← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

فاقْبِضْهُنَّ واقْضِ دَيْنَكَ" .. فَفَعَلْتُ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى المَسْجِدِ فَإِذا رَسُولُ اللهِ ﷺ قاعِدٌ في المَسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقالَ: "ما فَعَلَ ما قِبَلَكَ؟ " .. قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللهُ كُلَّ شَيءٍ كانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ فَلَمْ يَبْقَ شَيء. قالَ: أَفَضَلَ شَيء؟ " .. قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: "انْظُرْ أَنْ تُرِيحَني مِنْهُ، فَإِنّي لَسْتُ بِداخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلي حَتَّى تُرِيحَنِي مِنْهُ" .. فَلَمّا صَلَّى رَسُول اللهِ ﷺ العَتَمَةَ دَعانِي فَقالَ: "ما فَعَلَ الذي قِبَلَكَ؟ " .. قال: قُلْتُ: هُوَ مَعي لَمْ يَأْتِنا أَحَدٌ. فَباتَ رَسُول اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ وَقَصَّ الحَدِيثَ. حَتَّى إِذا صَلَّى العَتَمَةَ - يَعْني مِنَ الغَدِ - دَعاني قالَ: "ما فَعَلَ الذي قِبَلَكَ" .. قال: قُلْتُ: قَدْ أَراحَكَ الله مِنْهُ يا رَسُولَ اللهِ. فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إِذا جاءَ أَزْواجَه فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ حَتَّى أَتَى مَبيتَةُ. فهذا الذي سَأَلْتَنِي عَنْهُ (١). ٣٠٥٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بِمَعْنَى إِسْنادِ أَبي تَوْبَةَ وَحَدِيثِهِ قالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: "مَا يَقْضِي عَنِّي" .. فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ فاغْتَمَزْتُهَا (٢). ٣٠٥٧ - حَدَّثَنَا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو داوُدَ، حدتنا عِمْرانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قال: أَهْدَيْتُ لِلنَّبيِّ ﷺ نَاقَةً فَقالَ: "أَسْلَمْتَ" .. فَقُلْتُ: لا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ المُشْرِكينَ" (٣). * * *

стр. 8437

باب في الإمام يقبل هدايا المشركين [٣٠٥٥] (حَدَّثَنَا أبو توبة الربيع بن نافع) الحلبي، أخرج له الشيخان (١). (حَدَّثَنَا معاوية بن سلام) بتشديد اللام ابن أبي سلام ممطور (٢) الحبشي (٣) (عن) أخيه (زيد) بن سلام (٤) (أنه سمع) جده (أبا سلام) واسمه ممطور الحبشي الأسود، أخرج له مسلم (٥). (قال: حدثني عبد الله). بن لحي بضم اللام وفتح الحاء المهملة مصغر، أبو عامر (الهوزني) بفتح الهمزة والزاي بينهما واو ساكنة منسوب إلى هوزن بن عوف بطن من ذي الكلاع بن حمير، وثقه أحمد العجلي وغيره، وهو من أصحاب أبي عبيدة بن الجراح (٦). (قال: لقيت بلالًا مؤذن رسول الله ﷺ بحلب) غير منصرف، وكانت إقامته بدمشق، ومات بها ودفن بباب الصغير، هذا المشهور، وقيل: مات بحلب ودفن عند باب الأربعين. وقيل: الذي بحلب أخوه خالد (٧). (فقلت: يا بلال، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ . قال: ما كان

стр. 8438

له شيء) من المال مرصد للنفقة ولا كان يدخر شيئًا لها ولا لغيرها، و (كنت أنا الذي الي) بفتح الهمزة وكسر اللام وسكون الياء أي: أتولى (ذلك منه) أي: أتولى قبضها وصرفها له ولأهله (منذ بعثه الله تعالى حتى توفي) (١) أي: حتى توفاه الله تعالى، قال: (وكان) رسول الله ﷺ (إذا أتاه الإنسان مسلمًا ورآه عاريًا) ليس عليه ما يستر عورته، أو رأى عليه ما يسترها أو بعضها (يأمرني، فأنطلق فأستقرض) له على ذمة الله تعالى إلى أن ينعم بشيء (فأشتري له) بها (البردة) وهي الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع، وفيه صغر تلبسه الأعراب وبه كني أبو بردة (فأكسوه) بها (وأطعمه) مما استقرضه. فيه فضيلة الاستقراض في الذمة عند رؤية المصرور من جوع وعطش وحر وبرد ونحو ذلك، وهذا فيمن له عنده مال، وبهذا أخذ جماعة من الصوفية الاستقراض على ذمة الله ليكرم به الضيوف الواردين عليه ويطعمون منه التلامذة المنقطعون (٢) عندهم للذكر والقراءة والعبادة، لكن لا أرى الاستقراض لهذا (٣) إلا من تطيب نفسه بالقرض منه، وربما استبشر بذلك، ولقد كنت أرى فيمن تقدم من يقول للشيخ: إذا احتجت إلى شيء فخذ مني، فإن وجدت وفاء وإلا فأنت بريء منه. ولما لم أجد من يعطي بهذِه الصفة أمسكت عن ذلك، فإن حصل شيء واسيت ووسعت على الفقراء وإلا فلا. (حتى اعترض لي)

стр. 8439

رواية: اعترضني في بعض الأيام (رجل من المشركين) له مال" (فقال: ) لي (يا بلال، إن عندي سعة) فتحت سينه في المصدر؛ لأنها مفتوحة في المستقبل؛ إذ هو محمول عليه وقياسها الكسر؛ لأن أصل الماضي وسع يسع (١) بكسر السين فيهما كوثق يثق، وإنما فتح في المضارع لكون لامه حرف حلق، فهذِه فتحتها كلها كسرة، ولذلك حذفت الواو في المضارع لوقوعها (٢) في يسع بين ياء وكسرة، لكن فتح لما ذكرناه (٣)، ولو كان أصلها الفتح لم يجز حذف الواو، ألا ترى ثبوتها في يؤخر لأنها لم تقع بين كسرة وياء، فالمصدر والأمر في الحذف محمولان على المضارع كما حملوا عدة وعد على يعد. (فلا تستقرض من أحد) شيئًا (إلا مني. ففعلت) يحتمل أنه فعل ذلك (٤) فاستقرض منه من غير أن يستأذن النبي ﷺ اكتفاء بإطلاقه في الإذن، فعم المسلم والكافر. (فلما أن كان) أي: وجد (ذات) لما كان اليوم يحدث فيه الأحوال كما يحدث في العين سمي ذاتًا (يوم) من الأيام (توضأت) فيه الوضوء قبل الأذان، ليكون حال الأذان على طهارة كاملة (ثم قمت لأؤذن) فيه استحباب القيام للأذان (بالصلاة) المفروضة (فإذا المشرك) فاجأني

стр. 8440

بالمجيء، و (قد أقبل) إلي وهو (في عصابة) أي: جماعة (من) الرجال (التجار) بضم التاء مع تشديد الجيم، وكسرها مع تخفيف الجيم لغتان (فلما رآني قال: يا حبشي) قال مكحول: أخبرني من رأى بلالًا أنه آدم شديد الأدمة نحيفًا طوالًا (١). وفي حديث أنس: بلال سابق الحبشة (٢). يعني (٣) إلى الجَنَّة. (قلت: يا لباه) بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة، ويحتمل أن يكون من التلبية وهو الإجابة ومعناه: يا لبيك، وفيه استحباب إلانة الخطاب لصاحب الحق وإن كان كافرًا عنيدًا (فتجهمني) أي: لقيني بغلظة لفظ وجه كريه، يقال: جهمت الرجل وتجهمته. إذا كلحت في ووجه (وقال لي قولًا غليظًا) أي: بعنف وشدة وارتفاع صوت، ولم يأت في الحديث أنه جاوبه على ما سمع منه، للحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أن رجلًا تقاضى (٤) النبي ﷺ دينًا فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: "دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا" (٥). (وقال لي: أتدري كم بينك وبين) آخر (الشهر؟ ) من يوم (قلت) بيني وبينه زمن (قريب. قال: إنما بينك وبينه) أي: بين آخر الشهر (أربع) أي: أربعة أيام، لكن لما حذفت الأيام [حذفت الهاء] (٦) كقوله ﵇: "وأتبعه بست من

стр. 8441

شوال" (١) (فآخذك) بمد الهمزة وضم الخاء المعجمة (بالذي عليك) من الدين، أي: أتملكك به (فأردك ترعى الغنم كما كنت) ترعى الغنم (قبل ذلك) يعني: لبعض بني (٢) جمح. قال سعيد بن جبير: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر حين قال له: أتبيعه؛ قال: نعم أبيعه بنَسطاس (٣) عبد لأبي بكر، وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوارٍ ومواشٍ، وكان مشركًا حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال له أمية: أبيعكه بغلامك نسطاس. فابتاعه منه أبو بكر وأعتقه، قال أبو بكر (فأخذ) بفتح الخاء والذال المعجمتين (في نفسي) من الحدة والغضب (ما يأخذ) بضم الخاء المعجمة (في أنفس) غيري من (الناس) عند سماع قوله القبيح. وهذِه الزيادة من عند قوله (وقال لي قولًا غليظًا) إلى هنا ليست في نسخ الخطيب بل في رواية اللؤلؤي. (حتى إذا صليت) صلاة (العتمة) فيه دليل على بيان جواز تسمية العشاء عتمة مع الكراهة، ودليل الكراهة ما رواه مسلم (٤) عن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء وهم معتمون بالإبل" والعتمة في اللغة: شدة الظلمة

стр. 8442

(رجع رسول الله ﷺ إلى أهله) بعد العشاء (فاستأذنت عليه) فيه استحباب الاستئذان وإن كان من أخصاء المستأذن (١) وأهله لاسيما وهو بعد العشاء وهو الثلاث التي يستأذن فيها الذين ملكت أيمانهم والذين لم يبلغوا الحلم (فأذن لي) فدخلت عليه (فقلت: يا رسول الله) أفديك (بأبي أنت وأمي، إن (الرجل (المشرك الذي كنت أتدين) أي: أستدين (منه، قال لي كذا وكذا) ووجدت منه في نفسي ما يجد غيري عند سماع ما يكره (وليس عندك ما تقضي عني) دينه (ولا عندي) ما يقضي في ديني. وفي الحديث دليل على صحة الوكالة في الاستقراض عنه، وأن للوكيل في القرض القبض والدفع إلى من وكله في الدفع إليه، وأن له دفع المقبوض في ثمن ما اشتراه، وأن المقرض له مطالبة المقترض إن قبض منه. (وهو) يعني: المشرك المقرض (فاضحي) بين الملأ، يقال: فضح زيد عمرًا. إذا كشف عن عيوبه بين القوم (فأذن) بسكون الهمزة وفتح الذال (لي) طلب منه الإذن (أن آبق) - رواية: فآبق فآتي - بمد الهمزة وفتح الباء وهو منصوب بأن المقدرة في جواب الأمر التقدير: فأذن لي بأن آبق أي: أذهب [وفي بعضها: فأذن لي أن آبق] (٢) (إلى بعض هؤلاء الأحياء) جمع حي، وهي القبيلة من العرب (الذين قد أسلموا حتى يرزق الله) تعالى، يجوز أن تكون حتى هنا بمعنى كي التعليلية كقوله تعالى: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ (٣)،

стр. 8443

وقولك: أسلم حتى تدخل الجَنَّة. والتقدير: ائذن لي أن أذهب إلى بعض هؤلاء الذين أسلموا، لكي يرزق الله تعالى رسوله من هؤلاء المسلمين (ما يقضي عني) ديني، زاد المصنف: فسكت عني رسول الله ﷺ كما سيأتي. وسكوته ﷺ دليل على جواز ذهابه إليهم، ولما علم ذلك بلال جهز سيفه وجرابه ونعله للسفر، ويحتمل أن يكون هذا الرزق الذي يأخذه هبة منهم له لكونه خادم رسول الله ﷺ ، ويجوز له أن يقضي دينه من الزكاة من سهم الغارمين، فإنه استدانه لكسوة المحتاجين المضرورين للكسوة والإطعام، ومن استدان لمثل هذا يجوز أن يقضيه سهم الغارمين كمن استدان لإصلاح ذات البين؛ فإنه يعطى ما يوفي به دينه ذلك وإن كان غنيًّا من جهة غيره. (فخرجت حتى أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي) بكسر الجيم (ونعلي) النعل مؤنثة وهي الحذاء، ويطلق على التاسومة (ومجني) المجن بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون هو: الترس، جمعه: مجان بفتح الميم سمي مجنًّا؛ لأنه يستجن به، أي: يستتر. فيه: استحباب تجهيز الة السفر قبل وقته، والأولى أن يعدها (عند رأسي) عند النوم كما فعل بلال ﵁، وفيه أنه يستحب للمسافر أن لا يسافر إلا بعدة السلاح جهادًا كان السفر أو غيره من حج ونحوه، ولا فرق في استحباب عدة السلاح بين أن يكون السفر مخوفًا أو غيره؛ فإن الظاهر أن سفر بلال هذا لم يكن مخوفًا. وفي الحديث أن المقيم يكون له آلة السلاح لاحتمال طرآن جهاد ونحوه، واحتمال عدو يفجؤه في الليل. (حتى إذا انشق عمود الصبح) أي: طلع الفجر (الأول) كأن نور الفجر

стр. 8444

شق موضع طلوعه وخرج منه مستطيلًا مثل العمود (أردت أن أنطلق) للسفر، فيه أن من سافر قبل طلوع الفجر الثاني يؤخر الصلاة ليصليها في الطريق إذا اتضح الفجر بأذان وإقامة. (فإذا إنسان) جاء وهو (يسعى) و (يدعو: يا بلال، أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت) إليه (حتى أتيته، فإذا) عند باب بيته (أربع ركائب) جمع ركوبة بفتح الراء وهي الناقة التي تركب (مناخات) بضم الميم وجر آخره (عليهن أحمالهن) عند باب بيته (فاستأذنت) في الدخول عليه فدخلت (فقال لي رسول الله ﷺ : أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين (فقد جاءك الله) أي: جاءك إنعام الله تعالى عليك (بقضائك) أي: بقضاء دينك كما في بعض النسخ، فيه استحباب البشارة بالفرج عمن كان في ضيق ونحوه، ومثله استحباب التهنئة بالمولود ونحوه، ومنه حديث كعب: فذهب الناس يبشرونني ويقولون: لتهنك توبة الله عليك (١). (ثم قال: الم تر إلى الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى) يا رسول الله (فقال: إن لك رقابهن) الرقاب جمع الرقبة، وهي في الأصل العنق فجعلت كناية [ .. .. ] (٢) ذات الناقة تسمية الشيء ببعضه، فكأنه قال: إن لك المطي (وما عليهن) فيه جواز إناخة الناقة بحملها واستمرارها باركة عليها حملها؛ فإنها لا تجد به من المشقة ما تجد من وقوفها بالأحمال (فإن عليهن كسوة وطعامًا) وكان أهل (٣) فدك لما سمعوا ما

стр. 8445

صنع رسول الله ﷺ بخيبر بعثوا إليه على أن يحقن لهم دماءهم ويخلوا له الأموال، فكانت خالصة لرسول الله ﷺ وما يأتي منها من الأموال من كسوة وطعام وغير ذلك (أهداهن إلى عظيم) فدك، أي: أهداهن الذي يعظمه أهل فدك وتقدمه للرياسة عليها، وفيه نوع إكرام بقوله ﵇: "أمرت أن أنزل الناس منازلهم"، و (فدك) بفتح الفاء والدال المهملة اسم قرية بخيبر بينها وبين المدينة يومان. وفي الحديث دليل على جواز قبول الإمام هدايا أهل الكتاب، وقد قبل النبي ﷺ هدية المقوقس مارية والبغلة، وأهدى له أكيدر دومة فقبل منه (١). (فاقبضهن) فيه: أن الهبة لا تصح إلا بالقبض ممن يصح قبضه (واقض دينك) منهن وما عليهن من الأحمال (ففعلت، وذكر الحديث) بطوله (قال: ثم انطلقت إلى المسجد) للصلاة فيه (فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد، فسلمت عليه) بعدما صليت تحية المسجد؛ فإن تحية المسجد مقدمة على السلام على من فيه، بدليل حديث الأعرابي: فصليت ركعتين ثم جئت إلى النبي ﷺ (فقال: ما فعل ما قبلك؟ ) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: ما هو في جهتك. فيه السؤال عن حال الإنسان وما يعتريه من دين وهم وعيال ونحو ذلك. (قلت: قد قضى الله تعالى كل شيء كان على رسول الله ﷺ ) من الدين (فلم يبق) عليه (شيء) منه.

стр. 8446

وفي هذا الحديث من الفصاحة تنويع الخطاب؛ فإن في بعضه: كان الدين على رسول الله ﷺ وعلى بلال، فحيث جاء أنه على بلال فإنه كان المباشر لقبضه، وحيث جاء أنه على رسول الله ﷺ فإنه كان بأمره وإذنه فنسب إليه. (قال: أفضل) بفتح الضاد وكسرها (شيء؟ ) يعني من الركائب الأربع وما عليهن (قلت: نعم) يا رسول الله (قال: انظر) في أمره فعساك (أن تريحني منه) فأقام ﷺ بقاء المال المنسوب إليه ودوامه بغير احتياج مقام ما يحمله عليه ويجد ثقله كما يجد للشيء الحامل له ثقلًا وتكلفًا (فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه، فلما صلى رسول الله ﷺ ) صلاة (العتمة) بفتح التاء، وقد تقدم ذكر الكراهة في هذِه التسمية (دعاني فقال: ما فعل الذي) هو (قبلك؟ قال: قلت: ) الذي بقي منه (هو معي) لأنه (لم يأتنا أحد) مستحق له يأخذه (فبات رسول الله ﷺ ) تلك الليلة (في المسجد) فيه جواز مبيت من له زوجة ومسكن في المسجد إذا حدث له مانع من المبيت في بيته (وقص الحديث) أي تتبع ألفاظه فذكرها. (حتى إذا صلى العتمة يعني من الغد) يعني بعد مضي اليوم الثاني ودخول وقت العشاء (دعاني) ثم (قال) لي: (ما فعل الذي قبلك؟ ) بكسر القاف وفتح الباء كما تقدم (قال: قلت: قد أراحك الله) تعالى (منه) فيه نسبة الأفعال إلى الله تعالى؛ فإنه هو الفاعل حقيقة وإن كان العبد هو المباشر للفعل، وهذا من آداب المخاطبة للأكابر إذا لم يقل: أرحتك منه (يا رسول الله، فكبر) أي: قال: الله أكبر. وفيه تكبير الله

стр. 8447

تعالى وتعظيمه شكرًا لما أنعم به عليه من إراحته من هذا المال وتيسير إخراجه عنه (وحمد الله) بكسر الميم بعد التكبير على ما أنعم به عليه، زاد بعضهم: وإنما فعل ذلك (شفقًا) مفعول له، أي: كبر وحمد الله لأجل خوفه (من أن يدركه الموت) والشفق والإشفاق الخوف، يقال: أشفقت (١) أشفق إشفاقًا. وهي اللغة الغالبة، وحكى ابن دريد: شفقت أشفق شفقًا كما في الحديث (وعنده) شيء من (ذلك) المال، ففيه وحقيق على كل ذي عقل ولب أن يقتدي برسول الله ﷺ في عدم ادخار المال وكثرة الخوف من أن يبيت وعنده شيء منه لنفسه. (ثم اتبعته) بتشديد التاء مع الوصل وسكونها مخففة مع فتح الهمزة (حتى جاء أزواجه) جميعهن (فسلم على) كل امرأة منهن (امرأة امرأة) فيه أن من لم يبت عند أهله ونسائه أو غاب عنهن ليلة فأكثر أن يدور عليهن في بيوتهن ويسلم على كل واحدة منهن ويلاطفهن بالسؤال عن حالهن، وهذا من حسن المعاشرة المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). وفيه أن الغائب عنهن إذا دار عليهن بالسلام لا يدخل عليهن بل يسلم دون دخول، ولا يدخل نهارًا إلا لحاجة كوضع متاع ونحوه، وإذا دخل فينبغي أن لا يطول مكثه (حتى أتى مبيته) حتى أتيت مبيت امرأته التي يستحق المبيت عندها أدخل عندها] (٣) وجلس.

стр. 8448

ثم قال بلال لعبد الله بن لحي الهوزني: (فهذا الذي سألتني عنه) (١) من حال النبي ﷺ . [٣٠٥٦] (حَدَّثَنَا محمود بن خالد) بن يزيد السلمي الدمشقي، قال أبو حاتم: ثقة رضا (٢) (حَدَّثَنَا مروان بن محمد) بن حسان الدمشقي الطاطري (٣) (حَدَّثَنَا معاوية) بن سلام المذكور في الحديث قبله (٤) (بمعنى إسناد أبي توبة) الربيع بن نافع شيخ المصنف (و) بمعنى (حديثه) و (قال عند قوله) حتى يرزق الله رسوله (ما يقضي عني؛ ) ديني (فسكت عني رسول الله ﷺ ) فلم يرد لي جوابًا، تقدم سبب سكوته (فاغتمزتها) بالغين والزاي المعجمتين، قال المنذري: يحتمل أنه لما ذكر لرسول الله ﷺ أنه ليس عندك ما يقضي عني ولا عندي سكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه ولحقه خوف من اليهودي فأكنه في نفسه، ولم يتلفظ به، ولعله مأخوذ من غمز الشعر وهو كبسه باليد، انتهى. فالظاهر أن الضمير في (فاغتمزتها) عائد على مقالة المشرك اليهودي أنه جمعها وكبس عليها في باطنه وذهب ليتجهز للسفر. ويحتمل أن يكون المراد: فاغتمزت سكتة رسول الله ﷺ وعدم جوابه لي. [٣٠٥٧] (حَدَّثَنَا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي الحمال شيخ مسلم (٥) (حَدَّثَنَا أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي (٦) (حَدَّثَنَا

стр. 8449

عمران) بن داود القطان، أخرج له البخاري في غزوة ذات الرقاع (١) (عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير) العامري (٢) (عن عياض) بكسر العين المهملة ثم مثناة تحت وبعد الألف ضاد معجمة (بن حمار) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم المجاشعي الصحابي، عداده في البصريين، أخرج له مسلم في صفة الجَنَّة والنار حديثًا واحدًا (٣) (قال: أهديت للنبي ﷺ ناقة) لفظ رواية الترمذي (٤): عن عياض بن حمار أنه أهدى للنبي ﷺ هدية (٥) أو ناقة (٦) ... الحديث. (فقال) لي: (أسلمت؟ فقلت: لا، فقال النبي ﷺ : إني نهيت عن) قبول (زبد) بفتح الزاي المعجمة وسكون الباء الموحدة (المشركين) أي: رفدهم (٧). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: ولقوله: "إني نهيت عن زبد المشركين" أي: هداياهم. قال: وروي عن النبي ﷺ أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، قال: وذكر في هذا الحديث الكراهة، واحتمل أن يكون هذا بعدما كان يقبل ثم نهي عن هداياهم (٨).

стр. 8450

وقال الجوهري: زبدت (١) الرجل أزبدة بالكسر إذا رضخت له من مال، وزبدته أزبده بالضم أطعمته الزبد (٢). وقال بعضهم: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخًا، وفي هذا نظر؛ فإن الجمع ممكن. وقيل: أراد أن يغيظه (٣) برد هديته فيغتاظ فيسلم (٤). * * *

стр. 8451

كِتاب القطائع ٣٦ - باب في إِقْطاعِ الأَرَضِيْنَ ٣٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْن مَرْزوقٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ (١). ٣٠٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصٌ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا جامِعُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ بإسْنادِهِ مِثْلَهُ (٢). ٣٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ داوُدَ، عَنْ فِطْرِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قال: خَطَّ لي رَسُول اللهِ ﷺ دارًا بِالمَدِينَةِ بِقَوْسٍ وقالَ: "أَزِيدُكَ أَزِيدُكَ" (٣).

стр. 8452

٣٠٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْطَعَ بِلالَ بْنَ الحارِثِ المُزَنيَّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ وَهيَ مِنْ ناحِيَةِ الفرْعِ فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنْها إِلَّا الزَّكاةُ إِلَى اليَوْمِ (١). ٣٠٦٢ - حَدَّثَنَا العَبّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حاتِمٍ وَغَيْرُهُ قالَ العَبّاسُ: حَدَّثَنَا الحُسَين ابْن محَمَّدٍ، أَخْبَرَنا أَبُو أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَقْطَعَ بِلالَ بْنَ الحارِثِ المُزَنيَّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّها وَغَوْرِيَّهَا - وقالَ غَيْرُ العَبّاسِ: جَلْسَها وَغَوْرَهَا - وَحَيثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا ما أَعْطَى مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ بِلالَ بْنَ الحارِثِ المُزَنيَّ أَعْطاهُ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّها وَغَوْرِيَّهَا". وقالَ غَيْرُ العَبَّاسِ: "جَلْسَها وَغَوْرَها وَحَيْثُ يَصلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ". قالَ أَبُو أُوَيْس: وَحَدَّثَني ثَوْرُ بْن زَيْدٍ مَوْلَى بَني الدِّيلِ ابْنِ بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ مِثْلَهُ (٢). ٣٠٦٣ - حَدَّثَنَا محمَّد بْنِ النضْر، سَمِعْت الحُنَيِنِيَّ قالَ: قَرأتُه غَيْرَ مَرِةٍ - يعْنِي: كتابَ قَطِيعَة النبِيِّ ﷺ . قَال أبو دَاوُد: وحَدَّثَنَا غير واحد عن حسين بن محمد، أخبرنا أبو أويس، حدثني كثير بن عبد الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ بِلالَ بْنَ الحارِثِ المُزَنِيَّ مَعادِنَ

стр. 8453

القَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّها وَغَوْرِيَّهَا - قالَ ابنُ النَّضْر: وجَرسَها وَذَاتِ النُّصُبِ، ثم اتفقا - وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْط بلالَ بن الحارث حَقَّ مُسْلِمٍ، وَكَتَبَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "هَذا ما أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ بِلالَ بْنَ الحارِثِ المُزَنيَّ أَعْطاهُ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ جَلسَها وَغَوْرَها، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ". قالَ أَبُو أُوَيْسٍ: وَحَدَّثَني ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ (١). زَادَ ابن النضْر: وَكَتَبَ أُبيُّ بن كَعْب. ٣٠٦٤ - حَدَّثَنَا قتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّد بْن المُتَوَكِّلِ العَسْقَلَانِيُّ - المَعْنَى واحِدٌ - أَنَّ محَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ المَأْرِبِيَّ حَدَّثَهُمْ أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ ثُمامَةَ بْنِ شُراحِيلَ، عَنْ سُمَيّ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ شُمَيْرٍ - قال: ابن المُتَوَكِّلِ ابن عَبْدِ المَدانِ - عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فاسْتَقْطَعَهُ الِملْحَ - قالَ ابن المُتَوَكِّلِ: الذي بِمَأْرِبَ - فَقَطَعَهُ لَهُ فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قالَ رَجُلٌ مِنَ المَجْلِسِ: أَتَدْري ما قَطَعْتَ لَهُ إِنَّما قَطَعْتَ لَهُ المَاءَ العِدَّ. قال: فانْتَزَعَ مِنْهُ. قال: وَسَأَلَهُ عَمَّا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ قالَ: "مَا لَمْ تَنَلْهُ خِفافٌ". وقالَ ابن المُتَوَكِّلِ: "أَخْفافُ الإِبِلِ" (٢). ٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا هارُون بْن عَبْدِ اللهِ، قال: قال مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المَخْزُوميُّ: "ما لَمْ تَنَلْهُ أَخْفافُ الإِبِلِ". يَعْني: أَنَّ الإِبِلَ تَأْكُلُ مُنْتَهَى رُؤوسِها وَيُحْمَى ما فَوْقَهُ (٣). ٣٠٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ القرَشيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا فَرَجُ ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَني عَمِّي ثابِتُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ سَأَلَ

стр. 8454

رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَنْ حِمَى الأرَاكِ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "لَا حِمَى في الأَراكِ". فَقال: أَراكَةً في حِظِاري. فَقالَ النَّبِيُّ ﵇: "لَا حِمَى فِي الأَرَاكِ". قالَ فَرَجٌ: يَعْني: بِحِظاري الأَرْضَ التي فِيها الزَّرْعُ المُحاطُ عَلَيْها (١). ٣٠٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ، حَدَّثَنَا الفِرْيابيُّ، حَدَّثَنَا أَبانُ قالَ عُمَرَ - وَهُوَ ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي حازِمٍ - قالَ: حَدَّثَني عُثْمانُ بْن أَبي حازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ صَخْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا ثَقِيفًا، فَلَمّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ فِي خَيْلٍ يُمِدّ النَّبيَّ ﷺ فَوَجَدَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَدِ انْصَرَفَ وَلَمْ يَفْتَحْ، فَجَعَلَ صَخْرٌ يَوْمَئِذٍ عَهْدَ اللهِ وَذِمَّتَهُ أَنْ لا يُفارِقَ هذا القَصْرَ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَخْرٌ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ ثَقِيفًا قَدْ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِكَ يا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا مُقْبِلٌ إِلَيْهِمْ وَهُمْ في خَيْلٍ. فَأَمَرَ رَسُول اللهِ ﷺ بِالصَّلاةِ جامِعَةً فَدَعا لأحمَسَ عَشْرَ دَعَواتٍ: "اللَّهُمَّ بارِكْ لأَحْمَسَ فِي خَيْلِها وَرِجالِهَا". وَأَتاهُ القَوْمُ فَتَكَلَّمَ المُغِيرَة بْن شُعْبَةَ فَقال: يا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ صَخْرًا أَخَذَ عَمَّتي وَدَخَلَتْ فِيما دَخَلَ فِيهِ المُسْلِمُونَ. فَدَعاهُ فَقالَ: "يا صَخْرُ إِنَّ القَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ فادْفَعْ إِلَى المُغِيرَةِ عَمَّتَهُ". فَدَفَعَها إِلَيْهِ وَسَأَلَ نَبيَّ اللهِ ﷺ ماءَ لِبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ هَرَبُوا عَنِ الإِسْلامِ وَتَرَكُوا ذَلِكَ الماءَ. فَقال: يا نَبيَّ اللهِ أَنْزِلْنِيهِ أَنا وَقَوْمي. قالَ: "نَعَمْ". فَأَنْزَلَهُ وَأَسْلَمَ -يَعْني: السُّلَمِيِّينَ - فَأَتَوْا صَخْرًا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمُ المَاءَ فَأَبَى فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا يا نَبِيَّ اللهِ أَسْلَمْنَا وَأَتَيْنَا صَخْرًا لِيَدْفَعَ إِلَيْنَا ماءَنَا فَأَبَى عَلَيْنا. فَأَتَاهُ فَقالَ: "يا صَخْرُ إِنَّ القَوْمَ إِذا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوالَهُمْ وَدِماءَهُمْ فادْفَعْ إِلَى القَوْمِ ماءَهُمْ". قال: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَغَيّر عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً حَيَاءً مِنْ أَخْذِهِ الجارِيَةَ وَأَخْذِهِ

стр. 8455

الماءَ (١). ٣٠٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سَبْرَة بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ الجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ تَحْتَ دَوْمَةٍ فَأَقامَ ثَلاثًا ثمَّ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ وَإِنَّ جُهَيْنَةَ لِحَقُوهُ بِالرَّحْبَةِ فَقالَ لَهُمْ: "مَنْ أَهْلُ ذي المَرْوَةِ". فَقالُوا: بَنُو رِفاعَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ. فَقالَ: "قَدْ أَقْطَعْتُهَا لِبَني رِفاعَةَ". فاقْتَسَمُوها فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَمْسَكَ فَعَمِلَ ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَاهُ عَبْدَ العَزِيزِ عَنْ هذا الحَدِيثِ فَحَدَّثَني بِبَعْضِهِ وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ كلِّهِ (٢). ٣٠٦٩ - حَدَّثَنَا حُسَين بْن عَليٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْني: ابن آدَمَ- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابُن عَيَّاشٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلًا (٣). ٣٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْن عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ - المَعْنَى واحِدٌ - قالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن حَسّانَ العَنْبَريُّ حَدَّثَتْنِي جَدَّتاي صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابنتا عُلَيْبَةَ وَكانَتَا رَبِيبَتَي قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ وَكانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمُا أنَها أَخْبَرَتْهُمَا قالَتْ: قَدِمْنا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَتْ: تَقَدَّمَ صاحِبي - تَعْني: حُرَيْثَ بْنَ حَسَّانَ وافِدَ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ - فَبايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ ثُمَّ قال: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُبْ بَيْنَنا وَبَيْنَ بَني تَمِيمٍ بِالدَّهْناءِ أَنْ لا يُجَاوِزَها إِلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مُسافِرٌ أَوْ مُجَاوِرٌ. فَقالَ: "اكْتُبْ لَهُ يا غُلامُ بِالدَّهْناءِ". فَلَمّا رَأَيْتهُ قَدْ أَمَرَ لَهُ بِها شُخِصَ بي وَهيَ وَطَني وَداري فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلُكَ السَّوِيَّةَ مِنَ الأرضِ إِذْ سَأَلَكَ إِنَّما هيَ هذِه الدَّهْناء عِنْدَكَ مُقَيَّدُ الجَمَلِ وَمَرْعَى الغَنَمِ وَنِساءُ بَنِي تَمِيمٍ وَأَبْناؤُهَا وَراءَ ذَلِكَ. فَقالَ: "أَمْسِكْ يا غُلامُ

стр. 8456

صَدَقَتِ المِسْكِينَةُ، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ يَسَعُهُما الماءُ والشَّجَرُ وَيَتَعاوَنَانِ عَلَى الفُتَّانِ" (١). ٣٠٧١ - حَدَّثَنَا محَمَّد بْن بَشَّارِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْن عَبْدِ الواحِدِ حَدَّثَتْنِي أُمُّ جَنُوب بِنْتُ نُمَيْلَةَ، عَنْ أُمِّها سُوَيْدَةَ بِنْتِ جابِرٍ، عَنْ أُمِّها عَقِيلَةَ بِنْتِ أَسْمَرَ بْنِ مضَرِّسٍ، عَنْ أَبِيها أَسْمَرَ بْنِ مضَرِّسٍ قال: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَبايَعْتُهُ فَقالَ: "مَنْ سَبَقَ إِلَى ماءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ". قال: فَخَرَجَ النّامق يَتَعادَوْنَ يَتَخَاطُّونَ (٢). ٣٠٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ فَأَجْرى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ فَقالَ: "أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ" (٣). * * * باب في إقطاع الأرضين [٣٠٥٨] (حَدَّثَنَا عمرو بن مرزوق) الباهلي، روى له البخاري (٤) مقرونًا (حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك) بن حرب. (عن علقمة بن وائل) بن حُجْر (٥) (عن أبيه) وائل بن حجر الكندي

стр. 8457

وكان قيلًا (١) من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، ووفد على رسول الله فأسلم (٢) ويقال أنه بشر به رسول الله ﷺ أصحابه قبل قدومه، فلما دخل عليه رحب به وقرب مجلسه وبسط له رداءه فأجلسه عليه مع نفسه وقال: "اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده"، واستعمله على الأقيال من حضرموت وكتب معه ثلاثة كتب منها كتاب إلى المهاجر بن أبي أمية، وكتاب إلى الأقيال والعباهلة (٣). (أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا) قال الشيخ قطب الدين في "المورد الهني": كتب له كتابًا: أن له ما في يديه من الأرضين والحصون، وأن يؤخذ منه من كل عشرة واحد أي: مما يخرج من الأرض (بحضرموت) بفتح الميم من اليمن، قال اليشكري: لغة هذيل حضرموت بضم الميم (٤). قال أبو الفتح: لما رأى من لغته ضم الميم أنه اسم علم، وأن الاسمين قد ركبا معًا تمم الشبه بضم الميم؛ ليكون على وزن عضرفوط قال: فإذا اعتقدت هذا ذهبت في ترك صرفه إلى التعريف وتأنيث البلد (٥) (٦).

стр. 8458

[٣٠٥٩] (حَدَّثَنَا حفص بن عمر) قال (حَدَّثَنَا جامع بن مطر) الحَبَطي البصري، وثقه ابن معين (١). (عن علقمة بن وائل) بن حجر (بإسناده) المتقدم و (مثله) في معناه. [٣٠٦٠] (حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا عبد الله بن داود) بن عامر الهمداني الكوفي، أخرج له البخاري والأربعة. (عن فطر) بكسر الفاء وسكون الطاء المهملة وهو ابن خليفة، وثقه أحمد وابن معين (٢) (حدثني أبي) خليفة: وثق (٣) (٤). (عن) مولاه (عمرو بن حريث) بضم الحاء وفتح الراء المهملتين مصغر، ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، عمر دهرًا كثيرًا (٥). (قال: خط لي رسول الله ﷺ دارًا بالمدينة بقوس) كان في يده (وقال) لي: (أزيدك) عليه شيئًا، وذكر أزيدك (أزيدك) مرتين هو (٦) من التأكيد بإعادة اللفظ، لا أنه يزيده مرتين. وللمصنف في أول الحديث: انطلق بي أبي إلى رسول الله ﷺ وأنا غلامٌ شاب فدعا لي بالبركة ومسح رأسي وخط لي دارًا بالمدينة ... الحديث.

стр. 8459

والظاهر أن المدينة هنا ليست مدينة النبي ﷺ . قال البكري: أهل المدينة أسلموا راغبين غير مكرهين، ومن أسلم على شيء فهو له، وقيل: لأنه من أرض المدينة (١)، ولم يكن من المدينة النبوية (٢). [٣٠٦١] (حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) واسم أبي عبد الرحمن فروخ مولى المنكدر بن عبد الله المزني (٣). (عن غير واحد) هكذا رواه مالك في "الموطأ" (٤) عن جميع الرواة مرسلًا، ولم يختلف فيه عن مالك، وذكر أبو عمر: أن الدراوردي عن ربيعة، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، ثم قال: وإسناد ربيعة فيه صالح حسن (٥). ولفظ مالك في "الموطأ" عن غير واحد من علمائهم (أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث) بن عصيم (المزني) لما قدم عليه سنة خمس في وفد مزينة وكان ينزل الأشعر والآخر وراء المدينة، فأقطعه رسول الله ﷺ العقيق (معادن القبلية) بفتح القاف والباء منسوب إلى قبل بفتح القاف والباء الموحدة وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام. قال المنذري: وهذا هو المحفوظ في الحديث، وفي كتاب الأمكنة:

стр. 8460

معادن القِلَبة بكسر القاف وفتح اللام ثم باء يعني: موحدة (١) (وهي من ناحية الفرع) بضم الفاء والراء ثم عين مهملة وبعضهم يسكن الراء وهو موضع بأعلى المدينة واسع على طريق مكة، وفيه مساجد النبي ﷺ ومنابره وقرى كثيرة (٢). قال ابن حازم: وهي لقريش والأنصار ومزينة، وقيل غير ذلك. الفرع قرية من ناحية الربذة عن يسار السقيا (٣) بينها وبين المدينة ثمانية برد (٤) (فتلك المعادن) يعني: التي بها (لا يؤخذ منها إلا الزكاة) فإذا أقطع الإمام أحد الرعية ممن فيه نفع للمسلمين شيئًا من المعادن الباطنة، وهي ما كان جوهره مستكنًّا لا يوصل إليه إلا بالعمل كمعادن الذهب والفضة والنحاس والحديد جاز إقطاعه سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أم لا. وهذا الحديث حجة في جواز ذلك. وإذا جاز الإقطاع صار المقطع أحق بها، وله منع الناس منها ويؤخذ من عده ﷺ وأن فيها الزكاة أن مصرف المعادن في مستحقها مصرف سائر الزكوات (٥)، وهذا هو المذهب عند الشافعية، وفيه وجه: أن مصرف المعادن مصرف الفيء، وعلى هذا لا يصلح عده من الزكوات. وفي هذا الحديث حجة لمذهب الشافعي: أن واجب المعدن ربع

стр. 8461

العشر من الفضة كغيره من الزكوات، وبه قال أحمد، ويدل عليه أيضًا إطلاق قوله ﵇: في الرقة ربع العشر، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إن الواجب الخمس (١). قال الراوي: واستمر هذا الحكم معمولًا به (إلى اليوم) يعني: زمن الراوي، وكذا استمر الحكم بعد الراوي إلى زماننا. [٣٠٦٢] (حَدَّثَنَا العباس بن محمد بن حاتم) بن واقد الدوري، وثقه النسائي (٢)، وقال أبو حاتم (٣): صدوق (وغيره، قال العباس: حَدَّثَنَا الحسين بن محمد) بن بهرام المروزي المؤذن نزيل بغداد (٤) قال: (أنبأنا أبو أويس) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك الأصبحي المدني، أخرج له مسلم (٥) قال (حَدَّثَنَا كثير بن عبد الله بن عمرو بن أعوف بن، زيد المزني (٦) عن أبيه) عبد الله بن عمرو (٧). (عن جده) عمرو بن عوف بن زيد المزني، مهاجري أحد البكائين، شهد الخندق ﵁ (٨) (أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني ﵁ معادن القبلية) تقدم.

стр. 8462

قال المنذري: هكذا وقع هاهنا جرسها بجيم مكسورة وراء مهملة، والمحفوظ باللام وفتح الجيم (١) (جلسيها) (٢) بفتح الجيم وسكون اللام وكسر السين المهملة وتشديد ياء النسب. قال الأصمعي: وكل مرتفع من الأرض جلس (٣) (وغوريها) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وتشديد ياء النسب، فكما أن ما ارتفع من الأرض نجد، وكذا ما انخفض منها غور، والمراد بهذا الحديث أنه أقطعه [من هذِه الأرض] (٤) جميع مهادها ووهادها فيقول من الأول: جلس يجلس فهو جالس إذا أتى نجدًا، ومن الثاني غار إذا أتى الغور وأغار أيضًا، وهي لغة قليلة. (قال غيره: جلسها وغورها) كما تقدم، إلا أنه بنصب السين والراء وحذف ياء النسب فيهما (وحيث يصلح الزرع من قدس) بضم القاف

стр. 8463

وسكون الدال، كذا ضبطه في "النهاية" (١) والمنذري قالا: وهو جبل معروف، وقيل فيه: قديس، والأول المشهور (٢). قال المنذري: ولا ينصرف على معنى الجبلة، وقيل: هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة. قال أبو عبيد: الجلسي بلاد نجد، والغور بلاد تهامة فعلى قول جواز الإقطاع يكون المقطع أحق بها، وله منع الناس منها. قال الماوردي (٣) والبغوي (٤) وغيرهما: وهل تملك هذِه المعادن بالإحياء؟ للشافعي فيه قولان: أحدهما: تملك رقبة المعدن (٥) ويجوز له بيعه، وينقل إلى ورثته، فعلى هذا إذا وصل إلى النيل ملك، كما لو حفر بئرًا في موات، فالملك لا يحصل حتى يصل إلى الماء. والقول الثاني: إقطاعه إقطاع (٦) إرفاق فلا يملك الرقبة، بخلاف الأرض فإنها إذا أحييت ثبت إحياؤها، والمعدن يحتاج أن يعمل فيه كل يوم حتى يرتفق منه، فتملك الارتفاق بالعمل مدة مقامه، وإذا تركه زال حكم الإقطاع عنه وعاد إلى الإحياء.

стр. 8464

قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": ومن أحيى مواتًا بإقطاعٍ أو غيره فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر وباطن ملكه المحيي على التأبيد كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفره من الأنهار (١). (ولم يعطه حق مسلم) معين، لكن قد يقطع ما فيه حقوق المسلمين من غير تعيين، وهذا نوعٌ من الإقطاع ارتفاقًا من غير تمليك كالمقاعد من الأسواق يرتفق للرجل، فيكون أولى به وبما حواليه قدر ما يضع عليه متاعه للبيع ويقف فيه المشتري. قال البغوي: فيجوز للسلطان إقطاعه من غير تمليك (٢). (وكتب له النبي ﷺ ) أي: كتب له بأمر النبي ﷺ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه الابتداء بالبسملة في المكاتبة إلى الملوك وغيرهم، وفي كتب الأوقاف والصدقات ونحوها: (هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث) بن عاصم (المزني أعطاه معادن القبلية جلسيها وغوريها) أي: كل نجد ووهدة من أرض المعادن القبلية. ([وقال غيره]) رواية: (جلسها وغورها أوحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه) بلال بن الحارث (حق مسلم) تعين له. (قال أبو أويس: ) عبد الله بن [عبد الله] (٣) المذكور (وحدثني ثور) بفتح المثلثة (بن زيد مولى بني الديل بن بكر بن كنانة) الديلي مولاهم

стр. 8465

المدني، وثقه ابن معين، وقال أحمد وغيره: صالح الحديث (١) (عن عكرمة، عن ابن عباس مثله) كما تقدم. [٣٠٦٣] (حَدَّثَنَا محمد بن النضر) بسكون الضاد المعجمة بن مساور المروزي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) (قال: سمعت) إسحاق بن إبراهيم (الحنيني) (٣) بضم الحاء المهملة وفتح النون الأولى ثم ياء التصغير نسبة إلى جده الأعلى حثين مولى عبد الله بن عباس (٤)، والحنيني مدني كان مالك يعظم الحنيني ويكرمه لدينه وعبادته (قال) عن هذا الحديث (قرأته غير مرّة يعني) هذا الكتاب (كتاب قطيعة) أي: كتاب إقطاع (النبي ﷺ ) بلالا. (قال [أبو داود]) المصنف: (وحَدَّثَنَا غير واحد، عن حسين بن محمد) قال: (حَدَّثَنَا أبو أويس) عبد الله بن عبد الله، قال: (حدثني كثير بن عبد الله) بن عمرو بن عوف (عن أبيه، عن جده ﵁: أن النبي ﷺ أقطع [بلال] بن الحارث المزني [معادن القبليةِ] جلسيها وغوريها) كما تقدم، (قال) محمد (بن النضر) في روايته: (وجرسها) بكسر الجيم وسكون الراء، قال المنذري: المحفوظ فتح الجيم وسكون الراء وزاد (وذات) بالنصب (النُّصُبِ) بضم النون والصاد المهملة بعدها باء موحدة، قال مالك: بينها وبين المدينة أربع برد (٥). قال البكري: كانت فيه أنصابٌ

стр. 8466

في الجاهلية. قال: وروى مالك من طريق سالم بن عبد الله أن أباه ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك (١)، وكانت الجاهلية تنصب أصنامًا وتعبدها وتذبح لها، ومنه قول الأعشى: وذا النصب المنصوب لا تعبدَنَّه ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدوا (٢) (ثم اتفقا) في الرواية (و) أقطعه (حيث يصلح الزرع) بخلاف ما لا يصلح للزراعة فلا يدخل في الإقطاع (من) أرض (قدس، ولم يعط بلال بن الحارث) المزني أرضًا فيها (حق مسلم، وكتب له) أُبي بن كعب بأمر (النبي ﷺ : هذا ما أعطى رسول الله ﷺ بلال بن الحارث المزني أعطاه معادن) الأراضي (القبلية، جلسها وغورها) بحذف ياء النسب منهما كما تقدم (وحيث يصلح الزرع من قدس) فما لا يصلح للزرع ولا للغراس مما لا ينتفع به فلا يدخل في الإقطاع، (ولم يعطه) ما يتعلق به (حق مسلم) ولو حريم بئره أو داره. وفي "شرح السنة" (٣): عن عبد الله بن مغفل، عن رسول الله ﷺ قال: "من احتفر بئرًا فليس لأحد أن يحفر حوله أربعين ذراعًا". (زاد) محمد (ابن النضر) في روايته (وكتب) كتاب الإقطاع (أبي بن كعب) ﵁. [٣٠٤٦] (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد الثقفي) البلخي، (ومحمد بن المتوكل العسقلاني) نسبة إلى عسقلان مدينة بساحل الشام من أرض (٤) فلسطين،

стр. 8467

ينسب إليها جماعة، وإلى عسقلان بلخ ملحمة منها. قال السمعاني: مضيت إليها وسمعت بها الحديث من جماعة (١). واشتقاق عسقلان من العساقيل وهو من السراب (٢)، أو من العسقيل وهي الحجارة الضخمة (٣). (المعنى واحد: أن محمد بن يحيى بن قيس) السبائي (٤) بفتح السين المهملة والباء المخففة بعدها همزة (المأربي) بفتح الميم وسكون الألف وكسر الراء بعدها باء موحدة نسبة إلى مأرب من صنعاء اليمن على ثلاثة أيام، ذكر المسعودي أن مأرب اسم الملك الذي كان يملك البلدة. ومحمد بن يحيى هذا كنيته أبو عمر اليماني، وثقه الدارقطني وغيره (٥) (حدثهم) قال (أخبرني أبي) (٦) يحيى بن قيس وهو صدوق (٧) (عن ثمامة) بضم المثلثة (ابن شراحيل) اليماني صدوق.

стр. 8468

قال الدارقطني: لا بأس به (١). (عن سمي بن قيس) اليماني ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، ولم يرو عنه المصنف والترمذي غير هذا الحديث. (عن شمير) بضم الشين المعجمة وفتح الميم مصغر، وهو ابن عبد المدان (٣) (قال) محمد (ابن المتوكل) شمير (بن عبد المدان) [بفتح الميم والدال المهملة. قال ابن ماكولا ويقال فيه: شمير بن حمل (٤). وشمير ذكره ابن حبان في "الثقات"] (٥). (عن أبيض بن حمال) بفتح الحاء المهملة والميم المشددة الحميري المأربي بكسر الراء والباء الموحدة (٦) (أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه) أي: ساله أن يقطعه من الجواهر الظاهرة التي أودعها الله بعض بقاع الأرض (الملح، قال) محمد (ابن المتوكل) في روايته (الذي بمأرب) بكسر الراء كما تقدم (فقطعه له) قال ابن سيده: يقال: قطع السلطان لفلان كذا وأقطعه كذا وكذا والأشهر أقطعه، انتهى. وقد جاءت السنة باللغتين.

стр. 8469

(فلما أن ولى قال) له (رجل من المجلس) وهو الأقرع بن حابس التميمي (١) كما جاء مصرحًا به في رواية الدارقطني (٢) من رواية ثابت وسعيد (أتدري) يا رسول الله (ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العد) بكسر العين وتشديد الدال المهملتين وهو الماء الدائم الذي لا ارتفاع لمادته، جمعه له بمداد كحمل وأحمال، وقيل: هو ما يجمع ويعد للورود، ورده الأزهري ورجح الأول (٣)، ومنه الحديث: نزلوا أعداد مياه الحديبية (٤). أي: ذوات المادة كالعيون والآبار الذي ينبع، وإنما قال الأقرع بن حابس ذلك؛ لأنه كان ورد عليه في الجاهلية وعرفه. (قال) أبيض: (فانتزع) بضم التاء وكسر الزاي، وفي بعضها بفتحهما، (منه) وفي رواية الشافعي (٥): قال: فلا إذًا. وفي الحديث دليل على أن الحاكم إذا حكم بشيء ثم تبين له أن الحق في خلافه نقضه وعليه رده، لكن قال في رواية الشافعي: فأراد أن يقطعه. قال الماوردي وغيره: إذا أقطعت المعادن الظاهرة كالكحل والملح والقار والنفط فهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه بل يأخذه من ورد إليه، فإن أقطع كان المقطع هو وغيره فيها سواء، وإن منعهم المقطع كان بالمنع

стр. 8470

متعديًا، ومن أخذه كان مالكًا له (١). (قال) أبيض: (وسأله عما يحيى) بضم الياء وفتح الميم (من الأراك) شجر معروف له حمل كعناقيد العنب واسمه الكَبَاث (٢) بفتح [(٣) الكاف، وإذا نضج سمي المرد. وفي حديث الزهري عن بني إسرائيل: وكأن عنبهم الأراك (٤). (قال: ما لم تنله خفاف) كذا الرواية بكسر الخاء ويشبه أن تحمل هذِه الرواية على ما فسره الأصمعي فإنه قال: الخف: الجمل المسن (٥) أي: ما قرب من المرعى لا يحيى بل يترك لمسان الإبل وما في معناها من الضعاف التي لا تقوى على الإمعان في طلب المرعى (٦). (وقال ابن المتوكل: أخفاف) ما لم تنله (الإبل) وهذِه الرواية المشهورة أي: ما لم تبلغه أفواه الإبل بمشيها إليه. قال البغوي: أراد بهذا الحديث أن يحمي من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في المرعى (٧).

стр. 8471

قال: وفيه دليل على أن الكلأ والمرعى في غير الملك لا يمنع من السارحة وليس لأحد أن يستأثر به دون سائر الناس، فأما ما كان في ملك الرجل من الكلأ والأراك فمملوك له وله منعه من (١) غيره كسائر الأشجار (٢). [٣٠٦٥] (حدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي شيخ مسلم (٣) (قال: قال محمد بن الحسن) بن زبالة القرشي (٤) (المخزومي) المدني أحد المكثرين، قال: قوله (ما لم تنله أخفاف الإبل يعني: أن الإبل تأكل) من المرعى (منتهى) ما تصل إليه (رؤوسها، ويحمى) منه (ما فوقه) أي: ما فوق ذلك مما لم تصله رؤوسها. [٣٠٦٦] (حَدَّثَنَا محمد بن أحمد القرشي، حَدَّثَنَا عبد الله بن الزبير) الحميدي شيخ البخاري. (حَدَّثَنَا فرج بن سعيد) بن علقمة المأربي صدوق (٥) (حدثني عمي ثابت بن سعيد (٦) عن أبيه) سعيد بن أبيض (٧). (عن جده عن أبيض بن حمال) الحميري (٨).

стр. 8472

[قال العلائي: يقال: ثابت سمع من أنس ومعين] (١) وأبوه سعيد يعد في أهل اليمن تابعي (٢)، ذكرهما ابن حبان في "الثقات" (٣) عن أبيض بن حمال ﵁ (أنه سأل رسول الله ﷺ عن حمى الأراك) قال في "النهاية": يشبه أن تكون هذِه الأراكة التي سأل عنها يوم إحياء الأرض وحظر عليها قائمةً فيها فملك الأرض بالإحياء ولم يملك الأراكة، فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل فإنه يحميه ويمنع غيره منه (٤). (فقال رسول الله ﷺ : لا حمى) أي: لا يجوز أن يحيى (في الأراك) ثمرها ولا فروعها ولا شيء منها (فقال) أريد بالأراك الذي سألتك عنه (أراكة) واحدة هي (في حظاري) بكسر الحاء المهملة وفتحها حائط الحظيرة المتخذ من خشب أو قش يعمل للإبل يقيها من البرد والريح أي: أراكة ثابتة في أرضي التي فيها زرعي المحاط عليها بالحظيرة التي جعلتها عليها (٥) (فقال النبي ﷺ : لا حمى في الأراك) جميعه. (قال فرج) بن سعيد (يعني) الأراكة الثابتة (بحظاري) قال في "النهاية": بفتح الحاء وبكسرها. انتهى (٦). والظاهر أن الياء التي في آخر حظاري مشددة وهي ياء النسب أضيفت

стр. 8473

إلى الأرض، وفي "النهاية" (١): كانت تلك الأراكة التي ذكرها في الأرض التي أحياها قبل أن يحييها فيه بملكها بالإحياء وملك الأرض دونها؛ إذ كانت مرعى للسارحة، وفي حديث المرأة التي دفنت ثلاثة فقال: "لقد احتظرت بحظاري النار " (٢). والاحتظار فعل الحظار، أراد: لقد احتميت بحمى عظيم من النار يقيك حرها ويؤمنك دخولها (٣) (الأرض التي فيها الزرع المحاط) بالحظار (عليها). [٣٠٦٧] (حَدَّثَنَا عمر بن الخطاب) السجستاني (٤) الحافظ نزيل الأهواز (أبو حفه) مات سنة ٢٦٤ (٥). (حَدَّثَنَا) محمد بن يوسف (الفريابي) بكسر الفاء وسكون الراء وتخفيف المثناة تحت وبعد الألف موحدة الضبي. (حَدَّثَنَا أبان) الأفصح: عدم الصرف وهو ابن عبد الله (قال عمر) بن الخطاب شيخ المصنف: أبان هذا (وهو) أبان (ابن عبد الله بن أبي حازم) البجلي الأحمسي وثقه ابن معين وقال أحمد: صدوق (٦). (قال: حدثني عثمان بن أبي حازم (٧) عن أبيه) أبي حازم، ولا يعرف اسمه فإن المزي لم يتعرض له (عن جده صخر) ابن العيلة بفتح العين

стр. 8474

المهملة وسكون المثناة تحت بن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن علي بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار أبي حازم الأحمسي البجلي ليس له في السنة غير هذا الحديث، وهو من أفراد المصنف (١). وقد اختلف في هذا الحديث رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، عن أبان كرواية الفريابي هذِه. ورواه أبو أحمد الزبيري، عن أبان بن عبد الله، عن صخر. كذا ذكره في "الأطراف" للمزي. ورواه معمر وغير واحد عن أبان، عن عثمان بن أبي حازم، عن صخر بن العيلة. ومحمد بن أبي الحسن الأسدي، عن أبان، عن عثمان بن أبي حازم وكثير بن أبي حازم، عن صخر. ورواه وكيع عن أبان، عن عمومته، عن جده صخر. وحكم المزي تبعًا لابن عساكر بعد أن زاد رواية محمد بن الحسن وما بعدها أن رواية الباب وهي رواية الفريابي ومتابعة أبي نعيم له أصح (٢). (أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفًا) قبيلة نزلوا الطائف وانتشروا في البلاد (فلمَّا أن سمع ذلك صخر) بن العيلة (ركب في خيل) من عشيرته (يُمِد) بضم الياء وكسر الميم (النبي ﷺ ) فيه يمد أي يمده بالخيل التي معه فينصره على عدوه، وفي هذا منقبة عظيمة لصخر ﵁ (فوجد نبي الله ﷺ قد انصرف) عن ثقيف (ولم يفتح) بفتح أوله وثالثه يعني: القصر

стр. 8475

الذي لثقيف (فجعل صخر يومئذٍ) عليه (عهد الله وذمته) أي: حقه وخدمته عليه في وفاء ما التزمه (أن لا يفارق) ولا يترك قتال أهل (هذا القصر حتى ينزلوا (١) على حكم رسول الله ﷺ ) وأنفذ الله تعالى عهده وذمته لما علم من صدق نيته واستمر محاصرًا للقصر (فلم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ) فيحكم فيهم بما أراه الله تعالى ويقضي فيهم بحكم الله تعالى. (فكتب إليه صخر) بن العيلة (أما بعد) بضم الدال؛ لأنه قطع عن الإضافة وتقدير ذلك: أما بعد حمد الله والصلاة على رسول الله ﷺ (فإن ثقيفًا قد نزلت) من القصر (على حكمك يا رسول الله) وفيه دليل على جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم رسول الله ﷺ أو على حكم مسلم عدل صالح للحكم (وأنا مقبل إليهم) للاجتماع بهم (وهم في خيل) أي: في عدد كبير وقوة. (فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة) منصوب على الإغراء، أي: الزموها ولا تأثير لحرف الجر في الصلاة؛ لأنها جاءت على لفظ الحكاية (فدعا) نصب على الحال. وقال بعض الفقهاء: يرفعان على المبتدأ والخبر، ويرفع الأول وينصب الثاني وبالعكس. والمراد بالحديث أنه أمر مناديًا أن يقول: الصلاة جامعة. وليست هذِه الصلاة فرضًا؛ فإن الفرائض يؤذن لها، فدعا بعد الصلاة
следующие страницы →