← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

يقال: أشفى إلا في الشر بخلاف أشرف وقارب، وفيه جواز ذكر الرجل شدة وجع قريبه في المرض وجواز ذكر المريض شدة وجعه لا على سبيل التسخط بل للمداواة ولدعاء رجل صالح أو وصيته أو استفتاء عن (١) حاله (فعاده رسول الله ﷺ ) أي: زاره، وهذا على الأكثر في الاستعمال أن يقال في المريض: عاده، وفي الصحيح: زاره (فقال: يا رسول الله إن لي مالاً كثيرًا) فيه دليل على إباحة جمع المال الكثير. (وليس يرثني إلا ابنتي) بكسر تاء التأنيث التي قبل ياء النسب على الإفراد، ولفظ الصحيحين: ولا يرثني إلا ابنة لي (٢) انتهى، وكان اسمها عائشة، والمراد بالحصر هنا الحصر الخاص؛ فإنه كان له ورثة بالتعصيب من بني عمه فيكون التقدير: لا يرثني بالفرض إلا ابنتي وإن كان له زوجة فيقدر، وليس يرثني من الأولاد إلا ابنتي وولد له بعد ذلك أولاد كما سيأتي. (أفأتصدق) يحتمل أن يريد الصدقة المنجزة في الحياة لكونها في مرض الموت كالوصية، ويحتمل أن يريد بالصدقة الوصية بالإعطاء بعد الموت، ويؤيده ما في رواية البخاري (٣) في الوصية: أفأوصي بثلثي مالي (بالثلثين؟ ) من مالي (قال: لا) فيه أنه لا يجوز الوصية بجميع المال من باب الأولى. قال عياض: أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة فليس له أن

стр. 7912

يوصي بجميع ماله إلا شيئًا روي عن بعض السلف أجمع الناس بعده على خلافه (١). (قال: فبالشطر؟ ) أوصي؟ والمراد بالشطر هنا النصف بدليل التصريح في رواية البخاري بلفظ: أفأوصي بالنصف (٢)؛ (قال: لا) فلا تصح الوصية به أيضًا لأنه أكثر من الثلث (قال: فالثلث) قيده الزمخشري في "الفائق" بالنصب بفعل مضمر أي: أوجب (٣) الثلث (٤). وقال السهيلي في أماليه: الخفض أظهر من النصب؛ لأن النصب بإضمار فعل والخفض مردود على الشطر والثلثين المجرورين قبله (قال: الثلث) بالنصب على الإغراء أو بفعل مضمر غير فعل الإغراء أي: هب الثلث وعليه اقتصر الزمخشري بالرفع على أن فاعل بفعل مقدر أي: يكفيك الثلث، أو خبر مبتدأ محذوف أي: المشروع الثلث أو مبتدأ حذف خبره أي: الثلث مشروع وضعف القرطبي تقدير الفعل في الرفع والنصب؛ لأن الفعل لا يحذف "إلا" (٥) إذا دل عليه دليل (٦)، (والثلث كثير) الرواية المشهورة بالمثلثة (٧). قال عبد الحق: وفي بعض الطرق كبير بالموحدة، وكلاهما صحيح، ولما استكثر النبي ﷺ الثلث

стр. 7913

قال ابن عباس: لو أدن الناس غضوا من الثلث (١) إلى الربع حضًّا على ذلك. ويحتمل أن يكون التقدير: والثلث كثير أو كثيرًا أخذه. وقال الشافعي: يحتمل أن يكودن معناه كثيرًا (٢) أي: غير قليل، وهذا أولى معانيه. قال القرطبي: وكل ذلك رفق بالورثة وترجيح لجانبهم على الصدقة للأجانب. قال: وعلى هذا فمن حسنت نيته فيما يبقيه لورثته كان أجره أعظم من الصدقة به لاسيما إذا كانوا ضعافًا (٣). (إنك) يجوز فتح الهمزة على تقدير حرف الخفض، أي: لأنك والأحسن كسرها على الاستئناف والجملة معلل بها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٤)، ونظيره الوجهان في التلبية في: إن الحمد لك والملك. (إن تذر) قال عياض: رويناه بفتح الهمزة وكسرها وكلاهما صحيح (٥)، وتبعه النووي عليهما (٦) فالفتح على أنها مصدرية والكسر على الشرط، ورجح القرطبي الفتح وقال: الكسر لا معنى له (٧)، ثم على الفتح يكون محل "أن تذر" رفع بالابتداء وخير بعده هو الخبر

стр. 7914

والجملة خبر "إن" (١) من قولك: "إنك"، وعلى رواية الكسر يكون "خير" خبرًا لمبتدأٍ محذوف مقرونًا بفاء الجواب قال ابن مالك على حد قراءة ابن طاوس عن أبيه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٢)، قال: فهذا وإن لم يصرح فيه بأداة الشرط فإن الأمر يتضمن معناه: أي: إن يصلح لهم فذلك خير (ورثتك) قال الفاكهي: إنما ذكر الورثة الأغنياء بلفظ الجمع اطلاعًا منه ﵇ على أنه سيكون له في المستقبل أولاد غير الابنة المذكورة فكان كما قال: قيل: إنه ولد له بعد ذلك أربع بنين ولم يحضرني الآن أسماؤهم، ولم يكن لسعد حين جاؤوا النبي ﷺ وعاده إلا ابنة واحدة كما تقدم (٣). (أغنياء) ظاهره أغنياء بالمال الذي يتركه لهم، ويحتمل أن يراد بالأغنياء أغنياء النفوس بتأديبهم وتربيتهم على القناعة باليسير مما

стр. 7915

عندهم؛ فإن الولد إذا كبر يعيش على ما نشأ عليه واعتاده، وبالدعاء لهم على أن يرزقهم الله غنى النفس الذي مدحه النبي ﷺ بقوله: "ليس الغنى عن كثرة العرض، لكن الغنى غنى النفس" (١)، وحمل الاسم على المعنى الممدوح شرعًا أولى من حمله على العرف المعتاد وإن عضده سياق ما تقدم (٢) (خير من أن تذرهم عالة) جمع عائل وهو الفقير من المال أو فقير النفس (٣) (يتكففون الناس) من الكف وهو كف اليد أي: يبسطون أكفهم للسؤال، وقيل: يسألون الناس إعطاء ما في أكفهم، وقيل: يسألون الناس كفافًا من القوت، ويدل على الأول رواية مسلم (٤): "يتكففون الناس". (وإنك لن تنفق (٥) نفقة) [يجوز في همزة أن الوجهان السابقان في أنك أن تذر وزاد مسلم بعد "من نفقة": "تبتغي بها وجه الله تعالى"] (٦) (إلا أجرت بها) (٧) أي: أعطاك الله بها أجرًا، ورواية مسلم تدل على أن الأجر في الصدقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله تعالى وإن

стр. 7916

كانت واجبة ولمفهومه إن لم يقصد القربة لم يؤجر عليها ولا على شيء منها، والمعنيان صحيحان، يبقى (١) أن يقال: فهل إذا أنفق نفقة واجبة على الزوجة أو الولد الفقير وإن لم يقصد القربة هل تبرأ ذمته أم لا؟ والجواب: أن ذمته تبرأ من المطالبة؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجزئ (٢) بغير نية كالديون وإن لم ينو لم يحصل له أجر، ويفهم منه بحكم عمومه أن من أنفق نفقة مباحة وصحت نية التقرب أثيب عليها كمن يطعم ولده وزوجته لذيذ الأطعمة ولطيفها ليرد شهوتهما ويمنع من [التشوق إلى] (٣) ما في أيدي الناس وليرق طبعه فيحسن فهمه ويقوى حفظه إلى غير ذلك مما يقصده الفضلاء بأولادهم (٤) (حتى اللقمة) يجوز النصب بإضمار فعل من جنس ما بعدها؛ لأن فعل (ترفعها) قد اشتغل عنها بضميره المتصل به، وهذا كقول العرب: أكلت السمكة حتى رأسها أكلته، ويجوز جر اللقمة على لفظ نفقة، والنصب على المعنى؛ فإن من الداخلة على نفقة زائدة؛ لأنها نكرة بعد نفي. قال القرطبي: وأوضح هذِه الأوجه النصب وأبعدها الخفض. قال: والذي قرأت به هذا الحرف النصب فقط (٥) (إلى في امرأتك)

стр. 7917

أي: إلى فمها، وخص الزوجة بالذكر دون سائر من ينفق عليه لعود نفقتها الدائمة إليه التي هي سبب إنفاقه فالغالب من الناس ينفق على زوجته لقضاء وطره وتحصيل شهوته، وليس كذلك النفقة على الأبوين، وإنما ذكر النبي ﷺ لسعد هذا الكلام في مرضه تنبيهًا على الفوائد التي تحصل بالمال الذي يخلفه لهم؛ إذ فيه صلة رحمه من بعده وإعانتهم بماله على طاعة الله فهو خير من أن يذرهم فقراء يتكففون الناس، وهذا يدل على فضل تكسب المال لهذِه الوجوه، ولكن كل هذا إذا كان الكسب حلالًا خاليًا عن الشبهة التي تعذر الوصول إليها في هذِه الأوقات (١) (قلت: يا رسول الله أتخلف) حذف منه همزة الاستفهام أي: أأتخلف (عن هجرتي؟ ) خشي أن يقدح موته بمكة في هجرته التي هاجرها من مكة وعاد إليها أو في ثوابها هل يسقط بموته في مكة؟ وقد كانوا يكرهون الرجوع (٢) فيما تركوه لله تعالى، ويدل للأول رواية الصحيحين: وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها وزعم عبد الحق أنها من أفراد مسلم، بل هي في البخاري في الوصايا (٣). (قال: إنك إن) بفتح الهمزة وكسرها (تخلف بعدي فتعمل عملاً) صالحًا (تريد به وجه الله) تعالى (لا تزداد به) عند الله (إلا رفعة ودرجة لعلك أن تخلف) المراد بالتخلف هنا: طول العمر والبقاء (٤) ففيه التنبيه

стр. 7918

على فضل طول العمر الذي فيه ازدياد من أفعال الخير (حتى ينتفع بك أقوام) في أمر دينهم ودنياهم (ويضر بك آخرون) من الكفار في دينهم ودنياهم فإنهم قتلوا وسبيت نساؤهم وأولادهم وغنمت أموالهم ودماؤهم في فتح العراق وغيره من أعلام النبوة حيث عاش سعد بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة حتى حصل منه ما حصل وفي ذلك تسلية لسعد عن كراهة ما خشيه من الموت (١) وفي كتاب "الطب" [لابن القيم] (٢) أنه ﵊ لما عاد سعدًا قال: "ادعوا لي طبيبًا" فدعي له الحارث بن كلدة فوصف له تمر (٣) عجوة وحبلة (٤) يطبخان ويحسوهما (٥)، وفي رواية له أنه دعا الحارث وقال له: "عالج سعدًا مما به"، فقال: هل معكم من هذِه الثمرة العجوة شيء؟ قالوا: نعم. قال: فصنع به نخيلة (٦) ثم أوسعها سمنًا فحساها (٧) فكأنما نشط من عقال (٨).

стр. 7919

(ثم قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم) مقبولة خالصة لك غير ناقص من أجرها شيئًا (ولا تردهم) بفتح الدال ويجوز الضم لاتباع ضمة الهاء على أعقابهم أي: [لا تترك هجرتهم وحالهم المرضية] (١) يقال: رجع فلان على عقبه إذا رجع خائبًا. قيل: وفيه دليل على أن بقاء المهاجر بمكة قادح فيه. قال القاضي: ولا دليل فيه؛ لأنه يحتمل: أنه دعا لهم دعاء عامًّا (٢). (لكن البائس) بالمد والهمز اسم فاعل من البؤس وهو أثر الفقر وسوء الحال (٣)، وقيل: البائس هو المرحوم (سعد بن خولة) من بني عامر بن لؤي العامري من السابقين بدري توفي سنة عشر بمكة، وزوجته سبيعة الأسلمية توفي عنها في حجة الوداع (٤) وولدت بعد وفاته بليالٍ فقال لها رسول الله ﷺ : "قد حللت فانكحي من شئت" (٥) (يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) وهذا من قول سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات. قال القاضي: وأكثر ما جاء أنه من قول الزهري (٦).

стр. 7920

وهمزة أن مات مفتوحة، ولا يجوز الكسر (١)؛ لأنه أمر انقضى (٢) وجوزه السفاقسي (٣) بناء على القول أنه مات بعد ذلك فرثاه خوفًا عليه من ذلك. قال القاضي: فيحتمل أن يكون قوله: أن مات بمكة. مرفوعًا، و"يرثي له" من كلام غيره تفسيرًا لمعنى البائس (٤)، والله أعلم.

стр. 7921

٣ - باب ما جاءَ في كَراهِيَةِ الإِضْرارِ في الوصِيَّةِ ٢٨٦٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا عَبْدُ الواحِدِ بْن زِيادٍ، حدثنا عُمارَةُ بْنُ القَعْقاعِ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَجُلٌ لِلنَّبيِّ ﷺ : يا رَسُولَ اللهِ أي الصَّدَقَةِ أَفْضَل قالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ البَقاءَ وَتَخْشَى الفَقْرَ وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذا وَلِفُلانٍ كَذا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ" (١). ٢٨٦٦ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حدثنا ابن أَبي فدَيْكٍ، أَخْبَرَني ابن أَبي ذِئْب، عَنْ شرَحْبِيلَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخدْريِّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لأَنْ يَتَصَدَّقَ المَرْءُ في حَياتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتهِ" (٢). ٢٨٦٧ - حدثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حدثنا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ الحدّانيُّ، حدثنا الأشعَثُ بْنُ جابِرٍ، حَدَّثَني شَهْرُ بْنُ حَوْشَب أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ والمَرْأَةَ بِطاعَةِ اللهِ سِتّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُما المَوْتُ فَيُضارّانِ في الوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُما النّارُ" .. قال: وَقَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ ها هنا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قالَ أَبُو داوُدَ: هذا -يَعْني: الأشعَثَ بْنَ جابِرٍ- جَدّ نَصْرِ بْنِ عَليٍّ (٣). * * *

стр. 7922

باب في كراهية الإضرار في الوصية [٢٨٦٥] (حدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضبي (عن أبي زرعة) تقدم (ابن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ ) خبر المبتدأ: أي أنواع الصدقة أفضل وأكثر أجرًا (قال: أن تصدق) قال الكرماني: بتخفيف الصاد وحذف إحدى التاءين، وفي بعض النسخ بتشديد الصاد وإدغام التاء فيها (١) (وأنت صحيح) الجسم (حريص) على جمع المال، وللبخاري (٢) رواية أخرى: "صحيح شحيح" أي: يجد له وقعًا في قلبه لما يؤمله من طول العمر ومخافة من حدوث الفقر (٣) (تأمل) بضم الميم المخففة أي: تطمع في الغنى لطول (البقاء) في الذنيا (وتخشى) من (الفقر) وضيقه والداعي لخوف الفقر الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء. (ولا تمهل) بنصب اللام عطف على ما قبلها وفي بعض النسخ على النهي (حتى إذا بلغت الحلقوم) وهو الحلق، والمراد منه حتى إذا قاربت الروح الخروج من الحلقوم؛ إذ لو بلغته حقيقة لم يصح منه وصية ولا صدقة ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق (٤) (قلت: لفلان كذا ولفلان كذا) أي: أوصيت لفلان بكذا وفلان بكذا (وقد كان لفلان) يعني:

стр. 7923

الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله ولم يحرم، وخالف بعضهم فقال: بل هو الموصى له ممن تقدمت وصيته له على تلك الحالة. ومعنى الحديث -والله أعلم- أن الحرص على المال غالب في حال الصحة؛ فإذا شح وتصدق (١) مع ذلك كان أعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره (٢). [٢٨٦٦] (حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا) محمد بن إسماعيل (بن أبي فديك) دينار الديلي (٣) (أخبرني) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) العامري (٤) (عن شرحبيل) بن سعد الأنصاري، روى له البخاري في "الأدب" (٥) وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦) (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: ) والله (لأن) بفتح اللام جواب القسم (يتصدق المرء في حياته) زاد ابن حبان في "صحيحه" (٧): "وصحته". (بدرهم) واحد (خير) هو خبر للمبتدأ المقدر وتقديره: والله لصدقته بدرهم خير (له من أن يتصدق بمائة

стр. 7924

درهم عند موته) صححه ابن حبان (١). لعل هذا مقيد لما أطلق في الحديث قبله فلهذا ذكره المصنف عقبه. والمراد والله أعلم: لأن يتصدق الصحيح الحريص الذي يأمل البقاء ويخشى الفقر بدرهم واحد خير له من أن يتصدق بمائة درهم إذا بلغت الحلقوم كما تقدم. وفي الحديث دلالة على أن تعدد الأوصاف الدالة على صدق المتصدق وشدة اعتنائه وحرصه عليها وقوة الباعث معتبر في الشرع أكثر من تعدد المتصدق به من قلبه حين دفعه إلا بعد شدة اجتهاده واعتنائه بالصدقة كما روى الإمام أحمد (٢) والبزار (٣) عن بريدة قال رسول الله ﷺ : "لا يخرج رجل شيئًا من الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطانًا". وزاد البيهقي: "كلهم ينهى عنها" (٤). وهذا بخلاف الذي يتصدق عند الموت كما روى النسائي (٥) قال: أوصى رجل بدنانير في سبيل الله فسئل أبو الدرداء فحدث عن النبي ﷺ : "مثل الذي يعتق وبتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما شبع" (٦). ومن هذا حديث: "أفضل الصدقة جهد المقل". رواه المصنف (٧) وابن خزيمة (٨).

стр. 7925

وروى النسائي (١) وابن خزيمة (٢) عن أبي هريرة قال ﷺ : "سبق درهم مائة ألف درهم". قال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "رجل له مال كثير أخذ من أعرض، ماله مائة ألف درهم تصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به". [٢٨٦٧] (حدثنا عبدة بن عبد الله) بن عبدة الخزاعي الصفار شيخ البخاري في العلم وبدء الخلق وتفسير المرسلات (أنا [عبد الصمد]) (٣) ابن عبد الوارث (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي الكبير (الحداني) بضم الحاء المهملة وتشديد الدال وبعد الألف نون نسبة إلى حدان بن شمس وهم بطن من الأزد (٤) (قال: حدثنا) جدي لأمي (٥) (الأشعث ابن) عبد الله بن (جابر) الحداني (٦)، أخرج له البخاري تعليقًا. صدوق (٧) (حدثني شهر بن حوشب) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة (أن أبا هريرة حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل ليعمل أو) إن (المرأة) لتعمل (بطاعة الله ستين سنة) ولابن ماجه: "إن الرجل

стр. 7926

ليعمل بعمل الجنة سبعين سنة" (١). (ثم يحضرهما الموت فيضاران) بضم الياء وتشديد الراء قبل ألف التثنية أصلها فيضارران بكسر الراء الأولى (في الوصية) قال في "النهاية": هو أن لا يمضي أو ينقص بعضها أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك مما يخالف السنة (٢) (فتجب لهما) أي يستحق بالمضارة في الوصية دخول (النار) إلا أن يعفو الله تعالى عنه أو يغفر له. وروى النسائي (٣) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "الإضرار في الوصية من الكبائر"، ثم تلا ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (٤). ولفظ ابن ماجه (٥): "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة". وله عن أنس: قال ﷺ : "من فر بميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة" (٦). (قال) شهر بن حوشب: (ثم قرأ علي أبو هريرة) وأنا أسمع (من ها هنا) أي: قرأ من عند قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الصاد والباقون بالكسر (٧).

стр. 7927

(﴿أَوْ دَيْنٍ﴾)، والحكمة في تقديم ذكر الوصية على الدين والدين مقدم عليها بالإجماع (١) وبرواية الدارقطني (٢): "الدين قبل الوصية" من أوجه: أحدها: إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما [فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ] (غير) نصب على الحال والعامل يوصي أي: يوصي بها (﴿غَيْرَ مُضَارّ﴾) يدخل الضرر على الورثة أي: لا ينبغي أن يوصي بدين ليس يجب عليه ليضر بالورثة ولا يقر بدين ليس عليه، فالإضرار راجع إلى الوصية والدين أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد في وصيته على الثلث أو يوصي لوارث فإنه يرد إلا أن تجيزه الورثة؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى، وأما رجوعه على الدين فبالإقرار في حالة المرض بما لا يجوز، كما لو أقر لملاطف له، وروي عن الحسن أنه قرأ (غير مضار وصية) على الإضافة (٣)، قال النحاس: زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن (٤)؛ لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر. والقراءة حسنة على حذف. والمعنى: غير مضار ذي وصية. (حتى بلغ) قوله تعالى: (﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾) (٥) من عمل بذلك.

стр. 7928

٤ - باب ما جاء في الدُّخُول في الوَصايا ٢٨٦٨ - حدثنا الحَسَنُ بْن عَليٍّ، حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِئ، حدثنا سَعِيدُ بْن أَبي أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبي جَعْفَرٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ أَبي سالِمٍ الجَيْشانيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي ذَرٍّ قال: قال لي رَسُول اللهِ ﷺ : "يا أَبا ذَرٍّ إِنّي أَراكَ ضَعِيفًا وَإِنّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لِنَفْسي فَلا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ". قالَ أَبُو داوُدَ: تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ مِصْرَ (١). * * * باب ما جاء في الدخول في الوصايا [٢٨٦٨] (حدثنا الحسن بن علي) الخلال, (حدثنا أبو عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد (المقرئ) مولى آل عمر بن الخطاب البصري سكن مكة، (حدثنا سعيد بن أبي أيوب) مقلاص (٢) المصري (عن عبيد الله) بالتصغير (بن أبي جعفر) المصري الفقيه، أحد الأعلام (عن سالم بن أبي سالم) البصري (الجيشاني) أخرج له مسلم في الجهاد، وجيشان قبيلة من اليمن (٣) (عن أبيه) أبي سالم سفيان بن هانئ الجيشاني (عن أبي ذر) جندب بن جنادة (قال: قال [لي] (٤) رسول الله ﷺ : يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا) يعني: عن القيام بما يتعين على الأمير من مراعاة مصالح رعيته الدينية والدنيوية، ووجه ضعف أبي ذر عن ذلك أن الغالب عليه

стр. 7929

كان الزهد واحتقار الدنيا وترك الاحتفال بها، ومن كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها اللذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين ويتم أمره، وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا حتى انتهى به، الحال إلى أن قضى بتحريم جمع المال وإن أخرجت ذكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توعد الله عليه بكوي الوجوه والجنوب والظهور، فلما علم النبي ﷺ منه هذِه الحال نصحه كما سيأتي (وإني أحب لك) من أمور الدنيا والآخرة (ما أحب لنفسي) وهذا فيه تأكيد لعظم بذل النصيحة له كما في بذل نصيحة نفسه (فلا تأمرن) بفتح التاء والهمزة والميم المشددة والنون المشددة أصله تتأمرن فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا. وفيه النهي الشديد عن الإمارة (على اثنين) فأكثر، وَغَلَّظَ الوَعِيدَ بقوله في رواية مسلم في الإمارة: "فإنها خزي وندامة" (١) أي: فضيحة قبيحة على من لم يؤد الأمانة حقها ولم يقم لرعيته برعايتها وهي ندامة يوم القيامة على من تقلدها وفرط فيها، أما من عدل فيها وأتى بالواجب وما يتعين عليه منها ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٢) (ولا تولين) بفتح التاء والواو المخففة واللام المشددة أصلها بنونين ثم حذفت إحدى النونين (مال يتيم) فيه النهي عن الولاية على أموال الأيتام لعظم خطرها وكثرة إثم وزرها إذا قصر؛ ولذلك امتنع كثير من العلماء من الدخول فيها (٣).

стр. 7930

٥ - باب ما جاءَ في نسْخِ الوصِيّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأَقْربِينَ ٢٨٦٩ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَني عَليُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقرَبِينَ) فَكانَتِ الوَصِيَّة كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْها آيَةُ الِميراثِ (١). * * * باب في نسخ الوصية للوالدين والأقربين [٢٨٦٩] (حدثنا أحمد بن محمد) بن ثابت بن شبويه (المروزي) بفتح الواو من كبار الأئمة (حدثني علي بن حسين بن واقد) المروزي ضعفه أبو حاتم وقواه غيره (٢) (عن أبيه) حسين بن واقد قاضي مرو، أخرج له مسلم (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٣) (﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾) الخير هنا المال بلا خلاف، واختلفوا في مقداره فقيل؛ المال الكثير روي ذلك عن علي (٤) وعائشة (٥) وابن عباس (٦) ﵄، وقالوا في تسعمائة دينار أنه قليل.

стр. 7931

وقال قتادة عن الحسن (١): الخير ألف دينار فما فوقها (٢). (﴿الْوَصِيَّةُ﴾) هذا خبر إن الشرطية أصله: فالوصية ثم حذفت الفاء كقول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها (٣) وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة عن عائشة قال لها رجل: إني أريد أن أوصي؟ قالت: كم مالك؛ قال: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: إن الله يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وهذا شيء يسير فدعه لعيالك (٤). (﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾) جمع أقرب، قال قوم: الوصية للأقربين أولى من الأجانب لنص الله تعالى عليهم حتى قال الضحاك من أوصى لغير قرابته: فقد ختم عمله بمعصية (٥). وأوصت عائشة لمولاة لها بأثاث البيت (٦). وقال الناس حين مات أبو العالية: عجبًا له أعتقته امرأة (٧) [من بني

стр. 7932

رياح] (١) وأوصى بماله لبني هاشم. قال الشعبي: لم يكن له ذلك (٢) ولا كرامة (٣). (فكانت الوصية كذلك) أي واجبة، قال ابن عباس والحسن وطاوس وقتادة (٤) وغيرهم: كان حكمها فائقًا للوالدين والأقربين حق واجب (حتى نسختها آية الميراث) نسخت الوصية للوالدين وكل وارث وثبتت للأقربين الذين لا يرثون وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكية (٥). وقال ابن عمر وابن زيد (٦): الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندبًا وهو قول مالك وذكره النحاس عن الشعبي والنخعي (٧).

стр. 7933

٦ - باب ما جاء في الوَصِيَّةِ لِلْوارثِ ٢٨٧٠ - حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حدثنا ابن عَيّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ أَبا أُمامَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذي حَق حَقَّهُ فَلا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ" (١). * * * باب ما جاء في الوصية للوارث [٢٨٧٠] (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحَوْطِي (٢) من جبلة الساحل وثقه يعقوب بن شيبة (حدثنا) إسماعيل (ابن عياش) العنسي بالنون، روايته عن أهل الشام أصح من روايته عن أهل العراق، وهذا الحديث من روايته عن أهل الشام (٣). وقد أخرج هذا الحديث الترمذي (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦). وقال الترمذي: حسن صحيح. صرح الترمذي بالتحدث عن شرحبيل بن حسنة (٧)، وجنح الشافعي في "الأم" إلى أن هذا الحديث متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم من قريش وغيرهم لا يختلفون أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية

стр. 7934

لوارث" ويأثرونه عمن حفظوه عنه فكان: نقل الكافة عن الكافة] (١) (عن شرحبيل بن مسلم) بن حامد الخولاني الشامي. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: من ثقات الشاميين (٢). وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: سمعت أحمد يرضاه. وقال العجلي: ثقة (٣). قال: (سمعت أبا أمامة) صدي بن عجلان الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه) من المواريث في ثلاثة آيات فلم يكل قسمتها إلى غيره، وهذا يدل على فضيلة علم الفرائض مع ما ورد فيه من الأحاديث الآتية (فلا وصية لوارث) وإنما بطلت الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم مراعاة لحقوق الورثة فإذا أجازوها جازت. وذهب بعضهم (٤) إلى أن الوصية للوارث لا تجوز بحال وإن أجازها سائر الورثة؛ لأن المنع منها إنما هو لحق الشرع، فلو جوزناها لكنا استعملنا الحكم المنسوخ وذلك غير جائز، وقد قال أهل الظاهر: إن الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز أجازها الورثة أم لم يجيزها (٥). قال ابن عبد البر: وهو قول عبد الرحمن بن كيسان، وإلى هذا ذهب المزني (٦).

стр. 7935

٧ - باب مُخالَطَة اليَتِيمِ في الطَّعامِ ٢٨٧١ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: لَمّا أَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِنْ طَعامِهِ وَشَرابَهُ مِنْ شَرابِهِ فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذَكَروا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فَخَلَطُوا طَعامَهُمْ بِطَعامِهِ وَشَرابَهُمْ بِشَرابِهِ (١). * * * باب مخالطة اليتيم في الطعام [٢٨٧١] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الرازي القاضي (عن عطاء) بن السائب (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) ﵄ (قال: لما أنزل الله تعالى) هذِه الآية (﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾) أصل اليتم الانفراد، وقيل: الغفلة؛ لأن اليتيم يغفل عنه، وقد يتم الصبي بكسر التاء (٢) (﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾) أي: بالفعلة أو بالطريقة التي (٣) (﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾) أي: أصوب وأسرع إلى

стр. 7936

إصلاح ماله (و) قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾) سمي أخذ المال على جميع وجوهه أكل؛ لأن المقصود الأعظم من الأخذ هو الأكل، وبه أكثر إتلاف الأشياء (﴿أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾) بغير حق (الآية) (١) إلى آخرها (انطلق) كل (من كان عنده يتيم) من الأوصياء وغيرهم] (فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل) أي: صار (يفضل) بفتح الضاد ويجوز ضمها لليتيم (من طعامه) وشرابه (فيحبس) مبني للمفعول (حتى يأكله أو يفسد) بضم السين ويلقيه (فاشتد) لفظ النسائي (٢): فشق ذلك على الناس (عليهم) لما فيه من الحرج والتضييق] (فذكروا) وللنسائي: فشكوا (ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ) هذِه الآية: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾) يعني: أولياء الأيتام، وقيل: كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى ومؤاكلتهم فسألوا النبي ﷺ ، وقيل: إن السائل هو عبد الله بن رواحة (٣) (﴿عَنِ﴾) مخالطة (﴿الْيَتَامَى﴾) ومؤاكلتهم (﴿قُلْ إِصْلَاحٌ﴾) مبتدأ و (﴿لَهُمْ﴾) نعت له (﴿خَيْرٌ﴾) خبره فيجوز أن يكون التقدير: خير لهم، ويجوز أن يكون خير لكم، أي: إصلاحهم نافع لكم [وتقدم قراءة طاوس (قل أصلح لهم خير) (٤)] أي: أصلح لهم فهو خير فالفاء جواب الشرط وإن لم يصرح بأداة الشرط فإن الأمر يتضمن معناه، أي: أن تصلح لهم فذلك خير، واستدل بالآية

стр. 7937

أبو حنيفة على أن للولي أن يشتري مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن المثل؛ لأنه إصلاح له دل عليه ظاهر القرآن. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك في البيع (١)؛ لأنه لم يذكر في الآية التصرف، بل قال: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ من غير (٢) أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر (٣) (﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾) هذِه المخالطة كخلط المثل بالمثل كالتمر بالتمر. قال أبو عبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه كما تقدم ولا يجد بدًا من خلطه لعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه يكفيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله (٤). (﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾) فيه أن الصغير وإن كان رضيعًا يقال له أخي كما في الكبير. قال أبو عبيد: وهذا (٥) عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار؛ فإنهم يتخارجون (٦) النفقات بينهم بالسوية، وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته (٧)، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه

стр. 7938

بالتفضل (١) على رفيقه - في قلة المطعم -، ولما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس (٢) (فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه) ولما أذن الله في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلًا على جواز التصرف في مال (٣) اليتيم تصرف الولي في البيع والشراء والقسمة وغير ذلك على الإطلاق لهذِه الآية، فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه إليه جاز عليه فعله وإن لم يقدمه والٍ عليه لأن الآية مطلقة، والكفالة (٤) ولاية عامة.

стр. 7939

٨ - باب ما جاءَ فِيما يوَليِّ اليَتيم أَنْ يَنالَ مِنْ مالِ اليَتِيمِ ٢٨٧٢ - حدثنا حُمَيْدُ بْن مَسْعَدَةَ أَنَّ خالِدَ بْنَ الحارِثِ حَدَّثَهُمْ، حدثنا حُسَينٌ - يَعْني المُعَلِّمَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقال: إِلى فَقِيرٌ لَيْسَ لي شَيء وَلي يَتِيمٌ. قال: فَقالَ: "كُلْ مِنْ مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُبادِرٍ وَلا مُتَأَثِّلٍ" (١). * * * باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم [٢٨٧٢] (حدثنا حميد (٢) بن مسعدة) الباهلي شيح مسلم (أن خالد بن الحارث) الهجيمي البصري (حدثهم: حدثنا حُسَينٌ المُعَلِّم عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النبي ﷺ فَقَالَ: إِنّى فَقِيرٌ) ثم فسره بقوله (لَيسَ لِي شَيء) قد يحتج به لقول الشافعي (٣) وأحمد (٤) وغيرهما أن الفقير هو الذي لا يملك شيئًا، ولأن الله تعالى بدأ به وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، ولأن الفقير من فقر الظهر فعيل بمعنى مفعول أي: مفقور وهو الذي انتزعت فقرة ظهره فانقطع صلبه (٥) (وَلِي يَتِيمٌ) زاد ابن ماجه (٦): له مال.

стр. 7940

(قَالَ فَقَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ) بالمعروف وهو أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله والغني يستعفف كما أمره الله تعالى (١). وإذا أكل (٢) فيقضي ضمان البدل، والمعروف: أن قدر أجر عمله لا قضاء عليه (غَيرَ) منصوب على الحال ويجوز أن يكون وصفا لمصدر محذوف أي أكلا غير (مسرف) والإسراف في اللغة: الإفراط ومجاوزة الحد (٣). قال النضر بن شميل: السرف: التبذير (٤). (وَلَا مُبَادِرٍ) أي: مبادر كبر اليتيم ولا مستغنم مال اليتيم بأن يأكله ويقول: أبادره بالكل قبل أن يرشد ويأخذ ماله (وَلَا مُتَأَثِّلٍ) بتشديد الثاء المثلثة المكسورة أي: جامع منه مالا. يقال: مال مؤثل أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء بضم الهمزة: أصله (٥) ومنه حديث أبي قتادة: إنه لأول مال تأثلته في الإسلام (٦).

стр. 7941

٩ - باب ما جاء مَتَى يَنْقَطِعُ اليُتْمُ ٢٨٧٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حدثنا يَحْيَى بْن محَمَّدٍ المَدِينيُّ، حدثنا عَبْدُ اللهِ ابْنُ خالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبي مَزيَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُقَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخًا مِنْ بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ خالِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَحْمَدَ قال: قال عَليُّ بْنُ أَبي طالِبٍ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ وَلا صُماتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ" (١). * * * باب مَتَى يَنْقَطِعُ اليُتْمُ [٢٨٧٣] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الله ابن مهران الجاري (المديني) والجاري نسبة إلى الجار بالجيم والراء بليدة على الساحل قريبة من مدينة رسول الله ﷺ قال ابن حبان: يجب التنكب عما انفرد به من الروايات (٢) (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ) التيمي مولاهم المدني مولى ابن جدعان، أبو شاكر (٣) (عَنْ

стр. 7942

أَبِيهِ) خالد بن سعيد التيمي وهو: ثقة (١) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُقَيشٍ) بالشين المعجمة الأسدي (٢). قال الأصمعي: رقيش تصغير الرقش وهو: تنقيط الخط والكتابة (٣). وهو: ثقة (٤) (أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخًا مِنْ بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ خَالِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى أَحْمَدَ) بن جحش الأسدي ولد في حياة النبي ﷺ وهو والد بكير (٥) قال أحمد بن صالح المصري لقي عمر بن الخطاب (٦) (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ ورواه الطبراني في "الصغير" (٧) بسند آخر عن علي، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٨) وحسنه النووي بسكوت المصنف عليه (٩) (حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال: لَا يُتْمَ) اليتم في الناس فقد

стр. 7943

الصبي أباه قبل البلوغ (١) وأصل اليتم بالضم (٢) الانفراد (بَعْدَ احْتِلَامٍ) أي: إذا بلغ اليتيم واليتيمة زمن البلوغ الذي يحتلم فيه غالب الناس زال عنهما اسم اليتم حقيقة وجرى عليه حكم الرجال سواء احتلم أو لم يحتلم وقد يطلق عليه مجازا بعد البلوغ كما كانوا يسمون النبي ﷺ -وهو كبير: يتيم أبي طالب لأنه رباه مع (٣) موت أبيه (٤). وقد استدل به على أن (٥) اليتيم واليتيمة يستحقان من خمس الثالث من الفيء ما لم يبلغ الحلم، وإن بلغوا الحلم سقط استحقاقهم، لكن لا يستحقان على الصحيح من مذهب الشافعي إلا مع الفقر لأن المال أنفع من وجود الأب، ولأن اليتم لا يطلق في العرف إلا للرحمة بخلاف ذي القربى فإنهم استحقوا لقربهم من رسول الله ﷺ تكرمة والغني والفقير في الإكرام سواء، وللشافعي قول أنه للغني وللفقير منهم لعموم الآية (٦). زاد في رواية: "لا رضاع بعد فطام " (٧). (وَلَا صُمَاتَ) بضم الصاد (يَوْمٍ) وهو السكوت (٨) ومنه حديث:

стр. 7944

"إذنها صماتها" (١) (إِلَى اللَّيلِ) وفيه النهي عما كان من أفعال الجاهلية، وهو الصمت عن الكلام في الاعتكاف، وغيره (٢) وروى البخاري (٣) عن قيس بن [أبي حازم قال] (٤): دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمته. فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت. وروي أنه ﷺ نهى عن صوم الصمت (٥) وظاهر نهي الأحاديث تحريمه؛ لأن ظاهر النهي التحريم، وقول أبي بكر: إن هذا لا يحل. صريح في التحريم ولم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه، ولو نذر ذلك في اعتكافه أو غيره لم يلزمه الوفاء به وبهذا قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي لا نعلم فيه خلافا لحديث أبي إسرائيل لما نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل فقال النبي ﷺ : "مروه فليتكلم" (٦). ولأنه نذر منهي عنه كنذر صوم يوم العيد (٧).

стр. 7945

١٠ - باب ما جاءَ في التَّشْدِيد في أَكْل مال اليتِيمِ ٢٨٧٤ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْدانيُّ، حدثنا ابن وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبي الغَيْثِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ" قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ وَما هنَّ قالَ: "الشِّرْكُ باللهِ والسّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقّ وَأَكْلُ الرّبا وَأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ والتَّوَلّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ". قالَ أَبُو داوُدَ: أَبُو الغَيْثِ سالِمٌ مَوْلَى ابن مُطِيعٍ (١). ٢٨٧٥ - حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجُوزَجانيّ، حدثنا مُعاذ بْنُ هانِئٍ، حدثنا حَرْبُ بْنُ شَدّادٍ، حدثنا يَحْيَى بْن أَبي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ سِنانٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ - وَكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَجلاً سَأَلهُ فَقال: يا رَسُولَ اللهِ ما الكَبائِرُ فَقالَ: "هُنَّ تِسْعٌ" .. فَذَكَرَ مَعْناهُ زادَ: "وَعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ واسْتِحْلالُ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْياءً وَأَمْواتًا" (٢). * * * باب التَّشْدِيدِ فِى أَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ [٢٨٧٤] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْدَانِى) بسكون الميم أبو جعفر المصري قال ابن حجر: صدوق (٣) (حَدَّثَنَا) عبد الله (ابْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشي (٤) (عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بِلَالٍ) القرشي التيمي (عَنْ ثَوْرِ بْنِ

стр. 7946

زَيْدٍ) الديلي أخرج له الشيخان (١) (عَنْ أَبِى الغَيْثِ) سالم مولى أبي مطيع (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ) أي: المهلكات جمع موبقة، وسميت هذِه الكبائر الآتية موبقات لأنها تهلك صاحبها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من العذاب ولا شك في أن الكبائر أكثر من هذِه السبع، ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع (٢) وفي رواية عنه: هي إلى سبعمائة أقرب (٣) وعلى هذا فاقتصاره ﵇ على هذِه السبع في هذا الحديث يحتمل أنها هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم بعد ذلك أعلم بغيرها، ويحتمل أن تكون هذِه السبع هي التي دعت الحاجة إليها] (٤) في ذلك الوقت، أو التي سئل عنها في ذلك الوقت (قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله) وهو أعظم الكبائر، ففي "الصحيح" (٥): سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" (والسحر) لأن الساحر لابد أن يكفر كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ

стр. 7947

السِّحْرَ﴾ (١) (وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق) والمراد به قتل العمد بغير حق، وكذا شبه العمد دون الخطأ، وأنه ليس من الكبائر، وجعله الحليمي مراتب وقال: إن قتل أبا أو ذا رحم أو أجنبيًّا محرمًا أو بالحرم أو في الأشهر الحرم، فهي فاحشة فوق الكبيرة (وأكل الربا) لقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢). قال ابن عبد السلام: ولم أقف على المفسدة المقتضية لجعله من الكبائر؛ فإن كونه مطعومًا وكونه قيمة الأشياء لا يقتضي كونه كبيرة (٣). قال السهيلي: من تأمل أبواب الربا لاح له سر التحريم من جهة الجشع (٤) المانع من حسن المعاشرة والذريعة إلى ترك القرض وما في التوسعة من مكارم الأخلاق، ولذلك قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ غضبًا على أهله، ولهذا قالت عائشة من تعاطى ما يشبه أنه ربا بطل جهاده مع رسول الله ﷺ (٥) ولم تقل صلاته ولا صيامه؛ لأن السيئات لا تحبط الحسنات ولكن خصمتا الجهاد بالإبطال؛ لأنه حرب لأعداء الله، وأكل الربا قد أذن بحرب الله؛ فهو ضده ولا يجتمع الضدان (٦) (وأكل مال اليتيم) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 7948

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١) الآية، وقيل: [إنه مجرب لسوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها] (٢). قال ابن عبد السلام: إن وقع أكل مال اليتيم في مال حقير كزبيبة أو تمرة فعده من الكبائر مشكل، فيجوز أن يجعل من الكبائر فِطاما عن هذِه المفاسد كشرب قطرة من الخمر، ويجوز أن نضبط الكثرة منه بنصاب السرقة (٣). (والتولي) من وجوه الكفار (يوم الزحف) وأصل الزحف المشي المتثاقل كالصبي يزحف قبل أن يمشي، ويسمى الجيش بالزحف لأنه يزحف فيه، وإنما يصير التولي كبيرة إذا لم يزد عدد الكفار على مثلي المسلمين ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (٤) وقد يجب التولي إذا علم أنه يقتل من غير نكاية في الكفار؛ لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لمصلحة إعزاز الدين، وفي الثبوت ضد هذا المعنى (٥) (وقذف المحصنات) أي: رميهن بالزنا والإحصان هنا العفة عن الفواحش (٦) (والغافلات) عما رمين به من الفاحشات؛ إذ عن سليمات الصدور بريئات مما قيل فيهن، ولا خبر عندهن منه.

стр. 7949

قال ابن عبد السلام: من قذف محصنة في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة فليس ذلك بكبيرة موجبة للحد (١). وقال الحليمي: قذف الصغيرة التي لا تحتمل الوقاع بحيث يقطع كونه كاذبًا من الصغائر (٢). (المؤمنات) بالله تعالى (٣). [٢٨٧٥] (حدثنا إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق (الجوزجاني) بضم الجيم الأولى وفتح الزاي والجيم المخففتين وبعد الألف نون نسبة إلى مدينة بخراسان مما يلي بلخ (٤) يقال لها جوزجان، وبها قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب (٥). قال ابن حجر: هو نزيل دمشق حافظ ثقة (٦). (حدثنا معاذ بن هانئ) القيسي البصري، أخرج له البخاري (٧) في الصلاة (٨) (حدثنا حرب بن شداد) اليشكري، أخرج له الشيخان (حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان) ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩).

стр. 7950

(عن عبيد بن عمير، عن أبيه) قيل: لم يرو عنه غير ابنه عبيد (١) وهو عمير بن عامر بن مالك بن الخنساء أبو داود الأنصاري المازني النجاري شهد بدرًا وأحدًا، وهو الذي قتل أبا البختري العاص بن هشام وأخذ سيفه (٢) (أنه حدثه وكانت له صحبة) مع رسول الله ﷺ (أن رجلاً سأله) أي: سأل رسول الله ﷺ ولم يتقدم له ذكر، لكن لفظة الصحبة دلت عليه (فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فقال: عن تسع) وفي الرواية السابقة أنها سبع، واختلاف الروايات يعلم منه عدم الحصر فيما ذكروا أن هذين العددين بحسب المقام باعتبار السائل (٣) (فذكر معناه) ورواية التسع ذكرها أبو القاسم البغوي وابن عبد البر في "التمهيد" (٤) بسنده من طريقه عن طيلسة بن علي قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة وهو تحت ظل أراك وهو يصب الماء على رأسه، فسألته عن الكبائر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عن تسع". قلت: وما عن؟ قال: "الإشراك بالله وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم". وأخرجه البخاري في كتاب "الأدب" (٥) عن طيلسة بن علي، عن ابن
следующие страницы →