← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

وطالب؛ لأن عليًّا وجعفر كانا مسلمين حينئذٍ فلم يرثا أبا طالب كما جاء مصرحًا به في رواية البخاري (١)، وإنما اقتصر على ذكر عقيل؛ لأن طالبًا لم يكن ذلك الوقت موجودًا. قال السهيلي: ذكروا أنه اختطفته الجن فذهب، قال: ولم يذكر أنه أسلم (٢). انتهى. وأما عقيل فأتى النبي ﷺ مسلمًا قبل الحديبية وشهد غزوة مؤتة (٣). واعلم أن إضافته ﷺ الدار إليه بقوله: لنا. إضافة سكنى؛ لأنه كان يسكنها مع عمه أبي طالب، وقيل: إضافة ملك؛ لأنه كان له فيها جزء، وقيل أنه ﵇ إنما لم ينزل فيها؛ لأنه لما هاجر تركها لله تعالى فكره أن يرجع فيما تركه لله، وقيل غير ذلك (ثم قال: نحن نازلون بخيف) هو الوادي كما سيأتي بخيف (بني كنانة) بكسر الكاف وتخفيف النون، وخيفهم هو الذي بمنى، وفيه المسجد المعروف بمسجد الخيف إلى الآن (حيث قاسمت) أي: تقاسمت كما في الصحيحين (٤): تقاسموا. أي: تحالفت (قريش) فيما بينهم. ويحتمل أن يكون التقدير: حين (٥) قاسمت قريش كنانة (على الكفر) أي على ما فيه الكفر؛ فإنهم تحالفوا فيما بينهم أن لا يكلموا بني هاشم حتى يسلموا رسول الله ﷺ لهم (٦) (يعني: ) بالخيف (المحصب) قال

стр. 8052

النووي: معنى تقاسمهم على الكفر: تحالفهم على إخراج النبي ﷺ وبني هاشم والمطلب من مكة إلى هذا الشعب وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة (١). كما سيأتي. (وذلك أن) الذي تحالفوا عليه (بني كنانة حالفت قريشا) وقريش وكنانة قبيلتان والأصح أن قريشا هم أولاد النضر - بسكون الضاد المعجمة - بن كنانة. كنانة متناولة لقريش (على بني هاشم) زاد البخاري (٢): وبني عبد المطلب. والمطلب هو أخو هاشم فهما ابنان لعبد مناف، والمقصود أنهم تحالفوا على بني عبد مناف. قال ابن الأثير: قريش تضافروا على بني هاشم والمطلب حتى حصروهم في الشعب بعد المبعث بست سنين، فمكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين (٣). (أن لا يناكحوهم) أي لا يتزوجوا منهم أحدًا ولا يزوجوا بناتهم لأحدٍ منهم (ولا يبايعوهم، ولا يؤووهم) أي: ولا يضموا إليهم أحدًا منهم ولا يحوطوه بينهم، ومنه حديث: "لا يأوي الضالة إلا ضال" (٤). فهو من أوى يأوي، يقال: أويت إلى المنزل وآويت غيري إليه (٥). وفي الحديث: "الحمد لله الذي كفانا وآوانا" (٦). أي ردنا إلى مأوى نجتمع فيه وننضم

стр. 8053

إليه ولم يجعلنا منتشرين كالبهائم (١). ولفظ البخاري (٢): أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ . وبوب عليه: باب نزول النبي ﷺ مكة (٣) وذكره في الحج. وكان في هذِه الصحيفة التي كتبوها حين تحالفوا أنواعًا (٤) من الباطل وقطيعة الرحم والكفر، فأرسل الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من الكفر وتركت ما فيها من ذكر الله، فأخبر جبريل النبي ﷺ فأخبر به عمه أبا طالب، فأخبرهم عن النبي ﷺ بما قال فوجدوه كما قال، والقصة مشهورة (٥). (قال الزهري) أحد الرواة (والخيف) هو (الوادي) وهو ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء الذي في الوادي. [٢٩١١] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) الأعلى (عبد الله ابن عمرو) بن العاص، وارتفع بالتصريح بالأعلى الخلاف لاحتمال أن يكون روى عن جده الأسفل الحقيقي وهو محمد فيكون حديثه مرسلا؛ فإن محمدًا (٦) تابعي فلما صرح بالأعلى اتصل السند (قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتوارث أهل ملتين شتى) أي: مفترقين، يقال: بينهم أمور

стр. 8054

شتى، أي: مختلفة، من شتت الأمر شتًّا وشتاتًا، أي: تفرق. وقد اختلف العلماء في ملل أهل الكفر. فقال الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣): الكفر كله ملة واحدة، والكفار يتوارثون؛ فالكافر يرث الكافر على أي كفر كان. وذهب مالك إلى أن أهل الكفر أصحاب ملل مختلفة فلا يرث عنده اليهودي من النصراني ولا بالعكس، وكذا المجوسي لا يرث هذين ولا يرثانه (٤). ومنشأ هذا الخلاف قوله في هذا الحديث: "لا يتوارث أهل ملتين". فلما اعتقد مالك أن ملل الكفر مختلفة منع التوارث بين اليهودي والنصراني لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥) وحجة الشافعي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٦)، فوحد الملة وقال: "لا يتوارث أهل ملتين" هو كقوله: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٧). [٢٩١٢] (حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن عمرو) بن أبي حكيم كردي (الواسطي) ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨) (حدثنا عبد الله بن بريدة)

стр. 8055

ابن الحصيب الأسلمي قاضي مرو وعالمها (أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر) المصري، قاضي مرو التابعي المشهور، أحدهما (يهودي و) الآخر (مسلم) ويجوز نصبهما على أن يكونا بدلين من أخوين (١)، وزاد بعضهم في رواية: في ميراث من اليهودي (٢) أخ لهما يهودي، (فورث) بتشديد الراء المفتوحة (المسلم منهما) دون اليهودي (٣)، (وقال: حدثني أبو الأسود) الدؤلي ﵁ (أن رجلاً حدثه أن معاذًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الإسلام يزيد ولا ينقص فورث المسلم) يريد فضل الإسلام وعزته وقوته يزيد أبدًا ولا ينقص فضله، وقد استدل به يحيى بن يعمر ومعاذ بن جبل ومعاوية (٤) وابن المسيب ومسروق (٥) وغيرهم على أن المسلمين يرثون الكفار دون العكس كما أننا ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا. وروي عن أبي الدرداء والشعبي والزهري والنخعي (٦).

стр. 8056

قال الإمام: والصحيح عن هؤلاء خلافه، وليس في هذا الحديث حجة لما ادعوه؛ فإنه لم يصرح في هذا الحديث بإثبات توريث المسلم من الكافر فلا يصح أن يرد نص حديث "لا يرث المسلم الكافر" بمثل هذا الاحتمال (١). وحديث معاذ هذا في سنده مجهول لا يعادل بحديث الصحيحين ولما تقدم عن السهيلي من جهة المعنى، ولأن الميراث اسمه المعاضدة والمناصرة، ولا مناصرة بين الكفار والمسلمين، بل هم أشد الأعداء لهم لاسيما اليهود الذين قال الله في حقهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ (٢). [٢٩١٣] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم) الواسطي، وثقه ابن حبان كما تقدم (عن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب (عن [يحيى بن يعمر، عن] (٣) أبي الأسود) ظالم بن عمرو (الديلي) ويقال: الدؤلي البصري قاضيها (٤) (أن معاذا أتي) بضم الهمزة وكسر التاء، يعني: جيء إليه (بميراث يهودي، وارثه) مبتدأ (مسلم) خبره، والمبتدأ وخبره جملة في موضع جر صفة ليهودي (بمعناه) المذكور (عن النبي ﷺ ) وفي سماع أبي الأسود من معاذ بن جبل نظر (٥).

стр. 8057

١١ - باب فِيمَنْ أسْلمَ عَلَى مِيراثٍ ٢٩١٤ - حدثنا حَجّاجُ بْنُ أَبي يَعْقُوبَ، حدثنا مُوسَى بْن داوُدَ، حدثنا مُحَمَّد بْنُ مُسْلِم، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ أَبي الشَّعْثاءِ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى ما قُسِمَ لَهُ وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلامُ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الإِسْلامِ" (١). * * * باب فيمن أسلم على ميراث أي أسلم بعدما قسم الميراث. [٢٩١٤] (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب) يوسف الثقفي، شيخ مسلم (حدثنا موسى بن داود) الضبي الطرسوسي الخلقاني [كوفي، نزل بغداد ثم ولي طرسوس] (٢)، أخرج له مسلم (٣) (حدثنا محمد بن مسلمة) بن سوس الطائفي المكي، له في "صحيح مسلم" حديث واحد (٤) (عن عمرو ابن دينار، عن أبي الشعثاء) جابر بن زيد (الأزدي البصري، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : كل (٥) قسم) بفتح القاف مصدر كالقسمة (قسم) بين الوارث أو نسب لحق بشخص أو نكاح أو بَيعٍ بِيعَ

стр. 8058

(في) زمن (الجاهلية) يعني في الكفر قبل أن يأتي الله بالإسلام (فهو) مستمر ثابت (على ما قسم له) أو ألحق أو عقد أو بيع لا يغير ولا ينقض وإن كان قد أسلم مستحقوه أو أحدهم (وكل قسم) لم يقسم حتى (أدركه الإسلام) بإسلام مستحقي الميراث (فإنه) يجرى ويحكم به (على قسم) أي: قسمة ميراث (الإسلام). والمراد بهذا الحديث أن فيه بيانا أن أحكام الأموال والإنسان والأنكحة والعقود التي كانت في الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم بينهم [فيها أيام الجاهلية لا يرد منها شيء ولا ينقض حكمه في الإسلام وإن كان به فقد بعض شروطه، وإنما أخذت] (١) من هذِه الأحكام في الإسلام يستأنف فيه حكم الإسلام ويمضي على شروطه وأحكامه (٢).

стр. 8059

١٢ - باب في الوَلاءِ ٢٩١٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: قُرِئَ عَلَى مالِكٍ وَأَنا حاضِرٌ: قالَ مالِكٌ: عَرَضَ عَلَيَّ نافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ عائِشَةَ ﵂ أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرادَتْ أَنْ تَشْتَريَ جارِيَةً تَعْتِقُها، فَقالَ أَهْلُها: نَبِيعُكِها عَلَى أَنَّ وَلاءَها لَنا. فَذَكَرَتْ عائِشَةُ ذاكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "لا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١). ٢١١٦ - حدثنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حدثنا وَكِيعُ بْنُ الَجرّاحِ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْريِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الوَلاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَوَليَ النِّعْمَةَ" (٢). ٢١١٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبي الَحجّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ، حدثنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ حُسَيْنٍ الُمعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رِئابَ بْنَ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ امْرَأة فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلاثَةَ غِلْمَةٍ، فَماتَتْ أُمُّهمْ فَوَرِثُوها، رِباعَها وَوَلاءَ مَوالِيها وَكانَ عَمْرُو بْنُ العاصِ عَصَبَةَ بَنِيها فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشّامِ فَماتُوا، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ العاصِ وَماتَ مَوْلًى لَها وَتَرَكَ مالاً لَة فَخاصَمَة إِخْوَتُها إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ عُمَرُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما أَحْرَزَ الوَلَدُ أَوِ الوالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كانَ " .. قال: فَكَتَبَ لَة كِتابًا فِيهِ شَهادَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الَملِكِ اخْتَصَمُوا إِلَى هِشامِ بْنِ إِسْماعِيلَ أَوْ إِلَى إِسْماعِيلَ بْنِ هِشامٍ فَرَفَعَهُمْ إِلَى عَبْدِ الَملِكِ، فَقال: هذا مِنَ القَضاءِ الذي ما كنْتُ أَراهُ. قال: فَقَضَى لَنا بِكِتابِ عُمَرَ بْنِ الَخطّابِ فَنَحْن فِيهِ إِلَى السّاعَةِ (٣). * * *

стр. 8060

باب في الولاء [٢٩١٥] (حدثنا قتيبة بن سعيد [قال: قرئ على مالك وأنا حاضر] (١) قال مالك) (٢) بن أنس إمام دار الهجرة (عرض) أي: قرأ (علي نافع (٣) عن ابن عمر أن عائشة ﵂ أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية) وهي بريرة، وكانت مولاة لبعض بني هلال فكاتبوها وأرادت أن تشتري جارية (تعتقها) بضم أوله وكسر ثالثه، ليعتق الله بكل عضو منها عضوًا من النار (٤). (فقال أهلها: نبيعكها) بكسر كاف خطاب المؤنث (على) شرط (أن ولاءها) بالمد يكون (لنا) يعني كما كان الحكم عندهم في الجاهلية وكانوا ينقلون الولاء من شخص آخر بالبيع والهبة ونحوها فجاء الشرع بدفع ذلك والنهي عنه (فذكرت عائشة) ذلك (لرسول الله ﷺ فقال: لا يمنعك ذلك) بكسر الكاف فيهما من شراء الجارية (فإن) ما (الولاء) مأخوذ من الولي بسكون اللام مع فتح الواو وهو القرب وهو نسب يورث به ولا يورث، ولا ينتقل عن مستحقه؛ لأنه لحمة كلحمة النسب (٥) (لمن

стр. 8061

أعتق) فمن أعتق عبدًا تطوعًا أو نذرًا نذره أو حلف أن يعتقه، أو أعتقه في كفارة وجبت عليه أو كتابة فأدى، أو أعتق عليه بحكم لزمه، أو على جعل جعله، أو أعتقه عنه غيره، أو عتق عليه لقرابة بينه وبينه، فالولاء في ذلك كله للمعتق (١). [٢٩١٦] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان) بن سعيد (الثوري، عن منصور) بن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي. (عن عائشة) ﵂ (قالت: قال رسول الله ﷺ ) إنما يثبت (الولاء لمن أعطى الثمن) أي: لا تحصل ولاية النعمة التي يستحق بها ميراثه إلا لمن أعطى الثمن من ماله، وفي رواية للبخاري (٢): "فإن الولاء لمن أعطى الورق" يعني: من ماله. وفيه دليل على أن الموكل إذا دفع الثمن لوكيله وقال: اشتري عبدًا أو اعتقه فاشتراه ودفع الثمن للذي دفعه له الموكل وأعتقه عنه أن الولاء يكون لمن وكل ودفع الثمن (وولي النعمة) في إعتاقه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (٣) التقدير: للذي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق وهو زيد ابن حارثة. وفيه أن من أسلم على يد رجل لا يرثه إلا معتقه. [٢٩١٧] (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، أبو معمر) ميسرة المنقري مولاهم البصري المقعد شيخ البخاري (٤) (حدثنا عبد الوارث)

стр. 8062

ابن سعيد (عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ أن رياب) بكسر الراء المهملة ثم مثناة تحت مخففة وبعد الألف باء موحدة (بن حذيفة) زاد ابن ماجه (١) فقال: رياب (٢) بن حذيفة بن سعيد بن سهم (تزوج امرأة) بينها ابن ماجه فقال: أم وائل بنت معمر الجمحية (فولدت له ثلاثة غلمة) بكسر الغين جمع غلام، ولابن أبي شيبة: ثلاثة أولاد (٣) (فماتت أمهم فورثوها) بكسر الراء المخففة والواو في ورثوها واو ضمير الأولاد أي: ورثها بنوها كما لابن ماجه (٤)، يقال لمن ورث جميع المال: ورث مال أبيه، فإن ورث البعض قيل: ورث من مال أبيه (رباعها) بالنصب الرباع بكسر الراء جمع ربع وهو الدار بعينها حيث كانت؛ لأنهم يربعون فيها، أي: يقيمون، ويجمع على ربوع وهو منصوب، أي: يورثوها (وولاء مواليها) قد يستدل به شريح على ما ذهب إليه أن ولاء الموالي يورث كما يورث المال، والذي عليه الجمهور أن الولاء لا يورث، وإنما يورث به. وأما هذا الحديث فمعناه والله أعلم: أنهم ورثوا مال مواليها بسبب الولاء، وإنما أسند الإرث إلى الولاء لأنه سببه فأضيف إليه؛ فإن الشيء يضاف إلى سببه كما يقال: دية الخطأ ودية العمد، ولأن الولاء إنما يحصل بإنعام المعتق على مولاه بالعتق، وهذا المعنى لا ينفك عن المعتق، فكذلك الولاء.

стр. 8063

(وكان عمرو بن العاص عصبة بنيها) أي وارثًا لهم بالتعصيب (فأخرجهم) أي خرج بهم عمرو بن العاص معه (إلى الشام) كذا لابن ماجه، والظاهر أنه خرج بهم لمتجر ونحوه، وفيه أن للولي أن يسافر باليتيم إلى البلاد البعيدة إذا لم يكن له من يحفظه في الإقامة وخاف ضياعه (فماتوا) في الطريق، وزاد ابن ماجه: فماتوا في طاعون عمواس (١) انتهى. وعمواس بفتح العين والميم قرية معروفة بأرض فلسطين من الشام (٢). ولابن ماجه: فورثهم عمرو وكان عصبتهم، فلما رجع عمرو جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم (فقدم عمرو بن العاص) من الشام (و) قد (مات مولى لها) يعني لأم وائل (وترك مالاً) له كثيرًا وهو ألف دينار (فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر) ﵁، زاد ابن ماجه: أقضي بينكما بما سمعت رسول الله ﷺ (قال رسول الله ﷺ : ما أحرز) أي جمعه وضمه إلى حرزه يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازًا إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ منه (الولد) أحرز (أو الوالد فهو لعصبته) من بعده كائنًا (من كان) وقد احتج بهذا الحديث أصحاب أحمد لما ورد عنه في رواية: أن المعتقة إذا ماتت وخلفت ابنها وأخاها أو ابن أخيها ثم مات مولاها وترك أخا مولاته أو إخوة مولاته وعصبة ابنها أن ميراثه لعصبة الابن، ويروى ذلك عن

стр. 8064

علي، وروي نحوه عن عمر وابن عباس (١) وسعيد بن المسيب (٢)، وبه قال شريح، والصحيح عند جمهور العلماء. وعند أحمد: أن ميراثه لأخي مولاته؛ لأنه أقرب عصبة المعتق؛ فإن المرأة لو كانت هي الميتة لورثها أخوها وعصبتها، فإن انقرض عصبتها كان بيت المال أحق به من عصبة ابنها (٣). (قال) الرواي (فكتب) عمر بن الخطاب (له) أي لعمرو بن العاص بما قضى به (له كتابًا) أي: سجلًّا شاهدًا بما قضى به و (فيه) أي في آخره (شهادة عبد الرحمن بن عوف و) شهادة (زيد بن ثابت ورجل آخر) معهما، وفيه دلالة على أن الحاكم إذا رفعت إليه دعوى وحكم فيها بشيء وسأله الخصم كتاب سجل يشهد له كتب للشاهد بين يدي الحاكم صورة ما حكم به وأنه أنفذ ذلك بسؤال المحكوم له، ويشهد بذلك على الحاكم شاهدان أو أكثر. قال أصحابنا: وينبغي أن تكون المحاضر والسجلات نسختين إحداهما تدفع لصاحب الحق غير مختومة والأخرى توضع وتحفظ في ديوان الحكم مختومة ويكتب على رأسها أسم الشخصين (٤). (فلما استخلف عبد الملك) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص (٥) بن أمية الأموي، رأى عثمان، وروى عن أبي هريرة. (اختصموا) في المال الذي تركه المولى وكان ألف دينار، كذا

стр. 8065

لابن أبي شيبة (١)، وفي ابن ماجه: حتى إذا استخلف عبد الملك ابن مروان توفي مولى لها وترك ألف دينار، فبلغني أن ذلك القضاء قد غير (إلى هشام بن إسماعيل) كذا لابن ماجه من غير شك، وهو الصحيح هو إسماعيل بن هشام (أو إلى [إسماعيل بن هشام]) (٢) الحنفي، روى عن مجاعة بن مرارة بضم الميم فيهما (فرفعهم) لما أشكل عليه أمرهم (إلى عبد الملك) بن مروان، زاد ابن ماجه: فأتيناه بكتاب عمر (فقال: هذا) الذي قضى به عمر (من القضاء الذي ما كنت أراه) ولا أحكم به. انتهى. وكذا قال حميد: كان الناس يغلطون عمرو بن شعيب في هذا الحديث، لكن قال ابن عبد البر: هذا حديث حسن صحيح، وذكر توثيق الناس لعمرو بن شعيب (٣). قال عبد الحق: وحديث ابن أبي شيبة أتم. (قال: فقضى لنا بكتاب) أي بمقتضى كتاب (عمر بن الخطاب فنحن فيه) أي فيما قضى لنا به (إلى الساعة) فيه أن القاضي إذا رفع إليه حكم قاضٍ قبله أعلم منه وأجل وكان مخالفًا لما يعتقده في ذلك الحكم أنه لا ينقضه ولا يخالفه، بل يمضيه وينفذه.

стр. 8066

١٣ - باب في الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدي الرَّجُل ٢٩١٨ - حدثنا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْليُّ وَهِشامُ بْنُ عَمّارٍ قالا: حدثنا يَحْيَى. قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ ابن حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَوْهَبٍ يُحدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذؤَيْبٍ، قالَ هِشامٌ: عَنْ تَمِيمٍ الدّاريِّ أَنَّهُ قال: يا رَسُولَ اللهِ. وقالَ يَزِيدُ: إِنَّ تَمِيمًا قال: يا رَسُولَ اللهِ ما السُّنَّةُ في الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدى الرَّجُلِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟ قالَ: "هُوَ أَوْلَى النّاسِ بِمَحْياهُ وَمَماتِهِ" (١). * * * باب في الرجل يسلم على يدي الرجل [٢٩٨١] (حدثنا يزيد بن خالد) بن يزيد بن عبد الله (بن موهب) بفتح الميم والهاء (الرملي) الثقة الزاهد (٢) (وهشام بن عمار (٣) قالا: حدثنا يحيى) [بن حمزة الحضرمي قاضي دمشق] (٤). ([قال أبو داود: وهو ابن حمزة] (٥) [عن عبد العزيز بن عمر) بن عبد

стр. 8067

العزيز (قال: سمعت عبد الله بن موهب]) (١) قال الترمذي: لا نعرفه - يعني هذا الحديث - إلا من حديث عبد الله بن موهب، ويقال: ابن موهب عن تميم الداري قال: وقد أدخل بعضهم [بين عبد الله بن موهب وبين تميم قبيصة بن ذؤيب (٢) قال: ورواه يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، وزاد فيه: ] (٣) عن قبيصة بن ذؤيب، وهو عندي ليس بمتصل (٤). لأن قبيصة لم يلق تميمًا (٥). (يحدث عمر بن عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب. قال هشام: ) ابن عمار في روايته (عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله وقال يزيد) ابن خالد في روايته (إن تميمًا) هو: ابن أوس بن خارجة بن يزيد (الداري) نسبة إلى الدار بن هانئ بن حبيب بن عمار بن لخم (٦). (قال: يا رسول الله، ما السنة) قال في "النهاية": إذا أطلقت السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولًا وفعلًا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في الشرع: الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث (٧) (في الرجل) زاد الترمذي: من أهل الشرك (يسلم على يدي الرجل) وللترمذي: على يد بالإفراد (من المسلمين؟ قال: هو

стр. 8068

أولى الناس) أي أحق، قال بعضهم: لو صح الحديث لكان تأويله أنه أحق به يواليه وينصره ويبره ويصله ويرعى ذمامه ويغسله ويصلي عليه ويدفنه ويؤدي عنه ديته إن كان بعد موته (١). (بمحياه) بفتح الميم، يحتمل أن يكون الباء بمعنى في، أي: في محياه، أي: ينصره ويعضده ويعقل عنه في حياته ما يجب عليه (و) في (مماته) يغسله ويكفنه ويدفنه بعد موته ويرث عنه ماله. وقد استدل به للرواية الواردة عن أحمد: أن الرجل إذا أسلم على يدي الرجل أنه يرثه، وهو قول إسحاق بن راهويه (٢)، وحكي عن إبراهيم أن له ولاءه ويعقل عنه (٣). وعن ابن المسيب: إن عقل عنه ورثه، وإن لم يعقل عنه لم يرثه (٤). وهذا الحديث يعضده. وعن عمر بن الخطاب (٥) وعمر بن عبد العزيز (٦) أنه يرثه وإن لم يواله، لما روى راشد بن سعيد: قال رسول الله ﷺ : "من أسلم على يديه رجل فهو مولاه ويرثه ويدي عنه". رواه سعيد (٧). وقال أيضًا: ثنا عيسى بن يونس، ثنا معاوية بن يحيى الصدفي، عن

стр. 8069

القاسم الشامي، عن أبي أمامة، قال رسول الله ﷺ : "من أسلم على يديه رجل فله ولاؤه" (١). والصحيح عند الشافعي والجمهور أنه لا يرثه؛ لقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" (٢). ولأن أسباب التوارث غير موجودة فيه، وحديث راشد المذكور مرسل، وحديث أبي أمامة فيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف (٣).

стр. 8070

١٤ - باب في بَيْعِ الوَلاءِ ٢٩١٩ - حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حدثنا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ (١). * * * باب في بيع الولاء [٢٩١٩] (حدثنا حفص بن عمر) الحوضي (حدثنا شعبة، عن عبد الله ابن دينار، عن) عبد الله (ابن عمر) ﵄ (قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء) يعني: ولاء المعتق، وهو إذا مات المعتَق ورثه معتقه أو ورثةُ معتقهِ (وعن هبته) كانت العرب تبيعه وتهبه فنهى عنه؛ لأن الولاء كالنسب، فكما أن النسب لا يزول عن قريبه ولا ينتقل عنه بالإزالة والنقل لا يزول الولاء ولا ينتقل بسبب بيعه ولا غيره (٢)، ولأن الولاء إنما يحصل بإنعام السيد على عبده بالعتق، وهذا المعنى لا ينتقل عن المعتق فكذلك الولاء، وإذا لم يصح بيعه فأخذ المال في مقابلته حرام من باب أكل المال بالباطل، والإجماع على هذا. وأما ما روي (٣) أن ميمونة وهبت ولاء مواليها العباس أو ابن للعباس، وولاؤهم اليوم لهم فقيل: إن الذي وهبته من الولاء كان

стр. 8071

ولاء السائبة، وولاء السائبة قد اختلف فيه أهل العلم (١). وعن عمرو بن دينار أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وكان مكاتبًا، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب ابن الزبير (٢). وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أذنت لمولاي أن يوالي من شاء فيجوز؟ قال: نعم (٣). فهذا كله شاذ ومخالف لقول الجمهور، وهذا الحديث الصحيح يرد ذلك كله (٤).

стр. 8072

١٥ - باب في المَوْلُودِ يَسْتَهلُّ ثمَّ يَمُوتُ ٢٩٢٠ - حدثنا حُسَيْنُ بْنُ مُعاذٍ، حدثنا عَبْدُ الأَعلَى، حدثنا مُحَمَّدٌ - يَعْني ابن إِسْحاقَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "إِذا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ وُرِّثَ" (١). * * * باب في المولود يستهل ثم يموت [٢٩٢٠] (حدثنا حسين بن معاذ) البصري الفقيه (٢). (حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي (٣) القرشي البصري، أحد المحدثين الكبار (٤) (حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) الليثي (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا استهل المولود) يعني: رفع صوته بالصراخ أو البكاء وكل من رفع صوته بشيء فقد استهل ومعنى الاستهلال أن يوجد مع المولود أمارة الحياة المستقرة بأن صرخ أو بكى أو عطس أو تثاءب أو امتص الثدي (٥). قال الإمام (٦):

стр. 8073

أو قبض اليد أو بسطها (ورث) بضم الواو وتشديد الراء المكسورة ثبت له أحكام المستهل. وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وهو رواية عن أحمد (١)، ولفظ رواية الترمذي (٢): الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل. ولفظ البزار في "مسنده" (٣): استهلال الصبي الصراخ.

стр. 8074

١٦ - باب نَسْخِ مِيراث العقْدِ بِمِيراثِ الرَّحِمِ ٢٩٢١ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ، حَدَّثَني عَليّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ ﵄ قال: (والَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمانُكمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُما نَسَبٌ فَيَرِثُ أَحَدُهُما الآخَرَ فَنَسَخَ ذَلِكَ الأنفالُ فَقالَ تَعالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١). ٢٩٢٢ - حدثنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حدثنا أَبُو أُسامَةَ، حَدَّثَني إِدْرِيسُ بْن يَزِيدَ، حدثنا طَلْحَةُ بْن مصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ تُوَرِّثُ الأنصارَ دُونَ ذَوي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ التي آخَى رَسُول اللهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمّا نَزَلَتْ هذِه الآيَة: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ قالَ: نَسَخَتْها: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النُّصْرَةِ والنَّصِيحَةِ والرِّفادَةِ وَيُوصي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ (٢). ٢٩٢٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَبْدُ العَزِيزِ بْن يَحْيَى المَعْنَى - قالَ أَحْمَدُ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابن إِسْحاقَ، عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ وَكانَتْ يَتِيمَةً في حِجْرِ أَبي بَكْرٍ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ فَقالَتْ: لا تَقْرَأْ: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ ولكن: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِنَّما نَزَلَتْ في أَبي بَكْرٍ وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ أَبَى الإِسْلامَ فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَلا يُوَرِّثَهُ فَلَمّا أَسْلَمَ أَمَرَ الله تَعالَى نَبِيَّهُ ﵇ أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ. زادَ عَبْدُ العَزِيزِ فَما أَسْلَمَ حَتَّى حُمِلَ عَلَى الإِسْلامِ بِالسَّيْفِ. قالَ أَبُو داوُدَ: مَنْ قال: (عَقَدَتْ) جَعَلَهُ حِلْفًا وَمَنْ قال: (عاقَدَتْ) جَعَلَهُ حالِفًا

стр. 8075

والصَّوابُ حَدِيثُ طَلْحَةَ: (عاقَدَتْ) (١). ٢١٢٤ - حدثنا أَحْمَدُ بْن مُحَمَّدٍ، حدثنا عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ والَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا والَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِروا فَكانَ الأَعْرابيُّ لا يَرِثُ المُهاجِرَ وَلا يَرِثُهُ المُهاجِرُ فَنَسَخَتْها فَقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٢). * * * باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم [٢٩٢١] (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) أبو الحسن بن شبويه المروزي، ثقة من كبار الأئمة (٣) (حدثني علي بن حسين) المروزي، ضعفه أبو حاتم (٤) وقواه غيره (٥) (عن أبيه) حسين بن واقد القرشي قاضي مرو، أخرج له مسلم (٦) (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي (٧) عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال) في قوله تعالى: (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾) وقرأ حمزة والكسائي: عقدت بتخفيف القاف، وهي على غموض من العربية، وهي على تقدير: عقدتهم أيمانكم وتقديره: عقدت لهم أيمانكم الحلف ثم حذف اللام مثل:

стр. 8076

﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ (١)، أي: كالوا لهم (﴿فآتوهم نصيبهم﴾) قالت طائفة: الآية محكمة ليست منسوخة، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا من خالفوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرفادة والوصية وشبه ذلك، وهو قول مجاهد والسدي، واختاره النحاس، ورواه سعيد بن جبير. قال القرطبي: ولا يصح النسخ؛ فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس [فيما ذكره الطبري (٢). ورواه عن البخاري (٣) في كتاب التفسير عن ابن عباس] (٤) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٥) نسخت ثم قال: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ من النصر والرفادة والنصيحة. لكن روى البخاري (٦) أيضًا في كتاب الفرائض: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى رسول الله بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسختها: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾. قال ابن بطال: وقع في جميع النسخ (٧): ﴿ولكل جعلنا موالى﴾ نسختها: ﴿والذين عاقدت

стр. 8077

أيمانكم﴾ والصواب: أن الآية الناسخة: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، والمنسوخة: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ كذا رواه الطبري (١) (كان الرجل) منهم (يحالف) بالحاء المهملة (الرجل) أي يتحالفان على النصرة والموالاة على أعدائهم والمناصحة وأنهم صاروا يدًا واحدة (ليس بينهما نسب) ولا قرابة (فيرث أحدهما) أي كل واحد منهما (الآخر) بسبب التحالف ثم نسخ (فنسخ) بفتح النون والسين أي: نسخ (ذلك) الميراث بالمحالفة آية سورة (الأنفال فقال تعالى) فيها (﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾) أي: أولوا القرابات وذوو الرحم أولى بالتوارث (﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾) أي بعض ذوي المحارم أحق بالميراث لبعض ذي الرحم. وعن ابن عباس: آخى النبي ﷺ بين أصحابه، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فتوارثوا بالنسب (٢). [٢٩٢٢] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي البزار شيخ مسلم (٣). (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (٤). (حدثني إدريس ابن يزيد) الأودي (٥). (حدثنا طلحة بن مصرف (٦) عن سعيد بن جبير،

стр. 8078

عن ابن عباس في قوله تعالى) (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾) (١) تقدمت قراءة حمزة بفتح القاف المخففة، روى علي بن كبشة عن حمزة: عقدت بتشديد القاف على التكثير، والمشهور عن حمزة التخفيف (٢). ومعنى عقدت: أحكمت (أيمانكم) جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القسم، وذلك بأنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد (﴿فَآتُوهُمْ﴾) أعطوهم (﴿نَصِيبَهُمْ﴾) من النصرة والنصيحة على ما تقدم. (قال: كان المهاجرون) من مكة الذين هجروا ديارهم وأموالهم (حين قدموا المدينة تورث) أي: يورثون ماله (الأنصار) وكان الميراث يستحق في الإسلام بأسباب منها الهجرة والمعاقد (٣) والحلف ثم نسخ ذلك (دون ذوي رحمه) وقد تقدم ذكرهم قريبًا ودون أقاربه (للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم) قال أنس بن مالك: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار (٤). أي: حالف بينهم في دارنا مرتين كانت المحالفة قبل الفتح (فلما نزلت هذِه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ﴾) أي لكل إنسان (﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾) أي: ورثة وموالي يعني عصبة يأخذون (﴿مِمَّا

стр. 8079

تَرَكَ﴾) فلينتفع كل أحد بما قسم الله تعالى له من الميراث ولا يتمنى مال غيره (قال: نسختها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) من الميراث بالمعاقدة وهو السدس من ميراث الحليف ثم نسخ. وقالت طائفة: آتوهم نصيبهم (من النصر) على أعدائهم (والنصيحة) لهم ببذل الجهد في قصد إصلاحهم بإخلاص وصدق مودة (والرفادة) بكسر الراء في الإعانة والإعطاء، والرفادة هو شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية، أي: تتعاون فيخرج كل إنسان بقدر طاقته فيجمعون مالًا عظيمًا يشترون به الطعام والزبيب للنبيذ الذي كانوا يصنعونه للشرب فيطعمون الناس ويسقونهم منه أيام موسم الحاج حتى ينقضي (١) (ويوصي له) بشيء من ماله. (وقد ذهب الميراث) الذي كانوا يتوارثون به ونسخه الله بآية المواريث، وقد تقدمت رواية البخاري وكلام ابن بطال قبل هذا الحديث (٢). [٢٩٢٣] (حدثنا أحمد) بن محمد (بن حنبل، وعبد العزيز بن يحيى) الحراني ثقة (المعنى قال أحمد) بن حنبل (حدثنا محمد بن سلمة) ابن عبد الله الباهلي، أخرج له مسلم (حدثنا) محمد (ابن إسحاق، عن داود بن الحصين) القرشي مولى عثمان بن عفان (٣) (قال: كنت أقرأ على أم سعد) الخزرجية (بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر) بفتح

стр. 8080

الحاء (أبي بكر) الصديق، قتل أبوها سعد بن الربيع بن عمرو الأنصاري يوم أحد شهيدًا، وكان كاتبًا في الجاهلية، وأمر رسول الله ﷺ يوم أحد أن يلتمس في القتلى وقال: "من يأتيني بخبر سعد بن الربيع"، فقال رجل: أنا، فذهب يطوف بين القتلى فوجده وبه رمق، فقال له سعد: اذهب إلى النبي ﷺ فأخبره أني طعنت اثنتي عشرة طعنة وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله ﷺ وواحد منهم حي (١). (فقرأت) عليها: (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) الآية. (فقالت: لا تقرأ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) [لأنها (إنما نزلت في أبي بكر) الصديق] (٢) وقيل: (عاقدت أيمانكم) أي: عاقدت أيديكم بالزواج ويذكر الزوج والزوجة بعد الوالدين والأقربين [فقالت لا تقرأ عاقدت بالألف من المعاقدة المعاهدين] (٣) وكان للحليف في صدر الإسلام السدس [من الميراث] قاله الماوردي (٤) وغيره (٥)، فمنعت أم سعد داود بن الحصين أن يقرأ عاقدت؛ لأنها تدل على التوارث بالمحالفة. والأيمان جميع يمين، ومن عاقد رجلًا قال له: دمي دمك ترثني وأرثك بالمعاقدة (٦). ومنعها من القراءة بالألف يدل على جواز القراءة

стр. 8081

ب (عقدت أيمانكم) بحذفها مع التخفيف أو التشديد، وبهذه القراءة نطقت الدلالة على التوارث بالحلف؛ لأنها من عقد اليمين بالله تعالى وهو القسم، ومفعول عقدت محذوف تقديره: عقدت حلفهم أيمانكم؛ لأنها إنما أنزلت في أبي بكر الصديق ﵁. (و) في (ابنه) أبي محمد (عبد الرحمن) ابن أبي بكر، وكان حضر بدرًا مع المشركين (حين أبي) أن يدخل في (الإسلام فحلف أبو بكر ألا يورثه) من ماله شيئًا بعد موته؛ لأن الكافر لا يرث المسلم (فلما أسلم) وهاجر قبل الفتح مع معاوية فيما قيل، وكان من أشجع قريش وأرماهم. ولم يجرب له كذبة قط (أمره الله أن يؤتيه نصيبه) من ميراثه بعد موته (زاد عبد العزيز) بن يحيى في روايته (فما أسلم) عبد الرحمن (حتى حمل على الإسلام) وقاتلهم (بالسيف) مع قومه الكفار في غزوة أحد، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي ﷺ ، وحضر وقعة اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم، وشهد له بذلك جماعة عند خالد بن الوليد، وهو الذي قتل محكم اليمامة بن الطفيل، رماه بسهم في نحره فقتله، وكان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر، وكان امرأً صالحًا وكان فيه دعابة (١). [٢٩٢٤] (حدثنا أحمد بن محمد) بن ثابت بن شبويه الثقة (٢). (حدثنا علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، قاضي مرو (عن يزيد) بن أبي

стр. 8082

سعيد (النحوي (١) عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵄ في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾) أي: هجروا أوطانهم وأوطارهم وأموالهم وقومهم في نصرة الله حبًّا لله ولرسوله ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ يعني الأنصار أسكنوا المهاجرين ديارهم ونصروهم على أعدائهم أولياء بعضهم أولياء بعض في الميراث يتوارثون فيما بينهم بالهجرة والنصرة (و) كان (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾) أوطانهم ولا أموالهم (فكان الأعرابي) منهم (لا يرث) قريبه (المهاجر) إذا مات (ولا يرثه) الأعرابي إذا مات (المهاجر) لمخالفته له في الهجرة، بل يباعدونهم ويحرمونهم وإن كانوا أقارب (فنسختها: ) قوله تعالى: (﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾) وهم الأقارب ذوو الرحم. قال ابن الأنباري: كان الله تعبدهم في أول الهجرة بأن لا يرث المسلمين المهاجرين إخوانهم الذين لم يهاجروا ولا يرثون هم إخوانهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. * * *

стр. 8083

١٧ - باب في الحِلْفِ ٢٩٢٥ - حدثنا عُثْمان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا محَمَّدُ بْنُ بِشْبر وابْنُ نُمَيْر وَأَبُو أُسامَةَ، عَنْ زَكَرِيّا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا حِلْفَ في الإِسْلامِ وَأَيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلامُ إِلَاّ شِدَّةً" (١). ٢٩٢٦ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا سُفْيان، عَنْ عاصِمٍ الأحوَلِ قالَ: سَمِعْت أَنَسَ ابْنَ مالِكٍ يَقُولُ: حالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ في دارِنا. فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا حِلْفَ في الإِسْلام؟ ". فَقال: حالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنصارِ في دارِنا. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا (٢). * * * باب في الحلف الحلف بكسر الحاء وسكون اللام هو الذي يفعل في الجاهلية (٣). [٢٩٢٥] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر و) عبد الله (ابن نمير) الهمداني (٤). (وأبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي. (عن زكريا) بن أبي زائدة الهمداني الأعمى. (عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف

стр. 8084

الزهري. (عن جبير بن مطعم ﵁ قال رسول الله ﷺ : لا حلف) بكسر المهملة وسكون اللام. في الإسلام) وإنما قال النبي ﷺ : "لا حلف في الإسلام بعد نسخ التوارث" أي: لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية يتحالفون، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء، فيمنع الرجل حليفه وإن كان ظالمًا، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن، فيمنع الحقوق وينتصر به على الظلم والبغي والفساد، ولما جاء الشرع بالانتصاف من الظالم وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحق ولا يمنعه أحد من ذلك، وحدَّ رسول الله ﷺ الحدود وبين الأحكام، وأبطل ما كانت الجاهلية عليه من ذلك ونفى التعاقد والتحالف على نصرة الحق والقيام، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابًا عامًّا على من قدر عليه من المكلفين. قاله القرطبي (١). (وأيما حلف) مجرور بالإضافة تقديره: وأي حلف (كان) أي حدث ووجد فهي كان التامة. في الجاهلية) يعني: أي حلف وقع في أيام الجاهلية بالقيام بنصرة الحق والمواساة وصدق المحبة في الله تعالى ودخل الإسلام عليه (لم يزده الإسلام إلا شدة) تأكيد وتقوية، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق (٢) وغيره (٣)، قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار

стр. 8085

عبد الله ابن جدعان لشرفه ونسبه فتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا إلا قاموا معه حتى يرد عليه مظلمته سواء كان من مكة أو غيرها فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول أي: حلف الفضائل، والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس. وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب: قال رسول الله ﷺ : "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو ادعي به في الإسلام لأجبت" (١). [٢٩٢٦] (حدثنا مسدد، حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم الأحول قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار) لفظ مسلم (٢): بين قريش والأنصار. أي: آخى بينهم. والمؤاخاة: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمواساة والتوارث حتى يصير كالأخوين نسبًا، وكان ذلك أمرًا معروفًا في الجاهلية معمولًا به عندهم، ولم يكونوا يسمونه إلا حلفًا (٣). قال القرطبي: ولما جاء الإسلام عمل النبي ﷺ به وورثه على ما حكاه أهل السير، وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله ﷺ آخى بين أصحابه مرتين بمكة قبل الهجرة وبعد الهجرة (٤). قال ابن عبد البر: والصحيح عند أهل السير والعلم بالآثار والخبر

стр. 8086

في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والمساعدة على سائر الحق، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، كما تقدم (١). في دارنا) وفي رواية مسلم (٢): في داري التي بالمدينة، وفي رواية: في داره. وهكذا قال البخاري (٣) في داري، ولم يقل: في داره. (فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ ! ) الحلف الذي ورد النهي عنه في الإسلام ما كان منه في الجاهلية على التعاضد في الفتن والشرور والقتال بين القبائل والغارات، كما يقع في هذا الزمان كما بين العربان والفلاحين على محاربة الأعداء من المسلمين المؤمنين وعلى سفك دمائهم وأخذ أموالهم، وربما يقع ذلك في الأشهر الحرم وغيرها (٤). (فقال) أنس (حالف) أي: آخى (رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا) التي بالمدينة. (مرتين أو ثلاثًا) شك من الراوي، وهذِه الزيادة ليست في الصحيحين. * * *

стр. 8087

١٨ - باب في المرْأَةِ تَرِثُ مِنْ دِيَة زَوْجِها ٢٩٢٧ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حدثنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سَعِيدٍ قال: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُول الدِّيَة لِلْعاقِلَةِ وَلا تَرِث المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِها شَيْئًا حَتَّى قال لَهُ الضَّحّاكُ بْنُ سُفْيانَ: كَتَبَ إِلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبابيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِها. فَرَجَعَ عُمَرُ. قالَ أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ: حدثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ بهذا الحَدِيثِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سَعِيدٍ وقالَ فِيهِ: وَكانَ النَّبيُّ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأعرابِ (١). * * * باب في المرأة ترث من دية زوجها [٢٩٢٧] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري الحافظ شيخ البخاري. (حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب. (قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الدية) يعني دية المقتول (للعاقلة) يعني لعصباته الذين يعقلون أي يعطون دية قتل الخطأ عن الجاني وهم الأقارب من جهة الأب، وكان عمر يقول بهذا ويذهب إليه في أول الأمر لظاهر القياس، وذلك أن المقتول لا تجب ديته ولا يستحقها إلا إذا مات وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلًا للملك، وهي إحدى الروايتين عن علي ﵁ (٢)، ثم

стр. 8088

رجع عمر لما بلغه عن النبي ﷺ وأبطل قياسه بالنص كما سيأتي. (ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا) لأنها لا ترث عنه إلا ما كان يملكه قبل موته، ودية المقتول لا ترثها إلا بعد موته، كما تقدم. (حتى قال لي الضحاك بن سفيان) بن عوف العامري الكلابي، ولاه رسول الله ﷺ على قومه الذين أسلموا، وكان أحد الأبطال، وكان يعد بمائة فارس، ولما سار رسول الله إلى مكة أمَّره علي بني سليم (١). (كتب إلى رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشيم) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة تحت (الضبابي) بكسر الضاد المعجمة وفتح الموحدة الأولى وكذا الثانية المكسورة، نسبة إلى معاوية بن كلاب بطن من مضر، وقيده بعضهم بفتح الضاد وهو وهم (٢). (من دية زوجها) الذي قتل في عهد النبي ﷺ مسلمًا (٣). [وفيه من الفقه] (٤) أن القتيل إذا عفا عن الدية كان عفوه جائزًا في ثلث ماله؛ لأنه قد ملكه، وإنما يجوز في قتل الخطأ؛ لأن الوصية فيه إنما تقع للقاتل بالدية أنها تقع للعاقلة الذين يغرمون الدية دون قتل العمد ولا وصية للقاتل كالميراث. قاله الخطابي، وفيه أنه لو أوصى لرجل بشيء من ديته دون الثلث جازت وصيته على هذا. وفي هذا الحديث من الفقه: أن من أوصى بثلث ماله لرجل فقتل

стр. 8089

الموصي ولم يخلف إلا ديته وأخذت فللموصى له بالثلث تلك الدية؛ لأن ظاهر الحديث أن الدية ملك للمقتول تورث عنه للزوجة وغيرها، وكذا تخرج منها وصيته. والدليل على أن الدية ملك للمقتول أنها بدل نفسه فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة؛ ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحًا، وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث فأشبهت سائر أمواله. (فرجع عمر) عما كان قال به حين بلغه النص الصريح، وهذا الحديث صححه الترمذي (١)، إلا أن لفظه: الدية على العاقلة، ولا ترث امرأة من دية زوجها شيئًا. وعند ابن ماجه (٢): أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: "المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه، فإذا قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث عمدًا". ورواه أبو القاسم البغوي من طريق الزهري أن عمر قال: أيكم سمع رسول الله ورث امرأة من عقل زوجها فقام الضحاك فقال: كتبت لرسول الله ﷺ أسأله: هل لامرأته من عقله شيء؟ فكتب إلى أن ورثها. وروى أبو يعلى عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ كتب إلى الضحاك أن يورث امرأة أشيم من دية زوجها (٣).

стр. 8090

ورواه ابن شاهين عن المغيرة أنه قال: حدث عمر بن الخطاب بقصة أشيم فقال: لتأتيني على هذا بما أعرف. فنشدت الناس في الموسم، فأقبل رجل يقال له زرارة بن جزء فحدثه عن النبي ﷺ بذلك (١). والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده. * * *
следующие страницы →