← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيا: إذا قصدت إليه وتعمدت فعله (ثم استهما) أي: ليأخذ كل واحد منكما [ما تخرجه القرعة من القسمة؛ ليتميز بينهما كل واحد منكما] (١) عن الآخر. وفيه: الأمر بالقرعة عند المساواة أو المشاححة. وقد وردت القرعة في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ (٣) وجاءت في خمس أحاديث من السنة: أحدها: هذا الحديث، وفي الثاني: في أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه (٤). والثالث: أقرع في ستة مملوكين (٥). والرابع: قوله: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه" (٦)، والخامس: حديث الزبير أن صفية جاءت بثوبين؛ لتكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلًا، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما، ثم كفَّنَّا كل واحد في الثوب الذي خرج له (٧).

стр. 9627

وتشاح الناس يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد (١). (ثم تحالَاّ) بتشديد اللام المتصلة بألف التثنية. أي: ليسأل كل واحد منهما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته، وقد يؤخذ منه صحة الإبراء من المجهول، فإن الذي يبرئ ذمة كل واحد منهما غير معلوم في الحديث. [٣٥٨٥] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي) شيخ الشيخين (أنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق [أبو] (٢) عمرو الهمداني الكوفيِّ (ثنا أسامة) بن زيد الليثي (عن عبد الله بن رافع) مولى أم سلمة (قال: سمعت أم سلمة) زوج النبي ﷺ (بهذا الحديث) المذكور و (قال) في هذِه الرِّواية (يختصمان في مواريث) وزاد هنا (وأشياء قد درست) (٣) بفتح الراء، يقال: دَرَسَ المنزل دروسًا كقعد قُعودًا إذا عفى وخفيت آثاره (فقال: إني إنما أقضي بينكم برأيي) هذا الحديث مما استدل به الأصوليون على العمل بالقياس، وأنَّه حجة، وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ إلى اليمن كما سيأتي في باب اجتهاد الرأي (٤). والصحيح الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء أن القياس أحد

стр. 9628

الأدلة الشرعية كما سيأتي (١)، وخالف في ذلك ابن حزم، وأجاب ابن حزم في كتاب "النكت" له في إبطال الأمور الخمسة: التقليد، والقياس، والرأي، والاستحسان. والتعليل عن هذا الحديث بأنه غير صحيح؛ لأنه من رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف، ولأن رأي رسول الله ﷺ حق لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق عن الهوى (٢)، قال الله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣) وسيأتي في حديث معاذ جوابه عنه (فيما) أي: في كل ما (لم ينزل) بضم أوله، ويجوز تشديد الزاي وتخفيفها مع فتحها على البناء للمفعول (٤)، وكسرها على البناء للفاعل (عليَّ فيه) شيء والمراد بالحديث -والله أعلم- أن ما لم ينزل الله علي فيه وحيًا (٥) انظر فيه، وأحكم فيه برأيي الجاري على سنن الوحي. ولهذا قلنا: إن هذا الحديث وحديث معاذ أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا ظهر له رأي فهو صواب؛ لأنه لا ينطق عن الهوى. [٣٥٨٦] ([حدثنا] (٦) سليمان بن داود المهري) بفتح الميم (قال: أنا) عبد الله (ابن وهب، عن يونس (٧) بن يزيد) الأيلي (عن) محمد (ابن

стр. 9629

شهاب) الزُّهريّ (أن عمر بن الخطاب) هذا منقطع؛ لأن الزُّهريّ لم يدرك عمر ﵁ ([قال وهو على المنبر] (١): يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا) فيه، معصومًا من الخطأ (لأن الله تعالى كان يريه) الصواب، كما قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) تعالى، بواسطة نظره واجتهاده في أحكام الكتاب وأدلته. وفيه دليل على هذا بأنه ﵇ كان يجتهد فيما لا نص فيه عنده من الحوادث، وهي مسألة خلاف في أصول الفقه، [وهذا الحديث] (٣) والآية حجة لمن أجاز؛ ولأن الاجتهاد منصب كمال، فلا ينبغي أن يفوته ﵊. وقد دل على وقوعه منه قوله ﵇: "لو قلت: نعم لوجبت" (٤) و "لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لم أقتله" (٥) في قضيتين مشهورتين، و (إنما هو) يعني: الرأي (منا الظن) الغالب الذي لا تعين فيه (والتكلف) الشديد في استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة؛ ولهذا كان طريقه الاجتهاد، بخلاف اجتهاده ﷺ ، فإنَّه قادر على اليقين، وهو معصوم من الخطأ وجميع الأنبياء ﵈. * * *

стр. 9630

٨ - باب كَيْفَ يَجْلِسُ الخَصْمان بينَ يَدى القاضي ٣٥٨٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن مَنِيع، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ المبارَكِ، حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قَضَى رَسول اللهِ ﷺ أَنَّ الخَصْمَيْنِ يَقْعدانِ بَيْنَ يَدى الحَكَمِ (١). * * * باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي [٣٥٨٨] (ثنا أحمد بن منيع) بفتح الميم، وكسر النون، البغوي الحافظ، صاحب "المسند" (ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا مصعب بن ثابت) بن عبد الله بن الزبير الأسدي المديني، روى عن جدِّه مرسلًا وعن أبيه وعمه عامر، قال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط (٢). وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي (٣). (عن) جده عبد الله (بن الزبير ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين) إذا تداعيا (يقعدان بين يدي الحاكم) (٤) كما تقدم قبله. * * *

стр. 9631

٩ - باب القاضي يَقْضي وَهو غَضْبانُ ٣٥٨٩ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سفْيانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ، حَدَّثَنا عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابنهِ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَقْضي الحَكَمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبانُ" (١). * * * باب: القاضي يقضي وهو غضبان [٣٥٨٩] (ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير) الكوفيِّ رأى علي بن أبي طالب (ثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة) الثَّقفيُّ، أول مولود بالبصرة (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث الثَّقفيُّ الطائفي (أنه كتب إلى ابنه) لفظ رواية مسلم: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: كتب أبي- وكتبت له- إلى عبد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان (٢). (قال رسول الله ﷺ : لا يقضي) رواية النسائي أن عبد الرحمن قال: كتب إلى أبو بكرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٣). وفيه دليل على أن الكتاب بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل به (الحكم) بفتح الحاء والكاف. يعني: الحاكم كقولهم في المثل: في بيته يؤتى الحكم (٤). ومن أسماء الله تعالى الحكم.

стр. 9632

وفي الحديث أن أبا شريح كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : "إن الله هو الحكم" وكناه أبا شريح (١). (بين اثنين) هذا أقل ما يتأتى فيه الحكم، وإلا فقد يحكم بين ثلاثة فصاعدًا، المفهوم العدد غير معمول (٢) به هنا؛ لكونه خرج مخرج الغالب (وهو غضبان) جملة اسمية في موضع نصب على الحال. أي: لا يقضي في حال غضبه، قالوا: علة النهي عنه لما يحدث للنفس بسبب الغضب من التشويش الموجب لاختلال النظر في المسائل الاجتهادية، وبهذا يظهر مناسبة ذكر هذا الحديث بعد ما قبله، ودقة نظر المصنف في ترتيب الأحاديث والأبواب لمن تدبر ذلك. وقاس الفقهاء عليه كل ما كان في معناه من مشوشات الفكر الآتية، وهذا القياس أحد أنواع الأسماء الخمسة، ووجهه أن ترتيب حكم القضاء على وصف الغضب فيه إنما يشعر بأنه هو علة النهي، لكنا نعلم أن خصوص كونه غضبًا لا مناسبة فيه، فيلزم أن يكون متغيرًا من جهة عمومه، وهو كونه مشوشًا للفكر. وهذا الوصف غير مذكور، لكنَّه هو المناسب يلزم أن يلحق به ما في معناه من الجوع وغيره كما سيأتي، فظهر بهذا أن العلة في الحقيقة هو التشويش لا الغضب. وقال الإمام فخر الدين: لا مناسبة بين التشويش والغضب؛ لأن التشويش إنما ينشأ عن الغضب الشديد لا عن مطلقه،

стр. 9633

فلا يصلح للغلبة. والجواب أن وصف الغضب مظنة التشويش الذي هو الحكمة، ولما كانت الحكمة التي هي تشويش الذهن غير منضبطة علق الحكم على مظنتها وهو الغضب، كالسفر مع المشقة. ويقوي هذا حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان"، رواه البيهقي (١)، ورواية الشافعي بلفظ: "لا يحكم الحاكم، ولا يقضي بين اثنين وهو غضبان" (٢) ويلحق بالغضب كل حال يخرج بها الحاكم عن سداد النظر واستقامة الحال، كالشبع المفرط، والقلق، والهم المضجر، والفرح المفرط، ومدافعة الحدث، والتوقان إلى الطَّعام، والمرض المؤلم، والنعاس الغالب، ويدخل في عمومه عموم الأمكنة المشوشة لضيق المكان لزحمة ونحوها، وأن يكون المجالس لا يتمكن فيه من القعود؛ لكثرة شوك ونحوه. وكذا عموم الأزمنة كشدة برد الشتاء، وحر الصيف، ونحو ذلك. وأما حكم النبي ﷺ في حال غضبه في اللقطة وقصة الزبير في السقي ونحوهما، أن الغضب في العلة عام مخصوص بغير النبي ﷺ الذي هو

стр. 9634

معصوم من اختلال الحكم عند الغضب؛ لعصمته، فلا يقول في حالة الغضب والرضا إلا حقًّا، كما جاء في "الصحيح" حين قال الصحابي: أكتب عنك ما تقول في الرضا والغضب؟ وخصص بعضهم الغضب المانع من الحكم أن يكون لغير الله، فأمَّا الغضب لله كغضبه ﷺ فلا يمنع جواز الحكم. * * *

стр. 9635

١٠ - باب الحكْمِ بينَ أَهْل الذّمَّةِ ٣٥٩٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَني عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَنُسِخَتْ قالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١). ٣٥٩١ - حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْنُ محَمَّدٍ النُّفَيْليّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن إِسْحاق، عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآيَةَ قالَ: كانَ بَنُو النَّضِيرِ إِذا قَتَلُوا مِنْ بَني قريظَةَ أَدَّوْا نِصْف الدِّيَةِ وِاذا قَتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَني النَّضِيرِ أَدَّوْا إِلَيْهِمُ الدِّيَةَ كامِلَةً فَسَوى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهمْ (٢). * * * باب: الحكم بين أهل الذمة [٣٥٩٠] (ثنا أحمد (٣) بن محمد المروزي) من كبار الأئمة (حدثني علي بن حسين) بن واقد المروزي، قواه غير ابن أبي حاتم (عن أبيه) حسين بن واقد المروزي، قاضي مرو، مولى عبد الله بن عامر، أخرج له مسلم في غير موضع (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾)

стр. 9636

يعني: أهل الكتاب (﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾) إن شئت ﴿أَوْ أَعْرِضْ﴾) (١) أي: عن الحكم بينهم وهذا تخيير للنبي ﷺ في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم وإن شاء ترك، وكان هذا هو الأصلح في أول الإسلام أن يردُّوا إلى أحكامهم إن شاؤوا، فلما قوي الإسلام نسخت هذِه الآية بما بعدها حيث قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: هذا ناسخ للتخيير. والمشهور عند المفسرين أنه خيَّره أولاً، فتساوى الأمران (٢)، ثم رجح ثانيًا بالندب في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ دون إيجاب، ثم أوجب بالثاني قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾. ومما يرجع أن الثاني هو أن الحكم هو الناسخ دون ﴿فَاحْكُمْ﴾ أن فيه ذكر العلة وهو ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ (٣) فإنَّه علة للحكم، والمعنى: أن أحكم بينهم جزماً بسرعة لئلا يفتنوك، فإن الدليل الذي فيه ذكر العلة مقدم على ما ليس فيه ذكر العلة. [٣٥٩١] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا محمد بن سلمة) بفتح السين أوله، واللام، ابن عبد الله المرادي، أخرج له مسلم (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن داود بن الحصين) القرشي. (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت) قوله تعالى: (﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾) كما تقدم (﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾) أي: العدل السواء، الآية إلى آخرها (وكان

стр. 9637

بنو النضير إذا قتلوا) رجلًا من بني قريظة (أدوا) إليهم (نصف الدية) لكون بني النضير أشرف من قريظة، وهما قبيلتان من اليهود. (وإذا قتل بنو قريظة) أي واحد منهم (رجلًا من بني النضير أدَّوا إليهم الدِّية كاملة) رواية النسائي: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلًا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلًا من قريظة ودوا مائة وسق من تمر، فلما بُعِث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا لنقتله. فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ فأتوه، فنزلت ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١)، (فسوى رسول الله ﷺ بينهم) أي: بين الشريف والوضيع والقوي والضعيف، فإنَّما ترحمون وتنصرون بضعفائكم، ونزلت ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٣). * * *

стр. 9638

١١ - باب اجتِهادِ الرَّأي في القَضاءِ ٣٥٩٢ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ شعْبَةَ، عَنْ أَبي عَوْنٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أَخي المغِيرَة بْنِ شعْبَةَ، عَنْ أُناسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ أَصْحابِ معاذِ بْنِ جَبَل أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لما أرادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعاذًا إِلَى اليَمَنِ قالَ: "كيْفَ تَقْضي إِذا عَرَضَ لَكَ قَضاء". قالَ: أَقْضي بِكِتابِ اللهِ. قالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في كِتاب اللهِ! ". قالَ: فَبِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . قالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا في كِتاب اللهِ! ". قالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيي وَلا آلو. فَضَرَبَ رَسُول اللهِ ﷺ صَدْرَهُ وقالَ: "الحَمْدُ لله الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضي رَسُولَ اللهِ" (١). ٣٥٩٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحيَى، عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَني أَبو عَوْنٍ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ ناس مِنْ أَصْحابِ مُعاذ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا بَعَثَه إِلَى اليَمَنِ فَذَكَرَ مَعْناه (٢). * * * باب اجتهاد الرأي في القضاء [٣٥٩٢] (ثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي الحوضي شيخ البخاري (عن شعبة) (٣) بن الحجاج العتكي الأزدي (عن أبي عون) واسمه محمد بن عبيد الله بن سعيد الثَّقفيُّ، أخرج له الشيخان (عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة) قال

стр. 9639

البخاري: عن (١) أصحاب معاذ (٢). وقال الدارقطني في "العلل": رواه شعبة عن أبي عون هكذا، وأرسله ابن مهدي وآخرون عنه، والمرسل أصح (٣). وقال البخاري في "التاريخ الكبير": الحارث بن عمرو [ابن] (٤) أخي المغيرة بن شعبة الثَّقفيُّ، عن أصحاب معاذ، عن معاذ، وروى عنه أبو عون ولا يصح، ولا يعرف إلا بهذا مرسل (٥). (عن أناس من أهل حمص) وهي مدينة بالشام، لا يجوز فيها الصرف، كما يجوز في هند؛ لأنه اسم أعجمي، سميت برجل من العماليق يسمى حمص. (من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا قال: كيف تقضي إذا عرض) [مبني للفاعل] (٦) (لكّ قضاء؟ ) وفي الحديث: دليل على أن الإمام الأعظم إذا كان في بلد فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده، كما بعث النبي ﷺ عليًّا قاضيًا إلى اليمن (٧). وأن من بعث قاضيًا، فإن لم يكن يعلمه، أو شك في أمره فيمتحنه بما يتعلق من العقود والأحكام، كما امتحن النبي ﷺ معاذًا حين بعثه.

стр. 9640

ويترجح هذا عند تغير الأحوال وكثرة الحوادث (١)، وقد أمتحن البلقيني بعض القضاة لما تكلم في القضاء، فقال له: من يزوج المبعضة؟ فسكت، والمبعضة التي عتق بعضها، فيزوجها السيد والولي، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما. (قال: أقضي بكتاب الله) فبدأ بكتاب الله تعالى؛ لأنه أصل لسائر الأدلة الشرعية لقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) ولهذا (قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ ) ولم يقل: فإن لم يكن في كتاب. لكنها رواية الترمذي (٣). فما من حكم إلا وهو في كتاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) لكن يخفى على كثير من الناس، وقد قال الشافعي: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا وهي في كتاب الله (٥) (قال: فبسنة رسول الله ﷺ ) والسنة هي أقوال محمد ﷺ وأفعاله وما هم به، أو أوجبه، وإن لم يفعله. (قال: فإن لم تجد) ذلك (في سنة رسول الله ﷺ ؟ ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد) ولم يذكر الإجماع مع الأدلة، وهو مقدم مع القياس، لكن ترك ذكره هنا؛ لكونه ناشئًا عن الكتاب والسنة، ولا بد في مسنده من نص ثابت منهما أو قياس على نص، أو فعل من السنة، كإجماعهم على شحم

стр. 9641

الخنزير قياساً على لحمه، وإجماعهم على إمامة أبي بكر قياساً على تقديمه في الصلاة، ولم يذكر أيضاً الآثار المروية عن الصحابة التي لا تقال بالرأي؛ لأنها تابعة للسنة وداخلة فيها، ولا بد في الرأي من الاجتهاد، وقال الماوردي: هو بذل المجهود في بلوغ المقصود. (رأيي) فيه حذف حرف الجر تقديره: أجتهد فيه برأيي. أي: فكري إذا أشكل الحكم عَليَّ، يريد به الاجتهاد في ردِّ القضية العارضة إلى طريق من طرق القياس إلى معنى كتاب الله إن وجد به، وإلا إلى السنة، ولم يرد به الرأي يخطر له من قبل نفسه ويجري بباله من غير استناد إلى أصل كتاب أو سنة. وفي هذا بيان القياس وإيجاب الحكم به، وفيه دليل على أنه ليس للحاكم تقليد غيره فيما يريد أن يحكم به، وإن كان من يقلده أعلم منه وافقه حتى يجتهد فيما سمعه منه، فإن وافق رأيه واجتهاده أمضاه وإلا توقف فيه؛ لأن التقليد خارج عن هذِه الأقسام المذكورة في الحديث. (ولا آلو) بمد الهمزة؛ أي: لا أقصر في الاجتهاد ولا أترك بلوغ الوسع فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (١)، أي: لا يقصرون في إفساد أموركم. وقوله ﷺ لفاطمة حين رآها تبكي من زواجها: "ما يبكيك؟ فما آلوتك ونفسي، وقد أصبت لك خير أهل" (٢). أي: ما قصرت في أمرك وأمري حين اخترت لك عليًّا زوجًا (فضرب

стр. 9642

رسول الله ﷺ في صدري) ليثبت في صدره ما ذكره في قضائه، وليحصل له بركة راحته الكريمة. وخص الصدر بالضرب؛ لكونه محل العلوم ومنبع الفهوم. (وقال: الحمد لله) فيه حمد الله على التوفيق إلى الصواب (الذي وفق رسول رسول الله ﷺ ) وفيه مدح الرسول والتلميذ ونحوهما إذا ظهر منه الصواب في قول أو فعل في وجهه إذا كان فيه مصلحة، ولم يخف عليه إعجاب لكمال علمه ورسوخه في التقوى. وفيه منقبة لمعاذ ﵁. (فيما يُرضي) بضم أوله وكسر ثالثه (رسول الله ﷺ ). فيه رضا الشيخ والإمام عن التلميذ وبعض عماله إذا ظهرت منه خصلة جميلة أو كثرة فضيلة. [٣٥٩٣] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة قال: حدثني أبو عون) محمد بن عبيد الله (عن الحارث بن عمرو) قال ابن حزم في كتابه المذكور قبله (١): الحارث بن عمرو مجهول (٢). قال: وكيف يقول ﵇: "فإن لم تجد في كتاب الله" (٣) وهو ﵇ قد سُئل عن الحمر، فقال: "ما أنزل عليَّ فيها شيء غير هذِه الآية الفاذة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ " (٤) (٥) ولم يحكم فيها ﵇ بغير

стр. 9643

الوحي، فكيف يجيز ذلك لغيره. (عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ بن جبل ﷺ أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن، فذكر معناه) قال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث: أعلم أني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل العلم، فلم أجد له غير طريقين: إحداهما: طريق شعبة، والأخرى: عن محمد بن جابر، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن رجل من ثقيف، عن معاذ (١). وقد أخرجه الخَطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه" من رواية عبد الرحمن ابن غنم، عن معاذ (٢). * * *

стр. 9644

١٢ - باب في الصُّلْح ٣٥٩٤ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْن داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَني سلَيْمان بْنُ بِلالٍ ح، وَحَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الدمَشْقيُّ، حَدَّثَنا مَرْوانُ- يَعْني ابن محَمَّدٍ - حَدَّثَنا سلَيْمان بْن بِلال أَوْ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ محَمَّدٍ -شَكَّ الشَّيْخُ- عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ رَباح، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصُّلْحُ جائِز بَيْنَ المُسْلِمِينَ". زادَ أحْمَد: "إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرامًا أَوْ حَرَّمَ حَلالاً". وَزادَ سُلَيْمانُ بْن داوُدَ وقالَ رَسول اللهِ ﷺ : "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" (١). ٣٥٩٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَني يونسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، أَخْبَرَني عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مالِك أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ أَخْبَرَه أَنَّهُ تَقاضَى ابن أَبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كانَ لَهُ عَلَيْهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ فارْتَفَعَتْ أَصْواتُهُما حَتَّى سَمِعَهُما رَسول اللهِ ﷺ وَهُوَ في بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِما رَسُول اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حجْرَتِهِ وَنادى كَعْبَ بْنَ مالِكٍ فَقالَ: "يا كعْبُ". فَقالَ لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللهِ. فَأَشارَ لَهُ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قالَ كَعْب: قَدْ فَعَلْت يا رَسولَ اللهِ. قالَ النَّبي ﷺ : "قُمْ فاقْضِهِ" (٢). * * * باب في الصُّلح [٣٥٩٤] (ثنا سليمان بن داود المهري) بفتح الميم (أنا) عبد الله (ابن وهب، قال أخبرني سليمان بن بلال) القرشي التَّيميُّ (ح، وحدثنا أحمد بن

стр. 9645

عبد الواحد) التميمي (الدّمشقيُّ) بكسر الدال وفتح الميم، ثقة. (ثنا مروان بن محمد) الدّمشقيُّ الطاطري [كان] (١) عبداً قانتًا، ثقة، أخرج له مسلم (ثنا سليمان بن بلال) المدني مولى عبد الله بن أبي عتيق (أو عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (شك الشيخ) أو أحد شيخيه (عن كثير بن زيد) الأسلمي المدني. قال أبو زرعة: صدوق (٢). وقالَ ابن معين: ثقة (٣). ورواه أحمد من حديث سليمان بن بلال، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة (٤). (عن الوليد بن رباح) بفتح الراء والموحدة، مدني صدوق. (عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : الصلح) هل هو عام أو مختص؟ (٥) وجهان مرويان في "البحر"، وهو على أصناف: صلح بين المسلمين والكفار وهو الهدنة، وصلح بين أهل البغي والعدل، وصلح بين الإخوان المتخاصمين، وصلح بين الزوجين عند الشقاق، وصلح بين المتداعيين في الأموال، فتارة يكون على الإنكار، وتارة يكون بمعنى البيع والإجارة والصرف، ولكل صنف منها أصل على حدته في الكتاب والسنة. وهذا الحديث يتناول مجموعها لعمومه، ومما يدل على العموم

стр. 9646

مجيء الاستثناء بعده، فإن الاستثناء معيار العموم، وإذا قلنا بعمومه فالمراد به الصلح الحقيقي الذي تركن إليه النفوس ويزول به الخلاف، وترك المنازعة. (جائز) هذا من الجواز الذي يعم الواجب والمندوب والمباح، لا الجواز المستوي الطرفين، فإن الصلح يكون مندوبًا إليه كقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) ويكون جائزًا، ويكون واجبًا، كما في بعض صور الصلح بين الزوجين إذا اشتد الشقاق بينهما، وبعث الحاكم حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، وهو ظاهر الأمر في قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٢). (بين المسلمين) هذا لا يختص بالمسلمين، بل الصلح بين الكافر والذمي والمسلم جائز أيضاً، فهذا مما خرج مخرج الغالب، فمفهوم صفة المسلمين غير معمول به. (زاد أحمد) بن عبد الواحد [على] (٣) سليمان المهري (إلا صلح) بالرَّفع هكذا في نسخ أبي داود والترمذي (٤)، وهو على البدل، فإنَّه استثناء منقطع من الأول، ويجوز النصب. والتقدير: لكن صلح أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالًا غير جائز. (أحلَّ حرامًا) كان يصالح مما ادَّعاه على خمر، أو خنزير، أو من دين

стр. 9647

حال على مؤجل، أو من دراهم على أكثر منها. ومنه الصلح على إشراع جناح في الطريق؛ لأن الهواء لا يفرد بالعقد، وإنما يتبع القرار كالحمل مع الأم، ومنه الصلح على أن يبني في الطريق دكة أو حائطا ونحوه (أو حرم حلالاً) كان يصالح زوجته على أن يطلقها، أو لا يتزوج عليها، أو لا يبيت عند ضرتها. (وزاد سليمان بن داود) المهري في روايته (وقال رسول الله ﷺ ) هذِه الزيادة ذكرها الترمذي، وقال في آخرها: حديث حسن صحيح (١). ولم يتابع الترمذي على تصحيحه، فإن كثيرًا تكلم فيه الأئمة وضعفوه، وضرب الإمام أحمد على تصحيحه في "المسند" ولم يحدث به. و(المسلمون على شروطهم) وفي رواية: "والمؤمنون على شروطهم" (٢) أو "عند شروطهم" أي: ثابتون عليها وواقفون عليها لا يرجعون عنها، وهذا اللائق بهم، الشاهد به إسلامهم أو إيمانهم، وفي إثباتهم بـ (على) إشارة إلى علو مرتبتهم، وفي وصفهم بالإسلام أو الإيمان ما يقتضي الوفاء بالشّرط ويحث عليه؛ فلهذا خصهم بالذكر، وإن كان كل أحد مأمور بذلك. قال المنذري: وهذا في الشروط الجائزة دون الفاسدة، وهو من باب ما أمر فيه بالوفاء بالعقود (٣). يعني: عقود الدين، وهو ما يعقده المرء على نفسه، ويشترط الوفاء به من مصالحة ومواعدة وتمليك وعقد وتدبير وبيع

стр. 9648

وإجارة ومناكحة وطلاق. وزاد الترمذي بعد قوله (على شروطهم): "إلا [شرطًا] (١) حرم حلالًا أو أحل حراماً" (٢). يعني: فإنَّه لا يجب الوفاء به، بل لا يجوز؛ لحديث: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٣). وحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤). فشرط نصرة الظالم والباغي وشن الغارات على المسلمين من الشروط الباطلة المحرمة. [٣٥٩٥] (ثنا أحمد بن صالح) الطبري المصري شيخ البخاري (ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك) السلمي، أخرج له الشيخان. (أَنَّ) أباه (كعب بن مالك ﵁ أخبره أنه) أي: أن كعبًا (تقاضى) من أبي محمد عبد الله (ابن أبي حدرد) الأسلمي يعد في أهل المدينة، واسم أبي حدرد سلامة (دينًا كان له عليه) أي: سأل ابن أبي حدرد أن يقضيه دينه الذي له عليه (في عهد رسول الله ﷺ في المسجد) فيه: جواز مطالبة الدين في المسجد (فارتفعت أصواتهما) لفظ مسلم: فارتفعت أصواتهم (٥) (حتى سمعها رسول الله ﷺ ، وهو في بيته) ولم ينكر عليهم، فكان ذلك دليلًا على استباحة مثل ذلك في المسجد ما لم يتفاحش، فإن تفاحش

стр. 9649

كان ذلك ممنوعًا؛ لنهيه ﷺ عن رفع الأصوات في المساجد. (فخرج إليهما رسول الله ﷺ ) فيه استحباب كون منزل إمام المسجد مجاورًا له؛ ليعلم بما يحدث فيه من الحوادث، وليكون ذلك سببًا لمواظبته على الإمامة؛ لأن منزله إذا بعد عن المسجد ربَّما شق عليه حضوره في كثرة الأمطار، أو شدة الحر ونحو ذلك إلى تعطل الإمامة، ففي جواره المسجد كما في منزل كاتبه فوائد كثيرة، وهذا أحدها، إذ لو لم يكن منزل رسول الله ﷺ مجاورًا له لما علم بذلك. (حتى كشف سجف) بكسر السين المهملة وفتحها لغتان، وسكون الجيم، وهو الستر، وقيل: الرقيق منه يكون في مقدم البيت، ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين (حجرته) وهو البيت الذي عليه حاجب (ونادى كعب) مفعول (بن مالك، فقال: يا كعب) بضم الباء، منادى مفرد (فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع) فيه دليل على أن الإشارة المفهمة بمنزلة الكلام؛ لأنها دلالة على الكلام كالحروف والأصوات، فيصح بيع الأخرس وشراؤه وإجارته وعقوده إذا فهم ذلك عنه، ويكون في إشارته صريح وكناية، فالصريح ما يفهمه كل الناس، والكناية ما يفهمه الفطن دون غيره. (الشطر) هو النصف على المشهور، ووقع في حديث الإسراء ما يدل على أن الشطر يطلق على الجزء (١)، ويقال فيه: شطر وشطير مثل نصف ونصيف، وهذا لفظ أمر، والمراد به الإرشاد إلى الصلح، وفيه فضيلة

стр. 9650

الشفاعة في ترك بعض الدين إلى صاحب الحق، وفيه فضيلة الصلح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم. (قال) كعب بن مالك (قد فعلت، يا رسول الله) وفيه: جواز الصلح على الإقرار؛ لأن نزاعهما لم يكن في أصل الدين، وإنما كان في التقاضي وهو متَّفقٌ، وإنما اختلفوا في الصلح على الإنكار، فأبطله الشافعي (١)، وصححه مالك (٢) وأبو حنيفة (٣). وفيه صحة الصلح بلفظ: (قد فعلت) وفيه أن الصلح على بعض الدين المدّعى إبراء. (قال النبي ﷺ : قم فاقضه) هذا أمر على جهة الوجوب؛ لأن رب الدين لما طاوع بوضع الشطر تعين على المديان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل، وهكذا ينبغي أن يبت الأمر بين المتصالحين، فلا يترك بينهما في الصلح علقة ما أمكن. * * *

стр. 9651

١٣ - باب في الشَّهاداتِ ٣٥٩٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني وَأَحْمَدُ بْن السَّرْحِ قالا: أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَني مالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي بَكْرٍ أَنَّ أَباهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عثْمانَ بْنِ عَفّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبي عَمْرَةَ الأنصاريَّ أَخْبَرَه أَنَّ زَيْدَ بْنَ خالِد الجهَنىِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَداءِ الذي يَأْتي بِشَهادَتِهِ أَوْ يُخْبِرُ بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَها". شَكَّ عَبْد اللهِ بْنُ أَبي بَكْرٍ أيَّتَهما قالَ. قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ مالِكٌ: الذي يخبِرُ بِشَهادَتِهِ وَلا يَعْلَمُ بِها الذي هيَ لَهُ. قالَ الهَمْداني: وَيَرْفَعها إِلَى السّلْطانِ. قالَ ابن السَّرحِ أَوْ يَأْتي بِها الإِمامَ. والإِخْبارُ في حَدِيثِ الهَمْداني. قالَ ابن السَّرْحِ: ابن أَبي عَمْرَةَ لم يقلْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ (١). * * * باب في الشهادات [٣٥٩٦] (ثنا أحمد (٢) بن سعيد الهمداني) بسكون الميم أبو جعفر المصري (و) أحمد بن عمرو (ابن السرح) شيخ مسلم (قالا: أنا) عبد الله (ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. (أن أباه) (٣) أبا بكر، واسمه كنيته، وهو نجاري مدني. (أخبره أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان) الأموي، المعروف بالمطرف، لحسنه وجماله (أخبره أن عبد الرحمن بن أبي عمرة) اسمه

стр. 9652

عبد الرحمن (١)، وهذا الإسناد فيه أربعة تابعيون، يروي بعضهم عن بعض، وهو عبد الله، وأبوه وعبد الرحمن، وابن أبي عمرة (الأنصاري) القاص. (أخبره أن زيد بن خالد الجهني ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بخير الشهداء؟ ) جمع شهيد، كظرفاء جمع ظريف، ويجمع أيضاً على شهود. ويعني بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة وأكثرهم ثوابًا عند الله تعالى (الذي يأتي بشهادته -أو يخبر بشهادته- قبل أن يسألها) وفي رواية: قبل أن يستشهد. (شك عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (أيتهما قال) شيخه في روايته. (قال: المصنف: قال مالك) خير الشهداء هو (الذي يخبر) من له الشهادة (بشهادته) التي يشهدها له (ولا يعلم بها) صاحب الحق (الذي هي له) و (قال) أحمد بن سعيد (الهمداني) في روايته (ويرفعها) له (إلى السلطان. قال) أحمد بن عمرو (ابن السرح: أو) هو الذي (يأتي بها) أي: بشهادة (الإمام) فيخبره بها وإن لم يسأل، وهذِه هي شهادة الحسبة، فشاهدها خير الشهداء؛ لأنها لو لم يظهرها لضاع حكم من أحكام الدين وقاعدة من قواعد الشرع. وقال غيره: هذا في الأمانة والوديعة تكون لليتيم لا يعلم مكانها غيره، فيخبر بما يعلمه من ذلك. وقيل: هذا مثل في سُرعة إجابة الشاهد إذا استشهد فلا يمنعها، ولا يؤخرها كما يقال: الجواد يعطي قبل سؤاله، عبارةً عن حسن طاعته وتعجيله.

стр. 9653

(والإخبار) يعني في لفظ روايته: أخبرنا هو (في حديث الهمداني) دون ابن السرح، فإنَّه مصرح بالتحديث، و (قال) أحمد (بن السرح: ابن أبي عمرة ولم يقل: عبد الرحمن) بن أبي عمرة، كما قال الهمداني، وهذا من كثرة تدقيق المصنف وتحرير ألفاظ الرِّواية، فجزاه الله أفضل الجزاء. * * *

стр. 9654

١٤ - باب فِيمَنْ يُعِينُ عَلى خصومَةٍ مِنْ غيْرِ أن يَعْلَمَ أمْرَها ٣٥٩٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا عمارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنْ يَحيَى ابْنِ راشِدٍ قالَ جَلَسْنا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فَخَرَجَ إِلَيْنا فَجَلَسَ فَقالَ: سَمِعْت رَسولَ اللهِ ﷺ يُقول: "مَن حالَتْ شَفاعَتُهُ دُونَ حَدَّ مِنْ حُدُودِ اللهِ فقَدْ ضادَّ اللهَ وَمَن خاصَمَ في باطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ في سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزع عَنْهُ وَمَنْ قالَ في مُؤمِنٍ ما لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الخَبالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قالَ" (١). ٣٥٩٨ - حَدَّثَنا عَليّ بْن الحُسَيْنِ بْنِ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا عاصِم بْن محَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ العمَريُّ، حَدَّثَني المثَنَّي بن يَزِيدَ، عَنْ مَطَرٍ الوَرّاق عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ بِمَعْناهُ قالَ: "وَمَنْ أَعانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ " (٢). * * * باب: مَن يعين على خصومة ولم يعلم أمرها [٣٥٩٧] (ثنا أحمد) (٣) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (ثنا زهير، ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى (٤) بن راشد) الدّمشقيُّ الطويل، ثقة (قال: جلسنا لعبد الله بن عمر ﵄، فخرج إلينا فجلس) فيه الجلوس لاستماع العلم الشريف من حديث وتفسير وغيرهما.

стр. 9655

(فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حالت شفاعته دون) إقامة (حد من حدود الله) تعالى، فخرج به الشفاعة فيما ليس فيه حد ولا حق آدمي، وإنما فيه التعزير، فجائز عند العلماء بلغ الإمام أمره أم لا. قال الحسن في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ الشفاعة الحسنة ما يجوز في الدين الشفاعة فيه، والشفاعة السيئة ما لا يجوز الشفاعة فيه (١). فعلى هذا الشفاعة في التعزير مندوب إليها، مأجور صاحبها عليها (فقد ضاد (٢) الله) أي: خالفه فيما أمر به من إقامة الحد، فكأنه صَار ضدا له بمخالفته ورده حكمه بشفاعته، وهذا الوعيد الشديد والتهديد الأكيد فيمن يعلم أن فيه حدا لله تعالى ويشفع فيه، أو [يعلم أنه] (٣) بلغ الإمام، فأمَّا من لا يعلم فلا إثم عليه إن شاء الله تعالى. والشفاعة في الحد قبل بلوغه جائزة عند الأكثرين؛ لما جاء في الستر على المسلم من الأحاديث الكثيرة، قال الإمام مالك: وهذا فيمن لم يعرف منه أذى للنَّاس، وأما من عرف منه شر وفساد فلا أحب أن يشفع فيه (٤). (ومن خاصم في باطل) قال الغزالي: الخصومة لجاج في الكلام

стр. 9656

ليستوفى بها مال أو حق مقصود، تارة يكون ابتداء، وتارة يكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً على كلام سبق (١). قال بعضهم: إياك والخصومة، فإنها تمحق الدين. ويقال: ما خاصم قط وَرع. (وهو يعلمه لم يزل في سخط الله) وهذا الدم الشديد له شرطان: أحدهما: الذي يخاصم بالباطل. والثَّاني: الذي يخاصم مع علمه أنه باطل، فأمَّا المظلوم الذي يخاصم فهذا لجاجه ليصل إلى حقه بطريق الشرع من غير لدد وزيادة لجاج ولا قصد إيذاء، فليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا؛ فإن ضبط اللسان في الخصومة متعذر، والخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب نسي المتخاصم فيه وبقي الحقد. (حتى ينزع) أي: ينجذب عنه ويميل إلى الحق فيسلم (ومن قال في) عرض (مؤمن ما ليس فيه) من الباطل الذي فيه عيب. يبين هذا الحديث ما رواه الطبراني بإسناد جيد عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم، حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه" (٢).

стр. 9657

ورواية مسلم: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (١). و (بهته) بتخفيف الهاء، أي: قلت فيه البهتان. (أسكنه الله) أي: حبسه كما للطبراني (٢) (رَدغة) بفتح الراء وإسكان الدال المهملة، وبالغين المعجمة، ويجوز فتح الدال. هو عصارة أهل النار أو عرقهم، كما جاء مفسرًا في "صحيح مسلم" (٣) وغيره (الخبال) بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الباء الموحدة، وهو في الأصل الفساد، وأصل الردغ الطين والوحل. وفي الحديث: "من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال" (٤). (حتى يخرج مما قال) فيه. أي: يتخلص من إثم ما قال فيه من البهتان. [٣٥٩٨] (ثنا علي بن حسين بن إبراهيم) بن إشكاب العامري، وثقه النسائي (٥) (ثنا عمر (٦) بن يونس) اليمامي، ثقة (ثنا عاصم بن محمد بن زيد) بن عبد الله بن عمر (العُمري) بضم العين نسبة إلى جده عمر بن الخطاب (قال: حدثني المثنى (٧) بن يزيد) أخرج له النسائي في "عمل

стр. 9658

اليوم والليلة" (١) (عن مطر) بن طهمان الخراساني، أخرج له مسلم في مواضع (الورَّاق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ وذكر الحديث (بمعناه) المذكور. (وقال: من أعان) مخاصمًا (على خصومة) خاصمها، يدخل في عمومها الخصومة في حق، والخصومة في باطل، لكن الإثم في الباطل أكثر من الإعانة في الحق، والإثم في الحق لا لكونه حقًّا؛ بل لكونه أعان في الحق بغير حق، كما سيأتي، ومن الإعانة بغير حق ما رواه الطبراني في "الكبير" عن أوس بن شرحبيل أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من مشى مع ظالم؛ ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام" (٢). (بظلم) أي: بغير حق، كما بينه في رواية الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ولفظه: "من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع" (٣). وروى الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادَّ الله في ملكه، ومن أعان على خصومة لا يعلم أحق

стр. 9659

أو باطل فهو في سخط حتى ينزع، ومن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد" (١) فقد جاء بغضب من الله) أي: لزمه غضب الله. ومعنى الغضب في صفات الله ؛ إرادة العقوبة (٢)، فهو صفة ذات، وإرادة الله من صفات ذاته أو هو نفس العقوبة، ومنه حديث: "الصدقة تطفئ غضب الرب" (٣). * * *

стр. 9660

١٥ - باب في شَهادةِ الزُّورِ ٣٥٩٩ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْن مُوسَى البَلْخيُّ، حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَني سُفْيانُ -يَعْني العُصْفُريَّ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ النُّعْمانِ الأسَديِّ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فاتِكٍ قالَ: صَلَّى رَسول اللهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ فَلَمّا انْصَرَفَ قامَ قائِمًا فَقالَ: "عُدِلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ بِالإِشْراكِ باللهِ". ثَلاثَ مِرارٍ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (١). * * * باب في شهادة الزور [٣٥٩٩] (ثنا يحيى بن موسى البلخي) شيخ البخاري (حدثني محمد (٢) بن عبيد) بن أميَّة الطنافسي الكوفي الأحدب (حدثني سفيان) ابن زياد، روي له الجماعة [سوى] (٣) مسلم (العصفري) بضم العين والفاء نسبة إلى العصفر [وبيعه وشرائه، وهو ما تصبغ به الثياب. (عن أبيه) زياد العصفري] (٤) (عن حبيب بن النُّعمان الأسدي) أخرج له ابن ماجه، وهو مقبول (عن خريم) بضم الخاء المعجمة بعدها راء مهملة مصغر (ابن فاتك) بفاء، وبعد الألف مثناة فوق مكسورة، ثم كاف، وقيل: هو: خريم بن أخرم بن شداد بن عمرو بن الفاتك الأسدي وقيل: فاتك

стр. 9661

لأبيه أخرم، شهد بدرًا مع أخيه سمرة، وقيل: إن خريمًا وابنه أسلما يوم الفتح، وقد صحح البخاري وغيره أن خريمًا وأخاه شهدا بدرًا (١) ونزل خريم الرقة. (قال: صلى رسول ﷺ صلاة الصبح فلما انصرف) منها (قام قائماً) فيه: القيام لتبليغ الأحكام والوعظ والخطابة (فقال: عدلت) بضم العين، وكسر الدال. أي: قومت وجعلت عدل الشرك بالله، أي: مثله (شهادة الزور) سميت بذلك [لأن] (٢) شاهده يميل عن الحق، من قولهم: تزاور عنه. أي: مال (بالإشراك بالله) تعالى ذلك (ثلاث مرات) وفيه تعظيم شهادة الزور؛ إذ هي من أكبر الكبائر، ولهذا يعادله الشرك بالله تعالى. (ثم قرأ) قوله: (﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾) الرجز والرجس: العذاب، قال ابن عبد السلام: حكم القاضي بغير حق كبيرة؛ لأن شاهد الزور متوسل متسبب، فإذا كان المتسبب كبيرة فالمباشر أكثر منه (٣). وهو إن علم القاضي بالزور (من) لبيان الجنس وللتمييز، كقولك: عندي عشرون من الدراهم. فكما أن العشرين تتناول أشياء، كذلك الرجز يتناول أشياء، فاحتيج إلى ما يميز فكأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، كما قالوا: عندي العشرون التي هي الدراهم. (﴿الْأَوْثَانِ﴾) جمع وثن، وهو ما له جثة معمولة من جواهر

стр. 9662

الأرض، يعبد من دون الله (﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾) جعل الشرك وقول الزور في قران واحد، وذلك أن الشرك من باب الزور؛ لأن المشرك يقول: عبادة الأوثان حق. كما يقول شاهد الزور: شهادته حق. فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله. وهو الكذب، ولا تقربوا منهما شيئاً، وسمي الوثن رجسا على طريق التشبيه، يعني: كما أنكم تنفرون بطباعكم عن الرجس فتجتنبوه، فعليكم أن تنفروا من كلمات الزور مثل تلك النفرة، وقد نبه على هذا المعنى بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾) حال من الضمير في قوله: ﴿اجْتَنِبُوا﴾ أي: اجتنبوه في حال كونكم مائلين لله بكليتكم ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ سبحانه في العبادة. * * *

стр. 9663

١٦ - باب منْ ترَدُّ شهادَته ٣٦٠٠ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ راشِدٍ، حَدَّثَنا سُلَيْمان بْنُ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ شَهادَةَ الخائِنِ والخائِنَةِ وَذي الغِمْرِ عَلَى أَخِيهِ وَرَدَّ شَهادَةَ القانِعِ لأهلِ البَيْتِ وَأَجازَها لِغَيْرِهِمْ. قالَ أَبُو داوُدَ: الغِمْرُ الِحنَةُ والشَّحْناء والقانِعُ الأجَير التّابع مِثْلُ الأجَيرِ الخاصِّ (١). ٣٦٠١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ طارِق الرّازيّ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الُخزاعيّ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ سلَيْمانَ بْنِ مُوسَى بإسْنادِهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَجُوزُ شَهادَةُ خائِنٍ وَلا خائِنَةٍ، وَلا زان وَلا زانِيَةٍ وَلا ذي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ" (٢). * * * باب من ترد شهادته [٣٦٠٠] (ثنا حفص بن عمر، ثنا محمد بن راشد) المكحولي الدّمشقيُّ، نزيل البصرة، وثقه أحمد (٣) وابن معين (٤) (ثنا سليمان بن موسى) القرشي الأموي، فقيه أهل الشَّام وسيد شبابهم، عاش بعد مكحول سنتين، يجلس إليه، وكان أعلى أصحابه وأوثقهم. (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ رد

стр. 9664

شهادة الخائن والخائنة) قال أبو عبيد: لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وأتمنهم عليه؛ فإنَّه قد سمى ذلك أمانة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فمن ضيع شيئاً مما أمر الله تعالى به، أو ركب شيئاً مما نهى عنه فليس ينبغي [أن يكون] (١) عدلاً. انتهى (٢). فدين الفاسق إذا لم يَدُعَّهُ عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن أن لا يَدُعَّهُ عن الكذب في الشهادة، وعلى هذا فلا تحصل الثقة بقوله؛ لأنه فاسق، وقد أمر الله بالتوقف عن نبأ الفاسق، والشهادة نبأ؛ فيجب التوقف عنها. (و) رد شهادة (ذي الغمر) بكسر الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة، سيأتي في كلام المصنف تفسيره بأنه الشحناء، والشحناء: العداوة، فالعداوة مانعة من قبول الشهادة؛ لأنها تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة، وتخالف الصداقة؛ فإن في شهادة الصديق لصديق بالزور نفع غيره بمضرة نفسه، وبيع آخرته بدنيا غيره، وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه، فافترقا. فإن قيل: لم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة؟ قلنا: العداوة ها هنا دينية، والدين لا يقتضي شهادة الزور، والمراد بالعداوة هنا الدنيوية، كان يشهد المقذوف على القاذف، والمقطوع عليه الطريق على

стр. 9665

القاطع، والزوج يشهد على امرأته التي قذفها بالزنا، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة الشهادة؛ لأنها لا تخل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة كالصداقة. (على أخيه) المسلم (ورد شهادة القانع) هو الخادم والتابع والسائل (لأهل البيت) المنقطع إلى خدمتهم وبيع حوائجهم وسؤالهم عند الحاجة، فترد شهادته للتهمة بجلب النفع إلى نفسه، وذلك مثل الوكيل ونحوه، فلا تقبل شهادته بما هو وكيل فيه؛ لأنه يثبت لنفسه سلطنة التصرف في المشهود به، ولا فرق بين الوكيل بجعل وغيره، أما ما ليس وكيلا فيه فتقبل الشهادة به؛ لعدم تصرفه فيه. (وأجازها) أي: أجاز شهادة القانع (لغيرهم) لغير أهل البيت؛ لانتفاء التهمة الممنوع لأجلها. (قال: ) المصنف (الغمر) هو: (الحنة) بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة، لغة في إحنة، وهي: الحقد، قال الجوهري: يقال: في صدره عليَّ إحنة. ولا تقل: حنة. وأنشد: إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها والمؤاحنة: المعاداة (١). والصحيح أنها لغة كما ذكرها المصنف، وجمعها حنات، ومنه حديث معاوية: لقد منعتني القدرة من ذوي الحنات (٢). جمع حنة.
следующие страницы →