← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

تقدم، وأغرب الخطابيُ فزعم في "شرح البخاري": أن النهي للتنزيه (١). (وهي) أن يبيع (كلمة جامعة) أي: وأشار إلى ذلك البخاري فبوب عليه: باب: لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة (٢). يعني: استعمالًا للفظ (٣) البيع المشترك على معنييه، ومنه قوله: "لا يبع بعضكم على بيع (٤) بعض" (٥)، فعن مالك فيه روايتان. قال البخاري: وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشتري (٦)، أما قول ابن سيرين فوصله أبو عوانة في "صحيحه" من طريق سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن مالك فقلت: لا يبع حاضر لباد. أنهيتم أن تبيعوا لهم (٧) أو [تبتاعوا لهم]؟ (٨) قال: نعم. قال محمد ابن سيرين: وصدق إنها كلمة جامعة (٩). قال ابن قتيبة: بعت الشيء بمعنى اشتريته وبعته، وتقول: شريت الشيء بمعنى اشتريته وبعته (١٠). وقال الأزهري: العرب تقول: بعت يعني بعت ما كنت تملكه،

стр. 9312

وبعت بمعنى اشتريت. قال: وكذلك شريت بالمعنيين (١)، ومعنى لا يبيع حاضر لباد من ذلك. أي (لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا) وتوقف ابن الرفعة في تحريم شراء الحاضر للبادي، لكن فسر ابن عباس الحديث به، وتفسير الراوي يرجع إليه عندنا، واختاره البخاري، وهذِه الرواية حجة له. وقد يستدل بهذا على ما ذهب إليه أكثر الأصوليين من جواز صحة إطلاق اللفظ المشترك على معنييه، كما أطلق يبيع هنا على معنى البيع والشراء، قالوا: فلا يمتنع أن يقول: العين مخلوقة، ويريد جميع معانيها، ومنعه ابن الصباغ (٢) في "العدة" والإمام في "المحصول" وفصل بينهم (٣). [٣٤٤١] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم المكي) قال ابن معين مرة: هو ثقة. وقال مرة أخرى: لا أعرف اسمه، وليس بثقة. [وقال ابن عبد البر في أول "التمهيد": لا يوقف على اسمه صحيحًا] (٤). (أن أعرابيًّا) صحابيًّا (حدثه) ولا يضر إبهام الصحابي؛ لأنهم كلهم عدول، حدثه (٥).

стр. 9313

(أنه قدم بحلوبة) بفتح الحاء المهملة وضم اللام، والحلوب التي تتخذ للحلب؛ لأنها ذات لبن، فإن أردت الاسم قلت: هذِه الحلوبة لفلان. وإنما جاء بالهاء لأنك (١) تريد الشيء الذي يحلب، أي: الشيء الذي اتخذوه ليحلبوه، وليس لتكثير الفعل، وكذلك القول في الركوبة، وقيل: الحلوبة والحلوب سواء كالركوبة والركوب (٢) (له على عهد رسول الله ﷺ ، فنزل على طلحة بن عبيد الله) التيمي القرشي أحد العشرة. (فقال: إن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد) قال ابن يونس في شرحه للـ "الوجيز": للتحريم ستة شروط: أن لا يعزم البدوي على المقام، ولا التربص بسلعته، ولا يطلبه من البلدي، ولا يكون البلد كبيرًا لا يرخصه سعره بذلك القدر، ولا السعر رخيصًا، ولا السلعة مما لا تعم الحاجة إليه. فإن فقد شرط، حل البيع، انتهى. وشرط التحريم أن يكون الحاضر عالمًا بالنهي. قال الرافعي والنووي: وهذا الشرط يعم جميع المناهي، ثم الإثم على البلدي دون الجالب، قاله القفال (٣). (ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك) على الحلوبة حتى أعرفه (فشاورني) في ذلك (حتى آمرك وأنهاك) بما يظهر لي.

стр. 9314

وقد جمع البخاري بين حديث: "لا يبيع حاضر لباد". وحديث: "الدين النصيحة" (١). بأن حديث النهي مخصوص بمن يبيع بالأجرة كما تقدم، كالسمسار، وحديث جرير: "النصح لكل مسلم" (٢) بأن من ينصحه كما فعل طلحة، فيعلمه بأن السعر كذا مثلًا، وبأن فلانا (٣) سهل في معاملته، وفلان شرس في معاملته، فلا يدخل في النهي عنده. قال ابن بطال: وقد أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على البادي، قال: وليست الإشارة بيعًا. وعن الليث وأبي حنيفة: لا يشير عليه؛ لأنه إذا أشار عليه فقد باعه (٤). وعند الشافعي في ذلك وجهان: الراجح منهما الجواز؛ لأنه إنما نهى [عن] (٥) البيع له وليست الإشارة بيعًا، وقد ورد الأمر بنصح كل مسلم، فدل على جواز الإشارة (٦). [٣٤٤٢] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي التابعي. (عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبيع حاضر لباد) من نزل بالبادية فهو باد، قال تعالى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ﴾ (٧) أي: نازلون في

стр. 9315

البادية (وذروا الناس) رواية مسلم (١): دع الناس. وهو بمعنى ذر. (يرزق) بكسر القاف، جواب الأمر (الله) الناس (بعضهم من بعض) بعضهم بعضًا، أي: يرتفق أهل الحاضر بأهل البادية بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا؛ لأن البادي غير مقيم، فإذا باع السلعة بسعر يومها ارتفق بذلك الناس، فإذا قال له الحضري: أنا أتربص لك وأبيعها لك على التدريج بأغلى ثمن، حرم الناس ذلك الرفق، وهذا علة للحديث والنهي عن هذا البيع (٢).

стр. 9316

١٢ - باب مَنِ اشْتَرى مُصَرّاةً فكرِهَها ٣٤٤٣ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ لِلْبَيْع وَلا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغَنَمَ فَمَنِ ابْتاعَها بَعْدَ ذلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَها فَإِنْ رَضِيَها أَمْسَكَها وَإِنْ سَخِطَها رَدَّها وَصاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١). ٣٤٤٤ - حدثنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشامٍ وَحَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَنِ اشْتَرى شاةً مُصَرّاةً فَهُوَ بِالخِيارِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِنْ شاءَ رَدَّها وَصاعًا مِنْ طَعامٍ لا سَمْراءَ" (٢). ٣٤٤٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَخْلَدٍ التَّمِيميُّ، حدثنا الَمكّيُّ -يَعْني: ابن إِبْراهِيمَ- حدثنا ابن جُرَيْجٍ، حَدَّثَني زِيادٌ، أَنَّ ثابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يقولُ: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنِ اشْتَرى غَنَمًا مُصَرّاةً احْتَلَبَها فَإِنْ رَضِيَها أَمْسَكَها وَإِنْ سَخِطَها فَفي حَلْبَتِها صاعٌ مِنْ تَمْرٍ" (٣). ٣٤٤٦ - حدثنا أبُو كامِلٍ، حدثنا عَبْدُ الواحِدِ، حدثنا صَدَقَةُ بْن سَعِيدٍ، عَنْ جُمَيعِ بْنِ عُمَيرٍ التَّيْميِّ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يقول: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ ابْتاعَ مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالخِيارِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ فَإِنْ رَدَّها رَدَّ مَعَها مِثْلَ أَوْ مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا" (٤).

стр. 9317

باب من اشترى مصراة فكرهها [٣٤٤٣] (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان. (عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لا تلقوا) بفتح التاء واللام والقاف المشددة، أصله: لا تتلقوا. وشرط الحذف في مثل هذا تجانس الحركتين (الركبان) جمع راكب، وهم أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، وراكب البعير يقال له راكب، وراكب الفرس فارس، واختلفوا في راكب الحمار، هل يقال له فارس حمار أو حمار؟ والنهي عنه معقول المعنى، وفي لحوق (١) الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع المواد عنهم، ولم يأخذ أبو حنيفة بهذا الحديث، وأجاز التلقي إلا أن يضر بالناس فيكره (٢). وقال الأوزاعي مثله (٣). (للبيع) فلو تلقى الركبان ليبيعهم، لا ليشتري منهم يلوح من الحديث إثبات الخيار للمغبون؛ لأنه إذا ثبت أن النهي عن التلقي لئلا يغبن الجالب، لم يكن لإثبات الخيار معنىً إلا لأجل الغبن، ولأنه يرجو الزيادة في السوق (٤). (ولا يبيع بعضكم على بيع بعض) خبر بمعنى النهي، كما تقدم،

стр. 9318

وهو: أن يعرض سلعته على المشتري برخص؛ ليزهد في شراء تلك السلعة التي ركن إليها أولًا. (ولا تُصَرُّوا) بضم أوله وفتح الصاد المهملة بوزن تزكوا، يقال: صرى يصري تصرية كزكى يزكي تزكية. قال الشافعي: التصرية هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها؛ لما يرى من كثرة لبنها (١). وأصل التصرية حبس الماء، يقال منه: [صريت] (٢) الماء إذا حبسته (الإبل) بالنصب على المفعولية، وقيد بعضهم تصروا بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أصح؛ لأنه من صريت اللبن (٣) في الضرع إذا جمعته، وليس من صررت الشيء إذا ربطته؛ إذ لو كان منه لقيل: مصرورة أو مصررة، ولم يقل: مصراة، وضبطه بعضهم بضم أوله وفتح ثانيه، لكن بغير واو على البناء للمجهول، والأول المشهور (والغنم) ولم يذكروا البقر، وهي في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافًا لداود، وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم. وظاهر النهي تحريم التصرية سواء قصد التدليس أم لا (٤)، وسواء قصد البيع أم لا، وبه صرح المتولي، ولا يعكر عليه رواية الشافعي والنسائي: "ولا تصروا الغنم للبيع" (٥) لخروجه مخرج الغالب (فمن ابتاعها بعد ذلك) أي: فمن اشتراها بعد التصرية (فهو بخير النظرين)

стр. 9319

أي الرأيين (بعد) يشبه أن تكون الدال مضمومة لقطعها عن الإضافة، والتقدير كما قال الكرماني: أي بعد هذا النهي، أو بعد تصرية البائع (١) (أن يحلبها) قال ابن حجر: بكسر [أن] (٢) على أنها شرطية، وجزم يحلبها، قال: ولابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسيد بن موسى، عن الليث بعد (٣) أن يحتلبها (٤) بفتح أن ونصب يحتلبها (٥). انتهى. وعلى هذا فبعد منصوبة، وأن يحتلبها مصدرية، تقدر بالمصدر أي: بعد حلبها. وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور، ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبًا إلا بعد الحلب جعل قيدًا في ثبوت الخيار ولو ثبتت التصرية بغير الحلب (فإن رضيها) أي اختار التي اشتراها (أمسكها) أي أبقاها على ملكه، وهو يقتضي صحة بيع المصراة، وإثبات الخيار للمشتري (٦)، لكن يستثنى منه ما لو لم يعلم بالتصرية حتى استمر لبنها كحالة التصرية، وصار عادة، فالأصح لا خيار لعدم الضرر. هذا قضية كلام الرافعي، فإنه شبهها بالوجهين فيما لم يعلم بالعيب القديم إلا بعد زواله، ولو رضي بالمصراة واستمر بها على

стр. 9320

أنها لمصراة لم يردها بعد ذلك، وقيل: يرد، كما لو تزوجت برجل على أنه عنين ورضيت به، كان لها الخيار بعد ذلك، قاله الجرجاني في "التحرير". (وإن سخطها ردها) ظاهره اشتراط الرد على الفور قياسًا على سائر العيوب، وهذا ما رجحه الرافعي والنووي تبعًا للبغوي (١)، ولو ترك الحلب ناسيًا أو لشغل أو تحفلت بنفسها، ففي ثبوت الخيار وجهان (٢) في الشرحين و"الروضة" من غير تصحيح، وفي "الحاوي الصغير" أنه لا يثبت (٣) (وصاعًا) بالنصب عطفًا على الضمير في ردها، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، والعطف أرجح، فعلى الأول لا يستفاد منه فورية الصاع مع الرد [بل يجوز أن يرد البيع ثم بعده في وقت آخر يرد الصاع، وعلى الثاني يستفاد منه فورية الصاع مع الرد] (٤) من غير فصل بينهما. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون: وصاعًا منصوبا (٥) على المفعول معه؟ . قلت: جمهور النحاة على أن شرط المفعول معه أن يكون فاعلًا في المعنى، نحو: جئت أنا وزيدًا، وقمت أنا وزيدًا، وإن شئت رفعت، وهو أرجح من النصب (٦).

стр. 9321

واعلم أن الواجب رد صاع واحد ولو تعدد المصراة، فإن اشتراها في صفقتين يتعدد الصاع بتعددها، وإن اشتراها في صفقة واحدة، فلم أر فيه تصريحًا لأصحابنا. ونقل ابن قدامة الحنبلي عن الشافعي تعدد الصاع بتعددها (١)، وقضية كلام ابن الرفعة أنه يقتضي المذهب، فإنه قال: ظاهر الحديث يدل على أنه يرد في لبن عدد من الشياه إذا شملها العقد صاعًا واحدًا، وما أظن أصحابنا يسمحون به ويحتاجون إلى صرف [الحديث على ظاهره وقد وسعهم أنه لم يوقنه نقلا، ومقتضى الحديث التعدد، وذهب] (٢) ابن حزم إلى عدم التعدد. وقال ابن عبد البر: لا يجب في لبن شياه أو نوق أو بقر عدة إلا الصاع (٣). (من تمر) قضيته تعين التمر، لكن لو تراضيا على غيره جاز، فقد حكى البغوي (٤): لا خلاف في المذهب أنهما لو تراضيا على غير تمرٍ من قوت أو غيره كفى، وأثبت ابن كج الخلاف في ذلك، وحكى الماوردي وجهين فيما إذا عجز عن التمر، هل يلزمه قيمته ببلده، أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟ (٥). [٣٤٤٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب

стр. 9322

وهشام) بن حسان (وحبيب) بفتح الحاء المهملة ابن الشهيد الأزدي، ثقة ثبت (عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: من اشترى شاة مُصَرَّاةً) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء، هي التي صر لبنها، وحفت فيه، أي: في الثدي وجُمع فلم يحلب (فهو بالخيار ثلاثة أيام) هكذا رواه مسلم (١) عن ابن سيرين، عن عمته (٢)، وعلقه البخاري (٣). قال ابن حجر: هذِه الرواية [مقدمة على الرواية] (٤) المطلقة: "إن سخطها ردها"، وظاهره اشتراط الفور كما تقدم، ونقل أبو حامد والروياني عن نص الشافعي في "الإملاء"، ونقله أبو الطيب في "تعليقه" عن نصه في اختلاف العراقيين، وصححه جماعات كثيرة. قال ابن حجر: وهو قول الأكثر، وأجاب من قال بالفور عن هذا الحديث بأنه محمول على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في الثلاث (٥)؛ لكون الغالب أنها لا تعلم فيما دون ذلك؛ لاحتمال إحالة النقصان على قلة العلف، أو اختلافه أو مأوى الحيوان، أو تبدل الأيدي عليه، وغير ذلك. قال ابن دقيق العيد: والثاني أرجح؛ لأن حكم التصرية قد خالف

стр. 9323

القياس في أصل الحكم لأجل النص فيطرد ذلك، ويتبع (١) في جميع موارده (٢). ويؤيده أن في بعض روايات أحمد والطحاوي من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة: "فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها" (٣). (إن شاء ردها وصاعًا) فإن قيل: التعبير بالرد في المصراة واضح، فما معنى التعبير بالرد في الصاع؛ فالجواب: أن الواو أحق من بين حروف العطف بعطف مزال على [ما] (٤) قد بقي معموله، فيكون التقدير: إن شاء ردها وأدى معها صاعًا من تمر؛ فأزيل أدى ناصب صاعًا، وبقي صاعًا الذي هو معمول، كقوله: علفتها تبنًا وماءً باردًا، أي: وسقيتها ماءً باردًا، وهذا جائز نظمًا ونثرًا، ويجوز أن يكون الواو عطفت مفردًا على مفرد لا جملة على جملة، وأن العامل الذي هو ردها ضمن معنى (٥) يشمل المعطوف والمعطوف عليه معًا، فيحمل ردها على معنى: دفعها وصاعًا من تمر. مجازًا، كما ضمنوا معنى علفتها ناولتها، ورُدَّ بأنه لو شاع التضمين لشاع: علفتها ماء وتبنًا، ورُدَّ بأنه مسموع، والأكثرون على أن هذا التضمين قياس، وضابطه عندهم: أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنىً عام (٦).

стр. 9324

(من طعام) هكذا رواية مسلم (١)، فيحمل الطعام في (٢) هذِه الرواية على التمر في الرواية التي قبلها، ويكون المراد بالطعام هنا التمر، ولما كان المتبادر (٣) إلى ذهن السامع أن المراد بالطعام: القمح، نفاه بقوله: (لا سمراء) بإسكان الميم والمد، وهو الحنطة؛ وإنما أطلق الطعام على التمر؛ لأنه كان غالب قوت أهل المدينة، والروايات [الناصة] (٤) على التمر أكثر من الروايات التي لم تنص عليه، أو أبدله (٥) بذكر الطعام. والهمزة في سمراء للتأنيث، ولذلك لم تنصرف. والسمراء: قمحة الشام، والبيضاء قمحة مصر، وقيل: البيضاء الشعير، والسمراء القمح، [لكن يعكر تفسير الطعام بالتمر ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين] (٦) بلفظ: "ردها ومعها صاع من بر لا سمراء"، وهذا يقتضي أن المنفي في قوله: "لا سمراء" حنطة مخصوصة، وهي الحنطة الشامية، فيكون المثبت لقوله: "من طعام" أي: من قمح. ويحتمل أن يكون راويه رواه بالمعنى الذي ظنه مساويًا، وذلك أن المتبادر (٧) من الطعام البر، فظن الراوي أنه البر، فعبر به، لكن يعكر على ذلك أيضًا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن

стр. 9325

عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من الصحابة، وفيه: "ردها ومعها صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر" (١) فإن ظاهره يقتضي التخيير بين التمر والطعام، وأن الطعام غير التمر، ويحتمل أن تكون "أو" شكًّا من الراوي لا تخييرًا، وإذا وقع الاحتمال في هذِه الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها، بل يرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها، وهي التمر، فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري (٢). [٣٤٤٥] (حدثنا عبد الله بن مخلد) النيسابوري، سمع بخراسان والبصرة والكوفة والحجاز، وهو راوي كتب أبي عبيد بخراسان، روى عنه الحاكم أبو عبد الله (حدثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير [أبا السكون] (٣)، روى له الشيخان عن ابن جريج (حدثنا) عبد الملك (ابن جريج، حدثنا زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، سمع ثابتًا [عندهما، وكان لا يكتب إلا إملاءً] (٤) (أن ثابتًا) بن عياض [بن] (٥) الأحنف (مولى عبد الرحمن بن زيد) بن الخطاب (أخبره، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : من اشترى غنمًا مصراة) وقد (احتلبها) بمعنى حلبها، وبني على افتعل لموافقة اشترى، وظاهره أن صاع التمر يتوقف على الحلب. (فإن رضيها) أي رضي الغنم بعد أن احتلبها وعلم بالتصرية (أمسكها)

стр. 9326

على ملكه، وهو يقتضي الجزم بصحة البيع، لكن لو اشتراها وشرط أن لا يرد، فالبيع باطل، نقله الدارمي، ونقل الرافعي مثله عن "التتمة" فيما إذا شرط أن لا يرد المبيع بالعيب (١) (وإن سخطها ففي حلبتها) بسكون اللام على أنه اسم الفعل، ويجوز الفتح على إرادة المحلوب، زعم [ابن حزم أن التمر] (٢) في مقابلة الحلبة لا في مقابلة اللبن؛ لأن الحلبة حقيقة في الحلب مجاز في اللبن، والحمل على الحقيقة أولى، فلذلك قال: يجب رد التمر واللبن معًا (٣)، وشذ بذلك عن قول الجمهور (٤) (صاع من تمر) ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر، لقوله: من اشترى غنمًا بالجمع مصراة، ثم قال: "ففي حلبتها" يعني: الغنم الكثيرة "صاع من تمر"، ونقله ابن عبد البر عمن استعمل الحديث (٥)، وابن بطال عن أكثر العلماء (٦)، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة وعن أكثر المالكية يرد عن كل واحدة صاعًا (٧). قال المازري: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة (٨). وأجيب: بأن ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع، فجعل حدًّا يرجع إليه عند التخاصم فاستوى فيه القليل والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة خصوصًا إن كانت قليلة اللبن

стр. 9327

مع لبن الناقة الواحدة خصوصًا إن كانت كثيرة اللبن يختلف اختلافًا كثيرًا، ومع ذلك ففي كل منهما الصاع، فكذلك هو معتبر هنا سواء قلت المصراة أو كثرت، والله أعلم (١). [٣٤٤٦] (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدري، شيخ مسلم (حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي، مولاهم البصري، روى له الشيخان وغيرهم (حدثنا صدقة بن سعيد) الحنفي الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) (عن جميع بن عمير) مصغران (التيمي) قال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه (٣). (قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : من ابتاع مُحَفَّلة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة والفاء المشددة، والتحفل التجميع، قال أبو عبيد: سميت محفلة؛ لأن اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثرته فقد حفلته، تقول: ضرع حافل أي عظيم، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل (٤). (فهو بالخيار) هذا الخيار هل هو خيار شرع أو خيار عيب؟ فالأول: قول أبي حامد، والثاني: قول أبي إسحاق. ومنهم من يعبر بأنه (٥) خيار شرط أو خيار عيب؟ والأول: قول ابن أبي هريرة، والثاني: قول أبي إسحاق. وابن أبي هريرة يوافق أبا إسحاق في أن أصل الخيار خيار

стр. 9328

عيب، والثلاثة عنده ثابتة بالشرط لا لأجل التصرية (١). (ثلاثة أيام) وهل ابتداؤها من حين العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط [هكذا قال الرافعي تبعا للشيخ أبي حامد (٢) وصاحب "التتمة"، والأصح من الوجهين في خيار الشرط] (٣) أن ابتداءه من العقد (٤). (فإن شاء ردها ورد معها مثل) لبنها (أو مثلي لبنها) فيه شاهد على ما قاله النحاة وأجازوه، أن المضاف إليه قد يحذف، وينوى لفظه؛ فيبقى المضاف على حاله قبل حاله فلا ينون، بشرط أن يكون عطف المضاف وإضافته إلى مثل المحذوف، كقول بعضهم: قطع يد ورجل من قالها، ألا ترى أن (مثل) و (مثلي) مضافان، وأن (مثلي) المعطوف مضاف إلى (مثل) المحذوف، وهو (لبنها) المقدر كما تقدم، وفصل بين المضاف إليه الملفوظ به وهو (لبنها) وبين المضاف الذي حذف المضاف إليه، وهو (مثل) بقوله: "أو مثلي". وهو على حد قولك: مررت بغلام إما زيد أو عمرو، إذا حققت أنه غلام أحدهما وشككت في عينه. وأما معنى الحديث فقال العراقيون من أصحابنا: أراد الخبر أنه يجب على من رد المحفلة (٥) أن يرد معها مثل اللبن الذي كان في ضرعها (٦) (قمحًا) إن كان صاعًا رد مثليه إذا كان اللبن نصف صاع، وهذا يجب حمله على ما قاله الشيخ أبو محمد الجويني:

стр. 9329

على أنه يقوم مقام التمر غيره، حتى لو عدل إلى مثل اللبن أو إلى قيمته عند إعواز المثل أجبر البائع على القبول إن كان المثل موجودًا، وإلا عدل إلى الدراهم اعتبارًا بسائر المتلفات، وليس عليه رد التمر حتمًا، وكلام الشيخ أبي محمد في السلسلة ينطبق عليه، لكن هذا التأويل يأباه ظاهر حكاية ولده إمام الحرمين عنه (١). قال الماوردي: قوله: "مثلي لبنها قمحًا"؛ لأنه في الغالب يكون صاعًا؛ لأن الغالب في الغنم أن تكون الحلبة نصف صاع (٢) ويكون (٣) تردد الرواية في ذلك محمولًا على التنويع مثل لبنها إن كان كثيرًا قدر صاع، أو مثلي لبنها إن كان قليلًا، وهذا الغالب على الشياه في بلادهم، وممن ذهب إلى هذا الوجه أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي فإنه (٤) قال في كتابه "المستخرج على صحيح البخاري": وفي قوله: "صاع من تمر لا سمراء" دليل على أن المعنى هو المقصود لا الاقتصار على اللفظ؛ لأن التمر اسم لنوع معروف، وقوله: "سمراء" لو كان نوع التمر هو المقصود لم يكن لقوله: "لا سمراء" معنى، فثبت أن المعنى التمر، وما قام مقامه لا يكلف سمراء يعني بعينها. قال السبكي: لا يلزم ذلك، وليست لا متعينة للإخراج، وإنما هي هنا عاطفة مثلها في قولك: جاءني رجل لا امرأة، والمعنى في ذلك نفي توهم أن تكون السمراء مجزئة. والقائلون بأن التمر يقوم غيره مقامه قصروا ذلك

стр. 9330

على الأقوات، كما في صدقة الفطر، وإنما الخلاف بين هؤلاء في التخيير أو في اعتبار الغالب من قوت البلد وهو الصحيح على القول بعدم تعين التمر (١). وذهب أبو العباس ابن سريج إلى أنه يرد في كل بلد من غالب قوته، وحمل حديث أبي هريرة على من غالب قوت بلده التمر، وحديث (٢) ابن عمر على من غالب قوته [القمح] (٣) كما قال في زكاة الفطر: "صاعًا من قمح أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير"، وأراد بالتمر لمن قوته التمر، والشعير لمن قوته الشعير، وهذا الذي ذهب إليه ابن سريج هو [أحد] (٤) قولي مالك (٥). وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يرد معها قيمة اللبن، هكذا نقله عنهما ابن المنذر وغيره (٦). ونقل ابن حزم عنهما: أنه يرد قيمة صاع من تمر (٧). وقال أبو حنيفة (٨) ومحمد: إن كان اللبن تالفًا فليس له ردها، لكن يرجع بقيمة العيب فقط، وإن كان باقيًا رده ولا يرد معها صاع تمر ولا شيئًا. وعن بعض المالكية أنه لا يرد معها شيئًا؛ لأن الخراج بالضمان (٩). واعلم أن حديث ابن عمر المذكور رواه ابن ماجه أيضًا بهذا اللفظ،

стр. 9331

ورواه البيهقي بلفظ: مثل. وضعفه بجميع بن عمير (١). وقال الخطابي: ليس إسناده بذلك (٢). قال المنذري (٣): والأمر كما قال (٤). وجميع بن عمير قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: من عتق الشيعة، ومحله الصدق، صالح الحديث، كوفي من التابعين (٥). وبتقدير صحة الحديث قال ابن قدامة: حديث [ابن] (٦) عمر متروك الظاهر بالاتفاق (٧). وقال البيهقي في كتاب "السنن الكبير": تفرد به جميع بن عمير (٨). وذكر عبد الحق هذا الحديث في "الأحكام" ولم يتعرض لحال (٩) جميع بن عمير هذا، وإنما أعله بصدقة بن سعيد الراوي عن جميع فإنه ليس أيضًا بالقوي (١٠).

стр. 9332

١٣ - باب في النَّهْى، عَنِ الحُكْرةِ ٣٤٤٧ - حدثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنا خالِدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبي مَعْمَرٍ أَحَدِ بَني عَديِّ بْنِ كَعْبٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحْتَكِرُ إِلَّا خاطِئٌ". فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ. قال: وَمَعْمَرٌ كانَ يَحْتَكِرُ. قالَ أبُو داوُدَ: وَسَأَلْت أَحْمَدَ ما الحُكْرَة؟ قال: ما فِيهِ عَيْشُ النّاسِ. قالَ أبُو داوُدَ: قالَ الأَوزاعيُّ: المُحْتَكِرُ مَنْ يَعْتَرِضُ السُّوقَ (١). ٣٤٤٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَيّاضٍ، حدثنا أَبي ح وَحَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حدثنا يَحْيَى بْن الفَيّاضِ، حدثنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ قال: لَيْسَ في التَّمْرِ حُكْرَةٌ. قالَ ابن المُثَنَّى: قالَ: عَنِ الحَسَنِ فَقلْنا لَهُ: لا تَقُلْ عَنِ الحَسَنِ. قالَ أبُو داوُدَ: هذا الحَدِيثُ عِنْدَنا باطِلٌ. قالَ أَبُو داوُدَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ النَّوى والخَبَطَ والبِزْرَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يُونُسَ يَقُولُ سَأَلْت سُفْيانَ، عَنْ كَبْسِ القَتِّ فَقال: كانُوا يَكْرَهُونَ الحُكْرَةَ وَسَأَلْتُ أَبا بَكْرِ بْنَ عَيّاشٍ فَقال: أَكْبِسْهُ (٢). * * * باب في (٣) النهي عن الحكرة [٣٤٤٧] (حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد) بن عبد الله (عن عمرو ابن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني، روى له الجماعة (عن محمد ابن عمرو بن عطاء) بن عياش القرشي، كانوا يتحدثون في حياته أن

стр. 9333

الخلافة تفضي إليه لهيبته ومروءته وعقله (عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن أبي معمر) القرشي العدوي من مهاجرة الحبشة، وهو معمر بن عبد الله بن نافع، ومعمر هذا من الصحابة الذين لم يرو عنهم غير سعيد بن المسيب، أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة، وهو (أحد بني عدي بن كعب) العدوي ومن شيوخهم، عمر طويلًا له حديث الاحتكار الآتي (١)، وحديث في البيع (٢). (قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحتكر إلا خاطئ) أي مذنب عاصٍ (٣) (٤) وهو اسم فاعل من خطئ (٥) بكسر العين، وهمز اللام، يخطأ بفتح العين، خطئا في المصدر بكسر الفاء، وسكون العين: إذا أثم في فعله، على وزن: علم، يعلم، علمًا. والاسم منه: الخطأ بفتح الخاء والطاء، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدًا، أو غير عامد. قاله أبو عبيد وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد (٦)، وهكذا رواية مسلم (٧) والترمذي (٨) وغيره، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" من حديث حماد ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنه بلفظ: "من

стр. 9334

احتكر يريد أن يغالى (١) بها على (٢) المسلمين، فهو خاطئ، وقد برئ منه ذمة الله تعالى" (٣). قال أصحابنا: يحرم الاحتكار في الأقوات، وهو: أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه، فلو لم يمسكه لم يكن ادخارًا (٤). قال محمد بن عمرو (فقلت لسعيد) بن المسيب (فإنك تحتكر. قال: ومعمر كان يحتكر) واحتكار سعيد ومعمر يدل على أن الاحتكار ليس على عمومه، وإنما الكلام فيما يخرج منه، وفي الصحيح أن إنسانًا (٥) قال لسعيد: فإنك تحتكر. قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت (٦)، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون وهو الصحيح (٧). (قال أبو داود: سألت أحمد) بن حنبل (ما الحكرة؟ ) بضم الحاء المهملة، وسكون الكاف، وهو حبس السلع عن البيع، هذا مقتضى العلة (قال: ما فيه عيش الناس) أي حياتهم وقوتهم وهو المقتات دون غيره من الأقوات. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أبي شيء

стр. 9335

الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره. وهذا قول عبد الله بن عمرو (١). ويدل على عدم عموم الحديث احتكار سعيد بن المسيب، ومعمر في الزيت وهم راويا الحديث. (قال الأوزاعي (٢) المحتكر: من يعترض السوق) أي ينصب نفسه للتردد إلى الأسواق؛ ليشتري منها الطعام الذي يحتاجون إليه؛ ليحتكره. وإطلاق الغزالي يقتضي أنه متى ادخره للغلاء كان حرامًا. قال السبكي: الذي ينبغي أن يقال (في ذلك) (٣) أنه إن منع غيره من الشراء وحصل به ضيق حرم، وإن كانت الأسعار رخيصة، وكان القدر الذي يشتريه لا حاجة بالناس إليه، فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة (٤) الناس إليه معنىً. قال القاضي حسين والروياني: وربما يكون هذا حسنة ينفع به الناس. وقطع المحاملي في "المقنع" باستحبابه. والمفهوم من قوله: يعترض السوق أنه إذا (٥) جاءته غلة من ضيعته فلا يتجه المنع بحال. قال أصحابنا: الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته (٦).

стр. 9336

قال السبكي: أما إمساكه حالة استغناء الناس كلهم عنه؛ رغبة في أن يبيعه لهم وقت حاجتهم إليه، فينبغي أن لا يكره بل يستحب. [٣٤٤٨] (حدثنا محمد بن يحيى بن فياض) الزماني الحنفي البصري، قال الدارقطني: بصري ثقة. قدم دمشق سنة ست وأربعين ومائتين فحدث بها (١) (حدثنا أبي) يحيى بن فياض الزماني بالزاي المعجمة، وليس لهم الرماني بالراء المهملة إلا رجل من أهل واسط تابعي. (وحدثنا ابن المثنى، حدثنا يحيى بن فياض) أيضًا قالا: (حدثنا همام، عن قتادة قال: ليس (٢) في التمر) بمثناة وسكون، يعني إذا ادخره لعياله (حكرة) وقد كان رسول الله ﷺ يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره، ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان من قوت، وما يحتاجون إليه من سمن وعسل، وغير ذلك جائز لا بأس به. (قال ابن المثنى: قال) يحيى راويه (عن الحسن: فقلنا له: لا تقل عن الحسن) وإلى الحسن البصري. (قال أبو داود: هذا الحديث عندنا باطل) لا أصل له. (وكان سعيد بن المسيب يحتكر النوى) أي نوى التمر (والخبط) بفتح الباء، وهو: الورق الساقط من خبط الأشجار بالعصا وهو من علف الإبل (والبزر) بكسر الباء. فيه أن النهي عن الاحتكار ليس على عمومه وإطلاقه، بل هو مقيد بغير الأقوات مما لا تعم الحاجة إليه كالثياب ونحوها.

стр. 9337

قال القاضي حسين: إن الناس إذا كانوا يحتاجون إليها لشدة البرد غاية الاحتياج، أو لستر العورة فيكره لمن هو عنده إمساكه. قال السبكي: إن أراد كراهة تحريم فظاهر، وإن أراد كراهة تنزيه فبعيد، والأصحاب كالمتفقين على أن ذلك لا يتعدى إلى غير الأقوات، لكن الغزالي (١) في "الإحياء" قال: ما ليس بقوت ولا معين على القوت، فلا يتعدى النهي إليه، وإن كان مطعومًا وما يعين على القوت كالملح والفواكه وما يسد مسد شيء من القوت في بعض الأحوال، وإن كان لا يمكن المداومة عليه فهو في محل (٢) النظر، فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن (٣) والزيت وما يجري مجراه، وأما القوت فيحتمل (٤) طرد النهي في جميع الأقوات عن الاحتكار. قال السبكي: ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الطعام وحاجة الناس إليه، فإذا كان زمان قحط، كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار فينبغي أن يقضى بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهة (٥). (قال أبو داود: وسمعت أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي

стр. 9338

الحافظ (قال: سألت سفيان) بن سعيد الثوري (عن كبس) بفتح الكاف وإسكان الباء الموحدة (القت) بفتح القاف وتشديد التاء المثناة، واحدة قتة مثل تمرة وتمر، وهو الجاف (١) من النبات المعروف بالفِصفِصة بكسر الفاءين وإهمال الصادين، فما دام رطبًا فهو الفصفصة، فإذا جف فهو القت، ويسمى القضب قال الله تعالى ﴿وَقَضْبًا﴾ (٢) سمي بذلك لأنه لا يزال يجز ويقضب أي يقطع، والقت كلمة فارسية عربت، فإذا قطعت الفصفصة كبست وضم بعضها على بعض إلى أن تجف وتباع لعلف الدواب كما يفعل بالبرسيم في بلاد مصر ونواحيها. (قال: كانوا يكرهون الحكرة) أخذ بعموم النهي عن الاحتكار وإطلاقه مطلقًا جماعة منهم ابن حبيب من المالكية (٣) (وسألت أبا بكر) قال البخاري: قال إسحاق: سمعت أبا بكر يقول: اسمي وكنيتي واحد. وقال البخاري: قال بعضهم: اسمه شعبة ولا يصح (٤) (ابن عياش) مولى واصل الأحدب (٥) روى عنه البخاري، عن كبس القت. (فقال: اكبسه) بكسر الباء.

стр. 9339

١٤ - باب في كسْرِ الدَّراهمِ ٣٤٤٩ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فَضاءٍ يُحَدِّث، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سِكَّةُ المُسْلِمِينَ الجائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلا مِنْ بَأْسٍ (١). * * * باب في كسر الدراهم [٣٤٤٩] ([حدثنا أحمد بن حنبل] (٢) حدثنا معتمر (٣) قال: سمعت محمد بن فضاء) بفتح الفاء والضاد المعجمة (يحدث عن أبيه) فضاء ابن خالد الجهضمي (عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه) عبد الله بن سنان المزني الصحابي ﵁ (قال: نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة) بكسر السين المهملة (المسلمين) أي: الدراهم المضروبة على السكة الحديد المنقوشة التي يطبع عليها الدراهم والدنانير، قيل: نهى عن ذلك لما فيه من إضاعة المال بنقص فئة الدراهم إذا كسرت، فعلى هذا لو أبطل السلطان المعاملة التي ضربها السلطان الذي قبله وأخرج سكة غيرها وبطلت المعاملة بها جاز كسر تلك الدراهم التي أبطلت وسبكها لإخراج الفضة التي فيها، وقد يحصل في كسرها وسبكها ربح كثير لفاعله، فعلى هذا يجوز كسر هذِه الدراهم. وعن أبي العباس بن سريج: أنهم كانوا يقرضون أطراف الدراهم

стр. 9340

والدنانير بالمقراض التي يتعامل فيها بالعدد ويخرجونه على سعره الذي أخذوه به، ويجمعون من تلك القراضة شيئًا كثيرًا بالسبك كما هو معهود اليوم في المملكة الشامية وغيرها، وهذِه الفعلة هي التي نهى الله عنها قوم شعيب بقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (١). فقالوا: أتنهانا أن نفعل في أموالنا يعني الدراهم والدنانير التي من جملة أموالنا ما نشاء بالقرض منها، ولم ينتهوا عن ذلك، فأخذتهم الصيحة أي صيحة جبريل التي هلكوا منها (٢) جميعًا. فنسأل الله العافية. (الجائزة) يشبه أن يراد بها الرائجة في المعاملة (بها بين المسلمين؛ ) فإن كانت المعاملة بنقود متعددة فكسر النقد الغالب أشد كراهة من غيره (إلا من بأس) كما إذا كانت الدراهم التي عليها السكة زيفًا تروج على المسلمين، وزاد الحاكم في "المستدرك": نهى أن تكسر الدراهم فتجعل فضة وتكسر الدنانير فتجعل ذهبًا (٣). وضعفه ابن حبان (٤)، وفي معنى كسر الدراهم والدنانير كسر الفلوس التي عليها سكة الإمام لا سيما إذا راجت مراج النقدين، وربما قلت الدراهم وراجت الفلوس أكثر منها (٥) ففي كسرها وسبكها أواني تضييق للمعاملة لا سيما في الأشياء التافهة كباقة نرجس وحزمة سلق ونحو ذلك.

стр. 9341

١٥ - باب في التَّسْعيرِ ٣٤٥٠ - حدثنا محَمَّد بْن عُثْمانَ الدِّمَشْقيُّ أَنَّ سُلَيْمانَ بْنَ بِلالٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَني العَلاء بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا جاءَ فَقال: يا رَسُولَ اللهِ سَعِّرْ. فَقالَ: "بَلْ أَدْعُو". ثمَّ جاءَهُ رَجُلٌ فَقال: يا رَسُولَ اللهِ سَعِّرْ فَقالَ: "بَلِ اللهُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَإِنّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ لأحَدٍ عِنْدي مَظْلَمَةٌ" (١). ٣٤٥١ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا عَفّانُ، حدثنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنا ثابِتُ، عَنْ أَنَسٍ وَقَتادَةُ وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قال: قال النّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ غَلا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنا. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القابِضُ الباسِطُ الرّازِقُ وَإِنّي لأرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطالِبُني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مالٍ" (٢). * * * باب في التسعير [٣٤٥٠] (حدثنا محمد بن عثمان) أبو الجماهر (الدمشقي) الكفرسوسي، وثقه أبو حاتم، وقال عثمان الدارمي: هو أوثق من أدركنا بدمشق مجتمعين على صلاحه (٣) (أن سليمان بن بلال) القرشي التيمي، روى له الجماعة (حدثهم، قال: حدثني العلاء بن عبد

стр. 9342

الرحمن) مولى الحرقة، أحد الأئمة (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، روى له مسلم. (عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا جاء) إلى رسول الله ﷺ (فقال: يا رسول الله، سعر) التسعير هو أن يأمر السلطان، أو نائبه، أو كل من ولي أمرًا من أمور المسلمين أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، إما بمنع الزيادة لمصلحة العامة، وإما بمنع النقصان لمصلحة أهل السوق. (فقال: بل أدعو) الله وأسأله من فضله. (ثم جاء رجل، فقال: يا رسول الله، سعر) لنا. (فقال: بل الله يخفض) الأسعار إذا شاء، أي: يضعها (ويرفع) السعر إذا شاء. وروى البزار من رواية علي ﵁: قيل: يا رسول الله، قوِّم لنا السعر. فقال: "غلاء السعر، ورخصه بيد الله تعالى" (١). وفي سنده الأصبغ بن نباتة، وثقه العجلي (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن نضيلة (٣): قيل للنبي ﷺ عام سنة: سعِّر لنا يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "لا يسألني الله عن

стр. 9343

سَنَةٍ أجدبها عليكم لم يأمرني بها، ولكن اسألوا الله من فضله" (١). (وإني لأرجو أن ألقى الله) تعالى (وليس لأحد عندي مظلمة) قال بدر الدين محمد بن مالك في شرحه لقصيدة والده في أبنية الأفعال: يقال في المصدر من ظَلَم يظلِم: مظلَمة ومظلِمة بالفتح وهو القياس، وبالكسر وهو شاذ. وفي رواية البزار المتقدمة: "أريد أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه". [٣٤٥١] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عفان) بن مسلم الصفار (حدثنا حماد بن سلمة) (٢) بن عبد الله الباهلي من رجال مسلم (حدثنا ثابت) البناني (عن أنس بن مالك ﵁ و) أخبرنا (قتادة وحميد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا. قال رسول الله ﷺ : إن الله هو المسعر) ثبت في هذا الحديث الذي رواه أحمد (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) والدارمي (٦) والبزار (٧) وأبو

стр. 9344

يعلى (١): أن المسعر من أسماء الله تعالى؛ فإن أسماء الله تعالى ليست منحصرة في التسعة والتسعين، والصحيح من المذاهب الثلاثة أن أسماء الله توقيفية، وهو قول أبي الحسن الأشعري: أنه لا يجوز إطلاق شيء من الأسماء والصفات على الله تعالى إلا بإذن من الكتاب والسنة أو الإجماع، ولا مدخل للقياس على أسمائه، ولا يتعدى ما ورد به الشرع. (القابض الباسط) قابض الرزق بحكمته، وباسطه بجوده ورحمته، وقد يخص العلماء القابض الباسط بالرزق لقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، ويعنون بالرزق: المقتات وما كان في معناه، فالمعطي هو الباسط، والمانع هو القابض (الرازق) القائم لكل نفس بما يقوتها، فرزق الأجسام الغذاء، وغذاء الأفلاك الحركة، ورزق النفوس العلوم، ورزق العقول الشهود، ويقال: من دعاء داود ﵇ (يا رازق (٣) النعاب في عشه) والنعاب بالنون والعين المهملة آخره باء موحدة هو: فرخ الغراب (٤). (وإني لأرجو أن ألقى الله) تعالى (وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة) [أي: بظلم له (بدم [ولا مال]) (٥) بتخفيف الميم في دم ورواية] (٦) الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد: يطلبني بمظلمة في مال ولا

стр. 9345

نفس، وقال: رجاله رجال الصحيح. استدل به على أن التسعير حرام. ووجه الدليل أنه جعل التسعير مظلمة والظلم حرام (١)، ولقوله: "إن الله هو المسعر" يعني لا غيره ففيه دلالتان، ولأن الناس مسلطون على أموالهم، وفي التسعير حجر عليهم، ولأن الإمام مأمور برعاية مصلحة الكافة، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع (٢) بوفور الثمن، فإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، ولذلك جعله (٣) ﷺ ظلمًا على ما يُفهمه الحديث؛ لأن فيه إلزامه ببيع سلعته بما لا يرضاه وهو ينافي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، والصحيح أنه لا فرق بين حالة الغلاء والرخص، و (٥) لا بين المجلوب وغيره لعموم الحديث، وبه قال أبو حنيفة والجمهور (٦)، [ووراء ذلك وجهان ضعيفان: أحدهما: في وقت الغلاء ووجه أنه يجوز رفقًا بالضعفاء وهو مخالف للحديث؛ لأنه ورد في حال غلاء السعر وبسببه طُلب منه التسعير، وحيث قلنا: لا يجوز، وهو الأصح فسعَّر ووقع البيع بما سعَّر به، فلو باعوا كارهين للسعر صح غير أنا نكره الابتياع منهم إلا

стр. 9346

إذا علم طيب نفوسهم. قاله الماوردي (١)، ونقل عن مالك جواز التسعير (٢)، فمنهم من يخصه بحالة الغلاء كما هو وجه عندنا، ومنهم من يطلق ويجعله بحيث المصلحة، (وأجاب) (٣) أصحابنا بأنه لا مصلحة في ذلك، بل فيه مفسدة وهو انقطاع الجلب، وللحديث، فإنه إنما امتنع في حالة الغلاء، فأما حالة الرخص فأولى] (٤).

стр. 9347

١٦ - باب في النَّهْي عَنِ الغِشِّ ٣٤٥٢ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حدثنا سُفْيان بْن عُيَيْنَةَ، عَنِ العَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعامًا فَسَأَلَهُ: "كَيْفَ تَبِيعُ؟ ". فَأَخْبَرَه فَأُوحيَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذا هُوَ مَبْلُولٌ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنّا مَنْ غَشَّ" (١). ٣٤٥٣ - حدثنا الحَسَن بْن الصَّبّاحِ، عَنْ عَليٍّ، عَنْ يَحْيَى قالَ: كانَ سُفْيانُ يَكْرَهُ هذا التَّفْسِيرَ لَيْسَ مِنّا لَيْسَ مِثْلَنا (٢). * * * باب في النهي عن الغش [٣٤٥٢] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة (عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ) انطلق إلى بقيع المصلى. رواه أحمد (٣). و (مر برجل يبيع طعامًا، فسأله: كيف تبيع؟ ) فيه السؤال عن السعر، وإن لم يشتر منه. (فأخبره) بسعره (فأوحي) بضم الهمزة، وكسر الحاء أي: أوحى الله تعالى (إليه أن) بفتح الهمزة تفسيرية (أدخل) بفتح الهمزة (يدك فيه) [أي في داخل الصبرة منه وفي رواية الطبراني: فأدخل يده فيه (٤) فإذا هو

стр. 9348

مبلول. وفي رواية الطبراني في "الأوسط": فأخرج طعامًا رطبًا (١)، رواية مسلم: فأدخل أصابعه فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس" الحديث (٢). والسماء هنا المطر؛ سمي بذلك لنزوله من السماء (فقال رسول الله ﷺ : ليس منا من غش) رواية مسلم: "من غشنا فليس منا". رواية الطبراني في "الكبير": "من غش المسلمين فليس منهم" (٣). والغش ضد النصيحة، وهو بكسر الغين، وأصله من اللبن المغشوش أي: المخلوط بالماء تدليسًا. [٣٤٥٣] (حدثنا الحسن بن الصباح، عن علي) بن المديني (عن يحيى) بن زكريا بن أبي زائدة (قال: كان سفيان) بن عيينة (يكره هذا التفسير) يعني أن (ليس منا) معناه (ليس مثلنا) أو ليس على هدينا أو سيرتنا الكاملة، ويقول: بئس هذا القول، يعني: بل يمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، والأولى أن يقول: ليس بمسلم بل هو كافر، فيترك على ظاهره بلا تأويل، وإن كان في الحقيقة مؤولًا؛ لأن مذهب أهل الحق، أن لا يكفر أحد من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك، والجمهور على التأويل (٤).

стр. 9349

١٧ - باب في خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ ٣٤٥٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "المُتَبايِعانِ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما بِالخِيارِ عَلَى صاحِبِهِ ما لَمْ يَفْتَرِقا إِلَّا بَيْعَ الخِيارِ" (١). ٣٤٥٥ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ بِمَعْناهُ قالَ: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ اخْتَرْ" (٢). ٣٤٥٦ - حدثنا قُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ، حدثنا اللَّيْثُ، عَنِ ابن عَجْلانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفارِقَ صاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ" (٣). ٣٤٥٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبي الوَضيءِ قال: غَزَوْنا غَزْوَةَّ لَنا فَنَزَلْنا مَنْزِلًا فَباعَ صاحِبٌ لَنا فَرَسًا بِغلامٍ ثُمَّ أَقاما بَقِيَّةَ يَوْمِهِما وَلَيْلَتِهِما فَلَمّا أَصْبَحا مِنَ الغَدِ حَضَرَ الرَّحِيل فَقامَ إِلَى فَرَسِهِ يُسْرِجُهُ فَنَدِمَ فَأَتَى الرَّجُلَ وَأَخَذَهُ بِالبَيْعِ فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ فَقال: بَيْني وَبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ فَأَتَيا أَبا بَرْزَةَ في ناحِيَةِ العَسْكَرِ فَقالا لَهُ هذِه القِصَّةَ. فَقال: أَتَرْضَيانِ أَنْ أَقْضيَ بَينَكما بِقَضاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا".

стр. 9350

قالَ هِشامُ بْن حَسّانَ: حَدَّثَ جَمِيلٌ أَنَّهُ قال: ما أراكما افْتَرَقْتما (١). ٣٤٥٨ - حدثنا محَمَّدُ بْنُ حاتِمٍ الجَرْجَرائيُّ، قالَ مَرْوان الفَزاريُّ أَخْبَرَنا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قالَ: كانَ أَبُو زُرْعَةَ إِذا بايَعَ رَجُلًا خَيَّرَهُ قال: ثمَّ يَقول: خَيِّرْني وَيَقُول سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ يقولُ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَفْتَرِقَنَّ اثْنان إِلَّا عَنْ تَراضٍ" (٢). ٣٤٥٩ - حدثنا أبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسيُّ، حدثنا شعْبَة، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَبي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا فَإِنْ صَدَقا وَبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيْعِهِما وَإِنْ كَتَما وَكَذَبا مُحِقَتِ البَرَكَةُ مِنْ بَيْعِهِما". قالَ أبُو داوُدَ: وَكَذَلِكَ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ أَبي عَرُوبَةَ وَحَمّادٌ وَأَمّا هَمّامٌ فَقالَ: "حَتَّى يَتَفَرَّقا أَوْ يَخْتارَ". ثَلاثَ مِرارٍ (٣). * * * باب في خيار المتبايعَين بفتح العين على التثنية كما سيأتي في الحديث. [٣٤٥٤] (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس إمام دار الهجرة. ورواه في "الموطأ" ولم يعمل به (٤). قال: لأن عمل أهل
следующие страницы →