← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

السبيل، وهو قول أبي حنيفة (١)، وهو مروي عن ابن عباس أنه قال: إن أبا بكر وعمر قسما الخمس على ثلاثة أسهم (٢)، ونحوه حكي عن الحسن ابن محمد ابن الحنفية. وأجيب بأن قول أبي حنيفة مخالف لظاهر الآية فإن الله سمى لرسوله وقرابته شيئًا وجعل لهما في الخمس حقًّا كما سمى الثلاثة الأصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف ظاهر لفظ الكتاب (٣). (قال: وكان أبو بكر ﵁ يقسم) يعطي (الخمس) المذكور (نحو قسم رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ كما كان يعطيهم رسول الله ﷺ . وكان عمر) بن الخطاب ﵁ (يعطيهم ومن كان بعده منهم) كعثمان بن عفان ومن بعده كما تقدم. [٢٩٨٠] (حدثنا مسدد، حدثنا هشيم) بن بشير السلمي (عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أخبرني جبير بن مطعم قال) جبير: (فلما) رواية: لما (كان) هي التامة، أي: فلما وجد (يوم خيبر) رواية: حنين (وضع رسول الله ﷺ سهم ذي القربى) يعني: قربى رسول الله ﷺ (في بني هاشم وبني المطلب) ابني عبد مناف (وترك بني نوفل وبني عبد شمس) قال البخاري: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة؛ لأن أمهم عاتكة بنت

стр. 8227

مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم (١) (٢)، انتهى. قال ابن بطال: هذا الحديث حجة على أن ذا القربى الذي يسهم لهم الخمس هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصة دون سائر قرابة رسول الله ﷺ ، وبه قال أبو ثور (٣). وقال ابن الحنفية: سهم ذي القربى لنا أهل البيت. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنهم بنو هاشم خاصة، وقال أصبغ بن الفرج: اختلف في ذلك، فقيل: هم قرابة الرسول ﵇ خاصةً، وقيل: قريش كلها، قال: ووجدت في "معاني الآثار" أنهم آل محمد (٤). وسيأتي له مزيد. (فانطلقت أنا وعثمان بن عفان) ﵄ (حتى أتينا النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم) بن عبد مناف (لا ننكر فضلهم) على غيرهم (للموضع) رواية أحمد (٥): لمكانك (الذي وضعك الله) تعالى (به منهم) من القرب حازوا به الشرف والفضيلة العظمى لهم ولكل من جاء من بعدهم من نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة (فما بال إخواننا) الذين هم (بنو المطلب) بن عبد مناف (أعطيتهم وتركتنا) وقرابتهم (وقرابتنا) منك (واحدة. فقال رسول الله ﷺ : إنا) بكسر الهمزة وتشديد النون أصلها إننا نحن (وبنو المطلب) (٦) قيل: لا يجوز غير هذا الذي رواه

стр. 8228

الأنصاري ([لا نفترق في جاهلية ولا) في (إسلام) ورواه الشافعي (١) وأحمد (٢) وقال البرقاني] (٣): هو على شرط مسلم (٤). ونبه ﷺ على أن سبب استحقاق بني المطلب للنصرة في القرابة فرعى لهم حقهم نصرتهم وموافقتهم بني هاشم كما في شأن الصحيفة حين كتبتها قريش على أن لا يجالسوا بني هاشم ولا يبايعوهم ولا يناكحوهم، وبقوا على ذلك سنة، ولم يدخل في بيعتهم بنو المطلب، بل خرجوا مع بني هاشم في بعض الشعاب (وإنما نحن وهم شيء) تقدم أن فيها لغتان بالسين المهملة والمعجمة (واحد) يعني: في النسب (وشبك بين أصابعه) إشارة إلى أن أنسابهم دخل بعضها في بعض واتصل به كما دخل أصابع اليدين بعضها في بعض بالتشبيك كما تدخل لحمة الثوب في سداته وتصير كالشيء الواحد؛ لما بينهما من المداخلة الشديدة (٥). [٢٩٨١] (حدثنا الحسين (٦) بن علي) بن الأسود، قال أبو حاتم: صدوق (٧) (العجلي) بكسر العين وسكون الجيم، نسبة إلى بني عجل

стр. 8229

بن لجيم بن صعب، بطن من نذار (حدثنا وكيع، عن الحسن بن صالح) الهمداني، أخرج له مسلم (عن السدي) وهو إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، أنه سئل (في ذي القربى) الذي يسهم لهم في الخمس (قال: هم بنو عبد المطلب) قال بعضهم: إنما خصهم للنصرة في القرابة، يعني: كما تقدم: "إنا لم نختلف في جاهلية ولا إسلام"، وقيل: لو كان ذلك بحسب النصرة فقط لكان بنو هاشم أولى الناس (١). [٢٩٨٢] (حدثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري شيخ البخاري (حدثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني يزيد بن هرمز) بضم الهاء والميم وهو منصرف وإن كان لفظه أعجميًّا لسدس (٢)، وكان يزيد هذا غفاريًّا؛ لأنه مولى أبي ذياب وأبو ذياب من غفار، وكان رأس الموالي يوم الحرة، وهو والد عبد الله بن يزيد بن هرمز من معلم مالك بن أنس، ويزيد أخرج له مسلم هذا الحديث (٣). (أن نجدة) بفتح النون، ابن عامر (الحروري) بفتح الحاء المهملة، نسبة إلى حروراء موضع أو قرية بظاهر الكوفة. قال السمعاني (٤): على ميلين من الكوفة كان اجتماع أول الخوارج فيها، يعني: حين تعاقدوا على مذهبهم (حين حج) سنة اثنين وسبعين (في) السنة التي كان فيها (فتنة) عبد الله (ابن الزبير) بن العوام (٥) حين

стр. 8230

افتتن فيها، أي: امتحن وابتلي بالحصار في الكعبة والقتال، وكان الحجاج وفد لحصاره من أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنين وسبعين وحج بالناس الحجاج في ذلك العام ووقف بعرفة، ولم يطوفوا بالبيت في تلك الحجة فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يومًا إلى أن قتل نصف جمادى الآخرة (أرسل إلى) عبد الله (بن عباس يسأله عن سهم ذي القربى) أي: قربى رسول الله ﷺ المذكور في الآية (ويقول) له فيما كتب إليه (لمن تراه) أي: لمن ترى الخمس مستحقًّا، ورواية مسلم: عن الخمس لمن هو، وفيها: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال (١). قال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه، كتب إليه نجدة: أما بعد فأخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ . الحديث بطوله. قال النووي: قول ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه، معناه: أن ابن عباس كان كره نجدة لبدعته وهي كونه مع الخوارج الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ولكن لما سأله عن العلم لم يمكنه كتمه فاضطر إلى جوابه (٢). (قال ابن عباس) هو (لقربى رسول الله ﷺ قسمه لهم رسول الله ﷺ )

стр. 8231

في حياته، ولفظ مسلم: وإنا كنا نرى أن قرابة رسول الله ﷺ هم، ولفظ النسائي: هو لنا أهل البيت (١). قال النووي: سأله عن خمس خمس الغنيمة الذي جعله الله لذي القربى (٢). قال الشافعي مثل قول ابن عباس وهو أن خمس الخمس من الفيء والغنيمة يكون لذي القربى، وهم عند الشافعي والأكثرين بنو هاشم وبنو المطلب (٣). قال القرطبي: الخمس المسؤول عنه هو خمس الخمس لا خمس الغنيمة، ولا يقول ابن عباس ولا غيره أن خمس الغنيمة يصرف في القرابة وإنما يصرف إليهم خمس الخمس على قول من يصرف خمس الغنيمة خمسة أخماس على مذهب الشافعي، وهو الذي أشار إليه ابن عباس وهو مذهب ابن حنبل (٤). (وقد كان عمر) بن الخطاب (عرض علينا من ذلك) الخمس (عرضًا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله) منه. زاد النسائي (٥): وكان الذي عرض الخمس أن يعين ناكحهم ويقضي عن غارمهم ويعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. وفي رواية له (٦): وقد كان عمر

стр. 8232

دعانا إلى أن ننكح منه أيمنا ويحذي منه عائلنا ونقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا وأبى ذلك فتركناه عليه، انتهى. يعني: أنه أبي أن يصرف ذلك جميعه إليهم، بل يصرف ما يحتاجون إليه والباقي يصرفه في المصالح للمسلمين. [٢٩٨٣] (حدثنا عباس) بالموحدة والسين المهملة (بن عبد العظيم) العنبري من حفاظ البصرة شيخ مسلم، وروى عنه البخاري تعليقًا (١) (حدثنا يحيى بن أبي بكير) العبدي قاضي كرمان (٢) (حدثنا أبو جعفر) عيسى بن أبي عيسى ماهان (الرازي) أخرج له البخاري في كتاب "الأدب" (٣) (عن مطرف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: ولاني رسول الله ﷺ خمس الخمس) قال ابن تيمية (٤) في "المنتقى": فيه دليل على أن (٥) مصارف الخمس خمسة. خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه أن الخمس يثلث يعني: يعطى لثلاثة وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل (٦). وخلافًا لمن قال: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم لله تعالى، وسهم لرسوله؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فعد ستة، وجعل الله تعالى لنفسه

стр. 8233

سهمًا سادسًا وهو مردود على عباد الله أهل الحاجة (١) (فوضعته مواضعه) في (حياة رسول الله ﷺ ) في زمن (حياة أبي بكر و) في (حياة عمر) ﵄ (فأتي بمال) من خمس الخمس (فدعاني فقال: خذه) تصرف (فقلت) والله (لا أريده. قال: خذه فأنتم) أهل البيت (أحق به) من غيركم (قلت: قد استغنينا عنه) أي: عن أخذه بغيره فأخذه (فجعله في بيت المال) أي: في بيت مال المسلمين يصرف في مصالحهم على ما يراه الإمام. [٢٩٨٤] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا) عبد الله (ابن نمير) الهمداني (حدثنا هاشم بن البريد) بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الكوفي ثقة، وهو والد علي البزار (٢) (حدثنا حسين (٣) بن ميمون) الخندفي بكسر الخاء المعجمة والدال، والفاء الكوفي، توفي سنة ١١٨ (عن عبد الله بن عبد الله) الرازي، قاضي الري، وثقه ابن حنبل وغيره (٤) (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليًّا) ﵁ (يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة) بن شراحيل القضاعي حب رسول الله ﷺ ومولاه (عند النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس) الذي لنا (في كتاب الله) تعالى (فأقسمه) بفتح الميم نصب عطفًا على توليني في أيام (حياتك) لـ (كي لا ينازعني أحد بعدك) في حقي

стр. 8234

منه (فافعل) ذلك (قال: ففعل ذلك) وأعطاني ولايته (فقسمته) في مصارفه (حياة رسول الله ﷺ ثم ولانيه) بعد رسول الله ﷺ (أبو بكر) الصديق ﵁ واستمر في ولايتي (حتى كانت آخر) بالرفع (سنة من سنين (١) عمر) هذِه لغة في سنين، وهي أن لا تسقط نونها للإضافة؛ لأنها حرف إعراب فهي كنون غسلين، ومنه قول الشاعر: [دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا] (٢) والياء على هذِه اللغة لامة واللغة المشهورة أن تعرب إعراب جمع المذكر السالم، وبالوجهين جاء قوله ﵇: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (٣) بحذف النون للإضافة كما يحذف في بني زيد، وبالوجهين ورد هنا من سني عمر (فإنه أتاه مال كثير) من الخمس (فعزل حقنا) منه (ثم أرسل إلى) فقال: خذ حقكم (فقلت) إن (بنا عنه) أي: عن هذا المال في هذا (العام غنى) عنه (و) إن (بالمسلمين إليه) في هذا العام (إليه حاجة) شديدة (فاردده عليهم فرده) عمر (عليهم) فيه: أن الأفضل لمن له حق تعين من حقوقه إذا رأى من هو محتاج إليه أن يتركه له (ثم لم يدعني) بسكون الدال (إليه) أي (٤): لم يطلبني إلى أخذه (أحد بعد عمر) بن الخطاب ﵁ (فلقيت العباس بعدما

стр. 8235

خرجت من عند عمر ﵁ فقال: يا علي حرمتنا) في هذِه (الغداة) وفيما بعدها من الخمس (شيئًا لا يرد علينا) بعده (أبدًا وكان) العباس (رجلًا داهيًا) أي خبيرًا بدواهي الدهر ونوازله وهي الأمور العظيمة التي تنزل بالناس وتحدث لهم، وكانوا في الجاهلية يقدمونه في الأمور المعضلة ويشاورونه ويأخذون برأيه. [٢٩٨٥] (حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب) قال (أخبرني عبد الله بن الحارث بن نوفل) بن الحارث ابن عبد المطلب (الهاشمي) المدني، لقبه ببه (١)، حنَّكه النبي ﷺ (أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) الصحابي، توفي بدمشق، وكان ابن عم عبد الله الراوي عنه لأبيه (أخبره: أن أباه ربيعة ابن الحارث) بن عبد المطلب وكان أسن من عمه (٢) العباس بسنتين، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم الفتح: "وإن أول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث" (وعباس بن عبد المطلب قالا لعبد المطلب بن ربيعة) بن الحارث (وللفضل بن عباس) ولفظ مسلم (٣): اجتمع ربيعة ابن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين

стр. 8236

- قالا لي وللفضل بن عباس - إلى رسول الله فكلماه، فأمرهما على هذِه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس وأصابا ما يصيب الناس، قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك. (ائتيا رسول الله ﷺ فقولا له: يا رسول الله قد بلغنا من السن) أي: من العمر (ما ترى، وأحببنا أن نتزوج) لشدة غلبة الشباب (وأنت يا رسول الله أبر الناس) بالرفع أي أكثرهم برًّا (وأوصلهم) بالرحم (وليس) عندنا ولا (عند أبوينا ما يصدقان) بضم الياء وسكون الصاد، أي: يعطيان (عنا) من الصدقة (فاستعملنا يا رسول الله على الصدقات) أي: اجعلنا عاملين عليها، يعني: نسعى في جمعها (فلنؤد إليك ما يؤدي العمال) إليك على عادتهم (ولنصب) منها (ما كان فيها من مرفق) بكسر الميم وفتح الفاء، وهو ما يرتفق به وينتفع من مال وغيره، ويجوز فتح الميم وكسر الفاء كما في مرفق الإنسان، وقد قرئ في السبع باللغتين في قوله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (١). (قال: فأتى علي بن أبي طالب ونحن على تلك الحال) زاد مسلم: فوقف عليهما فذكرا له ذلك، قال علي: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل (فقال لنا: إن رسول الله ﷺ قال: لا نستعمل منكم (٢) والله) فيه جواز الحلف على غلبة الظن (فقال له ربيعة) بن الحارث والله (هذا من أمرك) أي من قبل نفسك (قد نلت صهر رسول الله ﷺ ) أي حصلت

стр. 8237

حرمة التزويج منه. قال في "النهاية": الصهر حرمة التزويج، والفرق بينه وبين النسب أن النسب ما رجع إلى ولادة قريبة من جهة الآباء، والصهر ما كان من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج (١). (فلم نحسدك عليه) أي على ما نالك منه من الشرف وعظم الرتبة (فألقى علي) بن أبي طالب (رداءه) على الأرض (ثم اضطجع عليه) ليستريح (فقال: أنا أبو حسن) (٢) قال ذلك لأجل الذي كان عنده من علم ذلك كان ﵁ يقول هذِه الكلمة عند الأخذ في قضية تشكل على غيره وهو يعرفها، ولذلك جرى كلامه مجرى المثل حتى قالوا: قضية ولا أبا حسن، أي: هذه قضية مشكلة وليس هناك من يبينها كما كان يفعل أبو حسن الذي هو علي بن أبي طالب (٣) (القرم) أكثر الروايات بالواو ولا معنى لها (٤)، وإنما هو بالراء والرفع وتنوين حسن وهو السيد، هو الفحل من الإبل ويستعار للرجل الكبير المجرب للأمور، ورواية القاضي الشهيد (٥) بالراء والرفع على النعت لأبي حسن.

стр. 8238

قال النووي: هذا أوضح الأوجه في ضبطه. والثاني حكاه القاضي: أبو حسن القوم بالواو وبإضافة الحسن إلى القوم (١) ومعناه: عالم القوم وذو رأيهم. والثالث: مروي عن أبي بحر: أبو حسن بالتنوين، والقوم بالرفع، أي: أنا من علمتم أيها القوم رأيه السديد، وهذا ضعيف؛ لأن حرف النداء لا يحذف في نداء القوم. (والله لا أريم) بفتح الهمزة وكسر الراء، أي: لا أزول ولا أبرح من مكاني هذا (حتى يرجع إليكما ابناكما) بألف التنوين المقصورة (٢). قال القرطبي: وهو الصحيح، [قال ووقع لبعض الشيوخ: أبناؤكما بالمد جمع ابن وهو وهم فإنه] (٣) قد نص على أنهما اثنان (٤). قال النووي: وقد يصح على مذهب من جمع الاثنين (٥) (بحور) (٦) بكسر باء الجر وفتح حاء حور وسكون واوها (ما بعثتما به إلى النبي ﷺ ) أي: بجوابه يقال: كلمته فما رد حورًا ولا حويرا أي: جوابًا، وأصل الحور: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾، وقيل: أراد بالحور الخيبة والإخفاق، أي: يرجع خائبًا مما يطلب (٧).

стр. 8239

(قال عبد المطلب) (١) بن ربيعة (فانطلقت أنا والفضل) بن عباس. لفظ النسائي: حتى أتينا رسول الله ﷺ (٢) (حتى نوافق) بضم النون، أي: أسرعنا في المشي حتى ندرك (صلاة الظهر) مع رسول الله ﷺ فوافقنا (قد قامت) أي: أقيمت الصلاة (فصلينا) صلاة الظهر جماعة (مع الناس، ثم أسرعت أنا والفضل إلى باب حجرة رسول الله ﷺ ) والحجرة للبيت، وأصله حظيرة الإبل؛ لأن لها حائط يحجر، أي: يمنع من الدخول، ولفظ مسلم: فلما ﷺ سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها (وهو يومئذ عند زينب بنت جحش) أي: في بيتها ونوبتها (فقمنا) واقفين (بالباب حتى أتى رسول الله ﷺ فأخذ بأذني وأذن الفضل) فيه التأديب بإمساك الأذن وتركها (ثم قال) لنا: (أخرجا) بفتح الهمزة (ما تصرران) بضم التاء وفتح الصاد وكسر الراء الأولى. قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول ببلادنا، ومعناه: أخرجا ما تجمعانه في صدوركما من الكلام، وكل شيء جمعته فقد صررته، قال: ووقع في بعض النسخ: - تسرران بالسين - من السر، أي: ما يقولانه لي سرًّا، وذكر القاضي عياض أربع لغات: هاتين الثنتين، والثالثة: تصدران بإسكان الصاد وبعدها دال مهملة، أي: ماذا ترفعان إلى. والرابعة: تصوران بفتح الصاد وبواو مكسورة مشددة، قال: وهكذا ضبطه الحميدي (٣).

стр. 8240

قال صاحب "المطالع": والصواب تصرران بالصاد والراءين (١). (ثم دخل) إلى الحجرة، فيه أن الأدب في دخول الدار أن يدخل صاحب المنزل قبل المأذون له (فأذن لي وللفضل، فدخلنا) فيه استحباب الإذن في الدخول وإن كان قرابة أو صديقًا (فتواكلنا الكلام قليلًا) معناه: إن كلًّا منا قد وكل الكلام إلى صاحبه يريد أن يبتدئ الكلام صاحبه دونه. قال الزمخشري: التواكل أن يتكل كل واحد منهما على صاحبه في الكلام (٢). قال القرطبي: كأنهما توقفا قليلًا إلى أن بدر أحدهما بالكلام فتكلم (٣). (ثم كلمته أو كلمه الفضل قد شك في ذلك عبد الله) بن الحارث (٤)، لفظ مسلم: ثم تكلم أحدنا من غير شك (فقال: كلمه) بسكون الميم على الأمر، أي: قل له (بالأمر (٥) الذي أمرنا به أبوانا) بيَّن ذلك في رواية مسلم ولفظه: فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمِّرنا على بعض هذِه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون. قال (فسكت رسول الله ﷺ ساعة ورفع بصره قبل) بكسر القاف وفتح

стр. 8241

الموحدة، أي: جهة، رواية: نحو (سقف البيت) يحتمل -والله أعلم- أنه رفع بصره نحو السقف وهو جهة السماء ليدعو لهما أن يغنيهما بفضله عمن سواه، فإن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، وفيه إشارة إلى تنبيههما على (١) أن يسألا الله تعالى ويرغبا إليه في جميع أمورهما دون أحد من الآدميين لقوله ﵇: "إذا سألت فاسأل الله" (٢) (حتى طال علينا) سكوته وحسبنا (أنه لا يرجع) أي: لا يرد (إلينا شيئًا) من ما سألناه، ولفظ مسلم: فسكت طويلًا حتى أردنا أن نكلمه ثانيًا (حتى رأينا زينب تلمع) قال النووي: هو بضم التاء وإسكان اللام وكسر الميم، قال: ويجوز فتح التاء والميم، يقال: ألمع ولمع إذا أشار بثوبه (٣). ومنه حديث ابن مسعود: رأى رجلًا شاخصًا بصره إلى السماء فقال: ما تدري هذا لعل بصره سيلمع قبل أن يرجع إليه. ويقال: لمع الطائر بجناحيه إذ خفق بهما (من وراء الحجاب) وهو الستر الذي استترت به من أعين الداخلين إليه (بيدها) يدل على أن اليد ليس بعورة كما في الوجه (تريد) بإشارتها (أن لا تعجلا) أيها المتكلم (وإن رسول الله ﷺ ) ينظر (في أمركما) (٤) ولفظ مسلم: أن لا تكلماه. فيه أن الأولى في حق المرأة إذا احتجبت من أحد أن لا تتكلم في

стр. 8242

حضرته، بل تشير بيدها أو تحرك شيئًا أو تضربه ليفهم منه ما تريد دون لفظها (ثم خفض) بمفتوحات ([رسول الله] (١) رأسه) الخفض ضد الرفع (فقال لنا) ووجه خفض رأسه عند كلامهما أنه ﷺ كان لا يحب أن يواجه أحدًا بما يكرهه حياء منه، فإنه ﷺ كان أشد حياء من العذراء في خدرها (٢). في الخطاب وغيره. (إن هذِه الصدقة) تشمل الواجب والتطوع (إنما هي أوساخ الناس) هذا تنبيه على العلة في التحريم الآتي في الصدقة على محمد وعلى آل محمد، وفيه تقديم العلة على معلولها، ومعنى أوساخ الناس: أنها تطهير لأموالهم مما يحدث فيها من الشبه، وتطهير لنفوسهم مما يحدث فيها من البخل والشح وغير ذلك، فهو كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي كغسالة الأوساخ، وغسلين غسالة جروح أهل النار وفروجهم (وإنها لا تحل لمحمد) ﷺ (ولا لآل محمد) لأن يد الآخذ سفلى، ويد المعطي عليا، ولا يد أعلى من يد النبي ﷺ ولا أيدي آله، فقد أكرمهم الله وأعلا مقدارهم عن أخذ أوساخ الناس وأغناهم بما أوجب لهم من سهم ذي القربى الواجب أيضًا لهم إليهم على كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين إلى يوم القيامة، فلو منعوهم وجب سد خلالهم والقيام بحاجاتهم على أهل القدرة من المسلمين لا على وجه الصدقة بل على جهة القيام بالحقوق الواجبة في الأموال، ويكون حكمهم كحكم الحقوق المرتبة

стр. 8243

على بيت مال المسلمين. واختلفوا في آل محمد، والصحيح أنهم بنو هاشم وبنو المطلب (١). وقال مالك وأصحابه: هم بنو هاشم خاصة (٢)، ومثله عند أبي حنيفة، واستثنى آل أبي لهب (٣). (ادعوا لي نوفل بن الحارث) الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وكان [أسن بني هاشم الصحابة] (٤) (فدعي له نوفل بن الحارث) بن عبد المطلب (فقال: يا نوفل، أنكح) بفتح الهمزة وكسر الكاف (عبد المطلب) بن ربيعة (فأنكحني نوفل) ابنته، ودفع النبي ﷺ الصداق عني من سهمه من الخمس كما سيأتي أنه أمر بذلك محمية بن جزء (ثم قال النبي ﷺ : ادعوا إلى محمية) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الميم وفتح المثناة تحت (بن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة على وزن كلب، هكذا نقله أهل الحفظ والإتقان (٥). وقال الدارقطني: بكسر الجيم يقوله أصحاب الحديث (٦) (وهو رجل) عم عبد الله بن الحارث بن جزء من مهاجرة الحبشة وهو حليف بني جمح وهو (من بني زبيد) بضم الزاي وفتح الموحدة مصغر، وزبيد

стр. 8244

قبيلة من مذْحج (١)، واسم زبيد منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك ابن أدد، وإنما قيل له زبيد؛ لأنه قال: من يزيدنى رفده فأجابه أعمامه كلهم بنو زبيد الأكبر فقيل لهم جميعًا: زبيد وإليهم ينسب عمرو بن معدي كرب الزبيدي (٢) (كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس) يجمعها ويتصرف فيها، وأما ما ورد في "صحيح مسلم" أن محمية من بني أسد، فقال القاضي عياض: كذا وقع، قال: والمحفوظ أنه من بني زبيد (٣). وذكره ابن الكلبي والسمعاني (٤) أنه زبيدي كما تقدم. (فقال رسول الله ﷺ لمحمية) بن جزء (أنكح) بفتح الهمزة (الفضل) ابن عباس أي: زوجه (فأنكحه) أي: زوجه امرأة، وولدت له بنتًا تزوجها الحسن بن علي ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري (٥). (ثم قال رسول الله ﷺ ) لمحمية (قم فأصدق) بفتح الهمزة وسكون الصاد وكسر الدال (عنهما) أي عن عبد المطلب والفضل (من الخمس [كذا وكذا]) (٦) قال المنذري: أي: من حصته ﷺ من الخمس الذي هو سهم النبي ﷺ وكان يأخذ لطعامه ونفقة أهله منه قدر الكفاية ويرد الباقي منه على يتامى بني هاشم وأيامهم ويضعه حيث أراه الله تعالى

стр. 8245

من وجوه المصلحة. وقد يحتمل إنما أمره أن يسوق المهر عنهما من سهم ذي القربى، وهو من جملة الخمس (١). وذكر هذين الاحتمالين النووي (٢). وفي الحديث دليل على أن الصدقة لا تحل لهم بوجه من الوجوه وإن كانوا عاملين عليها كما لا يحل لهم إذا كانوا محتاجين إليها إكرامًا لهم عنها؛ إذ هي أوساخ الناس كما تقدم (٣). [٢٩٨٦] (حدثنا أحمد بن [صالح، حدثنا] (٤) عنبسة بن خالد، حدثنا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني علي بن حسين) بن علي (أن) أباه (حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف) وهي المسنة من النوق والجمع شرف مثل نازل ونزل (٥)، والمعروف في ذلك أنه من النوق خاصة دون الذكور (٦)، وعن الأصمعي أن الشارف للذكر والأنثى (٧) (من نصيبي من المغنم) الحاصل من جهاد الكفار (يوم) وقعة (بدر، وكان رسول الله ﷺ ) قد (أعطاني شارفًا) أخرى، كذا في الصحيحين (من الخمس يومئذٍ) قال التيمي: فيه دليل على أن الغانم قد يعطى من الغنيمة بوجهين من الخمس ومن الأربعة

стр. 8246

الأخماس (١). (فلما أردت أن أبتني (٢) بفاطمة بنت رسول الله ﷺ ) أي: أردت أن أدخل بزوجتي فاطمة ﵂، والأصل أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها فيقال: بنى الرجل على أهله. قال الجوهري: ولا يقال: بنى بأهله (٣). وهذا الذي قاله فيه نظر لهذا الحديث الثابت في الصحيحين، ثم عاد الجوهري فاستعمله في كتابه (٤) (واعدت رجلًا صواغًا (٥) أي: صائغًا، وهو الذي يصوغ الذهب والفضة (٦)، وصواغ من أبنية المبالغة مثل أكال وشراب (٧) (من بني قينقاع) مثلث النون والضم أشهر، وهم طائفة من يهود المدينة، قال النووي: يجوز صرفه على إرادة الحي، وترك صرفه على إرادة القبيلة والطائفة (٨) (أن يرتحل معي) إلى ظاهر المدينة (فنأتي) بالنصب (بإذخر) بكسر الهمزة وإسكان الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وهي حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب (٩)، ويستعمله الصياغ وغيرهم من الكفار المعاهدين في إيقاد اليابس منه،

стр. 8247

وفيه جواز الاستعانة في الاحتشاش وغيره من الأعمال والاكتساب باليهود وغيرهم من الكفار المعاهدين وأهل الذمة، وجواز مرافقتهم في السفر والأكل معهم، وفيه جواز الاحتشاش والاحتطاب للتكسب به، وفيه جواز [بيع الوقود] (١) للصواغين ومعاملتهم (أردت أن أبيعه من الصواغين) فيه أن بيع الحشيش والحطب ونحوهما جائز، وأنه لا ينقص المروءة، وفيه اقتناء الدواب ليحمل عليها ما يأتي به للبيع، رواية: (فأستعين) فيستعين بالنصب (به في وليمة عرسي) وفيه اتخاذ سنه الوليمة للعرس سواء في ذلك من له مال كثير ومن دونه، وأن ليس من عنده مال يحترف في تحصيلها بالاحتطاب والاحتشاش والصناعة التي يحسنها (فبينا [أنا أجمع] (٢) لشارفي) بتشديد الياء آخره تثنية شارف (متاعًا من الأقتاب) جمع قتب وهو أداة الرحل الذي يوضع على ظهر البعير، والقتب للجمل كالإكاف لغيره، ومنه حديث عائشة: "لا تمنع المرأة زوجها وإن كانت على ظهر قتب" (٣) (والغرائر) جمع غرارة بكسر العين وهي شبه العدل (٤) (والحبال) الذي يشد بها

стр. 8248

(وشارفاي مناخان) رواية: مناختان (١) بضم الميم وتخفيف النون وتاء التأنيث (إلى جنب حجرة) أي بيت (رجل من الأنصار) فيه جواز إناخة الناقة على باب غيره، وإن توقع منها البول (٢) وغيره إذا لم يتضرر به أساس الدار ونحوه (٣) (وأقبلت حين جمعت ما جمعت) من الأمتعة المذكورة (فإذا) أنا (بشارفي (٤) قد اجتبت) بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الموحدة، والصحيح: اجتبيت (٥) بزيادة التحتانية وسكون الجيم، أي: قطعت (أسنمتهما) بالرفع نائب عن الفاعل، وهو جمع سنام، والسنام للبعير كالألية للغنم (وبقرت) بضم الباء وكسر القاف، أي: شقت (خواصرهما) جمع خاصرة (وأخذ من أكبادهما) قطعًا (فلم أملك عيني حين رأيت ذلك) فيه أن البكاء الذي يجلبه الحزن وشدة الغيظ غير مذموم وسبب هذا الحزن خوفه من تقصيره في حق فاطمة وجهازها، ولم يكن من حيث هما متاع الدنيا (٦) (المنظر) بفتح الميم والظاء (فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب) فيه أن إخبار المظلوم بمن ظلمه ليس من الغيبة (وهو في هذا البيت في

стр. 8249

شرب) بفتح الشين وإسكان الراء وهم الجماعة الشاربون واحدهم شارب كتاجر وتجر (من الأنصار) فيه جواز الاجتماع على شرب المباح، وأن المأكول والمشروب إذا قدم إلى الجماعة جاز أن يتناول كل واحد منهم بقدر الحاجة من غير تقدير (١) (٢) (غنته قينة) بفتح القاف، هي الجارية المغنية (و) غنت (أصحابه) بنصب الباء، وفيه دليل على جواز الغناء بالمباح من القول وإنشاد الشعر، وإباحة استماعه من الأَمَة. (فقالت في غنائها) بكسر الغين والمد وهو رفع الصوت بالشعر وما قال به من الزجر (ألا) بالتخفيف (يا حمز) مرخم أصله يا حمزة، ويجوز فتح الزاي على الأصل وضمها على النداء (للشرف) قال القرطبي: الرواية المشهورة في هذا اللفظ: للشرف باللام وضم الشين، والراء جمع شارف شرف واللام متعلقة بفعل محذوف دل عليه الحال، أي: انهض للشرف أو قم لها، فلذلك قام حمزة فنحرها وجوفها وإن كانتا شارفتين دليل (٣) على إطلاق الجمع على الاثنين، ويروى بفتح الشين والراء، أي: ذو الشرف والرفعة (النواء) بكسر النون وتخفيف الواو والمد، جمع ناوية وهي السمينة يقال: نوت الناقة سمنت فهي ناوية والجمع نواء على غير قياس، ووقع عند الأصيلي والقابسي بفتح النون والقصر (٤) وهو البعد، وفيها بعد،

стр. 8250

والصواب رواية الجماعة. وبقية البيت: وهن معقلات بالفناء وبعده: ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء وعجل من أطايبها لشرب ... قديدًا من طبيخ أو شواء (١) (فوثب) حمزة حين سمع قولها (إلى السيف فاجتب) ولمسلم: فجب (٢)، وللبخاري: فأجب (٣)، وهذه غريبة في اللغة (٤) (أسنمتهما وبقر) أي: شق، ومنه سميت البقرة؛ لأنها تشق الأرض بالحراثة (خواصرهما) قال القرطبي: شق عنها الجلد (٥) وأخرج الذي فيها، قال: وإنما فعل ذلك بعد أن نحرها على عاداتهم، وعلى هذا يدل الشعر المذكور. قال: ويحتمل أن يكون فعل ذلك بها من غير نحر استعجالًا لإجابة الإغراء الذي أغرته به (٦) المغنية، لاسيما وقد كانت الخمر أخذت منه (٧).

стр. 8251

قال النووي: وهذا الفعل الذي (١) جرى من حمزة من شربه وقطع أسنمة الناقتين وبقر خواصرهما وأكل لحمهما لا إثم عليه في شيء من ذلك، أما أصل الشرب والسكر فكان مباحًا؛ لأنه قبل تحريم الخمر، وأما من يقوله من بعض من لا تحصيل له أن السكر لم يزل محرمًا فباطل لا أصل له وأما ما في الأمور فجرت منه في حال عدم التكليف فلا إثم فيها كمن شرب دواءً لحاجة فزال به عقله، أو شرب شيئًا يظنه خلًّا فكان خمرًا، أو أكره على شرب الخمر فشربها وسكر فهو في حال السكر غير مكلف ولا إثم عليه فيما يقع منه في ذلك الحال بلا خلاف، وأما غرامة ما أتلفه فتجب في ماله فلعل عليًّا أبرأه من ذلك بعد معرفته بقيمة ما أتلفه، أو أنه أداه إليه حمزة بعد ذلك، أو أن النبي ﷺ أداه عنه (٢) لحرمته عنده وكمال حقه عليه ومحبته إياه. وقد أجمع العلماء على أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزمه ضمانه كالمجنون، فإن الضمان لا يشترط فيه التكليف، ولهذا أوجب الله تعالى في قتل الخطأ الدية والكفارة، وأما هذا السنام المقطوع فإن لم يكن تقدم نحرهما فهو حرام بإجماع المسلمين؛ لأن ما أبين من حي فهو ميت، ويحتمل أنه ذكاهما، ويدل عليه الشعر وإن كان ذكاهما فلحمها حلال باتفاق العلماء إلا ما حكي عن عكرمة وإسحاق وداود: لا يحل ما ذبحه سارق أو غاصب أو متعد، والصواب الذي عليه الجمهور حله وإن لم يكن ذكاهما وثبت أنه أكل منهما فهو أكل في حالة السكر

стр. 8252

المباح ولا إثم فيه (١). (وأخذ من أكبادهما) والأخذ لا يلزم منه أن يكون أكل. (قال علي) بن أبي طالب لا علي بن حسين، وذكره ابن شهاب تعليقًا (فانطلقت حتى أدخل) (٢) بالرفع؛ لأن حتى لا تعمل هنا؛ لأن بعدها جملة، والتقدير: فانطلقت فدخلت، أي هذا الدخول حالي؛ لأن الانطلاق إنما كان لدخوله، ومنه قراءة نافع: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٣) بالرفع، أي: زلزلوا فقال الرسول، والرسول هنا شعيب في قول مقاتل (على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة) حب رسول الله ﷺ (قال: فعرف رسول الله ﷺ الذي لقيت) من رؤية وجهي وحالي، أو علمه بوحي. (فقال رسول الله ﷺ : ما لك؟ ) فيه السؤال عن أمر من يراه متغير الحال (قال: فقلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم) قط. قال القرطبي: هذا كلام كثر عندهم حتى صار كالمثل، والكاف فيه نعت ليوم محذوف، تقديره: ما رأيت [يومًا مثل اليوم. يهوله لما لقي فيه. ويحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، تقديره: ما رأيت] (٤) كربًا مثل

стр. 8253

كرب اليوم، أو: ما رأيت منظرًا مثل منظر اليوم. قال: وعلى هذا ففيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديًّا، كالغاصب والسارق؛ لأن الزكاة وقعت من المتعدي على شروطها الخاصة بها، وقيمة الذبيحة قد تعلقت [بذمة المتعدي] (١) (عدا) بالعين المهملة، أي: اعتدى عمك، وغدا - بالغين المعجمة - من الغدو (حمزة) بن عبد المطلب (على ناقتي) بفتح التاء والياء المشددة (فاجتب) أي قطع (أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب) بفتح الشين كما تقدم، وفيه أن ما ذكر على قصد [التظلم والاستغاثة بمن يعينه على من استعدى على ماله إذ لا يمكنه الخلاص] (٢) إلا بذكر ما فعل به وبماله؛ لقوله ﵇: "لصاحب الحق مقال" (٣). قال [الكرماني: وفي الحديث دلالة على جواز النحر بالسيف وفي حالة بروك المنحور والتخيير] (٤) فيما نأكله كاختيار الكبد دون بقية المنحور، قال: وذلك ليس بإسراف، وأكل الكبد وإن كان دمًا، وأن من دل إنسانًا على مال قريبه ليس بظالم. قال: (فدعا رسول الله ﷺ بردائه فارتدى به) ولمسلم: فارتداه، وفيه جواز لباس الرداء، وترجم له البخاري بابًا (٥).

стр. 8254

وفيه أن الكبير إذا خرج من منزله تجمل بثيابه ولا يقتصر على ما يكون عليه في بيته وخلواته، وهذا من المروءات والآداب المحبوبة وليس هو من التصنع للمخلوقين. (ثم انطلق يمشي واتبعته) بفتح الهمزة وبسكون التاء، ويجوز وصل الهمزة وتشديد التاء (أنا) يعني: علي بن أبي طالب (وزيد بن حارثة) فيه أن الكبير إذا مشى يمشي خلفه أتباعه وتلاميذه ولا يمشون أمامه. وفيه أن الأتباع والتلاميذ إذا كانوا عند الإمام وذهب في أمر مهم من نصرة مظلوم أو إغاثة لهفان ونحوه أن يذهبوا معه، [ليكونوا عونا له على ما يريده ولا يتخلفوا عنه وإن لم يأمرهم بالذهاب معه] (١) (حتى جاء البيت الذي فيه) عمه (حمزة، فاستأذن) في الدخول (فأذن له) وفيه سنة الاستئذان في الدخول وان كان المستأذن له قريبًا أو صديقًا (فإذا هم شرب) بفتح الشين وسكون الراء، يعني: فوجدهم جماعة يشربون (فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل) فيه أن السكران يلام إن كان يعقل، وإن كان لا يعقل فلا يلام، كما أن السكران لا يحد في حال السكر؛ لأن الحد للردع والتنكيل، وهو (٢) لا يحصل مع السكر، كذا قال أصحابنا. وقد يؤخذ من هذا الحديث أن السكران يلام كما في البخاري: أن النبي ﷺ أتى بسكران فأمر بضربه (٣). إلا أن يحمل الحديث على أن النبي ﷺ لم يعلم بأن حمزة ثمل، ولا بأنه باق على سكره (فإذا حمزة ثمل)

стр. 8255

بفتح المثلثة وكسر الميم، أي: سكران أخذ منه الشراب (محمرة عيناه) وهي دلالة على غلبة السكر على عقله. وهذا الحديث يدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير وأنه ﷺ [أقرّ عليهم] (١)، وعليه يدل قوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد) بتشديد العين (النظر) إليه أي: نظر إليه يتأمل وحده نظر (فنظر إلى ركبته (٢) ثم صعد النظر) إليه (فنظر إلى سرته) ظاهرا (٣) في أنه ﷺ كانت سرته مكشوفة. وفيه دلالة على أن السرة ليست من عورة الرجل (٤)، وبه قال الأئمة الأربعة، ولم يخالف أبو حنيفة الثلاثة إلا في الركبة إلا في قوله: الركبة من العورة؛ لحديث: "الركبة من العورة" (٥). ويرده رواية أحمد والبخاري عن أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذا أبو بكر آخذ بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم فقد غامر" (٦). ومما يدل على أن السرة ليست بعورة رواية أحمد (٧) عن عمير بن

стр. 8256

إسحاق (١) قال: كنت مع عليّ فلقينا أبو هريرة، فقال: أرني أقبل منك حيث رسول الله ﷺ يقبل فقال بقميصه فقبل سرته. (ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة ﵁: وهل أنتم إلا عبيد لأبي) وللبخاري: لآبائي. فيه جواز إطلاق الكلام على التشبيه كما قال: هل أنتم إلا عبيد أبي؛ أي: كالعبيد، فحذف منه حرف التشبيه، وفيه إشارة إلى شرف أبيه عبد المطلب، وأن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته وجواز تصرفه في مالهما، وأن الكلام يختلف باختلاف المتكلمين فيصدر الكلمة التي يخاطب بها في الاستحقاق على سبيل الإدلال. (فعرف) بفتح الراء (رسول الله ﷺ أنه) قد (ثمل) بكسر الميم، فيه أنه لما لامه لم يكن يعرف أنه أخذ منه السكر، [ثم عرف] (٢) فلما عرف لم يلمه بعد ذلك ولا أنكر عليه ولا عنفه. قال القرطبي: لا في حال سكره ولا بعد ذلك، فكان ذلك على إباحة ما يسكر عندهم؛ قال: وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه: أن السكر حرام في كل شريعة قطعًا؛ لأن الشرائع لمصالح العباد لا لمفاسدهم، وأصل المصالح العقل كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوش فيه، وما ذكروه واضح، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبي ﷺ ترك الإنكار عليه في حال سكره لكونه لا يعقل وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر، وأن

стр. 8257

حمزة لم يقصد بشربه السكر ولكنه شرع فيه فغلبه (١). (فنكص) بتخفيف الكاف (رسول الله ﷺ على عقبيه) رواية الصحيحين: فرجع رسول الله ﷺ . تقهقر، أي: تأخر إلى جهة عقبيه (القهقرى) مقصور، وهو الرجوع إلى وراء ووجهه إليك. وظاهر هذا أنه ﷺ رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيئًا يكرهه، أو رجع عنه لكونه مغلوبًا على عقله من السكر. وفيه أن من كان عند من يخشى أن تصدر منه في حقه ما يكرهه فليخرج من عنده مسرعًا ولا يلبث عنده ما أمكنه، كما إذا كان عند مجنون أو ظالم لا يستطيع منعه مما يصدر في حقه (فخرج وخرجنا معه) من عنده (٢). [٢٩٨٧] (حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني عياش) بالمثناة والشين المعجمة (بن عقبة الحضرمي) ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) (عن الفضل بن الحسن الضمري) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، نسبة إلى ضمرة رهط عمرو بن أمية الضمري صاحب رسول الله ﷺ ، وبني ضمرة رهط أبي ذر الغفاري ﵁ (٤) (أن أم الحكم) ويقال: [أم حكيم] صفية، ويقال: عاتكة (أو ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب) بن هاشم القرشيتان ابنتي عم النبي ﷺ .

стр. 8258

قال محمد بن سعد (١): هي أم الحكم. وقال محمد بن خياط (٢): حدثني غير واحد من بني هاشم أنهم لا يعرفون للزبير ابنة غير ضباعة، وقال: ضباعة هي أم حكيم. وقال الحافظ أبو القاسم: هذا وهم؛ فقد ذكر الزبير بن بكار أن للزبير ابنتين: ضباعة وأم حكيم، وذكر أن أم حكيم كانت تحت ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب وولده منها، وأن ضباعة كانت تحت المقداد (٣)، وقتل ابنها عبد الله يوم الجمل مع عائشة (٤). (حدثه عن إحداهما أنها قالت: أصاب رسول الله ﷺ سبيًا فذهبت أنا وأختي) ضباعة أو أم الحكم (وفاطمة بنت النبي ﷺ ، فشكونا إليه ما نحن

стр. 8259

فيه) من العمل بالرحى في الطحن وبالقربة والكنس وغير ذلك (وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي) الذي أصابه (فقال النبي ﷺ : سبقكن) بأخذ ذلك (يتامى) شهداء أهل (بدر) ولم يواجهن أو إحداهن بالمنع لحسن أدبه ﷺ وتلطفه في الكلام، لا سيما مع ابنته وبنتي عمه. وفيه الاعتذار لمن طلب منه شيئًا ولم يعطه. و(لكن سأدلكن على ما هو خير لكن من ذلك) بكسر الكاف، ولا شك أن ما ينفع في الآخرة خير مما ينفع في الدنيا (تكبرن الله على إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما لغتان مشهورتان كسنة وسنة ومثل ومثل (ممل صلاة) مطلق الصلاة هنا مقيد بما في مسلم: دبر كل صلاة مكتوبة (ثلاثًا [وثلاثين تكبيرة) وثلاثًا منصوب بمحذوف، تقديره: تكبرن حتى يكون القول منهن ثلاثًا وثلاثين (وثلاثًا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميده) ظاهره كما قال النووي: يكبر ثلاثا وثلاثين] (١) مستقلة، وتسبيح ثلاثًا وثلاثين مستقلة، وكذلك التحميد (٢). وفي هذا الحديث وما في معناه دلالة على أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة للأذكار والدعاء يرتجى فيها القبول ويبلغ بها المصلي إذا قالها إلى كل ما يؤول ولا يضر قائلهن بأيهن بدأ، وليس الترتيب المذكور بشرط في الثواب والعمل على الترتيب الذي في الحديث بعده. (ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) فبها تمام المائة [وسيأتي في الرواية بعدها أن تمام المائة

стр. 8260

التكبير] (١) أربعًا وثلاثين كما سيأتي. (قال عياش) بن عقبة الحضرمي أحد الرواة (و) أم الحكم وضباعة (هما ابنتا (٢) عم النبي ﷺ ) كما تقدم. [٢٩٨٨] (حدثنا يحيى بن خلف) أبو سلمة الباهلي، أخرج له مسلم (٣) (حدثنا عبد الأعلى) (٤) في النذور والطب، وعن المعتمر في الأيمان (عن سعيد) بن إياس (الجريري) بضم الجيم وفتح الراء الأولى نسبة إلى جرير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن بكر بن وائل (٥) (عن أبي الورد) بن ثمامة بن حرب القشيري البصري، شيخ، أخرج له البخاري في "الأدب"، قال الدارقطني: لم يحدث عنه غير الجريري (٦) (عن) علي (بن أعبد) (٧) بفتح الهمزة والباء الموحدة [وبضم الموحدة] (٨) أيضًا (٩)، قال المنذري (١٠): وابن أعبد وإن كان كما قال علي بن المديني ليس بمعروف، فقد أخرج البخاري (١١)

стр. 8261

ومسلم (١) والنسائي (٢) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﷺ هذا الحديث بنحوه، وسيجيء في كتاب الأدب إن شاء الله مزيد (٣). (قال: قال لي علي) بن أبي طالب (﵁: ألا أحدثك عني وعن) زوجتي (فاطمة بنت رسول الله ﷺ وكانت من أحب أهله إليه، قلت: بلى) يا أمير المؤمنين (قال: إنها جرّت) بتشديد الراء (بالرحى) مقصور وهي الطاحون الصغيرة (حتى أثّر) بتشديد المثلثة عصا الرحا (في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت) حمائل القربة (في نحرها) أي رقبتها (وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها) فيه دليل على خدمة المرأة زوجها. قال القرطبي: وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بذلك، ألا ترى أن أزواج النبي ﷺ وبناته كانوا يتكلفون الطحن بالرحى والسقي بالقربة وكنس البيت [والطبيخ والخبيز] (٤) وفرش الفراش، وتقديم الطعام وإحضار الماء للشرب، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك. قال القرطبي: ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ويأخذونهن بالخدمة، ولولا أنها مستحقة لما طالبوهن

стр. 8262

بذلك (١). وقد بوب البخاري (٢) على هذا الحديث: باب عمل المرأة في بيت زوجها. (فأتى النبي ﷺ ) بالنصب (خدم) وللبخاري (٣): سبي، وفي رواية (٤): فبلغها أن النبي ﷺ أتى بسبي وبوب عليه: باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ والمساكين (٥). (فقلت) لها: (لو أتيت أباك فسألتيه) (٦) أن يعطيك (خادمًا، فأتته فوجدت عنده حُدَّاثًا) بضم الحاء المهملة وتشديد الدال وبعد الألف ثاء مثلثة، قال في "النهاية": أي جماعة يتحدثون، قال: وهو جمع على غير قياس حملًا على نظيره نحو: سمار جمع سامر؛ فإن السمار جماعة يتحدثون (٧). (فرجعت) إلى بيتها (فأتاها) رسول الله ﷺ (من الغد فقال: ما كان حاجتك؟ ) ولفظ مسلم (٨): فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي ﷺ إلينا (٩) وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا

стр. 8263

نقوم، فقال النبي ﷺ : "مكانكما"، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، ثم قال (فسكتت) فاطمة حياء من والدها ﷺ (فقلت: أنا أحدثك يا رسول الله) بحاجتها أنها (جرت بالرحى) مقصور كما تقدم (حتى أثرت في يدها، وحملت) تستقي (بالقربة [حتى أثرت) يعني الحبل] (١) (في نحرها، فلما أن جاءك الخدم) من السبي (أمرتها أن تأتيك فتستخدمَك) بنصب الميم أي: تطلب منك أن تعطيها (خادمًا يقيها) أي يصونها عن الخدمة ويستر عنها (حر ما هي فيه) من العمل وفي رواية لغيره (٢): يقيها حار (٣) ما هي فيه. يعني من التعب والمشقة من خدمة البيت؛ لأن الحرارة مقرونة بهما كما أن البرد مقرون بالراحة والسكون، والحار الشاق المتعب، ومنه حديث عيينة بن حصن لما أمره بجلد الوليد بن عقبة: ولِّ حارها من تولى قارها (٤). وفيه أن المرأة عليها خدمة بيتها إن لم تكن خادمًا، وإن كانت شريفة أو دنية، حكاه ابن خويز منداد عن بعض المالكية، وهو خلاف مذهب الشافعي، وحملوا هذا الحديث على أن فاطمة تبرعت بذلك، ولا خلاف في استحباب ذلك وفضيلته لمن تبرع به؛ لأنه معونة للزوج (٥). وفيه ما كان عليه ذلك الصدر الصالح من شظف العيش وشدة

стр. 8264

الحال، وأن الله تعالى حماهم عن الدنيا مع أنها ملكهم، وهذِه سنة الله في الأنبياء والأولياء كما قال: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء" (١). (قال: اتقي الله) تعالى (يا فاطمة) أي: دومي على ملازمة التقوى (وأدي فريضة ربك) يدخل فيه الصلاة والصوم والواجبات والغسل من الجنابة والوضوء وغير ذلك من الواجبات -يعني: حق الزوج-، وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن أداء الفرائض (٢) من جملة عموم التقوى الجامعة للأوامر والنواهي (واعملي عمل أهلك) الأهل: أهل البيت، ولعل المراد هنا بأهل البيت الزوج، والأصل فيه القرابة، وقد أطلق على الأتباع. وفي حديث أم سلمة: "ليس بك على أهلك هوان" (٣). أراد بالأهل نفسه ﷺ ، ويحتمل أن المراد: واعملي مثل عمل أهلك، يعني: أقاربك، أي: اسلكي طريقهم.

стр. 8265

وفيه توصية الوالد ابنته المزوجة على أداء فرائض الله تعالى ولا يمنعها الاشتغال بحقوق الزوج عن حق الله تعالى؛ فإن حق الله تعالى مقدم على حق (١) زوجها وحقوق الآدميين. (فإذا أخذت مضجعك) أي أردت النوم في مضجعك، والمضجع بفتح الميم جمعه مضاجع، قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (فسبحي) الله تعالى (ثلاثًا وثلاثين [واحمدي) الله تعالى (ثلاثا وثلاثين] (٢) وكبري) الله تعالى (أربعا (٣) وثلاثين فتلكِ) بكسر الكاف تمام (مائة هي خير لك من خادم) (٤) قال البخاري في "صحيحه": آثر النبي ﷺ أهل الصفة والأرامل ووكل ابنته فاطمة إلى الله تعالى (٥). وقال الطبري: لو كان في الخمس قسمًا مفروضًا لذوي القربى لأخدم ابنته [فاطمة رضي الله تعالى عنها] (٦)، ثم لم تدع هي فيه ﵂ حقًّا لقرابة حين وكلها إلى التسبيح (٧) ولو كان حقًّا لبينه (٨)
следующие страницы →