← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

وأبيه (١). (عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أقرؤوا يس) قد يستدل به على استحباب قراءة القرآن جماعة، وهو مذهب الشافعي والجمهور، ويدل عليه قوله ﷺ : "ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله" (٢). وقال مالك: يكره (٣). وتأول الحديث بعض أصحابه. ولا فرق في تحصيل هذِه الفضيلة بين أن يكون الاجتماع على القراءة في مسجد أو رباط أو مدرسة أو عند الميت أو غيره. وإذا قلنا بفضيلة قراءة السورة أو الجزء من القرآن، فهل يثاب كل منهم على قراءة السورة أو الجزء كاملًا أم لا؟ وقد أفتى شيخنا الشيخ سراج الدين البلقيني بأنه لا يحصل لكل منهما قراءة السورة كاملةً، أفتى بذلك حين سئل عن قراءة سورة الكهف جماعةً ووجهه لما يحصل من السكوت (٤) لقطع النفس فيفوته بالسكوت بعض القراءة. (على موتاكم وهذا لفظ (٥) ابن العلاء) قال ابن حبان في "صحيحه" عقب حديث معقل المذكور: أراد به القراءة على من حضرته المنية، لا أن الميت يقرأ عليه (٦).

стр. 8612

قال: وكذلك: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" (١). ورده المحب الطبري في "الأحكام" وغيره في القراءة، وسلم له ذلك في التلقين، ولفظ رواية أحمد: "يس قلب القرآن (٢) لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم". وقال أحمد في "مسنده": حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني: يس- عند الميت خفف عنه بها (٣). وأسنده صاحب "الفردوس" من طريق مروان بن سالم، عن صفوان ابن عمرو، عن شريح، عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله ﷺ قال (٤): "ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه" (٥).

стр. 8613

٢٥ - باب الجُلُوسِ عِنْدَ المُصِيبَةِ ٣١٢٢ - حدثنا محَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حدثنا سُلَيْمانُ بْن كَثِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا فتِلَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الحُزْنُ وَذَكَرَ القِصَّةَ (١). * * * باب الجلوس عند المصيبة (نسخة: باب الجلوس في المسجد وقت التعزية (٢) [٣١٢٢] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي، عن أخيه قال: (أخبرنا سليمان بن كثير) وكان سليمان أكبر من أخيه محمد بن كثير المدني، روى عنه بخمسين سنة (٣). (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عَمْرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أخذت (عن عائشة) وكانت في حجرها وربتها (قالت: لما قتل زيد بن حارثة) بن شراحيل سماه الله في القرآن [ولم يصرح باسم غيره] (٤)، قتل في غزوة مؤتة وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة ثمانٍ وهو ابن خمس وخمسين سنة (٥) (وجعفر) بن أبي

стр. 8614

طالب قتل في غزوة مؤتة أيضًا (وعبد الله بن رواحة) بن ثعلبة الخزرجي، أحد النقباء، قتل بمؤتة أيضًا سنة ثمان. (جلس رسول الله ﷺ في المسجد يعرف (١) في وجهه الحزن) أي: جلس للاعتكاف ونحوه لا ليأتي إليه من يعزيه. قال أصحابنا: يكره لأهل الميت الجلوس للتعزية، وهو أن يجلس في بيت ونحوه ليأتي إليه من يعزيه. نص عليه الشافعي في "الأم" (٢) قال: أكره المآتم (٣)، وهي الجماعة وإن لم يكن بكاء؛ فإن ذلك يجدد الحزن، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم وأول من جلس للتعزية عبد الله بن المبارك لمَّا مات أخوه (٤) فدخل عليه يهودي وقال: حقٌّ على العاقل أن يفعل في أول يومه ما يفعله الجاهل بعد ثلاث (٥).

стр. 8615

٢٦ - باب في التَّعْزِيَةِ ٣١٢٣ - حدثنا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ الهَمْدانيُّ، حدثنا المُفَضَّلُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ المَعافِريِّ، عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُليِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قال: قَبَرْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -يَغني مَيِّتًا- فَلَمّا فَرَغْنا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وانْصَرَفْنا مَعَهُ فَلَمّا حاذى بابَهُ وَقَفَ فَإِذا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ -قال: أَظنُّهُ عَرَفَها- فَلَمّا ذَهَبَتْ إِذا هيَ فاطِمَةُ ﵍ فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما أَخْرَجَكِ يا فاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟ " .. فَقالَتْ: أَتَيْتُ يا رَسُولَ اللهِ أَهْلَ هذا البَيتِ فَرَحَّمْتُ إِلَيهِمْ مَيِّتَهُمْ أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ. فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الكُدى" .. قالَتْ: مَعاذَ اللهِ وَقَدْ سَمِعْتكَ تَذْكُرُ فِيها ما تَذْكُرُ. قالَ: "لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الكُدى" .. فَذَكَرَ تَشْدِيدًا في ذَلِكَ فَسَأْلُتُ رَبِيعَةَ عَنِ الكُدى فَقال: القُبُورُ فِيما أَحْسِبُ (١). * * * باب في التعزية [٣١٢٣] (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهَب) بفتح الميم والهاء الرملي الزاهد الثقة، قال: (حدثنا المفضل) بن فضالة الرعيني، كان قاضيا مجاب الدعوة، فدعا الله أن يذهب عنه الأمل فأذهبه الله عنه، فكاد أن يختلس عقله ولم يهنأه شيء من الدنيا، فدعا الله أن يرد عليه (٢) الأمل، فرده، فرجع إلى حاله (٣) (عن ربيعة بن سيف المَعَافِري) ومَعافر -بفتح الميم- حي من همدان، قال الدارقطني:

стр. 8616

صالح (١). (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد (٢) المعافري (الحُبُلي) - بضم الحاء المهملة والباء الموحدة - المصري، يعد في تابعي المصريين، (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قَبَرْنا مع رسول الله ﷺ ) أي: دفناه بأيدينا صيانةً لجسد الميت أن تأكله الطير والسباع، يقال: قبره دفنه، وأقبره: جعل له قبرًا. قال الأعشى: لو أسندت ميتًا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر (٣) (يعني ميتًا، فلما فرغنا) منه (انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه) أي: باب الميت (وقف) بوسط الطريق، ورواية النسائي (٤): فلما توسط الطريق وقف (فإذا نحن بامرأة مقبلة) أي: من جهة بيت الميت (فلما ذهبت إذا هي فاطمة) بنت رسول الله ﷺ (فقال لها رسول الله ﷺ : ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ ) رواية: البيت. فيه إنكار الرجل على ابنته وأخته وزوجته إذا خرجت بغير إذنه. (قالت: أتيت يا رسول الله أهلَ هذا البيت فرحَّمت) بتشديد الحاء. أي: ترحمت كما في رواية النسائي (٥) (إليهم ميتهم) أي: دعوت لميتهم بالرحمة (وعزيتهم به) بحذف الألف قبل الواو.

стр. 8617

والتعزية: التصبير، وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته، يقال: عزيته: أمرته بالصبر (١). فيه استحباب التعزية، والمقصود من التعزية الحمل على الصبر وذكر ما فيه من الأجر إذا صبر، والتحذير من الوزر بإفراط الجزع وعدم الرضا (٢). (فقال لها رسول الله ﷺ : فلعلك بلغتِ معهم الكُدى) -بضم الكاف وبالدال المهملة- مقصور جمع كدية، وهي القطعة الصلبة من الأرض، والقبور تحفر في الأرض الصلبة لئلا تنهار، هو المقابر. (فقالت: معاذ الله! ! وقد سمعتك تذكر فيها) أي في زيارة النساء القبور (ما تذكر) من اللعنة كما سيأتي (فقال: لو بلغتِ معهم) فيه التحذير من حضور النساء إلى المقابر (فذكر التشديد في ذلك) قال المفضل (فسألت ربيعة) بن سيف (عن الكدى) ما هو؟ (فقال: القبور فيما أحسب) فيه التورع عن الجزم بالتفسير في الحديث. زاد النسائي في آخره: قال: "لو [بَلَغْتِها معهم] (٣) ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك" (٤).

стр. 8618

٢٧ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ ٣١٢٤ - حدثنا محَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حدثنا عُثْمانُ بْن عُمَرَ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قال: أَتَى نَبيُّ اللهِ ﷺ علَى امْرَأَةٍ تَبْكي عَلَى صَبيٍّ لَها فَقالَ لَها: "اتَّقي اللهَ واصْبِري" .. فَقالَتْ: وَما تُبالي أَنْتَ بِمصِيبَتي؟ فَقِيلَ لَها: هذا النَّبيُّ ﷺ . فَأَتَتْهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بابِهِ بَوّابِينَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقالَ: "إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" .. أَوْ: "عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ" (١). * * * باب الصبر على (٢) المصيبة [٣١٢٤] (حدثنا ابن (٣) المثنى قال: حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي، من الصالحين الثقات، قال: (حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس) ابن مالك ﵁ (قال: أتى (٤) نبيُّ الله ﷺ على امرأةٍ تبكي) لفظ عبد الرزاق (٥): أصيبت بولدها (على صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري) فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المرأة (٦) الأجنبية وغيرها. (فقالت: وما تبالي أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبيُّ ﷺ ! ) لما صادمته هذِه المرأة بقولها: إليك عني. كما في البخاري (٧)، وبقولها:

стр. 8619

ما تبالي بمصيبتي، وهو سوء أدب منها يتأذى به الإنسان، عذرها واحتملها، (فأتته، فلم تجد على بابه بوابين) لأن ذلك كان عادته لتواضعه ﷺ ومجانبته أحوال المترفين والمتكبرين؛ لأنه كان نبيًّا عبدًا ولم يكن نبيًّا ملكًا (فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك) فيه الاعتذار لمن وقع منه سوء أدب، (فقال: إنما الصبرُ) الكامل الشاق على النفس الذي يعظم فيه الثواب عليه (عند الصدمة (١) الأولى) أصل الصدمة: الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة (أو) قال (عند أول صدمة) أي: عند هجوم المصيبة وحرارتها؛ فإنه يدل على قوة النفس وتثبتها، وأما [بعد أن بردت] (٢) حرارة المصيبة (٣) فكل أحد يصبر إذ ذاك كما تقدم في كلام المجوسي (٤) لابن المبارك (٥).

стр. 8620

٢٨ - باب في البُكاءِ عَلى الميِّتِ ٣١٢٥ - حدثنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ عاصِمٍ الأَحْوَلِ قالَ: سَمِعْتُ أَبا عُثْمانَ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ ابنةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَأَنا مَعَهُ وَسَعْدٌ وَأَحْسِبُ أُبَيّا أَنَّ ابني أَوْ بِنْتي قَدْ حُضِرَ فاشْهَدْنا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ فَقالَ: "قُلْ لله ما أَخَذَ وَما أَعْطَى وَكُلُّ شَيء عِنْدَهُ إِلَى أَجَلٍ" .. فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَأَتاها فَوُضِعَ الصَّبيُّ في حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فَفاضَتْ عَيْنا رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ لَهُ سَعْدٌ: ما هذا قالَ: "إِنَّها رَحْمَةٌ وَضَعَها اللهُ في قُلُوبِ مَنْ يَشاءُ وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ" (١). ٣١٢٦ - حدثنا شَيْبانُ بْنُ فَرُّوخَ، حدثنا سُلَيْمان بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثابِتٍ البُنانيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وُلِدَ ليَ اللَّيْلَةَ غُلامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبي إِبْراهِيمَ" .. فَذَكَرَ الحَدِيثَ قالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَمَعَتْ عَيْنا رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "تَدْمَعُ العَيْنُ وَبَحْزَنُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ إِلَّا ما يَرْضَى رَبُّنا إِنّا بِكَ يا إِبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (٢). * * * باب في البكاء على الميت [٣١٢٥] (حدثنا أبو الوليد) هشام (الطيالسي) بن عبد الملك، قال أحمد: هو اليوم شيخ الإسلام (٣) (حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا عثمان) عبد الرحمن بن ملّ -بفتح الميم- النهدي،

стр. 8621

(عن أسامة بن زيد ﵁ أن بنتًا لرسول الله ﷺ ) وهي زينب، ﵂ (أرسلت إليه وأنا معه وسعد) بن عبادة، زاد مسلم (١): ومعاذ بن جبل. (وأحسب أُبيًّا) أي: أبي بن كعب معنا، أنها قالت (أن ابني أو بنتي قد حُضِر) -بضم الحاء المهملة وكسر الضاد-، رواية البخاري في الأيمان (٢): احتضر، رواية مسلم: في الموت (فاشهدنا) (٣) أي: احضرها، رواية الصحيح: إن ابنا (٤)، ورواية ابن ماجه: ابنتي أميمة (٥). (فأرسل يُقرئ) عليها (السلام، قال: قل) لها: إن (لله ما أخذ) أي: ما أخذه كان له لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تجزعوا (٦) كما لا يجزع من استردت منه وديعة أو عارية (و) له (ما أعطى) أي: ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو سبحانه (٧) يفعل فيه ما يشاء (وكل شيء عنده إلى أجل) مسمىً (٨) معناه: اصبروا ولا تجزعوا؛ فإن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدمه أو تأخره عنه. إذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. (فأرسلت) إليه (تقسم عليه) بالحضور (فأتاها) هو وسعد بن عبادة

стр. 8622

ومعاذ بن جبل، فرفع إليه الصبي (فوُضِعَ) بضم الواو وكسر الضاد (في حَجْر) بفتح الحاء (رسول الله ﷺ ) وفي الكلام حذف تقديره: فمشوا إلى بيتها، فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلوا فجلس فوضع في حجره (ونفسه تَقَعْقَعُ) بفتح التاء والقافين أي: تضطرب، زاد مسلم: كأنها في شنة، يقال: إنه ليتقعقع لَحياهُ من الكِبَر. والمراد بالقعقعة هنا: صوت النفس وحشرجة الصدر، ومنه قعقعة الجلود والأسلحة وهي أصواتها، والشنة: القربة البالية، شبه صوت نفسه وقلقلته في صدره بما ألقي في القربة البالية اليابسة وحرك فيها (١). (ففاضتْ عينا رسولِ الله [(٢) ﷺ ) حين رآه (فقال له سعدٌ: ما هذا يا رسولَ الله؟ فقال: إنها رحمةٌ، يضعها) رواية: ويضعها (الله في قلب من يشاء) من عباده، والرحمة رقة يجدها الإنسان في قلبه تبعثه على البكاء من خشية الله تعالى وعلى أفعال البر والخير وعلى الشفقة على المبتلى والمصاب ومن كان كذلك جازاه الله برحمته وهو المعني بقوله (وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء) يجوز في الرحماء النصب على أن (ما) كافة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (٣)، وزيدت (ما) بعد (إن) لتهيئتها لولايتها الجملة الفعلية والرحماء مفعول، ويجوز الرفع على تقدير أن (ما) موصولة والتقدير: إن الذي يرحمه الله الرحماء فيكون الرحماء خبر (إن) وضد الرحمة القسوة في القلوب

стр. 8623

الباعثة على الإعراض عن الله تعالى وعن أفعال الخير ومن كان كذلك قيل له: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). [٣١٢٦] (حدثنا شيبان بن فروخَ) غير منصرف (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولى بني قيس سيد أهل البصرة. قال: قدم الثوري البصرة فأرسل إليَّ: بلغني عنك أحاديثُ فأتني فإني على ما ترى من الحال، فأتيته فسمع مني (٢). (عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : وُلِدَ لي الليلةَ كُلامٌ فسميتُه باسم أبي إبراهيم ﵇ فيه تسمية المولود باسم جده، وفيه تسمية المولود ليلة مولده على الصحيح، وكانت أمه مارية بنت شمعون القبطية، وكانت قابلتها مولاة رسول الله ﷺ ، وكانت الولادة في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة. (فذكر الحديث) رواية مسلم: ثم دفعه إلى أم سيف امرأة رجل يقال له أبو سيف فانطلق يأتيه فاتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف ينفخ كيره قد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك. فدعا النبي ﷺ بابنه وضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول (٣). (قال أنس: لقد رأيته يَكيدُ بنفسه) يكيد: بفتح الياء أوله أي: يجود بها يعني: وهو من كاد إذا بلغ الموت وهو في النزع (بين يدي رسول الله ﷺ ،

стр. 8624

فدمَعت) بفتح الميم والكسر لغة حكاها أبو عبيدة (عينا رسول الله ﷺ ) فيه جواز البكاء والحزن بالقلب وأن ذلك لا يخالف الرضا بالقدر، وهو رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما المذموم الندب والنياحة والدعاء بالويل والثبور ونحو ذلك بالقول بالباطل (١). (فقال: تدمع العين، ويحزن القلب) هذا تفسير البكاء المباح والحزن الجائز، وذلك ما كان بدمع العين ورقة النفس، ولم يكن تسخطا لحكم الله، إذ الفطر مجبولة على الحزن والفرح لأسبابهما (٢) (ولا نقول إلا ما يُرضى ربنا، وإنا بك) أي: بفراقك، كما في البخاري (يا إبراهيم لمحزونون) أي: أصابنا الحزن القهري من الله تعالى، لا أنا حزنا اختيارًا.

стр. 8625

٢٩ - باب في النَّوْحِ ٣١٢٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهانا عَنِ النِّياحَةِ (١). ٣١٢٨ - حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا محَمَّدُ بْن رَبِيعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ (٢). ٣١٢٩ - حدثنا هَنّادُ بْنُ السَّريِّ، عَنْ عَبْدَةَ وَأَبي مُعاوِيَةَ -المَعْنَى- عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" .. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعائِشَةَ فَقالَتْ وَهِلَ -تَعْني ابن عُمَرَ- إِنَّما مَرَّ النَّبيُّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ فَقالَ: "إِنَّ صاحِبَ هذا لَيُعَذَّبُ وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ" .. ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قالَ عَنْ أَبي مُعاوِيَةَ: عَلَى قَبْرِ يَهُوديٍّ (٣). ٣١٣٠ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ قال: دَخَلْتُ عَلَى أَبي مُوسَى وَهُوَ ثَقِيلٌ فَذَهَبَتِ امْرَأَتُهُ لِتَبْكي أَوْ تَهُمَّ بِهِ، فَقالَ لَها أَبُو مُوسَى: أَما سَمِعْتِ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَتْ: بَلَى. قال: فَسَكَتَتْ فَلَمّا ماتَ أَبُو مُوسَى قالَ يَزيدُ: لَقِيتُ المَرْأَةَ فَقلْتُ لَها: ما قَوْلُ أَبي مُوسَى لَكِ أَما سَمِعْتِ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ سَكَتِّ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنّا مَنْ حَلَقَ وَمَنْ سَلَقَ وَمَنْ خَرَقَ" (٤).

стр. 8626

٣١٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حميْدُ بْن الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ - عامِلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَلَى الرَّبَذَةِ، حَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ المُبَايِعَاتِ قالَتْ: كانَ فِيما أَخَذَ عَلَيْنا رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ المَعْرُوفِ الذي أَخَذَ عَلَيْنا أَنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ أَنْ لا نَخْمِشَ وَجْهًا وَلا نَدْعُوَ وَيْلًا وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا وَأَنْ لَا نَنْشرَ شَعْرًا (١). * * * باب في النوح النوح والنياحة رفع من محزونين الصوت بالندب. [٣١٢٧] (حَدَّثَنَا مسدد، قال: حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن أيوب، عن حفصة) بنت سيرين أم الهذيل الفقيهة (عن أم عطية) نسيبة بنت الحارث الأنصارية من كبار نساء الصحابة (قالت: إن رسول الله ﷺ نهى عن النياحة) وهي رفع الصوت بالبكاء والندب، وقيل: هي كلمات منظومة تشبه الشعر. [٣١٢٨] (حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن ربيعة) الكلابي وثقه أبو داود والدارقطني (عن محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه) الحسن (عن جده) عطية بن سعد العوفي أبي الحسن الكوفي التابعي، قال ابن معين: صالح. لكن قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد يوهم أنه الخدري.

стр. 8627

وقال النسائي وغيره: ضعيف (١). (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ ) (٢) وفي نسخة: لعن الله (النائحة والمستمعة) زاد البزار (٣) والطبراني (٤): "ليس للنساء في الجنازة نصيب". وهي التي تصغي إلى سماع النياحة فإنها آثمة أيضًا بإصغائها كما أن مستمع القراءة إذا أصغى إليها أجر. وروى الإمام أحمد (٥) بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة" تفرد به أحمد له. [٣١٢٩] (حَدَّثَنَا هناد بن السري، عن عبدة) بن سليمان الكلابي المقرئ (وأبي معاوية) محمد بن خازم الضرير (المعنى، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : إن الميت ليعذب ببكاء) وفي رواية للبخاري (٦): "ببعض بكاء" (أهله عليه) فقيل: إن ذلك محمول على ما إذا أوصى بالبكاء كما كانت العرب تفعل فتحرم الوصية به وهذا تأويل المزني (٧) وهو تأويل الأصحاب وجمهور العلماء.

стр. 8628

وقيل: على ما إذا أوصى به أو لم يوص بتركه فتجب الوصية بتركه. وقيل: إن الميت يسمع بكاء أهله فيرق عليهم ويشتاق إليهم وهو تأويل محمد بن جرير (١). (فذكر ذلك لعائشة فقالت: وَهِلَ) بفتح الواو وكسر الهاء وفتحها، أي: نسي وغلط (تعني ابن عمر) قال أبو زيد: وهلت في الشيء، ووهلت عنه أيهل، وهَلا؛ نسيت وغلطت (٢) (إنما مرَّ النبيُّ ﷺ على قبرٍ) رواية مسلم (٣): فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها. (فقال: إن صاحب هذا القبر ليعذب وأهله يبكون عليه) وأولته عائشة على أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب بكفره وبذنبه في حال بكاء أهله. قالت: إنما مر رسول الله ﷺ على قبر يهودية وهم يبكون عليها فقال: "إنهم يبكون وإنها لتعذب في قبرها". وقال الشيخ أبو حامد: إنه الأصح. (ثم قرأت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تؤاخذ نفس بذنب نفس أخرى، والمعنى: لا يؤاخذ المرء بغير وزره. (قال) أبو داود (عن أبي معاوية: على قبر يهودي) هذِه الرواية تدل على أن الميت الذي يعذب ببكاء أهله عليه هو الكافر كما أولته عائشة. [٣١٣٠] (حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور) بن

стр. 8629

المعتمر بن عبد الله (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن يزيد بن أوس) وثق (قال: دخلت على أبي موسى (الأشعري (وهو ثقيل) في مرضه، رواية النسائي] (١): عن يزيد بن أوس، عن أبي موسى: أنه أغمي عليه (٢) (فذهبت امرأته لتبكي) رواية النسائي: فبكت أم ولد له (أو تَهُم) بضم الهاء (به) يقال: همَمْتُ بالشيء بفتح الميم أهمُّ به بضمها همًّا إذ أردته (فقال لها (٣) أبو موسى أما سمعت ما قال رسول الله ﷺ ؟ [قالت: بلى) [فيه تذكير المريض أهله بما ورد في الكتاب والسنة من الزجر عما يفعلنه] (٤) (قال: فسكتت) [مثل ( .. .) (٥) أولاهما مشددة] (٦). (قال فلما مات أبو موسى قال يزيد: لقيتُ المرأةَ فقلت لها: [ما] (٧) قول أبي موسى لك أما سمعت) [رواية النسائي: أما بلغك. وفي (٨) رواية: أما علمت] (٩) (ما قال رسول الله ﷺ (١٠) ثم سكتِّ) بتشديد التاء المكسورة (قالت: قال رسول الله ﷺ : ليس منا من سلق) (١١)

стр. 8630

بفتح السين المهملة وتخفيف اللام، أي: رفع صوته عند المصيبة بالندب والنياحة. وقيل معناه: من خمش الوجه وصكه، ويقال: صلق بالصاد، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ قيل: أصواتهم فيكم بالمعايب كذبًا وزورًا، أو بطلب الغنيمة (ومن حلق) الواو بمعنى أو، أي: أو حلقت، وكذا ما بعده حلق أي: حلقت رأسها عند المصيبة. (ومن خرّق) -بتشديد الراء بعد الخاء المعجمة- أي: خرق ثوبه وشقه عند المصيبة، ورواية ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) في "صحيحه": "لعن رسول الله ﷺ الخامشة وجهها، والداعية بالويل والثبور". [٣١٣١] (حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا حميد بن الأسود) الكرابيسي البصري، ثقة، قال: (حَدَّثَنَا حجاج) بن صفوان هذا نسبه ابن أبي حاتم (عامل العمر] (٣) بن عبد العزيز على الربذة قال: حدثني أَسيد) -بفتح الهمزة وكسر السين (ابن أبي أَسِيد) بفتح الهمزة وكسر السين أيضًا، واسم أبي أسيد: - يزيد، من أهل المدينة (عن امرأة) (٤) وكانت (من المبايعات) التي بايعت رسول الله ﷺ حين نزل قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية (قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ (٥) علينا أن لا (٦) نعصيه فيه) يعني: لا يعصيك فيما

стр. 8631

أمرتهن به ونهيتهن عنه من منكر، وعن ابن عباس: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. رواه البخاري (١). وعن الحسن: كان فيما أخذ النبي ﷺ أن لا يحدثن الرجال إلا أن يكون محرمًا (٢). (أن لا نخمْش) بكسر الميم وضمها (وجهًا، ولا ندعوَ) بفتح الواو (ويلًا) أي: حزنًا، وإنما يدعى بالويل عند الحزن والمكروه، (ولا نشق جيبًا) وهو الطوق الذي يخرج منه الرأس عند نزعه أو لبسه، وهو من جبت الشيء إذا قطعته (ولا ننشر شعَرًا) بفتح العين. وكان من أفعال الجاهلية عند المصيبة الولولة وحلق الرأس وشق الثياب وخمش الوجه ولطم الخد والدعاء بالويل والثبور. وقد نسخ هذا كله بشريعة الإسلام، وأمر بالاقتصار في الحزن والفرح وترك الغلو في ذلك، وحض على الصبر عند المصائب واحتساب الأجر عند الله، وتفويض الأمر كله لله تعالى (٣). * * *

стр. 8632

٣٠ - باب صَنْعَةِ الطَّعَام لأَهْلِ المَيِّتِ ٣١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ خالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ" (١). * * * باب صنعة (٢) الطعام لأهل الميت [٣١٣٢] (حَدَّثَنَا مسدد قال: حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة (عن جعفر بن خالد) المخزومي، ثقة (عن أبيه) سارة المخزومي المكي وثق (عن عبد الله بن جعفر قال) لما (قال (٣) رسول الله ﷺ : اصنعوا لآل جعفر) لأهل بيته، أي: أهله وأقاربه لما جاء نعي جعفر الصادق (٤)، وفي قوله: "اصنعوا لآل جعفر" إشارة إلى أن المخاطب بذلك جيران أهل الميت وأقاربه لا جيران الميت، حتى لو كان الميت في بلد وأهله في بلد استحب أن يصنع ذلك لأهله؛ لأنهم المصابون المشغولون لا جيران الميت كما اتفق لجعفر ﵁ حين مات في غزوة مؤتة. وفي بعض طرق هذا الحديث عن أسماء بنت عميس - وهي والدة عبد الله بن جعفر - أن النبي ﷺ دخل عليها وقد عجنت عجين بني

стр. 8633

جعفر، فدعى بني جعفر في اليوم الذي قتل فيه جعفر وأصحابه. قالت: فرأيت النبي ﷺ يشمهم وتذرف (١) عيناه. فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: "نعم، قتل اليوم هو وأصحابه". قالت: فقمت أبكي فاجتمع إلينا النساء. قالت: ورجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا") (٢) فيه أنه يستحب لأقرباء الميت وجيران أهله الذين لا يشتغلون بالمصيبة أن يهيئوا طعامًا. وفي قوله: "يصنعوا طعامًا" إشارة إلى أن يكون مصنوعًا بالطبخ وغيره، ومما يستحب منه الخزيرة لما في الحديث: "إنها تذهب ببعض الحزن" (٣) إذ هي من أسرع ما يطبخ وأقل كلفة وأنفعه للمحزونين. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب أن يكون الطعام يشبعهم يومهم وليلتهم، وهذا من البر (٤) والمعروف الذي أمر الله تعالى به. وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحبة. روى جرير بن عبد الله قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه أحمد وابن ماجة بإسنادٍ صحيح (٥). ونص على ذلك صاحب "الشامل" (٦) والشافعي (٧) قال: وأكره

стр. 8634

المأتم، وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يكلف الجزيل ويجدد المؤنة والكلفة لأهل الميت مع اشتغالهم بحزنهم. قال: وأكره الأكل من طعام المأتم. قال: وأما الذبح والعقر عنه فمذموم. قال أبو البختري: بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من فعل الجاهلية. قال القرطبي في "التذكرة": وهذِه الأمور قد صارت عند الناس اليوم سنة الان، وتركها بدعة، فانقلب الحال وتغيرت الأحوال. قال ابن عباس: لا يأتي على الناس زمان إلا أماتوا سنة وأحيوا بدعة (١). (فإنهم قد أتاهم) أي: فاجأهم (أمر يشغلهم) رواية: شغلهم، بفتح الياء والغين وضم الغين لغة شاذة، أي: يشغلهم، أي: عن تهيئة الطعام [والسعي فيه، وفيه إشارة إلى استحباب أكل أهل الميت من الطعام] (٢) ما يستعينون به على حزنهم، ولا يجمعوا بين الحزن والهم والجوع. وكان قتل جعفر في جمادى سنة ثمانٍ من الهجرة في غزوة مؤتة وهو موضع معروف عند الكرك (٣). * * *

стр. 8635

٣١ - باب في الشَّهِيد يُغَسَّلُ ٣١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، ح، وَحَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ ابْن عُمَرَ الجُشَميُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مَهْديٍّ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قال: رُميَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ في صَدْرِهِ أَوْ في حَلْقِهِ فَماتَ فَأُدْرِجَ في ثِيابِهِ كَما هُوَ، قالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). ٣١٣٤ - حَدَّثَنَا زِيادُ بْن أَيُّوبَ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ قالَا: حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عاصِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الحَدِيدُ والجُفُونِ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمائِهِمْ وَثِيابِهِم" (٢). ٣١٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، ح، وَحَدَّثَنا سُلَيْمان بْن داوُدَ المَهْريّ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ - وهذا لَفْظُهُ - أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ أَنَّ ابْنِ شِهابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ شُهَداءَ أُحُدٍ لَمْ يغَسَّلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيهِمْ (٣). ٣١٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدٌ -يَعْني: ابن الحُبَابِ- ح، وَحَدَّثَنا قُتَيْبَة بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوانَ - يَعْنِي: المَرْوانِيُّ - عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ - المَعْنَى - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقالَ: "لَوْلا أَنْ تجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِها لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ العَافِيَةُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ

стр. 8636

بُطُونِهَا" .. وَقَلَّتِ الثِّيابُ وَكَثرَتِ القَتْلَى فَكَانَ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والثَّلاثَة يُكَفَّنُونَ فِي الثَّوْبِ الواحِدِ - زادَ قُتَيْبَةُ - ثمَّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ واحِدٍ فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَل: "أَيهُمْ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا" .. فَيُقَدِّمُهُ إِلَى القِبْلَةِ (١). ٣١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ العَنْبَريُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَاُن بْن عُمَرَ، حَدَّثَنَا أُسَامَة، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَداءِ غَيْرِهِ (٢). ٣١٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ وَيَقُولُ: "أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ" .. فَإِذا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ وقالَ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاء يَوْمَ القِيامَةِ" .. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يغَسَّلُوا (٣). ٣١٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمان بْنُ داوُدَ المَهْريُّ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا الحَدِيثِ بِمَعْناهُ قال: يُجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ واحِدٍ (٤). * * *

стр. 8637

باب الشهيد يغسل [٣١٣٣] (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد) بن حميد قال: (حَدَّثَنَا معن بن عيسى) ابن يحيى بن دينار الأشجعي، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك وأوثقهم، وكان يعالج القز بالمدينة يشتريه، وله غلمان حاكة. روى عن إبراهيم بن طهمان (١). (وحَدَّثَنَا عبيد الله بن عمر) لعله القواريري الحافظ، قال: (حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن (٢) طهمان، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي التابعي (عن جابر ﵁ قال: رُمي رجلٌ بسهم في صدره، أو في حلقه، فمات) منه، وفاء التعقيب تدل على أنه مات عقب الإصابة في المعترك (فأُدرج في ثيابه) أي: لُفَّت عليه ثيابه التي مات فيها بما عليها من الدماء، وفاء السببية تدل على أن سبب موته السهم الذي أصابه في مكان يقطع بأن موته منه. وقد استُدِلَّ بهذا الحديث على أن الميت يكفن في ثيابه الملطخة بالدم، وهذا هو الأولى، وليس بواجب إذ لو أراد الورثة نزع هذِه الثياب وتكفينه في غيرها لم يمنعوا؛ لأنه لا يفوتُ بنزع ثيابه تعظيم حصل له بالشهادة، ولا يزولُ أثرُ الشهادة بخلاف الغسل والصلاة عليه. وظاهر هذا الحديث أنه لم يكن عليه شيء من الدروع ولا الجلود والفراء والخفاف وما ليس لبسه معتادًا.

стр. 8638

(كما هو) أي: كهيئته التي مات عليها. ففيه دليل على أن الشهيد لا يغسل ولا يزال دمه الشاهد له بالشهادة يوم القيامة (١)، وهذا لا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب؛ فإنهما قالا: يغسل الشهيد، فما مات ميت إلا جنب (٢). وهذا مخالف لظاهر الحديث. (قال: ونحن) في غزوة (مع النبي ﷺ ) وإذا كانوا معه فلا يخفى عنه هذا، بل يكون علم به وأقرهم على فعله والاقتداء بما فعله الصحابة وأقرهم عليه النبي ﷺ أولى من قول من قال: يغسل. [٣١٣٤] (حَدَّثَنَا زياد بن أيوب) الطوسي شيخ البخاري وحافظ بغداد. (وعيسى بن يونس) الطَرَسوسي بفتح الطاء والراء (قالا: حَدَّثَنَا علي بن عاصم) بن صهيب الواسطي، كان عنده مائة ألف حديث، ودفع إليه أبوه مائة ألف درهم، وقال: اذهب فلا أرى لك وجهًا إلا بمائة ألف حديث. يقال: ربما حضر مجلسه ثلاثون ألفًا. قال يعقوب بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح. قال أحمد: أما أنا فأحدث عنه (٣) (عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) ﵄ (قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن يُنزعَ عنهم الحديدُ والجلودُ) بالرفع فيهما لبنائهما على الفاعل المحذوف، وهذا هو المشهور، ويجوز نصبهما عند الكوفيين على أن يكون الجار والمجرور وهو (عنهم) ناب عن الفاعل، ووافق الأخفش الكوفيين هنا في نيابة الجار

стр. 8639

والمجرور عن الفاعل؛ لتقدمه على المفعول به وهو: الحديد وما عطف عليه، كما قال الشاعر: لم يُعْنَ بالعلياءِ إلا سيِّدا ... ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى فأقام بالعلياء مقام الفاعل؛ لتقدمه على سيد المفعول وخالف في مثل قراءة أبي جعفر ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) لتأخر ﴿بِمَا كَانُوا﴾ عن المفعول" (٢). وفيه دليل على أن الشهيد ينزع عنه ما كان عليه من السلاح والجلود وتدفن ثيابه كما تقدم. (وأن يدفنوا بدمائهم) الحاصلة من جراحاتهم، فلا تغسل؛ لأنها تشهد لهم يوم القيامة، ويكون لونها لون الدم وريحها ريح المسك، خلافًا لما تقدم عن الحسن وسعيد بن المسيب. (وثيابهم) استدل به مالك على أن الشهيد يدفن بجميع ثيابه التي كانت عليه؛ لأن اللفظ عام في الكل؛ إذ الإضافة تفيد العموم. وقال الشافعي وأحمد ومالك (٣): لا يترك عليه خف ولا فرو ولا جلد ولا محشو قياسًا على الجلود المذكورة؛ فإنَ ما في معناه يقاس عليه ويكون الجلود مخصصة لعموم قوله: "في ثيابهم". والأخذ بالخاص أولى (٤).

стр. 8640

[٣١٣٥] (حَدَّثَنَا أحمد بن صالح قال: حَدَّثَنَا ابن وهب وحَدَّثَنَا سليمان ابن (١) داود المَهري) بفتح الميم (قال ابن وهب: وهذا لفظه قال: أخبرنا أسامة بن زيد الليثي) قال ابن معين: ثقة صالح. وقال ابن عدي: ليس به بأس (أن ابن شهاب) الزهري (أخبره، أن أنس بن مالك حدثه) أعله (٢) البخاري، وقال: إنه غلط فيه أسامة بن زيد، فقال: عن الزهري، عن أنس. كما حكاه الترمذي (٣). ورجح رواية الليث عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن جابر الآتية بعد. وقد روى أبو داود في "المراسيل" (٤) والحاكم من حديث أنس أيضًا: مَرَّ النبيُّ ﷺ على حمزة وقد مُثِّلَ به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره. وهذا الذي أنكره البخاري على أسامة بن زيد. (أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم) كما تقدم (ولم يُصلَّ) بفتح اللام (عليهم) وعليه المعنى. قاله النووي. ويجوز أن يكون بكسرها ولا يفسد المعنى، لكنه لا يبقى فيه دليل على ترك الصلاة عليهم مطلقًا؛ لأنه لا يلزم من كونه لم يصل هو عليهم أن لا يأمر غيره بالصلاة عليهم (٥). قال الشافعي في "الأم": لعل ترك الغسل والصلاة ليلقوا الله تعالى

стр. 8641

بكلومهم لما جاء: أن ريح دمهم ريح المسك، واستغنوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم مع التخفيف على المسلمين (١). فإن قيل: الصبي يصلى عليه مع استغنائه عن الصلاة، إذ لا ذنب له، لكن طلبًا لرفع الدرجات فهلا كان الشهيد كذلك؟ فالجوابُ: أنهم لو صُلِّيَ عليهم كغيرهم لما بانَ للنَّاس منزلتُهم، وإظهارُ ذلك مطلوبٌ ترغيبًا في الشهادة. [٣١٣٦] (حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة قال: حَدَّثَنَا زيد بن الحُباب) بضم الحاء المهملة، أبو الحسين العكلي الخراساني، ثم الكوفي الحافظ، رحل في الحديث إلى الأندلس مع فقره، وهو العابد الثقة الصادق الجوال، وثقه ابن معين مرّة، وقال أبو حاتم: صدوق (٢). (وحَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد قال: حَدَّثَنَا أبو صفوان) عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان (المرواني) (٣) الأموي الدمشقي، هربت به أمه حين قتل أبوه بنهر أبي فطرس صبرًا. قال أبو زرعة: صدوق (٤) (عن أسامة) بن زيد الليثي (عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁ المعنى: أن النبي ﷺ مَرَّ على حمزة وقد مُثِّلَ به) قال في "الاستيعاب": لم يمثل بأحد مثل ما مُثِّل بحمزة بن عبد المطلب، قطعت هند عيبة كبده وجدعت أنفه وقطعت أذنيه وبقرت بطنه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "لئن ظفرت بقريش لأمثلن

стр. 8642

بثلاثين منهم". فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١) (فقال: لولا أن تجِد) بكسر الجيم، أي: تحزن عند رؤيته (صفيةُ) أخته عمة النبي ﷺ (في نفسها لتركتُهُ حتى تأكله العافية) وهي الوحش والسباع والطير (٢) مأخوذ من قولك: عفوت فلانًا، إذا أتيته تطلب معروفه، يقال: فلان كثير الغاشية والعافية أي: يغشاه السؤال والطالبون معروفه (حتى يحشر) أي: في يوم القيامة إلى أرض المحشر (من بطونها) وللمحب الطبري: "لولا أن تجزع النساء منه لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير، لأمثلن مكانه سبعين قتيلًا" (٣) ثم كفنه ببرده وصلى عليه، ثم جعل يجاء بالرجل وحمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكانت القتلى سبعين، فلما فرغ منهم [أنزلت هذِه الآية] (٤) ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ الآية (وقلَّتِ الثيابُ) التي يكفن فيها. (وكثرت القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد) فيه دليل على أن الأكفان إذا ضاقت عن القتلى لكثرتهم جاز أن يكفن الجماعة في ثوب واحد، ولا يزاد على الثلاثة إلا لشدة الحاجة (زاد قتيبة) بن سعيد (ثم يدفنون في قبر واحد) روى الإمام أحمد من رواية عبد الله بن ثعلبة: فجعل يدفن في القبر الرهط (٥). وفي

стр. 8643

رواية: "اجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر الواحد" (١). قال السرخسي وغيره: لا يجوزُ دفن اثنين (٢) في قبرٍ، أي: إلا لضرورة (٣)؛ فإن عسر إفراد (٤) كل ميت بقبر بأن كثر الموتى كمقتلة وحرب، أو كثر الموت لطاعون ونحوه وكان الناس ضعفاء أو مشتغلين بحرب، دفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد بحسب ما يقتضيه الحال، ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا عند تأكد الضرورة أو يكون بينهما زوجية أو محرمية ويجعل بين النساء والرجال حاجزًا من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح (٥). (فكان [رسول الله] (٦) ﷺ يسأل: أيهم) بالرفع؛ لأنه مبتدأ (أكثر قرآنا) (٧) فيقربه (٨) (فيقدمه إلى القبلة) فيه تقديم الأفضل فالأفضل، فيقدم إلى جدار اللحد مما يلي القبلة أكثر قرآنًا وعلمًا وصلاحًا، لكن يقدم الأب على الابن وإن كان الابن أكثر قرآنًا أو حديثًا أو فضيلة؛ لحرمة الأبوة. ويقدم الرجل على المرأة وإن كان الرجل عبدًا لمكان الذكورة؛ ولأنه اللائق في هذا الموضع (٩).

стр. 8644

[٣١٣٧] (حَدَّثَنَا عباس) بالموحدة ابن عبد العظيم بن إسماعيل (العنبري) الحافظ شيخ مسلم، قال النسائي: ثقة مأمون (١) (قال: حَدَّثَنَا عثمان بن عمر) العبدي من الصالحين الثقات قال: (حَدَّثَنَا أسامة، عن الزهري، عن أنس: أن النبي ﷺ مر على حمزة وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيره) قال الطبري: أمر حمزة على التخصيص، ومن صلى عليه غيره على أنه جرح حال الحرب، ولم يمت حتى انقضى الحرب. وأما ما رواه أبو داود في "المراسيل" (٢): أنه صلى على قتلى أحد عشرة عشرة وفي كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة. فهو حديث ضعيف أو خطأ؛ لأن شهداء أحد كانوا اثنين وسبعين، فلا تزيد الصلوات على حمزة على هذا بسبع أو ثمان. قال الشافعي: ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحيي على نفسه (٣). [٣١٣٨] (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، ويزيد بن خالد بن موهب، أن الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره) هذِه هي الرواية المتقدمة التي رجحها الترمذي (أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ويقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن) كما في حديث الإمامة: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (٤)؛

стр. 8645

لأنه أكرم على الله. وظاهره: أن من زاد حفظه على غيره يقدم عليه وإن كان الغير أفقه أو أكثر حديثًا (فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد) أي: من جهة اللحد إلى القبلة كما تقدم (وقال: أنا شهيدٌ) من أبنية المبالغة (على هؤلاء) يشبه أن يكون على بمعنى اللام، والتقدير: أنا شاهد لكم يوم القيامة بالقتل في سبيل الله تعالى (يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم) التي من الجراحات، (ولم يغسلوا) لما يتضمنه غسلهم من إزالة أثر العبادة المستحسنة شرعًا كما لا ينشف أثر الوضوء (١). [٣١٣٩] (حَدَّثَنَا سليمان بن داود المهري، قال: أنبأنا) عبد الله (٢) (ابن وهب، عن الليث، بهذا الحديث) المتقدم (بمعناه) المذكور (قال: فجمع بين الرجلين من قتلى أحد) فيه أنه لا يجمع بين الرجل والمرأة، ويجمع بين المرأتين كما يجمع بين الرجلين؛ لأن الجنس الواحد أولى أن يجمع بينهما كما في الحياة (في ثوب واحد) كما يجمع بين المرأتين في ثوب واحد كالصبيين. * * *

стр. 8646

٣٢ - باب في سَتْر المَيِّتِ عنْدَ غَسْلهِ ٣١٤٠ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْن سَهْلٍ الرَّمْليُّ، حَدَّثَنَا حَجّاجٌ، عَنِ ابن خرَيْجٍ قال: أخبِرْت، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبي ثابتٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَليٍّ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لا تُبرِزْ فَخِذَكَ وَلا تَنْظُرَنَّ إِلَى فَخِذِ حَى وَلا مَيِّتٍ" (١). ٣١٤١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ سَلَمَهً، عَنْ محَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: سَمِعْت عائِشَةَ تَقُول لَمَّا أَرادُوا غَسْلَ النَّبيِّ ﷺ قَالُوا والله ما نَدْري أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ ثِيابِهِ كَمَا نجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نغَسِّلهُ وَعَلَيْهِ ثِيابُهُ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ ثمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ البَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَقامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصبُّونَ المَاءَ فَوْقَ القَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيْهِمْ وَكَانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَهُ إِلَّا نِساؤُهُ (٢). * * * باب الميت يستر عند غسله (٣) [٣١٤٠] (حَدَّثَنَا علي بن سهل) بن قادم (الرملي) قال النسائي: ثقة نسائي، سكن الرملة، مات ٢٦١. قال (أنبأنا حجاج) بن محمد

стр. 8647

المصيصي الأعور الحافظ، قال أبو داود: بلغني أن ابن معين كتب عنه نحوًا من خمسين ألف حديث (عن) عبد الملك (بن جريجٍ قال: أُخْبِرْتُ) بضم الهمزة وكسر الباء وإسكان الراء (عن حَبيب) بفتح المهملة وتكرير الموحدة بينهما مثناة (ابن أبي ثابت) الأسدي ثقة مفتيًا مجتهدًا (عن عاصم بن ضَمْرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم السَّلولي، بفتح السين المهملة. قال ابن معين: إن حبيبًا لم يسمع من عاصم، وأن بينهما رجلًا، بيَّن البزارُ الواسطة بينهما، وهو: عمرو بن خالد الواسطي، ووقع (١) في زيادات (٢) (عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: [لا تُبرز) بضم أوله (فخذك) وفي رواية: "لا تكشف فخذك" رواية] (٣): "لا تبرزن" (٤) فيه دليل على أن الفخذ عورة، ويدل عليه قوله ﷺ لجرهد: "غط فخذيك، فإن الفخذ عورة". حسَّنه الترمذي (٥). وأما انحسار [الإزار عن] (٦) فخذِ النبيِّ ﷺ في زقاق خيبر فهو محمولٌ على أنه انكشف لإجراء الفرس من غير قصد. وما في مسلم من كونه ﷺ كان مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه أو

стр. 8648

ساقيه (١) لا حجة فيه؛ لأجل الشك (٢). وفيه دليل على وجوب ستر الفخذ وغيره مما هو عورة. [(٣) وهذا في غير الزوجة لما في مسند أحمد وغيره من السنن (٤): "احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك". (ولا تَنْظُرْ إلى فخذِ حيٍ) (٥) فيه تحريم النظر إلى ما لا يباح له النظر إليه من زوجة ورقيق ونحوهما، فإن وقع بصره على محرم من غير قصد فليصرف وجهه عنه سريعًا، لما في "صحيح مسلم" (٦) عن جرير بن عبد الله قال: سألت النبيَّ ﷺ عن نظرةِ الفجأةِ؛ فأمرني أن أصرفَ بَصري (٧). وكذا رواه الإمام أحمد (٨) وأبو داود (٩) والترمذي وصححه (١٠). وفي رواية لبعضهم: "أطرق بصرك" (١١) يعني: انظر إلى الأرض. (ولا ميت) فيه دليل على سترِ الميت عند الغسل، بأن ينقل الميت إلى موضع خالٍ مستور فيغسل فيه، ولا يدخل فيه غير الغاسل ومن يعينه على غسله؛ لأنه كان يستر عند اغتساله في حياته فكذا يفعل به بعد موته، وإذا

стр. 8649

لم يغسل في قميص فليستر جميع بدنه وإلا فما بين السرة والركبة للحديث. وقال أبو حنيفة: يجتنب فيه الفرج خاصة، ويكره للغاسل ولغيره النظر إلا لحاجة، وهذا فيما عدا بين السرة والركبة أما ما بينهما فحرام (١). [٣١٤١] (حَدَّثَنَا النفيلي، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عبّاد) ثقة، لم يتكهل (عن أبيه عبّاد بن عبد الله ابن الزبير) بن العوام، أصدق الناس لهجة، كان على قضائه بمكة، وكان الناس يظنون إن حدث بعبد الله بن الزبير حدث أن يعهد إليه بالإمرة (٢) (قال: سمعت عائشة) ﵂ (تقول: لما أرادوا غَسلَ رسولِ الله ﷺ قالوا: والله ما ندري أَنُجَرِّدُ) بضم النون وكسر الراء المشددة (رسولَ الله ﷺ من ثيابه كما نُجِرِّدُ موتانا، أم نغسِّلُه وعليه ثيابه؟ ) فيه دليل على أنه كانَ معلومًا عندهم أن من ماتَ غيرَ النبيِّ ﷺ تنزع عنه ثيابه التي مات فيها، وبه استدل أبو حنيفة ومالك في رواية: أن غسل الميت مجردا أولى، وهو وجه في مذهب الشافعي، والصحيح عند الشافعي أن يلبس الميت قميصا يغسل فيه (٣). قال الروياني: ومن الأصحاب من قال: الغسل في القميص للأشراف وذوي المروءات دون غيرهم، والمشهور التغسيل في قميص كما فعل بالنبي ﷺ والأصل عدم التخصيص كما هو مقرر (٤).

стр. 8650

(فلما اختلفوا ألقى الله ﵎ عليهم النوم) جميعهم (حتى ما منهم رجل إلا وذَقَنه) بفتح الذال المعجمة والقاف، وهو مجتمع اللحيين (في صدره) من غلبة النوم (ثم كلمهم مكلمٌ من ناحية البيت) لم يروا شخصه والا يدرون من هو) قيل: إنه الخضر (أنِ اغسلوا رسولَ ﷺ وعليه ثيابه) أي قميصه الذي مات فيه. وفي رواية ابن حبان (١): فكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب. وروى الحاكم عن عبد الله بن الحارث قالَ: غَسَلَ النبيَّ ﷺ عليٌ وعلى يدِ عليٍ خرقةٌ فغسله، يدخل يده تحت القميص يغسله، والقميص عليه (٢). (فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه) أي: غسله عليٌ كما تقدم (وعليه قميصه) فيه دليل على أن المستحب أن يغسل الميت في قميص للحديث؛ لأن ما ثبت أنه سنة في حقه ﷺ فهو سنة في حقنا حتى يثبت التخصيص، وما فعل به ﵇ هو الأكمل ولأن ذلك أستر في حق الميت وليكن القميصُ باليًا سخيفًا. وقال المزني: إن ذلك خاص بالنبي ﷺ لجلالته وعظم قدره وقال: إنه لا يعرف أحدًا قال: يغسل في قميص غير الشافعي ﵁ (٣) (يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه) الأصح (بالقميص دون أيديهم) (٤) فعلى هذا يستحب أن يكون القميص رقيقا؛ لنزول الماء منه إلى البدن ولا يكون
следующие страницы →