وترجم عليه المصنف: باب ما يذكر من ملاحم الروم (٣)، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

стр. 7656

١٦٩ - باب في العَدُوِّ يؤْتَى عَلَى غرَّةٍ ويُتَشَبَّه بِهِمْ ٢٧٦٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِح، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ جابِرٍ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَهُ". فَقامَ مُحَمَّدُ بْن مَسْلَمَةَ فَقال: أَنا يا رَسُولَ اللهِ أتحِبُّ أَنْ أَقْتلَهُ؟ قالَ: "نَعَمْ". قال: فَأْذَنْ لي أَنْ أقولَ شيْئًا. قالَ: "نَعَمْ قُلْ". فَأَتاهُ فَقال: إِنَّ هذا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلنا الصَّدَقَةَ وَقَدْ عَنّانا. قال: وَأيْضًا لَتَمَلُّنَّهُ. قال: اتَّبَعْناهُ فَنَحْنُ نَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلى أيِّ شَيء يَصِيرُ أَمْرُهُ، وَقَدْ أَرَدْنا أَنْ تُسْلِفَنا وَسْقًا أَوْ وَسْقيْنِ. قالَ: كَعْبٌ: أي شَيء تَرْهَنُوني؟ قال: وَما تُرِيدُ مِنّا؟ قال: نِساءَكُمْ. قالُوا: سُبْحانَ اللهِ! أَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ، نَرْهَنُكَ نِساءَنا فيكونُ ذَلِكَ عارًا عَليْنا؟ ! قالَ: فَتَرْهَنُوني أَوْلادَكمْ. قالُوا: سُبْحانَ اللهِ يُسَبُّ ابن أَحَدِنا فيقالُ: رُهِنْتَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقيْنِ. قالُوا: نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ، يُرِيدُ السِّلاحَ. قالَ: نَعَمْ. فَلَمّا أَتاهُ ناداهُ فَخَرَجَ إِليْهِ وَهُوَ مُتَطيِّبٌ يَنْضَخُ رَأْسُهُ، فَلَمّا أَنْ جَلَسَ إِليْهِ وَقَدْ كانَ جاءَ مَعَهُ بِنَفَرٍ ثَلاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرُوا لَهُ، قالَ: عِنْدي فلانَة وَهيَ أَعْطرُ نِساءِ النّاسِ. قالَ: تَأْذَنُ لي فَأَشُمَّ؟ قالَ: نَعَمْ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ فَشَمَّهُ، قالَ: أَعُودُ، قالَ: نَعَمْ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ فَلَمّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قالَ: دُونَكُمْ. فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ (١). ٢٧٦٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُزابَةَ، حدتنا إِسْحاق -يَعْني: ابن مَنْصُورٍ- حدثنا أَسْباطُ الهَمْدانيُّ، عَنِ السُّدّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الإِيمانُ قيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ" (٢). * * *

стр. 7657

باب العدو يؤتى على غرة ويُتَشبه بهم حتى ينال فرصة [٢٧٦٨] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري، قال (١): (حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار) المكي الأثرم، بسكون الثاء المثلثة. (عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من لكعب بن الأشرف؟ ) وهو رجل من بني نبهان من طيء، وأمه من بني النضير، وكان شاعرًا، وكان عاهده النبي ﷺ أن لا يعين عليه أحدا، ثم جاءه مع أهل الحديبية معينًا عليه ونقض عهد النبي ﷺ وهجاه، وكان يسمى طاغوت اليهود. (فإنه قد آذى الله ورسوله) والمؤمنين وتعرض لهم بالهجو، والتعيب، والتنقص، والطعن في دينهم، وأغرى قريشًا حتى اجتمعوا لأحد، فحينئذٍ قال ذلك (٢) إغراءً بقتله، ونبه على علة ذلك، وأنه مستحق للقتل. ولا يظن أحد أنه قتل غدرًا، فمن قال ذلك قتل (٣)، كما فعله علي بن أبي طالب، وذلك أن رجلًا قال ذلك في مجلسه، فأمر علي بضرب عنقه، وقاله آخر في مجلس معاوية وأنكر ذلك عليه محمد بن مسلمة، وأنكر على معاوية سكوته وحلف أن لا يظله وإياه سقف أبدًا، ولا يخلو بقائلها إلا قتله. قال القرطبي (٤): ويظهر لي أنه يقتل ولا يستتاب؛ لأن ذلك زندقة إن

стр. 7658

نسب الغدر للنبي ﷺ ، وأما لو نسبه للمباشرين لقتله، بحيث يقول: إنهم أمنوه ثم غدروه لكانت هذِه النسبة كذبًا محضًا؛ لأنه ليس في كلامهم أنهم أمنوه. (فقام محمد بن مسلمة) بن خالد الأوسي البدري (فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ ) محبة النبي ﷺ معه للفعل كالأمر به، بل هو أبلغ وأصرح (قال: نعم، قال: فأذن لي أن أقول شيئًا) يعني أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره (قال: نعم) قال النووي (١): وفيه دليل على جواز التعريض وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح ويفهم منه المخاطب غير ذلك، وهذا جائز في الحرب والإصلاح بين الناس وغير ذلك ما لم يضيع به حقًّا شرعيًّا. (فأتاه فقال: إن هذا الرجل) ولم يقل النبي ﷺ لما يترتب عليه من المصلحة (قد سألنا الصدقة) يعني: الصدقة الواجبة (وقد عنَّانا) بتشديد النون الأولى، أي: ألزمنا العناء وكلفنا ما يشق علينا ونتكلف له، وهذا من التعريض الجائز، بل المستحب؛ لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب، لكنه تعب في مرضاة الله تعالى، فهو محبوب لنا، والذي فهمه المخاطب فهم العناء ليس بمحبوب، وأنه ليس محققًا ولا مخلصًا في اتباع النبي، وليس فيه أمان له (قال) كعب: (وأيضَا لَتَمَلُّنَّه) بفتح التاء والميم [وضم اللام] (٢) أي: لتضجرن منه أكثر من هذا الضجر، أي: بعد ذلك، قال ذلك لما فهم من

стр. 7659

عنانا، أي: الضجر والملل. قال القرطبي: وإذا تأملت كلام محمد بن مسلمة [علمت أنه] (١) من أقدر الناس على البلاغة واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة، وأنه من أكمل الناس عقلًا ورأيًا (٢). (قال) محمد بن مسلمة: (فاتبعناه، فنحن نكره أن نَدَعه) أي: نترك اتباعه (حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، وقد أردنا أن تُسْلِفنا) قرضًا (وَسْقًا أو وسقين) بفتح الواو، والوسق ستون صاعًا، ظاهره الذي يفهمه كعب هل يستمر ما هو فيه أم ينقطع؟ وباطنه في الحقيقة: حتى يظهر الله دينه على كل الأديان كلها، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا. (قال) كعب: (أي شيء ترهنوني) توضحه رواية الصحيحين (٣): وقد أردت أن تسلفني سلفًا (قال: ) فما ترهنون عندي. قال الجوهري: رهنت الشيء عند فلان، ورهنته الشيء، وأرهنته الشيء بمعنى (٤). قالوا (٥): (وما تريد منا) أن نرهن عندك؟ (قال: نساءكم) بالنصب، أي: ترهنون نساءكم عندي، لعل المراد بالرهن هنا أن تكون نساؤهم حتى يدفعوا إليه نظير ما أسلفهم (قالوا: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب، وفيه أنها تقال بحضرة الحربي كما تقال بحضرة المسلم (أنت أجمل العرب

стр. 7660

نَرْهَنُك) رواية مسلم: أنرهنك (١) (نساءنا) بزيادة همزة الاستفهام (فيكونُ ذلك عارًا علينا) بين العرب؛ [لأن النساء] (٢) إذا رأين جمالك ربما افتتن بك، فيقع علينا العار بسببهن. (قال: ترهنوني أولادكم) تشمل البنين والبنات (قالوا: سبحان الله) يراد بها التعجب، وكذا لا إله إلا الله، والله أكبر، كما تقدم. (يُسبُّ ابن أحدنا) عند المخاصمة (فيقال) له: (رُهِنت) عند كعب بن الأشرف (بوَسق) بفتح الواو، وهو ستون صاعًا (٣). قال ابن دريد: وسقت البعير، حملت عليه وسقًا (٤). قوله: (يُسَب) بضم الياء وفتح السين المهملة، هكذا الرواية المعروفة، وفي مسلم وغيره، وحكى القاضي: يَشِبُ بفتح الياء وكسر الشين المعجمة من الشباب، والصواب الأول قاله النووي (٥)، والأول قيده الطبراني. (أو وَسقين) ورواية مسلم: رهين بوسقين. فقط دون شك، فيكون ذلك عارًا عليهم (قالوا: نرهنك اللأْمَة) بالهمزة الساكنة قبل الميم وهي الدرع التي (٦) للحرب، جمعها لام بحذف الهمزة وتجمع على لؤم مثال نُغَر على غير قياس (٧). وفسر في مسلم اللأمة بالسلاح، كما

стр. 7661

فسره أبو داود بقوله: (يريد السلاح) وإنما اختاروا تعيين (١) السلاح للرهن لئلا ينكرها إذا جاؤوا إليه بها (قال: نعم) زاد مسلم: وواعده أن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاؤوا إليه ليلًا فدعوه (٢). (فلما أتاه ناداه فخرج إليه) زاد مسلم: وهو متوشح بثوب جعلها على أحد منكبيه، وأخرج الآخر (ينضخ) بالضاد والخاء المعجمتين، وهو أكثر من النضح، بالحاء المهملة، وفرق بعضهم بأن النضح بالحاء المهملة ما كان رقيقًا كالماء، وبالمعجمة ما كان ثخينًا كالطيب، وهو المراد هنا (رأسه) يعني: بالطيب. (فلما أن جلس إليه، وقد كان جاء معه بثلاثة نفر) يعني: الذي واعده أن يأتيه بهم وهم الثلاثة المذكورون: الحارث، وأبي عبس، وعباد (أو أربعة) بزيادة عمرو (فذكروا له) رواية مسلم: فقالوا: نجد منك ريح الطيب. قال: نعم، تجيء (عندي فلانة وهي أعطر نساء الناس) رواية مسلم: نساء العرب. (فقال: تأذن لي فأشَمَّ) بفتح الشين على اللغة الفصحى وضمها لغة، والمشموم المسك (قال: نعم، فأدخل يده في رأسه فشمه) بفتح الشين على اللغة الفصحى، زاد البخاري: ثم أشم أصحابه (فقال: أعود) إلى الشم؟ (قال: نعم، فأدخل يده في رأسه) أي: في شعر رأسه (فلما استمكن منه قال) من معه: (دونكم) منصوب على الإغراء، أي:

стр. 7662

بادروا إلى قتله ولازموه (فضربوه حتى قتلوه) زاد البخاري: ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه. [٢٧٦٩] (حدثنا محمد بن حُزَابة) بضم الحاء المهملة وتخفيف الزاي وبعد الألف باء موحدة، المروزي الخياط العابد، ببغداد، وثقه الخطيب (١). قال: (حدثنا إسحاق، يعني ابن منصور) السَّلولي بفتح المهملة مولاهم، صدوق، تكلم فيه للتشيع (٢) (قال: حدثنا أَسباط) بفتح الهمزة بن نصر (الهَمْداني) بسكون الميم، صدوق لكنه كثير الخطأ (٣). (عن) إسماعيل بن عبد الرحمن، أخرج له مسلم (السُّدي، عن أبيه) عبد الرحمن بن أبي كريمة (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: الإيمان قيَّدَ) [بفتح القاف وتشديد المثناة تحت] (٤) (الفَتْكَ) بفتح الفاء، وهو قتل من له أمان على غرة وغفلة، وكان كعب بن الأشرف ممن خلع الأمان ونقض العهد ولهج بسب رسول الله ﷺ وهجائه، فاستحق القتل. قال المنذري: الإيمان يمنع من الفتك كما يمنع القيد من التصرف، كأنه جعل الفتك مقيدًا، ومنه في صفة الفرس: قيد الأوابد يريد أن تلحقها بسرعة، فكأنها مقيدة لا تعدوا الفتك (٥). أن تأتي الرجل خلسة وهو غافل فتقتله، ولا يفتك، يجوز في الكاف الرفع والجزم، فيكون

стр. 7663

خبرًا (١) معناه النهي؛ لأنه متضمن المكر والخديعة، ويجوز الجزم يعني للمفعول. يعني: أن الإيمان يمنع صاحبه من الفتك كما يمنع العبد المقيد من التصرف [في قتله] (٢)، وقد بعث النبي ﷺ محمد بن مسلمة في نفر لقتل كعب بن الأشرف فقتلوه، فكيف التوفيق؛ فيحمل على النهي بعد هذِه الوقائع، [الأن إسلام أبي هريرة عام خيبر، وهذِه الوقائع قبلها، وهذا مخصوص به ﵇] (٣). (لا يَفتك) بفتح أوله (مؤمن) أي: لا يفتك مؤمن بمسلم ولا كافر، فإن قتل من له أمان حرام حرم رسول الله ﷺ .

стр. 7664

١٧٠ - باب في التَّكْبِيرِ عَلَى كلِّ شَرَفٍ في المَسِير ٢٧٧٠ - حَدَّثَني القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إِذا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُل شَرَفٍ مِنَ الأرضِ ثَلاثَ تَكْبِيراتٍ ويَقُولُ: "لا إله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُونَ ساجدُونَ لِرَبِّنا حامِدُونَ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزابَ وَحْدَهُ" (١). * * * باب في التكبير على كل شرف في السير [٢٧٧٠] (حدثنا) عبد الله (القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان إذا قَفَل) واقتفل، أي: رجع (من غزو أو حج أو عمرة) أو صلة رحم، يدل على أن الحج والعمرة في سبيل الله [كما أن الغزو في سبيل الله تعالى] (٢) (يكبر) الله تعالى (على كل شَرَف) وهو المرتفع (من الأرض ثلاث تكبيرات) وهذا التكبير لا يختص بالرجوع؛ لما رواه أبو داود أيضًا من رواية ابن عمر: كان النبي ﷺ إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا (٣). ووجه تخصيص التكبير بالارتفاع من الأرض أن الله أعلى من هذا

стр. 7665

العلو، ووجه التسبيح في الهبوط أن الله منزه عن الانخفاض والسفل، وروى الإمام أحمد (١) [وأبو يعلى] (٢) أن رسول الله ﷺ كان إذا علا نشزًا من الأرض قال: "اللهم لك الشَّرَفُ على كل شَرَفٍ، ولك الحمد على كل حال". (ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك) كله (٣) (وله الحمد) كله (وهو على كل شيء قدير، آيبون) [أي: راجعون] (٤) والأواب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى (تائبون) إلى الله تعالى مما وقع في غزونا أو حجنا (عابدون) الله تعالى، متذللون له (ساجدون لربنا) شكرًا لنعمته علينا سجدة الشكر (حامدون) الله على ما أعان على العبادة (صدق الله وعده) أي: صدق وعده في إظهار الدين وكون العاقبة للمتقين وغير ذلك من وعده سبحانه، إن الله لا يخلف الميعاد (ونصر عبده) أي: نصر نبيه ورسوله بتأييده وإعانته على أعدائه (وهزم الأحزاب وحده) أي: من غير قتال من الآدميين. قال النووي (٥): المراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله ﷺ ، فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، قال: وهذا يرتبط بقوله ﷺ : "صدق الله" تكذيبًا لقول

стр. 7666

المنافقين والذين في قلوبهم مرض ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١). هذا هو المشهور أن المراد أحزاب يوم الخندق. وقال القاضي (٢): وقيل يحتمل أن المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن. وروى المحاملي في كتاب "الدعاء" (٣) هذا الحديث، وزاد بعد قوله: وهزم الأحزاب وحده، وكل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.

стр. 7667

١٧١ - باب في الإِذْنِ في القُفُولِ بَعْدَ النَّهْى ٢٧٧١ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَني عَليُّ بْنُ حُسيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآيَةَ، نَسَخَتْها التي في النُّورِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). * * * باب الإذن في القفول بعد النهي والتسرع بعد النهي، أي باب الإذن في القفول بعد النهي عنه. [٢٧٧١] (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) بن عثمان بن مسعود (المروزي) المعروف بابن شبويه بمعجمة بعدها موحدة ثقيلة، قال: أحدثني علي بن الحسين) بالتصغير (عن أبيه) الحسين بن واقد، قاضي مرو (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي) المروزي، متقن عابد، قتله أبو مسلم (٢). (عن عكرمة، عن ابن عباس قال) في قوله تعالى ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣) نفى الله عن المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله ﷺ في التخلف دون عذر يحصل لهم، كما فعل المنافقون الذين قالوا: نستأذنه،

стр. 7668

فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا، فنزلت الآية هذِه (الآية) إلى المتقين، والآية التي بعدها، وهي ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ إلى آخرها. (نسختها) أي: والتي بعدها الآية (التي في) سورة (النور) التي أولها: (﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾) (١) الكاملون (﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾) والناسخ منها: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ (إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) قال ابن عطية: ليست آية النور بعد آية التوبة؛ لأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله ﷺ في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات، فأباح الله له أن يأذن لهم فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى، قال [الطبري] (٢): وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان (٣) بالآيتين التي في النور، وأسند عن الحسن، وعكرمة أنهما قالا في قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ نسختها الآية التي في النور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله (٤): ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). قال: وهذا غلط. يعني لما تقدم، انتهى (٦).

стр. 7669

وعن ابن عباس: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: بعد غزوة تبوك (١). وقال الجمهور: ليس كذلك؛ لأن ما قبل هذِه الآية والتي بعدها ورد في قصة تبوك قبل التقدير في آية الاستئذان: لا يستأذنك المؤمنون في الخروج ولا القعود، بل إذا أمرت بشيء من الجهاد أو غيره ابتدروا إليه دون إذن، وكان الاستئذان في ذلك الوقت علامة على النفاق.

стр. 7670

١٧٢ - باب في بَعْثةِ البُشَراءِ ٢٧٧٢ - حدثنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نافِعٍ، حدثنا عِيسَى، عَنْ إِسْماعِيلَ، عَنْ قيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قال: قال لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلا تُرِيحُني مِنْ ذي الخَلَصَةِ" .. فَأَتاها فَحَرَّقَها، ثمَّ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ إِلى النَّبيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى أَبا أَرْطاةَ (١). * * * باب في بعثة السرايا (٢) [٢٧٧٢] (حدثنا أبو توبة) بفتح المثناة وبعد الواو باء موحدة (الربيع ابن نافع) الحلبي، نزيل طرسوس، قال (٣) (حدثنا عيسى) بن يونس الهمداني (عن إسماعيل) بن أبي خالد، الأحمسي مولاهم، ثقة ثبت (٤). (عن قيس) بن أبي حازم، أبو عبد الله البجلي، تابعي كبير، هاجر إلى النبي ﷺ ففاته الصحبة (عن جرير) بن عبد الله البجلي ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : ألا تُريحني) وفي رواية: "هل تريحني" (من ذي الخَلَصة؟ ) بفتح الخاء المعجمة واللام، هذا هو المشهور، وحكى القاضي أيضًا ضم الخاء. يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية. وكان لخثعم، فنفر في خمسمائة فارس (٥). (فأتاها فحرَّقها) بتشديد الراء، بالنار، وكسر الأصنام التي فيها،
следующие страницы →