← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

٥٣ - باب في الرُّقْبَى ٣٥٥٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا داوُدُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قال: قال رَسُولُ ﷺ : "العُمْرى جائِزَةٌ لأَهْلِها والرُّقْبَى جائِزَةٌ لأَهْلِها" (١). ٣٥٥٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ قال: قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنْ حُجْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لِمُعْمَرِهِ مَحْياهُ وَمَماتَهُ وَلا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيئًا فَهُوَ سَبِيلُهُ" (٢). ٣٥٦٠ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُثْمانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ مُجاهِدٍ قال: العُمْرى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هُوَ لَكَ ما عِشْتَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلوَرَثَتِهِ، والرُّقْبَى هُوَ أَنْ يَقُولَ الإِنْسانُ: هُوَ لِلآخِرِ مِنّي وَمِنْكَ (٣). * * * باب في الرقبى [٣٥٥٨] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أنبأنا داود) بن أبي هند (عن أبي الزبير) محمد بن مسلم (عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : العمرى جائزة لأهلها) روى النسائي أن قتادة راوي الحديث في الرواية الأولى فهم في هذا الحديث الإطلاق، وحكى أن سليمان بن هشام

стр. 9557

ابن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذِه المسألة فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنها جائزة. فقال الزهري: إنما العمرى يعني الجائزة إذا أعمر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل لعقبه من بعده كان للذي يجعل بشرطه. قال قتادة: واحتج الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان (١). (والرقبى جائزة لأهلها) وهي أن تقول: أرقبتك هذِه الدار وجعلتها لك رقبى، ومعناه: وهبتها لك، وكل واحد منا يرقب صاحبه فإن مت قبلي عادت إلى، وإن مت قبلك فهي لك. [٣٥٥٩] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: قرأت على معقل) بن عبد (٢) الله الجزري، روى له مسلم (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حُجْر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بن قيس المدري (٣) (عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أعمر شيئًا فهو لمُعْمَرِهِ) بضم الميم الأولى وفتح الثانية، اسم مفعول من أعمر (مَحياه ومَمَاته) بفتح الميمين، أي: حياته وموته كما في الرواية التي قبله: "حياتها وموتها". وفي رواية الطبراني في "الأوسط" (٤): "لا تعمروا ولا ترقبوا، فإن فعلتم فهو للمعمر والمرقب". وروى النسائي عن ابن عمر مرفوعًا: "لا عمرى ولا رقبى، فمن

стр. 9558

أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته"، رجاله ثقات (١)، لكن اختلف في سماع حبيب بن أبي ثابت من ابن عمر، وصرح به النسائي من طريق آخر (٢). قال الماوردي: اختلف إلى ما توجه النهي؟ فالأظهر أنه يتوجه للحكم، وقيل: يتوجه إلى اللفظ الجاهلي والحكم المنسوخ، وقيل: النهي إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه هذا إذا حمل النهي على التحريم، فإن حُمِل على الكراهة أو الإرشاد لم يحتج إلى ذلك، والقرينة الصارفة ما ذكر في الحديث من قوله: "العمرى جائزة" (٣). (ولا تُرقِبوا) بضم أوله وكسر ثالثه كما تقدم (فمن أرقب شيئًا فهو سبيلُهُ) (٤) مبتدأ وخبر، والجملة اسمية في موضع خبر (٥) المبتدأ الذي هو اسم شرط في قوله: "فمن". وإذا وقعت الجملة خبر المبتدأ فلا بد لها من رابط وهو هنا هذا الضمير الذي في "سبيله". وأما معنى تسبيله: فهو طريقه وسببه (٦) الذي انقطع به عما أرقبه، وبه سمى الله تعالى ابن السبيل في آية الزكاة؛ لانقطاعه عن ماله. [٣٥٦٠] (حدثنا عبد الله بن الجراح) (٧) بن سعيد بن القهستاني أحد

стр. 9559

الحفاظ بنيسابور، وثقه النسائي (١) وغيره (٢) (عن [عبد] (٣) الله بن موسى، عن عثمان بن (٤) الأسود، عن مجاهد ﵁ قال: العمرى أن يقول الرجل للرجل: هو لك ما عشت) أو حياتك (فإذا قال ذلك فهو له) أي: صارت للمقول له في حياته (ولورثته) على حكم الإرث، للذكر مثل حظ الأنثيين، وعلى ترتيب الولد وولد الولد وإن سفل. (والرقبى أن يقول الإنسان) لغيره (هو لآخِر) بكسر الخاء (٥) (مَن بَقِيَ) بكسر القاف (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ (٧) (مني ومنك) يظهر هذا ما قال المزني: الرقبى أن تُجعل الدارُ لآخِرِهما موتًا، أي: يراقب كل منا الآخر فمن مات منا آخرًا فهي له. قال أصحابنا: وهذا الذي قاله المزني خطأ؛ لرواية ابن الزبير، أن النبي ﷺ قال: "من أرقب رقبى فهو بمنزلة العمرى يرثها من يرثه" (٨) أي: يرثها من له العمرى حياته، فإذا مات ورثها بعده من يرثه (٩). * * *

стр. 9560

٥٤ - باب في تضْمِينِ العارِيَّةِ ٣٥٦١ - حدثنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حدثنا يَحْيَى، عَنِ ابن أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "عَلَى اليَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدّيَ". ثُمَّ إِنَّ الحَسَنَ نَسيَ فَقال: هُوَ أَمِينُكَ لا ضَمانَ عَلَيْهِ (١). ٣٥٦٢ - حدثنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَلَمَةُ بْن شَبِيبٍ قالا: حدثنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، حدثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعارَ مِنْه أَدْراعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقال: أَغَصْبٌ يا مُحَمَّدُ؟ فَقالَ: "لا بَلْ عارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" (٢). قالَ أَبُو داوُدَ: وهذِه رِوايَةُ يَزِيدَ بِبَغْدادَ، وَفي رِوايَتِهِ بِواسِطَ تَغَيُّرٌ عَلَى غَيْرِ هذا. ٣٥٦٣ - حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أُناسٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "يا صَفْوانُ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلاحٍ". قال: عارِيَّةً أَمْ غَصْبًا؟ قالَ: "لا بَلْ عارِيَّةً". فَأَعارَهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إِلَى الأَرْبَعِينَ دِرْعًا، وَغَزا رَسُولُ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمّا هُزِمَ المُشْرِكونَ جُمِعَتْ دُرُوعُ صَفْوانَ فَفَقَدَ مِنْها أَدْراعًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِصَفْوانَ: "إِنّا قَدْ فَقَدْنا مِنْ أَدْراعِكَ أَدْراعًا فَهَلْ نَغْرَمُ لَكَ؟ ". قال: لا يا رَسُولَ اللهِ لأَنَّ في قَلْبي اليَوْمَ ما لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ (٣).

стр. 9561

قالَ أَبُو داوُدَ: وَكانَ أَعارَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثمَّ أَسْلَمَ. ٣٥٦٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا أَبُو الأَحْوَصِ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ ناسٍ مِنْ آلِ صَفْوانَ قال: اسْتَعارَ النَّبيُّ ﷺ ، فَذَكَرَ مَعْناهُ (١). ٣٥٦٥ - حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ بْن نَجْدَةَ الحَوْطيُّ، حدثنا ابن عَيّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبا أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ وَلا تُنْفِقُ الَمرْأَةَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِها إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِها". فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ وَلا الطَّعامَ؟ قالَ: "ذاكَ أَفْضلُ أَمْوالِنا". ثُمَّ قالَ: "العارِيَةُ مُؤَدّاةٌ والمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ والدَّيْنُ مَقْضيٌّ والزَّعِيمُ غارِمٌ" (٢). ٣٥٦٦ - حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ المُسْتَمِرِّ العُصْفُريُّ، حدثنا حَبّانُ بْن هِلالٍ، حدثنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ طَاءِ بْنِ أَبي رَباحٍ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قال: قال لي رَسُول اللهِ ﷺ : "إِذا أَتَتْكَ رُسُلي فَأَعْطِهِمْ ثَلاثِينَ دِرْعًا وَثَلاثِينَ بَعِيرًا". قال: فَقلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَعارِيَةً مَضْمُونَةً أَوْ عارِيَةً مُؤَدّاةً؟ قالَ: "بَلْ مُؤَدّاةً" (٣). قالَ أَبُو داوُدَ: حَبّان خالُ هِلالِ الرَّأي. * * * باب في تضمين العارية [٣٥٦١] (حدثنا مسدد بن مسرهد) وأنشد في نسبه يوسف بن محمد السرمدي:

стр. 9562

ومن العجائب في أسامي ناقلي الـ ... أخبار والآثار للمتأمل كمسدد بن مسرهد بن مسربل بـ ... ـن مغربل بن مزعبل بن مدندل ابن سرندل بن عرندل لو ... تأملوا فيها لظنت رقية للدمل (حدثنا يحيى) القطان (عن) سعيد (بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ : على اليد ما أخذت) أي: واجب على من أخذ بغصب أو عارية أو وديعة أو إجارة (حتى تؤدي) أو يؤدي ما أخذته، ورواية ابن ماجه (١) والحاكم (٢): "حتى تؤديه" أي: ترده إلى مالكه. وفي الوديعة إن لم يعين مدة لا يلزمه الرد إلا إذا طلبه مالكه، وإن عين مدة أو كانت إجارة رد (٣) إذا انقضت المدة، إن كانت العين باقية، فإن تلف في يده لزمه بدله؛ لأنه لما تعذر رد العين وجب عليه رد ما يقوم مقامها في المالية، فإن كان المغصوب جارية وباعها الغاصب فللمالك مطالبة أيهما شاء بردها لعموم الحديث، وإن كان المشتري وطئها لزمه المهر وعليه أرش البكارة ونقص الولادة، وعلى هذا فتقدير الحديث: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (٤) كما

стр. 9563

أخذته من غير نقص ولا تغير، لكن الحسن مختلف في سماعه من سمرة وفيه ثلاثة مذاهب: أحدهما: أنه سمع منه مطلقًا، وهو مذهب علي ابن المديني والبخاري والترمذي. والثاني: لا مطلقًا، وهو مذهب يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وابن حبان. والثالث: قالوا: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وهو مذهب النسائي، واختاره ابن عساكر، وادعى عبد الحق أن هذا هو الصحيح (١). زاد الترمذي (٢): قال قتادة: (ثم إن الحسن نسي فقال) في روايته: (هو) يعني الآخذ (أمينُك) أي يده على ما أخذه يد أمانة (لا ضمان عليه) وقد اختلفوا فيما إذا ظن الشيخ الحكم على خلاف ما رواه تلميذه، والتلميذ جازم بما رواه عنه وهو عدل على وجهين: أحدهما: وحكاه ابن كج عن بعض الأصحاب: لا يقبل؛ لأن (٣) راوي الأصل كشاهد الأصل إذا أنكر شاهده الفرع لم تقبل شهادته، فكذلك هنا. وأصحهما: القبول، لجواز أنه رواه ثم نسيه، وقد وقع ذلك لكثير من الأئمة، وصنف فيه الدارقطني والخطيب، وتفارق الرواية الشهادة؛

стр. 9564

لأن الشهادة لها مزيد تأكيد واحتياط، ولهذا ردوا خبر الولي في النكاح؛ لأن راويه الزهري قال: لا أذكره. [٣٥٦٢] (حدثنا الحسن بن محمد وسلمة بن شبيب قالا: حدثنا يزيد بن هارون) السلمي أحد الأعلام روى له الجماعة (قال: أنبأنا شريك) بن عبد الله النخعي. قال أبو توبة: كنا بالرملة فقالوا: من رجل الأمة؟ فسألنا عيسى بن يونس، وكان قد قدم علينا، فقال: رجل الأمة: شريك بن عبد الله. وكان يومئذٍ حيًّا. قيل: فابن (١) لهيعة؟ قال: رجل سمع من أهل الحجاز. قيل: فمالك بن أنس؟ قال: شيخ أهل مصر (٢). استشهد به البخاري في "الجامع"، وروى له في "رفع اليدين في الصلاة" (٣) وغيره، وروى له مسلم في المتابعات (٤). (عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه) صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، أحد أشراف قريش في الجاهلية، وأفصح قريش لسانًا، هرب يوم الفتح فاستأمن له عمير بن وهب رسول الله ﷺ فأمنه وأعطاهما رداءه وبرده أمانًا (أن رسول الله ﷺ استعار منه) فيه جواز استعارة المسلم من الكافر؛ فإن العارية تصح ممن يصح تبرعه، والكافر يصح تبرعه (أدرعًا) (٥) أدرع وأدراع ودروع،

стр. 9565

جمع دِرع بكسر الدال المهملة. قال ابن الأثير: الأدراع جمع درع وهو الزَّرَدِيَّة (١)، وقد استعمل الأدراع في هذا الحديث للكثرة، وإن كان جمع قلة اتساعًا (٢). فإن الدروع سيأتي أنها ما بين الثلاثين إلى الأربعين وما زاد على العشرة فهو جمع قلة، والعرب تتسع في الكلام فيستعملون القلة موضع الكثرة، والكثرة موضع القلة، لاشتراكهما في الجمعية. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣) فقال: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ جمع قلة وما هي إلا نفوس كثيرة، وقال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ جمع كثرة، وما هي إلا أقراء ثلاثة وهي قلة (يوم حنين) وهي وادٍ بينه وبين مكة ثلاثة ليال، وقال البكري (٤): وادٍ قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وكان صفوان خرج مع النبي ﷺ مع ناس من المشركين. (فقال: أغصبٌ [يا محمد؟ ]) (٥) غصبٌ: مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أغصبٌ تأخذه. وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه اعتمد على الاستفهام الذي قبله، وروي: (أغصبًا) (٦) بالنصب، أي: أتأخذ

стр. 9566

غصبًا؟ وإنما قال ذلك لأنه ظن أن رسول الله ﷺ يأخذ أدراعه على أن لا يردها إليه، وفي بعض النسخ: "أغصبًا" بالنصب مصدر لفعل محذوف، تقديره: أتغصبها مني غصبًا (فقال: لا، بل هي عارية مضمونة) إن ( ... ) (١) عليك وإن تلفت أعطيتك قيمتها، والعارية يجب ردها إجماعًا مهما كانت عينها باقية، فإن تلفت وجب ضمان قيمتها عند الشافعي، ولا ضمان فيها عند أبي حنيفة (٢). (وهذِه رواية يزيد ببغداد. وفي روايته بواسط تغيرٌ على غير هذا) تغيير على غير هذا اللفظ وإن كان بمعناه. وأخرج هذا الحديث أحمد والنسائي والحاكم وأورد له شاهدًا من حديث ابن عباس ولفظه: "بل هي عارية مؤداة" (٣). وزاد (٤) أحمد والنسائي: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (٥). [٣٥٦٣] (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عن عبد العزيز بن رفيع) (٦) روى له الجماعة (عن أُنَاسٍ) بضم الهمزة وتخفيف النون (من آل عبد الله بن صفوان) ﵁، أن رسول الله ﷺ (قال: يا صفوان، هل عندك من سلاح؟ قال: عاريةً) بالنصب منصوب

стр. 9567

بفعل محذوف، أي: تستعير عارية (أم) تغصب مني (غصبًا؟ ) كما تقدم معناه (قال: لا، بل) آخذها (عارية) مضمونة. (فأعاره) يقال: أعرته الشيء إعارة مثل أطعته إطاعة وطاعة وأجبته إجا بة وجا بة (ما بين الثلاثين إلى الأربعين) أدراعًا (درعًا) وروى البيهقي من حديث جعفر بن محمد، عن أمية بن صفوان مرسلًا، وبين أن الأدراع كانت ثمانين (١). ورواه الحاكم (٢) من حديث جابر وقال: أنها مائة درع وما يصلحها. أي: من عدتها. وحكى العلامة قطب الدين (٣) في كتابه "المورد العذب الهني في الكلام على السيرة للحافظ عبد الغني" أنها كانت أربعمائة درع.

стр. 9568

(وغزا رسول الله ﷺ حنينًا) خرج إليها لست ليالٍ خلون من شوال سنة ثمان يوم السبت من مكة، وقيل غير ذلك. (فلما) استقبلنا وادي حنين انحدرنا في [واد أجوف] (١) انحدرنا انحدارًا في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانكشف جبل بني سليم موليه وتبعهم أهل مكة ثم تبعهم الناس منهزمين، فقال النبي ﷺ لبغلته: "ألبدي". فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم فقذف الله الرعب في قلوبهم (٢). و(هُزِمَ المشركونَ) لا يلوي أحد منهم على الآخر، و (جمعت دروع صفوان) بن أمية (ففقد) بفتح الفاء والقاف (منها أدرعًا، (٣) فقال النبي ﷺ [لصفوان] (٤): إنا قد فقدنا من أدراعك أدرعًا فهل نغرم لك) قيمتها؟ فيه دليل على أن من استعار عينًا فتلفت لا باستعماله أن عليه ضمنها وإن لم يفرط؛ لأنه مال يجب رده، فتجب قيمته عند التلف كالمستام، وفيه حجة لمذهب أبي حنيفة: أن المستعير لا يضمن إلا بالتعدي. (قال: لا يا رسول الله) فيه دليل على أنها لما فقدت كان قد أسلم؛ لأنه شهد له في خطابه بأنه رسول الله، بخلاف وقت الاستعارة فإنه قال: أغصبًا يا محمد؟ (لأن في قلبي اليوم) يعني من الإيمان بالله وملائكته ورسله (ما

стр. 9569

لم يكن يومئذٍ) التنوين في (يومئذٍ) عوضٌ عن جملةٍ تقديرها: ما لم يكن يوم (١) استعرت مني الأدراع. ([قال: وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم]) (٢). [٣٥٦٤] (حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي قال (حدثنا عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، عن ناس من آل صفوان ﵁ قال: استعار النبي ﷺ ) أدرعًا (فذكر معناه) أي: معنى ما تقدم. فيه دلالة على صحة عارية آلة الجهاد وإن خيف عليها التلف، ولا يلتفت إلى اعتبار أن يقتل المستعير وهي عليه فيبقى ضمانها في ذمته. [٣٥٦٥] (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) بفتح النون وإسكان الجيم (الحوطي) بفتح الحاء المهملة وإسكان الواو وكسر [الظاء المعجمة] (٣)، وثقه يعقوب بن (٤) شيبة (٥) (حدثنا) إسماعيل (بن عياش) بالمثناة والمعجمة، العنسي، عالم أهل الشام، قال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منه (٦) (عن شُرَحبيل) بضم الشين وفتح الراء (بن مسلم) بن حامد الخولاني الدمشقي، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة من ثقات الشاميين. وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود فقال: سمعت أحمد

стр. 9570

يرضاه (١). (قال: سمعت أبا أمامة) صدي بن عجلان الباهلي ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه) إشارة إلى آية المواريث، وكانت الوصية للأقارب قبل نزول آية المواريث فرضا، فلما نزلت آية المواريث بطلت الوصية للأقربين، وأعطى الله كل ذي حق حقه، أي: بين نصيب كل وارث من الميراث. (فلا وصية) بعدها (لوارث) أي: لا تجوز (٢) له (٣) الوصية؛ لأن الله أعطاه حقه، واستدل به الشافعي في أحد قوليه على أن الوصية للوارث لا تصح فإن أجاز بقية الورثة ذلك كانت الإجازة هبة مبتدأة يعتبر فيها ما يعتبر في الهبة. والقول الثاني: أنها تصح لما روى الدارقطني من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" (٤). وأبو داود من مرسل عطاء الخراساني (٥). ووصله يونس بن راشد فقال: عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس (٦). والمعروف المرسل (٧). فدل

стр. 9571

هذا الحديث على أنهم إذا شاءوا كانت الوصية صحيحة، [ولأن الوصية صادفت ملكه] (١) وإنما يتعلق بها حق الورثة في ثاني الحال فلم يمنع صحتها، كبيع ما فيه شفعة، فعلى هذا إن أجاز الورثة نفذت الوصية (٢). وعلى الجملة فيكون الثلث في حق الوارث كالزائد على الثلث في حق الأجنبي. ([ولا تنفق] (٣) المرأة شيئًا من بيتها) أي: من مال زوجها (إلا بإذن زوجها) هذا من الأشياء الخطيرة التي لا تسمح الأنفس به غالبًا، أما ما تجري العادة بعطيته من البيوت فإن علمت طيب نفسه جاز وكان لها أجر، لما روى مسلم (٤) من حديث عائشة: "إذا أنفقت المرأة من طعام [بيتها] (٥) غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب". أما ما علمت أنه لا تطيب نفسه به، فلا يجوز، وروى أبو داود الطيالسي (٦) والبيهقي (٧) من حديث ابن عمر في حديث فيه: "ولا تعطي من بيته شيئًا إلا بإذنه فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر". (فقيل: يا رسول الله ولا الطعامَ؟ ) بالنصب، أي: ولا تنفق الطعام من بيته؟ (قال: ذلك أفضل أموالنا) المراد به -والله أعلم - البر

стр. 9572

أو التمر وأن كلًّا منهما (١) أفضل أموالهم، وإذا كان أفضل فالأولى ألا تنفق منه إلا بإذنه. ولأبي داود الطيالسي: "لا يحل لها أن تطعم من بيته إلا بإذنه إلا الرطب من الطعام" (٢). ولأبي داود من حديث سعد: فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرطب تأكلنه وتهدينه" (٣). (ثم قال: العاريَّة) مشددة الياء وروي تخفيفها، وقال لغة ثالثة عارة. قال الأزهري: مشتقة من عار الرجل إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: العيار (٤). قال الجوهري: كأنها من العار؛ لأن طلبها عار (٥). (مؤداة) أي يجب أداء عينها عند وجودها وأداء قيمتها عند تلفها كما تقدم (والمِنحة) بكسر الميم ما يمنح الرجل صاحبه من شاة يشرب درها مدة ثم يردها إذا انقطع اللبن [وهذا معنى قوله: (مردودة) أي: يجب ردها لصاحبها إذا انقطع لبنها] (٦)، وكذا الأرض يزرعها مدة، أو الشجرة يأكل ثمرتها وينتفع بها ثم يردها، ثم كثر استعمال هذِه اللفظة حتى أطلقت على كل عطاء، والاسم المنيحة. (والدين

стр. 9573

مَقْضِي) بفتح الميم وسكون القاف، وروي: "يُقْضَى" (١) بضم الياء وفتح الضاد، أي: يجب قضاؤه إذا أتى وقت أدائه. وقال بعضهم: لا يجب الأداء [إلا إذا] (٢) طلبه صاحبه، ولا يُعدُّ المدين (٣) قبل الطلب مماطلًا ولو كان قادرًا وإن كان الأولى الدفع قبل الطلب، ويدخل في عموم الحديث إن لم يقض في الدنيا يقض في الآخرة حين لا دينار ولا درهم، وإن كان له حسنات مقبولة أخذ منها وإلا أعطي من سيئاته. (والزعيم) من زعم يزعم، كالكفيل من كفل يكفل فهو كفيل وزنًا ومعنًى، فلو قال الضامن: أنا بالمال الذي على هذا، أو: على زيد، أو بإحضار هذا الشخص ضامن أو كفيل، أو زعيم، أو حميل من الحمالة - بالحاء المهملة -، أو قبيل، أو صبير صح الضمان، وهو بهذا اللفظ ضامن (غارم) لما على المديون، ثم إن كان ضمن المديون بإذنه في الضمان والأداء رجع وإلا فلا. قال الماوردي: الضمين والزعيم والكفيل والحميل والصبير (٤) بمعنىً واحد، غير أن العرف جارٍ بأن الضمين يستعمل في الأموال، والحميل في الديات، والكفيل في النفوس، والزعيم في الأمور

стр. 9574

العظام، والصبير في الجميع (١). واستدل بالحديث، وبقوله (٢) تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٣) على صحة ضمان المجهول لعموم الحديث، ولأن حمل البعير. [ ... ] حال [ ... ] (٤) في القوة والضعف، فإذا قال: أنا ضامن مالك على فلان أو ما تقوم به البينة أو ما يقر لك به، صح الضمان، وبه قال أبو حنيفة (٥). [٣٥٦٦] (حدثنا إبراهيم بن المستمر) بضم الميم وإسكان السين المهملة وفتح المثناة فوق، العروقي صدوق رواية (العصفري، حدثنا حَبَّان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة (بن هلال) الحافظ، روى له الجماعة (حدثنا همام، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى) روى له الجماعة سوى ابن ماجه (عن أبيه) يعلي بن أمية التميمي حليف قريش، وهو ابن منية شهد حنينًا. (قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا، وثلاثين بعيرًا) فيه دليل لما قاله المتولي من أصحابنا أن تعيين المستعار عند الإعارة ليس بشرط، فلو قال: أعرني دابةً، فقال: خذ من الإسطبل ما أردت. جاز (٦).

стр. 9575

وفيه دليل على ما قاله أصحابنا: أن للمعير أن يستنيب لمن يستوفي المنفعة له، كما لو استعار دابة ليركبها، فله أن يركبها وكيله في حاجته؛ لأن المنفعة تحصل له، فلو ركب الرسل في هذا الحديث الأبعرة جاز؛ لأنهم في حاجة رسول الله ﷺ ، ومقتضى ما قالوه: أنه لا يركب غيره متبرعًا. وقد صرحوا بأن شرط المعير ملكه المنفعة وإن لم يملك الرقبة؛ لأن الإعارة ترد على المنفعة فيصير مستأجرًا لأنه مالك المنفعة، ولا يعير مستعير على الأصح؛ لأنه لا يملك المنفعة (١). (قال: فقلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة) فيه ما تقدم (أو عارية مؤداة؟ قال: بل) عارية (مؤداة) وفي كلام الرافعي وكتب الفقه بلفظ: العالية مردودة. قال شيخنا ابن حجر: ولم أره في كتب المحدثين بهذا اللفظ (٢).

стр. 9576

٥٥ - باب فِيمنْ أَفْسَد شَيْئًا يَغْرَمُ مِثْلهُ ٣٥٦٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَحْيَى ح وَحَدَّثَنا مُحَمَّد بْن المُثَنَّى، حدثنا خالِدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خادِمِها بِقَصْعَةٍ فِيها طَعامٌ، قال: فَضَرَبَتْ بِيَدِها فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ - قالَ ابن المُثَنَّى - فَأَخَذَ النَّبيُّ ﷺ الكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْداهُما إِلَى الأُخْرى فَجَعَلَ يَجمَعُ فِيها الطَّعامَ وَيَقُول: "غارَتْ أُمُّكُمْ". زادَ ابن المُثَنَّى: "كُلُوا". فَأَكَلُوا حَتَّى جاءَتْ قَصْعَتُها التي في بَيْتِها. ثُمَّ رَجَعْنا إِلَى لَفْظِ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ وقالَ: "كُلُوا". وَحَبَسَ الرَّسُولَ والقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ في بَيْتِهِ (١). ٣٥٦٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَني فُلَيْتٌ العامِريُّ، عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دِجاجَةَ قالَتْ: قالَتْ عائِشَة ﵂: ما رَأَيْتُ صانِعًا طَعامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَعامًا فَبَعَثَتْ بِهِ فَأَخَذَني أَفْكَلٌ، فَكَسَرْتُ الإِناءَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما كَفّارَةُ ما صَنَعْتُ؟ قالَ: "إِناءٌ مِثْلُ إِناءٍ وَطَعامٌ مِثْلُ طَعامٍ" (٢). * * * باب فيمن أفسد شيئًا يضمن مثله وفي بعض النسخ: يغرم مثله. [٣٥٦٧] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) (٣) ابن سعيد.

стр. 9577

(ح، وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا خالد) بن الحارث الهجيمي، روى له الجماعة، تابعه ابن أبي عدي (عن حميد، عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه) في رواية الترمذي (١) عن أنس: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها .. الحديث. وأخرجه أحمد عن حميد بهذا السند وقال: أظنها عائشة (٢). قال الطيبي: إنما أبهمت؛ لأن النبي ﷺ كان يهدى إليه في بيتها. (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم) هكذا رواية البخاري (٣)، وفي بعض النسخ: مع خادمها قصعة (٤). قال ابن حجر: لم أقف على اسم الخادم، وأما المرسلة فهي زينب بنت جحش، ذكره ابن حزم في "المحلى" من طريق الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن حميد، سمعت أنسًا: أن زينب بنت جحش أهدت إلى النبي ﷺ وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس .. الحديث (٥). واستفدنا منه معرفة الطعام المذكور (٦). (بقَصعة) بفتح القاف والجمع قصع، مثل بذرة وبذر، وقصاع (٧) مثل

стр. 9578

كلبة وكلاب، وقصعات مثل سجدة وسجدات، وهي عربية وقيل معربة. (فيها طعام) تقدم من رواية ابن حزم أن الطعام حيس. (فضربت) عائشة (بيدها فكسرت القصعة) وفي "الأوسط" للطبراني (١) عن ثابت، عن أنس: أنهم كانوا عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة إذ أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، قال: فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعامًا عجلة، فلما فرغت جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها (٢). والصحفة: قصعة مبسوطة تكون من غير الخشب. وفي رواية ابن علية: فضربت التي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت (٣). والفلق بالسكون الشق (٤). (قال) محمد (ابن المثنى: فأخذ النبي ﷺ الكسرتين (الكِسرة: بكسر الكاف القطعة من الشيء المكسور، ومنه الكسرة من الخبز، والجمع كسر مثل سدرة وسدر (فضم إحداهما إلى الأخرى) وفي الحديث حسن خلقه ﷺ وكثرة حلمه. قال ابن العربي: وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام لما وقع منها من التعدي؛ لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها (٥)، فاقتصر على تغريمها القصعة، وإنما لم

стр. 9579

يغرمها الطعام؛ لأنه كان يهدى لهم، فإتلافه قبول أو في حكم القبول. (فجعل يجمع فيها الطعام (١) ويقول: غارت أمكم) اعتذارًا منه ﷺ لئلا يحمل صنعيها (٢) على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة؛ فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها (٣). (زاد ابن المثنى: كلوا) أمر إباحة (فأكلوا) فيه ما كانت الصحابة فيه من التواضع؛ فإن من المعلوم أن الطعام انصب على الأرض، وفيه بيان خلق رسول الله ﷺ ، كما روى ابن ماجه (٤) عن رجل من بني سواءة قال: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ . قالت: أوما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٥)؟ قالت: كان رسول الله ﷺ وأصحابه فصنعت له طعامًا وصنعت له حفصة طعامًا. قالت: فسبقتني حفصة، فقلت للجارية: انطلقي فألقي قصعتها، فلحقتها وقد همت أن تضع بين يدي رسول الله ﷺ فأكفأتها فانكسرت القصعة وانتثر الطعام، فجمعها رسول الله ﷺ وما فيها من [الطعام على] (٦) النطع فأكلوا، ثم بعث بقصعتي إلى حفصة وقال: "خذوا ظرفًا مكان ظرفكم وكلوا ما فيها". قالت: فما رأيت ذلك في وجه رسول الله ﷺ على التراب أو على حصير ونحوه، وأنه إذا جمع لابد أن يتصل به شيء مما على الأرض من تراب ونحوه، ومع ذلك فأكلوا، وقل في هذا الزمان من يأكل من الطعام إذا أنصب على الأرض.

стр. 9580

(حتى جاءت قصعتها التي في بيتها) رواية ابن علية: حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها. (ثم رجعنا إلى حديث مسدد، وقال: كلوا. وحبس الرسول) يعني الخادم (والقصعة حتى فرغوا) أي من أكلهم (فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول) رواية ابن علية: إلى التي كسرت صحفتها (وحبس المكسورة في بيته) رواية أحمد: وحبس الرسول والقصعة (١). رواية ابن علية: في بيت التي كسرت. يعني: القصعة. زاد الثوري: وقال: "إناء كإناء وطعام كطعام" (٢). قال ابن بطال (٣): احتج الشافعي والكوفيون فيمن استهلك عروضًا أو حيوانًا فعليه مثل ما استهلك، قالوا: ولا يقضى بالقيمة إلا [عند عدم] (٤) المثل، وذهب مالك إلى القيمة مطلقًا. وما أطلقه عن الشافعي فيه نظر، وإنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء، وأما القصعة فهي من المتقومات لاختلاف أجزائها. وأجاب البيهقي بأن القصعتين للنبي ﷺ في بيتي زوجتيه، ولم يكن هناك تضمين (٥). [٣٥٦٨] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني فُلَيتٌ)

стр. 9581

بضم الفاء وفتح اللام، مصغر، وهو أفلت، كذا ذكره "الكشاف" (١) (العامري) والده خليفة، صدوق. (عن جَسْرة) بفتح الجيم وإسكان السين المهملة (بنت دجاجة) بفتح الدال وبالجيمين، العامرية. (قالت عائشة ﵂: ما رأيت صانعًا) رواية النسائي (٢): صانعة (٣) (طعامًا مثل صفية) بنت حيي (صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا (٤) فبعثت به، فأخذني أَفْكل) بفتح الهمزة وإسكان الفاء ثم لام وزنه أفعل (٥) وهو منصرف، والمعنى: أخذتني رعدة. قال الجوهري (٦): أخذه أفكل إذا ارتعد من برد أو خوف أو غيره ولا ينبني منه فعل وهمزته زائدة، والمراد هنا أنها لما رأت حسن طعام ضرتها غارت وأخذتها مثل الرعدة (فكسرت الإناء) توضحه رواية النسائي: ما رأيت صانعة طعامًا مثل صفية، أهدت إلى رسول الله ﷺ إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته (٧). (فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام) فيه ما تقدم.

стр. 9582

٥٦ - باب المَواشي تُفْسِد زَرْعَ قَوْمٍ ٣٥٦٩ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ المَرْوَزيُّ، حدثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ حَرامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ناقَةً لِلْبَراءِ بْنِ عازِبٍ دَخَلَتْ حائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَضَى رَسُول اللهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الأَمْوالِ حِفْظَها بِالنَّهارِ وَعَلَى أَهْلِ المَواشي حِفْظَها بِاللَّيْلِ (١). ٣٥٧٠ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ، حدثنا الفِرْيابيُّ، عَنِ الأوَزاعيِّ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ حَرامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الأَنْصاريِّ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قال: كانَتْ لَهُ ناقَةٌ ضارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكُلِّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيها فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الحَوائِطِ بِالنَّهارِ عَلَى أَهْلِها وَأَنَّ حِفْظَ الماشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِها وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الماشِيَةِ ما أَصابَتْ ماشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ (٢). * * * باب المواشي تفسد زرع قوم [٣٥٦٩] (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) بثاء مثلثة (المَرَوزي) بفتح الميم والواو ثقة من كبار الأئمة، قال: (حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن حَرَام) بفتح الحاء والراء المهملتين، وثقه ابن معين وجماعة، تابعي (٣).

стр. 9583

(بن مُحَيّصة) بضم الميم وفتح الحاء مشدد الياء، هكذا ذكره أبو داود وغيره (عن أبيه) وجوده (١) محمد بن إسحاق صاحب المغازي من رواية معمر فقال: عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه، عن جده. ولهذا حكم ابن عبد البر على رواية معمر هذِه ومن تابعه بالإرسال (٢). ومحيصة هذا هو ابن مسعود الأوسي الصحابي المشهور. (أن ناقةً للبراء بن عازب ﵄ دخلت حائط رجل) أي: بستانه، رواية مالك: دخلت حائط قوم فأفسدت فيه (٣). (فأفسدته) فأفسدت (عليهم، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال) الزرع والأشجار وغير ذلك. (حفظها بالنهار) استدل به على أن الدابة إذا كانت وحدها فأتلفت زرعًا أو غيره نهارًا لم يضمن صاحبها؛ فإن صاحب المال قصَّر في حفظ ماله بالنهار من المواشي، فإن صاحبها له أن يطلقها بالنهار لرعي وغيره (و) يجب (على أهل المواشي حفظها) بالحبس والربط وغير ذلك (بالليل) لئلا تفسد على أهل الأموال أموالهم؛ فإن لم يحفظها وأتلفت شيئًا بالليل كان عليه ضمانه بهذا الحديث الذي صححه ابن حبان والحاكم ورواه مالك في "الموطأ" والشافعي (٤)،

стр. 9584

وما أفسدته المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها. قال الشافعي: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله. قال أصحابنا: لو جرت العادة في ناحية بإرسال البهائم ليلًا للرعي وحفظها نهارًا أو بحفظ الزرع ليلًا فالأصح اتباع ذلك، ولو كانت المراعي متوسطة المزارع أو كانت البهائم ترعى في حريم السواقي ولا يعتاد إرسالها بلا راعٍ فإن أرسلها فيقصر ضامن لما أتلفته وإن كان نهارًا على الأصح، إلا أن لا يفرط في ربطها بأن ربطها وأغلق بابه واحتاط على العادة فانفتح الباب لهن أو انهدم الجدار فخرجت ليلًا وأفسدت، فلا ضمان عليه لعدم التقصير منه. [٣٥٧٠] (حدثنا محمد (١) بن خالد) السلمي الدمشقي، ثبت، مات (٢٤٩) (حدثنا) محمد بن يوسف (الفريابي) بكسر الفاء وسكون الراء بعدها مثناة تحت وبعد الألف باء موحدة، روى له الجماعة (عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة) بن مسعود (الأنصاري، عن البراء بن عازب ﵄ قال: كانت لنا ناقة ضارية) رواية: كانت له، أي: اعتادت الإفساد في الزرع واجترأت عليه (فدخلت حائطًا فأفسدت فيه (٢) فكلم) مبني للمفعول (فيها رسول الله ﷺ فقضى (٣) أن حفظ الحوائط) جمع حائط، وأما الحيطان فمختصة بالبناء (بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها) لأن

стр. 9585

عادة أهل المواشي يحبسونها في الليل بالمراح. وقال أبو حنيفة ﵁: لا يضمن صاحبها إلا أن يكون معها وأرسلها سواء كانت ليلًا أو نهارًا (وأن على أهل الماشية) ضمان (ما أصاب ماشيتُهم) بالرفع (بالليل) دون النهار، والله أعلم. آخر كتاب البيوع والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وكان انتهاء ذلك في أول القعدة عام ٨٣٥ ببيت المقدس. يتلوه في الجزء الرابع بعده كتاب الأقضية. وكان الفراغ من كتابته يوم الخميس آخر رجب الفرد سنة ٨٤٥ على يد الفقير يس بن محمد بن عبد الله المقيم يومئذ بالقدس الشريف، علقه لنفسه، عفا الله عنه وعن والديه وعن شيخنا مصنفه وأسكنهم فسيح جناته بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين. بلغ مقابلة على الأصل المنقول منه وهو نسخة المصنف وقوبلت على نسخة المصنف بحسب الطاقة والإمكان في مجالس آخرها المجلس من جمادى الآخرة سنة ٨٤٧.

стр. 9586

كِتَابُ الأَقْضَيِةِ

стр. 9587

٢٥ - الأَقضية ١ - باب في طَلَبِ القَضاءِ ٣٥٧١ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْن عَليٍّ، أَخْبَرَنا فُضَيْلُ بْن سُلَيْمانَ، حَدَّثَنا عَمْرُو بْن أَبي عَمْرٍو عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ وَليَ القَضاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" (١). ٣٥٧٢ - حَدَّثَنا نَصْرٌ بْنُ عَليٍّ، أَخْبَرَنا بِشْرُ بْن عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَخْنَسيِّ عَنِ المَقْبُريِّ والأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ جُعِلَ قاضِيًا بَيْنَ النّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" (٢). * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أول كتاب الأقضية

стр. 9588

باب في طلب القضاء [٣٥٧١] (ثنا نصر (١) بن علي) الجهضمي بن الجهضمي الكبير (أنا فضيل (٢) بن سليمان) النميري البصري (حدثنا عمرو (٣) بن أبي عمرو) مولى المطلب (عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبرى المدني، كان جارًا للمقبرة فنسب إليها. (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من ولي القضاء) أي: تصدى لولاية القضاء وشرع في الأسباب المحصلة له (فقد) تعرض للذبح (ذبح) فيه استعمال المجاز في الكلام (بغير سكين) يحتمل وجهين: أن الذبح في العرف إنما يكون بالسِّكين، فعدل به عن العرف إلى غيره؛ ليُعلم أن الذي أراد به ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه. والثاني: أن الذبح الذي تقع به راحة الذبيحة وخلاصها من الألم إنما يكون بالسكين، وإذا ذبح بغير السِّكين كان ذبحه تعذيبًا له، فضرب به المثل لذلك؛ ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع وأشد في التوقي منه. وقال ابن الصلاح: معناه ذبح من حيث المعنى؛ لأنه بين عذاب الدنيا، يعني لصعوبة العدل في هذا الزمان والاجتهاد فيه كما سيأتي، وبين عذاب الآخرة إن فسد وسيأتي في الحديث الذي بعده كلام ابن القاص. [٣٥٧٢] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أنا بشر (٤) بن عمر) الزهراني الأزدي البصري (عن عبد الله بن جعفر) بن عبد الرحمن بن

стр. 9589

مخرمة المخرمي الزهري، أخرج له مسلم. (عن عثمان بن محمد) بن المغيرة بن الأخنس بن شريق -بفتح الشين المعجمة وكسر الراء- الثقفي (الأخنسي) نسبة إلى جده الأخنس، وثقه ابن معين (١) (عن) سعيد بن أبي سعيد (المقبري [و]) (٢) عبد الرحمن بن هرمز. (الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : مَن جُعل قاضيًا بين الناس) يدخل في عمومه المسلمون (٣) والكفار، ولعل المراد به الولاية العامة دون الحكم على أولاده وخدمه وزوجاته من الأمور الخاصة. (فقد ذبح بغير سكين) قال أبو العباس أحمد بن القاص: ليس في هذا الحديث عندي كراهية للقضاء وذمه، إن الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك الهوى، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤). ويدل على ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا هريرة، عليك بطريق قوم إذا فزع الناس أمنوا" قلت: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم قوم تركوا الدنيا فلم يكن في قلوبهم ما يشغلهم عن الله، قد أجهدوا أبدانهم وذبحوا أنفسهم في طلب رضا الله تعالى" (٥)

стр. 9590

فناهيك به فضيلة وزلفى لمن قضى بالحق في عباده، إذ جعله ذبيح الحق امتحانًا؛ لتعظم له المثوبة امتنانا. وقد ذكر الله قصة إبراهيم خليله ﵇ وقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١) فإذ جعل الله إبراهيم في تسليمه لذبح ولده مصدقًا فقد جعل الله لاستسلامه للذبح ذبيحًا، وكذلك قال ﵇: "أنا ابن الذبيحين" (٢) يعني: إسماعيل وعبد الله، فكذلك القاضي عندنا لما استسلم لحكم الله واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم، لم تأخذه في الله لومة لائم حتى قادهم إلى مُرِّ الحكم جعله ذبيحًا للحق وبلغ به حال الشهداء، الذين لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله. وقد ولى رسول الله ﷺ القضاء عليًّا ومعاذًا ومعقل بن يسار، فنعم الذابح (٣) ونعم المذبوح، وفي كتاب الله الدليل على الترغيب فيه بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ إلى آخر الآيات.

стр. 9591

٢ - باب في القاضي يُخْطِئُ ٣٥٧٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَسّانَ السَّمْتيُّ، حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبي هاشِمٍ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "القُضاةُ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الجَنَّةِ واثْنانِ في النّارِ فَأَمّا الذي في الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجارَ في الحُكْمِ فَهُوَ في النّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النّارِ". قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا أَصَحُّ شَيء فِيهِ يَعْني حَدِيثَ ابن بُرَيْدَةَ: "القُضاةُ ثَلاثَةٌ" (١). ٣٥٧٤ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْن عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْني: ابن مُحَمَّدٍ- أَخْبَرَني يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ فَأَصابَ فَلَهُ أَجْرانِ، وَإِذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ". فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ فَقالَ: هَكَذا حَدَّثَني أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (٢). ٣٥٧٥ - حَدَّثَنا عَبّاسٌ العَنْبَريُّ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا مُلازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَني مُوسَى بْنُ نَجْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ - قالَ: حَدَّثَني أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ طَلَبَ قَضاءَ المُسْلِمِينَ حَتَّى يَنالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النّارُ" (٣). ٣٥٧٦ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَبي يَحْيَى الرَّمْليُّ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ أَبي الزَّرْقاءِ، حَدَّثَنا ابن أَبي الزِّنادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ

стр. 9592

قالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ هؤلاء الآيات الثَّلاثُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ (١). * * * باب في القاضي يخطئ [٣٥٧٣] (حدثنا محمد بن حسان) بن خالد، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) (السمتي) بفتح السين المهملة، وسكون الميم، ثم مثناة فوق، نسبة إلى السمت وحسن الهيئة، سمي بذلك لكثرة سمته ووقاره (حدثنا (٣) خلف بن خليفة) أبو أحمد الأشجعي الكوفي، حدث بواسط وبغداد، أخرج له مسلم في مواضع ثلاثة فأكثر. (عن أبي هاشم) يحيى بن دينار، ويقال: ابن نافع الواسطي الرماني. بضم الراء، وتشديد الميم؛ سمي بذلك لأنه كان ينزل قصر الرمّان، فنسب إليه، وهو قصر معروف، بها رأى أنس بن مالك، وكان ثقة، قاله السمعاني (٤) وغيره (عن) عبد الله (ابن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، ثم نزل البصرة، ثم مرو، وقبره بها، وشهد خيبر والفتح. (عن النبي ﷺ قال: القضاة) على (ثلاثة) أحوال (واحد) منها (في

стр. 9593

الجنة، واثنان) الباقيان (في النار، فأما الذي) سيصير (في الجنة فرجل عرف الحق) لفظ ابن ماجه: "علم الحق" (١). وفي معناه: من ظن أنه الحق؛ بل هو أغلب القضاة (فقضى به) فهو في الجنة، وفي رواية ذكرها رزين: "فأما الذي في الجنة فرجل قضى بكتاب الله وسنة رسوله لا يألو (٢) عن الحق" (٣). ورواية أبي العباس ابن القاص عن علي: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي اجتهد فأصاب فهو في الجنة" (و) أما اللذان في النار فهو (رجل عرف الحق) زاد النسائي: "فلم يقض به" (٤) وزاد في رواية علي: "متعمدًا" (٥). (فجار في الحكم) الجور: الظلم، وأصله الميل؛ لأن الظالم يميل عن الحق إلى الباطل (فهو) يصير (في النار) إن لم يعف عنه (ورجل قضى) قال ابن التيمية: فيه دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا. (للناس) أي: بينهم (على جهل) ولفظ النسائي: "ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل" (٦) لفظ رواية رزين: "انتزى على القضاء، فقضى بغير علم" (٧).

стр. 9594

قال في "النهاية": انتزى. هو: افتعل من النزو، وهو الوثوب، وانتزى على حقي، أي: وثب عليه وأخذه. وقد يكون في الأجسام والمعاني، ومن وَرْدِهِ في الأجسام حديث علي: يأمرنا أن لا ننزي الحمر على الخيل (١). أي: نحملها عليها للنسل (٢). (فهو) يصير (في النار) وجعله في النار باعتبار ما يؤول إليه كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٣) ويحتمل أن يراد بالنار الحرام. والتقدير: فهو واقع في الحرام؛ لأن الحرام يوجب النار، فسمي باسمه من باب تسمية السبب باسم المسبب مجازًا، كتسميتهم المرض الشديد بالموت. [٣٥٧٤] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عمر بن ميسرة) القواريري شيخ الشيخين، روى مائة (٤) ألف حديث (حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (أخبرني يزيد بن عبد الله) بن أسامة (بن الهاد) الليثي (عن محمد (٥) بن إبراهيم) بن الحارث التيمي (٦) المدني (عن بسر) بضم الموحدة، وسكون المهملة (ابن سعيد) مولى ابن الحضرمي من أهل المدينة، كان ينزل في دار الحضارمة من جديلة، فنسب إليهم (عن أبي

стр. 9595

قيس) اسمه كنيته (مولى عمرو بن العاص). قال النووي: في هذا الإسناد أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم: يزيد بن عبد الله، فمن بعده (١). (عن) مولاه (عمرو بن العاص ﵁: قال رسول الله ﷺ : إذا حكم الحاكم) فيه حذف، تقديره: إذا أراد الحكم (فاجتهد) وسبب هذا التقدير أنه بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع، فاحتجنا إلى تقدير: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد في النازلة، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون أن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرًا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم؛ لإمكان أن يظهر له ما ينافي خلاف ما ظهر له أولًا، اللهم إلا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده مائلًا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر (٢). (فأصاب) وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى (فله أجران) أجر باجتهاده، وأجر بإصابته الحق. وأجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للاجتهاد في الحكم (٣)، وهم ضربان: الأول: المجتهد المطلق، وهو المستقل باستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، فهذا لا شك أنه مأجور، لكنه يعز وجوده، بلى قد طوي بساط هذا الاجتهاد من سنين كثيرة، فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام.
следующие страницы →