← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

٤٦ - باب في قَبُولِ الهدايا ٣٥٣٦ - حدثنا عَليُّ بْنُ بَحْرٍ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤاسيُّ قالا: حدثنا عِيسَى - وَهُوَ ابن يُونُسَ بْنِ أَبى إِسْحاقَ السَّبِيعيُّ - عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْها (١). ٣٥٣٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرّازىُّ، حدثنا سَلَمَة - يَعْني ابن الفَضْلِ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحاق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "وايْمُ اللهِ لا أَقْبَلُ بَعْدَ يَوْمي هذا مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مُهاجِرًا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصارِيًّا أَوْ دَوْسِيًّا أَوْ ثَقَفِيًّا" (٢). * * * باب قبول الهدايا [٣٥٣٦] (حدثنا علي بن بحر) بفتح الباء الموحدة وإسكان الحاء المهملة، ابن بري القطان، الحافظ، وثقوه (وعبد الرحيم (٣) بن مطرف الرؤاسي) بضم (٤) الراء (قالا: حدثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها) أي يعطي للذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة، وأصله ما يساوي

стр. 9522

قيمة الهدية. واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب، وكأنه يطلب من مثله الثواب كالفقير للغني بخلاف هبة الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه: مواظبته ﷺ ، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يعطى أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية (١): الهبة للثواب باطلة لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع، فلو عملنا (٢) بها لكان في معنى المعاوضة. وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة. وأجاب المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلًا لكانت بمعنى الصدقة، وليس كذلك؛ لأن الأغلب من حال المهدي أنه يطلب الثواب، ولا سيما إذا كان فقيرًا (٣). [٣٥٣٧] (حدثنا محمد بن عمرو الرازي (٤)، حدثنا سلمة بن الفضل) الأبرش الأنصاري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)، روى له الترمذي (٦) وابن ماجه في التفسير.

стр. 9523

(حدثني محمد بن إسحاق) بن يسار بالمثناة والسين المهملة، صاحب "المغازي" (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه) أبي سعيد كيسان التابعي. (عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ ) هذا الحديث رواه أحمد وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن عباس وأوله: أن أعرابيًّا وهب للنبي ﷺ ناقة فأثابه عليها وقال: "أرضيت؟ " قال: لا. فزاده وقال: "رضيت؟ " قال: نعم (١). وطوله الترمذي من وجه آخر، وبين أن الثواب كان ست بكرات (٢). وكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم (٣). (وايم الله) بهمزة وصل (لا أقبل بعد يومي هذا) رواية الترمذي: "بعد مقامي هذا" ولفظه عن أبي هريرة: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوها بالغابة فعوضه منها بعض العوض فتسخطه، فسمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن رجالًا من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه عنها بقدر ما عندي فظل (٤) يتسخط عليَّ" .. الحديث (٥) (من أحد) من العرب (هدية إلا أن يكون مهاجرًا) بضم الميم، أي: مهاجرًا من المهاجرين أو (قرشيًّا، أو

стр. 9524

أنصاريًّا، أو دوسيًّا) سميت القبيلة بالمصدر من داس الأرض دوسًا (أو ثقفيًّا) سميت القبيلة باسم الفاعل، وهو ثقيف من ثقِفت الحديث، بكسر القاف، فهمته بسرعة (١). ولهذه العلة امتنع بعض مشايخنا في التصوف هو وأصحابه من قبول هدية من أحد أصلًا لا من صديق ولا من قريب ولا غيره، وقال: لفساد النيات في هذا الزمان. وبلغني أن سبب امتناعه أنه أهدى إليه بعض فلاحي قرى دمشق بهدية فقبلها، ثم بعد أيام أتى إليه ليشفع له شفاعة، فاعتذر إليه، فقال: أما كان فيما أهديته إليه ملح يعرف. ولقد أتيته للسلام عليه مع بعض مشايخنا بلا دسم ليسقيه به، فلما جلسنا إليه اعتذر لنا، وقال: عرفتم أنا لا نقبل من أحد شيئًا، وقد فرغت فنحن نأتدم بالكسب، وفي معناه إلى أن نميل إلى البلاد (٢). * * *

стр. 9525

٤٧ - باب الرُّجُوعِ في الهِبَةِ ٣٥٣٨ - حدثنا مُسْلِمُ بْن إِبْراهِيمَ، حدثنا أَبانُ وَهَمّامٌ وَشعْبَة قالُوا: حدثنا قَتادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "العائِدُ في هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيْئِهِ" (١). قالَ هَمّامٌ: وقالَ قَتادَةُ: وَلا نَعْلَمُ القَيء إِلَّا حَرامًا. ٣٥٣٩ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَزِيدُ -يَعْني: ابن زُرَيْعٍ- حدثنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابن عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيها إِلَّا الوالِدَ فِيما يُعْطي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الذي يُعْطي العَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيها كَمَثَلِ الكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذا شَبعَ قاءَ ثُمَّ عادَ في قَيْئِهِ" (٢). ٣٥٤٠ - حدثنا سُلَيْمانُ بْن داوُدَ الَمهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني أُسامَةُ بْن زَيْدٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ شعَيْبٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: " مَثَلُ الذي يَسْتَرِدُّ ما وَهَبَ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقيءُ فَيَأْكُلُ قَيْئَهُ فَإذا اسْتَرَدَّ الواهِبُ فَلْيُوَقَّفْ فَلْيُعَرَّفْ بِما اسْتَرَدَّ ثُمَّ لِيُدْفَعْ إِلَيْهِ ما وَهَبَ" (٣). * * * باب الرجوع في الهبة [٣٥٣٨] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الحافظ، شيخ البخاري (حدثنا همام وشعبة وأبان قالوا: حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب،

стр. 9526

عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ قال: العائد في هبته كالعائد في قيئه) هكذا رواية البخاري (١)، واستدل به الجمهور على تحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض، إلا هبة الوالد لولده للحديث الآتي (٢) بعده، وأبلغ من هذا في الزجر عن الرجوع ما رواه البخاري (٣) بعد هذا عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمه يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ (٤)، وهذا أبلغ في الزجر والتحريم من قوله: لا تعودوا في الهبة. (قال همام: وقال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا) لأنه نجس، والنجس أكله حرام كالدم والميتة إلا لضرورة. [٣٥٣٩] (حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس) بن كيسان، كان طاوس القراء (عن) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب (و) عبد الله (ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: لا يحل لرجل) ولا امرأة، قال الطحاوي: قوله: "لا يحل" لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: "لا تحل الصدقة لغني (٥) "، وإنما معناه: لا يحل له من حيث يحل لغيره من ذوي الحاجة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة (٦). (أن يعطي (٧) عطية) لفظها عام يشمل الهبة والهدية والصدقة (أو

стр. 9527

يهَب) بفتح الهاء، هذا من عطف الخاص بعد العام (هبة فيرجعَ) بالنصب (فيها) إن كان المراد بالهبة: الصدقة، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض، لقوله ﷺ لعمر في قضية الفَرَس: "لا تعد في صدقتك" (١)، وإن كان المراد مطلق الهبة: فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب، فقد قال بها مالك، وإسحاق، والطبري، والشافعي في القول القديم إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به وإما بالعادة والقرائن كهبة الفقير للغني والأمير، وبهذا قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب. والأصل في هبة الثواب ما خرجه الدارقطني من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب (٢) منها" (٣) قال: ورواته كلهم ثقات (٤). وما خرجه مالك عن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "من وهب هبة لصلة الرحم أو على وجه الصدقة أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ما لم يُرض منها" (٥)، وحكى القرطبي عن مالك: أن هبة الثواب مجمع عليها عندهم، قال: وكيف لا تجوز وهي معاوضة تشبه البيع في جميع وجوهه إلا وجهًا واحدًا، وهي: أن العوض فيها غير معلوم حالة

стр. 9528

العقد، وإنما سامح الشرع في هذا القدر؛ لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحة (١) فعفا عن تعيين العوض فيه، كما فعل في نكاح التعويض. (إلا الوالد (٢) فيما يعطي ولده) قال بهذا الاستثناء مالك (٣) والشافعي وأبو ثور والأوزاعي (٤). والرجوع عند طاوس وأحمد في الهبة [محرمٌ] (٥) مطلقًا والحديث حجة عليهم، والمشهور من مذهب مالك إلحاق الأم بالولد وولد الولد وأسفل ملحق بالولد، لكن هل هو حقيقة أو مجاز؟ ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام عند الشافعي ومالك. وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب إلا الوالد وكل ذي رحم محرم (٦). (ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد فيه) قال الطحاوي (٧): هذا يدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد بالشرع فالقيء ليس حرامًا عليه، والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب، وتعقب عليه باستبعاد ما تأوله وبمنافرة سياق الأحاديث له، وبأن عرف الشرع في مثل هذِه الأشياء يراد به المبالغة في الزجر، كقوله: "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير" (٨).

стр. 9529

[٣٥٤٠] (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد، أن عمرو بن شعيب حدثه، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو) ابن العاص ﵁ (عن رسول الله ﷺ قال: مثل الذي يسترد) هذِه الرواية تبين الرواية التي قبلها أن معنى يعود يسترد؛ لأنه من تكرر العود، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (١). (ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه) وهذا التمثيل وقع من طريق سعيد بن المسيب أيضًا عند مسلم، أخرجه من رواية أبي جعفر محمد بن الباقر عنه بلفظ: "مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يرجع في قيئه فيأكله" (٢). (فإذا استرد الواهب فليُوَقَف) بضم الياء وتشديد القاف المفتوحة، أي: يتوقف الأمر في الدفع في المسترد (فليُعَرَّف) بتشديد الراء المفتوحة أيضًا (بما) (٣) ثم لما دخلت باء الجر على ما الاستفهامية حذفت ألفها للفرق بين ما الاستفهامية والخبرية، قال الله تعالى: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤). (استرد ثم ليُدفع) مبني للمفعول (إليه) بعد ذلك (ما وهب) قد يستدل به على أن (٥) الواهب غير الأب يرجع فيما وهب، إذا لم يرض بالثواب بعد أن يُراجع في ذلك. * * *

стр. 9530

٤٨ - باب في الهَدِيَّةِ لِقَضاءِ الحاجَةِ ٣٥٤١ - حدثنا أَحْمَدُ بْن عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حدثنا ابن وَهْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبي جَعْفَرٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ أَبي عِمْرانَ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ أَبي أُمامَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ بِشَفاعَةٍ فَأَهْدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْها فَقَبِلَها فَقَدْ أَتَى بابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوابِ الرِّبا" (١). * * * باب في الهدية لقضاء الحاجة [٣٥٤١] (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن وهب، عن عمر بن مالك) الشرعبي مصري (٢)، روى له مسلم عن ابن الهاد (٣) (عن عبيد الله) بالتصغير (بن أبي جعفر) المصري، روى له الجماعة. (عن خالد بن أبي عمران) التجيبي التونسي، قاضي أفريقية (عن القاسم) بن عبد الرحمن الشامي، مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد ابن معاوية الأموي التابعي. (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي. (عن النبي ﷺ أنه قال: من شفع) بفتح الفاء (لأخيه) لأحد في أمر أي طالب يرسله عنده أو ذمام (شفاعة وأهدى له هدية) مبني للفاعل، ويجوز بناؤه للمفعول، وهو أعم (عليها فقبلها) منه شيئًا، والوعيد المذكور بعده يدل على أنه يحرم عليه قبولها وأكل شيء منها إذا لم تكن الهدية عادة للمهدي وإن لم يشفع، بل على سبيل المودة.

стр. 9531

(فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا) جعلها بابًا من الزيادة لشره تنبيهًا، ووجه الشبهة من وجوه: أحدها: أنه أخذ مال بغير عوض يوجبه، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة كما قال ﵇: "مال المسلم كحرمة دمه" (١). فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرمًا؛ فإن قيل: لم [لا] (٢) يجوز أن يكون المال المهدى في مقابلة منفعته للشفاعة؟ فالجواب: أن الحديث يقتضي تحريم الهدية سواء قبلت الشفاعة أم لا، فإن لم تقبل فلا انتفاع، وإن قبلت فالشفاعة من أعظم القرب إلى الله تعالى فأشبه الصلاة، ولأنه عمل غير معلوم، ومن عمل شيئًا لله لا يجوز أخذ العوض عليه، كما في النهي عن أخذ القوس على تعليم كتاب الله تعالى. قال: "قوس من نار" (٣). ثانيها: أن قبول الهدية على الشفاعة تفضي إلى انقطاع المعروف بين (٤) الناس والإحسان (٥). * * *

стр. 9532

٤٩ - باب في الرَّجُلِ يُفَضِّل بَعْضَ وَلَدِهِ في النُّحْلِ ٣٥٤٢ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا سَيّارٌ وَأَخْبَرَنا مُغِيرَةُ وَأَخْبَرَنا داوُدُ، عَنِ الشَّعْبيِّ، وَأَنْبَأَنا مُجالِدٌ وَإِسْماعِيل بْن سالِمٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: أَنْحَلَني أَبي نُحْلًا - قالَ إِسْماعِيلُ بْنُ سالِمٍ مِنْ بَيْنِ القَوْمِ: نَحَلَهُ غُلامًا لَهُ - قال: فَقالَتْ لَهُ أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَواحَةَ: إِيتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَشْهِدْهُ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَأَشْهَدَهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: إِنّي نَحَلْتُ ابني النُّعْمانَ نُحْلًا وَإِنَّ عَمْرَةَ سَأَلتْني أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ قالَ: فَقالَ: "أَلَكَ وَلَدٌ سِواهُ". قالَ: قلْتُ: نَعَمْ. قالَ: "فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ ما أَعْطَيْتَ النُّعْمانَ؟ ". قالَ: لا. قالَ: فَقالَ بَعْضُ هؤلاء المحَدِّثِينَ: "هذا جَوْرٌ". وقالَ بَعْضُهُمْ: "هذا تَلْجِئَةٌ فَأَشْهِدْ عَلَى هذا غَيْري". قالَ مُغِيرَةُ في حَدِيثِهِ: "أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُوُنوا لَكَ في البِرِّ واللُّطْفِ سَواءً؟ ". قال: نَعَمْ. قالَ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هذا غَيْري". وَذَكَرَ مُجالِدٌ في حَدِيثِهِ: "إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كما أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ". قالَ أَبُو داوُدَ: في حَدِيثِ الزُّهْريِّ: قالَ بَعْضُهُمْ: "أَكُلَّ بَنِيكَ". وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَلَدِكَ". وقالَ ابن أَبي خالِدٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ فِيهِ: "أَلَكَ بَنُونَ سِواهُ". وقالَ أَبُو الضُّحَى، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ: "أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ" (١). ٣٥٤٣ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَني النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قال: أَعْطاهُ أَبُوهُ غُلامًا فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "ما هذا الغُلامُ". قال: غُلامي أَعْطانِيهِ أَبي. قالَ: "فَكُلَّ إِخْوَتِكَ أَعْطَى كَما

стр. 9533

أَعْطاكَ؟ ". قال: لا. قالَ: "فارْدُدْهُ" (١). ٣٥٤٤ - حدثنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ حاجبِ بْنِ المفَضَّلِ بْنِ المهَلَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ يقول: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنائِكُمْ" (٢). ٣٥٤٥ - حدثنا محَمَّد بْنُ رافِعٍ، حدثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حدثنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قال: قالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابني غُلامَكَ وَأَشْهِدْ لي رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: إِنَّ ابنةَ فُلانٍ سَأَلتْني أَنْ أَنْحَلَ ابنها غُلامًا وقالَتْ لي: أَشْهِدْ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقالَ: "لَهُ إِخْوَةٌ؟ ". فَقال: نَعَمْ. قالَ: "فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ ما أَعْطَيْتَهُ؟ ". قال: لا. قالَ: "فَلَيْسَ يَصْلُحُ هذا وَإِنّي لا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ" (٣). * * * باب في الرجل يفضل بعض ولده على بعض في النُّحل [٣٥٤٢] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم) بن بشير (أنبأنا سيار) بسين مهملة ثم مثناة تحت، أبو الحكم العنزي الواسطي (وأخبرنا مغيرة) ابن مقسم، عن الشعبي. (وأخبرنا داود) بن عبد الله الأودي (عن الشعبي ومجالد) بالجيم، بن سعيد الكوفي. (وإسماعيل بن سالم) الأسدي (عن الشعبي، عن النعمان بن بشير) ﵄.

стр. 9534

(قال (١): نحلني أبي) بشير بن سعد بن ثعلبة بن الجُلاس، بضم الجيم وتخفيف اللام الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا، ومات في خلافة أبي بكر، يقال: إنه أول من بايع أبا (٢) بكر من الأنصار (٣). (نُحلًا) بضم النون، مثل فعل فعلًا، أي: أعطيته شيئًا بغير عوض بطيب نفس (قال إسماعيل بن سالم) الأسدي. (من بين القوم) أي من بين الرواة (نَحلَه، غلامًا له) فيه أن العطية كانت عبدًا، وكذا في رواية ابن حبان، ووقع في رواية أبي (٤) حريز بمهملة وراء ثم زاي، بوزن (٥) عظيم، عند ابن حبان والطبراني عن الشعبي: أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي ﷺ فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام وإني سميته النعمان وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، وإنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ . وفيه قوله: "فإني لا أشهد على جور" (٦). وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة. والثانية: بعد أن كبر النعمان وكانت العطية عبدًا.

стр. 9535

قال ابن حجر: وهو جمع لا بأس به إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي ﷺ فيشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لا أشهد على جور"، وجَوَّزَ ابن (١) حبان أن يكون [بشير ظن] (٢) نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن (٣) ثمن الحديقة [في الأغلب] (٤) أكثر من ثمن العبد، قال: ثم ظهر لي وجهٌ آخر، وهو: أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له (٥) شيئًا يخصه به فوهبه (٦) الحديقة تطييبًا لخاطرها ثم بدا له فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحد، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلامًا ورضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا فقالت: أشهد على هذا رسول الله ﷺ (٧). (فقالت له أمي (٨) عمرة بنت رواحة) ابن ثعلبة (٩) الخزرجية أخت (١٠)

стр. 9536

عبد الله بن رواحة الصحابي المشهور، وكانت ممن بايع النبي ﷺ من النساء وفيها يقول قيس بن الخطيم -بفتح المعجمة-: وعمرة من (١) سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها (٢) (إئت النبي ﷺ فأشهده) بهمزة قطع، فيه دلالة على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض. وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا أو فضة فلا بد من عزلها وإفرادها، وأن للإمام الأعظم أن يشهد ويتحمل الشهادة ويظهر فائدتها، إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤديها عند بعض نوابه (٣). (قال: فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال: إني نحلت ابني النعمان نحلًا) قال الجوهري (٤): النحل بالضم: مصدر قولك نحلته من العطية ونحلت المرأة مهرها نحلة بالكسر أعطيتها (وإن عمرة) بنت رواحة (سألتني أن أشهدك على ذلك) وفي رواية في الصحيحين: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ (٥). (قال: فقال: ألك ولد سواه؟ ) فيه دليل على مشروعية استفصال

стр. 9537

الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله: "ألك ولد غيره؟ ". (قلت: نعم. قال: فكلهم) بالنصب مفعول مقدم، ورواية البخاري: "أكل ولدك" (١)، ورواية مسلم: أما يونس ومعمر فقالا: "أكل بنيك" (٢)، ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا أو إناثًا وذكورًا، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكورًا فظاهر، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد لبشير والد النعمان ولدًا غير النعمان وذكر له بنتًا اسمها أبية بالباء الموحدة تصغير أبي (٣). (أعطيت) رواية مسلم: "أكلهم وهبت؟ " (٤) (مثل ما أعطيت النعمان؟ قال: فقلت: لا) للدارقطني عن مالك: لا والله يا رسول الله (فقال بعض هؤلاء المحدثين) أي بعض هذا الحديث (هذا جور) قال أحمد: الجور الظلم، والظلم حرام، واستدل به على تحريم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية، وأن المساواة مأمور بها، يعني في الرواية الآتية: "اعدلوا بين أولادكم" ولأن تفضيل بعضهم على بعض يورث المعاداة بينهما وقطيعة الرحم فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها وخالتها. (وقال بعضهم) بالرفع (هذا تَلْجِئةٌ) بفتح التاء والهمزة التي بعد الجيم المكسورة مصدر لجأته بالتشديد والهمز، يقال: ألجأته ولجَّأته إليه،

стр. 9538

بالهمز في الأول والتضعيف في الثاني، أي: اضطررته إليه وأكرهته. قال الأزهري (١): التلجئة أن تجعل مالك لبعض ورثتك دون بعض، كأنه يتصدق عليه دون غيره، وقال: هو أن يلجئك أن تأتي أمرًا باطنه بخلاف ظاهره، وذلك مثل أن تشهد على أمر يخالف ظاهره باطنه. فعلى قول الأزهري، تلجئة: إخبار عن حكم الإشهاد (٢) على قول غيره فهو إخبار عن الشاهد. (فأشهد) بفتح الهمزة وكسر الهاء (على هذا غيري) استدل به الشافعي ومالك وأبو حنيفة (٣) على أن تفضيل بعض الأولاد على بعض مكروه ليس بحرام، والهبة صحيحة، واحتجوا بهذا الحديث؛ إذ لو كان حرامًا أو باطلًا لما أمره بإشهاد غيره، وأجاب عنه أحمد بأن هذا أمر تهديد وتوعد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤) قال النووي: "لا أشهد على جور". ليس فيه أنه حرام؛ لأن الجور هو الميل عن الاستواء والاعتدال سواء كان حرامًا أو مكروهًا (٥)، وأما حمل الأمر على التهديد فهو على غير الأصل؛ فإن الأصل في الأمر طلب الفعل حقيقة. (وقال مغيرة) بن مقسم (في حديثه: أليس يسرك أن يكونوا) وفي

стр. 9539

رواية مجالد بن سعيد، عن الشعبي عند أحمد: "إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم (١) فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر واللطف" (٢) (لك في البر واللطف) بضم اللام، وهو طلب الرفق والرحمة بك (سواءً؟ ) بالنصب (قال: نعم) رواية أحمد: قال: بلى. (قال: فأشهد على هذا غيري) فيه إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم. حكاه الطحاوي، وارتضاه ابن القصار، وتعقب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يمتنع من تحمل الشهادة وأدائها إذا تعينت عليه، وقد صرح المحتج بهذا أن الإمام إذا شهد عند بعض نوابه جاز. وقال ابن حبان: قوله: أشهد. صيغة أمر، والمراد به نفي الجواز، وهو كقول عائشة: اشترطي لهم الولاء (٣). (وذكر مجالد) بن سعيد (في حديثه: إن لهم عليك من الحق) أي الثابت، ولهذا قيل لمرافق الدار حقوقها، وهو يحتمل الواجب والمندوب، والمندوب في (أن تعدل بينهم) في العطية (كما أن لك عليهم من الحق) الثابت (أن يبَرُّوك) بفتح الباء الموحدة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ (٤)، والتشبيه الواقع في الحق الذي عليه

стр. 9540

من التسوية بينهم بالحق الذي له عليهم من بره، والإحسان قرينة تدل على أن الأمر في التسوية للندب (١). (وفي حديث الزهري: قال بعضهم: أكل (٢) بنيك؟ ) أعطيت، كما تقدم عن رواية مسلم. (وقال بعضهم) أي بعض الرواة: أكل (ولدك؟ ) بالجر، كما تقدم في رواية البخاري، وتقدم الجمع بين الروايتين. (وقال) إسماعيل (ابن أبي خالد) الكوفي (عن الشعبي فيه) قال: (ألك بنون سواه؟ وقال أبو الضحى) مسلم بن صُبَيح، بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة، مصغر، وقيل: بفتح الصاد قاله الحافظ عبد الغني (٣) (عن النعمان بن بشير: ألك ولد غيره؟ ) وفيه: ألا سويت بينهم (٤). [٣٥٤٣] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير) بفتح الجيم (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (حدثني النعمان بن بشير) ﵄ (قال: أعطاه أبوه غلامًا) تقدم في رواية: أنه أعطاه حديقة وتقدم الجمع بين الروايتين. (فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا الغلام؟ ) فيه سؤال الأستاذ والكبير عن حال جماعته؛ ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم. (قال: غلامي أعطانيه أبي) فيه أنه يقال للعبد غلامي، ولا يقول:

стр. 9541

عبدي ولا أمتي للنهي عنه (١). (قال: فكلَّ) بالنصب في اللام (إخوتك أعطى كما أعطاك؟ ) أبوك (قال: لا. قال: فاردده) استدل به بعض المالكية على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه كما تقدم، وفي معناه الأم، وإن كان تفضيل بعض الأولاد صحيح، فإن الهبة لو لم تصح لم يصح الرجوع، ولو كانت باطلة لم يحتج إلى ردود. ورواية مسلم: "فرد تلك الصدقة" (٢). [٣٥٤٤] (حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن حاجب) بالحاء المهملة والجيم (ابن المفضل بن المهلب) وثقه ابن معين (عن أبيه) [الفضل] (٣) بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وقد ولاه الحجاج خراسان بعد أخيه يزيد سنة خمس وثمانين، وافتتح باذغيس، وقسم الغنائم، وكان لا يدخر شيئًا في بيت المال (٥)، وحبسه الحجاج مع أخيه يزيد في فسطاط قريب منه، وطلب منه ستة ألف ألف وجعل يعذبهم فهربوا منه إلى الشام. (قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ : اعدلوا) في

стр. 9542

العطية (بين أولادكم) تمسك به من أوجب التسوية بين الأولاد في العطية، وبه صرح البخاري وهو قول طاوس والثوري وأحمد، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد: تصح، ويجب أن يرجع، واختلفوا في صفة التسوية: فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطي للذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأن ذلك حظهم من ذلك المال لو بقاه الواهب في يده حتى مات. وقال بعضهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالعدل والتسوية يشهد له، واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه: "سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء". أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه وإسناده حسن (١). وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن الأمر به، بأن الموهوب للنعمان كان جميع ماله ولذلك رده، وليست فيه حجة على منع التفضيل، حكاه ابن عبد البر عن مالك (٢). (اعدلوا بين أبنائكم) كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها لتفهم عنه. [٣٥٤٥] (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد سابور القشيري، روى له الجماعة سوى ابن ماجه (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي، أحد

стр. 9543

الأعلام، روى له الجماعة (حدثنا زهير، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم، التابعي. (عن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير) عمرة بنت رواحة (انحَل) بفتح الحاء، أي: أعط (ابني غلامك) فيه أن للأم كلامًا لمصلحة الولد (وأشهد لي رسول الله ﷺ ) فيه أن من قصد الإشهاد يحق له أن يختار للشهادة الأولى والأصلح (١) والأكمل. (فأتى) إلى (رسول الله ﷺ فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامًا، وقالت: أَشهد) بفتح الهمزة (رسول الله ﷺ ) لي، فيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتنطع في الأمور والمبالغة فيها؛ لأن عمرة لو رضيت بما وهبه له زوجها وأشهد عليه آحاد الناس لما أدى ذلك إلى رجوع الهبة، فلما اشتد حرصها في تثبيت ذلك أدى إلى بطلانه (فقال: أله إخوة؟ ) (٢) فيه استفصال الإمام كما تقدم (فقال: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ ) فيه المساواة بينهم للتآلف بين قلوبهم. (قال: لا. قال: فليس يصلح هذا) لأنه يوقع بين الإخوة (٣) الشحناء وقطيعة الرحم، وربما أدى إلى عقوق الوالدين (٤) (وإني لا أشهد إلا على حق) فيه دلالة على أن الشاهد يكون فقيهًا عالمًا بما كان حقًّا وصحيحًا فيكتبه وما كان غير صحيح لا يكتبه؛ لأن فيه تضييعًا للحقوق.

стр. 9544

قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (١): أن ﴿بِالْعَدْلِ﴾ متعلق بـ ﴿كَاتِبٌ﴾ صفة له، أي: كاتب مأمون على ما يكتب بالسوية والاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص. قال: وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيهًا عالمًا بالشروط حتى يجيء ما يكتبه معدلًا بالشرع، وهو أمر [للمتداينين] (٢) بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيهًا دينًا. * * *

стр. 9545

٥٠ - باب في عَطِيَّةِ المَرْأةِ بغَيْر إِذْنِ زَوْجِها ٣٥٤٦ - حدثنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ داوُدَ بْنِ أَبي هِنْدٍ وَحَبِيبٍ الُمعَلِّم، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا يَجُوزُ لاِمْرَأةٍ أَمْرٌ في مالِها إِذا مَلَكَ زَوْجُها عِصْمَتَها" (١). ٣٥٤٧ - حدثنا أَبُو كامِلٍ، حدثنا خالِدٌ -يَعْني: ابن الحارِثِ- حدثنا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ، أَنَّ أَباة أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِها" (٢). * * * باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها [٣٥٤٦] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند) دينار، أحد الأعلام الثقات (وحبيب) بالجر، أي: وعن حبيب (المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لا يجوز لامرأة أمرٌ) من أمورها [أي: في عطية، كما في الحديث الذي بعده، ويشبه أن يكون عدل عن العطية بالأمر لما بين] (٣) لفظ الأمر والمرأة من الجناس الذي هو من أنواع البلاغة والفصاحة. (في مالها إذا ملك زوجها عصمتها) أي: إلا بإذن زوجها كما سيأتي،

стр. 9546

سمي زوج المرأة عصمة؛ لأنه حفظ ووقاية لها من كل سوء ومكروه. [٣٥٤٧] (حدثنا أبو كامل، حدثنا خالد بن الحارث) الجهيمي (١) قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. (حدثنا حسين) المعلم (عن عمرو بن شعيب، أن أباه) شعيب بن محمد (أخبره) صرح فيه بالأخذ فيه عن أبيه فكان السند متصلًا. (عن عبد الله بن عمرو) (٢) [(أن رسول الله ﷺ قال] (٣): لا يجوز لامرأة عطيةٌ إلا بإذن زوجها) أخذ به طاوس، واستدل به على أنه لا يجوز هبة المرأة ولا عتقها إذا كان لها زوج إلا بإذنه مطلقًا، وعن مالك: لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث. وعن الليث: لا يجوز مطلقًا إلا في الشيء التافه. وحملا هذا الحديث على الشيء اليسير، وحدَّه مالك بالثلث فما دونه على اعتبار مذهبه في الثلث، لقوله ﷺ : "الثلث والثلث كثير" (٤). والجمهور على الجواز بغير إذنه، واستدلوا بحديث "الصحيح": "تصدقن"، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم (٥). وحملوا هذين الحديثين على ما إذا كانت سفيهة غير رشيدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٦). * * *

стр. 9547

٥١ - باب في العُمْرى ٣٥٤٨ - حدثنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسيُّ، حدثنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "العُمْرى جائِزَةٌ" (١). ٣٥٤٩ - حدثنا أَبُو الوَلِيدِ، حدثنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ مِثْلَهُ (٢). ٣٥٥٠ - حدثنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حدثنا أَبانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرٍ أَنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ كانَ يَقُول: "العُمْرى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ" (٣). ٣٥٥١ - حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ الحَرّانيُّ، حدثنا مُحَمَّد بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَني الأَوْزاعيُّ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ جابِرٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أُعْمِرَ عُمْرى فَهيَ لَهُ وَلعَقِبِهِ يَرِثُها مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقِبِهِ" (٤). ٣٥٥٢ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَواريِّ، حدثنا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزاعيِّ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ وَعُرْوَةَ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ بِمَعْناهُ (٥). قالَ أَبُو داوُدَ: وَهَكَذا رَواهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْريِّ, عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرٍ. * * * باب في العمرى [٣٥٤٨] (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس) بن مالك. (عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن

стр. 9548

النبي ﷺ قال: العُمْرى) بضم العين وسكون الميم مع القصر، وحُكي ضم الميم مع ضم أوله، وحُكي فتح أوله مع السكون، مشتقة من العمر وهو الحياة، سمي بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الدار ويقول له أعمرتك إياها. أي: أبحتها لك مدة عمرك وحياتك، فقيل لها: عمرى لذلك (جائزةٌ) ذهب الجمهور إلى صحة العمرى، إلا ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس والماوردي عن داود وطائفة (١)، لكن ابن حزم قال بصحتها وهو من أكابر الظاهرية (٢). [٣٥٤٩] (حدثنا أبو الوليد) الطيالسي (حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ مثله). [٣٥٥٠] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر ﵁: أن نبي الله ﷺ كان يقول: العمرى) إذا اتصل بها القبض الصحيح (لمن وُهِبت له) فيملك رقبتها، وإذا صارت له هبة فهي له حياته ولورثته من بعده. وقال مالك: إنما هي تمليك المنفعة دون الرقبة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المعمر (٣). [٣٥٥١] (حدثنا مؤمل بن الفضل الحَرَّاني) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، ثقة (حدثنا محمد بن شعيب) بن شابور (٤) الدمشقي، قال أبو داود: هو في الأوزاعي ثبت، قال: (أخبرني الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: من أُعْمِرَ) مبني

стр. 9549

للمفعول (عمرى) من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ (١) قال البخاري: جعلكم عمارًا (٢). وهو تفسير أبي عبيدة في "المجاز" (٣)، وعليه يعتمد البخاري كثيرًا، وقيل: معناه أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها (فهي له) مذهب الشافعي في الجديد أنه إذا قال: أعمرتك هذِه الدار، أنه يملكها ولا ترجع إلى الواهب. وقال في القديم: العقد باطل؛ لأنه يملك عين قدر مدة فأشبه ما إذا قال سنة (وَلِعَقِبِهِ) بكسر القاف وسكونها للتخفيف أصله أنه كلما رفع عمرو [قدما] (٤) وضع زيد قدمه، ثم كثر حتى قيل: جاء عقبة، ثم كثر حتى استعمل بمعنى المتابعة (٥) (يرثها من يرثها (٦) من عقبه) أي من ورثته الذين يأتون بعده. [٣٥٥٢] (حدثنا أحمد بن أبي الحواري) بفتح الحاء المهملة والراء واسمه عبد الله بن ميمون، زاهد دمشق. (حدثنا الوليد) بن مزيد العذري، ثقة (عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (وعروة، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ ، بمعناه، وهكذا رواه الليث بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁). * * *

стр. 9550

٥٢ - باب مَنْ قال فِيهِ: وَلعَقِبِهِ ٣٥٥٣ - حدثنا مُحَمَّد بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ وَمحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالا: حدثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا مالِكٌ -يَعْني: ابن أَنَسٍ- عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَيُّما رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّها لِلَّذي يُعْطاها لا تَرْجِعُ إِلَى الذي أَعْطاها لأَنَّهُ أَعْطَى عَطاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوارِيثُ" (١). ٣٥٥٤ - حدثنا حَجّاجُ بْن أَبي يَعْقُوبَ، حدثنا يَعْقُوبُ، حدثنا أَبي، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابن شِهابٍ بإِسْنادِهِ وَمَعْناهُ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَكَذَلِكَ رَواهُ عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبي حَبِيبٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، واخْتُلِفَ عَلَى الأَوْزاعيِّ في لَفْظِهِ عَنِ ابن شِهابٍ، وَرَواهُ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ مِثْلَ حَدِيثِ مالِكٍ (٢). ٣٥٥٥ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: إِنَّما العُمْرى التي أَجازَها رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقولَ: هيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ. فَأَمّا إِذا قال: هيَ لَكَ ما عِشْتَ. فَإنَّها تَرْجِعُ إِلَى صاحِبِها (٣). ٣٥٥٦ - حدثنا إِسْحاقُ بْن إِسْماعِيلَ، حدثنا سُفْيانُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لا تُرْقِبُوا وَلا تُعْمِرُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعُمِرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ" (٤).

стр. 9551

٣٥٥٧ - حدثنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا مُعاوِيَةُ بْن هِشامٍ، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ حَبِيبٍ -يَعْني: ابن أَبي ثابِتٍ- عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ طارِقٍ الَمكيِّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصارِ أَعْطاها ابنها حَدِيقَةً مِنْ نَخْلٍ فَماتَتْ فَقالَ ابنها: إِنَّما أَعْطَيْتُها حَياتَها. وَلَهُ إِخْوَةٌ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هيَ لَها حَياتَها وَمَوْتَها". قالَ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ بِها عَلَيْها. قالَ: "ذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ" (١). * * * باب من قال فيه: ولعقبه [٣٥٥٣] (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد (بن فارس) الذهلي، روى له البخاري في مواضع، لكن يبهمه (ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا (٢) بشر بن عمر) الزهراني بفتح الزاي وبعد الألف نون، البصري، ثقة (حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁). (أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل أُعمِرَ) بضم (٣) الهمزة وفتح الراء مبني للمفعول (عمرى له ولعقبه) وهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه من بعده (فإنها للذي يُعطاها) بضم أوله (لا ترجع إلى الذي أعطاها) حيًّا ولا ميتًا (لأنه أعطى عطاءً) هذا ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من

стр. 9552

قول أبي سلمة بن عبد الرحمن كما قد رواه معمر أن الزهري كان يفتي به، ولم يذكر التعليل وبين من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري أن التعليل قول أبي سلمة وأنه ذكر الحديث المذكور، ولما فرغ أبو سلمة قال: لأنه أعطى عطاء (١). (وقعت فيه المواريث) يعني أنه لما جعلها للعقب، والغالب أن العقب لا ينقطع، وكانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورثهم، ويشتركون في الانتفاع بها فأشبهت المواريث وأطلق حكم المواريث عليها، وعلى هذا فيكون كلام أبي سلمة مندرج في آخر الحديث (٢). [٣٥٥٤] (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم [ابن سعد]) (٣) حجة ورع (عن أبيه) إبراهيم بن سعد الزهري قاضي المدينة (عن صالح) بن كيسان (عن ابن شهاب بإسناده ومعناه) المذكور. (وكذلك رواه عُقيل) بضم العين بالتصغير، ابن خالد مولى عثمان بن عفان، روى له الجماعة (ويزيد بن أبي حبيب وكذلك رواه عقيل عن ابن شهاب على هذا اللفظ على قول أهل المدينة) قال: ويزيد لم يسمع من الزهري، إنما كتب إليه (واختلف على الأوزاعي) في لفظه في روايته ([عن ابن شهاب] (٤) ورواه فليح بن سليمان) العدوي (مثل حديث مالك) المتقدم.

стр. 9553

[٣٥٥٥] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن. (عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ ) أي أمضى جوازها وألزمه دائمًا. (أن يقول: هي لك ولعقبك) من بعدك، كما تقدم. (فأما إذا قال: هي لك ما عشت) وكذا إذا قال: أعمرتكها حياتك. ولم يسترد بل أطلق (فإنها) جائزة، وتكون للمعمر مدة حياته، فإذا مات (ترجع إلى صاحبها) المعمر عملًا بموجب (١) لفظه، وهذا هو القول القديم للشافعي، وتكون العمرى على هذا عارية مؤقتة، ورجحه جماعة من الشافعية عملًا بالحديث، والصحيح في مذهب الشافعي وهو الجديد أنها عطية صحيحة تكون للمعمر في حياته ولورثته من بعده، كما إذا أطلق العمرى ولم يقل: ما عشت. ويكون قوله: ما عشت. شرط فاسد؛ لأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل إلى الورثة من بعده، فلم يكن قوله: ما عشت. أو: في حياتك. منافيًا لحكم الأملاك (٢). [٣٥٥٦] (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني، ثقة (حدثنا سفيان) ابن عيينة (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج، عن عطاء، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تُرقِبوا) بضم أوله وكسر ثالثه، من أرقبت زيدًا الدار إرقابًا، والاسم الرقبى وهي من المراقبة؛ لأن كل واحد يرقب

стр. 9554

موت صاحبه لتبقى عليه (١) (ولا تُعمروا) بضم أوله وكسر ثالثه من أعمرته الدار بالألف جعلت له سكناها عمره. (فمن أرقب شيئًا أو أعمره فهو (٢) لورثته) قال القرطبي (٣): لا يصح حمل هذا على التحريم؛ لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز، وقيل: إن النهي يتوجه إلى اللفظ الجاهلي؛ لأن الجاهلية كانت تستعملها ويدل على النهي ليس للتحريم أنها من أبواب البر والمعروف والرفق، فلا يمنع منه، وقول ابن عباس: لا تحل العمرى ولا الرقبى. [محمول على ذلك] (٤). [٣٥٥٧] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت) الأسدي مفتيًا مجتهدًا، روى له الجماعة (عن حميد الأعرج، عن طارق) بن عمرو الأموي (المكي) قاضي مكة، مولى عثمان بن عفان. (عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ في امرأة من الأنصار أعطاها ابنها حديقة) الحديقة البستان يكون عليه الحائط، فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها أي أحاط، ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط من نخل (٥).

стр. 9555

(من نخل) هذا الحديث رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح عن جابر أيضًا، ولفظه: أن رجلًا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخيل حياتها (١). (فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها) في (حياتها وله إخوة) فجاء إخوته، أي: إلى أخيهم فقالوا: نحن فيها سواء فأبى أخوهم، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ (فقال رسول الله ﷺ : هي لها حياتها وموتها) أي: ينتفع بها في حياتها ثم ينتقل نفعها إلى عقبها بعد موتها؛ لأن انتفاع عقبها بعد موتها كانتفاعها، رواية أحمد المذكورة: فقسمه رسول الله ﷺ بينهم ميراثًا (٢). انتهى. وهذا يدل على أن حكم العمرى حكم الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين. (قال): إنما (كنت تصدقت بها عليها. قال: ذلك) أي لفظ الصدقة (أبعد لك) في انتقالها إليها حياتها وبعد موتها لورثتها؛ لأن الصدقة أقوى في الخروج عن الملك مع القبض من العمرى، فإنها تنتقل بلا خلاف، والعمرى فيها خلاف هل تنتقل العين أو المنفعة؟ * * *

стр. 9556

٥٣ - باب في الرُّقْبَى ٣٥٥٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا داوُدُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قال: قال رَسُولُ ﷺ : "العُمْرى جائِزَةٌ لأَهْلِها والرُّقْبَى جائِزَةٌ لأَهْلِها" (١). ٣٥٥٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ قال: قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنْ حُجْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لِمُعْمَرِهِ مَحْياهُ وَمَماتَهُ وَلا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيئًا فَهُوَ سَبِيلُهُ" (٢). ٣٥٦٠ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُثْمانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ مُجاهِدٍ قال: العُمْرى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هُوَ لَكَ ما عِشْتَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلوَرَثَتِهِ، والرُّقْبَى هُوَ أَنْ يَقُولَ الإِنْسانُ: هُوَ لِلآخِرِ مِنّي وَمِنْكَ (٣). * * * باب في الرقبى [٣٥٥٨] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أنبأنا داود) بن أبي هند (عن أبي الزبير) محمد بن مسلم (عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : العمرى جائزة لأهلها) روى النسائي أن قتادة راوي الحديث في الرواية الأولى فهم في هذا الحديث الإطلاق، وحكى أن سليمان بن هشام

стр. 9557

ابن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذِه المسألة فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنها جائزة. فقال الزهري: إنما العمرى يعني الجائزة إذا أعمر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل لعقبه من بعده كان للذي يجعل بشرطه. قال قتادة: واحتج الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان (١). (والرقبى جائزة لأهلها) وهي أن تقول: أرقبتك هذِه الدار وجعلتها لك رقبى، ومعناه: وهبتها لك، وكل واحد منا يرقب صاحبه فإن مت قبلي عادت إلى، وإن مت قبلك فهي لك. [٣٥٥٩] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: قرأت على معقل) بن عبد (٢) الله الجزري، روى له مسلم (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حُجْر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بن قيس المدري (٣) (عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أعمر شيئًا فهو لمُعْمَرِهِ) بضم الميم الأولى وفتح الثانية، اسم مفعول من أعمر (مَحياه ومَمَاته) بفتح الميمين، أي: حياته وموته كما في الرواية التي قبله: "حياتها وموتها". وفي رواية الطبراني في "الأوسط" (٤): "لا تعمروا ولا ترقبوا، فإن فعلتم فهو للمعمر والمرقب". وروى النسائي عن ابن عمر مرفوعًا: "لا عمرى ولا رقبى، فمن

стр. 9558

أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته"، رجاله ثقات (١)، لكن اختلف في سماع حبيب بن أبي ثابت من ابن عمر، وصرح به النسائي من طريق آخر (٢). قال الماوردي: اختلف إلى ما توجه النهي؟ فالأظهر أنه يتوجه للحكم، وقيل: يتوجه إلى اللفظ الجاهلي والحكم المنسوخ، وقيل: النهي إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه هذا إذا حمل النهي على التحريم، فإن حُمِل على الكراهة أو الإرشاد لم يحتج إلى ذلك، والقرينة الصارفة ما ذكر في الحديث من قوله: "العمرى جائزة" (٣). (ولا تُرقِبوا) بضم أوله وكسر ثالثه كما تقدم (فمن أرقب شيئًا فهو سبيلُهُ) (٤) مبتدأ وخبر، والجملة اسمية في موضع خبر (٥) المبتدأ الذي هو اسم شرط في قوله: "فمن". وإذا وقعت الجملة خبر المبتدأ فلا بد لها من رابط وهو هنا هذا الضمير الذي في "سبيله". وأما معنى تسبيله: فهو طريقه وسببه (٦) الذي انقطع به عما أرقبه، وبه سمى الله تعالى ابن السبيل في آية الزكاة؛ لانقطاعه عن ماله. [٣٥٦٠] (حدثنا عبد الله بن الجراح) (٧) بن سعيد بن القهستاني أحد

стр. 9559

الحفاظ بنيسابور، وثقه النسائي (١) وغيره (٢) (عن [عبد] (٣) الله بن موسى، عن عثمان بن (٤) الأسود، عن مجاهد ﵁ قال: العمرى أن يقول الرجل للرجل: هو لك ما عشت) أو حياتك (فإذا قال ذلك فهو له) أي: صارت للمقول له في حياته (ولورثته) على حكم الإرث، للذكر مثل حظ الأنثيين، وعلى ترتيب الولد وولد الولد وإن سفل. (والرقبى أن يقول الإنسان) لغيره (هو لآخِر) بكسر الخاء (٥) (مَن بَقِيَ) بكسر القاف (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ (٧) (مني ومنك) يظهر هذا ما قال المزني: الرقبى أن تُجعل الدارُ لآخِرِهما موتًا، أي: يراقب كل منا الآخر فمن مات منا آخرًا فهي له. قال أصحابنا: وهذا الذي قاله المزني خطأ؛ لرواية ابن الزبير، أن النبي ﷺ قال: "من أرقب رقبى فهو بمنزلة العمرى يرثها من يرثه" (٨) أي: يرثها من له العمرى حياته، فإذا مات ورثها بعده من يرثه (٩). * * *

стр. 9560

٥٤ - باب في تضْمِينِ العارِيَّةِ ٣٥٦١ - حدثنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حدثنا يَحْيَى، عَنِ ابن أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "عَلَى اليَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدّيَ". ثُمَّ إِنَّ الحَسَنَ نَسيَ فَقال: هُوَ أَمِينُكَ لا ضَمانَ عَلَيْهِ (١). ٣٥٦٢ - حدثنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَلَمَةُ بْن شَبِيبٍ قالا: حدثنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، حدثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعارَ مِنْه أَدْراعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقال: أَغَصْبٌ يا مُحَمَّدُ؟ فَقالَ: "لا بَلْ عارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" (٢). قالَ أَبُو داوُدَ: وهذِه رِوايَةُ يَزِيدَ بِبَغْدادَ، وَفي رِوايَتِهِ بِواسِطَ تَغَيُّرٌ عَلَى غَيْرِ هذا. ٣٥٦٣ - حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أُناسٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "يا صَفْوانُ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلاحٍ". قال: عارِيَّةً أَمْ غَصْبًا؟ قالَ: "لا بَلْ عارِيَّةً". فَأَعارَهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إِلَى الأَرْبَعِينَ دِرْعًا، وَغَزا رَسُولُ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمّا هُزِمَ المُشْرِكونَ جُمِعَتْ دُرُوعُ صَفْوانَ فَفَقَدَ مِنْها أَدْراعًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِصَفْوانَ: "إِنّا قَدْ فَقَدْنا مِنْ أَدْراعِكَ أَدْراعًا فَهَلْ نَغْرَمُ لَكَ؟ ". قال: لا يا رَسُولَ اللهِ لأَنَّ في قَلْبي اليَوْمَ ما لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ (٣).
следующие страницы →