← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

١٦ - باب مَتَى يُفْرَضُ للرَّجُلِ في المُقاتِلَةِ ٢٩٥٧ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ أَخْبَرَني نافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عُرِضَة يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابن أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْه وَعُرِضَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَهُوَ ابن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجازَهُ (١). * * * باب متى يفرض للرجل في المقاتلة وينفل من القتال [٢٩٥٧] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بالتصغير وهو: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (أخبرني نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ عرضه) فيمن عرض من جيش المسلمين، وهو يصلح للقتال، فيأذن (٢) له، أو لا يصلح فيمنعه (يوم) غزوة (أحد وهو) جبل بالمدينة على أقل من فرسخ منها به قبر هارون ﵇ (٣)، ويقال له: ذو عينين، وكانت هذِه الغزاة سنة ثلاث من الهجرة يوم السبت لسبع ليالٍ خلون من شوال، وأنا (ابن) بالنصب (أربع عشرة) بفتح عين أربع وسكون الشين (سنة، فلم يجزه) أي: لم يأذن له في الخروج معه للقتال. (وعرضه يوم) غزوة (الخندق) وتسمى غزوة الأحزاب، وكانت في

стр. 8157

ذي القعدة سنة خمس على الأصح، وسميت الخندق؛ لأن النبي ﷺ لما حزبوا الأحزاب عليه حفر حول المدينة خندقًا في ستة أيام، والخندق لفظ فارسي معرب وأصله كندة، وقد رد النبي ﷺ يوم أحد جماعة. (وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) وإنما قال ذلك مع قوله أنه كان في أحد ابن أربع عشرة سنة وهي قبلها بسنة واحدة؛ لأنه لم يعتد كمال الأربعة عشر بل اكتفى بالطعن فيها. ومما استدل بهذا الحديث عليه: أن البلوغ بالسن محدود بخمس عشرة سنة، ولكن تحديده أن الإجازة وعدم الإجازة إنما هي بالنسبة إلى إطاقة القتال وعدمها لا إلى البلوغ وعدمه بدليل ما لو رآه الإمام بالغًا عاجزًا حرًّا فإنه لا يجيزه، وقيل: إن عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث جعله حدًّا، فكان يجعل من دون خمس عشرة سنة في الذرية، والمشهور عن مالك أن حد البلوغ سبع عشرة سنة. واعتذر هو ومن وافقه عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال منوط بإطاقته والقدرة عليه، وأن إجازة النبي ﷺ في الخمس عشرة؛ لأنه رآه مطيقًا للقتال، لا لأنه أدار الحكم على البلوغ وعدمه (١). * * *

стр. 8158

١٧ - باب في كَراهِيَةِ الافتِراضِ في آخِرِ الزَّمانِ ٢٩٥٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْن أَبي الحَواريِّ، حدثنا سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ وادي القُرى- قالَ: حَدَّثَني أَبي مُطَيْرٌ أَنَّهُ خَرَجَ حاجّا حَتَّى إِذا كانَ بِالسّوَيْداءِ إِذا أَنا بِرَجُلٍ قَدْ جاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ دَواء وَخضُضًا فَقال: أَخْبَرَني مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ وَهُوَ يَعِظُ النّاسَ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهاهُمْ فَقالَ: "يا أَيُّها النّاسُ خُذُوا العَطاءَ ما كانَ عَطاءً، فَإِذا تَجاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى المُلْكِ وَكانَ عَنْ دِينِ أَحَدِكُمْ فَدَعُوهُ". قالَ أَبُو داوُدَ: وَرَواهُ ابن المُبارَكِ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ مُطَيْرٍ (١). ٢٩٥٩ - حدثنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، حدثنا سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ - مِنْ أَهْلِ وادي القُرى- عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ فَأَمَرَ النّاسَ وَنَهاهُمْ ثُمَّ قالَ: " اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ " .. قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. ثُمَّ قالَ: " إِذا تَجاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى المُلْكِ فِيما بَيْنَها وَعادَ العَطاءُ أَوْ كانَ رُشًا فَدَعُوهُ " .. فَقِيلَ: مَنْ هذا؟ قالُوا: هذا ذو الزَّوائِدِ صاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢). * * * باب كراهية الافتراض بالفاء من الفرض، وهو العطاء الذي يقع من السلطان. [٢٩٥٨] (حدثنا أحمد بن أبي الحواري) بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الواو، وفتح الراء وكسرها من الحور وهو التبيض، ومن

стр. 8159

الحوارى العين وهو نقاء بياض العين وصفاء سوادها، وهذا مما يشبه النسبة، واسمه عبد الله بن ميمون زاهد دمشق، رحل وسمع أبا معاوية والكبار (حدثنا سليم بن مطير) بالتصغير فيهما، وهو الواديُّ (شيخ من أهل وادي القرى) موضع بين المدينة والشام. قال أبو حاتم: هو أعرابي محله الصدق (١). روى له المصنف هذا الحديث فقط، وهو أخو محمد بن مطير (٢). (حدثني أبي مطيرٌ) بن سليم الوادي من وادي القرى: (أنه خرج) مع الحجاج (حاجًّا، حتى إذا كان بالسويداء) بضم السين المهملة على لفظ تصغير سوداء (٣)، وهو موضع على ليلتين من المدينة نحو الشام (إذا أنا برجل) هو ذو الزوائد كما سيأتي. (كأنه يطلب دواء و) يطلب (حضضًا) بضم الحاء المهملة، وأما الضاد الأولى المعجمة فيروى بضمها وفتحها، وقيل: هو بضادين معجمتين، وقيل: بضاد ثم ظاء معجمتين وهو دواء معروف، قيل: إنه يعقد من أبوال الإبل (٤)، وقيل: هو عقار منه مكي ومنه هندي، وهو عصارة شجر معروف له ثمرة كالفلفل وتسمى ثمرته الحضض (٥).

стр. 8160

وفي حديث طاوس: لا بأس بالحضض (١)، وقيل: هو صمغ نحو الشبرق المر (فقال) الرجل: (أخبرني من سمع رسول الله ﷺ ) يقول وهو في حجة الوداع) بفتح الواو (وهو يعظ الناس) وهو على ناقته القصواء وهو بعرفة (ويأمرهم) بأوامر الله (وينهاهم) عما حرم الله. (فقال) من جملة خطبته: (يا أيها الناس، خذوا العطاء) من السلطان (ما كان) أي: في الزمان الذي يكون (عطاء) الملوك فيه عطاء الله تعالى ليس فيه غرض من الأغراض الدنيوية التي فيها فساد دين الآخذ ومن هذا الحديث قول أبي ذر ﵁ للأحنف بن قيس: خذ العطاء ما كان نحلة، فإذا كان أثمان دينكم فدعوه (٢). (فإذا تجاحفت) بفتح الجيم والحاء والفاء المخففات كما سيأتي (قريش على الملك) من قولهم: تجاحفت القوم في القتال إذا تناول بعضهم بعضًا بالسيوف، يريد: إذا رأيت قريشًا تقاتلوا على الملك وتخاصموا على الملك وهو أن يقول كل واحد منهم: أنا أحق بالملك أو بالخلافة منك وتنازعوا في ذلك. ومنه حديث علي رضي الله تعالى عنه (٣): إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى (٤). فإن الحقاق هنا المخاصمة، وهو أن يقول كل واحد من الخصمين: أنا أحق به منك.

стр. 8161

(وكان عن دين) الذي يعطيه الملك عوضًا (أحدكم) بأن يعطيه العطاء ويحمله على فعل ما لا يحل له فعله في الشرع من قتال من لا يحل قتاله، وفعل ما لا يجوز فعله في دين الله تعالى (فدعوه) وعن الشعبي، عن أبي مسروق: لا يزال القضاء بأهل العطاء حتى يدخلهم النار. أي: يحملهم إعطاء الملك وإحسانه إليهم على ارتكاب الحرام، لا أن العطاء في نفسه حرام. قال الغزالي: وقد اختلفوا في أخذ العطاء من مال السلطان فقال قوم: كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أن يأخذه، وقال آخرون: لا يحل له أن يأخذ ما لم يتحقق أنه حلال. وقد احتج من جوز الأخذ منه إذا كان فيه حرام وحلال إذا لم يتحقق أن غير المأخوذ حرام بما روي عن جماعة من الصحابة أنهم أدركوا الظلمة وأخذوا من أموالهم، وأخذ كثير من التابعين، وأخذ الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار في دفعة واحدة، وأخذ مالك من الخلفاء أموالًا جمة، وإنما ترك من ترك العطاء منهم تورعًا مخافة على دينه، قال: وأغلب أموال السلاطين حرام في هذِه الأعصار، والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز. انتهى (١). وهذا في زمانه ﵁، فكيف بمالهم اليوم، وكان السلاطين في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين يستميلون قلوب العلماء حريصين على قبولهم عطاياهم، ويبعثون إليهم من غير سؤال ولا إذلال، بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به، وكانوا يأخذون

стр. 8162

منهم ويفرقونه ولا يطيعونهم في أغراضهم، ولا يغشون في مجالسهم. (قال المصنف: ورواه) عبد الله (ابن المبارك، عن محمد بن يسار) بالمثناة تحت والسين المهملة وهو أبو عبد الله البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١) (عن سليم بن مطير) كما تقدم. [٢٩٥٩] (حدثنا هشام بن عمار) الدمشقي شيخ البخاري (حدثنا سليم بن مطير) بتصغيرهما كما تقدم (من أهل وادي القرى) بضم القاف (عن أبيه، أنه حدثه قال: سمعت رجلاً يقول: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع) تقدم أنه (فأمر الناس) في خطبته (ونهاهم ثم قال: اللهم هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم) وفي حديث جابر الطويل: " فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم أشهد اللهم أشهد " ثلاث مرات (٢). (ثم قال: إذا تجاحفت) بفتح التاء وتخفيف الجيم وتخفيف الحاء المهملة بعد الألف مع الفاء (قريش على الملك) يقال: تجاحف القوم في القتال إذا تناول بعضهم بعضًا بالسيوف يريد: إذا تقاتلوا على الملك، ومنه حديث عمار أنه دخل على أم سلمة وكان أخاها من الرضاعة فاجتحف ابنتها زينب من حجرها (٣). أي: تناولها واستلها. فيما بينها وعاد العطاء أو كان رشا) بضم الراء وتخفيف الشين مع

стр. 8163

القصر، وقيل: يجوز كسر الراء وهو جمع رشوة، وهي العطية لغرض دنيوي وأكثره في الحكم. قال الخطابي (عاد العطاء رشا) هو أن يصرف عن المستحقين ويعطاه من له الجاه والمنزلة (١). وفي "النهاية": الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل منه إلى الماء (٢). (فدعوه) لهم ولا تقبلوه منهم (فقيل: من هذا؟ ) الرجل الراوي (قالوا: هذا ذو الزوائد، صاحب رسول الله ﷺ ) وهو جهني سكن المدينة، وعن أبي أمامة بن سهل قال: هو أول من صلى الضحى. والله أعلم، له صحبة ولا يعرف اسمه (٣). * * *

стр. 8164

١٨ - باب في تَدْوِينِ العَطاءِ ٢٩٦٠ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حدثنا إِبْراهِيمُ -يَعْني: ابن سَعْدٍ- حدثنا ابن شِهابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ الأَنْصاريِّ أَنَّ جَيْشًا مِنَ الأَنْصارِ كانُوا بِأَرْضِ فارِسَ مَعَ أَمِيرِهِمْ، وَكانَ عُمَرُ يُعْقِبُ الجُيُوشَ في كُلِّ عامٍ فَشُغِلَ عَنْهُمْ عُمَرُ، فَلَمّا مَرَّ الأَجَلُ قَفَلَ أَهْلُ ذَلِكَ الثَّغْرِ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ وَتَواعَدَهُمْ -وَهُمْ أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالُوا يا عُمَرُ إِنَّكَ غَفَلْتَ عَنّا وَتَرَكْتَ فِينا الذي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِعْقابِ بَعْضِ الغَزِيَّةِ بَعْضًا (١). ٢٩٦١ - حدثنا مَحْمُودُ بْن خالِدٍ، حدثنا محَمَّد بْنُ عائِذٍ، حدثنا الوَلِيدُ، حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَني فِيما حَدَّثَهُ ابن لِعَديِّ بْنِ عَديٍّ الكِنْديِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ إِنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَواضِعِ الفَيء فَهُوَ ما حَكَمَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ فَرَآهُ المُؤْمِنُونَ عَدْلاً مُوافِقًا لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "جَعَلَ اللهُ الحَقَّ عَلَى لِسانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ". فَرَضَ الأَعْطِيَةَ وَعَقَدَ لأهلِ الأَدْيانِ ذِمَّةً بِما فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ لَمْ يَضْرِبْ فِيها بِخُمُسٍ وَلا مَغْنَمٍ (٢). ٢٩٦٢ - حدثنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ، حدثنا زهَيْرٌ، حدثنا مُحَمَّد بْنُ إِسْحاقَ، عَنْ مَكْحُولِ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ وَضَعَ الحَقَّ عَلَى لِسانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ " (٣). * * *

стр. 8165

باب في تدوين العطاء [٢٩٦٠] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد) الزهري العوفي المدني (ثنا) محمد (ابن شهاب) الزهري (عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري) السلمي المدني، أخرج له مسلم (أن جيشًا من الأنصار كانوا بأرض فارس) وهي مملكة تشتمل على عدة من المدن ودار مملكتها شيراز، سميت فارس بذلك؛ لأنه سكنها فارس بن عابور بن يافث بن نوح ﵇، ذكره علي بن كيسان (١). (مع أميرهم، وكان عمر ﵁ يعقب) بضم أوله ويجوز إسكان العين مع تخفيف القاف وفتح العين مع تشديد القاف، والتعقيب والإعقاب كما قال في "النهاية": هو أن يكون الغزو بينهم نوبًا، فإذا خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانيةً، بل تبعث طائفة أخرى غيرها يقيمون مكانهم وينصرف أولئك إلى أهاليهم؛ لئلا يطول عليهم وعلى أهلهم الغربة فيتضرروا بذلك (٢). قال الهروي: يقال: عقب الغزاة وأعقبوا إذا وجه مكانهم غيرهم ليردوا إلى أهلهم قريبًا، ومنه الحديث: فإن كل غازية غزت يعقب بعضهم بعضًا (٣) (الجيوش في كل عام) مرة (فشغل) بضم الشين وكسر الغين (عنهم عمر) فلم يبعث لهم من ينوب عنهم إلى أن يعودوا إلى أهليهم.

стр. 8166

(فلما مر الأجل) ولم يحضر إليهم أحد (قفل) أي: رجع (أهل ذلك الثغر) الذي بأرض فارس (فاشتد عليهم) أي: تغيظ عمر (وتواعدهم) بالعقوبة، يقال: وعد في الخير، وأوعد وتوعد في الشر (١)، كما قال الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف العادي ومنجز موعدي (٢) (وهم أصحاب رسول الله ﷺ ) ولهم حق الصحبة وحرمة قدرها (فقالوا: يا عمر، إنك غفلت) بفتح الفاء (عنا وتركت فينا) جار ومجرور متعلق بالمحذوف المقدر بعده وهو مفعول تركت، والتقدير: تركت العمل فينا (الذي أمر به رسول الله ﷺ ) ومن حذف المفعول قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) أي: سفههم، ومن: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ (٤). (من إعقاب) بكسر الهمز مصدر أعقب كما تقدم (بعض الغزية) بفتح الغين المعجمة جمع غازية كما يقال في المذكر الصحيح: حجيج حاج، والغازية تأنيث الغازي وهي هاهنا صفة لجماعة غازية، ويجوز أن تكون الغزية جمع غازٍ فإن الغازي يجمع على غُزَاة وغُزَّي وغَزِيٌّ وغُزَّاءٌ كقُضَاة

стр. 8167

وسُبَّق وحَجِيج وفُسَّاق (١). (بعضًا) فيه دلالة على أن الإمام يبعث الجيش لقتال العدو وللإغارة عليهم في بلادهم وأقل مدة ما يفعل في كل سنة، وأنه يبعث إلى الثغور طائفة يقيمون عليها للرباط وعليهم أمير يرجعون إلى قوله. ويستحب أن لا تغيب الطائفة المبعوثة أكثر من سنة عن أهلها، وإذا مضت السنة تحضر تلك الطائفة ويرسل طائفة أخرى عوضهم. وقد رتب الملوك المتقدمة في ثغور الشام أمراء لكل ثغر أمير وله أتباع يقيم كل أمير في الثغر شهرًا، فإذا انتهى الشهر يستمر مقيمًا إلى أن يأتي الأمير الذي في الشهر بعده مع أتباعه، فإذا رآهم سلم عليهم ثم رجع إلى أهله، وجعلوا على الأمير أن يركب في الليل هو وجماعته، ويمشون على الساحل بالخيل والسلاح إلى الفجر، وجعلوا لهم رزقًا من بيت المال على ذلك. وقد لحقنا بعض هذا، ولكن انقطع أثر ذلك وفسد النظام الذي تقدم، فنسأل الله العافية. [٢٩٦١] (حدثنا محمود بن خالد) بن يزيد (٢) السلمي الدمشقي، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقة رضى (٣) (حدثنا محمد بن عايذ) بالمثناة تحت قبل الذال القرشي الدمشقي، صاحب كتاب "الفتوح

стр. 8168

والمغازي"، عن ابن معين: ثقة، وقال دحيم: صدوق (١) (حدثنا الوليد) بن مسلم (حدثنا عيسى بن يونس) ابن أبي إسحاق أحد الأعلام (٢) (حدثني فيما حدثه ابن لعدي بن عدي) بن عميرة أبو فروة (الكندي) سيد أهل الجزيرة الفقيه الثقة الناسك (٣) (أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب: ) إلى عماله (إن من سأل عن مواضع) أي: عن مصارف (الفيء) التي يصرف فيها إلى المستحقين (فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب) ﵁ فإنه أول من دون الدواوين في العرب ورتب الجرائد والدفاتر التي فيها أسماء المستحقين، وقدر استحقاقاتهم للعمال المنتصبين لحساب ذلك والقيام به (٤). ولهذا بوب عليه المصنف: باب تدوين العطاء (فرآه) أي: ورآه (المؤمنون عدلاً) يعني: في القسمة لا يميل به الهوى فيعدل عن الحق، ويحتمل أن يراد به (موافقًا) للكتاب والسنة لا يعدل عنهما ولا يخالفهما، وهذا موافق لقول عبد الله بن مسعود: ما راَه المسلمون حسنًا فهو عبد الله حسن (٥). قال العلائي: ولم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث ولا بسندٍ ضعيف بعد طول البحث عنه، وإنما هو من قول ابن مسعود موقوفًا عليه،

стр. 8169

ولكن تعضده رواية مسلم (١): " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد "، فإنه دليل على اعتبار ما استحسنه المسلمون وما هم عليه إما من جهة الأمر الشرعي، أو من جهة العادة المستقرة، فإن عموم قوله: " ليس عليه أمرنا " يشمله؛ لأن المراد: عليه أمر الإسلام. (لقول النبي ﷺ : جعل الله) ولفظ الترمذي: إن الله جعل (الحق على لسان عمر وقلبه) أي: جعل الله الحق موافقًا لما يقوله عمر بلسانه كما في رواية الترمذي (٢) عن ابن عمر: ما نزل بالناس أمرٌ قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال: وموافقات عمر مشهورة، فكما أن الله تعالى جعل الصواب يجري على لسان عمر، كذلك يلهم الله قلبه الصواب في الظن، فإذا حدثه قلبه بشيء وغلب على ظنه كان صوابًا؛ لأن الله الذي أوقعه في قلبه. وروى مسلم (٣) والترمذي (٤): " قد كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب ﵁ ". قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون (٥). (فرض) عمر ﵁ (الأعطية) بضم الهمزة وكسر الطاء وتشديد الياء يعني: العطية وأصلها أعطوية وزن أفعولة اجتمعت الواو والياء،

стр. 8170

وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء بعدها وانكسرت الطاء لمناسبة الياء، فإن عمر ﵁ فرض لكل المسلمين حقًّا في الفيء؛ لما روى عكرمة عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١) الآية، وقرأ الآية التي في سورة الحشر حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ .. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ .. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢) قال: استوعبت هذِه الآية المسلمين عامة، فليس أحدٌ إلا وله فيها حق. وظاهر هذا الخبر يدل على أن لجميع المسلمين في الفيء حقًّا ثابتا. قال العلماء: ينبغي أن يتخذ الإمام ديوانًا وهو دفتر فيه أسماء أهل الديوان وأعطياتهم (٣) (وعقد) عمر ﵁ (لأهل الأديان) ممن له كتاب أو شبهة كتاب (ذمة) أي: عهدًا وأمانًا وحرمة، وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم (بما) أي: بسبب ما (فرض عليهم من الجزية) فمن بذل الجزية في آخر كل حول لزم قبولها وحرم قتالهم؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ (٤)، فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم، فمتى بذلوها لم يجز قتالهم (لم يضرب فيها) أي: في الجزية يعني: لمن يتحرك في أخذها من ضربان عرق الرأس وهو التحرك بقوة (بخمس)

стр. 8171

أي: لا يصرف من الجزية والفيء خمس (ولا مغنم) جمعه مغانم، وهو ما حصل بقتال. [٢٩٦٢] (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (حدثنا زهير، حدثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف) بضم الغين المعجمة وفتح الضاد المعجمة مصغر، ويقال: غطيف (بن الحارث) الحمصي الكندي، وهو آخر صحابي (عن أبي ذر) جندب بن جنادة ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله تعالى وضع الحق على لسان عمر) بن الخطاب (يقول به) كما تقدم. * * *

стр. 8172

١٩ - باب في صَفايا رَسُولِ الله ﷺ مِنَ الأَمْوالِ ٢٩٦٣ - حدثنا الحَسَنُ بْن عَليٍّ وَمحَمَّد بْن يَحْيَى بْنِ فارِس المَعْنَى قالا: حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرانيُّ، حَدَّثَني مالِك بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثانِ قال: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ حِينَ تَعالَى النَّهارُ فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رِمالِهِ فَقالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: يا مال إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْياتٍ مِنْ قَوْمِكَ وَإِنّي قَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِشَيء فاقْسِمْ فِيهِمْ. قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ غَيْري بِذَلِكَ. فَقال: خذْهُ. فَجاءَه يَرْفَأ فَقال: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وَسَعْدِ بْنِ أَبي وَقّاصٍ؟ قال: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، ثُمَّ جاءَهُ يَرْفَأُ فَقال: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ في العَبّاسِ وَعَليٍّ؟ قال: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقالَ العَبّاسُ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْني وَبَيْنَ هذا -يَعْني: عَلِيّا- فَقالَ بَعْضُهُمْ: أَجَلْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُما وارْحَمْهُما. قالَ مالِك بْن أَوْسٍ: خُيِّلَ إِلَي أَنَّهُمَا قَدَّما أُولَئِكَ النَّفَرَ لِذَلِكَ. فَقالَ عُمَرُ ﵀: اتَّئِدا. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقالَ: أَنْشُدُكُمْ باللهِ الذي بإِذْنِهِ تَقُومُ السَّماء والأرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ؟ ". قالُوا: نَعَمْ. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَليٍّ والعَبّاسِ ﵄ فَقالَ: أَنْشُدُكُما باللهِ الذي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّماء والأَرْضُ هَلْ تَعْلَمانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ؟ " فَقالا: نَعَمْ. قال: فَإِنَّ اللهَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ بِخاصَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِها أَحَدًا مِنَ النّاسِ فَقالَ الله تَعالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَكانَ الله أَفاءَ عَلَى رَسُولِهِ بَني النَّضِيرِ فَواللَّهِ ما اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ وَلا أَخَذَها دُونَكمْ، فَكانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَأْخُذ مِنْها نَفَقَةَ سَنَةٍ، أَوْ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً وَيَجْعَلُ ما بَقيَ أُسْوَةَ المالِ. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقال: أَنْشُدُكمْ باللهِ الذي بإِذْنِهِ تَقُومُ السَّماء والأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قالُوا: نَعَمْ. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى العَبّاسِ وَعَليٍّ ﵄ فَقال: أَنْشدُكُما باللهِ الذي بِإِذْنِهِ

стр. 8173

تَقُومُ السَّماءُ والأرضُ هَلْ تَعْلَمانِ ذَلِكَ؟ قالا: نَعَمْ. فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَ أَبُو بَكْر: أَنا وَلىُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فجِئْتَ أَنْتَ وهذا إِلَى أَبي بَكْرٍ تَطْلُبُ أَنْتَ مِيراثَكَ مِنِ ابن أَخِيكَ وَيَطْلُبُ هذا مِيراثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيها، فَقالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ؟ " والله يَعْلَمُ إِنَّهُ لصادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابعٌ لِلْحَقِّ فَوَلِيَها أَبُو بَكْرٍ فَلَمّا تُوُفّيَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ: أَنا وَليُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ووَليُّ أَبي بَكْرٍ فَوَلِيتُها ما شاءَ اللهُ أَنْ أَلِيَها فَجِئْتَ أَنْتَ وهذا وَأَنْتُما جَمِيعٌ وَأَمْرُكما واحِدٌ فَسَأَلْتُمانِيها فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُما أَنْ أَدْفَعَها إِلَيْكُما عَلَى أَنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ اللهِ أَنْ تَلِياها بِالَّذي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلِيها فَأَخَذْتُماها مِنّي عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ جِئْتُماني لأَقْضيَ بَيْنَكُما بِغَيْرِ ذَلِكَ والله لا أَقْضي بَيْنَكُما بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السّاعَة فَإِنْ عَجَزْتُما عَنْها فَرُدّاها إِلَيَّ. قالَ أَبُو داوُدَ: إِنَّما سَأَلاه أَنْ يَكُونَ يُصَيِّرُه بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ لا أنَّهُما جَهِلا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: " لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ " فَإِنَّهُما كانا لا يَطْلُبانِ إِلا الصَّوابَ. فَقالَ عُمَرُ: لا أُوقِعُ عَلَيْهِ اسْمَ القَسْمِ أَدَعُهُ عَلَى ما هُوَ عَلَيْهِ (١). ٢٩٦٤ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسٍ بهذِه القِصَّةِ قال: وَهُما -يَعْني: عَلِيا والعَبّاسَ ﵄ يَخْتَصِمانِ فِيما أَفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولهِ مِنْ أَمْوالِ بَني النَّضِيرِ. قالَ أَبُو داوُدَ: أَرادَ أَنْ لا يُوقِعَ عَلَيْهِ اسْمَ قَسْمٍ (٢). ٢٩٦٥ - حدثنا عُثْمان بْنُ أَبي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -المَعْنَى- أَنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثانِ، عَنْ عُمَرَ قال: كانَتْ أَمْوالُ بَني النَّضِيرِ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولهِ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكابٍ، كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خالِصًا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ- قالَ ابن عَبْدَةَ: يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ - فَما بَقيَ جُعِلَ في الكُراعِ وَعُدَّة في سَبِيلِ اللهِ

стр. 8174

قالَ ابن عَبْدَةَ: في الكُراعِ والسِّلاحِ (١). ٢٩٦٦ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا إِسْماعِيل بْن إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا أَيُّوبُ، عَنِ الزُّهْريِّ قال: قال عُمَرُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قالَ الزُّهْريُّ: قالَ عُمَرُ: هذِه لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خاصَّةً قُرى عُرَيْنَةَ فَدَكَ وَكَذا وَكَذا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاسْتَوْعَبَتْ هذِه الآيَةُ النّاسَ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَاّ لَهُ فِيها حَقٌّ -قالَ أَيُّوبُ: أَوْ قالَ: حَظٌّ- إِلا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقّائِكمْ (٢). ٢٩٦٧ - حدثنا هِشامُ بْن عَمّارٍ، حدثنا حاتِمُ بْن إِسْماعِيلَ ح وَحَدَّثَنا سُلَيْمانُ ابْنُ داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني عَبْدُ العَزِيزِ بْبنُ محَمَّدٍ ح وَحَدَّثَنا نَصْرُ بْن عَليٍّ، حدثنا صَفْوان بْنُ عِيسَى -وهذا لَفْظُ حَدِيثِهِ- كُلُّهُمْ عَنْ أسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثانِ قال: كانَ فِيما احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ ﵁ أَنَّهُ قال: كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلاثُ صَفايا بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ، فَأَمّا بَنُو النَّضِيرِ فَكانَتْ حُبْسًا لِنَوائِبِهِ، وَأَمّا فَدَك فَكانَتْ حُبْسًا لأبناءِ السَّبِيلِ، وَأَمّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَها رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَجْزاءٍ جُزْءَيْنِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَجُزْءًا نَفَقَةً لأَهْلِهِ، فَما فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَه بَيْنَ فقَراءِ المُهاجِرِينَ (٣). ٢٩٦٨ - حدثنا يَزِيدُ بْن خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ الهَمْدانيُّ، حدثنا اللَّيْثُ بْنُ

стр. 8175

سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خالِدٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيراثَها مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْهِ بِالَمدِينَةِ وَفَدَكَ وَما بَقيَ مِنْ خمسِ خَيْبَرَ. فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا نُورَثُ ما تَرَكنا صَدَقَةٌ إِنَّما يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هذا المالِ ". وَإنِّي والله لا أُغَيِّرُ شَيئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ حالِها التي كانَتْ عَلَيْهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلأعمَلَنَّ فِيها بِما عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فاطِمَةَ ﵍ مِنْها شَيئًا (١). ٢٩٦٩ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ الِحمْصيُّ، حدثنا أَبِي، حدثنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْريِّ، حَدَّثَني عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ بهذا الحَدِيثِ قال: وَفاطِمَة ﵍ حِينَئِذٍ تَطْلُبُ صَدَقَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ التي بِالمَدِينَةِ وَفَدَكَ وَما بَقيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ. قالَتْ عائِشَةُ ﵂: فَقالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا نُورَثُ ما تَرَكنا صَدَقَةٌ وَإِنَّما يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ في هذا المالِ ". يَعْني: مالَ اللهِ، لَيسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى المَأْكَلِ (٢). ٢٩٧٠ - حدثنا حَجّاجُ بْن أَبِي يَعْقُوبَ، حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حدثنا أَبي، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابن شِهابٍ قال: أَخْبَرَني عُرْوَةُ أَنَّ عائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ بهذا الحَدِيثِ قالَ فِيهِ: فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَيْها ذَلِكَ وَقال: لَسْتُ تارِكًا شَيْئًا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلا عَمِلْتُ بِهِ، إِنّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ، فَأَمّا صَدَقَتهُ بِالَمدِينَةِ فَدَفَعَها عُمَرُ إِلَى عَليِّ وَعَبّاسٍ ﵃ فَغَلَبَهُ عَليٌّ عَلَيْها، وَأَمّا خَيْبَرُ وَفَدَك فَأَمْسَكَهُما عُمَرُ وَقال: هُما صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتا لِحُقُوقِهِ التي تَعْرُوهُ وَنَوائِبِهِ وَأَمْرُهُما إِلَى مَنْ وَليَ الأَمْرَ. قال: فَهُما عَلَى ذَلِكَ إِلَى اليَوْمِ (٣).

стр. 8176

٢٩٧١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا ابن ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْريِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ قال: صالَحَ النَّبيُّ ﷺ أَهْلَ فَدَكَ وَقُرى قَدْ سَمّاها لا أَحْفَظها وَهُوَ مُحاصِرٌ قَوْمًا آخَرِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ بِالصُّلْحِ قالَ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يَقُول: بِغَيْرِ قِتالٍ. قالَ الزُّهْريُّ: وَكانَتْ بَنُو النَّضِيرِ لِلنَّبيِّ ﷺ خالِصًا لَمْ يَفْتَحُوها عَنْوَةً، افْتَتَحُوها عَلَى صُلْحٍ، فَقَسَمَها النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، لَمْ يُعْطِ الأَنْصارَ مِنْها شَيْئًا، إِلا رَجُلَيْنِ كانَتْ بِهِما حاجَةٌ (١). ٢٩٧٢ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْن الجَرّاحِ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنِ المُغِيرة قال: جَمَعَ عُمَرُ بْن عَبْدِ العَزِيزِ بَني مَرْوانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَتْ لَهُ فَدَكُ، فَكانَ يُنْفِق مِنْها وَيَعُودُ مِنْها عَلَى صَغِيرِ بَني هاشِمٍ، وَيُزَوِّجُ مِنْها أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَها لَها فَأَبَى فَكانَتْ كَذَلِكَ في حَياةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ فَلَمّا أَنْ وَليَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَمِلَ فِيها بِما عَمِلَ النَّبيُّ ﷺ في حَياتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ فَلَمّا أَنْ وَليَ عُمَرُ عَمِلَ فِيها بِمِثْلِ ما عَمِلا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَقْطَعَها مَرْوانُ ثُمَّ صارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ -يَعْني: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ- فَرَأَيْت أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فاطِمَةَ ﵍ لَيْسَ لي بِحَقٍّ وَأَنا أُشْهِدُكُمْ أَنّي قَدْ رَدَدْتُها عَلَى ما كانَتْ، يَعْني: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قالَ أَبُو داوُدَ: وَليَ عُمَرُ بْنُ عَبدِ العَزِيزِ الِخلافَةَ وَغَلَّته أَرْبَعُونَ ألفَ دِينارٍ وَتوُفّيَ وَغَلَّتُهُ أَرْبَعْمِائَةِ دِينارٍ وَلَوْ بَقيَ لَكانَ أَقَلَّ (٢). ٢٩٧٣ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا مُحَمَّد بْن الفُضَيْلِ، عَنِ الوَليدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبي الطُّفَيْلِ قال: جاءَتْ فاطِمَة ﵂ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَطْلُبُ مِيراثَها مِنَ النَّبيِّ ﷺ قال: فَقالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ

стр. 8177

اللهَ إِذا أَطْعَمَ نَبِيّا طُعْمَةً فَهيَ لِلَّذي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ" (١). ٢٩٧٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا تَقْتَسِمُ وَرَثَتي دِينارًا ما تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسائي وَمُوْنَةِ عامِلي فَهُوَ صَدَقَهٌ". قالَ أَبُو داوُدَ: "مُوْنَةِ عامِلي" يَعْني: أكَرَةَ الأرضِ (٢). ٢٩٧٥ - حدثنا عَمْرُو بْنُ مَرْزوقٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبي البَخْتَريِّ قالَ: سَمِعْت حَدِيثًا مِنْ رَجُلٍ فَأَعْجَبَني فَقُلْتُ: اكْتُبْهُ لي فَأَتَى بِهِ مَكْتُوبًا مُذَبَّرًا: دَخَلَ العَبّاسُ وَعَليٌّ عَلَى عُمَرَ وَعِنْدَهُ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٌ وَهُما يَخْتَصِمانِ، فَقالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ: أَلمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "كُلُّ مالِ النَّبيَّ ﷺ صدَقَةٌ إِلَاّ ما أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكساهُمْ إِنّا لا نُورَثُ"؟ قالُوا: بَلَى. قال: فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ مِنْ مالِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ ثُمَّ تُوُفّيَ رَسُول اللهِ ﷺ فَوَلِيَها أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ فَكانَ يَصْنَعُ الذي كانَ يَصْنَعُ رَسُول اللهِ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ مالِكِ بْنِ أَوْسٍ (٣). ٢١٧٦ - حدثنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُروَةَ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّها قالَتْ: إِنَّ أَزْواج النَّبيِّ ﷺ حِينَ تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ إِلَى أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَسْألنَهُ ثُمُنَهنَّ مِنَ النَّبيِّ ﷺ فَقالَتْ لَهُنَّ عائِشَةُ: أَليْسَ قَدْ قالَ

стр. 8178

رَسُولُ اللْهِ ﷺ : "لا نُورَثُ ما تَرَكنا فَهُوَ صَدَقَةٌ" (١). ٢٩٧٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحيَى بْنِ فارِسٍ، حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حدثنا حاتِمُ بْن إِسْماعِيلَ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن شِهابٍ بإسْنادِهِ نَحْوَهُ قُلْتُ: أَلا تَتَّقِينَ اللهَ أَلم تَسمَعْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا نُورَثُ ما تَرَكنا فَهُوَ صَدَقَه وَإِنَّما هذا المالُ لآلِ مُحَمَّدٍ لِنائِبَتِهِمْ وَلِضَيْفِهِمْ فَإذا مِتُّ فَهُوَ إِلَى مَنْ وَليَ الأمْرَ مِنْ بَعْدي" (٢). * * * باب في صفايا رسول الله ﷺ [٢٩٦٣] (حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى) بن عبد الله (بن فارس) لا ينصرف، الذهلي النيسابوري شيخ البخاري (٣) (قالا: حدثنا بشر بن عمر الزهراني) بفتح الزاي وكسر النون، نسبة إلى زهران بن كعب بطن من الأزد، وبشر بصري (٤). (حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان) تقدم (قال: أرسل إلى عمر) بن الخطاب ﵁ (حين تعالى) بفتح التاء واللام المخففة (النهار) أي: أرتفع، وهو بمعنى رواية البخاري (٥): متع النهار. (فجئته، فوجدته جالسًا على سرير مفضيًا) بسكون الفاء وكسر الضاد المعجمة بوركه (إلى رماله) بضم الراء وكسرها. اقتصر المنذري على

стр. 8179

الكسر، أي: لم يكن بينه وبين السرير حائل يقيه آثار المنسوج في أعلى السرير، فإن أعلى السرير ينسج من شريط وحبال وسعف ونحوه، يريد: ليس عليه شيء (١) يدفع آثار ذلك من جسمه. (فقال حين دخلت عليه: يا مال) وقرئ يا مال بوجهين: ترخيم مالك في النداء كما يقال: يا حار بترخيم حارث (إنه قد دف) بتشديد الفاء بعد الدال المهملة، أي: أسرع إليَّ (أهل أبيات من قومك) أي: نزلوا بي مسرعين محتاجين للضر الذي نزل بهم، وأصله من الدفيف وهو السير السريع، وكان الذي ينزل به فاقة يسرع المشي في حاجته؛ لينجلي عنه ضرره، كأنهم جاؤوا مسرعين لضر أصابهم. (وقد أمرت فيهم بشيء) أي: أمرت لهم بشيء من العطاء (فاقسم) هذا العطاء (فيهم. قلت) يا أمير المؤمنين (لو) للعرض أو للنهي كما تقدم (أمرت غيري بذلك، فقال: خذه) زاد في الصحيحين (٢): فاقسمه بينهم، زاد البخاري (٣): أيها المرء (٤) فبينا أنا جالس عنده (فجاءه) حاجبه (يرفأ) بفتح المثناة تحت وسكون الراء وتخفيف الفاء مقصور، ويقال: مولى عمر وصاحب إذنه وحاجبه منصرف. (فقال: يا أمير المؤمنين هل لك) رغبة (في) دخول (عثمان بن عفان

стр. 8180

وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص؟ ) عليك يستأذنون؟ (قال: نعم، فأذن لهم) في الدخول عليه (فدخلوا) زاد البخاري (١): فسلموا فجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرًا (ثم) خرج، و (جاء يرفأ فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في) دخول (العباس) بن عبد المطلب (وعلي؟ ) بن أبي طالب عليك فإنهم يستأذنون. (قال: نعم فأذن لهم فدخلوا) رواية: فدخلا، وللبخاري: فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا (فقال العباس: اقض بيني وبين هذا، يعني: عليًّا) زاد البخاري: وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ﷺ من بني النضير (فقال بعضهم) أي: بعض الرهط الحاضرين وهو عثمان ﵁ (أجل) بسكون اللام المخففة بمعنى نعم. (يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرحهما) لفظ البخاري: وأرح أحدهما من الآخر (قال مالك بن أوس) بن الحدثان (خيل) بضم الخاء المعجمة مبني للمجهول، ولمسلم (٢): يخيل بزيادة الياء أوله (إلى أنهما) يعني: العباس وعلي (قدما) مجيء (أولئك النفر) يعني: عثمان ومن معه الذلك) يعني: لأجل أن يشفعوا عند عمر في الفصل بينهما. (فقال عمر) ﵀: (اتئدا) بتشديد التاء (٣) المفتوحة أي: اصبرا وأمهلا (ثم أقبل على أولئك الرهط) يعني: عثمان ومن معه (فقال: أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أسألكم بالله تعالى، نشدتك

стр. 8181

الله و (بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض) أي: بأمره تدوم وتبقى السماوات السبع والأرض السبع إلى يوم القيامة إن نزلت عن حالهن ولم يتغيرن (هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث؟ ) القرطبي: جميع الرواة لهذِه اللفظة في الصحيحين وفي غيرهما يقولون: "نحن لا نورث" بالنون، وهي نون جماعة الأنبياء ﵈ كما قال قبله: "نحن معاشر الأنبياء" (ما تركنا) في موضع رفع بالابتداء (صدقة) مرفوع على أنه خبر المبتدأ والكلام جملتان: الأولى: فعلية، والثانية: اسمية، وحذفت الواو العاطفة بينهما، وقد صحف بعض الشيعة فقال: لا يورث بالياء وما تركنا صدقةً بالنصب، وجعل الكلام جملة واحدة على أن لا يجعل (ما) مفعولا (١) لم يسم فاعله، وصدقة نصب على الحال، ويكون معنى الكلام: إنما نتركه صدقة لله تعالى لا يورث عنا (٢). وإنما أراد النبي ﷺ بعدم الميراث نفسه؛ لأنه لا يرثه أحد (فقالوا: نعم) قد قال ذلك، واعتراف العباس وعلي بصحة قوله ﵇: "لا نورث (٣) ما تركناه صدقة" بعد سؤالهما عن علم ذلك إذعانًا للحق وتسليمًا له، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد أن قولهما: نعم. اتقاء وخوفًا على أنفسهما. ووجه بطلان هذا ما علم من صلابتهما في الدين وقوتهما، ولما علم

стр. 8182

من عدل عمر؛ ولأن المحل محل مناظرة ومباحثة عن حكم مال، وليس فيه ما يقوله أهل الضلال من الشيعة (ثم أقبل) عمر (على على) بن أبي طالب (والعباس) ﵄ (فقال: أنشدكما بالله) مأخوذ من النشيد وهو رفع الصوت (الذي بإذنه) بأمره (تقوم) تمسك وتدوم (السماء والأرض) أن تزولا (هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: ) نحن معاشر الأنبياء (لا نورث ما تركنا صدقة؟ ) توضحه رواية المصنف الآتية: "ما تركناه فهو صدقة" يعني: لا تورث عني، بل يصرف في مصالح المسلمين، وقيل: كان النبي ﷺ قد تصدق به (فقالا: نعم) هذا نص منهما على صحة ما سألهما عنه وتصديقهما على ذلك (قال: فإن الله خص رسوله ﷺ ) في مال النضير (بخاصة لم يخص بها أحدًا من الناس) ممن كان معه في ذلك الجيش، ولفظ البخاري (١): قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، يعني: بل خص به الفيء كله، وهذا مذهب الجمهور. وقيل: ما خصه به هو حيث حلل الغنيمة له، ولم تحل لسائر الأنبياء قبله. (فقال الله تعالى) لفظ البخاري: ثم قرأ (﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾) أي: رد عليه من أموال الكفار، من فاء يفيء إذا رجع وآتاه الله (﴿مِنْهُمْ﴾) من يهود بني النضير (﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾) من وجف الفرس إذا أسرع سيره، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع (﴿عَلَيْهِ﴾) أي: على ما أفاء الله (﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾) وهي الإبل التي تحمل

стр. 8183

القوم، واحدتها راحلة (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾) دون أن يقطع المسلمون إليها مسافة ولا فارقوا أوطانهم في تحصيله، بل أوقع الله في قلوب بني النضير ما أوقع حين خرجوا من أوطانهم ورباعهم وتركوها (﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾) (١) فكان الله) تعالى هو الذي (أفاء) أي: رد (على رسوله) ﷺ أموال (بني النضير فوالله ما أستأثر بها) أي: اختص (عليكم ولا أخذها دونكم) لنفسه خاصة. (فكان رسول الله ﷺ يأخذ منها) من أموال بني النضير (نفقة سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة) أي: يعزل نفقة السنة لهم، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير ولا تتم عليه السنة، ولهذا توفي ﷺ ودرعه مرهونة على شعير (٢) استدانه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعًا (٣)، وفيه جواز ادخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال وأن ذلك لا يقدح في التوكل (ويجعل ما بقي) من ذلك كله (أسوة) أمثاله من (المال) يصرفه في ثمن السلاح والكراع، يعني: الخيل المعدة لسبيل الله وفي مصالح المسلمين. (ثم أقبل) عمر ﵁ (على أولئك الرهط) يعني: عثمان ومن معه (قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ذلك؟ ) لجميعه (قالوا: نعم) فيه استشارة الإمام من حضره من أهل العلم والفتيا والقضاء على ما يقوله بحضرة الخصمين؛ لتقوى حجته في إقامة الحق

стр. 8184

وقمع الخصم ودفع التهمة (ثم أقبل على العباس) بن عبد المطلب (وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمان ذلك؟ ) وتحفظانه (قالا: نعم) فيه استعلام الخصمين بما حكم به، فإنهما إذا صدّقا كان أبين وأبعد عن التهمة. (فلما توفي رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر ﵁ أنا ولي رسول الله ﷺ ) من بعده في أمور المسلمين (فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب ميراثك من) رسول الله ﷺ فإنه (ابن أخيك) عبد الله بن عبد المطلب (ويطلب هذا ميراث امرأته) فاطمة (من أبيها) ﷺ ولم يطلبا الخمس من الفيء، وإنما طالبا بميراثهما مما كان لرسول الله ﷺ خاصا به مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وتركه النبي ﷺ صدقة من بعد وفاته]. (فقال أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﷺ : لا نورث ما تركنا صدقة) على سبيل البر والصلة (والله يعلم أنه) بفتح الهمزة لأن اللام ليس في خبرها (صادق) فيما قاله (بار) بتشديد الراء، أي: طائع لربه (راشد) يعني في أموره، واقف على سنن السداد (تابع للحق) فيما قاله وقصده، فلما سمعاه أذعنا وسلما وسكتا. (فوليها أبو بكر) بفتح الواو وكسر اللام المخففة، أي: ولي النظر في أموال بني النضير والعمل بها، وأخذها من وجهها وصرفها في مواضعها. (فلما توفي) أبو بكر (قلت) يعني: قال عمر: (أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر) من بعده (فوليتها ما شاء الله) تعالى (أن أليها) وهو سنتان؛ لما رواه البخاري ولفظه: فقبضتها سنتين (١) من إمارتي، أعمل فيها بما

стр. 8185

عمل رسول الله ﷺ وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق. (فجئت أنت وهذا) يعني: العباس وعلي (وأنتما جميع) أي: متفقين غير مختلفين، ولفظ البخاري: ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة (وأمر كما واحد) قال القرطبي وغيره (١): وعنده لم يطلبا بحكم الميراث، ولا طلبا أن يتملكا ما ترك النبي ﷺ من أموال بني النضير، بل سألاه أن يقسمها بينهما حتى يشتغل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يده منها، فخاف أن يظن طلب ذلك ميراثًا فيكون موافقًا لقسمة المواريث، فإن من ترك بنتًا وعضًا كان المال بينهما نصفين، للبنت النصف بالفرض، وللعم النصف بالتعصيب، فأراد عمر حسم الذريعة (٢). (فسألتمانيها (٣) فقلت: إن شئتما أن أدفعها إليكما على أن عليكما) أي: بشرط أن يكون عليكما (عهد الله أن) بنصب الدال اسم (أن) وزاد البخاري: وميثاقه أن (تلياها) وتعملا فيها (بالذي كان رسول الله ﷺ ) حيث (يليها) [يعمل فيها، وبالذي كان أبو بكر حيث وليها يعمل فيها] (٤) (فأخذتماها مني على ذلك) زاد مسلم (٥): قال: أكذلك؟ قالا: نعم. يعني: أخذاها على العمل بأحكامهما، فدفعها إليهما على ذلك،

стр. 8186

وعلى أن لا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشير ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شق عليهما العمل فيها مجتمعين، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدهما أن يشتغل بأدنى عمل حتى يحضر الآخر ويساعده، فلما شق عليهما ذلك جاءا عمر مرة ثانية. (ثم جئتماني لأقضيَ بينكما بغير ذلك) القضاء (والله لا أقضي بينكما بغير ذلك) القضاء (حتى تقوم الساعة) فيه أن القاضي إذا قضى بحكم لا ينقضه إلا إذا خالف نصًا صريحًا أو قياسًا جليًّا (فإن عجزتما عنها فرداها إلى) يعني: لما جاءا إليه مرة ثانية يطلبان منه أن يقضي بغير ذلك القضاء، فإنهما طلبا أن يقسمها بينهما حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر والعمل فيما يكون في يده، فأبى عمر من ذلك وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظانٌّ أن ذلك قسمة ميراث رسول الله ﷺ كما تقدم، فيعتقد بطلان قوله: "لا نورث". كما تقدم. (قال المصنف: إنما سألاه أن يكون يصيره) بتشديد التحتانية (بينهما نصفين) حتى يستقل كل منهما بالنظر فيما يكون في يده منها (لا أنهما جهلا أن النبي ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة) فإن ذلك مما اشتهر بين الصحابة واتضح أمره، وحاشاهما أن يعدلا عما ورد النهي عنه؛ (فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب). قال الطبري: لا يخلو طلبهما من أحد وجهين: إما أن يطلب كل واحد منهما أن ينفرد بالعمل كله، أو ينفرد بنصيبه (١) وفرا من الإشاعة لما يقع بين العمال من التنازع والاختلاف.

стр. 8187

(فقال عمر ﵁: لا أوقع عليه اسم القسم) بفتح القاف، يعني: القسمة؛ لأن سنة الأوقاف أن لا تقسم بين أهلها، وإنما تقسم غلاتها، فلذلك حلف أن لا أقسمها بنسبة المواريث، بل (أدعه على ما هو عليه) قبل ذلك من الإجمال. [٢٩٦٤] (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري البصري شيخ مسلم (حدثنا محمد بن ثور) الصنعاني العابد، سئل عنه أبو حاتم فقال: الفضل والعبادة والصدق (١) (عن معمر، عن الزهري، عن مالك ابن أوس) بن الحدثان (بهذِه القصة) المذكورة (قال) هنا: (وهما -يعني: عليا والعباس ﵄ يختصمان فيما أفاء الله على رسول الله) ﷺ (من أموال بني النضير) لفظ البخاري (٢): من بني النضير، ولم يذكر الأموال. والظاهر أن الذي تنازعا فيه هو الأرض التي بالمدينة، فإنه كان أجلاهم عنها وكف عن دمائهم، وجعل لهم ما حملته الإبل من أموالهم إلا الحلقة -يعني: السلاح- وخلصت له أرضهم إلا ما كان اثنين أسلما قبل الظفر فأحرز الإسلام جميع أموالهما، وقسم ﵇ ما سوى الأرضين من أموالهم على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرًا فأعطاهما، وحبس الأرض على نفسه فكانت من صدقاته يضعها حيث يشاء، ثم سلمها عمر لعلي والعباس ليقوما بمصرفها كما ذكره الماوردي في "الأحكام

стр. 8188

السلطانية" (١) وغيره. وليس رواية البخاري مخالفة لرواية المصنف ولا لما تقدم فإن الأرض مال أيضًا. (قال أبو داود: أراد أن لا يوقع عليه اسم قسم). [٢٩٦٥] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبدة) الآمُلي (٢) صدوق (المعنى، أن سفيان بن عيينة أخبرهم، عن عمرو بن دينار، عن) محمد بن شهاب (الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر) بن الخطاب ﵁ (قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله) أي: رد (على رسوله) ﷺ من أموال الكفار، وهذا يدل على أن الأموال إنما كانت للمسلمين بالأصالة ثم صارت للكفار بغير الوجوه الشرعية، وكأنهم لم يملكوا ملكًا صحيحًا لكن لهم شبهة ملك إذ قد أضاف الله إليهم أموالًا كما أضاف إليهم أولادًا فقال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ (٣)، وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا أسلم وبيده مال لا ينتزع منه كما سيأتي (مما لم يوجف) أي: يسرع (المسلمون عليه بخيل ولا ركاب) وهي الإبل (وكانت لرسول الله ﷺ خالصًا) أي: خاصة به، وفيه حجة لمالك في أن الفيء لا يقسم، وإنما جميعه موكول لاجتهاد الإمام يصرفه في المصالح (٤).

стр. 8189

وله خلاف في الخمس، فمالك لا يقسمه، وأبو حنيفة يقسمه أثلاثًا، والشافعي يقسمه أخماسًا (١). (ينفقه على أهل بيته) ثم بينه (قال) أبو عبد الله أحمد (بن عبدة) في روايته: (ينفق على أهله قوت سنة) (٢) أي: يعطيهم قوت سنتهم كما في البخاري (٣) أنه ﵇ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنته، والتقدير: يبيع ثمر نخل، وقد تقدم (فما بقي) بكسر القاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ (٤) (جُعِل) بضم الجيم وكسر العين (في الكراع) بضم الكاف اسم لجميع الخيل، والسلاح ما عددته للحرب من آلة مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحًا (و) جعله (عدة) يدخل فيه الزاد وما يحمله عليه (في سبيل الله) كما تقدم [قال ابن عبدة: في الكراع والسلاح] (٥). [٢٩٦٦] (حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الإمام (حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمر) هذا الحديث منقطع الإسناد، فإن الزهري لم يدرك عمر (٦) ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ من أموال الكفار ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ وقال الزهري: قال عمر: هذِه لرسول الله ﷺ خاصة) أي: خصه بالفيء ليأكله أو بعضه؛ لأن

стр. 8190

عمر استشهد بالآية (قرى عرينة) بضم العين وفتح الراء مصغر عرنة، وتشديد الياء (١) منسوب إلى العرب (٢)، كذا قال البكري في "معجم البلدان" (٣)، قال: وهو على الإضافة لا ينصرف، قال: كتب أبو عبيد الله كاتب المهدي: قرى عرنية فنَوّنَ ولم يضف، فقال شبيب بن شيبة: إنما هي قرى عرنية غير منونة، فقال أبو عبد الله لقتيبة الجعفي الكوفي: ما تقول؟ فقال: إن كنت أردت القرى التي بالحجاز يقال لها: قرى عرنية، فإنها لا تنصرف، وإن كنت أردت قرى من قرى السواد فهي تنصرف، فقال: إنما أردت التي بالحجاز، قال: هو كما قال شبيب. وذكر البخاري في "تاريخه": حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا حسين بن إسماعيل، حدثني درباس وعمرو ابنا دجاجة عن أبيهما: أنه خرج فأتى عثمان فقال عثمان: لا يسكن قرى عرنية دينان (٤). (فدك) بفتح الفاء والدال قرية معروفة بينها وبين المدينة يومان، وحصنها يقال له: الشمروخ، وأكثر أهلها أشجع (٥) (و) قرية (كذا وكذا) يعني ينبع وخيبر، ثم استشهد بالآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني: من أموال كفار أهل القرى، قال ابن عباس:

стр. 8191

هي قريظة والنضير (١) ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) (٢) وقوله تعالى: (و ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾) هذا بيان للمساكين الذين لهم حق المهاجرين من مكة إلى المدينة ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾) (٣) يعني: أن كفار أهل مكة أخرجوهم من مكة، وقوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾) يعني المدينة دار الهجرة بوأها (٤) الأنصار قبل المهاجرين (﴿وَالْإِيمَانَ﴾) عطف الإيمان على الدار في الظاهر لا في المعنى؛ لأن الإيمان ليس بمكان تبوأ، والتقدير: وآثروا الإيمان أو اعتقدوا الإيمان (﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾) (٥) من قبل الأنصار. وقوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾) أي: والتابعين الذين يجيئون (﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾)) (٦) إلى يوم القيامة أي: من بعد المهاجرين والأنصار (فاستوعبت هذِه الآية) يعني: الذين جاؤوا من بعدهم جميع (الناس) يعني: كل من يجيء من بعدهم من المؤمنين، ففهم عمر ﵁، وناهيك من لفظة الذين عموم كل من يأتي من بعد المهاجرين والأنصار، وفي هذا دلالة على ما قاله جمهور الأصوليين: أن اللفظة الواحدة تدل على عموم المعاني حقيقة، خلافًا لمن منع عموم صيغ الألفاظ المفردة، وعزي للأشعري (٧) (فلم يبق أحدٌ من المسلمين إلا وله فيها حق) وظاهر كلام عمر في هذا يدل على أن لجميع المسلمين في

стр. 8192

الفيء حقًّا، وقال أيضًا: ما أحد إلا وله في هذا المال حق (١). (قال أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني في روايته (أو قال) عمر: إلا وله فيها (حظ) أي نصيب (إلا بعض من تملكون) فيه حذف تقديره تملكونهم (من أرقائكم) بتشديد القاف جمع رقيق. هذا مذهب عمر بن الخطاب، فإنه لما ولي الخلافة فاضل بين الناس في العطاء من الفيء، وأخرج العبيد من الأخذ من الفيء، وكذا ذكر عن عثمان ﵁ أنه فاضل في القسمة. وأما مذهب أبي بكر وعلي فسووا بين الناس في العطاء، وأعطوا العبيد حتى قال عمر لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ فقال: يا عمر، إنما عملوا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ (٢). [٢٩٦٧] (حدثنا هشام بن عمار قال: أنبأنا حاتم بن إسماعيل) الكوفي، سكن المدينة (٣) (وحدثنا سليمان بن داود) بن حماد الفقيه على مذهب مالك، قال النسائي: ثقة (٤) (المهري) بفتح الميم نسبة إلى مهرة بن حيدان، قبيلة كبيرة من قضاعة (٥) (أخبرنا) عبد الله (بن وهب، أخبرني عبد العزيز بن محمد) الدراوردي.

стр. 8193

(وحدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أنبأنا صفوان بن عيسى) القرشي الزهري، قال محمد بن سعد: كان ثقةً صالحًا (١). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). واستشهد به البخاري (٣)، وروى له في الأدب (٤) (وهذا لفظ حديثه) والثلاثة (كلهم عن أسامة بن زيد) الليثي، أخرج له مسلم (عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كان فيما احتج به عمر) بن الخطاب (﵁) على علي بن أبي طالب والعباس حين اختصما في الصفايا التي أفاء الله على رسوله (أنه قال: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا) جمع صفية، مثل عطايا جمع عطية، وهي ما يصطفيه المرء لنفسه من المغنم قبل القسمة أي: يختاره (٥). قال الشاعر: لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول (٦) والنشيطة: ما يغنمه الغزاة في الطريق وقبل البلوغ إلى الموضع الذي قصده (٧)، والمرباع: ربع الغنيمة (٨)، والفضول: بقايا تفضل من الغنيمة ولا تستقيم قسمته على الجيش لقلته (٩).

стр. 8194

(بني النضير) (١) أي: أرضه من أموال بني النضير بالمدينة، وهي أول أرض أفاء الله على رسوله (وخيبر) وهي ثلاث حصون من خيبر: أحدها: يسمى الكتيبة بضم الكاف وفتح المثناة فوق مصغر (٢)، والثاني: الوطيح بفتح الواو وكسر الطاء وبالمهملة (٣)، والثالث: السلالم بضم السين وقيل بفتحها، حكاهما في "النهاية" (٤)، قال: ويقال فيه أيضًا: السلاليم (وفدك) يعني ونصف أرض فدك بفتح الدال كما تقدم، فإن رسول الله ﷺ لما افتتح خيبر خافوه فصالحوه على أن النصف من أرضهم ونخيلهم يعاملهم عليه، والنصف الآخر له، فصار النصف من صدقاته التي تركها إلى أن أجلاهم عمر، فقوم مالك بن التيهان وزيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة (٥) النصف من فدك، فبلغ ذلك (٦) ستين ألف درهم، ودفع لهم فصارت نصفها من صدقاته ﵇ ونصفها الآخر لكافة المسلمين، ومصرف النصفين الآن سواء. قاله الماوردي في "الأحكام السلطانية" (٧). (فأما) أرض (بنو النضير فكانت حبسًا) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة أي: وقفًا على نفسه يضعها حيث يشاء ويصرفها (لنوائبه) النوائب جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحاجات والحوادث، وقد نابه الشيء ينوبه نوبةً وإنابة إذا قصده مرة

стр. 8195

بعد أخرى. وكان ينفق منها على أزواجه ثم سلمها عمر لعلي والعباس كما تقدم. (وأما) نصف أرض (فدك فكانت حبسًا) بضم الحاء كما تقدم الأبناء السبيل) فكان يدخره لمن نزل به من الوفود وأبناء السبيل. (وأما) أرض (خيبر فجزأها رسول الله) ﷺ (ثلاثة أجزاء) وقال ابن سعد: أمر رسول الله ﷺ وبغنائم خيبر فجمعت واستعمل فيها فروة (١) ابن عمرو البياضي، ثم أمر بذلك فجزأ خمسة أجزاء وكتب في سهم منها لله، وسائر السهام أغفال (٢) (٣). قال ابن سيد الناس: وليس لقول أبي عمر أنه قسم جميع أرضها بين الغانمين وجه؛ لمعارضته لنص الخبر (٤). (جزءين) منها يصرف (للمسلمين) (٥) في مصالحهم (وجزءًا) يرصده (نفقة لأهله) قوت كل سنة كما تقدم (فما فضل) بفتح الضاد (عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين) الذين هجروا ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله ورضوانه وارتحلوا إلى المدينة الشريفة التي هي دار الهجرة، وفيه تقديم الزوجات على الفقراء والمساكين؛ لأن نفقتهم واجبة في مقابلة عوض، وفيه تقديم من سبق إسلامه على غيره، فإن المهاجرين سبقوا الأنصار في
следующие страницы →