([قال أبو داود] (١) هكذا رواه شعبة ومفضل بن مهلهل) بفتح الهاء ابن السعدي الكوفي، روى له مسلم [وولي خراسان سنة ٨٥ (٢) فافتتح باذغيس] (٣).
(عن منصور) بن المعتمر المتقدم (قال شعبة) في روايته: (أسيد) بن ظهير المذكور، هو (ابن أخي رافع بن خديج) بن رافع ﵁.
[٣٣٩٩] (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى) القطان (حدثنا أبو جعفر) عمير بن يزيد بن [عمير] (٤) (الخطمي) بفتح المعجمة، وثقوه.
(قال: بعثني عمي) بكسر الميم مفردا (٥) (أنا) هذا الفاصل بين الضمير المتصل المنصوب وبين ما عطف عليه ليس بلازم؛ إذ يجوز حذفه فيقول: بعثني عمي وغلاما (٦). بالنصب معطوف على الضمير المنصوب على المفعولية وهو الياء، له (وغلامًا له) ولا يجوز: وغلام بالرفع (إلى سعيد بن المسيب ﵁ قال: فقلنا له) قال عمي: ما (شيء) مبتدأ (بلغنا) جملة فعلية صفة لشيء.
(عنك في المزارعة؟ ) خبر المبتدأ، والمراد بالمزارعة هنا (إذا
стр. 9207
كانت) (١) على الأرض البيضاء [بدليل قوله في الحديث: "أليس أرض ظهير؟ "، قال: كان ابن عمر ﵄ لا يرى به بأسا، أي بالأرض البيضاء] (٢)، كما تقدم، أن يدفعها إلى من يزرعها ويعمل عليها، والزرع بينهما، ومذهب الشافعي أن المزارعة إن (٣) كانت مستقلة والبذر من المالك فلا يصح، وإن كان البذر من العامل فهي المخابرة، ولا تصح أيضًا (٤).
قال النووي في "الروضة": وبجوازها قال من كبار أصحابنا ابن خزيمة وابن المنذر (٥).
قال الشيخ السبكي (٦) والبلقيني: والمختار جوازهما.
وأما المزارعة تبعًا للمساقاة فهي صحيحة بشرط اتحاد العامل وعسر إفراد النخيل بالسقي، والأرض بالعمارة (٧).
([قال: كان ابن عمر لا يرى بها بأسا] (٨) حتى بلغه عن رافع بن خديج حديث) يرويه في ذلك.
(فأتاه) فسأله (فأخبره رافع) بن خديج (أن رسول الله ﷺ أتى بني
стр. 9208
حارثة) بن الحارث (١) بن الخزرج، بطن من الأنصار (فرأى زرعًا في أرض ظهير) بن رافع بن عدي الحارثي الأنصاري عم رافع بن خديج.
(فقال: ما أحسن زرع ظهير) فيه جواز التعجب بهذا اللفظ عند رؤية الشيء الحسن من زرع وثمر (٢) وطعام ونحو ذلك، وجواز نسبة ما يراه في ملك الآدمي إليه أو وجده في يده بأن يقال لمن في يده الثوب: يا صاحب الثوب. ويحكم لمن في يده الثوب بأنه ملكه، وإن ادعاه الغير، إذا لم يقم بينة.
(قالوا: ليس) هذا الزرع (لظهير. قال) رسول الله ﷺ (أليس) أي: أليست هذِه (أرض) بالنصب خبر ليس، وحذفت التاء لأن تأنيث الأرض مجازي (ظهير؟ ) فيه دلالة على أن الأرض والإناء يحكم بما يوجد فيهما بأنه ملك لمالكها إذا لم يقم بينة بخلافه، فإذا وجد ركاز (٣) في أرض شخص فهو له بدعواه [بلا بينة، وكذا إذا وجدت عين غير الركاز في ملكه كشجرة ودابة ونحوها فهي له بدعواه] (٤)، فإذا أقام غيره بينة بها وهو بينة حكم بالعين لمن (٥) وجدت في ملكه بلا خلاف كما في "الذخائر"، ولا يحتاج إلى بينة على الأصح.
(قالوا: بلى) أي: هي أرضه، ولو قالوا: نعم. لكان التقدير: نعم
стр. 9209
ليست هي أرضه، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١). (ولكنه) أي: ولكن الزرع (زرع) بالرفع خبر لكن (فلان. قال: فخذوا) أي: قال لهم: قولوا لأصحاب الزرع وهو ظهير: خذوا. وفيه دلالة على جواز الاستنابة في تبليغ الأحكام (زرعكم) يعني: الذي في أرضكم، نسبه إليهم؛ لأن البذر منهم كما سيأتي في رواية (٢) ابن أبي نعم (٣)، أو لأن البذر زرع في أرضهم بغير إذنهم. (وردوا عليه) أي على فلان الغاصب (النفقة) أي: ما أنفقه من ماله في زراعة الأرض من علف الثيران وغير ذلك من أجرة الآلات، والنفقة لا تختص بالدراهم والدنانير، بل تعم جميع أصناف المال.
(قال رافع) عم ظهير (فأخذنا زرعنا) الذي في أرضنا (ورددنا إليه النفقة) التي أنفقها في الزراعة، أي: نظير أجرة الآلات والدواب والعمل والبذر الذي زرع في الأرض بغير إذنهم.
وفيه دليل على أن الغاصب إذا غصب أرضًا وزرع فيها لا يجبر على قلعه؛ لأنه ملك المغصوب منه عند أحمد كما سيأتي في الحديث بعده فيمن زرع في أرض قومٍ بغير إذنهم. ومذهب الشافعي في المزارعة الفاسدة.
قال الرافعي: متى أفردت الأرض (٤) بمخابرة أو مزارعة يعني كما
стр. 9210
سبق أول الصفحة، فالعقد (١) باطل، ثم إن البذر للمالك والزرع له، يعني (٢)؛ لأنه نماء ماله، وللعامل أجرة مثل عمله، وأجرة (٣) مثل الآلات والثيران إن كانت له، وإن كان للعامل فالزرع له ولمالك الأرض أجرة مثل الأرض على العامل، وإن كان البذر منهما فالريع بينهما، ولكل واحد منهما أجرة مثل ما انصرف (٤) من المنافع المستحقة (٥) له إلى جهة المزارعة (٦).
(قال سعيد بن المسيب: أفقر) بفتح الهمزة وإسكان الفاء وكسر القاف (أخاك) أي: أعره الأرض، وأصل الإفقار في إعارة الظهر للركوب ونحوه، يقال: أفقرت الرجل دابتي. أي: أعرته ظهرها للركوب.
قال ابن الأثير: هكذا الشرح في بعض النسخ هكذا، وفي بعضها كما هو مكتوب في الأصل، أي: أعره أرضك للزراعة كأنه أعاره فقارها أي ظهرها، انتهى.
ومنه الفقير كأنه شكا فقار ظهره لا من مرض بل من فقد المال، وأصله من فقرات الظهر، وهي الخرزات التي في الصلب، الواحدة فقارة.
(أو أكره) بفتح الهمزة، الأرض (بالدراهم) أو الدنانير كما في الرواية
стр. 9211
السابقة، والأمر هنا للندب، أي: هما أولى من غيرهما، ويدل على الجواز بغيرهما رواية مسلم: "أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس" (١)، فيجمع بين الروايات بأن راويهما واحد، أو قد رواه عامًّا وخاصًّا، فيحمل إحدى الروايتين على الأخرى، أو يقال: إن هذا من حمل المطلق على المقيد (٢).
[٣٤٠٠] (حدثنا مسدد، وحدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (حدثنا طارق بن عبد الرحمن) البجلي الأحمسي الكوفي، قال عبد الله عن يحيى ابن معين وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة (٣). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وروى له الجماعة.
(عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة) قال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله [بالبر] (٥)، مأخوذ من الحقل (٦).
قال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه (٧).
والمنهي (٨) عنه بيع الزرع قبل إدراكه، والمشهور أن المحاقلة كراء
стр. 9212
الأرض ببعض (١) ما ينبت (٢).
(والمزابنة) بالزاي والباء الموحدة والنون، مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب: الزبون؛ لشدة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص المزابنة كان كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه وأراد الآخر دفعه عن هذِه الإرادة بإمضاء البيع، والمزابنة كما في البخاري وغيره هي بيع التمر بالمثناة ولا يكون في الثمر بالثمر (٣) بفتح المثلثة والميم، والمراد به الرطب خاصة وبيع العنب بالزبيب، هذا أصل المزابنة المنهي عنها، وألحق الشافعي بذلك كل بيع (٤) مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنس يجري الربا في نقده (٥).
(وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، فهو يزرعها) بنفسه (ورجل منح) بضم الميم وكسر النون أي: أعطي (أرضًا، [فهو يزرع ما منح) بضم الميم وكسر النون، أي: من الأرض (ورجل استكرى) من غيره (أرضًا] (٦) بذهب أو فضة) هذا فيه تخيير من النبي ﷺ بين الأمور الثلاثة: أن يزرع
стр. 9213
أرضه بنفسه، أو يكريها لغيره بذهب أو فضة، أو يعيرها لغيره يزرعها مجانًا ولا يمسكها ليعطلها عن المنافع، بل إن أمسكها ليفعل بها واحدًا من هذِه الأمور الثلاثة فلا بأس. وبهذا يجمع (١) بين أكثر الأحاديث.
[٣٤٠١] (قال أبو داود: قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني) أبي بكر، قدم بغداد، قال أبو بكر الأثرم: رأيته عند أحمد بن حنبل يذاكره الحديث. قال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق (٢).
(قلت: حدثكم ابن المبارك، عن سعيد) بن يزيد (أبي شجاع) أخرج له مسلم، قال: (حدثني عثمان بن سهل بن رافع بن خديج) (٣) قال في "الأطراف" (٤): الصواب عيسى بن سهل (٥).
(قال: إني ليتيم في حجر) بفتح الحاء على المشهور، ويجوز كسرها، لغتان.
(رافع بن خديج ﵁ وحججت معه) فيه صحة حج الصغير المميز، يتيمًا كان أو غير يتيم، ويحرم بإذن وليه، لكن لا يسقط به الفرض عنه (٦) عند أكثر العلماء (فجاءه أخي عمران بن سهل) بن رافع (فقال)
стр. 9214
له (أكرينا أرضنا فلانة) فيه تسمية الأراضي والبقاع كما يستحب تسمية الدواب والآلات (بمائتي درهم) فيه جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وهو الذي عليه الجمهور.
(فقال: دعه) أي: اترك هذا الكراء الذي أكريته. يحتمل أن يكون الأمر بالترك لبطلان الإجارة، ويكون النهي بعده نهي تحريم، ويحتمل أن يكون الأمر بالترك للندب والتنزه، ويكون النهي بعده نهي كراهة تنزيه.
(فإن النبي ﷺ نهى) تحريم أو كراهة، كما تقدم. (عن كراء الأرض) هذا الحديث مضطرب متنه جدًّا، حتى إن بعضهم لم يقبله، وحمله على الغلط في روايته؛ لأنه معارض لعموم (١) الكتاب والسنة الثابتة والإجماع؛ حتى إن القرطبي أفرد في هذا مصنفًا (٢).
أما عموم الكتاب فهو معارض لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣)؛ فإن المساقاة والإجارة نوعٌ من أنواع البيع.
وأما السنة الثابتة (٤)، فلما روى ابن عمر: عامَل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها. وهو حديث صحيح متفق عليه من الأمة رواه (٥) الجماعة (٦).
стр. 9215
فأما الإجماع: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وعن آبائه: عامَل رسول الله ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم (١).
وقد عمل (٢) به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم واشتهر ذلك في عصرهم وما بعده وما ينكره منكر؛ فكان إجماعًا.
فإن قيل: لا نسلم أنه لم ينكره منكر؛ فإن ابن عمر راوي معاملة خيبر رجع عنه وقال: كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة، والمخابرة من كراء الأرض، وهذا يدل على عدم انعقاد الإجماع، ويدل على نسخ حديث ابن عمر رجوعه عن العمل به إلى حديث رافع المذكور.
قلنا: لا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع (٣)، بل يحمل (٤) حديثه على أن النهي عنه للتنزه عن إكراء الأرض التي امتن الله عليه بها، وعلى أن الأفضل من إكرائها أن يزرعها بنفسه ويتقوت منها هو وعياله، فإن عجز فيعامل عليها كما في معاملة خيبر؛ فإن فيه العمل بالمتعارضين، [والعمل بالمتعارضين] ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما؛ [فإن في العمل بهما إعمال الدليلين وهو أولى من إهمال أحدهما] (٥). وأما معارضة هذا الحديث لعموم الكتاب فقد
стр. 9216
اختلف فيها الأصوليون: فمنهم من يقدم الكتاب ويجيز إكراء الأرض، ومنهم من يقدم خاص الحديث على عموم الكتاب ويحرم المخابرة، ومنهم من يقول: ينظر (١)، فإن أمكن الجمع ولو من وجه جمعنا وإلا قضينا بالتقابل، وإذا جمعنا قلنا: هذِه المسألة (٢) هي المذكورة في التخصيص أنه يخص عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ لخصوص معاملة (٣) أهل خيبر، ويقال كما تقدم أن النهي عن الإكراء بخصوصه محمول على من قدر على أن يزرعها بنفسه، وجواز المعاملة على الأرض بشطر ما يخرج منها مثلًا محمول على من عجز عن أن يزرعها بنفسه، وهذا من باب التنزه لا من باب الإيجاب، والله أعلم.
وهذا كله إذا صح حديث رافع، وإلا فاضطراب متنه من أقوى العلل القادحة كما هو مقرر عند المحدثين.
[٣٤٠٢] (حدثنا هارون بن عبد الله) البزاز الحمال من شيوخ مسلم (حدثنا) أبو نعيم (الفضل بن دكين، حدثنا بكير بن عامر) البجلي، قال النسائي: ليس بالقوي. وعزاه (٤) ابن عدي (٥) (عن) عبد الرحمن (بن
стр. 9217
أبي نعم) (١) بضم النون وإسكان العين، البجلي الزاهد (٢)، كان يحرم من السنة إلى السنة، ويقول: لو كان رياء لاضمحل (٣).
قال: (حدثني رافع بن خديج ﵁: أنه زرع أرضًا فمر به النبي ﷺ وهو يسقيها) بضم الياء (٤) وفتحها، فمن جعله من سقى فتح الياء (٥) كقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (٦)، ومن جعله من أسقى ضم، كقوله ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ (٧).
(فسأله: لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟ ) هذا السؤال ليس لمعرفة (٨) أحكام الأرض والسقي فقد تقدم في الرواية السابقة قوله ﷺ : "ما أحسن زرع (٩) ظهير؟ " (١٠) (فقال) هذا (زرعي ببذري) بإسكان الذال المعجمة (وعملي) وفي رواية نسبها القرطبي لتخريج أبي داود فقال: زرعي وعملي بيدي (١١)(١٢). والرواية الأولى المشهورة يكون البذر من
стр. 9218
المالك دون الثانية؛ فإن فيها بيده دون غيره، وأما البذر فظاهر رواية الشافعي وأحمد أنه يجوز أن يكون من المالك؛ لأنه عقد اشترك العامل ورب المال في نمائه؛ فوجب أن يكون رأس المال كله من المالك كالمضاربة والمساقاة، شبهه بها، وعند أحمد: يجوز أن يكون من العامل؛ فقد عامل النبي ﷺ أهل خيبر على الأرض بشطر ما يخرج منها من غير ذلك البذر؛ فدل على أن أيهما أخرج البذر جاز (١).
وأما قوله في الرواية الثانية: (وعملي بيدي) (٢) فهو محمول على أنه ساعده على العمل تبرعًا من نفسه، لا على أنه على سبيل الاشتراط، فقال الرافعي: لو شرط العامل على المالك أن يشاركه في العمل فسد العقد (٣).
(لي الشطر) بالرفع (٤)، يعني: النصف (ولبني فلان الشطر) فيه بيان الجزء المشروط عليه من نصف وربع وغيرهما من الأجزاء المعلومة، ولا يجوز على مجهول، كقوله (٥): لك بعض الثمرة ولي بعضها.
(فقال: أربيتما) بفتح الهمزة والباء الموحدة على وزن أفعلتما وأفسدتما، وهذا صريح على أن وجه الفساد كونه (٦) يؤدي إلى الربا،
стр. 9219
وهذا [ما أخذ به] (١) مالك فجمع مالك بين الأدلة، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما (٢) ينبت. وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك، وفهم أن علة المنع الربا، فجعل لها حكم الطعام، وأن المالك إذا دفع البذر الذي هو الطعام، وأكراها بطعام فقد ضارع طعامًا بطعام إلى أجل، فلا يصح سواء كان الطعام من الجنس أم لا، وهذا الحديث شاهد لصحة هذا، ومنع مالك إكراءها ما ليس بطعام مما تنبته (٣) أيضًا، وأن هذا من باب سد الذريعة على أصله، والله أعلم.
(فرد الأرض إلى أهلها) يجوز في الدال المشددة الفتح وهو الأفصح؛ لكونه أخف الحركات، والكسر؛ لالتقاء الساكنين، والضم على الإتباع، أي: رد الأرض إلى مالكها. (وخذ نفقتك) أي: بذرك الذي زرعته ومؤنة الزرع في الحرث والسقي والنفقة من جهة الدواب.
* * *
стр. 9220
٣٣ - باب في زَرْعِ الأَرْضِ بغَيْرِ إِذْنِ صاحِبِها
٣٤٠٣ - حدثنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حدثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيء وَلَهُ نَفَقَتُهُ" (١).
* * *
باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها
[٣٤٠٣] (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي القاضي، أدرك زمن عمر بن عبد العزيز.
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، أحد الأعلام، يشبه الزهري في الكثرة، وله نحو ثلاثمائة شيخ.
قال البخاري: هذا الحديث تفرد به شريك عن أبي إسحاق (٢). وشريك يهم (٣) كثيرًا، وضعفه أيضًا موسى بن هارون الحمال (٤)، قال: لم يروه عن عطاء غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع (٥).
(عن عطاء، عن رافع بن خديج ﵁ قال رسول الله ﷺ : من زرع في
стр. 9221
أرض قوم بغير (١) إذنهم، فليس له) أي: للزارع (من الزرع) الذي ظهر من بذره (شيء) أصلًا. هكذا رواه الترمذي وما بعده بكماله في إسناده ومتنه، وبوب عليه: باب من زرع في أرض قوم بغير إذنهم. وقال: هذا حديث حسن غريب. والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن. قال محمد: وحدثنا معقل بن مالك البصري، حدثنا عقبة بن الأصم، عن عطاء، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ (٢). وقد استدل به - كما قال الترمذي - أحمد على أن من زرع بذرًا في أرض غيره واسترجعها صاحبها، فلا يخلو إما أن يسترجعها مالكها ويأخذها بعد حصاد الزرع، أو يسترجعها والزرع قائم قبل أن يحصد (٣)، فإن أخذها مستحقها بعد حصاد الزرع، فإن الزرع لغاصب الأرض لا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأنه نماء ماله، وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص (٤) الأرض وتسوية حفرها، وإن أخذ الأرض صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها (٥) لم يملك إجبار الغاصب على قلعه، وخُيّر المالك بين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له، وبهذا قال أبو عبيد (٦).
стр. 9222
وقال الشافعي وأكثر الفقهاء: يملك إجبار الغاصب على قلعه، والحكم فيه كالغرس سواء؛ لقوله ﵇: "ليس لِعِرْقٍ ظالمٍ حق" (١)، ولأنه زرع في أرضه ظلمًا فلم يكن لزرعه حرمة؛ لأنه ظالم مقصر بالزرع في أرض غيره بغير إذنه.
واستدل أحمد بهذا الحديث؛ فإن فيه دليلا (٢) على أن الغاصب لا يجبر على قلعه؛ لأنه ليس له فيه شيء، بل هو ملك للمغصوب منه.
واستدل أيضًا بالحديث الذي قبله (٣): أن النبي ﷺ رأى زرعًا في أرض ظهير فأعجبه فقال: "ما أحسن زرع ظهير". فقالوا: إنه ليس لظهير، ولكنه لفلان. قال: "فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته"، ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال (٤) الغاصب على قرب من (٥) الزمان، فلم يجز إتلافه كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وأدخلها (٦) البحر، أو غصب لوحًا فرقع به سفينته؛ فإنه لا يجبر على رد المغصوب في اللجة، بل ينتظر حتى ترسي صيانة للمال عن التلف، وكذا هنا، ولأنه زرع حصل في ملك غيره فلم يجبر على قلعه على وجه يضر به كما لو كانت الأرض مستعارة أو مشفوعة وفارق النخل والشجر الوارد فيه "ليس لعرق ظالم حق"؛ لأن مدته تتطاول
стр. 9223
ولا يعلم متى تقلع من الأرض، وانتظاره يؤدي إلى ترك رد الأصل بالكلية، وحديث: "ليس لعرق ظالم حق". ورد في الغرس الذي له عرق مستطيل في الأرض وحديثنا في الزرع فيجمع بين الحديثين، ويعمل بكل واحد منهما في موضعه؛ فإن العمل (١) بالحديثين أولى من إلغاء أحدهما.
وإذا ثبت هذا [فمتى رضي المالك بترك الزرع للغاصب، ويأخذ منه أجر الأرض فله ذلك] (٢)؛ لأنه شغل المغصوب (٣) بماله (٤) فملك صاحبه أخذ أجرة، كما لو ترك في الدار طعامًا أو أحجارًا يحتاج في نقله إلى مدة، وإن أحب أخذ الزرع فله ذلك كما يستحق الشفيع أخذ شجر المشتري بقيمته.
(وله) أي: ولغاصب الأرض (نفقته) اختلفت الرواية عن أحمد فيما يرده مالك الأرض على الغاصب على روايتين:
إحداهما: قيمة الزرع (٥)؛ لأنه بدل عن الزرع فيقدر بقيمته كما لو أتلفه (٦).
والرواية الثانية: أنه يرد على الغاصب ما أنفق من البذر ومؤنة
стр. 9224
الزرع (١) في الحرث والسقي وغيره. وهذا ظاهر [كلام] (٢) الخرقي (٣) من أصحابه وظاهر الحديث في قوله: "نفقته" وقيمة الشيء لا تسمى نفقة.
وهذا الحديث قاعدة مذهب أحمد" فإن قاعدة مذهبه في هذِه المسألة على خلاف القياس، وإن القياس مذهب الشافعي والجمهور: أن الزرع لصاحب البذر؛ لأنه نماء عين ماله فأشبه ما لو غصب دجاجة فحضنت بيضًا له، أو طعامًا فعلفه دوابًّا له كان النماء له. وقد صرح به أحمد فقال: هذا شيء لا يوافق القياس؛ فاستحسن أن يدفع نفقته للحديث، ولذلك جعله للغاصب إذا أخذ الأرض مالكها بعد حصاد الزرع، وإذا كان العمل بالحديث وجب أن يتبع مدلوله (٤).
* * *
باب [في المخابرة] (١)
[٣٤٠٤] (حَدَّثَنَا أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية (وحَدَّثَنَا مسدد، أن حمادًا وعبد الوارث حدثاهم، كلهم) بالنصب، تأكيد للضمير الغائب المنصوب.
(عن أيوب) بن أبي تميمة (عن أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي التابعي الراوي عن جابر (قال) مسدد (عن حماد) بن سلمة (وسعيد بن ميناء) بالمد والقصر (ثم اتفقوا) جميعًا (عن جابر بن عبد الله) ﵄ (قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة) تقدما (والمخابرة) مشتقة من الخبير على وزن العليم، وهو الأكّار بهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة، وهو المزارع والفلاح والحراث، قاله أبو عبيد والأكثرون من أهل اللغة والفقهاء (٢).
وقال آخرون: هي مشتقة من الخَبَار بفتح الخاء وتخفيف الباء وهي الأرض الرخوة، وقيل: من الخُبر بضم الخاء، وهو النصيب من سمك أو لحم. وقال ابن الأعرابي: هي مشتقة من خيبر؛ لأن أول هذِه المعاملة فيها من الشارع (٣). وفسر أصحابنا المخابرة بأنها: العمل على الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من العامل، وهذا التفسير لا يستقيم؛ فإن العمل من وظيفة العامل فلا يفسر العقد به، وعبارة الهروي في
стр. 9227
"الإشراف": هي استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها. قال: ومثله اكتراء العامل نفسه ببعض ما يخرج من الأرض.
ووجه النهي عنها أن منفعة الأرض ممكنة بالإجارة فلم يجز العمل (١) عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر؛ لأنه لا يمكن عقد الإجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة وسكتوا عن المناصبة (٢) وهي أن يسلم أرضًا إلى رجل ليغرسها من عنده ويكون الشجر بينهما، ولا شك أن مانع المخابرة يمنعها (٣).
(والمعاومة) وهي بيع الثمر سنين، مشتقة من العام كالمشاهرة من الشهر كما تقدم.
(قال) مسدد (عن حماد: وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر) ينهى عن (بيع السنين) أي: عن بيع الثمرة للسنين، وهي أن يبيعها لأكثر من سنة في عقدٍ واحد، وهي بيع غرر؛ لأنه بيع ما لم يخلقه الله تعالى بعد (ثم اتفقوا) جميعًا ونهى (عن الثنيا) بضم المثلثة وإسكان النون، وهو أن يبيع ثمر بستانه، ويستثني من المبيع شيئًا مجهولا، فلا يصح البيع، وقيل: هو أن يبيع الشيء جزافًا، فلا يجوز أن يستثني منه شيئًا قل أم (٤) كثر.
والثنيا في المزارعة بأن يستثني بعض النصف أو الثلث كيلًا معلومًا
стр. 9228
فلا يصح؛ لأن الاستثناء (١) من المجهول بغير المعلوم مجهول (٢).
(ورخص في العرايا) تبينه الروايات المتقدمة وهي رواية الصحيحين: نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا أن يشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبًا (٣) كما تقدم. وشرط في (٤) العرايا أن يكون في خمسة أوسق فما دونها، أو في غير الرطب والعنب كما على مذهب الشافعي (٥).
[٣٤٠٥] حَدَّثَنَا عمر (٦) بن يزيد) أبو حفص (السياري) (٧) بفتح السين المهملة وتشديد المثناة تحت، الصفار، قال ابن حبان: مستقيم الحديث (٨).
(حَدَّثَنَا عباد) بتشديد الباء الموحدة (ابن العوام) بن عمر الكلابي مولاهم الواسطي (عن سفيان بن حسين) بن حسن الواسطي مولى عبد الله بن خازم السلمي، قال أحمد بن عبد الله العجلي (٩): ثقة، كان مؤدبا مع المهدي، ومات بالري في خلافة المهدي، استشهد به البخاري في "الصحيح" (١٠)، وروى له في "القراءة خلف الإمام" (١١)،
стр. 9229
ومسلم في مقدمة كتابه (١).
(عن يونس بن عبيد ([الثقفي، وثق] (٢) (عن عطاء) بن أبي رباح (٣) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ (قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، والمحاقلة) تقدما (وعن الثنيا) كما تقدم (إلا أن تعلم) مبني للمجهول، هكذا رواه الترمذي وصححه (٤)، والنسائي (٥)، تقدم أن الثنيا المنهي عنها: أن يبيع الشيء ويستثني منه شيئًا مجهولًا. وذكر هنا أن البائع إذا استثنى في بيعه شيئًا معلومًا فإن البيع صحيح.
[٣٤٠٦] (حَدَّثَنَا يحيى بن معين) بفتح الميم، البغدادي، إمام المحدثين، روى عنه الشيخان، مات بالمدينة وحمل على أعواد النبي ﷺ (حَدَّثَنَا) عبد الله (بن رجاء المكي) ثقة، صدوق (٦) (قال) عبد الله ابن عثمان (بن خثيم) المكي حليف الزهريين، القاري من القارة، روى له مسلم في دلائل النبوة (٧) (حدثني عن أبي الزبير) محمد بن مسلم.
(عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من لم يذر) بفتح الياء والذال المعجمة، أي: يترك (المخابرة) تقدمت (فليؤذن)
стр. 9230
فليعلم وليتيقن، قال سيبويه: أذنت: أعلمت (١). قال الله تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢) (بحرب) اي: اعلموا نفوسكم بمحاربة (من الله ورسوله) فانظروا في الأرجح لكم، ترك المخابرة أو الحرب من الله ورسوله.
[٣٤٠٧] (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عمر بن أيوب) العبدي الموصلي، ليس له غير حديث واحد في اللباس، رأى النبي ﷺ على ابن عمر ثوبين معصفرين فقال: "أمك أمرتك بهذا؟ " (٣) (عن جعفر بن برقان) بضم الموحدة، الكلابي الرقي، روى عن يزيد بن الأصم في مسلم في غير موضع، وعنه كثير بن هشام ووكيع ومحمر، مات سنة ١٥٤ وهو ذاهب إلى بيت المقدس (عن ثابت بن الحجاج، عن زيد بن ثابت) ﵁ (قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ) أحدكم (الأرض) على أن يعمل عليها (بنصف أو ثلث أو ربع) قال القرطبي: الفرق بين المحاقلة والمخابرة، أن المحاقلة: كراء الأرض بما يخرج منها مطلقًا (٤)، والمخابرة: كراؤها (بجزء مما) (٥) يخرج منها كثلث ونصف وربع ونحوها من الأجزاء المعلومة (٦).
* * *
٣٤١٢ - حَدَّثَنَا محَمَّد بْنُ سُلَيْمانَ الأَنْبَاريُّ، حَدَّثَنَا كَثِيرٌ -يَعْني: ابن هِشامٍ- عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقانَ، حَدَّثَنَا مَيمُونٌ، عَنْ مِقْسَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ زَيْدٍ، قال: فَحَزَرَ النَّخْلَ. وَقال: فَأَنَا أَلي جُذاذَ النَّخْلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الذي قُلْتُ (١).
* * *
باب في المساقاة
مأخوذة (٢) من السقي، وأصلها تعاهد الأشجار بالماء.
[٣٤٠٨] (حَدَّثَنَا أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا يحيى) القطان (عن عبيد الله) بالتصغير.
(عن نافع، عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر) حين افتتحها (بشطر ما يخرج منها) فيه بيان الجزء المساقى (٣) عليه من نصف وربع وغيرهما من الأجزاء المعلومة (٤)، وفيه حجة على أبي حنيفة في إنكاره هذِه المعاملة لأجل ما فيها من الغرر وبيع الثمر (٥) قبل الزهو.
وأجاب عن هذا الحديث بأنهم كانوا عبيدًا له ﵇، فما أخذ فله وما أبقى فله (٦).
стр. 9233
والحجة عليه كما قال الفاكهي أن نقول أولًا: (١) هذا لا نسلمه، ولو سلمناه على طريق التنزيل أنه افتتحها عنوة وأقرهم فيها على أنحو ما قال لم يجز الربا بين العبد وسيده، فلا يغنيه ما قال] (٢) كما (٣) قال المازري (٤)، وأيضًا فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين (٥) (من ثمر) الأرض، بفتح المثلثة والميم (أو زرع) يحتج به الليث والشافعي ومن يقول بقولهما على الكراء بالجزء منها، [أي: تبعا للمساقاة] (٦).
[٣٤٠٩] (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج) (٧) بفتح العين المهملة والنون وسكونها ثم جيم، المدني، قال أبو حاتم: صالح الحديث (٨).
(عن نافع، عن ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ دفع إلى يهود خيبر) بالنصب (٩) (تخل خيبر وأرضها) استدل به داود على أن (١٠)
стр. 9234
المساقاة لا تجوز (١) إلا على النخل فقط؛ لأن المساقاة رخصة فلم يتعد فيها المنصوص عليه.
وأما الشافعي فوافق داود في كونها رخصة، لكن قال: حكم العنب حكم النخل في غالب أبواب الفقه.
وأما مالك فقال: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل الجميع فيقاس (٢) عليه (٣).
([على أن] (٤) يعتملوها) بفتح المثناة من تحت والمثناة من فوق بعد العين، أي: يعملوا عليها (من أموالهم) أي من دوابهم وآلاتهم، ويدخل في المال البذر كما تقدم، وهذا فيه بيان لوظيفة عامل المساقاة، وهو أنه عليه كل ما يحتاج إليه من إصلاح الثمر (٥) واستزادته مما يتكرر كل سنة، كالسقي وتنقية الأنهار وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان (٦) عنه، وحفظ الثمر (٧) وجدادها (٨) ونحو ذلك، وأما ما (٩) يقصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة، كبناء الحيطان [وحفر
стр. 9235
الأنهار] (١) فعلى المالك (٢).
(من ثمرها (٣) هو النصف، وأنَّ) بفتح الهمزة عطف ما تقدم (لرسول الله ﷺ شطر) الشطر هنا هو النصف ويأتي بمعنى النحو والقصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) أي: نحوه (ثمرتها) (رواية: ثمرها) (٥) أي: نصف جميع ما يحصل من ثمرة النخل التي يعملون عليه.
[٣٤١٠] (حَدَّثَنَا أيوب بن محمد الرقي) بكسر الراء (٦) وتشديد القاف (حَدَّثَنَا عمر بن أيوب، أنبأنا جعفر بن برقان) بضم الموحدة (عن ميمون بن مهران) بكسر الميم، أبو أيوب عالم الرقة (عن مقسم) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين، ابن بجرة (٧) مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، وقيل: مولى ابن عباس.
(عن) عبد الله (بن عباس) ﵄ (قال: افتتح رسول الله ﷺ خيبر، واشترط) عليهم (أن له الأرض) فيه دليل على أن الإمام إذا افتتح بلدًا (٨) من بلاد الكفار وأقرهم فيها كما فعل في خيبر له أن يشترط عليهم
стр. 9236
أن يبذلوا كذا وكذا، ويشترط ذكر (١) قدره، وأن ينقادوا لحكم الإسلام، وغير ذلك مما هو معلوم في بابه.
(وكل) بالنصب عطف على الأرض (صفراء) يعني الذهب (وبيضاء) يعني الفضة كما سيأتي، فيه جواز اشتراط الإمام على أهل بلد افتتحها ما فيه مصلحة للمسلمين.
(قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض) أي بأرض خيبر، ما ينبت منها وما لم ينبت، وما يحتاج إليه السقي، وأعلم بالعمل عليها (منكم). وفي رواية "الطبراني الكبير": عن عامر بن عبد الرحمن [عن جبير] (٢) قال: فتحها رسول الله ﷺ وكانت جميعا (٣) له حرثها ونخلها ولم يكن للنبي ﷺ رقيق (٤). أي: يعملون عليها.
(فأعطناها) بفتح الهمزة (على أن لكم نصف الثمرة) والزرع (ولنا نصف) نصفها، أي: نصف الثمرة والزرع.
واعلم أن الرفع في قوله (ولنا نصف) بالرفع هو الصحيح المعروف عند أهل العربية، ويجوز على ضعف النصب في الفاء، وإن وردت الرواية على: ولنا نصفًا. بالنصب بأن المحذوفة المدلول لها بأن (٥) المذكورة قبل العاطف بتقدير قوله: "وأن لنا نصفًا" فحذفت أن لأنها
стр. 9237
مذكورة قبل العاطف، وهذا التقدير أولى من النصب بالعطف على عاملين؛ فإن له [شرطين مفقودين] (١) هنا، ومما أوهم جواز العطف على عاملين قوله تعالى في قراءة الأخوين (٢): ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (٣) ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ ثم قال ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) بكسر آيات في الموضعين، ووجهت بأن (أن) محذوفة لدلالة أن الأولى عليها، وليست آيات معطوفة على آيات الأولى لما فيه من العطف على عاملين (٥).
(فزعم) ابن عباس، وفيه استعمال زعم في الصدق (أنه أعطاهم) الأرض (على ذلك) الحكم.
(فلما كان حين) بالرفع والنصب (يصرم) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: يجد (٦) ويقطع ويصرم (النخل) وصرامها قطف الثمار.
(بعث إليهم عبد الله [بن رواحة]) (٧) الأنصاري، فيه أن عبد الله هو المبعوث للخرص، وروى الدارقطني [عن سهل بن أبي حثمة] (٨) أن
стр. 9238
رسول الله ﷺ كان يبعث أباه (١) خارصًا.
[وفي "الصحابة"] (٢) لأبي نعيم من طريق الصلت بن زبيد (٣) بن الصلت عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ استعمله على الخرص فقال: "أثبت لنا النصف وأبق لهم النصف فإنهم يسرقون (٤) ولا نصل إليهم" (٥). (فحزر) بفتح الحاء المهملة والزاي (عليهم النخل و) الحزر (هو الذي يسميه أهل المدينة الخرص) وهو حزر ما على النخل من الرطب تمرًا (٦)، فيه جواز الخرص للرطب على رؤوس النخل وأنه سنة، وأنه يكفي خارص كالحاكم؛ لأنه يجتهد (٧).
وقيل: يشترط [اثنان كالتقويم] (٨) والشهادة (٩)، وأن الإمام يجوز أن يخرص بنفسه (١٠) كما خرص رسول الله ﷺ حديقة (١١) بنفسه. متفق عليه من حديث أبي حميد الساعدي، وفيه قصة (١٢).
стр. 9239
(فقال) عبد الله (في ذه) بسكون الهاء، فيها عشر لغات هذِه أفصحها، وأجاز في "التسهيل" (ذهِ) (١) بكسر الهاء، وذهي (٢) با لإشباع وزيادة ياء بعد الهاء، وذه هنا اسم إشارة للنخلة (كذا) من التمر (٣).
(و) في ذه (كذا) من التمر، هذِه صفة الخرص، وهو أن يطوف بالشجرة ويرى جميع عناقيدها ويقول: خرصها كذا وكذا رطبًا، ويجيء منه تمرًا يابسًا كذا وكذا، ثم يجيء إلى الأخرى فيفعل بها كذا، ولا يجوز الاقتصار على رؤية بعضها وقياس الباقي به، وإن اختلف نوع الثمر خرصه شجرة شجرة، وهو ظاهر الحديث، وإن اتحد فالأحوط خرصه واحدة واحدة، ويجوز أن يطوف بالجميع ثم يخرص الجميع، وقيل: إن كانت الثمار ظاهرة (٤) كثمر العراق جاز، أو مستترة كالحجاز (٥) لم يجز (٦).
قال في "الانتصار": وعندي أن ذلك يختلف بقوة معرفة الخارص وضبطه، والإفراد أحوط.
(قالوا: أكثرت علينا يا ابن (٧) رواحة) وروى البزار عن أبي هريرة: أن
стр. 9240
اليهود أتوا رسول الله ﷺ فاشتكوا (١) إليه غلاء خرصه، فدعا عبد الله بن
رواحة فذكر له ما ذكروا، فقال عبد الله: هو ما عندي يا رسول الله (٢).
(فقال: فأنا إليَّ) بتشديد الياء، يعني لا لغيري، والرواية المشهورة (ألي) بفتح الهمزة وكسر اللام من الولاية، ويجوز بالنصب (حزر) بالرفع (النخل) صريح في أنه يكفي خارص واحد، كما تقدم.
(وأعطيكم) بضم الهمزة (نصف الذي قلت) لكم من الثمر والزرع (قالوا: هذا) الذي ذكرته هو (الحق) بالرفع، رواية: هذا الحق الذي به تقوم (٣) فاعترفوا بصدق قوله ورأوه حقًّا (وبه) أي: وبالحق الذي
تقوله وتعمل به (تقوم السماء والأرض) أي: تدوم وتبقى إلى يوم القيامة (قد رضينا أن نأخذه) نأخذ الرطب الذي خرصته علينا (بالذي) أي بالقدر الذي خرصته علينا و (قلت) إنه واجب علينا، وقد يستدل به على أن الخرص مجرد (٤) اعتبار القدر الذي خرص به، وأنه لابد من رضى المخروص [عليه] (٥) حتى يصير القدر المخروص به في ذمته حق الفقراء منه، والأظهر على مذهب الشافعي أن الخرص تضمين، ينقطع به حق الفقراء من الرطب، ويصير في ذمة المالك التمر، ليخرجه (٦) بعد جفافه.
стр. 9241
[٣٤١١] (حَدَّثَنَا علي بن سهل) بن قادم (الرملي) قال النسائي: ثقة، نسائي سكن الرملة، مات سنة ٢٦١ (١)(٢).
(حَدَّثَنَا زيد بن أبي الزرقاء) الموصلي، محدث صدوق مشهور عابد.
(عن جعفر بن برقان (٣) بإسناده) المتقدم (ومعناه) و (قال) فيه (فحزر) عليهم النخل (وقال عند قوله وكل) بالنصب (صفراء وبيضاء) بالمد فيهما (يعني الذهب والفضة) كما تقدم.
[٣٤١٢] (حَدَّثَنَا محمد بن سليمان) ابن أبي داود (٤) (الأنباري) بتقديم النون على الموحدة، وثقه الخطيب، مات سنة ٢٣٤ (٥).
(حَدَّثَنَا كثير بن هشام) الكلابي الرقي صاحب جعفر بن برقان، روى له مسلم في الحج (٦).
(عن جعفر بن برقان، حَدَّثَنَا ميمون، عن مقسم) بكسر (٧)، كما تقدم، ابن نجدة (٨) التابعي.
(أن النبي ﷺ حين افتتح (٩) خيبر) اشترط عليهم حين حاصرهم (فذكر
стр. 9242
نحو حديث زيد) بن أبي الزرقاء (١). و (قال) فيه: (فحزر) عليهم (النخل، وقال) ابن رواحة: (فأنا ألي) بفتح الهمزة وكسر اللام وسكون الياء المخففة، وبفتح (٢) اللام وتشديد الياء كما في النسخ المعتمدة.
(جذاذ النخل) قال ابن الأثير: جداد بالدالين المهملتين. ويقال: جزار (٣) النخل (٤). قاله (٥) أبو علي الغساني بالراء في آخره.
قال: وهو الصواب قطف الثمار وهو المعروف.
قال: والذي قد جاء في هذا الحديث بالزاي المعجمة يعني المكررة بينهما ألف والجيم مفتوحة. قال: فإن صحت الرواية فيكون من الجز وهو قص الصوف والشعر من الغنم ونحوه (٦). انتهى.
والجز القطع. قال الجوهري: الجز ما يجز، يقال: هذا زمن الجزاز أي: زمن الحصاد وصرام النخل، انتهى (٧).
(وأعطيكم (٨) نصف الذي قلت) لهم عنه من الثمار.
* * *
محمد المصيصي الأعور الحافظ (عن) عبد الملك (بن جريجٍ قال: أخبرت) بضم الهمزة وكسر الموحدة.
(عن) محمد (بن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة) وروي أنه بعث معه آخر (١) غيره (٢)، كذا ذكره الرافعي (٣)، فيجوز أن يكون ذلك في وقتين، ويجوز أن يكون المبعوث معه معينًا أو كاتبًا. قال شيخنا ابن حجر: لم أقف على هذِه الرواية، وأما بعث غير عبد الله في وقت آخر فتقدم قبله، ووقع في البيهقي أن عبد الله بن رواحة كان يأتيهم كل عام، فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر (٤)، وتعقبه الذهبي بأن (٥) ابن رواحة إنما خرصها عليهم عامًا واحدًا؛ لأنه استشهد بمؤتة (٦) بعد فتح
стр. 9245
خيبر بلا خلاف في ذلك (١).
(فيخرص) بضم الراء وكسرها، وأما بمعنى الكذب فبالضم لا غير (النخل) فيه ردٌّ على الشعبي حيث (٢) يقول: إن الخرص بدعة.
وقال أهل الرأي: الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفًا للأكارين لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكم فلا، وهذا الحديث حجة عليهم، وقولهم (٣): ظن، قلنا: بل هو اجتهاد في معرفة قدر الثمرة، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، فهو كتقويم المتلفات (٤) (حين يطيب) أكل ثمره، فيه بيان وقت الخرص المسنون، وهو حين يبدو صلاحه على مالكه (قبل أن يؤكل منه) شيء (ثم يخير) بضم الياء الأولى وتشديد الثانية بعد الخاء المعجمة (يهود) بفتح الدال (٥)؛ لأنه لا ينصرف ولا ينون، إما (يأخذونه بذلك الخرص) الخرص بكسر الخاء (٦) الشيء المقدر، وبالفتح اسم الفعل، وقيل: هما لغتان في الشيء المخروص، وأما المصدر فبالفتح لا غير (أم (٧) يدفعونه إليهم بذلك الخرص) رواية الطبراني مرسلًا عن ابن شهاب في فتح خيبر