← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والمساعدة على سائر الحق، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، كما تقدم (١). في دارنا) وفي رواية مسلم (٢): في داري التي بالمدينة، وفي رواية: في داره. وهكذا قال البخاري (٣) في داري، ولم يقل: في داره. (فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ ! ) الحلف الذي ورد النهي عنه في الإسلام ما كان منه في الجاهلية على التعاضد في الفتن والشرور والقتال بين القبائل والغارات، كما يقع في هذا الزمان كما بين العربان والفلاحين على محاربة الأعداء من المسلمين المؤمنين وعلى سفك دمائهم وأخذ أموالهم، وربما يقع ذلك في الأشهر الحرم وغيرها (٤). (فقال) أنس (حالف) أي: آخى (رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا) التي بالمدينة. (مرتين أو ثلاثًا) شك من الراوي، وهذِه الزيادة ليست في الصحيحين. * * *

стр. 8087

١٨ - باب في المرْأَةِ تَرِثُ مِنْ دِيَة زَوْجِها ٢٩٢٧ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حدثنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سَعِيدٍ قال: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُول الدِّيَة لِلْعاقِلَةِ وَلا تَرِث المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِها شَيْئًا حَتَّى قال لَهُ الضَّحّاكُ بْنُ سُفْيانَ: كَتَبَ إِلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبابيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِها. فَرَجَعَ عُمَرُ. قالَ أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ: حدثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ بهذا الحَدِيثِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سَعِيدٍ وقالَ فِيهِ: وَكانَ النَّبيُّ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأعرابِ (١). * * * باب في المرأة ترث من دية زوجها [٢٩٢٧] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري الحافظ شيخ البخاري. (حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب. (قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الدية) يعني دية المقتول (للعاقلة) يعني لعصباته الذين يعقلون أي يعطون دية قتل الخطأ عن الجاني وهم الأقارب من جهة الأب، وكان عمر يقول بهذا ويذهب إليه في أول الأمر لظاهر القياس، وذلك أن المقتول لا تجب ديته ولا يستحقها إلا إذا مات وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلًا للملك، وهي إحدى الروايتين عن علي ﵁ (٢)، ثم

стр. 8088

رجع عمر لما بلغه عن النبي ﷺ وأبطل قياسه بالنص كما سيأتي. (ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا) لأنها لا ترث عنه إلا ما كان يملكه قبل موته، ودية المقتول لا ترثها إلا بعد موته، كما تقدم. (حتى قال لي الضحاك بن سفيان) بن عوف العامري الكلابي، ولاه رسول الله ﷺ على قومه الذين أسلموا، وكان أحد الأبطال، وكان يعد بمائة فارس، ولما سار رسول الله إلى مكة أمَّره علي بني سليم (١). (كتب إلى رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشيم) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة تحت (الضبابي) بكسر الضاد المعجمة وفتح الموحدة الأولى وكذا الثانية المكسورة، نسبة إلى معاوية بن كلاب بطن من مضر، وقيده بعضهم بفتح الضاد وهو وهم (٢). (من دية زوجها) الذي قتل في عهد النبي ﷺ مسلمًا (٣). [وفيه من الفقه] (٤) أن القتيل إذا عفا عن الدية كان عفوه جائزًا في ثلث ماله؛ لأنه قد ملكه، وإنما يجوز في قتل الخطأ؛ لأن الوصية فيه إنما تقع للقاتل بالدية أنها تقع للعاقلة الذين يغرمون الدية دون قتل العمد ولا وصية للقاتل كالميراث. قاله الخطابي، وفيه أنه لو أوصى لرجل بشيء من ديته دون الثلث جازت وصيته على هذا. وفي هذا الحديث من الفقه: أن من أوصى بثلث ماله لرجل فقتل

стр. 8089

الموصي ولم يخلف إلا ديته وأخذت فللموصى له بالثلث تلك الدية؛ لأن ظاهر الحديث أن الدية ملك للمقتول تورث عنه للزوجة وغيرها، وكذا تخرج منها وصيته. والدليل على أن الدية ملك للمقتول أنها بدل نفسه فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة؛ ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحًا، وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث فأشبهت سائر أمواله. (فرجع عمر) عما كان قال به حين بلغه النص الصريح، وهذا الحديث صححه الترمذي (١)، إلا أن لفظه: الدية على العاقلة، ولا ترث امرأة من دية زوجها شيئًا. وعند ابن ماجه (٢): أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: "المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه، فإذا قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث عمدًا". ورواه أبو القاسم البغوي من طريق الزهري أن عمر قال: أيكم سمع رسول الله ورث امرأة من عقل زوجها فقام الضحاك فقال: كتبت لرسول الله ﷺ أسأله: هل لامرأته من عقله شيء؟ فكتب إلى أن ورثها. وروى أبو يعلى عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ كتب إلى الضحاك أن يورث امرأة أشيم من دية زوجها (٣).

стр. 8090

ورواه ابن شاهين عن المغيرة أنه قال: حدث عمر بن الخطاب بقصة أشيم فقال: لتأتيني على هذا بما أعرف. فنشدت الناس في الموسم، فأقبل رجل يقال له زرارة بن جزء فحدثه عن النبي ﷺ بذلك (١). والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده. * * *

стр. 8091

كتاب الخراج والإمارة والفيء

стр. 8092

كِتَاب الخَرَاجِ وَالْإمِارَةِ وَالْفَيْءِ ١ - باب ما يلْزَمُ الإمامَ منْ حَقِّ الرَّعِيَّةِ ٢٩٢٨ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَلا كلُّكُمْ راعٍ وَكلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فالأَمِيرُ الذي عَلَى النّاسِ راعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأَةُ راعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِها وَوَلَدِهِ وَهيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالعَبْدُ راعٍ عَلَى مالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ فَكُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (١). * * *

стр. 8093

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الخراج والإمارة [والفيء باب ما يلزم الإمام من حق الرعية] (١) [٢٩٢٨] (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن عبد الله ابن دينار، عن عبد الله بن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: ألا) بتخفيف اللام، حرف استفتاح (كلكم) رواية: "إن كلكم" (راعٍ) قال النووي: الأصل في الراعي القيام على إصلاح ما يتولى عليه الراعي أي: حافظ مؤتمن مستلزم صلاح ما قام عليه والاجتهاد في النصيحة له وإلى ما استند إليه أمر رعيته. وفيه أن كل من تحت نظره شيء مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، وأن لا يفرط في شيء من أمره، فإن وفى بما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والأجر الأكبر (٢) (وكلكم مسؤول) ومطالب (عن) كل واحد من (رعيته) فإن لم يف بحسن الرعاية بحقوقهم كثر مطالبوه وناقشه محاسبوه. ومن جملة الرعية المسؤول عنها أعضاؤه وجوارحه هل استعملها في طاعة الله أو معصيته؟ وهي شاهدة عليه (فالأمير الذي) يحكم (على الناس) هو (راعٍ) قائم بمصالحهم وحافظ (عليهم) مصالحهم (وهو مسؤول عنهم) عن كل

стр. 8094

واحد من رعيته، وفيه حث عظيم على وجوب النصيحة على كل من ولي أمر المسلمين، وبذل الاجتهاد في مصالحهم الدينية والدنيوية. وروى الطبراني في "الأوسط" (١) عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: "من ولي أمة من أمتي قلَّت أو كثرت فلم يعدل فيهم كبه الله على وجهه في النار". (والرجل راعٍ على أهل بيته) من زوجة وخادم وولد وغير ذلك (وهو مسؤول عنهم) أي: عن كل واحد منهم صغيرًا كان أو كبيرًا وكذا تعليم الأولاد القراءة والكتابة والصنعة والحرفة الذي هو مسلم إليه هو راعٍ عليهم ومسؤول عنهم، هل ينصح لهم في التعليم؟ والرجل مسؤول عن نفقة زوجته وخادمه وأولاده وكسوتهم وما يحتاجون إليه، وعن تعليمهم ما يحتاجون إليه في صلاتهم ووضوئهم، وما يحتاجون إليه في أمر دينهم وهو أهم من الكسوة والنفقة، فإنها تسقط عنه إذا كان معسرا وعاجزًا عن التكسب، وأما تعليم دينهم فإن لم يعرف فيتعلم ويعلمهم، أو يسأل، أو يسلمهم إلى من يعلمهم عليه (٢) إن ساغ ذلك لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ (٤) (والمرأة راعية) الرعاية: الحفظ والأمانة من قولهم: رعاك الله، أي: حفظك الله، وراعي الغنم: حافظها والمؤتمن عليها (على) ما في (بيت بعلها) البعل: الزوج، جمعه: بعول، كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ (٥)، ومنه حديث

стр. 8095

التشريق: "إنها أيام أكل وشرب وبعال" (١). أي: نكاح وملاعبة الرجل لأهله (٢) (وولده) الولد بفتح الواو واللام يطلق على الذكر والأنثى والمفرد والمثنى والمجموع (وهي مسؤولة عنهم) عن عمل مصالحهم، وتدبير أمر البيت وما فيه (والعبد راعٍ على مال سيده) الذي استخلفه عليه (وهو مسؤول عنه) يوم القيامة (فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) وأعاد هذِه الجملة تأكيدًا للأمر وتهويلا (٣) له، وفيه رد لما يتوهم كثير من الناس أن الراعي هو الخليفة، وأن غيره ممن ذكر في معناه، فلا يقول الابن: مال أبي ما علي منه بل هو الحاكم [ .. ] (٤) ولا تقول الزوجة والخادم كذا فتضيع من حقوق الآدميين [في التنبيه] (٥) على ذلك من باب توفية نصح كل منهم وهو ﵊ أكثر الرعاة، وبوب عليه البخاري (٦) باب الجمعة في القرى والمدن. وفي النكاح (٧): أن المرأة راعية في بيت زوجها (٨). * * *

стр. 8096

٢ - باب ما جاءَ في طَلَب الإِمارَةِ ٢٩٢٩ - حدثنا محَمَّد بْن الصَّبّاحِ البَزّازُ، حدتنا هُشَيْم، أَخْبَرَنا يُونُسُ وَمَنْصُورٌ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قال: قال ليَ النَّبيُّ ﷺ : "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلِ الإِمارَةَ، فَإِنَّكَ إِذا أُعْطِيتَها عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ فِيها إِلَى نَفْسِكَ، وَإِنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها" (١). ٣٩٣٠ - حدثنا وَهْبٌ بْن بَقِيَّةَ، حدثنا خالِدٌ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبِي خالِدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ قُرَّةَ الكَلْبيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قال: انْطَلَقْتُ مَعَ رَجْلَيْنِ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فتَشَهَّدَ أَحَدُهُما ثُمَّ قال: جِئْنا لِتَسْتَعِينَ بِنا عَلَى عَمَلِكَ. وقالَ الآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ صاحِبِهِ. فَقالَ: "إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنا مَنْ طَلَبَهُ" .. فاعْتَذَرَ أَبُو مُوسَى إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَقال: لَمْ أَعْلَمْ لمِا جاءا لَه. فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِما عَلَى شَيء حَتَّى ماتَ (٢). * * * باب ما جاء في طلب الإمارة [٢٩٢٩] (حدثنا محمد بن الصباح البزاز) بزايين وهو التاجر البغدادي (٣) (حدثنا هشيم) بن بشير الواسطي (أخبرنا يونس ومنصور، عن الحسن) بن أبي الحسن البصري (عن عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب [العبشمي القرشي] (٤)، أسلم يوم فتح مكة، وغزا خراسان في

стр. 8097

زمن عثمان، وهو الذي افتتح سجستان وكابل، وكان الحسن معه في غزوة سجستان (١) (قال: قال لي النبي ﷺ : يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسألِ) بكسر اللام في الوصل (الإمارة) ظاهر النهي عن مجرد طلب الإمارة لا لهوى نفسه (٢) ولا غيرها لما فيها من الخطر والافتتان ولغيره (٣) (فإنك إذا أعطيتها) وهذا محمول على ما إذا كان هناك جماعة ممن يصلح أن يقوم بها، فأما إذا لم يكن هناك ممن يصلح لها (٤) إلا واحدا تعين عليه ووجب عليه أن يتولاها، ويخبر الإمام بصفاته المجتمعة فيه مما يستحق الإمارة من العلم والكفاية كما قال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٥) ثم بيَّن وجه علة النهي عنها: فإنك إن أعطيتها (عن مسألة) منك (وكلت فيها إلى نفسك) لأنك إذا سألتها واحترصت عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلف عنها دل على أنك طلبتها لغرض نفسك الأمارة بالسوء. (وإن أعطيتها عن غير مسألة) منك ولا استشراف نفسك إليها وكراهتك الولاية لعلمك بآفاتها وخوفًا على نفسك من التقصير عن القيام بحقوقها (أعنت عليها) وعلى القيام بلوازمها. وفي الحديث دليل على أن من تعاطى أمرًا وسولت له نفسه أنه قائم بذلك الأمر أنه يخذل فيه في غالب الأحوال؛ لأن من سأل الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلًا لها فيوكل إلى نفسه، ولم يعن على

стр. 8098

القيام بها، وأن من دعي إلى عمل أو إمامة في الدين، فرأى أنه لا يصلح لذلك العمل ولا يقدر على القيام بحقه لما يعلم من تقصيره وهاب تعاطي ذلك رزقه الله تعالى المعونة على ذلك ووفقه في جميع أموره فيها (١). [٢٩٣٠] (حدثنا وهب بن بقية) الواسطي شيخ مسلم (حدثنا خالد) بن عبد الله الطحان الواسطي، اشترى نفسه من الله ثلاث مرات (٢) (عن إسماعيل بن أبي خالد) سعد الكوفي، وكان طحانًا (عن أخيه) كذا ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣) عن أخيه، انتهى. وله جماعة إخوة عدتهم أربعة: أشعث بالثاء المثلثة آخره، وسعيد وخالد ونعمان، وذكر أن بعضهم رواه عن إسماعيل عن أبيه، وقال: لا يصح فيه عن أبيه (٤). (عن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بن قرة) وقيل: قرة بن بشر (٥) (الكلبي) الكوفي، صدوق حكاه شيخنا (٦). (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري (عن) أبيه (أبي موسى) الأشعري ﵁ (قال: انطلقت مع رجلين إلى النبي ﷺ ) ولمسلم (٧): من

стр. 8099

بني عمي من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، وكلاهما يسأل العمل، والنبي ﷺ يستاك، وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت. (فتشهد) تشهد وهو تفعل من الشهادة، سمي تشهدًا؛ لأن فيه: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا إنما يؤتى به بعد الحمد لله (أحدهما (١) ثم قال: جئنا) إليك (لتستعين بنا على) بعض (عملك) أي: بأن تولينا وتجعل كل واحد منا عاملًا لك على الجهات التي تحت نظرك وولايتك ثم تشهد الآخر (وقال الآخر مثل قول صاحبه) الذي تكلم قبله. (فقال: ) رسول الله ﷺ (إن أخونكم) أي: أكثركم خيانةً (عندنا من) سأل العمل و (طلبه) ومما جرى من الكلام في هذا المعنى مجرى المثل قولهم: الحرص على الأمانة دليل الخيانة (٢). (فاعتذر أبو موسى) الأشعري، يعني حين استفهم واستعلم ما عنده من إرادتهما للعمل بقوله: ما تقول يا أبا موسى؟ (وقال: لم أعلم لما جاءا له) وأخبر: أنه لم يكن عنده خبر من إرادتهما العمل، فلما تحقق النبي ﷺ ذلك ولاه العمل؛ إذ لم يسأله ولا حرص عليه، وأما اللذان سألاه (فلم يستعن بهما على شيء) من أعماله (حتى مات) لحرصهما على العمل لما تقدم أن الحارص على الإمارة مخذول، والكاره لها معان، ومن خذله الله لا يكون كفؤًا، وغير الكفؤ لا يولى لوجود التهمة. * * *

стр. 8100

٣ - باب في الضَّرِيرِ يوَلَّى ٢٩٣١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللهِ المُخَرِّميُّ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْديٍّ، حدثنا عِمْران القَطّانُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ (١). * * * باب في الضرير يولى [٢٩٣١] (حدثنا محمد بن عبد الله) بن المبارك القرشي، شيخ البخاري، وهو (المخرمي) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والراء المشددة نسبة إلى المخرم، وهي محلة ببغداد، قيل لها: المخرم؛ لأن بعض ولد يزيد بن المخرم نزلها فسميت به (٢). (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عمران) بن داود (القطان) وثقه عفان بن مسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج له تعليقًا في باب: وجوب الصلاة في الثياب (٣). (عن قتادة، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ أستخلف ابن أم مكتوم) الأعمى. قال ابن عبد البر: كان ممن قدم المدينة مع مصعب بن عمير قبل

стр. 8101

رسول الله ﷺ (١). قال بعضهم: إنما ولاه الصلاة بالمدينة دون القضاء والأحكام؛ فإن الضرير لا يجوز له أن يقضي بين الناس؛ لأنه لا يدرك الأشخاص ولا يثبت الأعيان، ولا يدري لمن حَكم وعلى من حكم، وهو مقلد في كل ما يليه من هذِه الأمور والحكم بالتقليد غير جائز (٢). وللشافعية قول حكاه في "البحر" ونحوه أنه يصح تولية الأعمى. وحكى الجرجاني أنه قول قديم للشافعي، ووجهه أن شعيبًا كان أعمى، والجمهور: لا يصح، وأما شعيب فلا نسلمه فيه، فإنه لم يثبت أنه كان أعمى، ولو ثبت ذلك لم يلزم هاهنا ولا يكون دليلا هنا؛ لأن شعيبًا كان من آمن به من الناس قليل، وربما لا يحتاجون إلى الحكم لقلتهم وتناصحهم فيما بينهم فلا يكون حجة في مسألتنا (٣). وقيل: إنه ﵇ إنما ولاه الإمامة بالمدينة إكراما له حين عاتبه الله في أمره في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٤)؛ فإن الآية نزلت فيه. وفيه دليل على أن إمامة الأعمى غير مكروهة ([على المدينة] (٥) مرتين) قال المنذري: استخلفه مرات (٦).

стр. 8102

وفي "الاستيعاب" (١): كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة يستخلفه عليها في أكثر غزواته (٢). * * *

стр. 8103

٤ - باب في اتِّخاذِ الوَزِيرِ ٢٩٣٢ - حدثنا مُوسَى بْنُ عامِر المُرِّيُّ، حدثنا الوَلِيدُ، حدثنا زهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَن عَائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذا أَرادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعانَهُ وَاِذا أَرادَ اللهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ إِنْ نَسيَ لَمْ يُذَكرْهُ وَإِنْ ذَكرَ لَمْ يُعِنْهُ" (١). * * * باب في اتخاذ الوزير [٢٩٣٢] (حدثنا موسى بن عامر) بن عمارة (المري) بضم الميم وكسر الراء المشددة الدمشقي و (حدثنا الوليد) بن مسلم (حدثنا زهير بن محمد) التميمي المروزي نزل الشام (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التميمي الفقيه (عن أبيه) القاسم بن أبي بكر التيمي الفقيه. (عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أراد الله تعالى بالأمير) الذي له ولاية على قوم من خليفة أو قاضٍ ونحوهما. (خيرًا) يحتمل أن يراد به عموم خير الدنيا والآخرة؛ لأنه نكرة في معرض الشرط، ويحتمل أن يكون معناه الخصوص؛ لأن ذلك سائغ في ألسنة العرب، كما قال بعض العلماء: إن المراد بالخير المطلق الجنة، وهذا ليس بقوي، والأول أولى. (جعل له وزير) هو مشتق من الوزر وهو الثقل والإثم؛ لأنه يتحمل

стр. 8104

عن الملك ثقل التدبير ومؤنة ما يحتاج إلى فعله ويسمى السلاح وزرًا؛ لثقله على لابسه، وقيل: مشتق من الوزر وهو اللجأ، قال الله تعالى: ﴿لَا وَزَرَ﴾ (١) أي: لا ملجأ منه إلا إليه، ويسمى الوزير بذلك لأن الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره، وقيل: الوزير مشتق من المؤازرة وهي المعاونة عن الأصمعي قال: وكان القياس أن يقال: أزير فقلبت الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها أن فعيلا جاء في معنى مُفاعل محبًّا صالحا، كقولهم: عشير وجليس ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه (٢). (صدق) أي: صادقًا في النصح له، والأظهر أن المراد به وزيرًا صالحًا؛ لرواية النسائي (٣) ولفظه: قالت: قال رسول الله ﷺ : "من ولي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا". ثم بيَّن وزير الصدق (إن نسي) شيئًا من أحكام الشريعة وآدابها أو نسي قضية منه في مظلوم رفعت إليه، أو نسي مصلحة من مصالح الرعية ونحو ذلك (ذكره) ما نسيه ونبهه عليه. (وإن) لم ينس شيئًا ولكن (ذكر) ذلك واحتاج إلى مساعدة بالرأي أو اللسان أو البدن (أعانه) أعانه على ذلك وساعده. ومن أهم ما ينبغي أن يكون في الوزير: أن يكون حريصًا على أفعال الخير راغبًا فيه وفي تحصيله للملك ولرعيته وجنوده، كارهًا للشر وأهله،

стр. 8105

وينبغي له أن يحترص على أن تكون مملكة الملك جميعها عامرة آمنة، والرعية داعية والهدايا إلى الملك جارية، وجنوده ورعاياه راضية. (وإذا أراد الله به غير ذلك جعل) الله (له وزير سوء، إن نسي) شيئًا مما يتعلق بمصالحه ومصالح الرعية (لم يذكره) ذلك (وإن ذكر) واحتاج إلى إعانة (لم يعنه) ولا يألوه إلا خبالًا أي: فسادًا. * * *

стр. 8106

٥ - باب في العِرافةِ ٢٩٣٣ - حدثنا عَمْرٌو بْنُ عُثْمانَ، حدثنا محَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جابِرٍ، عَنْ صالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الِمقْدامِ، عَنْ جَدِّهِ الِمقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِهِ، ثمَّ قالَ لَهُ: " أَفْلَحْتَ يا قُدَيْمُ إِنْ مُتَّ وَلَمْ يمُنْ أَمِيرًا وَلا كاتِبًا وَلا عَرِيفًا" (١). ٢٩٣٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا بِشْرُ بْن المفَضَّلِ، حدثنا غالِبٌ القَطّان، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أنَهُمْ كانُوا عَلَى مَنْهَلٍ مِنَ المَناهِلِ فَلَمّا بَلَغَهُمُ الإِسْلامُ جَعَلَ صاحِبُ الماءِ لِقَوْمِهِ مِائَة مِنَ الإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا، وَقَسَمَ الإِبِلَ بَيْنَهُمْ وَبَدا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَها مِنْهُمْ فَأَرْسَلَ ابنهُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: ائْتِ النَّبيَّ ﷺ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبي يُقْرِئكَ السَّلامَ وَإِنَّهُ جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا وَقَسَمَ الإِبِلَ بَيْنَهُمْ وَبَدا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَها مِنْهُمْ، أَفهُوَ أَحَقُّ بِها أَمْ هُمْ فَإِنْ قالَ لَكَ: نَعَمْ أَوْ لا فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ عَرِيفُ الماءِ، وَإِنَّهُ يَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ ليَ العِرافَةَ بَعْدَة. فَأَتاهُ فَقالَ: إِنَّ أَبي يُقْرِئُكَ السَّلامَ. فَقالَ: "وَعَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلامُ"، فَقالَ: إِنَّ أَنْ جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلامُهُمْ ثمَّ بَدا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَها مِنْهُمْ أَفَهُوَ أَحَقُّ بِها أَمْ هُمْ فَقالَ: "إِنْ بَدا لَهُ أَنْ يُسْلِمَها لَهُمْ فَلْيُسْلِمْها وَإِنْ بَدا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَها فَهُوَ أَحَقُّ بِها مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَسْلَمُوا فَلَهُمْ إِسْلامُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُوتِلُوا عَلَى الإِسْلامِ " .. فَقالَ: إِنَّ أَبي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ عَرِيفُ الماءِ وَإِنَّهُ يَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ ليَ العِرافَةَ بَعْدَهُ. فَقالَ: "إِنَّ العِرافَةَ حَقٌّ وَلا بُدَّ لِلنّاسِ مِنَ العُرَفاءِ، ، ولكن العُرَفاءَ في النّارِ" (٢).

стр. 8107

باب في العرافة [٢٩٣٣] (حدثنا عمرو بن عثمان) بن سعيد الحمصي، حافظ صدوق (١) (حدثنا محمد بن حرب) الأبرش الحمصي كاتب الزبيدي (٢) (عن أبي سلمة سليمان بن سليم) الكناني الكلبي مولاهم الشامي، قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن أبي سلمة الحمصي فقال: ثقة (٣) (عن يحيى بن جابر) القاضي وكان كاتبه، يعني: كان يحيى قاضي حمص وهو: طائي صدوق (٤). (عن صالح بن يحيى بن المقدام) الكندي الشامي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥). قال المنذري: فيه كلام قريب لا يقدح (٦)، وقال البخاري: فيه نظر (٧). قال موسى بن هارون: لا يعرف صالح وأبوه إلا بجده (٨). [وقال: يخطئ] (٩) وروى له النسائي وابن ماجه.

стр. 8108

(عن جده المقدام بن معدي كرب) بن عمرو الكندي أبي كريمة ﵁ (أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبه) ليكون أبلغ في وعيه لما أمره به من الموعظة وأجمع لفهمه، والمنكب مجتمع رأس العضد والكتف، وهو مما يعتمد عليه (ثم قال له: أفلحت يا قديم) بضم القاف وفتح الدال مصغر مقدام، وهذا تصغير ترخيم، وهو تصغير الاسم بتجريده من الزوائد، كما في تصغير محمود: حميد، وفيه دليل على جواز تصغير وترخيم الاسم في النداء إذا لم يكره ذلك المنادى ولم يتأذ بذلك، ومنه ما رواه الإمام أحمد (١) عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو مسند فخذه إلى عثمان، وإني لأمسح العرق عن جبينه، وإن الوحي ينزل عليه وهو يقول: " اكتب عثيم .. " الحديث. (إن مت ولم تكن أميرًا) وهو أصل عظيم في اجتناب الولايات لمن يخاف عليه عدم القيام بحقوقها، وأما من كان أهلًا للإمارة وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث: "إن المقسطين على منابر من نور" (٢). (ولا كاتبًا) فيه تحذير من الكتابة لما فيها، والكاتب إما أن يكتب على الجزية أو المواريث أو الأوقاف، أو على خراج المسلمين، أو على بياع من التجار ونحو ذلك، وهذا فيمن لا يقدر على الخلاص فيها.

стр. 8109

(ولا عريفًا) العريف هو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، وهو فعيل بمعنى فاعل، ويسمى العريف نقيبًا، وهو دون الرئيس، والعرافة عمله (١)، ومنه حديث: "العرافة حق" (٢) أي: فيها مصلحة ورفق. [٢٩٣٤] (حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا غالب) بن أبي غيلان خطافا (٣) (القطان) البصري (عن رجل، عن أبيه، عن جده: أنهم كانوا على منهل) بفتح الميم والهاء، كل ماءٍ يرده عابر الطريق وما كان على غير الطريق لا يدعى منهلًا ولكن يضاف إلى موضعه، أو إلى أمرٍ هو مختص به، فيقال: منهل بني فلان أي: شربهم أو موضع نهلهم (٤). قال الجوهري: المنهل: المورد، وهو عين ماءٍ ترده الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طريق المسافرين (من المناهل) لأن فيها ماء (٥). (فلما بلغهم الإسلام جعل صاحب الماء) المنهل، لعل المراد بصاحب الماء حافظه الذي يلي حبسه وإرساله ومصالح أمره، ومن ورود الصحبة بمعنى الحفظ حديث: "اللهم اصحبنا بصحبة" (٦)،

стр. 8110

ومعناه: احفظنا بحفظك في سفرنا. (لقومه مائة من الإبل) من ماله (على أن يسلموا) أي: يدخلوا في الإسلام (فأسلموا) جميعًا، فيه أنه يستحب لأمير القوم وكبيرهم ترغيبهم في الإسلام ويعدهم بإعطاء الأموال الجزيلة والصلات السنية من ماله أو من بيت مال المسلمين. (وقسم الإبل) المائة (بينهم) على السوية بعد ذلك (وبدا) بسكون الألف دون همز أي: ظهر (له) رأى (أن) يأخذ الإبل و (يرتجعها) جميعها (منهم، فأرسل ابنه إلى النبي ﷺ فقال له: ائت النبي ﷺ فقل له: إن أبي يقرئك) بضم أوله (السلام) يقول لك (وإنه) بكسر الهمزة قد (جعل لقومه مائة من الإبل) فيه: أن من كان له حاجة عند إنسان لسؤاله غير مسألة أو غيرها من الحوائج الأخروية والدنيوية، وأرسل إليه رسولًا أو كتب إليه رسالة يذكر حاجته فيها أن يبدأ للرسول وفي الكتابة بالسلام عليه، ثم يذكر بعدها ما أراد؛ فإن السلام قبل الكلام كما في الحديث (١). (على أن يسلموا) فأعطاهم (فأسلموا، وقسم الإبل بينهم) فيه أن من أعطى جماعة مالا له أن يقسمه عليهم بل هو أولى كما في دافع الزكاة. (وبدا له أن يرتجعها) منهم (أفهو أحق بها أم هم؟ ) أحق (فإن قال لك: نعم أو) قال لك (لا، فقل له: ) كلا الجوابين (إن أبي شيخ كبير) السن أو كبير القدر، وكلاهما فيه استعطاف وتحنن (وهو عريف الماء) أي: نقيب على الجماعة الذين يتصرفون في ماء المنهل الذي هم عليه، ويشبه أن

стр. 8111

يكون هذا القول كالعذر له المانع من الوقوف عليه أنه ضعيف الحركة لكبره وهو مشغول بعرافة الماء ولا يقوم غيره مقامه. (وإنه يسألك أن تجعل) فيه الانتقال من الخطاب إلى الخطاب، وهو المسمى عند أهل المعاني بالالتفات (لي العرافة) بكسر العين، وهي عمل الطريق كما تقدم (بعده، فأتاه فقال: إن أبي يقرئك السلام) ورحمته وبركاته (فقال) رسول الله ﷺ (وعليك وعلى أبيك السلام) وإتيانه بفاء التعقيب في قوله: فقال يدل على أن جواب السلام يكون عقب سماع كلام الرسول، فإنه يجب اتصال الرد بالسلام على الفور، كاتصال القبول بالإيجاب، فإن أخره بطول سكوت أو فصل بكلام كثير لم يقض بعد ذلك؛ لأن له سببًا فلا يقضى. قال أصحابنا: إذا بعث إنسان مع ابنه أو غيره سلامًا مشافهةً، أو في ورقة وجب الرد على الفور. وبعث السلام إلى من غاب سنة، ويلزم الرسول تبليغه، ويجب الرد على المُسَلِّمِ (١)، ويستحب الرد على الرسول أيضًا فيقول: وعليك وعليه السلام، كما في هذا الحديث: "وعليك وعلى أبيك السلام" كما في رواية النسائي (٢) عن عائشة: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: إن الله يقرئ خديجة السلام. فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك السلام ورحمة الله. (فقال: إن أبي جعل لقومه) عليه (مائة من الإبل على أن يسلموا، فأسلموا وحسن إسلامهم) أراد بحسن إسلامهم الإخلاص في الإسلام؛

стр. 8112

لأنهم لما دخلوا فيه لأجل الإبل التي جعلت لهم لم يكن إسلامهم حسنا؛ لأنه كان للرغبة في الإبل التي هي أنفس أموالهم، فلما دخلوا فيه وذاقوا طعمه وجدوا حلاوته، فطاب وقتهم ورغبوا فيه، وأخلصوا العمل. والإخلاص شرط في الإيمان والإسلام معا، وذلك أن من تلفظ بكلمة الإسلام وجاء بالعمل من غير نية لم يكن إسلامه حسنًا. قال ابن الأثير (١): ولا كان إسلامهم صحيحًا. (ثم بدا له أن يرتجعها منهم، أفهو أحق بها أم هم؟ ) أحق لأنهم لم يسلموا إلا على أخذها (فقال) رسول الله ﷺ (إن بدا له) أي: أراد (أن يسلمها لهم فليسلمها) لعله كان قسمها بينهم ولم يسلمها لهم، بل تركها عنده، أو ائتمن الراعي عليها أو غيره (وإن بدا له أن يرتجعها) فخيره بين الأمرين، لكن قدم تسليمها إليهم؛ لأنه الأفضل لمن خرج عن شيء لله تعالى لا يعود فيه. (فهو أحق بها منهم) وفيه من الفقه أن من أعطى رجلًا مالًا على أن يفعل أمرًا هو لازم للآخذ مفروضًا عليه فعله ففعله فإن للمعطي ارتجاعه منه؛ لأن الإسلام كان فرضًا واجبًا عليهم فلم يجز لهم أن يأخذوا عليه جعلًا، وكذا فعل كل ما لا يتعدى نفعه فاعله من العبادات المختصة كالصيام وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الجعالة والأجرة على شيء من هذا بلا خلاف؛ لأن المال المأخوذ عوضًا هو للانتفاع الحاصل للباذل، ولم يحصل لغير الفاعل هاهنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها.

стр. 8113

وأما تزوج أبي طلحة أم سليم على إسلامه ونقل عنه جوازه، فيحتمل أنه زوجها له على غير صداق إكرامًا له لشرفه بصدق الإسلام، ولأن المهر ليس بعوض محض ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته. (فإن هم أسلموا) أي: استمروا على إسلامهم (فلهم) نفع (إسلامهم) ولهم الأمان على أموالهم وذراريهم (وإن لم يسلموا قوتلوا) أي: قاتلهم الإمام كما قاتل أبو بكر أهل الردة بجماعة الصحابة، وقتل من قدر عليه منهم، وتبع مدبرهم، وأجاز على جريحهم، وصاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم (على) الرجوع إلى (الإسلام) أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. (فقال: إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده) على الماء. ثم (قال) رسول الله ﷺ (إن) عمل (العرافة حق) ليس بالباطل؛ لأن فيها مصلحة للناس ورفق بهم في أحوالهم وأمورهم لكثرة احتياجهم إليها ولمن يكون عارفًا بها وناصحًا فيها (ولا بد للناس) في انتظام أمورهم واجتماع كلمتهم (من العرفاء) عليهم (ولكن العرفاء في النار) قال في "النهاية": قاله تحذيرًا من التعرض للرياسة والحرص عليها لما في ذلك من الفتنة، وأنه إذا لم يقم بحقها أثم واستحق العقوبة (١). العاجلة والآجلة. * * *

стр. 8114

٦ - باب في اتِّخاذِ الكاتِبِ ٢٩٣٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حدثنا نُوحُ بْن قَيْسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مالِكٍ، عَنْ أَبي الجَوْزاءِ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، قال: السِّجِلُّ كاتِبٌ كانَ لِلنَّبيِّ ﷺ (١). * * * باب (٢) في اتخاذ الكاتب [٢٩٣٥] (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا نوح بن قيس) الحداني، أخرج له مسلم (عن يزيد بن كعب) العوذي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) (عن عمرو بن مالك) النكري بضم النون، ذكره ابن حبان في "الثقات" أيضًا (٤). (عن أبي الجوزاء) أوس بن عبد الله الربعي البصري، حديثه رواه النسائي في التفسير عن قتيبة (٥) (عن ابن عباس قال: السجل) المذكور في قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (٦) اسم (كاتب كان للنبي ﷺ ) قال الثعلبي: وهذا غير قوي؛ لأن كُتَّاب رسول الله ﷺ كانوا معروفين

стр. 8115

وليس هذا منهم (١). ورواه النسائي (٢) عن قتيبة، عن نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك -أعني: لم يذكر بينهما زيد بن كعب- أنه كان يقول في هذِه الآية: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قال: السجل هو الرجل. قال المزي: من زياداته، ورواه مسلم بن إبراهيم، عن يحيى، عن عمرو بن مالك، عن أبيه قال: وحديث النسائي ليس في الرواية (٣). وجعله المنذري من أفراد المصنف، وأقره. وقال السدي (٤) وابن عمر (٥): السجل ملك يكتب أعمال العباد، فإذا صعد بالاستغفار قال الله تعالى: اكتبها نورًا (٦). * * *

стр. 8116

٧ - باب في السِّعايَةِ علَى الصَّدَقَةِ ٢٩٣٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْراهِيمَ الأَسباطيُّ، حدثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "العامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالحَقِّ كالغازي في سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ" (١). ٢٩٣٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِماسَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ صاحِبُ مَكْسٍ" (٢). ٢٩٣٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَطّان، عَنِ ابن مَغْراءَ، عَنِ ابن إِسْحاقَ قال: الذي يَعْشُرُ النّاسَ، يَعْني: صاحِبَ المَكْسِ (٣). * * * باب في السعاية على الصدقة [٢٩٣٦] (حدثنا محمد بن إبراهيم) بن سليمان أبو جعفر الكوفي صدوق (٤). (الأسباطي) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة نسبة إلى الأسباط، وهو

стр. 8117

اسم لبعض أجداد المنتسب إليه (١). (حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) المروزي بالكوفة. (عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة) الأنصاري الظفري، ثقة عالم وفد على عمر بن عبد العزيز في دين لزمه فقضاه عنه، وأمره أن يجلس في مسجد دمشق يحدث الناس بمغازي رسول الله ﷺ ومناقب أصحابه، وروى له الجماعة (٢). (عن محمود بن لبيد) بن عقبة الأنصاري الأشهلي المدني، ولد في حياة رسول الله ﷺ أخرج له مسلم (٣). (عن رافع بن خديج) بن رافع الأوسي الحارثي، استصغر يوم بدر وشهد أحدًا (٤). (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: العامل) جَمْعُهُ عاملون (على الصدقة) وهي: الزكاة وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لأخذها من أربابها، وجمعها ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها، وكذلك الكاتب والحاسب والكيال والوزان والعداد. (بالحق) أي: مما يلزمه من حقوقها كحفظ الأموال من المتلفات وضبطها بالكتابة والحساب وغير ذلك مما يتعلق بمصالحها. (كالغازي) أي: أجره كأجر المجاهد (في سبيل الله) لأن العامل يشابه

стр. 8118

الغازي في احتياج الناس إليه وفي سفره ومفارقته وطنه وأقاربه لمنافع المسلمين. (حتى يرجع) من سفره (إلى) أهله (بيته) فيه الترغيب في فعلها وإظهار فضيلتها لئلا يتخوف من مباشرتها لما فيها من الأمانة التي هي محل الخوف من التقصير في حفظها. [٢٩٣٧] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب) واسمه سويد، أبو رجاء. (عن عبد الرحمن بن شماسة) بضم الشين المعجمة وتخفيف الميم وبعد الألف مهملة، المصري المهري، أخرج له مسلم في الأيمان وغيره (١). (عن عقبة بن عامر) الجهني (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل) برفع اللام (الجنة صاحب مكس) وسيأتي تفسيره بفتح اللام. [٢٩٣٨] (حدثنا محمد بن عبد الله) بن أبي حماد الطرسوسي (القطان) أخرج له النسائي في الكنى (عن) عبد الرحمن (ابن مغراء) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وتخفيف الراء مع المد، وهو أبو زهير الدوسي الكوفي، وثقه أبو زرعة وغيره. (عن) محمد (ابن إسحاق) صاحب "المغازي" وهو أحد رواة الحديث قبله (قال) صاحب المكس هو (الذي يعشر الناس) ويعشر بفتح الياء وضم الشين المعجمة، ويجوز ضم الياء وكسر الشين المشددة يقال: عشرت مال فلان أعشره عشرًا، فأنا عاشر وعشرته

стр. 8119

بالتشديد، فأنا معشر وعشار إذا أخذت عشره. (يعني) به (صاحب المكس) وهو من يأخذ العشر على ما كان يأخذه أهل الجاهلية، مقيمًا على دينه لا يدخل الجنة لكفره، أو لاستحلاله لذلك إن كان مسلمًا وأخذه مستحلًّا وتاركًا فرض الله وهو ربع العشر، وأما من لم يستحل أخذ الحرام فهو محمول على أنه لم يدخل الجنة مع السابقين إليها، أو لا يدخلها حتى يعاقب إلا أن يغفر الله له. وأصل المكس: النقصان مكس وبخس. قال الأصمعي: الماكس العشار، وأصله الجباية (١). وصاحب المكس هو الذي يأخذ من التجار إذا مروا به مكسًا باسم العشر، أما من يعشرهم على ما فرض الله سبحانه فحسن جميل، وقد عشر جماعة من الصحابة للنبي ﷺ وللخلفاء بعده، وهو من يأخذ عشر ما سقته السماء، وعشر أموال أهل الذمة في التجارات. * * *

стр. 8120

٨ - باب في الخَلِيفةِ يَسْتَخْلِفُ ٢٩٣١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ بْنِ سُفْيانَ وَسَلَمَةُ قالا: حدثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قال: قال عُمَرُ: إِنّي إِنْ لا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ. قال: فَواللَّهِ ما هُوَ إِلا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَبا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لا يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ (١). * * * باب في الخليفة يستخلف [٢٩٣٩] (حدثنا محمد بن داود بن سفيان) وهو مقبول (وسلمة) بن شبيب بفتح الشين المعجمة النيسابوري الحجري، أخرج له مسلم. [(قالا: حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني] (٢) (أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم) مولى ابن عمر (عن ابن عمر، قال عمر: ) زاد مسلم (٣) أول الحديث عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، قال: فكنت كأنما أحمل جبلًا حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت

стр. 8121

الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك: زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل [أو راعي] (١) غنم ثم جاءك (٢) وتركها، رأيت أن قد ضيع، فرعاية الله أشد (٣)، قال: فوافقه قولي. فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إليَّ فقال: إن الله يحفظ دينه و (إني) والله (إن) شرطية (لا) [يعني: إن لم (أستخلف) بالجزم خليفة من بعدي (فإن رسول الله ﷺ ] (٤) لم يستخلف) أي: لم ينص على خليفة من بعده لا على أبي بكر ولا على علي ولا على غيره، وهذا هو مذهب جماعة أهل السنة من الصحابة ومن غيرهم، وقد ذهب بكر ابن أخت عبد الواحد إلى أن تقديم أبي بكر كان بالنص من النبي ﷺ . وذهب ابن الراوندي إلى أنه نص على العباس، وذهبت الشيعة والرافضة إلى أنه نص على علي ﵁، وكل ذلك أقوال باطلة قطعًا، إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف بذلك فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السقيفة، وقال كل واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر، ولم ينقل أحد منهم نصًّا على رجل بعينه ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم والخطب المهم الجسيم، والتواطؤ من ذلك الجمع على الكتمان ومدعي النص في ذلك كاذب والمسألة إجماعية قطعية (٥).

стр. 8122

(وإن أستخلف) بعدي (فإن أبا بكر قد استخلف) ونص عليه وعينه، ولا خلاف في أن الأمر وقع كذلك، ثم إن عمر ﵁ سلك طريقًا بين طريقين جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله ﷺ في أنه لم ينص على واحد بعينه فصدق عليه أنه غير مستخلف، واقتدى بأبي بكر من حيث أنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة، وفوض التعيين إلى اختيارهم. (قال) ابن عمر (فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنه) كائن (لا يعدل برسول الله) ﷺ في الاقتداء به في عدم الاستخلاف (أحدًا) بعده (وأنه غير مستخلف) عنه بالنص على أحد بعينه، وقد أجمع المسلمون على أن الخليفة إذا حضره مقدمات الموت يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه (١). * * *

стр. 8123

٩ - باب ما جاءَ في البَيْعَةِ ٢٩٤٠ - حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا شعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: كُنّا نُبايعُ النَّبيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ والطّاعَةِ وَيُلَقِّنُنا فِيما اسْتَطَعْتَ (١). ٢٩٤١ - حدثنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حدثنا ابن وَهْب، حَدَّثَني مالِك، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُزوَةَ أَنَّ عائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ النِّساءَ قالَتْ: ما مَسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ إِلا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْها، فَإِذا أَخَذَ عَلَيْها فَأَعْطَتْهُ قالَ: "اذْهَبي فَقَدْ بايَعْتُكِ" (٢). ٢٩٤٢ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبي أَيُّوبَ، حَدَّثَني أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشامٍ قال: وَكانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبيَّ ﷺ وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حميْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ بايِعْهُ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ صَغِيرٌ" .. فَمَسَحَ رَأْسَهُ (٣). * * * باب ما جاء في البيعة [٢٩٤٠] (حدثنا حفص بن عمر) الحوضي (حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نبايع النبي ﷺ ) مأخوذ من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله فكأنه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعده الله على ذلك بالجنة فكانت المعاوضة حصلت فصدق على ذلك اسم المبايعة كما قال تعالى:

стр. 8124

﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (١). قال القرطبي: وهي واجبة على كل مسلم لقوله ﵇: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (٢). غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع له ويطيع في السر والجهر، ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة (٣). (على السمع والطاعة) وهذِه البيعة تسمى بيعة الأمراء، وسميت بذلك؛ لأن المقصود بها تأكيد السمع لما يقوله الأمير والطاعة لأمره، وليس المراد به مجرد السماع بل القبول والإجابة، وقدم السمع على الطاعة؛ لأن التكليف طريقه السمع والطاعة بعده، ويكون للمؤمن أن يكون قائلًا هذا دهره بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولأئمة الأمر (٤). (ويلقننا) التلقين هو أخذ القول من الفم مشافهة. وقال الفارابي: تلقن الكلام أخذه وتمكَّن منه (٥). ولفظ مسلم (٦): ويقول لنا. أي: يقول للآخذ عنه: قل (فيما استطعت) (٧) وفيه رفع لما يخاف من التحرج بسبب مخالفة

стр. 8125

تقع غلطًا أو سهوًا أو غلبة، فإن ذلك كله غير مؤاخذ به (١). وفيه أنه إذا رأى الإنسان يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يعرفه ويقول له: لا تلتزم ما لا تطيق فيترك بعضه وهو نحو قوله ﵇: "عليكم من الأعمال بما تطيقون" (٢). [٢٩٤١] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري (ثنا) عبد الله (ابن وهب، حدثني مالك، عن) محمد (ابن شهاب، عن عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ أخبرته عن بيعة رسول الله ﷺ النساء) وقد كان عبادة بايع رسول الله بيعة النساء (٣). سميت بذلك لأنه لم يكن فيها ذكر خوف ولا قتال؛ لأن النساء لا قتال عليهن (٤). (قالت: ما مس رسول الله ﷺ يد) كذا الرواية، ولمسلم (٥): ما مس رسول الله بيده (امرأة قط) وله في رواية (٦): ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، ووالله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله، وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: " قد بايعتكن " كلامًا. وفيه دليل على أن الرجل لا يلمس بيده امرأة أجنبية من غير ضرورة، فإن كان لضرورة كفصد وحجامة وقلع سن وكحل جاز إذا لم تجد امرأة
следующие страницы →