← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

٤٠ - باب في الرّجُلُ يُفْلِسُ فَيَجِدُ الرَّجُلُ مَتاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُ ٣٥١٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ ح. وَحَدَّثَنا النُّفَيْليُّ، حدثنا زُهَيْرٌ -المَعْنَى- عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَيُّما رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَتاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" (١). ٣٥٢٠ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَيُّما رَجُلٍ باعَ مَتاعًا فَأَفْلَسَ الذي ابْتاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الذي باعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وإنْ ماتَ المُشْتَري فَصاحِبُ المَتاعِ أُسْوَةُ الغُرَماءِ" (٢). ٣٥٢١ - حدثنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، حدثنا عَبْدُ اللهِ - يَعْني ابن وَهْبٍ - أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ قالَ: أَخْبَرَنى أَبُو بَكْرِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مالِكٍ زادَ: "وإنْ قَضَى مِنْ ثَمَنِها شَيْئًا فهُوَ أُسْوَةُ الغُرَماءِ فِيها" (٣). ٣٥٢٢ - حدثنا مُحَمَّد بْنُ عَوْفٍ الطّائيُّ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الجَّبّارِ - يَعْني الخَبائِريَّ، حدثنا إِسْماعِيلُ - يَعْني ابن عَيّاشٍ - عَنِ الزُّبَيْدىِّ - قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ مُحَمَّد بْن الوَلِيدِ أَبُو الهُذَيْلِ الحِمْصيُّ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ نحْوَهُ قالَ: "فَإِنْ كانَ قَضاهُ مِنْ ثَمَنِها شَيْئًا فَما بَقيَ

стр. 9487

فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَماءِ وَأَيُّما امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَماءِ". قالَ أَبُو داوُدَ: حَدِيثُ مالِكٍ أَصَحُّ (١). ٣٥٢٣ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حدثنا أَبُو داوُدَ هُوَ الطَّيالِسيُّ، حدثنا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنْ أَبى المُعْتَمِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قال: أَتَيْنا أَبا هُرَيْرَةَ في صاحِبٍ لَنا أَفْلَسَ فَقال: لأقضِيَنَّ فِيكمْ بِقَضاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَفْلَسَ أَوْ ماتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٢). * * * باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده [٣٥١٩] (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك ح، وحدثنا النفيلي، قال: حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي (المعنى، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن) زاد البخاري: ابن الحارث بن هشام (٣)، وفي هذا السند أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أولهم يحيى بن سعيد، وكلهم ولي القضاء، وكلهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن من طبقة واحدة.

стр. 9488

(عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجلٍ) بالجر (أفلس) أفلس الرجل شرعًا إذا زادت ديونه على موجوده سمي بذلك؛ لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهي الفلوس، أو سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها في الأشياء الخطيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا، فعلى هذا الهمزة في أفلس للسلب (١)، نحو: أشكيته أزلت سبب شكواه، وأعتبته أزلت عنه سبب عتبه. (فأدرك الرجل متاعه) [رواية البخاري: ماله بعينه، استدل به على أن شرط استحقاق صاحب المتاع متاعه] (٢) دون غيره من الغرماء أن يجد متاعه (بعينه) لم يتغير ولم يتبدل، فإن تغير: يُخيَّرُ البائع بين أن يأخذه ناقصًا، أو يتركه ويضارب الغرماء بالثمن، كما لو تغير المبيع في يد البائع. ولو تلف أحد العبدين ثم أفلس أخذ الباقي وضارب بحصة التالف. وللرجوع شرطان آخران، أحدهما: أن لا يتعلق بالمبيع حق ثالث كالرهن والجناية (٣) والشفعة. الثاني: أن لا يقوم بالبائع مانع من التمليك كما لو أحرم وكان المبيع صيدًا. فلو زال ملك المشتري ثم عاد إلى ملكه فوجده البائع فمقتضى الحديث أنه يكون أحق به، وقد صرح بتصحيحه الرافعي في "الشرح الصغير"، وفي الرافعي الكبير ما

стр. 9489

يشعر برجحانه فإنه شبهه بنظيره من الرد بالعيب ورجوع الصداق بالطلاق، لكن صحح النووي في "الروضة" من زياداته خلافه (١). (فهو أحق به من غيره) أي من سائر الغرماء وارثًا كان أو غيره، وبهذا قال جمهور العلماء (٢)، وفي "الحاوي" عن ابن حربويه: أن البائع لا يفسخ بل يقدم بثمنه على الغرماء كالرهن (٣)، وخالف الحنفية كما سيأتي. [٣٥٢٠] (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي. (عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام) التابعي (أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجلٍ باع متاعًا) فيه التصريح بأن الحديث وارد في صورة البيع، وكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان عن يحيى بن سعيد بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها" (٤). ولمسلم: "إذا وجد عنده المتاع أنه لصاحبه الذي باعه" (٥). وهذا الحديث وإن كان مرسلًا من طريق مالك فقد وصله عبد الرزاق في "مصنفه" عن مالك (٦)، لكن المشهور عن مالك إرساله وهو حجة على أبي حنيفة حيث تأول هذا الحديث وخالفه لكونه خبر واحد

стр. 9490

مخالفا (١) للأصول؛ لأن (٢) السلعة صارت بالمبيع ملكًا للمشتري ومن ضمانه واستحقاق المالك أخذها منه نقض لملكه وحملوا الحديث على صورة وهي: ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية، أو لقطة، وتُعقب بأن التصريح بالبيع في هذا الحديث، وما ذكر معه يبطل ما ادعوه، ولأنه لو كان كذلك لم يقيد (٣) بالمفلس (٤) ولا جعل أحق بها (٥) لما يقتضيه صيغة أفعل من (٦) الاشتراك (٧). (فأفلس) أي تبين فلس (الذي ابتاعه) عند الحاكم (ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا) مفهومه أن الذي قبض من ثمنه شيئًا يكون أسوة الغرماء كما صرح به في الرواية الأخرى، ولابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز قال: قضى رسول الله ﷺ أنه أحق به من الغرماء إلا أن يكون اقتضى (٨) من ماله شيئًا فهو أسوة الغرماء (٩). (فوجد متاعه بعينه) مفهومه أنه لا يرجع في غير متاعه فيتعلق بذلك الكلام في الزوائد المنفصلة فإنها تحدث على ملك المشتري فليست بمتاع البائع فلا رجوع فيها (فهو أحق به) من غيره خلافًا لأبي حنيفة

стр. 9491

حيث قال: لا يكون أحق به كما تقدم، وحمله بعض الحنفية على ما أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة، وتعقب بقوله في الحديث في رواية "عند رجل" (١)، ولابن حبان من طريق سفيان الثوري، عن يحيى ابن سعيد: "ثم أفلس وهي عنده" (٢)، فلو كان لم يقبضه ما نص على أنه عنده في الخبر. (وإن مات المشتري فصاحب المتاع) فيه (أسوة الغرماء) احتج به مالك وأحمد على أن المشتري إذا مات ووجد البائع السلعة أن صاحب السلعة أسوة الغرماء، وفرقوا بين الفلس والموت أن الميت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك مع الغرماء بخلاف المفلس. وأجاب الشافعي عن هذا الحديث بأنه مرسل والمرسل لا يقول به كما تقدم، واحتج بحديث ابن خلدة الآتي (٣). [٣٥٢١] (حدثنا سليمان بن داود) تقدم (قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس) بن يزيد (٤) (عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي التابعي. (أن رسول الله ﷺ ، فذكر معنى حديث مالك) المذكور، و (زاد: وإن كان قد قضى) المشتري (من ثمنها شيئًا فهو) يعني البائع (أسوة) بكسر الهمزة وضمها، سائر (الغرماء فيها) فيه حجة للقول القديم من مذهب

стр. 9492

الشافعي: أن البائع إذا أخذ من المشتري بعض الثمن وأفلس فليس له الرجوع إلى غير ماله، بل هو كسائر الغرماء، وبه قال جمهور العلماء والصحابة، وهو قول مالك وأحمد. والجديد من مذهب الشافعي أنه يرجع إلى عين ماله بقدر ما بقي من الثمن؛ لأن الإفلاس سبب يعود به كل العين إليه إذا لم يقبض كل الثمن، فجاز أن يعود في بعضها إذا لم يقبض بعض الثمن كالفرقة قبل الدخول يعود بها جميع الصداق إلى الزوج تارة وبعضه أخرى وهو نصفه. وعلى هذا القول: فإن كان قد قبض نصف الثمن رجع إلى نصف العين، وإن كان المبيع عينين باقيتين والمقبوض نصف الثمن رجع في نصف العينين فيكون له من كل عين نصفها، ونص في الصداق نظير هذا وهو أنه إذا أصدقها عبدين وتلف أحدهما ثم طلقها قبل الدخول على قولين: أحدهما: أنه يأخذ الموجود بنصف المهر مثل قوله في التفليس. والثاني: أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف. وضعَّف القائل بالقديم هذا بأن في رجوعه ببعض العين إضرار بالمفلس في تبعيض الصفقة؛ لأنه ينقص القيمة بالمشاركة. وأجاب من قال بالجديد عن هذا الحديث بأن ابن القصار قال: هذا مرسل والمراسيل لا يقول بها؛ لأن حذف الواسطة يخرم الثقة ويتطرق التردد إلى الخبر، لكن هذا في مرسل لم يسند، فإذا أسند كما في مرسل مالك فإن المرسل يعضده المسند (١). قال في "المحصول": فإن كان المسند مما تقوم الحجة به فالعمل

стр. 9493

عليه، وإلا فالمرسل عليه العمل، والمسند يعضده ويزيده قوة. [٣٥٢٢] (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو داود) سليمان بن داود (الطيالسي) كان يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه، روى عنه البخاري في "القراءة خلف الإمام" وغيره (حدثنا) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر) بن عمرو بن رافع (١) مدني، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). (عن عمر بن خَلَدة) بفتح المعجمة واللام، الزرقي قاضي المدينة. (قال: أتينا أبا هريرة) نسأله (في صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ ) فينا (من أفلس أو مات) رواية ابن ماجه (٣) والشافعي (٤): أيما رجل مات أو أفلس (فوجد رجل) عنده (متاعه بعينه) قال ابن دقيق العيد: قد يمكن أن يستدل بالحديث على أن الديون المؤجلة تحل بالحجر -أي: كما تحل بالموت- ووجهه أنه يندرج تحت كونه وجد متاعه عنده فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أن يحل؛ إذ لا مطالبة بالمؤجل قبل الحلول (٥). (فهو أحق به) هذا حجة الشافعي على أنه بالموت يصير أحق بمتاعه؛ لأن ابن خلدة خرج عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت، وهذا الحديث صححه الحاكم (٦)، وزاد بعضهم في آخره

стр. 9494

وهو الدارقطني: إلا أن يترك صاحبه وفاء (١)، ورجحه الشافعي على المرسل قبله وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قصة (٢) الموت، وكذلك الذين رووه عن أبي هريرة لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة في هذا الحديث بالتسوية بين الموت والإفلاس فتعين المصير إليه؛ لأنه ثقة، وجمع الشافعي بين الحديثين فحمل حديث ابن خلدة على ما إذا مات مفلسًا. وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن على ما إذا مات مليئًا (٣)، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يرجع إلى عين ماله لا في الفلس (٤) ولا في الموت، وذهب مالك إلى أنه يرجع إليه في الفلس دون الموت، وفرق بينهما بما تقدم (٥). [٣٥٢٣] (حدثنا محمد بن عوف) بالفاء آخره (الطائي) الحافظ، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: ما كان بالشام منذ أربعين سنة مثله (٦) (حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبايري) بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة الخفيفة وبعد الألف ياء مثناة تحت ثم راء، الحمصي. قال أبو حاتم: صدوق (٧).

стр. 9495

(حدثنا إسماعيل بن عياش) بالمثناة والشين المعجمة العنسي عالم أهل الشام في عصره (عن الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة مصغر زبد. (قال أبو داود: وهو محمد بن الوليد أبو الهذيل الحمصي) متفق عليه (عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث (عن أبي هريرة [عن النبي ﷺ ] (١) نحوه) و (قال) فيه (فإن كان قضاه من ثمنها) أي من ثمن السلعة (شيئًا فما بقي) له من ثمنها (فهو) فيه (أسوة الغرماء) وليس له رجوع في العيب هذا حجة القديم. والجديد كما تقدم: أن له أن يرجع فيها بقدر ما بقي من ثمنها. وقال مالك: البائع بالخيار بين أن يرد ما قبض ويرجع في كل العين وبين أن يضرب بما بقي له من الثمن مع الغرماء (٢) (وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه) رواية ابن ماجه: "وعنده مال امرئ بعينه" (٣). (اقتضى منه شيئا أو لم يقتض (٤) فهو أسوة الغرماء) فيه حجة لأبي حنيفة أن من مات وفي ذمته ثمن سلعة فوجدها صاحبها بعينها فهو أسوة الغرماء سواء اقتضى من ثمنها شيئًا أم لا، وليس له الرجوع إلى عين ماله (٥). (قال أبو داود) و (حديث مالك) المرسل (أصح) (٦) من هذا المسند. * * *

стр. 9496

٤١ - باب فِيمَنْ أَحْيا حَسِيرًا ٣٥٢٤ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حدثنا حَمّادٌ ح. وَحَدَّثَنا مُوسَى، حدثنا أَبانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَريِّ، عَنِ الشَّعْبيِّ - قالَ: عَنْ أَبانَ، أَنَّ عامِرًا الشَّعْبيَّ - حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ وَجَدَ دابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْها أَهْلُها أَنْ يَعْلِفُوها فَسَيَّبُوها فَأَخَذَها فَأَحْياها فَهيَ لَهُ". قالَ في حَدِيثِ أَبانَ: قالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَقُلْتُ: عَمَّنْ؟ قالَ: عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنْ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ (١). قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا حَدِيثُ حَمّادٍ وَهُوَ أَبْيَنُ وَأَتَمُّ. ٣٥٢٥ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ حَمّادٍ -يَعْني: ابن زَيْدٍ- عَنْ خالِدٍ الحذّاءِ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ حُمَيدِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبيِّ يَرْفَعُ الحدِيثَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "مَنْ تَرَكَ دابَّةً بِمُهْلِكٍ فَأَحْياها رَجُلٌ فَهيَ لِمَنْ أَحْياها" (٢). * * * باب فيمن أحيا (٣) حسيًرا حسرت الدابة حسوراً مثل قعد قعودًا إذا كلَّت وتعبت لطول مدى السير (٤) فهي حسير، وكذلك حسر البصر، قال الله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٥) وفي الحديث: "الحسير لا يعقر" (٦)

стр. 9497

أي: لا يجوز للغازي إذا حسرت دابته أن يعقرها مخافة العدو أن يعقرها، لكن يسيبها (١). [٣٥٢٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ح، وحدثنا موسى) ابن إسماعيل التبوذكي (حدثنا أبان، عن عبيد الله) بالتصغير (ابن حميد بن عبد الرحمن الحميري) وثق (عن) عامر (الشعبي، قال) موسى (عن أبان) عن عبيد الله (أن عامرًا) بن شراحيل (الشعبي حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلِفوها) بكسر اللام؛ لأنها كلت عن السير وعجزت عن المسير معهم فعجزوا عن علفها لانقطاعها عنهم. (فسيبوها) للعجز عن استصحابها معهم، سواء كانت مما يؤكل لحمها أو لا. فيؤخذ من إطلاقه أنه يجوز لمالكها أن يسيبها في الصحراء لمن أخذها للأكل أو غيره أو لحيوان يفترسها، وإن كان الأفضل أن يذبحها ويطعمها للمحتاجين كما يقع كثيرًا في طريق الحجاز للإبل التي تعجز عن الحمل والمشي معهم. ولو ذبحها أو باع لحمها وجلدها جاز. وأما الدابة التي عجزت عن الاستعمال بزمن ونحوه فلا يجوز لصاحبها في الحضر تسييبها بل يجب عليه نفقتها. (فأخذها فأحياها) بسقيها وعلفها وخدمتها، وفيه التجوز في الألفاظ بتسمية ذلك حياة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ

стр. 9498

جَمِيعًا﴾ (١). (فهي له) أخذ بظاهره الإمام أحمد والليث والحسن وإسحاق فقالوا: من ترك دابة بمهلكة (٢) فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخدمها إلى أن قويت على المشي والحمل والركوب ملكها، إلا أن يكون مالكها تركها لا لرغبة عنها، بل ليرجع إليها أو ضلت عنه. وقال مالك: هي لمالكها الأول ويغرم ما أنفق عليها آخذها. وقال الشافعي وغيره: إن ملك صاحبها لم يزل (٣) عنها بالعجز عنها وسبيلها سبيل اللقطة، فإذا جاء ربها وجب على واجدها ردها عليه ولا يضمن ما أنفق عليها؛ لأنه لم يأذن فيه (٤). ونظير هذا ما أفتى به شيخنا البلقيني رحمه الله تعالى في سنة يكثر فيها الفأر فيقطع الزرع وينقله تحت الأرض فيعجز أصحابه عن إخراجه إلا بكلفة تزيد على قيمته فإذا جاء أحد وبحث عن الزرع فاستخرجه من تحت الأرض، فأفتى: بأن الزرع باقٍ على ملك صاحبه لم يزل عن ملكه بالعجز عن تحصيله، فإذا طلبه صاحبه من مستخرجه وجب عليه رده عليه، ولا يجب عليه أجرة عمله في استخراجه؛ لأنه لم يأذن فيه. وفرق بين هذا وبين السنابل المتناثرة على الأرض حال الحصاد فإن ملتقطها يملكها بأن (٥)

стр. 9499

حبات السنابل من الأشياء التافهة التي يعرض عنها صاحبها غالبًا، وطريق من أراد استخراج ما نقله الفأر أن يأتي إلى مالكه ويشارطه على جعل معلوم يأخذه من المالك على استخراجه. و(قال في حديث أبان: قال عبيد الله: فقلت) للشعبي: (عمن) حدثت هذا؟ (قال: عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ) وحكى الذهبي عن أحمد بن عبد الله العجلي أنه سمع من ثمانية وأربعين من أصحاب النبي ﷺ (١). وقال منصور بن عبد الرحمن الغُدَّاني عن الشعبي: أدركت خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ يقولون: علي وطلحة والزبير في الجنة (٢). وقال الشعبي: ما كتبت سوادًا في بياض قط ولا حدثني رجل فأحببت أن يعيده (٣). (قال أبو داود: هذا حديث حماد) بن سلمة (٤) (وهو أبين) معنى (وأتم) لفظًا من حديث أبان. [٣٥٢٥] (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري شيخ مسلم (عن حماد بن زيد) الأزدي الأزرق أحد الأعلام (عن خالد الحذاء، عن عبيد الله) بالتصغير (ابن حميد بن عبد الرحمن) الحميري، وثق. (عن الشعبي، رفع الحديث إلى النبي ﷺ أنه قال: من ترك دابة) أي

стр. 9500

سيبها، كما في الحديث قبله (بمُهلَكٍ) بضم الميم وفتح اللام، أي: مهلك اسم لمكان الهلاك من أهلك، وهي قراءة الجمهور في قوله تعالى: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (١)، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام (٢)، أي: ما شهدنا مكان هلاكه ولا زمان هلاكه. (فأحياها رجل) أي: بسقيها وعلفها وإراحتها، والحياة مجاز. وقد حضرت يوم كتابة هذا الحديث أول مجلس تكلم فيه الشيخ محمد البرماوي على الفقه في المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف في التاسع والعشرين من شوال عام ثلاثين وثمانمائة، وابتدأ بإحياء الموات من "المنهاج" فذكر للإحياء (٣) خمسة عشر معنى واحد منها حقيقة، والباقي (٤) مجاز، وعد منها هذا المعنى واستشهد له بشعر من كلام العرب ولم يستحضر هذا الحديث وعد منها أنها تأتي بمعنى الغنى، والموت بمعنى الفقر وبمعنى اليقظة، والموت بمعنى النوم، والإحياء بمعنى عمارة الأرض، لقوله ﷺ : "من أحيا أرضاً (٥) ميتةً" (٦) (فهي لمن أحياها) تقدم أن حكم هذِه الدابة حكم اللقطة فتكون اللام هنا في قوله (فهي لمن أحياها) كاللام في حديث اللقطة: "فهي لك" (٧)

стр. 9501

يعني الشاة، وقد انفرد مالك (١) بتجويز أخذ الشاة للتملك وعدم تعريفها متمسكًا بقوله: "فهي لك"، وأجيب بأن اللام ليست للتمليك، وأجمعوا على أن مالكها إن جاء قبل أن يأكلها المالك (٢) أخذها منه. قال النووي: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأما بعد التملك (٣) فإن لم يجيء صاحبها فهي لمن وجدها ولا مطالبة عليه في الآخرة. ومهما تلف منها بعد مجيء صاحبها لزم الملتقط غرامته للمالك، وهو قول الجمهور (٤). * * *

стр. 9502

٤٢ - باب في الرَّهْنِ ٣٥٢٦ - حدثنا هَنّادٌ، عَنِ ابن المُبارَكِ، عَنْ زَكَرِّياءَ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذا كانَ مَرْهُونًا والظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذا كانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الذي يَرْكَبُ وَيَحْلِبُ النَّفَقَةُ" (١). قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ عِنْدَنا صَحِيحٌ. ٣٥٢٧ - حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ قالا: حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ القَعْقاعِ، عَنْ أَبي زرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ لأُناسًا ما هُمْ بِأَنْبِياءَ وَلا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ تَعالَى". قالوا: يا رَسُولَ اللهِ تُخْبِرُنا مَنْ هُمْ. قالَ: "هُمْ قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها فَواللهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لا يَخافُونَ إِذا خافَ النّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إِذا حَزِنَ النّاسُ". وَقَرَأَ هذِه الآيَةَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (٢). * * * باب في الرهن [٣٥٢٦] (حدثنا هناد، عن) عبد الله (بن المبارك، عن زكريا) بن أبي زائدة (عن) عامر (الشعبي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لبن

стр. 9503

الدَّرِّ) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء. الدر اللبن تسميةٌ بالمصدر، وهو هنا بمعنى الدارة أي لبن الدابة ذات الضرع، وقيل: هو هنا من إضافة الشيء إلى نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (١). (يحلب بنفقته) رواية البخاري: "يشرب بنفقته" (٢). أي: بقدر نفقته (إذا كان) الحيوان (مرهونًا) ورواه سعيد بن منصور بإسناده، ولفظه: "الدابة إذا كانت مرهونة تركب بقدر علفها -أي: وشربها- وإذا كان لها لبن يشرب منه بقدر علفها". ورواه حماد بن سلمة في "جامعه" عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم بأوضح من هذا، ولفظه: "إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا" (٣). (والظهر) أي ظهر الدابة (يُركب) كذا للجميع بضم أول يركب على البناء للمجهول، وكذلك يُشرب وهو خبر بمعنى الأمر، كقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٤) (بنفقته (٥) إذا كان مرهونًا) هذا مخصوص بالمرهون. وأما قوله بعده: (وعلى الذي يركب ويحلب النفقة) بالرفع مبتدأ فعلى العموم، أي: كائنًا من كان. هذا ظاهر الحديث، وفيه حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته، ولو لم يأذن له المالك،

стр. 9504

وهو قول أحمد وإسحاق والحسن والليث وغيرهم، قالوا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة متحريًا العدل في ذلك، قالوا: وسواء أنفق المرتهن مع تعذر النفقة من الراهن لغيبته أو امتناعه من الإنفاق أو مع القدرة على ذلك أخذ النفقة من الراهن ولا ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث، وأما دعوى الإجمال فيه فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وهذا يختص بالمرتهن؛ [لأن الحديث وإن كان مجملا لكنه يختص بالمرتهن] (١) لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقًا عليه بخلاف المرتهن. وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء إلى أن (٢) المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وهو متطوع بما أنفق. وتأولوا (٣) الحديث على أنه ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها، وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها. ويدل على نسخه حديث ابن عمر الذي ذكره البخاري في أبواب المظالم وغيره: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه .. " الحديث (٤)

стр. 9505

وقال الشافعي: يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر: لم يمنع الراهن من درها وظهرها فهي مركوبة ومحلوبة له كما كانت قبل الرهن (١). وقال الطحاوي: هو محمول على أنه كان قبل تحريم الربا، فلما حرم الربا حرم (٢). وذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور إلى حمله على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون فيباح حينئذٍ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظًا لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط أن لا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وهي من جملة مسائل الظفر (٣). (قال أبو داود: وهو عندنا صحيح) ورواه البخاري وغيره (٤). * * *

стр. 9506

٤٣ - باب في الرّجُلِ يأكُلُ مِنْ مالِ ولَدهِ ٣٥٢٨ - حدثنا مُحَمَّد بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّها سَأَلَتْ عائِشَةَ ﵂: في حِجْري يَتِيمٌ أفَآكُلُ مِنْ مالِهِ؟ فَقالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنّ مِنْ أَطْيَبِ ما أَكلَ الرَّجُلُ مِنْ كسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كسْبِهِ" (١). ٣٥٢٩ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَعُثْمانُ بْن أَبى شَيْبَةَ - المَعْنَى - قالا: حدثنا محَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِهِ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ" (٢). قالَ أَبُو داوُدَ: حَمّادُ بْنُ أَبى سُلَيْمانَ زادَ فِيهِ: "إِذا احْتَجْتُمْ". وَهُوَ مُنْكَرٌ. ٣٥٣٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الِمنْهالِ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حدثنا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقال: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لي مالاً وَوَلَدًا وَإنَّ والِدي يَجْتاحُ مالي. قالَ: "أَنْتَ وَمالُكَ لِوالِدِكَ، إِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كسْبِ أَوْلادِكُمْ" (٣). * * * باب في الرجل يأكل من مال ولده [٣٥٢٨] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (أنبأنا سفيان) بن سعيد

стр. 9507

الثوري (عن منصور) بن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عمارة بن عمير) التيمي، تيم الله الكوفي متفق عليه (عن عمته) وفي رواية: عن أمه، قال ابن القطان: وكلاهما لم يعرفا (١). (أنها سألت عائشة) ﵂ (في حَجري) بفتح الحاء أي في كنفي وحمايتي (يتيمٌ) اليتيم في الناس من قبل الأب وفي غير الناس من قبل الأم (أفآكل من ماله) والنفقة في معنى الأكل، وسياق ما بعده يدل على أنه كان ابنها. (فقالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : إن من أطيب) أي أحل (ما أكل الرجل) وفي معناه المرأة (من كسبه) بفتح الكاف وهو السعي في طلب المعيشة، وفيه دليل على فضيلة التكسب بالبيع والشراء ونحوهما، وقد اختلفوا في أطيب المكاسب وأفضلها فقيل: التجارة. وقد يستدل له بهذا الحديث، وقيل: الصنعة باليد، وقيل: الزراعة. قال النووي: وهو الصحيح (٢). ورواية ابن ماجه: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه" (٣) من غير لفظة "من" التبعيضية. وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات: سئل رسول الله ﷺ : أي الكسب أفضل؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" (٤). وروى الإمام أحمد بإسنادٍ رجالُهُ ثقات عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "خير الكسب كسب العامل إذا نصح" (٥).

стр. 9508

(وولَدُهُ من كسبه) لأنه (١) سعى في سبب إيجاده، وسبب ما فيه بقاء عينه من مأكول وملبوس وغير ذلك من [ ... ] (٢) والسعي في أسبابه. [٣٥٢٩] (حدثنا عبيد الله) بالتصغير (بن عمر بن ميسرة) الجشمي، روى عنه البخاري في الجمعة (٣)، ومسلم في غير موضع (٤). (وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر) غندر، ربيب شعبة (عن شعبة، عن الحكم، عن عمارة بن عمير، عن أمه) أعل ابن القطان هذا الحديث بأنه قال هنا: عن أمه. وفي الحديث الذي قبله: عن عمته. قال: وكلاهما لا يعرفان (٥). (عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: ولد الرجل من كسبه، من أطيب كسبه) فإن قيل: لم لا اقتصر على قوله: من أطيب كسبه، فإن فيه ما قبله وزيادة؟ قيل: هذا من باب البدل، والقصد به الإيضاح بعد الإبهام، وهو يفيد التأكيد، ألا ترى إلى قراءة يعقوب: (وَتَرى كُلَّ أمَّةٍ جَاثِية كُلَّ أُمَّةٍ تدعى إلَى كِتابها) (٦) بنصب كل الثانية. قال أبو الفتح: جاز إبدال الثانية من الأولى؛ لأن في الثانية زيادة ذكر سبب الجثو في الموضعين (٧). ولم يظهر عامل البدل [إلا إذا] (٨)

стр. 9509

كان (١) جر - كما تقدم - إيذانا بافتقار الثاني إلى الأول؛ فإن حروف الجر مقيدة (٢)، ومن تكرر حرف الجر قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٣)، ولم يذكر ولد في المرة الثانية؛ إذ لو ظهر فقيل: ولد الرجل من كسبه، ولد الرجل من أطيب كسبه لانقطع (٤) الثاني عن الأول بالكلية؛ لأن الثاني مع ذكر الولد يصير قائمًا بنفسه. فإن قيل: ألا تراه ظهر في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣)﴾ (٥)، قيل: يجوز أن يكون هذا من إبدال الجملة من الجملة لا مما نحن فيه (٦). ومن فوائد البدل التبيين] (٧) على وجه المدح؛ فإن قولك: ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه، أبلغ من قولك: ولد الرجل من كسبه، وكذا قولك: هل أدلك على أكرم (٨) الناس وأفضلهم؟ فلان، أبلغ من قولك على فلان: الأكرم والأفضل؛ لذكره مرتين مفصلًا

стр. 9510

ومجملًا (١). (فكلوا من أموالهم) إن كان الوالد أو الوالدة أو الأجداد فقراء زمنى فالأكل من مال أولادهم واجب؛ لأن نفقتهم واجبة على أولادهم، وإن كانوا موسرين أقوياء فالأمر بالأكل من أموالهم للإباحة هذا من مذهب الشافعي، وأوجب سائر الفقهاء نفقتهم عند الإعسار؛ لقوله فيما سيأتي: "إذا احتجتم". ولم يشترطوا الزمانة (٢). (قال أبو داود) بهذا الحديث (حماد بن أبي سليمان وزاد فيه: إذا احتجتم) إليهم، لكن قال أبو داود فيه: (وهو منكر) وزعم الحاكم في "مستدركه" بعد أن أخرج من طريق الأسود عن عائشة بلفظ: "أموالهم لكم إذا احتجتم إليها" أن الشيخين (٣) أخرجاه باللفظ الأول (٤). قال ابن حجر: وهم في ذلك وهمًا لا ينفك عنه (٥). [٣٥٣٠] (حدثنا محمد بن المنهال) الضرير شيخ الشيخين، أحفظ من بالبصرة وأثبتهم في يزيد بن زريع (٦). (حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) تقدم. (أن رجلاً) أعرابيًّا (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً

стр. 9511

وولدًا، وإن والدي) زاد أحمد: يريد أن (١) (يجتاح) بتقديم الجيم أيضًا [على الحاء، أي: يستأصله ويأتي عليه بالهلاك، ومنه الجائحة، وروي: يجتح] (٢) بتقديم الجيم أيضا، وروي: يجتحّ. بفتح الفوقانية وتشديد الحاء المهملة. قال الخطابي: يشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده جميع ماله إنما هو بسبب النفقة عليه فلم يعذره النبيُّ ﷺ ولم يرخص له في ترك النفقة، (٣) بل (قال) له (أنت ومالك لوالدك) اللام للإباحة لا للتمليك، فإن مال الولد له وزكاته عليه وهو موروث عنه، غير أن الوالد إذا كان فقيرًا زمنًا وجب نفقته على ولده. (إن أولادكم من أطيب كسبكم) أي من أفضل ما سعيتم في تحصيله (فكلوا) الفاء للسببية، أي: فبسبب كونهم أطيب كسبكم كلوا (من كسب أولادكم) ولن يجزي ولد والده إلا أن يجده رقيقًا فيعتقه (٤). * * *

стр. 9512

٤٤ - باب في الرَّجُلِ يَجِدُ عينَ مالِهِ عنْدَ رَجُلٍ ٣٥٣١ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حدثنا هُشَيْمٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ السّائِبِ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَتَّبعُ البَيِّعُ مَنْ باعَهُ" (١). * * * باب في الرجل يجد عين ماله عند رجل [٣٥٣١] (حدثنا عمرو بن عون) بالنون آخره الواسطي الحافظ شيخ البخاري (أنبأنا هشيم، عن موسى بن السائب) أبي سعدة، وثقه أحمد. قال أبو داود: لا بأس به (٢) (عن قتادة، عن الحسن) البصري (عن سمرة بن جندب ﵁ قال رسول الله ﷺ : من وجد عين ماله) المغصوب أو المسروق منه (عند رجل) أو امرأة (فهو أحق به) من كل أحد إذا ثبت أنه ملكه بالبينة أو صدقه من في يده العين، ثم إن كانت العين يجوز إجارتها [فله مع] (٣) أخذ العين المطالبة بمنفعتها مدة بقائها في يده سواء انتفع بها من كانت في يده أم لا. قال في "النهاية": من غصب كلبًا (٤) يجوز اقتناؤه، استرد منه، ثم إن كان انتفع به ففي لزوم أجرته وجهان بناء على إجارته، والذي أراه

стр. 9513

تصحيحها (١). ثم إن وجد العين نقصت بغير استعمال كتعثث الثوب وعمى العبد وسقوط يده بآفة وجب الأرش مع أجرته سليمًا لما قبل النقص وناقصًا لما بعده، وكذا لو نقصت بالاستعمال على الأصح (ويتبع (٢) البيِّعُ) بتشديد المثناة تحت المشددة المكسورة وهو المشتري، أي: يرجع على (من باعه) البيع الفاسد بالثمن الذي دفعه إليه، ثم إن كان هذا المشتري علم بأنها مغصوبة فيطالب بكل ما يطالب به الغاصب من الأجرة والأرش، وإن جهل المشتري الغصب وكانت يده عليها يد [ضمان هما كيد المشتري والمستعير فكالغاصب، وإن كانت يده عليها يد] (٣) أمانة كوديعة فقرار الضمان ليس عليه، بل على الغاصب على الأصح؛ لأنه عدة، والمودع دخل على أنه مؤتمن (٤). * * *

стр. 9514

٤٥ - باب في الرَّجُلِ يأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ تحْتِ يدِه ٣٥٣٢ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حدثنا زُهَيْرٌ، حدثنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّ هِنْدًا أُمَّ مُعاوِيَةَ جاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَتْ: إِنَّ أَبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وإنَّهُ لا يُعْطِيني ما يَكْفِيني وَبَنيَّ فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مالِهِ شَيْئًا؟ قالَ: "خُذي ما يَكْفِيكِ وَبَنِيكِ بِالمَعْرُوفِ" (١). ٣٥٣٣ - حدثنا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، حدثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، حدثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: جاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبا سُفْيانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيالِهِ مِنْ مالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقي عَلَيْهِمْ بِالمَعْرُوفِ" (٢). ٣٥٣٤ - حدثنا أَبُو كامِلٍ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ، حدثنا حُمَيْدٌ - يَعْني الطَّوِيلَ - عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ المَكّيِّ قالَ: كُنْتُ أكْتُبُ لِفُلانٍ نَفَقَةَ أَيْتامٍ كانَ وَليَّهُمْ فَغالَطوهُ بِألفِ دِرْهَمٍ فَأَدَّاها إِلَيْهِمْ فَأَدْرَكْتُ لهُمْ مِنْ مالِهِمْ مِثْلَيْها. قَالَ: قُلتُ: أَقْبِضُ الألفَ الذي ذَهَبُوا بِهِ مِنْكَ؟ قال: لا، حَدَّثَني أَبى أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَدِّ الأَمانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلا تَخُنْ مَنْ خانَكَ" (٣). ٣٥٣٥ - حدثنا مُحَمَّد بْنُ العَلاءِ وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْراهِيمَ قالا: حدثنا طَلْقُ بْنُ غَنّامٍ، عَنْ شَرِيكٍ - قَالَ ابن العَلاءِ: وَقَيْسٍ - عَنْ أَبي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَدِّ الأمانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلا تَخُنْ مَنْ خانَكَ" (٤). * * *

стр. 9515

باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده [٣٥٣٢] (حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا هشام بن عروة) ابن الزبير (عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن هندًا) بنت عتبة ابن ربيعة امرأة أبي سفيان (أم معاوية) أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها (جاءت رسول الله ﷺ فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح) أي بخيل. قال القرطبي: لم ترِد أنه شحيح مطلقًا، فتذمه بذلك؛ وإنما وصفت حاله معها، فإنه كان يقتر عليها، وعلى أولادها، كما قالت: "لا يعطيني وبني ما يكفيني" (١) وهذا لا يدل على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإنسان هذا مع أهل بيته (٢)؛ لأنه يرى غيرهم أحوج وأولى، ليعطي غيرهم. وعلى هذا: لا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على أن أبا سفيان كان بخيلًا، فإنه لم يكن معروفًا بهذا (٣). فيه دليل على جواز سماع [الأجنبية] (٤) عند الإفتاء والحكم وما في معناه. ومنها جواز ذكر الإنسان في غيبته بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوهما، ويكون هذا مما استثني من الغيبة (٥) (وإنه لا

стр. 9516

يعطيني [ما يكفيني]) (١) بفتح أوله (و) يكفي (بني) أي: بل يعطينا دون الكفاية، فيه دليل على أن هذا كان منها استفتاء لا دعوى؛ لأن هذِه القضية كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرًا بها، والدعوى لا تجوز على من كان مقيمًا إلا بحضوره، ولا تسمع بغير حضوره إلا إذا كان غائبًا عن البلد، أو مستترًا لا يقدر عليه أو متعذرًا، ولم يقع ذلك من أبي سفيان. (فهل عليَّ) من (جُناحٍ) بضم الجيم، أي: إثم (أن آخذ من ماله) أي: بغير إذنه (شيئًا؟ قال: خذي) من ماله (ما) يجوز أن تكون موصولة، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة، أي: شيئًا (يكفيك) فيه أن نفقة الزوجة واجبة وأنها ليست مقدرة بمقدار (٢) مخصوص، وإنما ذلك بحسب الكفاية المعتادة، خلافًا للشافعي ومن وافقه أنها مقدرة بالأمداد على الموسر كل يوم مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد ونصف (٣)، وهذا الحديث يرد على أصحابنا. (و) يكفي (بنيك) فيه دليل على وجوب نفقة الأولاد على أبيهم، وأن نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما هو ظاهر الحديث (٤) (بالمعروف) وهو القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية. [٣٥٣٣] (حدثنا خُشيش) بضم الخاء المعجمة وتكرير الشين

стр. 9517

المعجمة، مصغر (ابن أصرم) بالصاد والراء المهملة، النسائي الحافظ، ثقة (حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت هند إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مُمْسِك) بضم الميم الأولى وإسكان الثانية، أي: شحيح وبخيل كما تقدم (فهل عليَّ من حرج أن أنفق على عياله من ماله) فيه أن للمرأة مدخلًا في كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم (بغير إذنه؟ ) صرح هنا بما أبهمه في الحديث قبله (فقال النبي ﷺ : لا حرج عليك) أي: لا إثم، وإذا انتفى الحرج ثبتت الإباحة، وهذِه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيدة معنى، فكأنه قال: إن صح أو ثبت ما ذكرت فخذي ولا حرج عليك. وقد استنبط البخاري منه جواز حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعرف. فقال: باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يخف الظنون والتهم، وكان أمرًا مشهورًا (١). (أن تنفقي) عليهم (بالمعروف) فيه دليل على اعتبار العرف في الأحكام الشرعية والرجوع إليه، وفيه دليل على أن من تعذر عليه أخذ حقه من غريمه ووصل من مال الغريم إلى شيء كان له أخذه بأي وجه توصل إليه (٢). قال ابن بطال: فيه دليل على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه (٣).

стр. 9518

[٣٥٣٤] (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدري (أن يزيد بن زريع حدثهم) قال (حدثنا حميد الطويل، عن يوسف بن ماهَك) بفتح الهاء (١) غير منصرف للعجمة والتعريف (المكي (٢) قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان) هو (وليهم، فغالطوه بألف درهم) وهذا يدل على أنه كان مالًا كثيرًا (فأداها إليهم) من ماله (فأدركت لهم) أي: وصلت للأيتام (من مالهم) على مال (مثليها) مثل الألف التي أداها إليهم من ماله، من قولهم: أدرك الغلام إذا وصل إلى الحلم. (قال: قلت) له (أقبض) بالباء الموحدة من القبض، وفي رواية: أقتض بالتاء المثناة فوق بدل الباء من الاقتضاء، من قولهم: اقتضيت منه حقي أي أخذته، أقتص بتشديد المهملة (الألف الذي ذهبوا به منك؟ ) أي من مالك (قال: لا) أي: لا أفعل ذلك، وقد (حدثني أبي) ماهك الفارسي المكي. (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أد الأمانة) أصله المصدر من أمن بالكسر أمانة ثم استعمل منقولًا إلى الأعيان مجازًا، فقيل: الوديعة أمانة (إلى من ائتمنك) عليها، ويدخل في عموم الأمانة: العارية والمرهون والعين المؤجرة والوديعة، وقال البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس: الأمانة في كل شيء: في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن، كما أن الله تعالى يدخل في

стр. 9519

عموم من ائتمنك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (١). (ولا تخن من خانك) بأن تقابله بمثل خيانته، فمن ظفر بمال لمن له عنده بمال وعجز عن أخذه منه وأخذه بماله واستدرك ظلامته منه فهذا لم يخنه؛ لأنه مقتض حقًّا لنفسه والأول مغتصب حقًّا لغيره، وكان مالك بن أنس يقول: إذا أودع الرجل رجلًا ألف درهم فجحده الألف وأودعه الجاحد ألفًا لم يجز له أن يجحده. قال ابن القاسم صاحبه: أظنه ذهب إلى هذا الحديث. وظاهر حديث يوسف بن ماهك المذكور، ويدل على أنه يذهب إلى هذا، وذهب الشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم إلى أنه يجوز له أن يأخذ الألف قصاصًا عن حقه لحديث هند المذكور قبله (٢). [٣٥٣٥] (حدثنا محمد بن العلاء وأحمد بن إبراهيم) الدورقي، أخرج له مسلم (قالا: حدثنا طلق بن غنام) بالغين المعجمة والنون، النخعي (عن شريك قال) محمد (ابن العلاء وقيس، عن أبي حصين) بفتح الحاء والصاد المهملتين، واسمه عثمان (عن أبي صالح) ذكوان السمان. (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أد الأمانة) كما أمرك الله (إلى من ائتمنك) إن كان المالك أو وكيله، وروى والد شيخنا الشيخ صلاح الدين العلائي في كتابه "اليقين في أعمال اليقين" بسنده إلى عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال:

стр. 9520

"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: - يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أي رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيذهب به إليها فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها فيأخذها فيضعها على عاتقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت فهوت فهوى في أثرها أبد الآبدين" قال: والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. قال: فلقيت البراء بن عازب فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ قال: صدق (١). والأمانة في كل شيء. ثم ذكر بعده الحديث الذي رواه الترمذي عن جابر، قال رسول الله ﷺ : "إذا حدث الرجل فالتفت فهي أمانة" (٢). قال: ومعنى الحديث أن الرجل إذا تحدث بشيء ثم التفت فإن التفاته قرينة في أنه يتوقى أحدًا يسمع (٣) حديثه، فيدل هذا على أنه لا يحب اطلاع أحد على ذلك الحديث غير الذي حدثه، وكأنه يستكتم الحديث ممن يحدثه، وحينئذٍ تكون أمانة عند المحدث (ولا تخن من خانك) فيه ما تقدم. * * *

стр. 9521

٤٦ - باب في قَبُولِ الهدايا ٣٥٣٦ - حدثنا عَليُّ بْنُ بَحْرٍ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤاسيُّ قالا: حدثنا عِيسَى - وَهُوَ ابن يُونُسَ بْنِ أَبى إِسْحاقَ السَّبِيعيُّ - عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْها (١). ٣٥٣٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرّازىُّ، حدثنا سَلَمَة - يَعْني ابن الفَضْلِ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحاق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "وايْمُ اللهِ لا أَقْبَلُ بَعْدَ يَوْمي هذا مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مُهاجِرًا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصارِيًّا أَوْ دَوْسِيًّا أَوْ ثَقَفِيًّا" (٢). * * * باب قبول الهدايا [٣٥٣٦] (حدثنا علي بن بحر) بفتح الباء الموحدة وإسكان الحاء المهملة، ابن بري القطان، الحافظ، وثقوه (وعبد الرحيم (٣) بن مطرف الرؤاسي) بضم (٤) الراء (قالا: حدثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها) أي يعطي للذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة، وأصله ما يساوي

стр. 9522

قيمة الهدية. واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب، وكأنه يطلب من مثله الثواب كالفقير للغني بخلاف هبة الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه: مواظبته ﷺ ، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يعطى أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية (١): الهبة للثواب باطلة لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع، فلو عملنا (٢) بها لكان في معنى المعاوضة. وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة. وأجاب المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلًا لكانت بمعنى الصدقة، وليس كذلك؛ لأن الأغلب من حال المهدي أنه يطلب الثواب، ولا سيما إذا كان فقيرًا (٣). [٣٥٣٧] (حدثنا محمد بن عمرو الرازي (٤)، حدثنا سلمة بن الفضل) الأبرش الأنصاري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)، روى له الترمذي (٦) وابن ماجه في التفسير.

стр. 9523

(حدثني محمد بن إسحاق) بن يسار بالمثناة والسين المهملة، صاحب "المغازي" (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه) أبي سعيد كيسان التابعي. (عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ ) هذا الحديث رواه أحمد وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن عباس وأوله: أن أعرابيًّا وهب للنبي ﷺ ناقة فأثابه عليها وقال: "أرضيت؟ " قال: لا. فزاده وقال: "رضيت؟ " قال: نعم (١). وطوله الترمذي من وجه آخر، وبين أن الثواب كان ست بكرات (٢). وكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم (٣). (وايم الله) بهمزة وصل (لا أقبل بعد يومي هذا) رواية الترمذي: "بعد مقامي هذا" ولفظه عن أبي هريرة: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوها بالغابة فعوضه منها بعض العوض فتسخطه، فسمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن رجالًا من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه عنها بقدر ما عندي فظل (٤) يتسخط عليَّ" .. الحديث (٥) (من أحد) من العرب (هدية إلا أن يكون مهاجرًا) بضم الميم، أي: مهاجرًا من المهاجرين أو (قرشيًّا، أو

стр. 9524

أنصاريًّا، أو دوسيًّا) سميت القبيلة بالمصدر من داس الأرض دوسًا (أو ثقفيًّا) سميت القبيلة باسم الفاعل، وهو ثقيف من ثقِفت الحديث، بكسر القاف، فهمته بسرعة (١). ولهذه العلة امتنع بعض مشايخنا في التصوف هو وأصحابه من قبول هدية من أحد أصلًا لا من صديق ولا من قريب ولا غيره، وقال: لفساد النيات في هذا الزمان. وبلغني أن سبب امتناعه أنه أهدى إليه بعض فلاحي قرى دمشق بهدية فقبلها، ثم بعد أيام أتى إليه ليشفع له شفاعة، فاعتذر إليه، فقال: أما كان فيما أهديته إليه ملح يعرف. ولقد أتيته للسلام عليه مع بعض مشايخنا بلا دسم ليسقيه به، فلما جلسنا إليه اعتذر لنا، وقال: عرفتم أنا لا نقبل من أحد شيئًا، وقد فرغت فنحن نأتدم بالكسب، وفي معناه إلى أن نميل إلى البلاد (٢). * * *

стр. 9525

٤٧ - باب الرُّجُوعِ في الهِبَةِ ٣٥٣٨ - حدثنا مُسْلِمُ بْن إِبْراهِيمَ، حدثنا أَبانُ وَهَمّامٌ وَشعْبَة قالُوا: حدثنا قَتادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "العائِدُ في هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيْئِهِ" (١). قالَ هَمّامٌ: وقالَ قَتادَةُ: وَلا نَعْلَمُ القَيء إِلَّا حَرامًا. ٣٥٣٩ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَزِيدُ -يَعْني: ابن زُرَيْعٍ- حدثنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابن عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيها إِلَّا الوالِدَ فِيما يُعْطي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الذي يُعْطي العَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيها كَمَثَلِ الكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذا شَبعَ قاءَ ثُمَّ عادَ في قَيْئِهِ" (٢). ٣٥٤٠ - حدثنا سُلَيْمانُ بْن داوُدَ الَمهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني أُسامَةُ بْن زَيْدٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ شعَيْبٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: " مَثَلُ الذي يَسْتَرِدُّ ما وَهَبَ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقيءُ فَيَأْكُلُ قَيْئَهُ فَإذا اسْتَرَدَّ الواهِبُ فَلْيُوَقَّفْ فَلْيُعَرَّفْ بِما اسْتَرَدَّ ثُمَّ لِيُدْفَعْ إِلَيْهِ ما وَهَبَ" (٣). * * * باب الرجوع في الهبة [٣٥٣٨] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الحافظ، شيخ البخاري (حدثنا همام وشعبة وأبان قالوا: حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب،
следующие страницы →