[٣٤١١] (حَدَّثَنَا علي بن سهل) بن قادم (الرملي) قال النسائي: ثقة، نسائي سكن الرملة، مات سنة ٢٦١ (١)(٢).
(حَدَّثَنَا زيد بن أبي الزرقاء) الموصلي، محدث صدوق مشهور عابد.
(عن جعفر بن برقان (٣) بإسناده) المتقدم (ومعناه) و (قال) فيه (فحزر) عليهم النخل (وقال عند قوله وكل) بالنصب (صفراء وبيضاء) بالمد فيهما (يعني الذهب والفضة) كما تقدم.
[٣٤١٢] (حَدَّثَنَا محمد بن سليمان) ابن أبي داود (٤) (الأنباري) بتقديم النون على الموحدة، وثقه الخطيب، مات سنة ٢٣٤ (٥).
(حَدَّثَنَا كثير بن هشام) الكلابي الرقي صاحب جعفر بن برقان، روى له مسلم في الحج (٦).
(عن جعفر بن برقان، حَدَّثَنَا ميمون، عن مقسم) بكسر (٧)، كما تقدم، ابن نجدة (٨) التابعي.
(أن النبي ﷺ حين افتتح (٩) خيبر) اشترط عليهم حين حاصرهم (فذكر
стр. 9242
نحو حديث زيد) بن أبي الزرقاء (١). و (قال) فيه: (فحزر) عليهم (النخل، وقال) ابن رواحة: (فأنا ألي) بفتح الهمزة وكسر اللام وسكون الياء المخففة، وبفتح (٢) اللام وتشديد الياء كما في النسخ المعتمدة.
(جذاذ النخل) قال ابن الأثير: جداد بالدالين المهملتين. ويقال: جزار (٣) النخل (٤). قاله (٥) أبو علي الغساني بالراء في آخره.
قال: وهو الصواب قطف الثمار وهو المعروف.
قال: والذي قد جاء في هذا الحديث بالزاي المعجمة يعني المكررة بينهما ألف والجيم مفتوحة. قال: فإن صحت الرواية فيكون من الجز وهو قص الصوف والشعر من الغنم ونحوه (٦). انتهى.
والجز القطع. قال الجوهري: الجز ما يجز، يقال: هذا زمن الجزاز أي: زمن الحصاد وصرام النخل، انتهى (٧).
(وأعطيكم (٨) نصف الذي قلت) لهم عنه من الثمار.
* * *
محمد المصيصي الأعور الحافظ (عن) عبد الملك (بن جريجٍ قال: أخبرت) بضم الهمزة وكسر الموحدة.
(عن) محمد (بن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة) وروي أنه بعث معه آخر (١) غيره (٢)، كذا ذكره الرافعي (٣)، فيجوز أن يكون ذلك في وقتين، ويجوز أن يكون المبعوث معه معينًا أو كاتبًا. قال شيخنا ابن حجر: لم أقف على هذِه الرواية، وأما بعث غير عبد الله في وقت آخر فتقدم قبله، ووقع في البيهقي أن عبد الله بن رواحة كان يأتيهم كل عام، فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر (٤)، وتعقبه الذهبي بأن (٥) ابن رواحة إنما خرصها عليهم عامًا واحدًا؛ لأنه استشهد بمؤتة (٦) بعد فتح
стр. 9245
خيبر بلا خلاف في ذلك (١).
(فيخرص) بضم الراء وكسرها، وأما بمعنى الكذب فبالضم لا غير (النخل) فيه ردٌّ على الشعبي حيث (٢) يقول: إن الخرص بدعة.
وقال أهل الرأي: الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفًا للأكارين لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكم فلا، وهذا الحديث حجة عليهم، وقولهم (٣): ظن، قلنا: بل هو اجتهاد في معرفة قدر الثمرة، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، فهو كتقويم المتلفات (٤) (حين يطيب) أكل ثمره، فيه بيان وقت الخرص المسنون، وهو حين يبدو صلاحه على مالكه (قبل أن يؤكل منه) شيء (ثم يخير) بضم الياء الأولى وتشديد الثانية بعد الخاء المعجمة (يهود) بفتح الدال (٥)؛ لأنه لا ينصرف ولا ينون، إما (يأخذونه بذلك الخرص) الخرص بكسر الخاء (٦) الشيء المقدر، وبالفتح اسم الفعل، وقيل: هما لغتان في الشيء المخروص، وأما المصدر فبالفتح لا غير (أم (٧) يدفعونه إليهم بذلك الخرص) رواية الطبراني مرسلًا عن ابن شهاب في فتح خيبر
стр. 9246
قال: وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ليقاسم اليهود ثمرها، فلما قدم عليهم جعلوا يهدون له من الطعام ويكلمونه، وجعلوا له حليًّا من حلي نسائهم فقالوا: هذا [لك] (١) وتخفف [عنا] (٢) وتجاوز. قال ابن رواحة: يا معشر يهود، إنكم والله لأبغض (٣) الناس إليّ، وإنما بعثني رسول الله ﷺ عدلًا بينكم وبينه، ولا أرب لي في دنياكم، ولن أحيف عليكم، وإنما عرضتم علي السحت، وإنا لا نأكله، فخرص عليهم (٤) النخل، فلما أقام الخرص خيرهم فقال: إن شئتم ضمنت لكم نصيبكم، وإن شئتم ضمنتم (٥) لنا نصيبًا وقمتم عليه، فاختاروا أن يضمنوا (٦) ويقيموا عليه. قالوا: يا ابن رواحة، هذا الذي تعملون به تقوم به السماوات والأرض، وإنما يقومان بالحق. ورجاله رجال الصحيح (٧).
(لكي) اللام متعلقة بيخرص، أي: إنما يخرص النخل لكي (تحصى) بضم أوله وفتح الصاد (الزكاة) وهذا ظاهر في الخرص علته المشروعة له ليعلم قدر الزكاة الواجبة في الثمرة؛ ليتمكن أرباب الثمار في التصرف
стр. 9247
فيها، ويثبت حق الفقراء في ذمتهم (١) (قبل أن تؤكل (٢) الثمار وتفرق) (٣) على جيران (٤) أصحاب الثمار وأقاربهم وأصدقائهم من الثمار إذا طاب أكلها.
[٣٤١٤] (حَدَّثَنَا) محمد بن أحمد (ابن أبي خلف) القطيعي، روى له مسلم (حَدَّثَنَا محمد بن سابق) الكوفي البزاز (٥)، نزيل بغداد، روى عنه البخاري على الشك، فقال في الوصايا: حَدَّثَنَا محمد بن سابق أو الفضل بن يعقوب (٦). وروى عنه بلا شك في كتاب "الأدب" (٧).
(عن إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء الخراساني (عن أبي الزبير (محمد (عن (٨) جابر) بن عبد الله ﵁ (أنه قال) لما (أفاء الله) أي (رد الله) (٩)، والأصل في معنى فاء: رجع. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١٠) أي: ترجع، والمراد بالردود والرجوع هنا أنه رجع من
стр. 9248
الله (على رسوله) ﷺ -أي: صار إليه من الله من (١) فتح (خيبر) ونصرته على أهلها.
(فأقرهم رسول الله ﷺ ) أي: مكنهم من الاستقرار فيها والإقامة بها، وهذا صريح في أنهم لم يكونوا عبيدًا له كما قال الحنفية.
(كما كانوا) فيها قبل ذلك ما شاء، وفي رواية "الموطأ": " أقركم ما أقركم الله تعالى" (٢). قال العلماء: وهو عائد على مدة العهد.
(وجعلها) أي: ما يخرج من الثمر والزرع (بينه وبينهم) النصف له، والنصف لهم (فبعث عبد الله بن (٣) رواحة في خرصها) أي: ليخرصها (٤) (عليهم) هكذا رواه أحمد بلفظه إلى هنا وزاد: ثم قال: "يا معشر اليهود، أنتم أبغض الناس إليَّ، قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم .. " الحديث (٥).
[٣٤١٥] (حَدَّثَنَا أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري، روى عنه البخاري (٦) وغيرهم.
(ومحمد بن بكر) البرساني بصري من الأزد، روى له الجماعة.
(قالا: حَدَّثَنَا) عبد الملك (بن جريجٍ قال: أخبرني أبو الزبير) محمد
стр. 9249
ابن مسلم المكي التابعي.
(أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (١): خرصها) عبد الله (بن رواحة) عليهم (أربعين ألف وسق) بفتح الواو وكسرها، قال القلعي: الوسق بفتح الواو جمعه أوسق، ويقال بكسر الواو وجمعه أوساق، والوسق ستون صاعًا.
قال الخليل: الوسق حمل البعير، والوقر حمل البغل (٢). وفي رواية الطبراني "الكبير" مرسلًا ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عبيد: ثم خرصها جميعًا الذي لهم والذي لليهود ثمانين ألف (٣) وسق (٤)، قالت اليهود: خربتنا (٥). فقال ابن رواحة: إن شئتم فأعطونا أربعين ألف وسق (٦) ونسلمكم الثمرة، وإن شئتم أعطيناكم أربعين ألف وسق وتخرجون (٧) عنا، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (٨).
(وزعم أن اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا الثمر) بفتح المثلثة
стр. 9250
والميم (وعليهم عشرون ألف وسق) وقد يجمع بين هذِه الرواية ورواية الطبراني الصحيحة المتقدمة أن الثمانين (١) ألف وسق كانت من ثمر ومن زرع، وأن عليها في ذلك النصف أربعين ألف وسق من ثمر وزرع: عشرون ألف وسق من الثمر وعشرون ألف وسق من الزرع، وعلى هذا فعليهم عشرون ألف وسق من الثمر، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.
* * *
فَقالَ: "جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَها". أَوْ: "تَعَلَّقْتَها" (١).
* * *
كِتاب الإجارة
* * *
باب في كسب المعلم
الكسب بفتح الكاف طلب الرزق.
[٣٤١٦] (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي) بضم الراء وفتح الهمزة بعدها المرسومة واوًا، روى له الجماعة (عن مغيرة بن زياد) البجلي الموصلي، وثقه ابن معين وجماعة (٢) (عن عبادة بن نسي) بضم النون وفتح السين مصغر، الكندي، قاضي طبرية (عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: علمت ناسًا من أهل الصفة) وهم فقراء المهاجرين كانوا يأوون إلى مكانٍ مظلل في مسجد المدينة.
(الكتاب والقرآن) القرآن هو الكتاب، وجاز العطف فيه لاختلاف اللفظ تأكيدًا واتباعًا للمعنى كما قال: ﴿الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٣) وقوله: ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٤)، وفي بعض النسخ: الكتابة والقرآن.
стр. 9254
وعلى هذِه الرواية يتضح (١) المعنى ذكرها الأثرم (٢) في "سننه" (فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا) عربية (فقلت: إنها ليست بمال) نفيس (وأنا أرمي عنها) وفي بعض النسخ: أرمي عليها. حكى الجوهري عن ابن السكيت: رميت عن القوس، ورميت عليها. ولا تقل: رميت (٣) بها (٤). والمراد والله أعلم: إني لا أبيعها ولا أؤجرها، وإنما استعملها في رمي الكفار في الجهاد (في سبيل الله) الذي من أفضل العبادات.
(لآتين (٥) رسول الله ﷺ فلأسالنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلَيَّ قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله فقال: إن كنت تحب أن تطوق) بضم التاء وفتح الواو المشددة، يعني: يوم القيامة (طوقًا من نار) وهذا قول إبراهيم النخعي في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٦)(٧) أي: يجعل لهم طوقًا من نار يوم القيامة، وقيل: معناه: إنك تلزم جزاء أخذك الأجرة على كتاب الله كما يلزم الطوق للعنق، يقال: طوق (٨) فلان عمله طوق الحمامة. أي: ألزم جزاء عمله، ومنه قوله
стр. 9255
تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (١).
وقد استدل به على الرواية المشهورة عند أصحاب أحمد، ونص عليه، على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله والحج عن المستأجر، وبه قال عطاء والضحاك بن قيس وأبو حنيفة والزهري، وكره الزهري وإسحاق تعليم القرآن بأجر. قال عبد الله بن شقيق: هذِه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت (٢).
وروى ابن ماجة عن أبي بن كعب قال: علّمت رجلًا القرآن فأهدى لي قوسًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن أخذتها أخذت قوسًا من نار". قال: فرددتها (٣).
وهذا الرجل الذي تعلم القرآن (٤) من أُبَيٍّ هو الطفيل بن عمرو الدوسي؛ لما روى الطبراني في "الأوسط" عن الطفيل بن عمرو الدوسي قال: أقرأني أبي بن كعب القرآن (٥)، فأهديت إليه قوسًا، فغدا إلى النبي ﷺ وقد تقلدها، فقال له النبي ﷺ : "تقلدها من جهنم". قلت: يا رسول الله، إنا ربما حضر طعامهم فأكلنا. فقال: "أما ما عمل لك فإنما تأكله بخلاقك (٦)، وأما ما عمل لغيرك فحضرته
стр. 9256
فأكلت منه فلا بأس" (١). وروى الأثرم في "سننه" عن أُبَيٍّ قال: كنت اختلف إلى رجل مسن، قد أصابته علة، قد احتبس في بيته، أقرئه القرآن، فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي شيء، فذكرته للنبي ﷺ فقال: "إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان بحقك فلا تأكله" (٢). وأجاب القائلون بهذِه الأحاديث بأن حديث الرقية بكتاب الله إنما جاز أخذ الأجرة عليها؛ لأن فيها نوع مداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة مباح أخذ الأجرة عليها، ولأن باب الجعالة أوسع من باب الإجارة، ولهذا يجوز فيها جهالة العمل والمدة بخلاف الإجارة.
وأما قوله ﵇ فيما روى البخاري: "أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٣). فيعني به أيضًا الجعل في الرقية؛ لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية، وأما جعل التعليم صداقًا ففيه اختلاف، وليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق (٤)، وإنما قال: "زوجتكها على ما معك من القرآن" (٥)، فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكرامًا له كما زوّج أبا طلحة أم سليم على إسلامه.
وهذا محمول على من يشارط على الأجر، وأما إذا كان المعلم لا
стр. 9257
يشارط ولا يطالب من أحد (١) شيئًا بل إن أتاه شيء قبله، وأحمد يراه أهون من ذلك، وكره هذا أيضًا طائفة من أهل العلم بهذا الحديث؛ فإن عبادة أعطيه من غير شرط، ولأن ذلك قربة فلم يجز أخذ العوض عليها لا بشرط ولا بغيره، واحتج للإباحة إذا لم يشترط حديث أبي في أكل طعام الذي كان يأكله إذا كان طعامه وطعام أهله، وحديث: "ما (٢) أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه وتموله فإنما هو رزق ساقه الله إليك" (٣). وأجاب المجوزون وهو (٤) مذهب الشافعي ومالك وغيرهما بأن حديث القوس والخميصة قضيتان في عين فيحتمل أن النبي ﷺ علم أنهما فعلا ذلك خالصًا لله فكره أخذ العوض عنه، وأما من علم القرآن على أنه لله تعالى وأن ما (٥) جاء من المتعلم من غير سؤال ولا استشراف نفس وأهداه له إكرامًا له ومحبةً له لحصول النفع به فلا بأس، والله أعلم (٦).
(فاقبلها) فيه أن القوس مؤنثة، والأمر فيه للتهديد أو التخويف
стр. 9258
والإنذار كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (١).
[٣٤١٧] (حَدَّثَنَا عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير الحمصي كان حافظًا صدوقًا، مات سنة ٢٥٠ (وكثير بن عبيد) الحمصي إمام جامع حمص، له رحلة (قالا: حَدَّثَنَا بقية) بن الوليد الحافظ الكلاعي، وثقه الجمهور فيما روى عن الثقات (٢).
(حدثني بشر بن عبد الله بن يسار) بتخفيف السين المهملة الحمصي (قال عمرو) بن عثمان قال: (حدثني عبادة بن نسي) تقدم (عن جنادة) بضم الجيم وتخفيف النون (بن أبي أمية) الأزدي، مختلف في صحبته.
(عن عبادة بن الصامت) ﵁ (نحو هذا الخبر) المتقدم (و) الخبر (الأول أتم) من هذا، وفي هذِه الرواية: (فقلت: ما ترى فيها) أي: في هذِه القوس (يا رسول الله؟ فقال: هي جمرة بين كتفيك) من نار يوم القيامة، إن (تقلدتها أو تعلقتها) تعلقتها (٣) بفتح تاء (٤) الخطاب بمعنى علقتها (٥)، وهو من موافقة المجرد كقولك: تعدى الشيء. بمعنى عداه إذا جاوزه، وتبين الشيء بمعنى بأن، وإنما جيء بتفعل لمناسبة ما قبله وهو تقلدتها، والله أعلم.
* * *
أُنْشِطَ مِنْ عِقالٍ فَأَعْطُوهُ شَيئًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَهُ لَهُ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "كُلْ فَلَعَمْري لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ باطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَة حَقٍّ" (١).
* * *
باب في كسب الأطباء
[٣٤١٨] (حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا أبو عوانة) الوضاح (عن أبي بشر) جعفر بن أبي [وحشية] (٢) إياس الواسطي، روى له الجماعة (عن أبي المتوكل) علي بن (دؤاد بضم الدال المهملة) (٣) الناجي.
(عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رهطًا من أصحاب النبي ﷺ انطلقوا في سفرة) بإسكان الفاء، لفظ البخاري: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة (٤) (سافروها، فنزلوا بحي من أحياء العرب) الحي القبيل (فاستضافوهم) أي: سألوهم الضيافة، وهذا جائز عند الحاجة كما في قوله تعالى: فـ ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ (٥) (فأبوا أن يضيفوهم) يقال: ضيفه وأضافه إذا أنزله وجعله ضيفًا، وضافه إذا كان له ضيفًا. يقال: شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه (٦).
стр. 9261
(فلدغ) اللديغ والملدوغ هو الذي لدغته الحية والعقرب، وقد يسمى بالسليم تفاؤلًا كما جاء في رواية لمسلم (١)، وقيل: لأنه مستسلم لما به.
(سيد ذلك الحي) أي كبيره (فشفوا) (٢) بفتح الشين والفاء المخففة أي: عالجوه، فوضع الشفاء موضع العلاج والمداواة، تسمية السبب باسم المسبب (له بكل شيء) رواية البخاري: فسعوا (٣). بالعين، أي: عالجوه طلبًا للشفاء (لا ينفعه شيء) من ذلك (فقال بعضهم) المراد بالبعض نفسه (لو أتيتم) جواب الشرط محذوف، أو هو للتمني (هؤلاء الرهط) قال الجوهري: الرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. قال الله ﴿فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (٤). (الذين نزلوا بكم لعل أن يكون عند بعضهم شيء ينفع) رواية: يشفي (صاحبكم) فيه طلب الشفاء في الدواء، والبيع فيه، والذهاب إلى من يحتمل أن يكون عنده منه علم.
(فقال بعضهم) حين ذهب إلى الحي (إن سيدنا) هذا الحي (لدغ) بضم اللام، وكسر الدال (فشفينا) فسعينا الله) أي: بادرنا في السعي (بكل شيء فلا ينفعه شيء، فهل عند أحدكم [منكم شيء يشفي صاحبنا] (٥) يعني: رقية) فيه أن الرقى كانت عندهم، وأنها مما يحصل
стр. 9262
بها الشفاء غالبًا (فقال رجل من القوم) قال النووي وغيره: الراقي هو أبو سعيد الخدري الراوي كما جاء مبينًا في رواية أخرى (١). (إني لأرقي) بفتح الهمزة، وإسكان الراء (ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا) بضم أوله والضاد يجوز فتحها مع تشديد الياء، وكسرها مع سكون الياء الخفيفة؛ لأنه يقال فيه كما تقدم: أضافه وضيفه (ما أنا براق) لكم (حتى تجعلوا لي جعلًا) معلوما (٢) على الرقية لما كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم؛ ولهذا سألوهم الضيافة فلم يضيفوهم، وطلب الأجر على العمل من الجائز، ويتأكد ممن لم يكن مواسيًا، ويقال: من استضيف فلم يضيف فهو لئيم؛ فلهذا طلب الجعل على عمله، لكي (٣) يستعينوا به على سفرهم، وتندفع حاجتهم عمن لا يواسي، ولهذا لم يتمالك موسى أن قال للخضر: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ (٤)، هذا ظاهر الشريعة التي أخذ بها موسى ﵇، وأما أهل الحقيقة التي أخذ بها الخضر أنهم لا يأخذون على منافع خلق الله تعالى ولا يسألونه، بل إن جاءهم من غير سؤال ولا استشراف نفس فهو من عند الله يأخذونه، وكان طلب موسى الأجرة سببًا لمفارقته حين قال: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾، والله أعلم (٥).
стр. 9263
(فجعلوا له قطيعًا (١) من الشاء) جمع شاة، والقطيع من الغنم هو الجزء المنقطع منها فعيل بمعنى مفعول. قال أهل اللغة: الغالب استعمال القطيع فيما بين العشر والأربعين. قال النووي: المراد بالقطيع المذكور في هذا الحديث ثلاثون شاة كما جاء مبينًا في رواية (٢).
(فأتاه فقرأ عليه بأم الكتاب) وفي البخاري: سميت بأم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في القرآن، ويبتدأ بقراءتها في الصلاة (٣).
قال ابن التين: وهذا تعليل من سماها بفاتحة الكتاب، وأما من سماها بأم الكتاب، فلأن أم الشيء ابتداؤه وأصله، ومنه سميت مكة أم القرى؛ لأن الأرض دحيت من تحتها، أي: ولأنها أول الأرض، فلما كانت الفاتحة أول القرآن وهي متضمنة لجميع علومه سميت بذلك (٤). (ويتفل) بفتح الياء المثناة تحت (٥) وفتح الفاء (٦). قال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير، وفائدته التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء المباشر للرقية، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من القرآن والذكر وأسماء الله الحسنى (٧). وظاهر هذا أنه رقاه بجميع السورة وأولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإنه رقاه بأم الكتاب ولم يقل ببعضها، ولأنه قال
стр. 9264
فيما بعد ذلك: "وما يدريك أنها رقية؟ ". ولم يقل: إن فيها رقية (١). كما سيأتي. وفي رواية الترمذي: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، وذكر نحوه، وفيه: أن أبا سعيد هو الذي رقاه، وفيه أنه قرأ الحمد سبع آيات، وأن الغنم كانت ثلاثين شاة (٢).
(حتى برئ) يقال: برئت من المرض برءًا. بالضم، وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض برءًا. بالفتح. (كأنما أنشط من عقال) العقال الحبل الذي يشد به ركبة البعير لئلا يسرح، وأنشطت البعير إذا حللت عقاله [نشطته به إذا شددته، قال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: كأنما نشط من عقال] (٣)، والمعروف أنشط (٤).
قال (فأوفوه) من الإيفاء الذي هو الإتمام، وفي بعض نسخ البخاري بالراء، مبني للمفعول (جعله) رواية: فأوفوهم جعلهم بضم (٥) الجيم. قال صاحب "المجمل": الجعل والجعالة والجعيلة ما يُعطاه الإنسان على الأمر يفعله (٦). (الذي صالحوه عليه) أصله قطع المنازعة (فقالوا) أي: قال بعضهم لبعض (اقسموا) قال القرطبي: إنما هي قسمة برضا الراقي لأنها ملكه؛ إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحق الغنم، لكن طابت نفسه بالشركة أي: لرفقته، وهذا من المواساة التي هي من مكارم الأخلاق (٧).
стр. 9265
(فقال) أبو سعيد (الذي رقى) بفتح القاف دون همز: (لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنستأمره) بنصب الراء، الاستئمار المشاورة، وإيقاف (١) الصحابي قبول الغنم على سؤال النبي ﷺ عمل بما (٢) يجب من التوقيف عند الإشكال إلى البيان، وهو أمر لا يختلف فيه (٣).
(فغدوا على رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له) رواية الصحيحين: فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له (٤) (فقال رسول الله ﷺ : من أين علمتم) رواية الصحيحين: "وما يدريك" (٥). وهو اللائق بسياق ما تقدم؛ فإن الراقي واحد (أنها رقية؟ ) أي: أي شيء أعلمك أنها رقية؟ ! تعجبًا من وقوعه على الرقاء بها، ولذلك تبسم رسول الله ﷺ عند قوله: "وما أدراك أنها رقية؟ " وكان هذا الرجل علم أن هذِه السورة قد خصت بأمور منها: أنها فاتحة الكتاب ومبدؤه، وأنها متضمنة لجميع علوم القرآن، من حيث إنها تشتمل على الثناء على الله تعالى بأوصاف جلاله وكماله، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء مثها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إلى الله بالهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين. وقد روى الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: "وما يدريك أنها رقية؟ ! " قلت: يا رسول الله، شيء ألقي في روعي (٦). وقيل: إن موضع الرقية منها ﴿إِيَّاكَ
стр. 9266
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والظاهر أن السورة كلها رقية كما تقدم، ولقوله: "وما يدريك أنها رقية؟ " ولم يقل: إن فيها رقية (١). (أحسنتم) رواية البخاري: "أصبتم". فيه دلالة على أنه يستحب أن يقال لمن فعل فعلًا يستحسنه الشرع من تزوج مستحب أو شراء ما فيه مصلحة: أصبت أو أحسنت. أو يدعو (٢) له (٣). زاد البخاري وغيره: "اقسموا".
(واضربوا لي معكم بسهم) قاله تطييبًا لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه، كما فعل في حديث العنبر (٤)، وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش (٥)، وقد أحاله ﷺ على ما يقع به رضا المشتركين عند القسمة لزوال التهمة، وهي القرعة، فكان فيه دليل على صحة العمل بالقرعة في الأموال المشتركة (٦).
[٣٤١٩] (حَدَّثَنَا الحسن بن علي) الهذلي الخلال الحافظ نزيل مكة (حَدَّثَنَا يزيد بن هارون) السلمي أحد الأعلام، حسن الصلاة، يصلي الضحى ست عشرة (٧) ركعة، عمي.
(أنبأنا هشام بن حسان) الأزدي مولاهم الحافظ، روى له الجماعة.
(عن محمد بن سيرين، عن أخيه معبد) بفتح الميم (ابن سيرين) وهو
стр. 9267
أخو أنس وحفصة وكريمة أولاد سيرين، أبوهم من سبي عين التمر (عن أبي سعيد الخدري (١) عن النبي ﷺ ، بهذا الحديث) المتقدم.
[٣٤٢٠] (حَدَّثَنَا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ، حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ التميمي العنبري، قاضي البصرة، روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن (٢) عمه) قال البغوي: هو علاقة بن صحار بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملة، التميمي الصحابي.
وقال خليفة: هو عبد الله بن عثير بكسر العين المهملة وسكون الثاء المثلثة بعدها مثناة تحت مفتوحة ثم راء مهملة (٣) (أنه مر بقوم [فأتوه] (٤) فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل) يعني: النبي ﷺ (بخير) كثير (فارق لنا هذا الرجل) مما به (فأتوه) يعني علاقة (برجل معتوه) أي: مجنون (في القيود) فيه تقييد المجنون وربطه وحبسه لئلا يُفسِد (فرقاه بأم الكتاب) (٥) قال ابن بطال: فيه: أن في القرآن ما يختص بالرقى، وإن كان القرآن كله مرجو البركة، ولكن إذا كان في الآية تعوذ بالله أو دعاء كان أخص بالرقية (٦) (ثلاثة أيام غدوة وعشية) فيه: أن مباشر العليل (٧) يأتي إليه في كل يوم مرتين: مرّة أول النهار، ومرة آخر النهار؛
стр. 9268
ليستعمل له ما يوافقه.
(كلما ختمها جمع بزاقه (١) ثم تفل) بفتح المثناة والفاء، أي: على المعتوه" ليحصل التبرك بذلك البزاق المباشر لكلام الله تعالى عند التلفظ به، وفيه: أنه يقرأ بها على اللديغ والمريض وسائر الأسقام (فكأنما (٢) أنشط من عقال، فأعطوه شيئًا، فأتى النبي ﷺ فذكر له، فقال النبي ﷺ : كُلْ) أمر إباحة، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٣) (فلعمري) أقسم بحياة نفسه، كما أقسم الله بحياته، والعَمر (٤)، والعُمر (٥) بفتح العين وضمها واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف (٦) فيه؛ وذلك لأن الحلف كثيرًا يدور على ألسنتهم، ولذلك حذفوا الخبر تقديره: لعمرك مما أقسم، كما حذفوا الفعل في قولك: بالله (٧) (لمن) بفتح اللام جواب القسم (أكل) مالا (برقية باطل) يشبه أن يكون التقدير فيه: كلام باطل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والرقى الباطل المذمومة هي التي كلامها كفر (٨)، والتي لا يعرف معناها، ويحتمل أن يكون كفرًا أو قريبًا منه كالتي بالعبرانية، وفي معناه الطلاسم المجهولة (٩) (لقد أكلت) أنت (برقية
стр. 9269
حق) وكيف لا يكون حقًّا وهي التي ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن [مثلها] (١) كما رواه الترمذي (٢).
قال ابن العربي: قوله: "ما أنزل الله في التوراة والإنجيل ولا في القرآن مثلها "وسكت عن سائر الكتب والصحف المنزلة والزبور وغيرها؛ لأن هذِه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل كان أفضل الكل (٣)، وهذا هو الجامع بين هذا الحديث وبين الحديث في الذين يدخلون الجَنَّة بغير حساب: "لا يرقون ولا يسترقون"، وقد يجمع بينهما بأن المدح في ترك الرقى للأفضلية (٤) وبيان التوكل، والذي أذن فيه في هذا الحديث وفي معناه فهو لبيان الجواز، مع أن تركها أفضل، وأن النهي إنما هو لقومٍ كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية يزعمون في أشياء كثيرة (٥).
* * *
باب في كسب الحجام
[٣٤٢١] (حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (حَدَّثَنَا أبان، عن يحيى، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ) بالقاف والظاء المعجمة القرشي الحجازي، من رجال مسلم (عن السائب بن يزيد، عن (١) رافع ابن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كسب الحجام) هو ما يأخذه على نفس عمل الحجامة (خبيث) أي: مكروه غير حرام؛ لأنه ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجرة كما سيأتي، وسيأتي في قوله للسائل عن كسب الحجام: "اعلفه ناضحك" (٢). وأما إذا حملنا كسب الحجام على ما يكسبه من بيع الدم (٣) فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، فلا يبعد أن يكونوا يشترونه للأكل، فيكون ثمنه حرامًا كما قال ﷺ : "إن الله إذا حرم شيئًا حرم عليهم ثمنه" (٤)(٥).
(وثمن الكلب خبيث) هذا ظاهر في تحريم بيع الكلاب كلها، واختلفوا في الكلاب المأذون في اتخاذها هل يتناولها عموم هذا النهي أم لا؟
стр. 9272
فذهب (١) الشافعي والأوزاعي وأحمد: إلى [تناوله لها] (٢). وقالوا: إن بيعها محرم، باطل إن وقع، ولا قيمة (٣) لما يقتل منها واعتضد الشافعي لذلك (٤) بأنها نجسة عنده. ورأى أبو حنيفة: أنه لا يتناولها؛ لأن فيها منافع مباحة يجوز اتخاذها لأجلها، فتجوز المعاوضة عليها، ويجوز بيعها.
قال القرطبي: وجلُّ مذهب مالك على جواز الاتخاذ وكراهة البيع، ولا ينفسخ إن وقع، وقد قيل عنه مثل مذهب الشافعي.
وقال ابن القاسم: يكره للبائع، ويجوز للمشتري للضرورة (٥).
(ومهر البغي) هو ما تأخذه الزانية على الزنا. والبغاء: الزنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٦) أي: على الزنا، وأصل البغي: المطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في طلب الفساد والزنا. (خبيث) تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن حرام بالإجماع (٧).
[٣٤٢٢] (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي (٨)، عن مالك، عن) محمد (ابن شهاب) الزهري (عن) حرام -بفتح الحاء والراء- بن سعد (ابن
стр. 9273
محيصة) بتشديد الياء المكسورة المشددة مصغر، ثقة، توفي ١١٣ (عن أبيه) محيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري الحارثي، شهد أحدًا والخندف وما بعدهما.
(أنه استأذن رسول الله ﷺ في إجارة الحجام) أي كسبه، وكان له مولىً حجام (١) (فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه) وينهاه، حتى استأذنه ثلاثًا (حتى أمره: أن اعلفه ناضحك) الناضح اسم للبعير، والبقرة التي ينضح عليها، أي يسقى عليها من البئر أو النهر (و) أطعمه (رقيقك) كذا رواه الترمذي (٢)، ورواية "الموطأ": "وأطعمه نضاحك" (٣) بضم النون وتشديد الضاد، جمع ناضح. قال ابن حبيب: النضاح الذين يسقون النخيل، واحده ناضح، من الغلمان ومن الإبل، وإنما يفترقون في الجمع الكثير، فالكثير من ناضح الإبل نواضح، ومن الغلمان نضاح (٤).
وقد استدل بهذا الحديث على أن كسب الحجام ليس بحرام؛ لأنه لو كان حرامًا لما أجاز له تملكه، ولا أن يدفع به حقًّا واجبًا عليه وهو نفقة الرقيق، ويكون النهي مرادًا (٥) به الحض على الورع، كما في الحديث: "شر صفوف النساء أولها" (٦).
[٣٤٢٣] (حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد، عن
стр. 9274
عكرمة، عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ ) فيه إباحة نفس الحجامة، وأنها من أفضل الأدوية (وأعطى الحجام أجره، ولو علمه خبيثًا لم يعطه) هذا من كلام ابن عباس؛ فإنه قال: لو كان خبيثًا لم يعطه.
وفيه: إباحة التداوي بالحجامة والسعوط والفصد وما في معناها، وفيه إباحة أخذ الأجرة على المعالجة بالتطبب.
[٣٤٢٤] (وحدثنا القعنبي، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس ابن مالك ﵁ أنه قال: حجم أبو طيبة) بفتح الطاء المهملة، وسكون المثناة تحت، وبالموحدة، واسمه نافع (رسول الله ﷺ ) قال ابن بطال: فيه استعمال العبد بغير إذن سيده، إذا كان العبد معروفًا بذلك (١).
(وأمر له بصاع من تمر) هكذا رواه وما بعده مالك في "الموطأ" (٢)، ورواية مسلم: "فأمر له بصاع أو مد أو مدين" (٣) على الشك، ورواية المصنف و"الموطأ" تثبت ما ورد بالشك في رواية مسلم وغيره (وأمر أهله) رواية البخاري: وأمر مواليه (٤). يعني: ساداته، وجمع إما (٥) باعتبار كونه مشتركًا بين طائفة، ويؤيده رواية مسلم: حجم النبي ﷺ عبد لبني بياضة (٦). (أن يخففوا عنه) قال ابن بطال: فيه الشفاعة للعبد
стр. 9275
في تخفيف الخراج عنه، وإن لم يكن دينًا ثابتًا، لكنه يطالب به (١) (من خراجه) فيه جواز مخارجة العبد برضاه ورضى سيده.
وحقيقة المخارجة أن يقول السيد لعبده: تكتسب (٢) وتعطيني من الكسب كل يوم درهما (٣) -مثلًا- والباقي لك، أو في كل أسبوع كذا، ويشترط رضاهما (٤)، وهذا إذا كان للعبد صناعة، لكن على جهة اللطف لا العنف (٥)، ويستحب تخفيف السيد على العبد مما قدره عليه.
стр. 9276
٤ - باب في كَسْبِ الإِماء
٣٤٢٥ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حدثنا أبِي، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحادَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبا حازِمٍ، سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَسْب الإِماءِ (١).
٣٤٢٦ - حدثنا هارُونُ بْن عَبْدِ اللهِ، حدثنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ، حدثنا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَني طارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشيُّ قال: جاءَ رافِعُ بْن رِفاعَةَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصارِ فَقالَ: لَقَدْ نَهانا نَبيّ اللهِ ﷺ اليَوْمَ، فَذَكَرَ أَشْياءَ وَنَهانا عَنْ كَسْبِ الأمَةِ إِلا ما عَمِلَتْ بِيَدِها. وقالَ هَكَذا بِأَصابِعِهِ نَحْوَ الخَبْزِ والغَزْلِ والنَّفْشِ (٢).
٣٤٢٧ - حَدَّثَني أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حدثنا ابن أَبي فدَيْكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ -يَعْني: ابن هُرَيْرٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رافِعٍ - هُوَ ابن خَدِيجٍ- قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الأمَةِ، حَتَّى يُعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ (٣).
باب في كسب الإماء
[٣٤٢٥] (حدثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ، حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري (حدثنا شعبة، عن محمد بن جحادة) بضم الجيم (قال: سمعت أبا حازم) بالحاء المهملة والزاي [سلمة بن دينار مولى الأسود، من مشاهير التابعين] (٤).
стр. 9277
(سمع أبا هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن كسب) هو في الأصل مصدر، تقول: كسبت المال، أكسبه، كسبًا. وقد وقع الكسب في هذا الحديث موضع المكسوب؛ فإنه أخبر عنه بالنهي (١) (الإماء) بكسر الهمزة والمد، جمع أمة، كانت لأهل المدينة، ولأهل مكة إماء عليهن ضرائب (٢) يأتين بها على ما يؤاجروا عليه، وكان هذا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام نهى عن ذلك، على ما سيأتي في الحديث بعده.
[٣٤٢٦] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي الحافظ شيخ مسلم (حدثنا هاشم (٣) بن القاسم) أبو النضر، الحافظ، تفتخر به بغداد، روى له الجماعة (حدثنا عكرمة، حدثني طارق بن عبد الرحمن) [بن القاسم (القرشي) حجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤).
(قال: جاء رافع بن رفاعة) الصحابي] (٥) (إلى مجلس الأنصار ﵃ فقال: ) والله (لقد نهانا نبي الله ﷺ ) في هذا (اليوم، فذكر أشياء (٦)، ونهانا (٧) عن كسب الأمة) روى مالك في "الموطأ" عن عمه أبي سهيل ابن مالك، عن أبيه أنه سمع عثمان بن عفان يخطب، وهو يقول: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب؛ فإنكم متى كلفتموها ذلك، كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب؛ فإنه إذا لم يجد سرق،
стр. 9278
وعفّوا إذا عفكم (١) الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها (٢). ومعنى بما طاب: يعني: من الحلال.
وروى الإمام أحمد (٣) -بسند صحيح، وهو مرسل- عن [يحيى بن أبي سليم، قال: سمعت عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج] (٤) يحدث أن جده حين مات، فترك جارية، فقال رسول الله ﷺ في الجارية فنهى عن كسبها، مخافة أن تبغي (٥).
(إلا ما عملت بيدها) (٦) وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس بن مالك يرفعه: "لا تستغلوا الأمة إلا أمة صناع اليدين" (٧). (وقال هكذا بأصابعه) يعني: الثلاثة (نحو الخبز) بفتح الخاء المعجمة، يعني: عجن العجين وخبزه (والغزل) غزل الصوف والقطن والكتان والشعر؛ ففي الصحيح عن عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ " (٨).
ومما يليق بصناعة المرأة ما في "صحيح مسلم": " رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها" (٩)، والمعس هو الدلك، يقال: معس الأديم إذا دلكه، والمنيئة على وزن فعيلة: الجلد أول ما يدبغ.
стр. 9279
وقال ﷺ لخالة جابر وهي في العدة: "اخرجي [فجدي نخلك] (١) لعلك أن تصدقي أو تفعلي خيرًا" (٢). وقالت أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير أخت عائشة: كنت أعلف فرسه -يعني: فرس الزبير- وأسقي الماء وأخرز (٣) غربه -يعني: دلوه- وأعجن، ولم أكن أحسن (٤) أخبز (٥)، وكن يخبزن (٦) لي جارات من الأنصار وكن نسوة صدق (٧). وجرَت فاطمة بالرحى حتى أثرت في يدها وقمَّت البيت -يعني: كنسته- حتى اغبرت ثيابها، واستقت بالقربة حتى [أثرت في نحرها] (٨). وقال سهل ﵁: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة- وهي الشملة- فقالت: يا رسول الله إني نسجت لك هذِه بيدي؛ لأكسوكها، فقبلها (٩) منها (١٠).
وجاء رجل إلى عمر ليشكو إليه زوجته، فلما بلغ بابه سمع زوجة عمر تتطاول عليه فقال لعمر: كنت أردت أن أشكو إليك زوجتي فلما سمعت من زوجتك ما سمعت تركت زوجتي. فقال عمر: إني أتجاوز لها ذلك؛ لحقوق لها عليَّ: إنها سترت بيني وبين النار، والثاني: إنها خازنة مالي إذا خرجت حفظته، والثالث: إنها تغسل ثيابي، والرابع: إنها ظئر أولادي، والخامس: إنها خبازة وطحانة. فقال الرجل: إن لي مثل ذلك. فتجاوز عنها.
стр. 9280
وعلى هذا فخير أعمالهن الغزل؛ لما روى الطبراني في "الأوسط" عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور" (١). لكن في سنده محمد بن إبراهيم الشامي. قال الدارقطني: كذاب (٢).
وفي "الأوسط" أيضا (٣): عن زياد بن عبد الله القرشي قال: دخلت على هند بنت المهلب بن أبي صفرة -وهي امرأة الحجاج بن يوسف- وبيدها مغزل تغزل به، فقلت لها: تغزلين وأنت امرأة أمير؟ ! فقالت: سمعت أبي يحدث عن جدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): "أطولكن طاقة أعظمكن أجرًا" (٥). لكن في سنده يزيد بن مروان الخلال (٦) قال ابن معين: كذاب (٧). والمراد بالطاقة: طاقة الغزل من القطن أو الكتان. وعن إبراهيم النخعي أنه مر بامرأة تغزل على بابها فقال لها: يا أم فلان أما كبرت؟ أما أن لك أن تلقي هذا؟ قالت: كيف ألقيه وقد سمعت عليَّا يقول: إنه من طيبات الرزق؟ ! (٨).
وعن سلمان أن النبي ﷺ قال لابنته فاطمة: "إذا قشرت المرأة البصل، فدمعت عيناها، فكأنما بكت من خشية الله، يا بنية ليس