← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

أمكن للإمام أن يعتبر ما شك فيه بالقيمة فلعلهم أخطؤوا في ذلك، ولا يتساهل في قبول شهادة البنائين في قيمة الأملاك فقد وجدتهم يترخصون ويشيدون بالقيمة بذلك المكان مع أنها أكثر من ذلك لما يأخذوه من الأجرة على شهادتهم ممن يشتري الملك. (فقال للمرأة: أحصي) (١) بفتح الهمزة (ما يخرج منها) أي: احفظي قدر كيلها ولفظ مسلم (٢): "أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى". وأصل الإحصاء العد بالحصى؛ لأنهم كانوا لا يحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العد بالحصى (فأتينا) لفظ مسلم: وانطلقنا حتى قدمنا (تبوك) زاد في الصحيحين واللفظ للبخاري (٣) قال: "أما إنها ستهب الليلة (٤) ريح شديدة فلا يقومن أحد ومن كان معه بعير فليعقله"، فعقلناها، وهبت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيء (فأهدى ملك أيلة) بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام مفتوحة بلدة قديمة بساحل البحر وهي: آخر الحجاز وأول الشام (إلى رسول الله ﷺ ]) (٥) وزاد مسلم: فقال: وجاء رسول ابن العلما صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب. وفي "مغازي ابن إسحاق": فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه

стр. 8507

يُحَنَّةُ بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية (١). وكذا رواه إبراهيم الحربي في الهدايا (٢) من حديث علي. فاستفيد من ذلك اسمه واسم أبيه. ولعل العلماء - المذكورة في مسلم - اسم أمه، ويحنا بضم التحتانية المهملة وتشديد النون، ورؤبة بضم الراء وسكون الواو وبعدها موحدة (٣). (بغلة بيضاء) اسمها دلدل، قال النووي: ظاهر لفظه هنا أنه أهداها للنبي ﷺ في غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وقد كانت هذِه البغلة عند رسول الله ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حنين كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة، وكانت حنين عقب فتح مكة سنة ثمانٍ. قال القاضي: ولم يرو أنه كان للنبي ﷺ بغلةً غيرها، فيحمل قوله على أنه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء، وهي تقتضي الترتيب عند بعضهم (٤). (وكساه بردة) [لفظ مسلم: فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بردا

стр. 8508

وكتب له] (١) ذكر ابن إسحاق الكتاب وهو بعد البسملة: هذِه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنا بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي ... وساق بقية الكتاب (٢). (يعني: ببحره) لفظ الصحيحين (٣): وكتب له ببحرهم أي: ببلدهم، فإن البحار القرى (٤) ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٥) قيل: في المدن والقرى، أو المراد: وكتب له بأهل بحرهم؛ لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر، أي أنه أمَّره عليهم بما التزموه من الجزية، وفي بعض الروايات: ببحرتهم أي: ببلدتهم، وقيل: البحرة الأرض (٦). ([قال]: فلما أتينا وادي) بنصب الياء (القرى) لفظ مسلم: ثم قدمنا حتى أتينا وادي القرى (قال للمرأة: كم كان في حديقتك؟ ) أي: كم جاء في حديقتك؟ كما في البخاري: كم جاء ثمر حديقتك؟ وفي رواية مسلم: فسأل المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها؟ (قالت: عشرة) بالنصب تقديره: بلغ ثمرها عشرة (أوسق) ويجوز النصب على حذف مضاف تقديره: جاء قدر عشرة أوسق، وقيل: على حذف حرف الجر، أو هو منصوب على الحال (خرص) بالنصب إما بدل أو بيان، ويجوز الرفع فيهما تقديره: الحاصل عشرة أوسق، وهو خرص (رسول

стр. 8509

الله ﷺ ) وذكر مسلم هذا الحديث في كتاب المناقب، وبوب عليه: باب إصابة النبي ﷺ في الخرص. (فقال رسول الله ﷺ : إني متعجل إلى المدينة) قال ذلك لما سلك عراب؛ لأنها أقرب إلى المدينة (فمن أحب (١) منكم أن يتعجل معي) إلى المدينة (فليتعجل) أي: إني سألك طريق المدينة فمن أراد منكم فليأت معي، يعني: ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش. وفي هذا الحديث مشروعية الخرص، واختلف القائلون: هل هو واجب أو مستحب؛ فحكى الصيمري من الشافعية وجها بوجوبه؛ لقوله في الحديث: "اخرصوا". وصيغة الأمر للوجوب. وقال الجمهور: هو مستحب، إلا إن تعلق به حق لمحجور مثلًا. وهل يمضي قول الخارص أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف الأول قول مالك، والثاني قول الشافعي ومن تبعه (٢). وقوله في الحديث: خرصنا لأحد وجهي الشافعي أنه لابد في الخرص من اثنين، وفيه مشروعية الهدية ومجازاتها، وقبول هدايا المشركين (٣). [٣٠٨٠] (حَدَّثَنَا عبد الواحد بن غياث) المربدي (٤) البصري، صدوق، صاحب حديث (٥). (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي،

стр. 8510

مولاهم البصري (حَدَّثَنَا) سليمان بن مهران (الأعمش، عن جامع بن شداد) أبي صخرة الحازمي (عن كلثوم (١) عن زينب) قال المنذري: لم تنسب، ويظن أنها امرأة عبد الله بن مسعود، انتهى (٢). وامرأة ابن (٣) مسعود هي أنصارية، قيل: هي زينب بنت عبد الله الثقفية، وقيل: بنت معاوية (٤) (أنها كانت تفلي) بفتح التاء الفوقية وسكون الفاء (رأس) أي: شعر رأس (رسول الله ﷺ ) لتأخذ القمل منه، فلعل كان بينهما

стр. 8511

محرمية (١). (وعنده امرأة عثمان بن عفان ﵁ (٢) ونساء من المهاجرات) التي هاجرن (٣) مع أزواجهن من مكة إلى المدينة (وهن يشتكين) من (منازلهن أنها تضيق) بفتح أوله وكسر ثانيه (عليهن) أي تضيق عليهن سكناها فلا يسعن إلا بضيق (ويخرجن) بضم الأول وفتح الثالث (منها) أي: من المنازل (فأمر رسول الله ﷺ أن تورث) بضم أوله وفتح الواو والراء المشددة (دور) مفعول مقدم (المهاجرين) إلى المدينة، يعني: الدور التي أقطعها النبي ﷺ للمهاجرين بالمدينة إقطاع تمليك يتصرفوا فيه بالبيع ونحوه. (النساء) بالرفع نائب عن الفاعل المحذوف، قال في "النهاية": تخصيص النساء بتوريث الدور يعني: عن أزواجهن المهاجرين دون بقية الوارث، يشبه أن يكون على معنى القسمة بين الورثة، وخصَّهن بها؛ لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن، فاختار لهن المنازل

стр. 8512

للسكنى، قال: ويجوز أن تكون الدور في أيديهن على سبيل الرفق بهن لا التمليك كما كانت حجر النبي ﷺ في أيدي نسائه بعده (١). (فمات عبد الله بن مسعود ﵁ فورثته) بفتح الواو وكسر الراء المخففة أي: ورثت منه (امرأته) برفع التاء فاعل، والتقدير: ورثت منه امرأته، وحذف حرف الجر كثير (دارًا بالمدينة) ويحكى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان نساء النبي ﷺ في معنى المعتدات؛ لأنهن لا ينكحن، وللمعتدة السكنى، فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن، ولا يتملكن رقابها (٢)، انتهى. ويحتمل أن يكون نساء المهاجرين لما كنَّ غرباء في المدينة ليس لهن فيها أهل ولا عشيرة ينتقلن إليهن عند موت أزواجهن جعلن على حكمهن لا أنه ميراث حقيقي، والله أعلم. * * *

стр. 8513

٣٨ - باب مَا جاءَ في الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الخَرَاجِ ٣٠٨١ - حَدَّثَنَا هارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلالٍ، أَخْبَرَنَا محَمَّدُ بْنُ عِيسَى -يَعْني: ابن سُمَيْعٍ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْن واقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُعاذٍ أَنَّهُ قال: مَنْ عَقَدَ الجِزيةَ في عُنُقِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١). ٣٠٨٢ - حَدَّثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْحٍ الحَضْرَميُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنِي عُمَارَة بْنُ أَبِي الشَّعْثاءِ، حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي شَبِيبُ بْن نُعَيْمٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبو الدَّرْداءِ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِها فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نَزَعَ صَغارَ كافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ في عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَّى الإِسْلامَ ظَهْرَهُ". قال: فَسَمِعَ مِنِّي خالِدُ بْنُ مَعْدانَ هذا الحَدِيثَ فَقالَ لي: أَشَبِيبٌ حَدَّثَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قال: فَإِذا قَدِمْتَ فَسَلْهُ فَلْيَكْتُبْ إِلَي بِالَحدِيثِ. قال: فَكَتَبَهُ لَهُ فَلَمَّا قَدِمْتُ سَأَلنِي خالِدُ بْن مَعْدانَ القِرْطَاسَ فَأَعْطَيْتُهُ، فَلَمَّا قَرَأَهُ تَرَكَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنَ الأَرَضِينَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ. قالَ أَبُو داوُدَ: هذا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ اليَزَنِيُّ لَيْسَ هُوَ صاحِبَ شُعْبَةَ (٢). * * * باب ما جاء في الدخول في أرض الخراج يعني: هل يسقط عن المسلم ما كان خراجًا على الكافر أم لا؟ [٣٠٨١] (حَدَّثَنَا هارون بن محمد بن بكار) بفتح الموحدة والكاف المشددة (ابن بلال [أخبرنا محمد بن عيسى، يعني: ابن سميع]) (٣) الدمشقي، مولى معاوية بن أبي سفيان، قال المصنف: ليس به بأس،

стр. 8514

وقال ابن حبان: مستقيم الحال إذا بين السماع، يعني: كما هو (١)، (حَدَّثَنَا زيد بن واقد) بالقاف القرشي الدمشقي، أخرج له البخاري في مناقب أبي بكر الصديق ﵁ (٢) (حدثني أبو عبد الله) هذا لم ينسب. قيل: معنى الجزية [(٣) هاهنا الخراج قاله المنذري (٤) وذكر له الحديث: إن الرجل إذا اشترى أرضًا خراجية من كافر لم يسقط الخراج عنه ذهب إليه أصحاب الرأي (٥). (عن معاذ) بن جبل ﵁ (أنه قال: من عقد الجزية) قال في "النهاية": عقد الجزية كناية عن تقريرها (٦) (في عنقه) على نفسه كما تُعقد الذمة للكتابي عليها (فقد برئ) أي: تبرأ (مما عليه رسول الله ﷺ ) من الحق والهدى الذي هو شريعة الإسلام، ويدخل في هذا الزجر والوعيد الشديد من له عبد نصراني ويهودي واشتراه على ما ورد عن عمر بن الخطاب، وهو رواية عن أحمد واحتمله كلام الخرقي (٧) أنه يجب على سيد العبد جزية عبده يؤديها عنه ويصير ملتزما لأدائها كما يلتزمه أهل الذمة، ولهذا ورد النهي عن عمر ل في ذلك بقوله: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم؛ لأنهم أهل خراج يتبع بعضهم

стр. 8515

بعضًا ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ أنقذه الله منه (١)، ولأنه روي عن علي مثل قول عمر، وعلى هذا فلا يشتري من أهل الذمة أيضًا أرض عليها خراج (٢)، فإن الخراج يجب أداؤه كل سنة كما تؤدى الجزية فهو يشبه بالجزية فمن اشتراها فكأنه قد عقد جزية عليه وجزية المال كجزية الرؤوس، ويدل على هذا تبويب المصنف على هذا الحديث: باب الدخول في أرض الخراج، يعني بالشراء وغيره. [٣٠٨٢] (حَدَّثَنَا حيوة بن شريح) بن يزيد (الحضرمي) بالحاء والميم نسبة إلى حضرموت بفتح الميم في أقصى بلاد اليمن من سبأ الحمصي شيخ البخاري في صلاة الخوف (٣). (حَدَّثَنَا بقية) بن الوليد الحميري (حَدَّثَنَا عمارة بن أبي الشعثاء) لم يرو عنه غير بقية (٤). (حدثني سنان بن قيس) الشامي لم يرو عنه المصنف غير هذا الحديث قال ابن حبان في كتاب "الثقات" (٥): هو سيار بن قيس. (حدثني شبيب) بفتح المعجمة (ابن نعيم) الشامي الحمصي روى له المصنف هذا الحديث فقط (٦) (حدثني يزيد بن خمير) بضم الخاء

стр. 8516

المعجمة وفتح الميم وسكون ياء التصغير المسكنة (١) ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) وسيأتي (حدثني أبو الدرداء) عويمر ﵁ (٣). (قال: قال رسول الله ﷺ : من أخذ أرضًا) أي اشتراها أو دخلت في ملكه بنوع ما من كافر أو مسلم (بجزيتها) الجزية هنا هي الخراج (فقد استقال) طلب الإقالة في (هجرته) من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، فكأنه لما اشترى الأرض من الكافر بعد أن صار مسلمًا رجع فلما خرج عنه ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤) ولهذا قال ﵇ في الصحيحين (٥): "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم" ولقول عمر المتقدم قبله: لا تشتروا مما في أيديهم؛ لأنهم أهل خراج يتبع بعضهم بعضًا. وفي هذا الحديث حجة لأصحاب أبي حنيفة أن المسلم إذا اشترى من الكافر أرضًا خراجية لم يسقط الخراج عنه؛ لأنه لو سقط عنه لم يكن آخذًا لها بجزيتها كما في الحديث لكنهم لم يروا فيما أخرجت هذِه الأرض من الحب عشورًا وقالوا: لا يجتمع الخراج والعشر واستدلوا بالحديث المتقدم: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها" (٦). قالوا: أراد بمنع القفيز والدينار الخراج فكأنه ذم

стр. 8517

امتناعهم من أداء الخراج بعدما أسلموا عليه، ففي ذلك دلالة على أن المسلم إذا أسلم على خراج لا يسقط عنه خراج بإسلامه. قال البيهقي: ولا حجة لهم، فإن قوله: "منعت" أي: ستمنع خراجهم بإسلامهم. ففي هذا الحديث حجة لنا عليهم في سقوط الخراج عن أهل الذمة إذا أسلموا انتهى (١). وهذا هو المسمى عند الأصوليين بقلب الدليل، والله أعلم. (ومن نزع صغار) بفتح الصاد (كافر) يهودي أو نصراني أو غيرهما من أهل الكتاب (من عنقه) من باب التعبير بالجزء عن الكل تجوزًا، والصغار هو الذل والهوان (فجعله في عنقه) كأنه ما اشترى من الكفار الأرض التي عليها جزية نزع الجزية من رقبة الكافر ووضعها في رقبته يلتزم بأدائها عنه، ولو سقطت الجزية التي على الأرض بالإسلام لما حصل صغار للمسلم، بل كان رفعةً للإسلام بارتفاعه عنه لا بإسلامه. (فقد ولى الإسلام ظهره) أي: تركه وألقاه وراء ظهره وهذا مثل يضرب لمن يستخف بالشيء لا يعمل به تقول العرب: اجعل هذا وراء ظهرك ودبر أذنك وتحت قدمك، إذا أرادوا نزعه والإعراض عنه. والمعنى في هذا الحديث: أنه من تشرف بالإسلام فقد عز قدره بعد الذلة، فإن الإسلام يعلو فإذا ملك الأرض من الكافر فقد تعرض لما يذله وأعرض عن العزة (٢).

стр. 8518

(قال: فسمع مني خالد بن معدان هذا الحديث فقال لي: أشبيب حدثك؟ قلت: نعم. قال: فإذا قدمت فسله فليكتب إلى بالحديث) أي: بهذا الحديث الذي حدثنيه (قال) سنان: فذهبت إليه وسألته عن الحديث وقلت له: يكتبه إليه (فكتبه له فلما قدمت) من عنده (سألني خالد بن معدان) عن الحديث وعن (القرطاس) الذي كتب به (فأعطيته فلما قرأه) وتدبره عمل بما فيه و (ترك) جميع (ما) كان (في يده من الأرضين) التي عليها الخراج وانقلب عن الكفار (حين سمع ذلك). فيه العمل بالكتابة وقبول خبر الواحد وما كان عليه السلف الصالح من العمل بما يسمعوه من الأحاديث، وإن أدى ذلك إلى نقص كثير من أموالهم وإن كان مالًا ممدودًا. (قال [أبو داود]) المصنف: (هذا) الراوي المذكور (يزيد بن خمير) بضم الخاء المعجمة كما تقدم (اليزني) بفتح التحتانية والزاي بعدها نون نسبة إلى يزن وهو بطن من حمير. قال ابن السمعاني (١): بطن من الكلاع و (ليس هو) يزيد بن خمير الرحبي الهمداني (٢) (صاحب شعبة! يعني: شيخ شعبة وأبي عوانة. * * *

стр. 8519

٣٩ - باب في الأَرْضِ يَحْمِيهَا الإِمامُ أَوِ الرَّجُلُ ٣٠٨٣ - حَدَّثَنَا ابن السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا حِمَى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ". قالَ ابن شِهابٍ: وَبَلَغَني أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ (١). ٣٠٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْن محَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الحارِثِ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ وقالَ: "لا حِمَى إِلَّا لله " (٢). * * * باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل [٣٠٨٣] (حَدَّثَنَا) أحمد بن عمرو (ابن السرح) أبو الطاهر المصري شيخ مسلم (أخبرنا) عبد الله (بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الفقيه الأعمى (عن) عبد الله (بن عباس) ﵄ (عن الصعب بن جثامة) واسمه يزيد بن قيس الكناني الليثي وكان ينزل ودان (٣). (أن رسول الله ﷺ قال: لا حمى) أصل الحمى في اللغة المنع أي: لا منع لما لا مالك له من أرض وكلأ (إلا لله ولرسوله) قال بعضهم:

стр. 8520

يريد: لا حمى يباح إلا على معنى ما أباحه النبي ﷺ وعلى الوجه الذي حماه وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك، فكان الرجل العزيز منهم إذا انتجع بلدا مخصبًا أوفى بكلب على جبل، أو نشز من الأرض ثم استعوى الكلب ووقف له من يسمع منتهى ما يعوي، فحيث انتهى صوته حماه، من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه، وهذا معنى كلام الشافعي في "مختصره" (١). قال بعضهم: ليس للأئمة بعده أن يفعلوا ذلك لقوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله" والصحيح الأول، ولأن عمر حمى السرف (٢) والربذة، وفي "النهاية" معناه: لا حمى إلا ما يحيى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر النقيع لإبل الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله (٣). وذكر ابن وهب أن قدر الحمى ميل في ثمانية أميال، وأن أبا بكر حمى خمسة أميال في مثلها لما يحمل عليها في سبيل الله وكذلك عمر، وزاد عثمان في الحمى لما كثرت الإبل والبقر في أيامه في الصدقات. قال: فمعنى الحديث: لا حمى لأحد يخص نفسه ويرعى فيه ماشيته

стр. 8521

دون سائر الناس وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورث ذلك عنه من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة المسلمين، وقد عاتب رجل عمرَ فقال له: بلاد الله حميت لمال الله (١). (قال ابن شهاب) الزهري زيادة على ما تقدم: (وبلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع) وأخرجه أحمد (٢) وابن حبان (٣) من حديث ابن عمر وزاد: ولخيل المسلمين. وأدرج في حديث حمى النقيع: زيادة وهي: لإبل الصدقة ونعم الجزية (٤). وقد وضح المصنف ما استعجم في "صحيح البخاري" حين قال: بلغنا ولم يصرح بالزهري فجعله عبد الحق ومن معه أنه معلق وليس كذلك فقد بين المصنف هنا أنه يسنده للزهري، وهذا الحديث من أفراد البخاري (٥) وزعم الحاكم أنه متفق عليه وتبعه على ذلك آخرهم أبو الفتح القشيري في "الإلمام" فزعموا أنه متفق عليه (٦). والنقيع بفتح النون جزم به الحازمي وغيره وهو من ديار مزينة، وهو في صدر وادي العقيق ويشتبه بالبقيع بالباء الموحدة، وزعم البكري أنهما سواء والمشهور الأول (٧).

стр. 8522

[٣٠٨٤] (حَدَّثَنَا سعيد بن منصور) المروزي ويقال: الطالقاني (حَدَّثَنَا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (عن عبد الرحمن بن الحارث) بن عبد الله ابن عياش المخزومي قال أبو حاتم: شيخ (١). قال ابن سعد: [كان ثقة] (٢) (عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن عبد الله ابن عباس عن الصعب بن جثامة ﵁: أن النبي ﷺ حمى النقيع) بالنون كما تقدم والرواية المتقدمة بأن حمى النقيع مصرحة من كلام الزهري هي الصحيحة والإدراج للدراوردي في هذِه الرواية، وقد حكم البخاري بأن من أدرجه وهم، ورواه النسائي (٣) عن مالك عن الزهري فذكر الموصول وقد تابع أحمد والحاكم الدراوردي في الإدراج (٤). (وقال) رسول الله ﷺ (لا حمى إلا لله مفهوم الحصر فيه حجة لأحد قولي الشافعي أن الإمام لا يحمي ورجحه [ ... ] (٥) ولأن الإمام ليس له أن يحمي لنفسه فلا يحمي لغيره واحترز بالإمام عن آحاد الناس فإنه لا يحمي قطعًا، وأظهر قولي الشافعي أن الإمام الأعظم يحمي وكذا ولاة النواحي على الأصح، وحكى النووي عن ابن كج في حمى العامل لماشية الصدقة إذا كان يجمعها في بلد خلاف (٦). * * *

стр. 8523

٤٠ - باب ما جاء في الرِّكازِ وَما فِيهِ ٣٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّب وَأَبِي سَلَمَةَ سَمِعا أَبا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "في الرِّكَازِ الخُمُسُ" (١). ٣٠٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْن العَوَّامِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الحَسَنِ قال: الرِّكاز الكَنْزُ العاديُّ (٢). ٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسافِرٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي فدَيْكٍ، حَدَّثَنَا الزَّمْعيُّ، عَنْ عَمَّتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أُمِّها كَرِيمَةَ بِنْتِ الِمقْدادِ، عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِمٍ أَنَّها أَخْبَرَتْهَا قالَتْ: ذَهَبَ الِمقْدادُ لحِاجَتِهِ بِبَقِيعِ الخَبْخَبَةِ فَكذا جُرَذٌ يُخْرِجُ مِنْ جُحْرٍ دِينارًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ دِينارًا دِينارًا حَتَّى أَخْرَجَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِينارًا، ثُمَّ أَخْرَجَ خِرْقَةً حَمْراءَ -يَعْني: فِيها دِينارٌ - فَكانَتْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ دِينارًا فَذَهَبَ بِها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ وقالَ لَهُ: خذْ صَدَقَتَها. فَقالَ لَهُ ﷺ : "هَلْ هَوَيْتَ إِلَى الجُحْرِ؟ ". قالَ: لا. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا" (٣). * * * باب ما جاء في الركاز [٣٠٨٥] (حَدَّثَنَا مسدد حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة (عن الزهري عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة) بن [عبد الرحمن] (٤) أنهما (سمعا أبا هريرة

стр. 8524

يحدث أن النبي ﷺ قال: في الركاز) وهو دفين الجاهلية سمي بذلك؛ لأنه ركز في الأرض أي: غرز من قولهم: ركزت الرمح أي: غرزته، وقيل: سمي بذلك لخفائه في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (١) أي: صوتًا خفيًّا (٢). (الخمس) زاد البيهقي (٣) من طريق عبد الله بن سعيد (٤) بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا: قيل: يا رسول الله وما الركاز قال: "الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلقت". وتابعه حبان بن علي عن عبد الله ابن سعيد وقال: أصله في الصحيح (٥). وإنما وجب فيه الخمس بخلاف المعدن فالواجب فيه ربع العشر؛ لما في الركاز من عدم المؤنة في تحصيله أو خفته بخلاف الركاز. [٣٠٨٦] (حَدَّثَنَا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي العابد (حَدَّثَنَا

стр. 8525

عباد بن العوام) بن عمر بن عبد الله بن المنكدر الكلابي (عن هشام عن الحسن ﵁ قال: الركاز الكنز العادي) أي: القديم كأنه نسب إلى عاد وهم قوم هود ﵇ وكل قديم منسوب إلى عاد وإن لم يدركهم وفي حديث قس: " شجرة عادية" أي: قديمة (١). وهذا الأثر لم يوجد في أكثر النسخ فلذلك أضربت (٢) عن بسط معناه (٣). [٣٠٨٧] (حَدَّثَنَا جعفر بن مسافر) الليثي الهذلي مولاهم قال النسائي: صالح (٤). وقال ابن حبان في "الثقات": كتب عن ابن عيينة ربما أخطأ (٥) (حَدَّثَنَا) محمد بن إسماعيل (ابن أبي فديك حَدَّثَنَا) موسى بن يعقوب (الزمعي) قال أبو المظفر السمعاني: بفتح الزاي وسكون الميم وفي آخرها عين مهملة هذِه النسبة إلى الجد والمشهور بها: موسى بن يعقوب بن عبيد الله بن وهب بن زمعة القرشي وكان ثقة، انتهى. ووثقه يحيى بن معين (٦). (عن عمته قريبة) بفتح القاف وكسر الراء وبعد التحتانية باء موحدة (٧) (بنت عبد الله بن وهب) بن زمعة (عن أمها كريمة) بفتح الكاف (بنت

стр. 8526

المقداد) بن عمرو (١) (عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم) زوجة المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، يعرف بالمقداد بن الأسود؛ لتبنيه له وولدت له عبد الله وكريمة، وقتل ابنها عبد الله يوم الجمل مع عائشة (٢). (أنها أخبرتها قالت: ذهب) في ذات يوم (المقداد) بن الأسود يعني: زوجها الحاجته) أي: لحاجة الإنسان في خربة (ببقيع) بفتح الموحدة الثانية (الخبخبة) (٣) قال البكري في "معجم البلدان": بقيع الخبجبة بخاء معجمة وجيم وباءين كل واحدة منهما معجمة بنقطة واحدة بالمدينة بناحية بئر أبي أيوب قال: والخبجبة شجرة كانت تنبت هناك. وقال السكوني عن العرب: البقيع قاع ينبت الذرق. وقال الخليل: البقيع من الأرض موضع فيه أروم شجر وبه سمي بقيع الغرقد. قال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون فسمي بقيع الغرقد. انتهى كلام البكري (٤). وقال غيره: يقال: بجيمين مفتوحتين (٥). والظاهر أن الخاء والجيم في كلام البكري مفتوحتين وفي بعض النسخ بضم الخاء وفتح الجيم] (٦). قال السهيلي: هو بفتح الخاء المعجمة وباء موحدة ساكنة وجيم

стр. 8527

مفتوحة وباء أخرى (١). وغيره يقول: بخاءين معجمتين مفتوحتين وباءين موحدتين (٢). (فإذا) رواه ابن ماجة (٣) بأوضح من هذا ولفظه عن المقداد بن عمرو (٤): أنه خرج ذات يومٍ إلى البقيع - وهو المقبرة - لحاجته، وكان الناس لا يذهب أحدهم في حاجة إلا في اليومين والثلاثة، وإنما يبعر كما تبعر الإبل، ثم دخل خربة، فبينما هو جالس لحاجته إذ رأى (جرذ) بضم الجيم وفتح الراء المهملة بعدها ذال معجمة، ضرب من الفأر، والجمع جرذان بكسر الجيم كصرد وصردان، وقيل: الجرذ: الذكر الكبير من الفأر (٥). قال ابن سيده: وهو أكدر في ذنبه سواد (٦). (يخرج من جحر) بضم الجيم وإسكان المهملة هو الثقب المستدير النازل، جمعه جحر بكسر الجيم وفتح الحاء (دينارًا) زاد ابن ماجة: ثم دخل فأخرج آخر، (ثم لم يزل يخرج) من ذلك الجحر (دينارًا دينارًا) رواية: يعني (حتى أخرج سبعة عشر دينارًا، ثم أخرج خرقة) لفظ ابن ماجة: أخرج بعض خرقة (حمراء، يعني: فيها دينار، فكانت ثمانية عشر دينارًا). هذا الحديث له ذكر في عجائب مخلوقات الله تعالى، فإن منها صنف الفأر، وما خلق الله فيه من الحذق وأودعه من إدراك المعاني، وساقوا

стр. 8528

غرائب كثيرة في تحيله في التوصل إلى استخراج المطعوم مما يستطيع فيه ليأكل من ضيقه بأن يضع فيه ذنبه حتى يصل به إلى المطعوم من سمن ونحوه، ثم يخرجه ويلحسه، فإذا نفد أدخله مرّة أخرى، وكذا إذا أراد أخذ جوزة ونحوها مما لا يقدر على حمله إلى بيته فيلتف عليها، ثم يجيء الآخر ويجذبه بذنبه إلى بيته، وكذا هنا، قيل: إن سبب إخراج هذا الذهب أن هذا الصحابي أو غيره ممن اتفق له أنه رأى فأرًا فأخذه ليقتله، فخرجت فأرة أخرى فأخرجت دينارًا، ثم انتظرته ليطلقه، فلم يطلقه، فأخرجت دينارًا آخر، وهكذا وهو لا يطلق الممسوك حتى أخرجت الخرقة الحمراء ليعلم أنه لم يبق شيء، وأن هذِه الخرقة هي الوعاء التي كانت فيه، فأطلق الفأر الممسوك، والله أعلم بصحة ذلك، والقدرة صالحة لأعظم من ذلك. (فذهب بها إلى النبي ﷺ ، فأخبره) زاد ابن ماجة: خبرها (وقال له: خذ صدقتها) الواجبة فيها يا رسول الله (فقال له النبي ﷺ ) زاد ابن ماجة: ارجع بها لا صدقة (هل هويت) بفتح الهاء والواو وتاء الخطاب (إلى الجحر؟ ) فيه حذف تقديره: هل أهويت يدك في الجحر؟ [ويدل على هذا الحذف رواية ابن ماجة ولفظه: ثم قال: "لعلك أتبعت يدك في الجحر"] (١) قلت: لا. ولعل هذِه لغة في أهوى يده وبيده إلى الشيء ليأخذه بمعنى مدها نحوه وأمالها إليه، حكاه في "النهاية" (٢). أو: هو من هوى بفتح الواو إذا سقط أي: أهبط يده إلى الجحر ليأخذه (٣).

стр. 8529

(قال: لا) وسؤاله ﷺ للمقداد عن إدخال يده في الجحر عقب استفتائه عن حكم صدقة الذهب يدل بالالتزام على أن إدخال اليد علة لوجوب الصدقة، فإن كان أدخل يده في الجحر وجبت الزكاة، وإن لم يكن أدخلها لم تجب، فلما أخبره أنه لم يدخل يده، قال له: "ارجع بها لا صدقة فيها" كما في رواية ابن ماجة، والمعنى: لا صدقة فيها؛ لأنك لم تدخل يدك في الجحر لإخراجه، وهذا آخر مسالك العلة المسمى بالإيماء والتنبيه (١) ونظيره: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قال: نعم. قال: "فلا إذًا" (٢). فإن قيل: ذهب القاضي أبو حامد المروزي والإمام الرازي وغيره كما قال الشيخ أبو إسحاق في "التبصرة" إلى أنه لا يجوز تعليل الحكم الوجودي بالعدمي، وقولكم هنا: سقط وجوب صدقة الذهب لعدم إدخال اليد وعدم إدخال: عدم، فلا يكون علة لحكم السقوط. فالجواب: أن هذا ليس من هذا الباب، بل هذا من تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي، وهو جائز بلا خلاف، وتقديره عدم الصدقة في الدنانير (٣) عدم إدخال اليد. مع أن الذي عليه أكثر المتقدمين منهم القاضي أبو بكر الطيب والشيخ أبو إسحاق وأبو الوليد الباجي إلى جواز تعليل الوجودي بالعدمي؛ لأنه لا معنى للعلة إلا المُعَرِّف، وهو غير منافٍ للعدم، ومثاله علة تحريم متروك التسمية عدم ذكر اسم الله (٤).

стр. 8530

ويؤخذ من ذكر هذِه العلة التي جعلها النبي ﷺ علة أنه لو أدخل يده في الجحر وأخرج الدنانير منه لكان ركازًا يجب فيه الخمس، ولكان فيه دليل على أن الركاز لا يشترط فيه النصاب؛ لأن الثمانية عشر دينارًا دون النصاب. (فقال له النبي ﷺ : بارك الله) تعالى (لك فيها) قال الخطابي: هو محمول على بيان الأمر في اللقطة إذا عُرِّفَتْ سنة، فلم تُعْرَفْ كانت لآخذها (١). قلت: وهذا الاحتمال بعيد، وأقرب منه أن يحمل على صحة الاكتفاء بأصل التعريف مرّة واحدة في هذِه الصورة، فإنه لما سأل النبي ﷺ عن حكمها بحضرة الصحابة وعلى رؤوس أشهادهم، وعرفوا أنه التقطها كما قال: من الخربة، ولم يعرفها أحد ولا عرف صاحبها، وما وقع بمحضر الصحابة لذكره لها لا يخفى أمره [عن الغائبين] (٢) فإن هذا الحكم ينقل إلى من يحضر لقوله ﵇: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٣). فلما لم يعرفها الحاضرون والغائبون كان ذلك كافيًا في التعريف، إذ هو أبلغ من تعريفه إياها عند الخربة سنة. وقد أشار إمام الحرمين إلى الاكتفاء بمثل هذا، فإنه ذكر هذا عقب قوله: لم يصر أحد من الأصحاب إلى إسقاط التعريف، وقد يحمل على أن هذا الموجود في خربة عادته ليست ملكًا لمسلم، فيكون ركازًا، والثمانية عشر دينارًا دون النصاب، فلا صدقة. ويدلى على هذا قول

стр. 8531

البغوي في "شرح السنة" في الحديث الذي رواه المصنف والنسائي وغيرهما من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا من مزينة قال: يا رسول الله، ما نجد في السبيل العامر من اللقطة؟ قال: "عرفها حولًا". قال: يا رسول الله، ما نجد في الخراب العادي؟ قال: "فيه وفي الركاز الخمس". ثم قال البغوي: إن وجد في الأرض العادية التي لم يجر عليها ملك في الإسلام أنه ركاز يجب فيه الخمس، والباقي للواجد (١). وما ذكرناه من الركاز الذي هو دون النصاب لا خمس، وهو على مذهب الشافعي. وله قول بوجوب الخمس فيما دودن النصاب؛ لعموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس" (٢). وفي هذا الحديث دليل على أنه يستحب للإمام ونحوه إذا رأى من فعل شيئًا فيه نفعٌ للمسلمين أو لبعضهم أن يدعو له. ووجهه أن المقداد لم يأخذ المال ويأكله على محمل يحمله، بل أتى بالمال إلى النبي ﷺ وقال: خذ منه الصدقة. فلما رأى احتراصه على دينه واهتمامه به دعا له بالبركة وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه لما دعا له فيه بالبركة لم يزل ينفق منه في حياته إلى أن مات لما رأى فيه من كثرة البركة. * * *

стр. 8532

٤١ - باب نَبْشِ القُبُورِ العادِيَّةِ يَكُونُ فِيْهَا المالُ ٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِير، حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ مُحَمَّدَ ابْنَ إِسْحاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبي بُجَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنا بِقَبْرٍ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هذا قَبْرُ أَبي رِغالٍ وَكانَ بهَذا الحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصابَتْهُ النِّقْمَةُ التي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بهَذَا المَكَان فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ، إِنْ أَنْتُمْ نبشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ". فابْتَدَرَهُ النَّاسُ فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ (١). * * * باب نبش القبور العادية يكون فيها المال [٣٠٨٨] (حَدَّثَنَا) أبو زكريا (يحيى بن معين) بن عون المري البغدادي إمام المحدثين أصله من قرية من قرى الأنبار شيخ الشيخين (حَدَّثَنَا) عبد الله بن (وهب بن جرير) بن حازم الأزدي (حدثنا أبي) جرير بن حازم رأى جنازة أبي الطفيل (سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن إسماعيل بن أمية) ابن عمرو بن سعيد بن العاص (عن بجير) بضم الموحدة وفتح الجيم (بن أبي بجير) الحجازي سكت عليه المصنف والمنذري ولم يحدث عنه غير إسماعيل (٢) (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) بن العاص وهذا الحديث لم

стр. 8533

يروه من الستة غير المصنف. (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى) غزوة (الطائف) قال البيهقي؛ ذكر بعض أهل السير أن الدمون بن الصدف (١) أصاب دماء بقومه فلحق بثقيف فأقام فيهم وقال لهم: ألا أبني لكم حائطًا تطيف ببلادكم، فبناه فسمي به الطائف، وذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ (٢) قال: كان الطائف جبريل اقتلعها من موقعها فأصبحت كالصريم، ثم سار بها إلى مكة فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف اليوم فسميت بذلك. وكانت تلك الجَنَّة بصوران على فراسخ من صنعاء، ومن ثم كان الماء والشجر بالطائف دون ما حولها. وكانت قصة أصحاب الجَنَّة بعد عيسى ﵇ بيسير (٣). وغزا رسول الله ﷺ "الطائف بعد منصرفه بحنين في شوال سنة ثمان من الهجرة وقاتل في هذِه الغزوة بنفسه. (فمررنا بقبر فقال رسول الله ﷺ : هذا قبر أبي رغال) بكسر الراء المهملة بعدها غين معجمة مخففة وقيل: هو أبو ثقيف القبيلة المعروفة. قال السهيلي: روي في "الجامع" أن أبا رغال من ثمود وأنه كان بالحرم حين أصابت قومه الصيحة، فلما خرج أصابه من الهلاك ما

стр. 8534

أصاب قومه فدفن هناك معه غصنان من ذهب (١). وقال القرطبي وغيره من المفسرين: أن أبرهة لما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب [فقال: ] (٢) نحن نبعث معك من يدلك على الحرم فبعث معه أبا رغال حتى أنزله المغمس، فلما أنزله بها مات أبو رغال هناك فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس، وفيه يقول جرير أو غيره: وأرجم قبره في كل عام ... كرجم الناس قبر أبي رغال (٣) كذا أنشده القرطبي، وأنشده السهيلي بلفظ: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم لقبر أبي رغال (٤) (وكان بهذا الحرم) أي: حرم الله، يعني: في طرفه وهو الموضع الذي ربض فيه فيل أبرهة (يدفع) حرم الله (عنه) العذاب الذي أنزله الله على ثمود أو على أبرهة (فلما خرج) من الحرم (أصابته النقمة) أي الصيحة كما تقدم كذا للسهيلي وغيره (التي أصابت قومه) قوم ثمود (بهذا المكان) يعني المغمس بكسر الميم (٥) (فدفن فيه وآية ذلك أنه

стр. 8535

دفن معه غصن) لعله على هيئة غصن الشجر وهو أحد أطراف الشجرة (١) (من ذهب) وتقدم عن السهيلي أنه دفن معه غصنان وأراهم النبي ﷺ قبره وقال لهم: (إن أنتم نبشتم عنه) قبره (أصبتموه معه) في قبره (فابتدره الناس) بأسيافهم وحفروا عنه، وروي [ ... .] (٢) لفظ عبد الرزاق (٣) عن معمر مرسلًا: فبحثوا عنه بأسيافهم. (فاستخرجوا) منه (الغصن) الذي ذكره النبي ﷺ لهم. قال الخطابي: هذا سبيله سبيل الركاز؛ لأنه مال من دفين الجاهلية، يعني: ثمود أو غيرهم، فلا يعلم مالكه وكان أبو رغال من بقية قوم أهلكهم الله تعالى فلم يبق منهم نسل ولا عقب، فصار حكم ذلك حكم الركاز، انتهى (٤). ولم يأمرهم النبي ﷺ بإخراج الخمس منه؛ لأنه على أحد قولي الشافعي يصرف إلى أهل الخمس المذكورين في آية الفيء وهم في جهاد يتصرف فيه الإمام؛ لأنه مال جاهل حصل الظفر به بإعلام النبي ﷺ من غير إيجاف خيل ولا ركاب.

стр. 8536

وفي الحديث دليل على جواز نبش قبور المشركين العادية إذا كان فيها المال كما بوب عليه المصنف بعدم حرمته، ولأن في تركه إضاعة المال [وكذا ينبش الميت إذا دفن مع الميت المسلم مال] (١) ويقتضي إطلاق أصحابنا أنه لا فرق بين أن يطلب المال صاحبه أم لا أما لو بلع الميت مالا لنفسه فإنه لا ينبش على الأصح (٢). * * * وهذا آخر كتاب الخراج والإمارة والحمد لله وصلى الله على محمد الذي اصطفاه من البرية واجتباه * * *

стр. 8537

كِتَابُ الجَنَائِزِ

стр. 8538

كِتَابُ الجَنَائِزِ ١ - باب الأَمْراضِ المُكَفِّرِةُ لِلذُّنُوبِ ٣٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ يُقالُ لَهُ: أَبُو مَنْظُورٍ، عَنْ عَمِّهِ قالَ: حَدَّثَنِي عَمّي، عَنْ عامِرٍ الرّامِ أَخي الخُضْرِ - قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ النُّفَيْليُّ: هُوَ الخُضْرُ ولكن كَذا قالَ - قال: إِنِّي لَبِبِلادِنا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَاياتٌ وَأَلْوِيةٌ فَقُلْتُ: ما هذا؟ قالُوا: هذا لِواءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جالِسٌ عَلَيْهِ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحابُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ فَذَكَرَ رَسُول اللهِ ﷺ "الأسقامَ فَقالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذا أَصابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفَاهُ اللهُ مِنْهُ كانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيما يَسْتَقْبِلُ وَإِنَّ المُنَافِقَ إِذا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ" .. فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ: يا رَسُولَ اللهِ وَما الأسقامُ والله ما مَرِضْتُ قَطُّ. فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا" .. فَبَيْنا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِساءٌ وَفي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ التَفَّ عَلَيْهِ فَقال: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتكَ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَمَرَرْت بِغَيْضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْت فِيهَا أَصْواتَ فِراخِ طائِرٍ فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهنَّ في كِسَائِي فَجاءَتْ أُمُّهُنَّ فاسْتَدارَتْ عَلَى رَأْسي فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ مَعَهُنَّ فَلَفَفْتهنَّ بِكِسَائي فَهُنَّ أُولاءِ مَعي. قالَ: "ضَعْهُنَّ عَنْكَ" .. فَوَضَعْتهُنَّ وَأَبَتْ أفُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ:

стр. 8539

"أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفْراخِ فِراخَها" .. قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ ﷺ . قالَ: "فَوالَّذي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لله أَرْحَمُ بِعِبادِهِ مِنْ أُمِّ الأفْراخِ بِفِراخِها ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ" .. فَرَجَعَ بِهِنَّ (١). ٣٠٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ وِابْراهِيمُ بْن مَهْديٍّ الِمصِّيصيُّ - المَعْنَى - قالا: حَدَّثَنَا أَبُو المَلِيحِ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ خالِدٍ - قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ إِبْراهِيمُ بْنُ مَهْديٍّ: السُّلَميُّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "إِنَّ العَبْدَ إِذا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَة لَمْ يَبْلُغْها بعَمَلِهِ ابْتَلاهُ اللهُ في جَسَدِهِ أَوْ في مالِهِ أَوْ في وَلَدِهِ" .. قالَ أَبُو داوُدَ: زادَ ابن نُفَيْلٍ: "ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ" .. ثمَّ اتَّفَقَا: "حَتَّى يُبْلِغَهُ المَنْزِلَةَ التي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعالَى" (٢). * * * كِتَابُ الجَنَائِزِ باب الأمراض المكفرة للذنوب [٣٠٨٩] (حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد النفيلي، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي، روى له مسلم، وثقه النسائي وله فضل ورواية وفتوى (٣) (عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له: أبو

стр. 8540

منظور، عن عمه، قال: حدثني عمي، عن عامر) أبي رميلة (الرامي) بياء بعد الميم، ويقال بحذف الياء وهو الأكثر (أخي الخُضْر) بضم الخاء وإسكان الضاد المعجمتين (قال أبو داود: قال النفيلي: هو الخُضر [ولكن كذا قال]) (١) والخضر، -يعني: بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين ثم راء- هو مالك بن طريف بن خلف بن محارب (٢)، وكان آدم فسمى ولده الخضر. حيٌ من بني محارب بن خصفة - بالخاء المعجمة - ابن قيس عيلان، له صحبة وحديث، قاله ابن إسحاق. وكان عامرٌ من أرمى العرب (٣). (قال: إني لَبِبِلادنا) بكسر الباء الأولى يعني: إني لفي بلادنا، أي: في بلاد محارب (إذ رفعت لنا راياتٌ وألوية) وهي دون الأعلام والبنود (فقلتُ: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسول الله ﷺ ، فأتيته وهو تحت شجرة قد بُسِطَ له كساء) تحته (وهو جالسٌ عليه) فيه [إكرام] (٤) العالم والأمير ونحوهما بأن يفرش تحته ما يجلس عليه من بساط أو ثوب أو رداء ونحو ذلك ليَقيه من الأرض وليتبرك بجلوسه عليه. (وقد اجتمع إليه أصحابه، فجلست إليهم، فذكر رسول الله ﷺ الأسقام) والأمراض (فقال: إن المؤمن إذا أصابه السُّقم) السُّقْمُ والسَّقَمُ بفتحهما، لغتان كالحزن والحزن، يعني: المرض وما في معناه (ثم

стр. 8541

أعفاه) وعافاه (الله) تعالى (منه كان كفارةً) بالنصب الما مضى من ذنوبه، وموعظةً) أي: واعظا اله فيما يستقبل) من الزمان؛ لأنه يحصل له تنبيه واعتبار بخلاف المنافق فإنه لا يتوب فلا يفيده مرضه في الماضي ولا في المستقبل (وإن المنافق إذا مرض ثم أُعفِيَ) بضم الهمزة وكسر الفاء أي: عافاه الله تعالى منه (كان كالبعير عَقَلَهُ أهلُه) بعقالٍ (ثم أرسلوه) أي: أطلقوه من عقاله (فلم يدر لم) أي: لأي شيء (عقلوه ولم يدر لم أرسلوه) منه، فهو لا يتذكر الموت ولا يتعظ مما حصل له ولا يستيقظ من غفلته؛ لأن قلبه بحب الدنيا مشغول وبشهواتها ولذاتها مشغوف فلا ينجع فيه سبب الموت ولا يذكره حسرة الفوت. (فقال رجل ممن حوله: يا رسول الله، وما الأسقام؟ والله ما مرضتُ قط فقال) له (رسول الله ﷺ : قم عنا فلست منا) أي: لست على طريقتنا وعادتنا، فإن المؤمنين يصابون ويبتلون ويمرضون ويعافون. (فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل عليه كساء، وفي يده شيء قد التف عليه) يعني: بعض الكساء الذي هو لابسه (فقال: يا رسول الله إني لما رأيتك أقبلتُ) بضم تاء المخاطب، يعني: إليك (فمررت بغيضة) بغين وضاد معجمتين (شجر) (١) وهي الأجمة وهي بعض ما يجتمع فيه الماء فينبت فيه الشجر، والجمع غياض (٢) من قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ المَاءُ﴾ (٣). (فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي

стр. 8542

فجاءت أُمُّهُنَّ فاستدارت على رأسي، فكشفت لها عنهن (١) فوقعت عليهن معهن، فَلَفَفْتُهُن) بفتح الفاء الأولى المخففة وتُشَدد للمبالغة (بكسائي وَهُنَّ أُولاء) بالمد وهو لغة أهل الحجاز، والقصرُ لغة تميم، ووزن المقصور والممدود عند أبي إسحاق فُعَل (٢) بضم الهمزة كأنه يرى أن المقصورَ أصلٌ والممدود إشباع، وهو اسم إشارة للجمع مطلقًا، سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا لمن يعقل ولمن لا يعقل. ويجوز أن يكون اسم موصول والتقدير: هن اللائي (معي فقال: ضعهن عنك فوضعتهن، وأبت أمهن إلا لزومَهن) بالنصب. (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أتعجبون لرُحم) بضم الراء بمعنى الرحمة، ومنه: مكة أم رحم (٣) (أم الفراخ بولدها؟ (٤) فقالوا) له: (نعم يا رسول الله، قال: فوالذي بعثني بالحق لله) هذا هو المشهور، أعني: مساواة لام الجر بلام الابتداء في رسم هذِه الكلمة، ورجح بعضهم (لا الله) (٥) لسقوط همزة الوصل أيضًا (٦) مع لام الابتداء كما هنا فرقا بينها وبين لام الجر (أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها) (٧) فيه بشارة عظيمة لعظم رحمة الله بعباده ولا سيما مع الرحماء (٨) (ارجع بهن

стр. 8543

حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن) بالنصب عطفا على ما قبلها (معهن [فرجع بهن]) (١) فيه الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى من الرعية والأولاد والعبيد والدواب والطيور وغيرهم. وقد يؤخذ من هذا الحديث عموم قوله ﵇: "من فَرَّقَ بين الوالدة وولدها" (٢) وأنه لا يختص بالآدميين. وفيه أن من تعدى بأخذ ما لا يجوز أخذه فعليه مؤنة رده ونقله إلى مكانه بنفسه أو بأجرة وغيرها. وفيه أن الأفضل أن يرد بنفسه حيث لا عذر، فإن حصل عذر يستنيب في رده إلى موضعه. [٣٠٩٠] (حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد النفيلي، وإبراهيم بن مهدي المصيصي) وثقه أبو حاتم (٣) (المعنى قالا: حَدَّثَنَا أبو المليح) (٤) الحسن ابن عمرو، الرقي (عن محمد بن خالد) السلمي. (قال أبو داود: قال إبراهيم بن مهدي: ) رواه محمد بن خالد (اللمي) بضم السين (عن أبيه) خالد (عن جده) وهو مجهول (وكانت له صحبة من رسول الله ﷺ ) قال المنذري (٥): هذا الحديث رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" (٦). ومحمد بن خالد لم يرو عنه غير أبي المليح الرقي، ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد (قال: سمعت

стр. 8544

رسول الله ﷺ يقول: إن العبد إذا سبقت له من الله منزلةٌ) يعني: في الجَنَّة (لم يبلغها بعمله ابتلاه الله تعالى في جسده، أو في ماله، أو في ولده) أو ولد ولده. (قال أبو داود: زاد) عبد الله بن محمد (ابن نفيل: ثم صبَّره على ذلك ثم اتفقا) يعني: النفيلي وابن مهدي فيما بعد (حتى يُبَلِّغَهُ) بتشديد اللام (المنزل) الرفيعة (التي سبقت له من الله ) على تبليغه الله المنازل العالية في الجَنَّة التي سبقت له في علم الله تعالى من السعادة. * * *

стр. 8545

٢ - باب إذا كانَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ ٣٠٩١ - حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ - المَعْنَى - قالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ العَوّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّكْسَكيِّ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ غَيْرَ مَرَّة وَلا مَرَّتَينِ يَقول: "إِذا كانَ العَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ كُتِبَ لَهُ كَصالِحِ ما كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" (١). * * * باب إذا كان الرجل يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر [٣٠٩١] (حَدَّثَنَا محمد بن عيسى) بن نجيح البغدادي، روى عنه البخاري تعليقا (٢) (ومسدد، المعنى، قالا: حَدَّثَنَا هشيم) بن بشير الواسطي الحافظ (عن العوام بن حوشب) بفتح المهملة والمعجمة الواسطي أحد الأعلام (عن إبراهيم بن عبد الرحمن السُّكسُكي) بضم السينين (عن أبي بردة) عامر [بن عبد الله] (٣) بن قيس الأشعري الصحابي [ابن] (٤) أبي موسى (عن أبي موسى) الأشعري ﵁.
следующие страницы →