← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

٢ - باب في القاضي يُخْطِئُ ٣٥٧٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَسّانَ السَّمْتيُّ، حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبي هاشِمٍ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "القُضاةُ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الجَنَّةِ واثْنانِ في النّارِ فَأَمّا الذي في الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجارَ في الحُكْمِ فَهُوَ في النّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النّارِ". قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا أَصَحُّ شَيء فِيهِ يَعْني حَدِيثَ ابن بُرَيْدَةَ: "القُضاةُ ثَلاثَةٌ" (١). ٣٥٧٤ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْن عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْني: ابن مُحَمَّدٍ- أَخْبَرَني يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ فَأَصابَ فَلَهُ أَجْرانِ، وَإِذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ". فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ فَقالَ: هَكَذا حَدَّثَني أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (٢). ٣٥٧٥ - حَدَّثَنا عَبّاسٌ العَنْبَريُّ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا مُلازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَني مُوسَى بْنُ نَجْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ - قالَ: حَدَّثَني أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ طَلَبَ قَضاءَ المُسْلِمِينَ حَتَّى يَنالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النّارُ" (٣). ٣٥٧٦ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَبي يَحْيَى الرَّمْليُّ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ أَبي الزَّرْقاءِ، حَدَّثَنا ابن أَبي الزِّنادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ

стр. 9592

قالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ هؤلاء الآيات الثَّلاثُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ (١). * * * باب في القاضي يخطئ [٣٥٧٣] (حدثنا محمد بن حسان) بن خالد، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) (السمتي) بفتح السين المهملة، وسكون الميم، ثم مثناة فوق، نسبة إلى السمت وحسن الهيئة، سمي بذلك لكثرة سمته ووقاره (حدثنا (٣) خلف بن خليفة) أبو أحمد الأشجعي الكوفي، حدث بواسط وبغداد، أخرج له مسلم في مواضع ثلاثة فأكثر. (عن أبي هاشم) يحيى بن دينار، ويقال: ابن نافع الواسطي الرماني. بضم الراء، وتشديد الميم؛ سمي بذلك لأنه كان ينزل قصر الرمّان، فنسب إليه، وهو قصر معروف، بها رأى أنس بن مالك، وكان ثقة، قاله السمعاني (٤) وغيره (عن) عبد الله (ابن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، ثم نزل البصرة، ثم مرو، وقبره بها، وشهد خيبر والفتح. (عن النبي ﷺ قال: القضاة) على (ثلاثة) أحوال (واحد) منها (في

стр. 9593

الجنة، واثنان) الباقيان (في النار، فأما الذي) سيصير (في الجنة فرجل عرف الحق) لفظ ابن ماجه: "علم الحق" (١). وفي معناه: من ظن أنه الحق؛ بل هو أغلب القضاة (فقضى به) فهو في الجنة، وفي رواية ذكرها رزين: "فأما الذي في الجنة فرجل قضى بكتاب الله وسنة رسوله لا يألو (٢) عن الحق" (٣). ورواية أبي العباس ابن القاص عن علي: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي اجتهد فأصاب فهو في الجنة" (و) أما اللذان في النار فهو (رجل عرف الحق) زاد النسائي: "فلم يقض به" (٤) وزاد في رواية علي: "متعمدًا" (٥). (فجار في الحكم) الجور: الظلم، وأصله الميل؛ لأن الظالم يميل عن الحق إلى الباطل (فهو) يصير (في النار) إن لم يعف عنه (ورجل قضى) قال ابن التيمية: فيه دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا. (للناس) أي: بينهم (على جهل) ولفظ النسائي: "ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل" (٦) لفظ رواية رزين: "انتزى على القضاء، فقضى بغير علم" (٧).

стр. 9594

قال في "النهاية": انتزى. هو: افتعل من النزو، وهو الوثوب، وانتزى على حقي، أي: وثب عليه وأخذه. وقد يكون في الأجسام والمعاني، ومن وَرْدِهِ في الأجسام حديث علي: يأمرنا أن لا ننزي الحمر على الخيل (١). أي: نحملها عليها للنسل (٢). (فهو) يصير (في النار) وجعله في النار باعتبار ما يؤول إليه كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٣) ويحتمل أن يراد بالنار الحرام. والتقدير: فهو واقع في الحرام؛ لأن الحرام يوجب النار، فسمي باسمه من باب تسمية السبب باسم المسبب مجازًا، كتسميتهم المرض الشديد بالموت. [٣٥٧٤] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عمر بن ميسرة) القواريري شيخ الشيخين، روى مائة (٤) ألف حديث (حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (أخبرني يزيد بن عبد الله) بن أسامة (بن الهاد) الليثي (عن محمد (٥) بن إبراهيم) بن الحارث التيمي (٦) المدني (عن بسر) بضم الموحدة، وسكون المهملة (ابن سعيد) مولى ابن الحضرمي من أهل المدينة، كان ينزل في دار الحضارمة من جديلة، فنسب إليهم (عن أبي

стр. 9595

قيس) اسمه كنيته (مولى عمرو بن العاص). قال النووي: في هذا الإسناد أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم: يزيد بن عبد الله، فمن بعده (١). (عن) مولاه (عمرو بن العاص ﵁: قال رسول الله ﷺ : إذا حكم الحاكم) فيه حذف، تقديره: إذا أراد الحكم (فاجتهد) وسبب هذا التقدير أنه بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع، فاحتجنا إلى تقدير: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد في النازلة، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون أن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرًا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم؛ لإمكان أن يظهر له ما ينافي خلاف ما ظهر له أولًا، اللهم إلا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده مائلًا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر (٢). (فأصاب) وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى (فله أجران) أجر باجتهاده، وأجر بإصابته الحق. وأجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للاجتهاد في الحكم (٣)، وهم ضربان: الأول: المجتهد المطلق، وهو المستقل باستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، فهذا لا شك أنه مأجور، لكنه يعز وجوده، بلى قد طوي بساط هذا الاجتهاد من سنين كثيرة، فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام.

стр. 9596

الثاني: مجتهد في مذهب إمامه، وهذا غالب قضاة العدل في هذا الزمان، وشرط هذا أن يحقق أصول إمامه وأدلته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهب إمامه (١). وأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فأصاب الحكم بالموافقة فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه وإن وافق؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي. قال النووي: وهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. انتهى (٢). وتفاصيل هذا كثيرة لا تليق بهذا المختصر المجموع، فليراجع من مظنته من كتب الأصول أو الفقه. (وإذا حكم فاجتهد) فيه حذف تقديره كما تقدم (فله أجر) ورواه الحاكم والدارقطني بلفظ: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور" (٣). ورواه أحمد من طريق عمرو بن العاص أيضًا بلفظ: "إذا أصبت القضاء فلك عشرة أجور، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة واحدة" (٤) باجتهاده؛ إذ لا إصابة. وأعظم فوائد هذا الحديث: أن الحاكم لا بد أن يكون من أهل

стр. 9597

الاجتهاد، فإذا اجتهد وحكم فلا بد من الأجر، فإما ضعفان على الإصابة، وإما واحد مع الخطأ. فأما الجاهل أو المقصر في اجتهاده فهو عاص آثم في كل ما يحكم به، أما الجاهل فلعدم أهليته، وأما المقصر فلعدم استيفاء شرطه. وقد ذكر الشيخ جمال الدين الإسنوي في "المهمات" أنه لا يكفي للشافعي أن يفتي أو يحكم بما صححه الرافعي والنووي حتى يراجع كتب المذهب أو يسأل عنه، وكذا بلغني عن قاضي القضاة المالكية في القاهرة وعالمها في مذهب مالك أنه استفتي عما صححه الشيخ خليل وغيره من المتأخرين فأفتى أن ذلك لا يكفي، بل لا بد من المراجعة. (فحدثت به أبا بكر بن حزم) بن محمد [بن عمرو] (١) بن حزم قاضي أهل المدينة زمن سليمان وعمر بن عبد العزيز، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد (فقال: هكذا حدثني أبو سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁). [٣٥٧٥] (حدثنا عباس) بالباء الموحدة، والسين المهملة، هو ابن عبد العظيم، أبو الفضل (العنبري) شيخ الشيخين (ثنا عمر بن يونس) اليمامي (حدثنا ملازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر اليمامي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي (٢)، وكان أحد الفصحاء (حدثني موسى بن نجدة) اليمامي (عن جده يزيد بن عبد الرحمن) وكنيته أبو كثير

стр. 9598

السحيمي، وهذا الحديث في مائة البخاري التي سُئل عنها (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: من طلب قضاء) بين المسلمين واجتهد في تحصيله (حتى يناله ثم) لما أنعم الله تعالى عليه (غلب عدله على جوره) أي: كان عدله في حكمه أكبر من ظلمه كما يقال: غلب على فلان الكرم. أي: هو أكبر خصاله (فله) أي: وجبت على كرم الله (الجنة) فغلبة عدله جوره دليل على صدق نيته وحسن قصده، ولا تحصل كثرة العدل إلا بوفور العلم، وكثرة الاجتهاد مع توفيق الله له وإعانته؛ فإن الجاهل كان اجتهد كان خطؤه أكثر من صوابه، وفيه دليل على جواز القضاء لمن وثق بنفسه وأمن السلامة. وقد صرح أصحابنا وغيرهم بأن طلب القضاء مندوب لمن كان خاملًا يرجو نشر العلم وإظهاره، أو لمن كان محتاجًا إلى الرزق لتحصل الكفاية والإعانة على الاشتغال بالعلم (١). (ومن غلب جوره) على (عدله) فله النار؛ لأن كثرة جوره في الحكم دليل على خبث وفساد طويته وقبح قصده، لا سيما مع كثرة جهله، كما هو مشاهد في كثير من القضاة الآخذين الحكم بالرشا إلى الظلمة، وإهانة العلم بترددهم إلى الظلمة؛ لتحصيل المناصب التي هي سبب هدم دينهم، فنسأل الله العافية. [٣٥٧٦] (حدثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي، وهو (بن أبي يحيى الرملي) وهو ثقة (ثنا يزيد بن أبي الزرقاء) المحدث، أبو محمد

стр. 9599

الموصلي الزاهد (ثنا) عبد الرحمن (ابن أبي الزناد) عبد الله مولى رملة من أهل المدينة، استشهد به البخاري في "صحيحه" في صلاة الاستسقاء والجهاد وغيرهما، ووثقه مالك (عن أبيه) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، مولى بني أمية، أحد الأئمة. (عن عبيد الله بن عبد الله (ع) بن عتبة) بن مسعود الفقيه الأعمى (عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قيل: فيه إضمار تقديره: من لم يحكم بما أنزل ردًّا للقرآن وجحدًا لقول الرسول ﵇ (﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾) (١) وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار. أي: مفسدًا ذلك مستحلًّا له، فأما من فعل وهو معتقد أنه راكب محرَّمًا، فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) (٣) حكى الطبري (٤) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب قال ابن زيد: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في هذا الموضع وفي غيره هم الكاذبون (٥) (هؤلاء الآيات الثلاث) المتواليات (نزلت في اليهود خاصة) وسيأتي في باب رجم اليهود من كتاب الحدود بمعناه من حديث البراء (٦)، وبه قال الشعبي (٧)، واختاره النحاس (٨).

стр. 9600

ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها: أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (١) فعاد الضمير عليهم. ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) فهذا الضمير لليهود بالإجماع، وأيضًا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن قيل: (من) إذا كانت للمجازاة، فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها. قيل له (من) هاهنا بمعنى (الذي) والتقدير: اليهود (٣) الذين لم يحكموا بما أنزل الله، فهذا من أحسن ما قيل في هذا. وروي أن حذيفة سئل عن هذِه الآيات: أهي في بني إسرائيل؟ قال: نعم، هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل (٤). وقيل: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ للمسلمين، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ لليهود، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر ابن العربى (٥). قال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكن كفر دون كفر (٦). (في قريظة والنضير) قبيلتان مشهورتان [من اليهود] (٧). * * *

стр. 9601

٣ - باب في طَلَبِ القَضاءِ والتِّسَرُّعِ إِلَيْهِ ٣٥٧٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ العَلاءِ وَمُحَمَّدُ بْن المُثَنَّى قالا أَخْبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجاءٍ الأَنصاريِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ الأَنْصاريِّ الأَزْرَقِ قالَ: دَخَلَ رَجُلانِ مِنْ أَبْوابِ كِنْدَةَ وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصاريُّ جالِسٌ في حَلْقَةٍ فَقالا: أَلا رَجُلٌ يُنَفِّذُ بَيْنَنا. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الحَلْقَةِ: أَنا. فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ كَفّا مِنْ حَصًى فَرَماهُ بِهِ وقالَ: مَهْ إِنَّهُ كانَ يُكْرَهُ التَّسَرُّعُ إِلَى الحُكْمِ (١). ٣٥٧٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا إِسْرائِيل، حَدَّثَنا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ بِلالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ طَلَبَ القَضاءَ واسْتَعانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إِلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ". وقالَ وَكِيعٌ عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ بِلالِ بْنِ أَبي مُوسَى، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . وقالَ أَبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ بِلالِ بْنِ مِرْداسٍ الفَزاريِّ، عَنْ خَيْثَمَةَ البَصْريِّ، عَنْ أَنَسٍ (٢). ٣٥٧٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا قُرَّةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْن هِلالٍ، حَدَّثَني أَبُو بُرْدَةَ قالَ: قالَ أَبُو مُوسَى: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَنْ نَسْتَعْمِلَ - أَوْ لا نَسْتَعْمِلُ - عَلَى عَمَلِنا مَنْ أَرادَهُ" (٣). * * *

стр. 9602

باب في طلب القضاء والتسرع إليه [٣٥٧٧] (ثنا محمد بن العلاء ومحمد بن المثنى) بن عبيد البصري الزمن (قالا: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش، عن رجاء الأنصاري) لم يرو عنه غير الأعمش فقط (عن عبد الرحمن بن بشر) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة (الأزرق) هو ابن مسعود الأنصاري المدني التابعي. (قال: دخل رجلان من أبواب) جمع باب (كندة) قال البكري: وضع على لفظ القبيلة اليمانية (١). وهو في ديار بني ذبيان وقيل: إنه من بلاد تيماء (وأبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة من الخزرج يعرف بالبدري؛ لأنه سكن أو نزل ماء بدر (الأنصاري) وشهد العقبة، ولم يشهد بدرًا عند جمهور أهل العلم، وسكن الكوفة، وابتنى بها دارًا (جالس في حلقة) بسكون اللام، وهم القوم يجتمعون مستديرين يحتمل أن الحلقة جماعة يقرؤون عليه، أو كانوا يتذاكرون العلم (فقالا: ألا) بالتخفيف (رجل) مرفوع بفعل محذوف على شريطة التفسير، والتقدير: ألا ينفذ رجل ينفذ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٢) ووجه حذف هذا المقدر أن (ألا) للتحضيض على الفعل أو العرض، وكلاهما يختص بأن لا تليه إلا بعد (كان) الشرطية. ويجوز على مذهب الخليل النصب. ويكون التقدير: ألا تروني رجلا ينفذ. فهو نظير ما أنشده الخليل:

стр. 9603

ألا رجلًا جزاه الله خيرًا ... يدل على محصلة، تبيت (١) (ينفِّذ) بتشديد الفاء المكسورة (بيننا) قال في "النهاية": أي: يحكم ويمضي أمره فينا. يقال: أمره نافذ. أي: ماض مطاع (٢). وعلى هذا يكون (يُنفذُ) بضم أوله، وكسر (٣) الفاء المخففة (فقال رجل من الحلقة) التي هو فيهم (أنا) أنفذ بينكما (فأخذ أبو مسعود (الأنصاري (كفًّا من حصى، فرمى به) فيحتمل أن يكون مراده: رميت منزلتك من قلبي؛ لمبادرتك إلى الجواب ومسارعتك له، كما رميت هذا الحصى، ويحتمل أن يكون: ليس لك من الأجر والثواب على جوابك الذي أسرعت فيه ما يساوي هذا الحصى. ويحتمل غير ذلك. (وقال: مه) اسم مبني على السكون، معناه هنا: الزجر عن المسارعة إلى الإفتاء والحكم، وأمره بالسكوت عن ذلك مهما استطاع والتثبت فيه. وقيل: معنى ذلك ذم الفتوى بحضرة من هو أعلم منه (كان) رسول الله ﷺ (يكره التسارع (٤) إلى الحكم) والفتوى. قال ابن الصلاح: بلغنا عمن سمع سحنون بن سعد يزري على من تعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك عن المتقدمين من معلميه. والفتوى كذلك، بل الحكم أحق بالتثبت فيه من الفتوى والجرأة عليه

стр. 9604

أعظم. قال: وبلغنا عن الخليل بن أحمد أنه كان يقول: إن الرجل ليسأل عن المسألة ويعجل في الجواب، فيصيب فأذمه، ويسأل عن مسألة فيتثبت في الجواب فيخطئ فأحمده (١). [٣٥٧٨] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا إسرائيل، ثنا عبد الأعلى) بن عامر الثعلبي (عن بلال) بن مرداس الفزاري المصيصي، كان أحد الأشراف، وممن روى عنه أبو حنيفة (عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من) "ابتغى القضاء". أي: طلبه "وسأل فيه شفعاء" كذا رواية الترمذي (٢) (طلب القضاء) بين الناس (واستعان عليه) أي: على تحصيله بشفعاء يشفعون له في حصوله، كما تقدم في رواية أبي داود، واستعان فيه بشفعاء (٣)، أي: يشفعون إلى من يوليه القضاء، وهذا من المبالغة في احتراصه على طلبه، كما أن من اشتدت حاجتهم إلى المطر يستشفعون بأهل الخير والصلاح ليسقيهم (وكل إليه) أي: وكل إلى نفسه كما في رواية الترمذي (٤). أي: وكل الله تدبيره ومصالحه إلى نفسه العاجزة عن جلب نفع إليها، أو دفع ضر عنها، وترك كلامه وتدبيره فيما وليه من القضاء بين الناس. (ومن لم يطلبه (٥) ولم يستعن عليه) أي: يستعين على تحصيله بشفعاء يشفعون إلى من يوليه منصب الحكم، ومن ترك الطلب والاستعانة وقطع

стр. 9605

مطامعه في ذلك لله تعالى تولى الله تعالى أمره، وعوضه عن ذلك بأن (أنزل الله) تعالى إليه (ملكًا) بفتح اللام من الملائكة (يسدده) في أحكامه وأقضيته حتى يعمل فيها بالسداد، وهو العدل والاستقامة وإصابة الصواب. وفيه التحذير من طلب الإمارة والحكم، وإن أعطي ذلك من غير طلب ولا سعي فلا يمتنع من قبوله، وهذا الحديث وإن كان مطلقًا فهو مقيد بما إذا أكره على الولاية، وأجبر على قبولها، فلا ينزل الله إليه الملك يسدده إلا إذا أكره على ذلك جبرًا، ولا يحصل هذا لمن عرض عليه الولاية، أو سألها دون إكراه، ولفظ الترمذي هنا من رواية بلال بن مرداس: "ومن أكره عليه أنزل الله عليه مَلَكًا يسدده" وقال: هو حديث حسن غريب. قال: وهو أصح من حديث إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن بلال بن أبي موسى (١). ولفظه: "من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل عليه ملك يسدده" (٢) ونحو رواية المصنف: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" (٣) أو كما قال: [٣٥٧٩] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن سعيد) القطان (ثنا قرة (٤) ابن خالد) السدوسي (حدثنا حميد بن هلال) العدوي، كان يلبس الثياب

стр. 9606

النفيسة والطيالسة (حدثني أبو بردة) عامر بن أبي موسى (عن أبيه) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (قال النبي ﷺ : يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس) إنا (لن نستعمل أو) قال: (لا نستعمل على) شيء من (عملنا) هذا (من أراده) زاد مسلم: "ولا أحدًا حرص عليه" (١). قال العلماء: والحكمة في أنه لا يولي من سأل الولاية أنه يوكل إليها ولا يكون معه إعانة، كما صرح به في حديث عبد الرحمن بن سمرة حين سأل الإمارة (٢)، وإذا لم يكن معه إعانة لا يكون كفؤًا ولا يولى غير الكفؤ؛ لأن فيه تهمة للطالب الحريص. وهذا الحديث الذي ذكره المصنف هنا هو قطعة من حديث طويل متفق عليه، ذكره المصنف، وسيأتي في أول كتاب الحدود بهذا اللفظ والسند بكماله، في باب الحكم فيمن ارتد (٣).

стр. 9607

٤ - باب في كَراهِيَةِ الرِّشْوَةِ ٣٥٨٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا ابن أَبي ذِئْبٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرّاشيَ والمُرْتَشي (١). * * * باب كراهية الرشوة مثلثة الراء، والأرجح الكسر، وهي: ما يعطى الحاكم ليحكم (٢) له بما يريده. [٣٥٨٠] (حدثنا أحمد بن) عبد الله بن (يونس) اليربوعي (ثنا) محمد ابن عبد الرحمن (بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن) القرشي العامري خال ابن أبي ذئب، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وحكى عنه الفضيل بن عياض وقال: لا يخيل إلى أني رأيت قرشيًّا أفضل منه (٤) (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، ورواه الحاكم من حديث أبي سلمة، عن أبيه (٥). قال الدارقطني في "العلل": أبو سلمة (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص أصح (٦).

стр. 9608

قال الترمذي بعد روايته: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة (١). يعني: وعبد الرحمن بن عوف وثوبان (٢). (قال: لعن رسول الله ﷺ ) ولفظ ابن ماجه: "لعن الله" (٣) ولعنة الله: إبعاده من رحمته (الراشي) وهو دافع الرشوة (والمرتشي) آخذها، وزاد الترمذي والطبراني بإسناد جيد: "في الحكم" (٤). وزاد أحمد والبزار: "والرائش" (٥). يعني: الذي يمشي بينهما، وهو السفير بين الدافع والآخذ، وإن لم يأخذ على سفارته، فإن أخذ فهو أبلغ. ويدخل في إطلاق الرشوةِ الرشوةُ للحاكم والعامل على أخذ الصدقات، وهي حرام بالإجماع (٦)، ومما يدل على تحريمها قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٧) قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره: هي الرشوة (٨). وقال مسروق: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشوة في الحكم؟ قال: لا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

стр. 9609

و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته، فيهدي لك، فإن أهدى لك فلا تقبل (١). وقال أبو وائل شقيق بن سلمة، أحد أئمة التابعين: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" بإسناد صحيح (٢).

стр. 9610

٥ - باب في هَدايا العُمّالِ ٣٥٨١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبي خالِدٍ، حَدَّثَني قَيْسٌ، قالَ: حَدَّثَني عَديُّ بْنُ عُمَيْرَةَ الكِنْديُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "يا أيُّها النّاسُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ لَنا عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنا مِنْهُ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ يَأْتي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ". فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ أَسْوَدُ كَأنَّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ اقْبَلْ عَنّي عَمَلَكَ. قالَ: " وَما ذاكَ؟ ". قالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذا وَكَذا. قالَ: " وَأَنا أَقُولُ ذَلِكَ: مَنِ اسْتَعْمَلْناهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكثِيرِهِ فَما أُوتيَ مِنْهُ أَخَذَهُ وَما نُهيَ عَنْهُ انْتَهَى" (١). * * * باب: في هدايا العمَّال [٣٥٨١] (ثنا مسدد ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم الكوفي التابعي (حدثني) أبو كامل (٢) (قيس) بن أبي حازم البجلي، تابعي كبير (حدثني عدي بن عميرة) بفتح العين، وكسر الميم. قال القاضي: لا يعرف في الرجال أحد يقال له: عميرة بالضم، بل كلهم بالفتح (٣). وهو ابن فروة بن زرارة (الكندي) أبو زرارة حضرمي كوفي ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال (٤): يا أيها الناس، من عمل) بضم العين وتشديد الميم المكسورة (منكم) قد يؤخذ من قوله (منكم) أن العامل لا

стр. 9611

يكون إلا مسلمًا، ولفظ (من) الجزئية دالة على العموم فيه في عمومه كل عامل. قال أصحابنا: يشترط في ساعي الزكاة أن يكون مسلمًا إذا كان التفويض عامًّا، فإن عين الإمام شيئًا يأخذه، قال الماوردي: لا يتعين فيه الإسلام (١). قال النووي (٢): عدم اشتراط إسلامه فيه نظر (٣). وقال أبو الخطاب وغيره من الحنابلة: لا يشترط إسلام العامل؛ لأنه إجارة على عمل، فجاز أن يتولاه الكافر كسائر الولايات كجباية الخراج. ومشهور رواية أحمد: اشتراط إسلامه؛ لأن من شرطه الأمانة فاشترط له الإسلام كالشهادة؛ ولأنه ولاية على المسلمين، فلم يجز أن يتولاها الكافر كسائر الولايات (٤). وظاهر الحديث يدل له. (لنا على عمل) ويدخل في العامل على العمل الساعي الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكاة، والكاتب والقاسم والحاشر الذي ينادي في الناحية؛ ليجتمعوا لأخذ الصدقة، وحاشر النعم من مسارحها إلى مياه أهلها، وجباة المال وحفاظها والكيّال والوزان والعداد وكل من يحتاج إليه فيها (فكَتَمنا منه) أي: من المال الذي جمعه في عمالته (مخيطًا) بكسر الميم. وفي الحديث: "أدوا الخياط والمخيط" (٥) فالخياط: الخيط الذي

стр. 9612

يخيط به، والمخيط: الإبرة والمسلة ونحوهما (فما) الفاء بمعنى (إلى)، كما قال الكسائي في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١) وأن التقدير عنده إلى ما (٢) (فوقه) في الصغر. قال: وهذا في الكلام كقولك: أتراه قصيرًا؟ . فيقول القائل: أو فوق ذلك. أي: هو أقصر مما يرى. (فهو غل) وهو الحديدة التي تجمع بها يد الأسير إلى عنقه (يأتي به يوم القيامة) إلى المحشر، وهو حامل له، كما ذكر مثله في الغال، وتسمى هذِه الحديدة جامعة، وكل من خان في شيء خفية فهو غل، ويحتمل أن يكون الغل في يده يوم القيامة في جهنم، وفيه توعد شديد، وزجر أكيد في خيانة العامل في القليل والكثير، وأنه من الكبائر العظام، وكذا أخذ رشوة العامل حرام أيضًا بإجماع العلماء. (فقام) زاد مسلم: إليه (رجل) فيه: أن العاملين يشترط فيهم الذكورة، فلا يجوز أن يكون العامل أنثى؛ لأن العمل إمارة وولاية على المسلمين، فلم يجز للمرأة أن تتولاها (من الأنصار) فيه: أنه يجوز أن يكون العامل من الأنصار والمهاجرين، ولا يجوز أن يكون هاشميًّا ولا مطلبيًّا لحديث الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حين سألا النبي ﷺ أن يبعثهما، فأبى أن يبعثهما وقال: "إنما هذِه أوساخ الناس، وإنها (٣) لا تحل (٤) لمحمد ولا لآل محمد" (٥).

стр. 9613

(أسود) فيه أنه يجوز أن يكون العامل من الأنصار أسوَد وأبيض لا فرق في الجواز بينهما (وكأني أنظر إليه) حين جاءه (فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك) النزول عن العمل الذي هو ولاية لا يحتاج إلى قبول، بل لو قال: عزلتُ نفسي. انعزل، فيُحمل هذا على الاستئذان، فإن فيه نوع استشارة (قال: وما ذاك؟ ) لفظ مسلم: "وما لك؟ (١) ". (قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذاك) زاد مسلم: "الآن" (٢) (من استعملناه على عمل) يدخل فيه القضاء والحسبة وما تقدم ذكره. (فليأت بقليله وكثيره) قال القرطبي: يدل على أنه [لا يجوز له أن] (٣) يقتطع منه شيئًا لنفسه، لا أجرة ولا غيرها، لا له ولا لغيره، إلا أن يأذن له الإمام الذي يلزمه طاعته (٤). قلت: ويدخل في عمومه أنه يأتي بما دخل تحت يده من صدقة الفرض والتطوع، وكذا ما أهدي إليه، فإنه لو كان في بيت أبيه لم يُهد إليه. وفيه: أنه يحرم على العامل أن يقتطع عنده ما أهدي إليه، فإنه لبيت المال، فإن اقتطع منه ما أهدي إليه خان في أمانته وولايته. (فما أوتي) بضم الهمزة، والظاهر أنه بكسر التاء وفتح آخره، مبني لما لم يسم فاعله، التقدير: وما أوتي (منه) النبي ﷺ (أخذ) بفتح الهمزة

стр. 9614

والخاء والذال المعجمتين. أي: أخذ ما جاز أخذه، بدليل ذكر النهي بعده (وما نهي) بضم النون، وكسر الهاء، مبني للمفعول، التقدير: وما نهى الله تعالى (عنه) أي: عن أخذه (انتهى) بفتح التاء والهاء، أي: انتهى عن أخذه، وعلى هذا فيذكر العامل الجهات التي قبض منها المال وصفتها، فيأخذ منها ما جاز أخذه، ويترك ما لم يجز أخذه، بل يرده على دافعه، أو يفعل فيه ما تقتضيه الشريعة، وهذا ما ظهر لي؛ إذ لم يتكلم عليه النووي ولا القرطبي.

стр. 9615

٦ - باب كَيْفَ القَضاءُ ٣٥٨٢ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عَوْنٍ قالَ: أَخْبَرَنا شَرِيكٌ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عَليٍّ ﵇ قالَ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى اليَمَنِ قاضِيًا فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ تُرْسِلُني وَأَنا حَدِيثُ السِّنِّ وَلا عِلْمَ لي بِالقَضاءِ فَقالَ: "إِنَّ اللهَ سَيَهْدي قَلْبَكَ، وُيُثَبِّتُ لِسانَكَ، فَإِذا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الخَصْمانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَحْرى أَنْ يَتَبيَّنَ لَكَ القَضاءُ". قالَ: فَما زِلْتُ قاضِيًا أَوْ ما شَكَكْتُ في قَضاءٍ بَعْدُ (١). * * * باب: كيف القضاء [٣٥٨٢] (ثنا عمرو بن عون) الواسطي البزاز (أنا) القاضي (شريك، عن سماك) بن حرب (عن حنش) بفتح الحاء المهملة والنون، ثم شين معجمة، وهو ابن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني الكوفي أبو المعتمر، قال المصنف: ثقة (٢). وقال النسائي: ليس بالقوي (٣). (عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا) فيه: دليل على فضيلة القضاء واستحباب قبوله؛ لأنه من المناصب الشريفة إذا كان أهلًا، ولولا ذلك لما ارتضاه النبي ﷺ لابن عمه، ولمعاذ بن جبل، ومعقل بن يسار.

стр. 9616

وقد قبله الخلفاء الراشدون الذين بهم يقتدى ويهتدى، وما جاء مخالفًا لذلك فمحمول على من يخاف عليه من خطره لفساد الزمان وتغير أهله. (فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن) يقال للفتى: حديث السن. فإن حذفت الياء قلت: حَدَث، بفتحتين (ولا علم لي بالقضاء) زاد في رواية أحمد لفظة: إنك تبعثني إلى قوم يكون منهم أحداث ولا علم لي بالقضاء (١). وأراد بالأحداث: الأمور الحادثة. (فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك) رواية أحمد: "إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك" (٢). (فإذا جلس بين يديك الخصمان) بضم الخاء، استدل به على أن السنة في القضاء أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي، مسلمين كانا أو ذميين؛ لعموم الحديث؛ ولاستوائهما في دينهما؛ ولأنه أمكن للحاكم في العدل بينهما والإقبال عليهما، وهذا إذا لم يكونا شريفين، أما الشريفان فيجلس أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فلو تداعيا واقفين، قال الماوردي: لا تسمع الدعوى وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه (٣). (فلا تقضين) بتشديد النون (حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول) بوب عليه الترمذي: باب القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى

стр. 9617

يسمع كلامهما (١). (فإنه أحرى) بالحاء المهملة. أي: أحق وأجدر (أن يتبين) بخمس مفتوحات (لك القضاء) بينها لفظ الترمذي: "فسوف تدري كيف تقضي" (٢) (فما زلت قاضيًا) بعد (٣) (أو ما شككت) شك من الراوي، واقتصر الترمذي على الأول (في قضاء بعد) بضم الدال. أي: بعد ذلك. وكيف يحصل له الشك بعد ذلك، وقد دعا له رسول الله ﷺ . وذكر المحب الطبري من أقضيته بعد ذلك ما رواه القلعي عن زر (٤) بن حبيش قال: جلس اثنان يتغديان ومع أحدهما خمسة أرغفة والآخر ثلاثة أرغفة، وجلس ثالث واستأذنهما في أن يصيب من طعامهما، فأذنا له، فأكلوا على السواء وألقى إليهما ثمانية دراهم. وقال: هذِه عوض ما أكلت من طعامكما، فتنازعا في قسمتها على السواء، فترافعا إلى عَليّ ﵁، فقال لصاحب الثلاثة: اقبل من صاحبك. فأبى، وقال: ما أريد إلا مر الحق، فقال له علي: لك في (٥) مُر الحق درهم واحد، وله سبعة. فقال: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لأن الثمانية أربعة وعشرون ثلثًا لصاحب الخمسة: خمسة (٦) عشر، ولك

стр. 9618

تسعة، وقد استويتم في الأكل، فأكلت ثمانية وبقي لك واحد، وأكل صاحبك ثمانية وبقي له سبعة، وأكل الثالث ثمانية، فسبعة لصاحبك وواحد لك (١). وقد أخرج أحمد في "المناقب" أنه لما توجه إلى اليمن وجد أربعة وقعوا في حفرة، وتعلق بعضهم ببعض، فماتوا .. إلى آخرها (٢).

стр. 9619

٧ - باب في قَضاءِ القاضي إِذا أَخْطَأَ ٣٥٨٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما أَنا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ ما أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيء فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ" (١). ٣٥٨٤ - حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ نافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنا ابن المُبارَكِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلانِ يَخْتَصِمانِ في مَوارِيثَ لَهُما لَمْ تَكُنْ لَهُما بيِّنَة إِلا دَعْواهُما فَقالَ النَّبيُّ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَبَكَى الرَّجُلانِ وقالَ: كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما حَقّي لَكَ. فَقالَ لَهُما النَّبيُّ ﷺ : "أَما إِذْ فَعَلْتُما ما فَعَلْتُما فاقْتَسِما وَتَوَخَّيا الحَقَّ. ثُمَّ اسْتَهِما ثُمَّ تَحالَّا" (٢). ٣٥٨٥ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازيُّ، أَخْبَرَنا عِيسَى، حَدَّثَنا أُسامَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رافِعٍ قالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبىِّ ﷺ بهذا الحَدِيثِ قالَ: يَخْتَصِمانِ في مَوارِيثَ وَأَشْياءَ قَدْ دَرَسَتْ. فَقالَ: "إِنّي إِنَّما أَقْضي بَيْنَكُمْ بِرَأْيي فِيما لَمْ يُنْزَلْ عَليَّ فِيهِ" (٣). ٣٥٨٦ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ﵁ قالَ وَهوَ عَلَى الِمنْبَرِ: يا أيُّها النّاسُ إِنَّ الرَّأي إِنَّما كانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُصِيبًا؛ لأَنَّ اللهَ كانَ يُرِيهِ؛ وَإنَّما هُوَ مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ (٤).

стр. 9620

٣٥٨٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبّيُّ، أَخْبَرَنا مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ، قالَ: أَخْبَرَني أَبُو عُثْمانَ الشّاميُّ وَلا إِخالُني رَأَيْتُ شامِيّا أَفْضَلَ مِنْهُ. يَعْني: حَرِيزَ بْنَ عُثْمانَ (١). * * * باب في قضاء القاضي إذا أخطأ [٣٥٨٣] (ثنا محمد بن كثير) العبدي المصيصي (أنا سفيان) بن عيينة (٢) (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام [الأسدي (عن) أبيه (عروة) بن الزبير بن العوام] (٣) (عن زينب بنت أم سلمة) وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله: زينب، سمعت النبي ﷺ عند البخاري (٤). (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ (قالت: قال رسول الله ﷺ ) زاد في رواية الصحيحين (٥): أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: (إنما) هي هنا للحصر المجازي؛ لأنه حصر خاص. أي: باعتبار علم الباطن، ويسمى هذا

стр. 9621

عند أهل البيان قصرًا. قلت: لأنه أتى به للرد على من يزعم أن من كان رسولًا يعلم الغيب ولا يخفى عليه المظلوم ونحو ذلك (أنا بشر) أي: من الخلق سمِّي بذلك لظهور البشرية، والبشر يطلق على الواحد، كما في هذا الحديث، وعلى الجمع نحو قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ (١). والمراد بقوله: (إنما أنا بشر) أي: إنما أنا مشارك لغيري من البشر في صفاتهم الخلقية، وإن زاد عليهم بما أعطاه الله تعالى من المعجزات الظاهرة وإطلاعه على الغيوب، حيث أطلعه الله تعالى، ولكن إنما نحكم بين الناس بالظاهر، والله متولي السرائر، فيحكم بالبينة واليمين ونحوهما من أحكام الظاهر مع جواز كون الباطن على خلافه، ومثله حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (٢). وقوله في المتلاعنين: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٣) لكن لما كان أمته مثله ومأمورون باتباعه والاقتداء به، جعل له من الحكم ما يكون حكمًا لهم؛ لأن الحكم بالظاهر أطيب للقلوب وأسكن للنفوس، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٤).

стр. 9622

(وإنكم تختصمون إلى) في الأحكام (ولعل بعضكم أن يكون) فيه شاهد على اقتران (أن) بخبر (لعل) حملًا لها على (عسى)، يقول الشَّاعر: لعلك يومًا أن تلم ملمة ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا (١) (ألحن) بالنصب خبر (كان) (بحجته من بعض) ومعنى (ألحن) أفطن لها. ويجوز أن يكون معناه: أفصح تعبيرًا عنها وأظهر احتجاجًا، يخيل أنه محق، وهو في الحقيقة مبطل. والأظهر أن معناه: أبلغ، كما في رواية الصحيحين (٢)، أي: أحسن إيرادًا للكلام. ولا بد في هذا الكلام من محذوف لتصحيح معناه. أي: وهو كاذب. ويسمى هذا عند الأصوليين دلالة اقتضاء؛ لأن هذا المحذوف اقتضاه اللفظ الظاهر المذكور بعده وهو قوله بعده في رواية الصحيحين: "فأحسب أنه صادق" (٣). فاقتضى هذا أن الذي ألحن به حجته. (فأقضى له على نحو) بالتنوين (مما أسمع) منكم. كذا لابن ماجه (٤). فيه أن الحاكم يحكم بظاهر ما يسمع من الألفاظ، والله تعالى متولي السرائر يحكم بها يوم القيامة، وأما في الدنيا فيحكم بالظاهر.

стр. 9623

(فمن قضيت له من حق أخيه) المسلم، كما هو مصرح به في الصحيحين (١) (بشيء) والمسلم هنا لا مفهوم له؛ لأنه خرج مخرج الغالب؛ وإلا فالذمي والمعاهد كذلك، أو هو من باب التهييج كما سبق (فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة) بكسر القاف. أي: طائف (من النار) زاد ابن ماجه: "يأتي بها يوم القيامة" (٢) أي: حاملًا لها مع أثقاله، وأطلق عليه نارًا؛ لأنه سبب لحصول النار، فهو من باب التشبيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٣). [٣٥٨٤] (ثنا الربيع بن نافع) الحلبي كنيته (أبو توبة) شيخ الشيخين (ثنا) عبد الله (بن المبارك، عن أسامة بن زيد) بن أسلم المدني مولى عمر ﵁ قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. قال ابن سعد: توفي زمن المنصور (٤). (عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة) زوج النبي ﷺ ، يكنى أبا رافع. أخرج له مسلم. (عن أم سلمة قالت: أتى (٥) رسول) بالنصب مفعول مقدم (الله ﷺ

стр. 9624

رجلان يختصمان في مواريث) غير منصرف، سيأتي في رواية: قد درست (١). (لهما) و (لم يكن لهما بينة) الظاهر ولا لأحدهما (إلا دعواهما، فقال النبي ﷺ ) الحديث (فذكر مثله) وفيه: "فإنما أقطع له قطعة من النار" (٢). ويؤخذ من هذا الحديث استحباب وعظ الحاكم الخصم قبل التحاكم، لا سيما إذا قامت عنده قرينة بإبطال أحد (٣) الخصمين، كما في حديث المتلاعنين: "أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (٤). ويلحق بالحاكم المفتي إذا جاءه من يستفتيه، وظهرت له قرينة بإبطال ما يستفتيه. (فبكى الرجلان) يعني: حين سمعا ذكر النار والتوعد بها (وقال: كل واحد منهما) قد جعلت، أو وهبت (حقي لك) يا رسول الله. فيه دليل على هبة المجهول وهبة ما يدعيه قبل ثبوته، وفيه هبة الحاكم بحضرة خصمه، ولا يكون هذا رشوة، وفيه: جواز هبة الشريك قبل أن يستأذن شريكه إذا كان حاضرًا (فقال لهما النبي ﷺ : أما) بتخفيف الميم، يحتمل أن يكون بمعنى حقًّا (إذ) يجوز أن تكون للتعليل كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٥).

стр. 9625

(فعلتما مما فعلتما فاقتسما) يحتمل زيادة [الفاء] (١) فقد قيد الفراء والأعلم جواز زيادتها أن تكون داخلة على أمر أو نهي، وحمل عليه: لا تجزعي إن منفسًا أهلكته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (٢) وتقدير الكلام على هذا: فاقتسما هذا الذي تدافعتماه؛ لأنكما فعلتما ما فعلتماه من الخروج عنه خوفًا من نار جهنم. وفيه: أن الهبة لا تصح إلا بالقبول، فحيث لم يقبل النبي ﷺ لم تصح الهبة، ولهذا اقتصر على قوله: (اقتسما) من غير أن يذكر إعادة الموهوب لهما، وأيضًا فالهبة لا تنتقل إلى ملك الموهوب إلا بالقبض، ولا قبض هُنا. وفيه دليل على أن الخصمين إذا تداعيا عينًا في يد ثالث [أو لا يد عليها] (٣) ولا بينة لهما أنها تقسم بينهما، وكذا إذا أقام كل منهما بينة، فإنهما يتعارضان حيث لا ترجيح، وكأنه لا بينة لهما، وكان قول كل واحد منهما: حقي لك. لا اعتبار به؛ لأنها هبة باطلة (وتوخيا) بفتح الخاء المعجمة المشددة. قال في "النهاية": أي: اقصدا. (الحق) فيما تصنعانه من القسمة (٤).

стр. 9626

يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيا: إذا قصدت إليه وتعمدت فعله (ثم استهما) أي: ليأخذ كل واحد منكما [ما تخرجه القرعة من القسمة؛ ليتميز بينهما كل واحد منكما] (١) عن الآخر. وفيه: الأمر بالقرعة عند المساواة أو المشاححة. وقد وردت القرعة في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ (٣) وجاءت في خمس أحاديث من السنة: أحدها: هذا الحديث، وفي الثاني: في أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه (٤). والثالث: أقرع في ستة مملوكين (٥). والرابع: قوله: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه" (٦)، والخامس: حديث الزبير أن صفية جاءت بثوبين؛ لتكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلًا، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما، ثم كفَّنَّا كل واحد في الثوب الذي خرج له (٧).

стр. 9627

وتشاح الناس يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد (١). (ثم تحالَاّ) بتشديد اللام المتصلة بألف التثنية. أي: ليسأل كل واحد منهما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته، وقد يؤخذ منه صحة الإبراء من المجهول، فإن الذي يبرئ ذمة كل واحد منهما غير معلوم في الحديث. [٣٥٨٥] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي) شيخ الشيخين (أنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق [أبو] (٢) عمرو الهمداني الكوفيِّ (ثنا أسامة) بن زيد الليثي (عن عبد الله بن رافع) مولى أم سلمة (قال: سمعت أم سلمة) زوج النبي ﷺ (بهذا الحديث) المذكور و (قال) في هذِه الرِّواية (يختصمان في مواريث) وزاد هنا (وأشياء قد درست) (٣) بفتح الراء، يقال: دَرَسَ المنزل دروسًا كقعد قُعودًا إذا عفى وخفيت آثاره (فقال: إني إنما أقضي بينكم برأيي) هذا الحديث مما استدل به الأصوليون على العمل بالقياس، وأنَّه حجة، وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ إلى اليمن كما سيأتي في باب اجتهاد الرأي (٤). والصحيح الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء أن القياس أحد

стр. 9628

الأدلة الشرعية كما سيأتي (١)، وخالف في ذلك ابن حزم، وأجاب ابن حزم في كتاب "النكت" له في إبطال الأمور الخمسة: التقليد، والقياس، والرأي، والاستحسان. والتعليل عن هذا الحديث بأنه غير صحيح؛ لأنه من رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف، ولأن رأي رسول الله ﷺ حق لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق عن الهوى (٢)، قال الله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣) وسيأتي في حديث معاذ جوابه عنه (فيما) أي: في كل ما (لم ينزل) بضم أوله، ويجوز تشديد الزاي وتخفيفها مع فتحها على البناء للمفعول (٤)، وكسرها على البناء للفاعل (عليَّ فيه) شيء والمراد بالحديث -والله أعلم- أن ما لم ينزل الله علي فيه وحيًا (٥) انظر فيه، وأحكم فيه برأيي الجاري على سنن الوحي. ولهذا قلنا: إن هذا الحديث وحديث معاذ أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا ظهر له رأي فهو صواب؛ لأنه لا ينطق عن الهوى. [٣٥٨٦] ([حدثنا] (٦) سليمان بن داود المهري) بفتح الميم (قال: أنا) عبد الله (ابن وهب، عن يونس (٧) بن يزيد) الأيلي (عن) محمد (ابن

стр. 9629

شهاب) الزُّهريّ (أن عمر بن الخطاب) هذا منقطع؛ لأن الزُّهريّ لم يدرك عمر ﵁ ([قال وهو على المنبر] (١): يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا) فيه، معصومًا من الخطأ (لأن الله تعالى كان يريه) الصواب، كما قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) تعالى، بواسطة نظره واجتهاده في أحكام الكتاب وأدلته. وفيه دليل على هذا بأنه ﵇ كان يجتهد فيما لا نص فيه عنده من الحوادث، وهي مسألة خلاف في أصول الفقه، [وهذا الحديث] (٣) والآية حجة لمن أجاز؛ ولأن الاجتهاد منصب كمال، فلا ينبغي أن يفوته ﵊. وقد دل على وقوعه منه قوله ﵇: "لو قلت: نعم لوجبت" (٤) و "لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لم أقتله" (٥) في قضيتين مشهورتين، و (إنما هو) يعني: الرأي (منا الظن) الغالب الذي لا تعين فيه (والتكلف) الشديد في استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة؛ ولهذا كان طريقه الاجتهاد، بخلاف اجتهاده ﷺ ، فإنَّه قادر على اليقين، وهو معصوم من الخطأ وجميع الأنبياء ﵈. * * *

стр. 9630

٨ - باب كَيْفَ يَجْلِسُ الخَصْمان بينَ يَدى القاضي ٣٥٨٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن مَنِيع، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ المبارَكِ، حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قَضَى رَسول اللهِ ﷺ أَنَّ الخَصْمَيْنِ يَقْعدانِ بَيْنَ يَدى الحَكَمِ (١). * * * باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي [٣٥٨٨] (ثنا أحمد بن منيع) بفتح الميم، وكسر النون، البغوي الحافظ، صاحب "المسند" (ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا مصعب بن ثابت) بن عبد الله بن الزبير الأسدي المديني، روى عن جدِّه مرسلًا وعن أبيه وعمه عامر، قال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط (٢). وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي (٣). (عن) جده عبد الله (بن الزبير ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين) إذا تداعيا (يقعدان بين يدي الحاكم) (٤) كما تقدم قبله. * * *
следующие страницы →