← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

سلمة. (عن قيس) بن سعد المكي، أخرج له مسلم. (عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال) تجزئ (البقرة عن سبعة، والجزور) مشتق من الجزر وهو القطع، وسمي مقطعه جزارًا، والجزور من الإبل خاصة يطلق على الذكر والأنثى (١). (عن سبعة) فيه دليل على أنه يجوز أن يشترك السبعة في التضحية بالجزور والبقرة واجبًا كان أو تطوعًا سواء كانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم، وبهذا قال الشافعي ومالك (٢) وأحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز للمتقربين ولا يجوز إذا كان بعضهم غير متقرب فلا يجوز أن يحيل نية القربة فيه (٣). ودليلنا على أبي حنيفة أن الجزء المجزئ لا ينقص بإرادة الشريك غير القربة فجاز، كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة وبعضهم القرآن. [٢٨٠٩] (حدثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم (المكي، عن جابر بن عبد الله ﵄

стр. 7772

قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية) بتخفيف الياء الثانية، قيل: من الحرم. وقيل: بعضها من الحل. بينها وبين المدينة تسع مراحل، سميت ببئر عند مسجد الشجرة (١)، قال عياض: هذِه الهدايا التي بالحديبية كانت معهم قبل الحصر مشعرة مقلدة، وتلك لا تجزئ عن هدي يجب (٢). وتأول بعضهم أن هذِه الهدايا دفعها لهم النبي ﷺ وشركهم فيها، كما ضحى عن أمته (البدنة) مأخوذة من البدانة وهي عظم الجسم (عن سبعة، والبقرة عن سبعة) قال عياض: هو محمول على أنه هدي تطوع؛ لأن المحصر بعدُوٍّ إذا حل هل عليه هدي أم لا؟ فيه قولان. قال: والمشهور أن لا هدي عليه (٣). * * *

стр. 7773

٨ - باب في الشّاةِ يضَحَّى بِها عَنْ جَماعَة ٢٨١٠ - حدثنا قتَيْبَة بْن سَعِيدٍ، حدثنا يَعْقُوب -يَعْني الإِسْكَنْدَرانَّي- عَنْ عَمْرٍو، عَنِ المُطَّلِبِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الأضحَى بِالمصَلَّى فَلَمّا قَضَى خطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِه، وَأتَى بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ وقالَ: "بِسْمِ اللهِ والله أَكْبَرُ هذا عَنّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتي" (١). * * * باب في الشاة يضحى بها عن جماعة [٢٨٠١] (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب) بن عبد الرحمن القاري (يعني: الإسكندراني) بكسر الهمزة وفتح الكاف، نسب إلى الإسكندرية؛ لأنه نزل بها، وهي بلدة على طرف بلد المغرب من آخر ديار مصر بناها ذو القرنين الإسكندر (٢)، وهو مدني، أخرج ليعقوب الشيخان (عن عمرو) بن أبي عمرو مولى المطلب (عن المطلب) بن عبد الله بن حنطب المخزومي، قال أبو زرعة: ثقة لم يسمع من جابر ابن عبد الله (٣) (عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الأضحى بالمصلى) أي: في المصلى، فيه أن السنة في صلاة العيد أن يفعل في المصلى؛ فإن النبي ﷺ كان يخرج

стр. 7774

إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده ولا يترك [النبي ﷺ الأفضل مع قربه ويتكلف فعل الناقص مع بعده ويترك] (١) شرف مسجده ويصلي في المصلى، والصحيح عند الشافعي أن فعلها في المسجد أفضل عند اتساعه، وإنما خرج رسول الله ﷺ إلى الصحراء لضيق المسجد (٢). (فلما قضى خطبته) بعد الصلاة (نزل من منبره) بكسر الميم، فيه أن السنة أن يخطب على منبر أو مرتفع يقوم مقامه (وأتي بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده) فيه فضيلة [ذبح] الأضحية بنفسه ولا يوكل إلا لحاجة (وقال: باسم الله والله أكبر) فضيلة التكبير عند الذبح ويكون بعد التسمية كما تقدم، اللهم (هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) وفي رواية: ... (٣). عمن وحدك من أمتي (٤). قال الرافعي: الشاة الواحدة لا يضحى بها إلا عن واحد، فإذا ضحى بها واحد من أهل البيت تأدى الشعار والسنة لجميعهم (٥)، وحمل جماعة هذا الحديث على حصول الإشراك في الثواب لا في الأضحية. * * *

стр. 7775

٩ - باب الإِمامِ يَذْبَحُ بِالمُصَلَّى ٢٨١١ - حدثنا عُثْمان بْن أَبي شَيْبَةَ، أَنَّ أَبا أسامَةَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أُسامَةَ، عَنْ نافِع، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ ! كانَ يَذْبَحُ أضْحِيَتَهُ بِالمصَلَّى، وَكانَ ابن عُمَرَ يَفْعَلُهُ (١). * * * باب الإمام يذبح بالمصلى [٢٨١١] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أن أبا أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (حدثهم، عن أسامة) بن زيد الليثي مولاهم (عن نافع، عن ابن عمر) ﵄: (أن النبي ﷺ كان يذبح أضحيته بالمصلى) فيه دلالة على ما قال أصحابنا: أن الماوردي ذكر أنه يختار للإمام أن يضحي للمسلمين كافة من بيت المال بيديه في المصلى، فإن لم يتيسر فبشاة، وأن ينحرها بيده، وإن ضحى من ماله ضحى حيث شاء (٢)، ولفظ البخاري: كان النبي ﷺ يذبح وينحر بالمصلى (٣). قال المهلب: إنما يذبح الإمام في المصلى ليراه الناس فيذبحون على يقين بعد ذبحه ويشاهدون صفة ذبحه فإنه مما يحتاج فيه إلى العيان، وليبادر الذبح بعد الصلاة، كما قال في الخطبة: "أول ما نبدأ به أن نصلي ثم ننصرف فننحر" (٤).

стр. 7776

قال مالك: إنما يذبح الإمام في المصلى لئلا يذبح أحد قبله (١). (وكان ابن عمر يفعله) لفظ البخاري: كان عبد الله ينحر في المنحر، قال عبيد الله: يعني منحر النبي ﷺ (٢) انتهى. وعبيد الله هذا هو الراوي عن نافع. قال ابن بطال: وعلى ذلك جرى العمل في أمصار المسلمين، ولم ير ذلك مالك لغير الإمام (٣). * * *

стр. 7777

١٠ - باب في حَبْسِ لُحُومِ الأَضاحي ٢٨١٢ - حدثنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِك، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي بَكْرِ، عَنْ عَمْرَةِ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَتْ: سَمِعْت عائِشَةَ تَقُول: دَفَّ ناسٌ مِنْ أَهْلِ البادِيَةِ حَضْرَةَ الأضْحَى في زَمانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "ادَّخِرُوا الثّلثَ وَتَصَدَّقُوا بِما بَقيَ". قالَتْ: فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يا رَسُوِلَ اللهِ لَقَدْ كانَ النّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحاياهُمْ وَيَجمُلُونَ مِنْها الوَدْكَ وَيتَّخِذُونَ مِنْها الأسْقِيَةَ. فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "وَما ذاكَ" أَوْ كَما قالَ. قالوا: يا رَسُولَ اللهِ نَهَيْتَ عَنْ إِمْساكِ لحُومِ الضَّحايا بَعْدَ ثَلاثٍ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدّافَّةِ التي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وادَّخِرُوا" (١). ٢٨١٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، حدثنا خالِدٌ الحَذّاءُ، عَنْ أَبي المَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنّا كُنّا نَهَيْناكُمْ عَنْ لُحُومِها أَنْ تَأْكُلُوها فَوْقَ ثَلاثٍ لِكَي تَسَعَكُمْ فَقَدْ جاءَ اللهُ بِالسَّعَةِ فَكُلُوا وادَّخِرُوا واتَّجِرُوا، أَلا وَإِنَّ هذِه الأيّامَ أَيّامُ اَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ " (٢). * * * باب في حبس لحوم الأضاحي [٢٨١٢] (حدثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن عبد الله ابن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم. (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة، من فقهاء التابعين

стр. 7778

(قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: دف) بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء، الدفيف هو السير الخفي اللين، والدافة: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد، يقال: هم يدفون دفيفًا (ناس) لفظ مسلم: دف أهل أبيات (١) (من أهل البادية) هم على (٢) خلاف أهل الحاضرة (حضرة) قال (٣) القرطبي: الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوب على الظرفية، أي: زمن حضور الأضحى (٤). قال المنذري: بفتح الحاء المهملة وسكون المعجمة، هكذا رواه الأكثر (الأضحى) ومشاهدته، قال: وقيده بعضهم (٥) حضرَه بفتح الضاد، والمعنى واحد (٦)، وفي "الصحاح" (٧): يقال: كلمته بحضرة فلان وبمحضرته، أي: بمشهده، وحكي يعقوب: كلمته بحضر (٨) فلان بالتحريك من غير هاء، وكلمته بحضرة فلان (في زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ادخروا لثلاث أيام) من لحوم الأضاحي، وأصله ثلاثة أيام كما تقدم في رواية أبي سعيد (٩) (وتصدقوا بما بقي) منها.

стр. 7779

قال المنذري: ذهب قوم إلى تحريم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاثة أيام ليتسع أهل الأبيات الذين نزلوا عليهم بذلك، ويحتمل أن يكون النهي نهي تنزيه لأجل مواساة إخوانهم القادمين. (قالت: فلما كان بعد ذلك) يعني بعد الأيام الثلاثة (قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم) أي: بضحاياهم من الأكل وغيره (ويجملون) بفتح الياء مع كسر الميم وضمها. قال النووي: ويقال بضم الياء مع كسر الميم، يقال: جملت الذهب أجمله بكسر الميم (١) وأجمله بضمها جملًا، وأجملته إجمالًا أي أذبته، وهو بالجيم (٢). قال القرطبي: أجملته قليل (٣) (منها) كذا الرواية للمصنف والنسائي (٤)، وروا ية مسلم: فيها (الودك) وهو الشحم، وفي "النهاية" (٥): هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه، و (٦) يؤخذ منه جواز إذابة الألية مع اللحم ووضعها في البيت ليؤكل في بسط السنة، ويدل قوله: (ادخروا) لهذا (٧) (ويتخذون منها الأسقية) جمع سقاء

стр. 7780

كأخبية جمع خباء وهو ظرف الماء من الجلد، ومنه حديث عمر أنه قال لمحرم قتل ظبيًا: خذ شاة من العنز فتصدق بلحمها واسق إهابها (١). أي: أعط إهابها لمن يتخذه سقاء (فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ أو كما قال) فيه تحرز الراوي في نقل ألفاظ الحديث دون المعنى، فإن شك في مخالفة شيء من ألفاظه فليقل بعده: أو كما قال: وليست هذِه في مسلم. (قالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث) ولمسلم: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث (٢). وفي رواية لمسلم: "من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء"، فلما كان في العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام أول؟ قال: "لا، إن ذاك كان عام جهد فأردت [أن يفشو فيهم"] (٣) (فقال رسول الله ﷺ : إنما نهيتكم من أجل) هذا تصريح بعلة النهي (الدافة) بتشديد الفاء، أي: لأجل أهل البادية الذين هجروا بلادهم لضعفهم وجاؤوا إليكم من الحاجة والجوع (٤) (التي دفت) أي: دفتهم وألجأتهم إلى أن يسيروا (٥) إليكم سيرًا ضعيفًا، يريد أنهم قوم من الأعراب

стр. 7781

قدموا المدينة في عيد الأضحى من الجهد الذي حصل لهم في بلادهم لعلمهم أن عيد الأضحى يكثر فيه اللحم (فكلوا) من أضحيتكم البعض (وتصدقوا) على هؤلاء المحاويج الذين جاؤوا إليكم (وادخروا) لما ارتفعت العلة من الادخار ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. قال القرطبي: وهذا يبطل قول من قال: إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنسخ، ولا يقال: إنه قوله: (ادخروا) رفع لحكم الخطاب الأول، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: لعمر الله هذا ظاهر هذا الحديث مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد لنا نص بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علته لما عدلنا عن ذلك الظاهر وقلنا هو نسخ، كما قلناه في زيارة القبور وفي الانتباذ (١) في الحنتم المذكورين معه في حديث بريدة (٢)، لكن الذي في حديث عائشة هذا ثبَّت في التعليل: أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلة، فيؤثر ترك ذلك الظاهر والآخر لذلك الاحتمال لقصد النص. والفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته [أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علته] (٣) يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين

стр. 7782

عليهم أن لا يدخروا فوق ثلاث، كما فعل النبي ﷺ (١). [٢٨١٣] (حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد الحذاء) ولم يكن حذاءً، لكنه لما كان يجلس نسب إليه (٢) (عن أبي المليح) بفتح الميم، عامر بن أسامة. (عن نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة والشين مصغر، ويعرف بنبيشة الخير، وهو ابن عمرو بن عوف الهذلي أبو طريف، نزل البصرة (قال: قال رسول الله ﷺ : إنا كنا نهيناكم) في الأضاحي. (عن لحومها) وشحومها (أن تأكلوها) أي: تأكلوا منها (فوق ثلاث) لفظ ابن ماجه: "عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام" (٣) (لكي يسعكم) لكي: [اللام للتعليل، وكي بمعنى أن الناصبة للفعل؛ فإن كي لو كانت للتعليل لم يدخل عليها حرف تعليل أقوى منها] (٤) (يسعكم) بفتح التحتانية والمهملة وإياهم الضحايا، وفي الحديث: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" (٥). يعني: إن لم تتسع أموالكم لعطائهم فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم، وفي رواية النسائي: أصاب

стр. 7783

الناس شدة، فأحب رسول الله ﷺ أن يطعم الغني الفقير (١). (فقد (٢) جاء الله) تعالى، فيه حذف قبله، والتقدير: نهيناكم عن الأكل لتتسعوا، والحال أن الاتساع حصل ومن مجيء حذف واو الحال قولهم: نصف النهار الماء غامر، أي: انتصفنا النهار والحال أن الماء غامر لمن يغوص فيه إذا أراد (بالسعة) من الرزق، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣)، ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ (٤)، وإذا وسع الله فوسعوا على المحتاجين (فكلوا) الآن منها (وادخروا) وروى النسائي عن عائشة قالت: كنا نخبئ الكراع لرسول الله ﷺ شهرًا ثم يأكله (٥) (واتجروا) كذا رواية أحمد (٦). قال الرافعي: ائتجروا، أي: اطلبوا الأجر بالصدقة (٧)، فجعله (٨) بالهمز؛ لأنه من الأجر (٩) مثل ائتمروا من الأمر. وقال ابن الصلاح: بوزن اتخِذوا الأجر وهو بمعنى ائتجروا بالهمز، كقولك في الإزار: ائتزر واتزر، وأنكر ابن الأثير أن يكون من التجارة، وقال: ائتجروا، أي: تصدقوا طالبين الأجر بذلك، قال: ولا يجوز فيه

стр. 7784

اتجروا بالإدغام؛ لأن الهمزة لا تدغم في التاء، وإنما هو من الأجر لا التجارة، وقد أجازه الهروي في كتابه، واستشهد عليه بقوله في الحديث الآخر أن رجلًا دخل المسجد والنبي قضى صلاته فقال: "من يتجر فيقوم فيصلي معه" (١). ثم قال ابن الأثير: والرواية إنما هي: يأتجر (٢)، وإن صح فيها (٣): يتجر، فتكون من التجارة لا الأجر، كأنه بصلاته معه قد حصل لنفسه تجارة، أي: مكسبًا (٤). ويحكي الرافعي عن الإمام: أن من قال بالتثليث، يعني تثليث الأضحية يتصدق بالثلث ويأكل الثلث ويدخر الثلث، احتج بحديث الدافة: "فكلوا وادخروا وأتجروا" فذكر ثلاث جهات، ثم قال: ولك أن تمنع كونها ثلاث جهات وتجعل الأكل والادخار جهة واحدة وتقول: إنما تعرَّض للادخار لأنهم راجعوه فيه فقال: كلوا في الحال إن شئتم وادخروا إن شئتم (٥). (ألا وإن هذِه الأيام) بالنصب يعني: أيام العيد (أيام أكل) فيه تحريم الصوم في هذِه الأيام، والمراد بالأكل أكل لحوم الأضاحي (وشرب) يروى بضم الشين وفتحها وهما بمعنى، والفتح أقل اللغتين (٦)،

стр. 7785

وبالضم قرأ عاصم وحمزة ونافع في قوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (١) يريد أنها أيام لا يجوز صومها (وذكر الله) بالجر (تعالى) فيه إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب التابع له إنما يستعين به على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعة. وإنما نهى الله عن صيام أيام التشريق مع يوم النحر فلا تصام بمنىً ولا غيرها عند جمهور العلماء، خلافًا لعطاء في قوله: إن النهي مختص بأهل منىً. يعني نهيه حين بعث في أيام منىً مناديًا ينادي: "لا تصوموا هذِه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله" (٢). وفي رواية للنسائي: أيام أكل وشرب وصلاة (٣). وفي رواية للدارقطني: "أيام أكل وشرب وبعال" (٤). والبعال: النكاح وملاعبة الرجل أهله (٥). * * *

стр. 7786

١٢ - باب في النَّهْي أنْ تُصْبَرَ البهائِم والرِّفْق بِالذَّبِيحَةِ ٢٨١٥ - حدثنا مُسْلِم بْن إِبْراهِيمَ، حدثنا شعْبَةُ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ أَبي الأشعَثِ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ قال: خَصْلَتانِ سَمِعْتهُما مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ كتَبَ الإِحْسانَ عَلَى كُلِّ شَيء فَإِذا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا -قال: غَير مُسلِمٍ يَقولُ: - فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وِإذا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ" (١). ٢٨١٦ - حدثنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسيُّ، حدثنا شعْبَةُ، عَنْ هِشامِ بْنِ زَيْدٍ قال: دَخَلْت مَعَ أَنَسٍ عَلَى الحَكَمِ بْنِ أَيّوبَ فَرَأى فِتْيانًا أَوْ غِلْمانًا قَدْ نَصَبُوا دَجاجَةً يَرمونَها، فَقالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ البَهائِم (٢). * * * باب في الرفق بالذبيحة [٢٨١٥] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء (٣) عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن أبي الأشعث) شراحيل بن آده (٤) الصنعاني. (عن شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري النجاري بن أخي حسان بن ثابت خطيب الأقصى ﵁.

стр. 7787

(قال: خصلتان) لفظ مسلم: ثنتان حفظتهما بكسر الفاء، كما قال تعالى ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ (١) (سمعتهما من رسول الله ﷺ : إن الله تعالى كتب الإحسان على) فعل (كل شيء) إنما أمر به وعلى بمعنى في، والإحسان هنا بمعنى الإكمال، فحق على من شرع في شيء أن يأتي على غاية كماله وآدابه المصححة والمكملة، فإذا فعل ذلك قبل عمله وكثر ثوابه (فإذا قتلتم فأحسنوا، [قال] (٢) غير) بالرفع (مسلم) بن إبراهيم الأزدي (يقول: ) فإذا قتلتم (فأحسنوا القتلة) بكسر القاف، وهي الحالة والهيئة من القتل، يقال: قتله قتلة سوء، يعني: على هيئة قبيحة (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح) بفتح الذال بغير هاء، وفي رواية للنسائي: "فأحسنوا الذبحة" (٣). بكسر الذال وبالهاء، كالقبلة وهي الهيئة والحالة أيضًا. وهذا الحديث عام في كل ذبح [من الذبائح] (٤)، وقتيل ساغ قتله من قصاص أو حد ونحو ذلك، وهو من الأحاديث الجامعة للقواعد والفوائد الكثيرة، فمن جملة الإحسان الذي كتبه الله إحسان الذبح والقتل والضرب ونحو ذلك، ومنه: (وليحد) بضم الياء، يقال: أحد السكين وحددها واستحدها بمعنىً (أحدكم) أي: كل واحد من الذابحين (شفرته) بفتح الشين، وسكون الفاء، هي السكينة العريضة، أن أنسًا كان شفرة القوم

стр. 7788

في سفرهم (١). أي: أنه كان خادمهم الذي يخدمهم ويكفيهم مهنتهم، شبه بالشفرة؛ لأنها تمتهن في قطع اللحم وغيره (٢) فيه استحباب تحديد السكين التي للذبح والسيف الذي يضرب به الرقاب ونصل السهام التي يرمى الصيد بها، ويدخل فيه رمي العدو بها؛ لأن الله كتب الإحسان على كل شيء، ولو من كافر وحيوان غير محترم، ومحل استحباب تحديد الشفرة إذا كانت تقطع بلا حديد، أما لو كانت تقطع إلا بشدة تحامل الذابح عليها فيحرم الذبح بها، ولا يحل المذبوح، قاله الأذرعي، والذي قاله النووي وغيره أنه لو ذبح بسكين كآلة، كره وحلت الذبيحة، ويستحب إمرار السكين بقوة وتحامل ذهابًا وإيابًا، ورأى (٣) عمر رجلًا قد وضع رجله على شاة وهو يحد السكين فضربه حتى أفلت الشاة (٤). (وليرح ذبيحته) بإحداد السكين وتعجيل إمرارها بقوة ليسرع موتها فتستريح من ألمه. [٢٨١٦] (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي) نسبة إلى

стр. 7789

الطيالسة التي تجعل على العمائم (١)، أصله من فارس، وسكن البصرة (حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد) بن أنس بن مالك (قال: دخلت مع) جدي (أنس) بن مالك ﵁ (على الحكم بن أيوب) أمير البصرة من جهة الحجاج بن يوسف (٢) الثقفي (فرأى فتيانًا) بكسر الفاء جمع لفتىً كأخ وإخوان (أو غلمانًا) شك من الراوي (قد نصبوا) أي رفعوا، كما تقدم في الصلاة: لا ينصب رأسه. أي: لا يرفعه (دجاجة) بفتح الدال أرجح من كسرها (يرمونها) بالنبل، ولمسلم في رواية: يترامونها (٣). (فقال: أنس) بن مالك (نهى رسول الله ﷺ أن تصبر) أي: تحبس حية لتقتل بالرمي، وأصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئًا عن الحركة فقد صبره، ومنه قيل للرجل يقدم فيضرب عنقه: قتل صبرًا. أي: أمسك للموت (البهائم) سميت بذلك لأنها لا تتكلم، وفي معناها الطير، قال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق: لا تؤكل المصبورة والمجثمة. قال غيره: لا أعلم أحدًا من العلماء أجاز أكل المصبورة، وكلهم يحرمها؛ لأنه لا ذكاة في المقدور عليه إلا في الحلق واللبة. قال المهلب: هذا إنما هو نهي عن العبث في الحيوان وتعذيبه في غير مشروع، وإنما كره العبث لحديث شداد المذكور قبله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". * * *

стр. 7790

١١ - باب في المُسافِرِ يُضحِّي ٢٨١٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْليُّ، حدثنا حَمّادُ بْنُ خالِدٍ الخَيّاطُ قالَ: حدثنا مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ أَبى الزّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ ثَوْبانَ قال: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: "يا ثَوْبانُ أَصْلِحْ لَنا لَحْمَ هذِه الشّاةِ" قال: فَما زِلْتُ أطْعِمُهُ مِنْها حَتَّى قَدِمْنا المَدِينَةَ (١). * * * باب في المسافر يضحي [٢٨١٤] ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا حماد بن خالد) البصري (الخياط) ببغداد، كان يحدث وهو يخيط، وأخرج له مسلم (حدثنا معاوية بن صالح) بن حدير (٢) قاضي الأندلس، أخرج له مسلم [(عن أبي الزاهرية) حدير بن كريب الحمصي، أخرج له مسلم] (٣) (عن جبير بن نفير) الحضرمي (عن ثوبان) بن بجدد (٤) مولى رسول الله ﷺ ، نزل دمشق (قال: ضحى رسول الله ﷺ زاد مسلم: في حجة الوداع (ثم قال: يا ثوبان أصلح لنا لحم هذِه الشاة) يعني: بالملح ونحوه (قال: فما زلت أطعمه) بضم الهمزة، وكسر (٥) العين والميم

стр. 7791

مرفوعة (منها حتى قدمنا المدينة) (١). قال النووي: فيه التصريح بجواز ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث، وجواز التزود منه، وحمله في السفر، وفيه أن الادخار والتزود لا ينافي التوكل ولا يقدح فيه في سفر ولا إقامة، ولا يخرج صاحبه عن التوكل. وفيه أن التضحية مشروعة للمسافر كما هي مشروعة للمقيم، وهذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال النخعي وأبو حنيفة: لا ضحية على المسافر. وروي هذا عن علي ﵁، واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمكة ومنىً فلم ير عليه أضحية (٢). وبه قال النخعي (٣) ويروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر، وابن عمر (٤) وجماعة من السلف؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحي جعله هديًا، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منىً فيحصل لهم حظ من أجورهم. * * *

стр. 7792

١٣ - باب في ذَبائِحِ أَهْلِ الكِتابِ ٢٨١٧ - حدثنا أَحْمَدُ بْن محَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَني عَليّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَنُسِخَ واسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١). ٢٨١٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا إِسْرائِيلُ، حدثنا سِماكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يَقولُونَ: ما ذَبَحَ اللهُ فَلا تَأكُلُوا وَما ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوا. فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢). ٢٨١٩ - حدثنا عُثْمانُ بْن أبي شَيْبَةَ، حدثنا عِمْرانُ بْن عُيَيْنَةَ، عَنْ عطَاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: جاءَتِ اليَهُودُ إِلَى النَّبي ﷺ فَقالُوا نَأْكل مِمّا قَتَلْنا وَلا نَأْكُل مِمّا قَتَلَ اللهُ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (٣). * * * باب في ذبائح أهل الكتاب [٢٨١٧] (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) بن شبويه (المروزي) قال

стр. 7793

في "الكمال": قال الدارقطني: روى عنه البخاري. وكان من كبار الأئمة (١). (حدثني علي بن حسين) بن واقد الهروي (عن أبيه) الحسين ابن واقد المروزي (عن يزيد) من الزيادة بن أبي سعيد (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵄ قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) يعني: كلوا مما ذكي على اسم الله، وهذا جواب لقول المشركين: تأكلون مما قتلتم أنتم ولا تأكلون مما قتل الله. يعني الميتة، وما قتل الله أحق أن تأكلوه على زعمكم أنكم تعبدون الله، كما سيأتي ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد به الميتة والمنخنقة [إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، وقال الكلبي: يعني ما لم يذك أو يذبح لغير الله. ومذهب الشافعي] (٣) أن التسمية في الذبح مستحبة. والمراد بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الميتة كما تقدم عن ابن عباس، وهو رواية عن أحمد رحمه الله تعالى (٤). واستدل (٥) برواية البخاري عن عائشة: أن قومًا قالوا: يا رسول الله ﷺ إن قومًا يأتوننا (٦) باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﷺ :

стр. 7794

"سموا عليه وكلوا" (١) (فنسخ) (٢) الله تعالى (واستثنى من ذلك) فقال تعالى (فقال) ابن عباس: (وطعام) هو اسم لما يؤكل، مبني للمفعول، ويجوز للفاعل، والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل (أهل الكتاب) يعني: اليهود والنصارى. قال القرطبي: أما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: ذبيحة اليهود والنصارى، وإن [كان] (٣) النصراني يقول عند الذبح: باسم المسيح، واليهود تقول: باسم العزير. قال عطاء: كل من ذبيحة النصراني وإن قال: باسم المسيح؛ لأن الله قد أباح ذبائحهم وقد علم ما يقولون. وقال القاسم بن محمد: كل من ذبيحته وإن قال: باسم سرجس -اسم كنيسة لهم- وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول. وروي عن صحابيين: عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. وقالت طائفة: إذا سمعت الكتابي يسمي غير الله فلا تأكل. وقال بهذا من الصحابة: علي وعائشة وابن عمر، وهو قول طاوس والحسن، متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. وقال مالك: أكره ذلك ولا أحرمه.

стр. 7795

وحكى المحب الطبري الاتفاق على جواز أكل ذبيحة أهل الكتاب، واستدل على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط؛ لأنهم لا يسمون على الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبودًا حقيقة مثل المسيح والعزير، ولو سموا الآلهة حقيقة لم تكن تسميتهم عبادة، فالتسمية وعدمها من الكافة سواء إذا لم تتصور منه العبادة، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقًا فدل ذلك على أن التسمية لا تشترط أصلًا، كما يقوله الشافعي ﵀ (١). ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ فيه دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا، أي: إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم. [٢٨١٨] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (أنبأنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ شياطين الجن، عن ابن عباس، وعنه: أنهم اليهود، عكرمة: هم المجوس كتبوا إلى قريش: أتأكلون ما تذبحون بأيديكم دون ما ذبحه الله بسكين من ذهب ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ أي: يوسوس الشيطان إلى وليه من الإنس فيلقي في قلبه الجدال بالباطل، كانوا (يقولون) هذا تفسير لما يوحوه إليهم [بذبحه. رواية ابن ماجه (٢): كانوا يقولون ما ذكر عليه اسم الله] (٣): (ما ذبح الله فلا تأكلون، وما ذبحتم أنتم) توضحه رواية ابن ماجه: وما لم يذكر اسم الله عليه (فكلوه) إذا ذكرتم

стр. 7796

اسم الصنم عليه (فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ المراد بالآية عند الشافعية: لا تأكلوا مما ذكر عليه اسم غير الله، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والحالة التي يكون فيها فسقًا هو الإهلال لغير الله، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، والإجماع على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسم عليها ليس بفاسق (١)، وحينئذٍ فمفهوم الآية يدل على إباحة متروك التسمية، وهذا المسلك قاله الشافعي، وهو أحسن الأجوبة. [٢٨١٩] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة) الهلالي أخو سفيان صدوق (٢) (عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: كل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله) أي: نأكل مما مات بالضرب بأيدينا، ولا نأكل ما أماته الله بلا ضرب. قال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها ويأكلوها (٣). وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه (٤) (فأنزل الله)

стр. 7797

عز وجل-، زاد الترمذي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هو محمول عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه (١) على ما تركت التسمية عليه عمدًا؛ بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، قالوا: والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق؛ فإن عندهم: إن تركت التسمية على الذبيحة عمدًا (٢) وإن تركت عمدًا لم تؤكل (إلى آخر الآية) يعني: إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. * * *

стр. 7798

١٤ - باب ما جاءَ في أكْلِ معاقَرَةِ الأَعْرابِ ٢٨٢٠ - حدثنا هارون بْن عَبْدِ اللهِ، حدثنا حَمّاد بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبى رَيْحانَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: نَهَى رَسُول اللهِ عَنْ أكلِ مُعاقَرَةِ الأعرابِ. قالَ أَبُو داودَ: أسْمُ أَبى رَيْحانَةَ عَبْدُ اللهِ بْن مَطَرٍ وَغنْدَرٌ أَوْقَفَهُ عَلَى ابن عَبّاسٍ (١). * * * باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب [٢٨٢٠] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي الحافظ الحمال، شيخ مسلم (٢) (حدثنا حماد بن مسعدة) البصري (حدثنا عوف) ابن أبي جميلة بندويه الأعرابي، وليس بأعرابي الأصل (عن أبي ريحانة) عبد الله، كما سيأتي (عن ابن عباس) ﵄ (قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة) بفتح العين المهملة والقاف (الأعراب) قال ابن عباس في رواية غير المصنف: فإني لأخشى أن يكون مما أهل به لغير الله (٣). قال في "النهاية": هو عقرهم الإبل، كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، أي: يتعارضا ويفعل كل واحد منهما فعل الآخر فيعقر هذا إبلًا وهذا إبلًا مثله حتى يعجز أحدهما الآخر، فأيهما كان أكثر غلب صاحبه، وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرًا،

стр. 7799

ولا يقصدون به وجه الله تعالى، فكره أكل لحومها لئلا تكون مما أهل به لغير الله تعالى (١). (قال المصنف: أسم أبي ريحانة: عبد الله بن مطر) البصري مولى بني ثعلبة بن يربوع، أخرج له مسلم في الوضوء (وغندر أوقفه) يعني: محمد ابن جعفر أوقف الحديث (على ابن عباس) ﵄. * * *

стр. 7800

١٥ - باب في الذَّبِيحَةِ بِالمَرْوَةِ ٢٨٢١ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا أَبو الأحوَصِ، حدثنا سَعِيدُ بْن مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبايَةَ ابْنِ رِفاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال: أَتَيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فَقلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنّا نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنا مُدىً أَفنَذْبَحُ بِالمَروَة وَشِقَّةِ العَصا؟ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "أَرِنْ أَوْ أَعْجلْ ما أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا ما لَمْ يَكُنْ سِنّا أَوْ ظُفْرًا، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمّا الظُّفْرُ فَمُدى الحَبَشَةِ" وَتَقَدَّمَ بِهِ سَرَعان مِنَ النّاسِ فَتَعَجَّلُوا، فَأَصابُوا مِنَ الغَنائِمِ وَرَسُولُ اللهِ في آخِرِ النّاسِ فَنَصَبُوا قُدُورًا، فَمَرَّ رَسول اللهِ ﷺ بِالقُدُورِ فَأَمَرَ بِها فَأُكفِئَتْ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ فَعَدَلَ بَعِيرًا بعَشْرِ شِياهٍ وَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ القَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَماهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهَ، فَقالَ النَّبي ﷺ : "إِنَّ لهذِه البَهائِمِ أَوابِدَ كأَوابِدِ الوَحْشِ، فَما فَعَلَ مِنْها هذا فافْعَلُوا بِهِ مِثْلَ هذا" (١). ٢٨٢٢ - حدثنا مُسَدَّد، أَنَّ عَبْدَ الواحِدِ بْنَ زِيادٍ وَحَمّادًا حَدَّثاهمْ -المَعْنَى واحِدٌ - عَنْ عاصم، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوانَ أَوْ صَفْوانَ بْنِ مُحَمَّدٍ قال: اصَّدْتُ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُما بِمَرْوة، فَسَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْهُما، فَأَمَرَني بِأكْلِهِما (٢). ٢٨٢٣ - حدثنا قُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ، حدثنا يَعْقُوبُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَني حارِثَةَ أَنَّهُ كانَ يَرْعَى لِقْحَةً بِشِعْبٍ مِنْ شِعابِ أُحُدٍ، فَأَخَذَها المَوْتُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُها بِهِ، فَأَخَذَ وَتَدًا فَوَجَأَ بِهِ في لَبَّتِها حَتَّى أُهْريق دمُها، ثمَّ

стр. 7801

جاءَ إِلَى النَّبي ﷺ فَأَخْبَرَه بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِأكلِها (١). ٢٨٢٤ - حدثنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَربٍ، عَنْ مُريِّ بْنِ قَطَريّ، عَنْ عَديِّ بْنِ حاتِمٍ، قال: قُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَدُنا أَصابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَه سِكِّين أَيَذْبَحُ بِالَمروَة وَشِقَّةِ العَصا؟ فَقالَ: "أَمْرِرِ الدَّمَ بِما شِئْتَ واذكر اسم اللهِ " (٢). * * * باب في الذبيحة بالمروة المروة ستأتي. [٢٨٢١] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي (حدثنا سعيد بن مسروق) الثوري، الكوفي (عن عباية) بفتح العين (ابن رفاعة) بن رافع بن خديج (عن أبيه، عن جده رافع بن خَدِيج (٣) بن رافع، بن (٤) عدي، استصغر يوم بدر، وشهد أحدًا، وأصابه يومئذٍ سهم (قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا نلقى العدو غدًا وليس معنا) فيه ما يشعر باستشعارهم النصر والظفر، وأخذ الغنيمة التي يذبحون منها، إما بإخبار النبي ﷺ إياهم بذلك، أو بما أوقع الله

стр. 7802

في قلوبهم من نصرة المسلمين على أعدائهم (مدىً) بضم الميم وفتح الدال المهملة، مقصورة منون، جمع مدية، ونظيره في الصحيح: قُربة وقُرب، والمدية الشفرة، وقد تكسر ميمها وقد تفتح أيضًا، قيل: سميت بذلك؛ لأنها تقطع مدة حياة الحيوان، وزاد في رواية الصحيحين: "أفنذبح بالقصب؟ " (١) (فقال رسول الله ﷺ : أرن) قال القرطبي: اختلف الرواة في تقييده على أربعة أوجه، وقيد في أبي داود بإسكان الراء، فقيل: هو بمعنى أدم الحز ولا تفتر، من رنوت إذا أدمت النظر إلى الشيء، قال: ويلزم على هذا أن يكون مضموم النون يعني: والهمزة أوله؛ لأنه أمر من رنا يرنو ولم يحقق ضبطه كذلك. قال الخطابي: هذا حرف طال ما استثبت فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عند أحد منهم شيئًا يقطع بصحته، وطلبت له مخرجًا فرأيته يتجه بأن يكون مأخوذًا من قولهم: أران (٢) القوم فهم مرينون، إذا هلكت مواشيهم، فيكون المعنى: أهلكها ذبحًا، وأزهق نفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر، وقيده بعض رواة البخاري: أرن (٣) بكسر الراء وسكون النون، مثل: أقم، الثاني قيده الأصيلي: أرني (٤) بكسر النون بعدها ياء المتكلم، الثالث: قيده بعض رواة مسلم كذلك إلا أنه سكن الراء، الرابع: بكسر الراء وسكون

стр. 7803

النون كما تقدم. قال بعض علمائنا: بمعنى أنشط وأسرع وأعجل، كأنه يشير إلى أنه شك من الراوي، ثم قال: وهذِه غفلة؛ إذ لو كان بمعنى النشاط لزم أن يكون مفتوح الراء؛ لأن ماضيه: أرن بكسر النون يأرن بالفتح فهو أرن، أي: نشط، وقياس الأمر من هذا أن تجتلب له همزة وصل مكسورة، وأما تقييد الأصيلي فمعناه: أرني سيلان الدم. قال: وعلى هذا يبعد أن تكون أو للشك، بل للجمع بمعنى الواو، أي: أرن وأعجل (أو أعجل) كأنه طلب منه الاستعجال، وأن يريه دم ما ذبح، وسكون الراء (١) في رواية مسلم هو تخفيف المكسورة، لغة معروفة، قرأ بها ابن كثير في: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٢). (ما أنهر الدم) أي: أسأله وصبه بكثرة، وهو مشبه بجري الماء في النهر، يقال: نهر الدم وأنهرته أنا. قال عياض: وذكره الخشني: أنهز بالزاي بمعنى دفع، والنهز الدفع، وهو غريب، وما في ما أنهر موصولة مبتدأ (٣) (وذكر اسم الله عليه) وجوابه: (فكلوا) والفاء فيه مثلها في: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٤)، ويجوز أن تكون (ما) شرطية فالفاء حينئذٍ في جواب الشرط، ولابد في هذِه الجملة من ضمير يعود على ما، والتقدير: فكلوا من مذبوحه.

стр. 7804

واعلم أنهم لما سألوه: أفنذبح؟ بالقصب، وفي رواية في الصحيح: أفنذبح بالليط (١) وهو قشور القصب، وفي الرواية الآتية: بالمروة. وأجابهم بجواب جامع لهذِه الثلاثة وغيرها، فكل ما أسال الدم يصح الذبح به، أو كان محدد الأسفل (ما لم يكن سنّا) فيه حذف تقديره: ما لم يكن المذبوح به سنًّا (أو ظفرًا) وقول ابن القطان (٢): ما لم يكن سنًّا أو ظفرًا مدرج من كلام رافع (٣) مردود، وقد بين خطأه في ذلك تلميذه ابن المواق في كتاب "بغية النقاد". (وسأحدثكم عن ذلك) عن علة ذلك (أما السن فعظم) قال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": في ذلك أدلة واضحة على أنه كان مقررا كون الذكاة لا تحصل بالعظم. قال: ولم أجد بعد البحث أحدًا ذكر ذلك (٤) وكأنه عندهم تعبدي. وكذا نقل عنه ابن عبد السلام أنه قال: للشرع علل [تعبدنا بها] (٥) كما أن له أحكامًا تعبدنا بها، أي: وهذا من ذلك، وفي "مشكل الصحيحين" لابن الجوزي: إن ترك الذبح بالعظم كان معهودًا عند العرب فأشار ﵇ بذلك (٦). وعلل

стр. 7805

النووي وغيره بأنه ينجس بالدم وهي طعام الجن؛ ولهذا نهى عن الاستنجاء بها (١). (وأما الظفر) الألف واللام فيه للجنس ولذلك وصفها بالجمع، وهذا نظير قول العرب: أهلك الناس الدرهم البيض (فمدىً) جمع مدية (الحبشة) تقدير هذا التعليل أن الحبشة كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم. قاله ابن الصلاح، ثم النووي، وقيل: نهى عن السن والظفر؛ لأنه تعذيب وخنق على صورة الذبح، والحبشة والحبش جنس من السودان. (وتقدم به سرعان) بفتح السين والراء (من الناس) أي: أخفاؤهم والمستعجلون منهم، وضبطه بعضهم بسكون الراء، وضبطه الأصيلي بضم السين وسكون الراء، جمع سريع كقفيز وقفزان، والصواب الذي قاله الجمهور الأول فتعجلوا، فأصابوا من الغنائم) إبلًا وغنمًا (ورسول الله ﷺ في آخر الناس، فنصبوا) أي: رفعوا (قدورًا) للطبخ، وفيه حذف كلام تقديره: فذبحوا ونهبوا لحمًا وضعوه في القدور ونصبوا تلك القدور (فمر رسول الله ﷺ بالقدور، فأمر بها (٢) فأكفئت) فيه حذف أيضًا تقديره: فأمر بالقدور أن تكفأ فأكفئت، أي: قلبت وأريق ما فيها. واختلف في سبب الأمر بذلك، فالصحيح أنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام وأعجل الذين لا يجوز لهم الأكل من طعام الغنيمة والتبسط فيها، وإنما يباح لهم ذلك في دار الحرب. وقيل: إن ذلك عقوبة؛ لاستعجالهم في السير وتركهم النبي ﷺ في

стр. 7806

أخريات القوم معرضًا لمن يقصده من عدو ونحوه، قاله ابن أبي صفرة. وهو بعيد جدًّا. وقيل: لأنهم قد انتهبوا ذلك، ولم يأخذوه باعتدال وعلى قدر الحاجة، قاله القاضي (١)، ولهذا جاء في رواية: فأمر بإكفاء القدور، وقال: "لا تحل النهبة" (٢). قال النووي: واعلم أن المأمور به في إراقة القدر إنما هو إتلاف لنفس المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يلقوه، بل يجمع على أنه جمع ورد إلى الغنيمة، ولا تظن أنه ﵇ أمر بإتلافه؛ لأنه مال الغانمين وقد نهى عن إضاعة المال، وهذا بخلاف إلقاء لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فإنه أتلف ما فيهما من لحم ومرق لأنها صارت نجسة، ولهذا قال ﵇: "إنها رجس" أو "نجس" وأما هذِه اللحوم فكانت ظاهرة منتفعًا بها بلا شك، وسيأتي له تتمة (٣). (وقسم بينهم) الغنائم (فعدل) كضرب إذا جعلته مثله قائمًا مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٤)، لكن الرواية هنا (٥): عدل بضم العين وكسر الدال (بعيرًا بعشر شياه) لفظ البخاري: فعدل

стр. 7807

عشرة من الغنم ببعير (١). ومعنى التعديل في هذِه القسمة أن ذلك كان باعتبار القيمة، فكانت الإبل نفيسة بحيث تكون قيمة كل بعير منها عشرة من الغنم، وقد علم من ذلك أنه لا تعادل بينه وبين قاعدة الشرع في الأضاحي في إقامة البعير مقام سبع شياه؛ لأن هذا هو الغالب في قيمة الشاة والإبل المعتدلة (وند) بفتح النون وتشديد الدال أي: هرب. قال الجوهري: ند البعير يند ندًّا نفر وذهب على وجهه شاردًا (٢)، ومنه قراءة الضحاك وأبي العالية (يوم التنادّ) بالمد وتشديد الدال، وهي قراءة ابن زياد عن حمزة (بعير من إبل القوم، فأعياهم) إمساكه، أي: أتعبهم (ولم يكن معهم خيل) ظاهره لو تيسر لحوقه بفرس فمقدور عليه. (فرماه رجل) منهم (بسهم، فحبسه الله) أي: بذلك السهم حين جعله سببًا لحبسه، فالله تعالى فاعل الأسباب وخالق المسببات. (فقال النبي ﷺ : إن لهذِه البهائم أوابد) بفتح الهمزة والواو وكسر الباء الموحدة، قال ابن دقيق العيد: جمع آبدة، وهي تأبدت أي نفرت وتوحشت (٣) من الإنس، ومعنى الحديث: إن في البهائم ما فيه نفار كنفار الوحش، ويقال: جاء فلان ما بآبدة، أي: بكلمة غريبة أو خصلة منفرة للنفوس، ويجوز أن تكون فاعلة بمعنى مفعولة (كأوابد الوحش) وفي بعض الروايات: "كأوابد الخيل"، وهو صحيح؛ فإن

стр. 7808

النفرة تكون في الخيل كنفرة الوحوش. (فما فعل منها هذا) أي إذا ند منها واحد (فافعلوا به مثل هذا) وفيه دليل لإباحة عقر الحيوان حين يند ويعجز عن ذبحه ونحره، وأنه يكفي في الناد والمتردي في البئر ونحوه جرح يفضي إلى الزهوق فهو كالصيد (١)؛ لما روى ابن عدي من حديث إسماعيل، عن عياش، عن حرام بن عثمان، عن أبي عتيق، عن جابر ﵁: كل إنسية توحشت فذكاتها ذكاة الوحشية (٢). ومشهور مذهب مالك أنه لا يؤكل إلا بذكاة، وحمل أصحابه حديث الباب على أن الناد ذكي بعد حبسه بالسهم (٣). [٢٨٢٢] (حدثنا مسدد، أن عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري (وحمادًا) بن زيد (حدثاهم، المعنى واحد، عن عاصم) بن سليمان الأحول (عن) عامر بن شراحيل (الشعبي، عن محمد بن صفوان) الأنصاري (أو صفوان بن محمد) وقيل: عبد الله بن صفوان، له في "مسند أحمد" أيضًا، وقيل: هو محمد بن صيفي، والأول أصح (٤) (قال: اضَدت) بصاد مشددة وسكون الدال، هكذا الرواية، وأصله: اصطدت كما في رواية النسائي (٥)، فقلبت الطاء صادًا وأدغمت، مثل اصبر بتشديد الصاد وأصله اصطبر، وأصل الطاء مبدلة

стр. 7809

من تاء افتعل (١) (أرنبين) ولابن ماجه: أرنبتين (٢) بزيادة تاء التأنيث، والأرنب: حيوان قصير اليدين طويل الرجلين عكس الزرافة، ويكون عاما [ذكرا وعاما أنثى] (٣) كما في الضبع (فذبحتهما) لفظ النسائي: عن محمد بن صفوان أنه أصاب أرنبين ولم يجد حديدة فذكاهما (بمروة) (٤) وهي حجر أبيض براق، وقيل: هي التي يقدح منها النار، ومروة السعي التي ذكر مع الصفا هي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعي إليهما، سميت بذلك، والمراد في الحديث جنس الأحجار لا المروة نفسها، قاله في "النهاية" (٥). (فسألت رسول الله ﷺ عنهما، فأمرني بأكلهما) أي: رخص لي في أكل اللحم منهما. ولفظ ابن ماجه في رواية زيد بن ثابت: أن ذئبًا نيب لي (٦) شاة فذبحوها بمروة، فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها (٧). وفيه دليل على جواز الذبح بكل حجر محدد أنهر الدم، وفي معناه كل محدد من خشب أو قصب أو زجاج (٨).

стр. 7810

وفيه دليل على جواز أكل الأرنب؛ لأنها حيوان مستطاب ليس بذي ناب، فأشبه الظبي (١)، قال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافًا إلا شيئًا روي عن عمرو بن العاص (٢). [٢٨٢٣] (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب) بن عبد الرحمن القاري من القارة. (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة، ابن الخزرج وهم بطن من الأنصار (أنه كان يرعى لقحة) بكسر اللام والفتح لغة، وهي الناقة ذات اللبن لقرب عهدها بالنتاج، والجمع لِقَح كسدرة وسدر، ولقح كقصعة وقصع، وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن، وسئل ابن عباس عن رجل له امرأتان أرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية فهل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: لا؛ لأن اللقاح واحد (بشعب) بكسر الشين وهو الطريق، وقيل: الطريق في الجبل (من شعاب أحد) بضم الهمزة والحاء جبل بالمدينة معروف. (فأخذها) سبب (الموت) من مرض ونحوه، فالتمس سنًّا ينحرها به (فلم يجد شيئًا ينحرها به) مما له حد (فأخذ وتدًا) بكسر التاء في لغة الحجاز الفصحى وفتح التاء لغة (فوجأ به) أي: ضرب به وطعن (في لبتها) بفتح اللام وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، فيه دليل
следующие страницы →