← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

إلى النبي ﷺ فقلت: السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته) فرد عليه: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" كما وردت به السنة (أتانا جندك) الجند: الأنصار والأعوان، والجمع: أجناد وجنود، والواحد جندي (فأخذونا وقد كنا أسلمنا) قبل أن يأخذونا (وخضرمنا) بفتح الخاء وسكون الضاد المعجمتين (آذان النعم) وهي الإبل والبقر والغنم، أي: قطعنا طرف آذان النعم. وفي الحديث: أنه ﵇ خطب يوم النحر على ناقة مخضرمة (١)، وهي التي قطع طرف أذنها، وكان ذلك علامة الإسلام، وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فلما جاء الإسلام أمرهم النبي ﷺ أن يخضرموا من غير الموضع الذي خضرمته أهل الجاهلية [وأصل الخضرمة] (٢) أن يجعل الشيء بين بين، فإذا قطع بعض الأذن فهي بين الوافرة والناقصة، ومنه قيل لكل من أدرك الجاهلية والإسلام: مخضرم. وذكر ابن سعد أن سرية عيينة بن حصن هذِه كانت في المحرم سنة تسع من الهجرة، وأنه سبى إحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيًّا (٣)، والله أعلم. (فلما) حضر (قدم) قومي (بلعنبر) ووفدوا عليه (قال لي نبي الله ﷺ : هل لكم بينة على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا في هذِه الأيام؟ ) لما ادعى

стр. 9697

الإسلام (١) قبل أن يؤخذوا طولب بالبينة، على قاعدة: البينة على المدعي (قلت: نعم. قال: من بينتكم؟ قلت: سمرة) بن عمرو العنبري (من بني العنبر) عمرو بن تميم (ورجل آخر سماه له فشهد الرجل) الاخر (وأبى سمرة) بن عمرو (أن يشهد) لهم (فقال نبي الله ﷺ : قد أبي) سمرة (أن يشهد لك) أ (فتحلف) يمينا بالله تعالى أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا (مع شاهدك) الرجل (الآخر، فاستحلفني) أي: حلفني (فحلفت بالله) فيه دليل على جواز الاقتصار على اسم الذات، ولا يحتاج إلى زيادة شيء من الصفات والألفاظ المكررة في الأسماء والصفات في الأموال القليلة، أما القسامة واللعان فالتغليظ فيهما واجب وإن لم يطلبه الخصم. (لقد أسلمنا) كلنا (يوم) نصب على الظرف (كذا وكذا وخضرمنا) بالخاء والضاد المعجمتين، كما تقدم (آذان النعم) التي لنا. فيه: استعمال اليمين مع الشاهد في غير الأموال، لكن يجوز أن يقصد بالإسلام هنا المال، ويكون هذا مستثنى من قولنا: الإسلام لا يقبل فيه إلا رجلان. وقد استثنى الماوردي هذِه الصورة في أثناء السير قبل مسألة الصلح بسطر فقال: يستثنى من الإسلام ما لو ادعى الإسلام بين الكفار قبل أخذه للأسر وأقام شاهدًا وامرأتين، وفي معناه الشاهد واليمين، فإنه يكفيه ذلك؛ لأن المقصود هنا نفي الاسترقاق وجواز المفاداة دون نفي القتل (٢). وحكى في "البحر" في باب الدعوى عن الصيمري أنه يقبل شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين، على أنه توفي على

стр. 9698

الإسلام أو الكفر؛ لأن القصد منه إثبات الميراث، ثم استغربه. (فقال نبي الله ﷺ ) للذين أخذوهم (اذهبوا) إلى الغنيمة (فقاسموهم أنصاف الأموال) وليس هذا بأمر حقيقي، وإنما هو إرشاد إلى الصلح بما فيه المصلحة للجهتين فإن بني العنبر لما أسلموا قبل أخذهم والظفر بهم عصموا دماءهم وأموالهم وصغار أولادهم، وقد ثبت بالشاهد واليمين إسلامهم قبل أن يؤخذوا واستحقوا رجوع أموالهم إليهم، لكن لما كان الآخذون لم يعلموا بإسلامهم أولًا، وإنما علموا بعد تصرفهم في المال وذهاب غالبه في منافعهم؛ أمر بمقاسمة المال نصفين؛ لمراعاة المصلحتين، ولهذا لم يأمر باقتسام الذرية نصفين؛ لأنهم لم يذهب منهم شيء، فقال (ولا تمسوا) بفتح الميم (ذراريهم) بتشديد الياء وتخفيفها وتشديد الياء بتخفيف الهمزة لكثرة الاستعمال، والمراد بها هنا أولادهم. (لولا أن الله تعالى لا يحب ضلالة) بتخفيف اللام ألف (العمل) أي: بطلان العمل وضياعه وذهاب نفعه، مأخوذ من الضلال وهو الضياع، ومنه الضالة في الحديث (١)، وهي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، ولعل المراد هنا أنهم لما توجهوا للغزو وسافروا وأخذوا أموالهم على اعتقاد الغنيمة لم يضيعهم من المال جميعه بثبوت إسلامهم، بل عوضوا منه النصف، وهذا كالاعتذار لبني العنبر في أخذ نصف أموالهم بعد إسلامهم؛ تألفًا لقلوبهم؛ لدخولهم في الإسلام قبل

стр. 9699

القتال (ما رزيناكم) بالياء الساكنة بدلا من الهمزة، هكذا الرواية، واللغة الفصحى: رزأناكم، ثم خففت الهمزة ياء. قال في "النهاية": وهو من التخفيف الشاذ (١). ومما جاء على الأصل حديث صاحبة المزادتين: "أتعلمين أنا ما رزأنا من مائك شيئا" (٢). (عقالا) بكسر العين: الحبل الذي يعقل به البعير، وهو مما يستعمل للقلة. (قال الزبيب) بضم الزاي كما تقدم (فدعتني أمي) إلى خلاص حقها (فقالت: هذا الرجل أخذ) مني (زربيتي) بفتح الزاي وكسرها وضمها، وتشديد المثناة تحت، هي: الطنفسة، وقيل: البساط ذو الخمل، جمعها: زرابي، قال الله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ (٣) قيل: هي الوسائد (فانصرفت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال لي) خذ الذي أخذها فـ (احبسه) أي: أمسكه (فأخذت بتلبيبه) بفتح المثناة فوق، وسكون اللام، وكسر الموحدة الأولى، وسكون التحتانية، ثم موحدة أخرى، يقال: أخذت بتلبيب فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره به، والتلبيب مجمع ما في موضع اللب من ثياب الرجل. (وقمت معه) واقفا (مكاننا، ثم نظر إلينا نبي الله ﷺ قائمين) معا مجتمعين. أي: في المكان الذي كنا فيه (فقال) لي (ما تريد بأسيرك)

стр. 9700

الذي أنت ماسكه؟ سماه أسيرا لأن هذِه القضية تشبه قضية الأسير (فأرسلته من يدي) بكسر الدال (فقام نبي الله ﷺ ) أي: وقف (فقال للرجل: ) الذي أرسلته (رد على هذا زربية) بتشديد المثناة تحت كما تقدم (أمه التي أخذتـ) ها (منها. فقال: يا نبي الله، إنها خرجت من يدي) ببيع أو هبة أو تمليك لزوجته أو أقاربه أو غيرهم. (فاختلع النبي ﷺ سيف الرجل) الذي كان متقلدا به (فأعطانيه) فيه: جواز أخذ المستحق دينه من المديون من غير جنس حقه، إذا لم يصل إلى عين حقه، ولا يكون ضامنا للزائد إذا تعين أخذه طريقا إلى وصول حقه كما إذا لم يتمكن إلى أخذ زربية أمه إلا بأخذ هذا السيف الزائد قيمته على قيمة الزربية (١)، وله بيع المأخوذ استقلالا وأخذ حقه منه. (وقال للرجل) الذي أخذ الزربية (اذهب فزده آصعا) بمد الهمزة، وضم الصاد. فيه: رد على أبي حاتم حيث جعل (آصعًا) (٢) من خطأ العوام (٣)، قال ابن الأنباري: وليس بخطأ في القياس، وإن كان غير مسموع من العرب، لكنه قياس ما نقل عنهم أنهم يقلبون الهمزة من موضع العين إلى موضع الفاء فتقول في أبآر: أأبار (٤). وأنَّى سماعٌ أكثر من وروده في حديث حسن من كلام أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء. (من طعام) قمح أو شعير، ونحو ذلك (قال: ) الزبيب (فزادني) الرجل

стр. 9701

(آصعًا من شعير) بنظير زيادة الزربية على السيف، وفي هذا دليل على جواز الاستبدال عن قيمة المتلف لاستقراره في الذمة، لكن لا يستبدل عنه إلا بعد العلم بقدره، والمتلف في هذا الحديث: الزربية، وهو متقوم فيجب في الذمة قيمتها من نقد البلد، فإذا تقررت قيمتها وعلم قدرها جاز الاستبدال عنه من الشعير، والنقد والشعير متخالفان في علة الربا فلا يشترط قبض العوض في مجلس العقد، ففي هذِه المسألة يعلم قدر قيمة الزربية وقدر قيمة السيف، ويسقط من قيمتها قدر قيمة السيف، والباقي بعد قيمته يستبدل عنه شعير بقيمته، والله أعلم. * * *

стр. 9702

٢٢ - باب الرّجُلَيْنِ يَدَّعِيانِ شَيْئًا وَلَيْسَتْ لَهُما بيِّنَةٌ ٣٦١٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا ابن أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبي بُردَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أبي مُوسَى الأشعَريِّ أَنَّ رَجُلَينِ أدَّعَيا بَعِيرًا أَو دابَّة إِلَى النَّبي ﷺ لَيسَتْ لِواحِدٍ مِنْهُما بيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُما (١). ٣٦١٤ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْن عَليٍّ، حَدَّثَنا يحيى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنا عَبْد الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ سَعِيدٍ، بإسْنادِهِ وَمَعْناهُ (٢). ٣٦١٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ عَنْ قَتادَةَ بِمَعْنَى إِسْنادِهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ فَبَعَثَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما شاهِدَيْنِ فَقَسَمَهُ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهما نِصْفَيْنِ (٣). ٣٦١٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا ابن أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ خِلاسٍ، عَنْ أَبي رافِعٍ، عَنْ أَبي هرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَما في مَتاعٍ إِلَى النَّبيِّ ﷺ لَيْسَ لِواحِدٍ مِنْهُما بيِّنَةٌ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "اسْتَهِما عَلَى اليَمِينِ ما كانَ، أَحَبّا ذَلِكَ أَوْ كَرِها" (٤). ٣٦١٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ أَحْمَدُ: قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "إِذا

стр. 9703

كَرِهَ الاثْنان اليَمِينَ أَوِ اسْتَحَبّاها فَلْيَسْتَهِما عَلَيْها". قالَ سَلَمَةُ قالَ: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ وقالَ: إِذا اكرِهَ الاثنانِ عَلَى اليَمِينِ (١). ٣٦١٨ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ, حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ الحارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبي عَروبَةَ بإسنادِ ابن مِنْهالٍ مِثْلَهُ, قالَ: في دابَّةٍ وَلَيسَ لَهُما بيِّنَةٌ فَأَمَرَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَسْتَهِما عَلَى اليَمِينِ (٢). * * * باب الرجلين يَدَّعيان شيئا وليس لهما بينة [٣٦١٣] (ثنا محمد بن منهال الضرير) أبو عبد الله التميمي المجاشعي (٣) شيخ الشيخين (ثنا يزيد بن زريع، ثنا) سعيد (ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد (٤) بن أبي بردة، عن أبيه) (٥) أبي بردة عامر ابن أبي موسى. (عن جده أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري ﵁ أن رجلين ادعيا بعيرًا أو دابة) عنده، واقتصر النسائي في روايته على الدابة من غير شك (٦)، وكذا ابن ماجه (٧) (إلى النبي ﷺ ) و (ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي ﷺ بينهما) لفظ النسائي: فقضى بها -يعني: الدابة- بينهما نصفين (٨).

стр. 9704

فيه: أنه لو تنازع رجلان في عين دابة أو غيرها، فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه، ولم يكن بينهما بينة، وكانت العين في يدهما فكل واحد منهما مدع في نصف، ومدعى عليه في نصف، فيحلف كل واحد على نفي ما يدعيه الآخر، ولا يتعرض واحد منهما في يمينه لإثبات ما في يده، بل يقتصر على أن لا حق لصاحبه فيما في يده، نص عليه الشافعي (١) وهو المذهب، فإن حلفا أو نكلا جعلت بينهما نصفين على حالتي الحلف والنكول. فأما في الحلف فلأن كل واحد منهما يده على نصفها، والقول قول صاحب اليد مع يمينه، وأما في النكول فهي بينهما أيضا؛ لأن كل واحد منهما يستحق ما في يد الآخر مع نكوله وإن كانت العين في يد ثالث لا يدعيها فيصار للتحليف أيضًا. [٣٦١٤] (ثنا الحسن بن علي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا عبد الرحيم (٢) بن سليمان) المروزي بالكوفة (عن سعيد) بن أبي بردة (بإسناده) المذكور (ومعناه) كما تقدم. [٣٦١٥] (ثنا محمد بن بشار، ثنا حجاج بن منهال، ثنا همام، عن قتادة بمعنى إسناده) المذكور (أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله ﷺ فبعث) أي: أحضر (كل واحد منهما شاهدين) فشهدا له (فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين) يحتمل أن تكون القصة في هذا الإسناد والذي قبله واحدة، إلا أن البينتين لما تعارضتا تساقطتا وصارتا (٣)

стр. 9705

كالعدم وحكم لهما نصفين لاستوائهما في اليد، ويحتمل أن يكون الإسناد الذي قبله في عين كانت في يدهما، بدليل أن في رواية ابن ماجه: اختصم إليه رجلان بينهما دابة (١). وهذا الإسناد الثاني كانت العين في يد ثالث لا يدعيها، بدليل رواية النسائي بلفظ: ادعيا دابة وجداها عند رجل، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين نزع من يده ودفع إليهما ليقتسماه بينهما نصفين (٢)، وهذا أظهر؛ لأن حمل الإسنادين على معنيين متعددين أرجح من حملهما على معنى واحد؛ لأن القاعدة ترجيح ما فيه زيادة علم على غيره، والله أعلم، وبهذين الدليلين الذين في ابن ماجه والنسائي ارتفع الاحتمال وتعين العمل بهما. [٣٦١٦] (ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا) سعيد (ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس) بكسر الخاء (٣) وتخفيف اللام، وهو: ابن عمرو الهجري. (عن أبي رافع) نفيع الصائغ المدني (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي ﷺ ) المتاع كل ما ينتفع به من عروض الدنيا، قليلها وكثيرها، والظاهر أن المراد به هنا الدابة؛ لما في رواية ابن ماجه من طريق خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة .. إلى آخره بلفظ: أن رجلين ادعيا دابة ولم يكن بينهما بينة (٤) (ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي ﷺ : استهما) أي: اقترعا (على اليمين ما كان)

стр. 9706

وقد ذكر البيهقي في معنى هذا الحديث أن القرعة في أيهما يقدم عند إرادة تحليف القاضي لهما (١). وذلك أنه يحلف واحدا ثم الآخر، فإن لم يحلف الثاني بعد حلف الأول قضى بالعين كلها للحالف أولا، وإن حلف الثاني فقد استويا في اليمين، فتكون العين بينهما كما كانت قبل أن يحلفا. وهذا تشهد له رواية البخاري وأبي داود المذكورة بعد هذا، وظاهر كلام أصحابنا في الفقه أن القاضي يعين لليمين من شاء منهما على ما يراه (٢). قال الشيخ شمس الدين البرماوي: لكن الذي ينبغي أن يعمل به كما هو ظاهر الحديث، وينبغي أن يكون محل ذلك ما إذا لم يسبق أحدهما بالدعوى على رفيقه، ويلتمس يمينه ثم يدعي الآخر، فإن اليمين على المدعي الأول مقدمة. على أن ابن الأثير في "جامع الأصول" حمل الحديث على الاقتراع في المقسوم بعد القسمة (٣)، وهو بعيد لا سيما في المثليات، وكيف مثل ذلك استهامًا في اليمين، وأيضا فظاهر حديث البخاري الآتي يخالفه؛ فتأمله. (أحبا ذلك) معنى استحبابهما اليمين أن كلًّا منهما أحب أن يحلف لتسلم له العين كلها (أو كرها ذلك) معنى كراهتهما اليمين أن يقول كل منهما: أنا لا أحلف بل يحلف غريمي أولًا. [٣٦١٧] (ثنا أحمد بن حنبل، وسلمة بن شبيب، قالا: ثنا عبد الرزاق. قال أحمد) بن حنبل في روايته. (ثنا معمر، عن همام بن

стр. 9707

منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا كره الاثنان) المتخاصمان (اليمين) على استحقاق ما يدعيه (أو استحباها) معا كما تقدم (فليستهما عليها) أي: يقترعا على اليمين، فأيهما خرج له القرعة حلف، وأخذ ما ادعاه وحلف عليه. و (قال سلمة) بن شبيب في روايته (أنا معمر) عن همام بن منبه إلى آخره. (وقال) في هذِه الرواية (إذا أكره) بضم الهمزة، وكسر الراء، مبني لما لم يسم فاعله (الاثنان على اليمين) أي: أكرههما الحاكم على اليمين حيث لم يختر اليمين فليقترعا، فمن خرجت القرعة عليه حلف أولًا، وكذا لو أحباها. ولفظ البخاري: أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين (١). [٣٦١٨] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن الحارث) أبو عثمان الهجيمي البصري. (عن سعيد بن أبي عروبة بإسناد) حجاج (ابن منهال مثله، وقال) اختصما (في دابة) كما تقدم عن رواية ابن ماجه (٢) (وليس لأحدهما بينة) على ما ادعاه (فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين) إذ لا بد من القرعة؛ لأن الخصمين تساويا في عدم البينة، فترجيح أحدهما دون مرجح لا يكون، فعلى هذا يتعين الاقتراع قطعا للنزاع. * * *

стр. 9708

شرح سنن أبي داود لابن رسلان تصنيف شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ) أشرف عليه وشارك في تحقيقه خالد الرباط تحقيق أحمد عويس جنيدي - ربيع محمد عوض الله - وائل إمام عبد الفتاح - أحمد فوزي إبراهيم بمشاركة الباحثين بدار الفلاح كتاب الأقضية - كتاب العلم - كتاب الأشربة - كتاب الأطعمة - كتاب الطب ٣٦١٩ - ٣٩٢٥ [المجلد الخامس عشر]

стр. 9709

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 9710

شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد لِابْنِ رَسْلَان [١٥]

стр. 9711

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميعُ الحقوقِ مَحْفوظَة لِدَارِ الفَلَاحِ وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرَّباط الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الكتُب ١٧١٦٤/ ٢٠١٥ دَارُ الفَلَاحِ لِلبحثِ العِلمي وتَحْقِيق التُّرَاثِ ١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠ Kh_rbat@hotmial.com تطلب منشوراتنا من: • دَار الْعلم - بلبيس - الشرقية - مصر • دَار الأفهام - الرياض • دَار كنوز إشبيليا - الرياض • مكتبة وتسجيلات ابْن الْقيم الإسلامية - أَبُو ظَبْي • دَار ابْن حزم - بيروت • دَار المحسن - الجزائر • دَار الْإِرْشَاد - استانبول • دَارُ الفَلَاحِ - الفيوم

стр. 9712

٢٣ - باب اليَمِينِ علَى المُدَّعَى عَلَيْهِ ٣٦١٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، حَدَّثَنا نافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابن أَبي ملَيْكَةَ قالَ: كَتَبَ إِلَيَّ ابن عَبّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ (١). * * * باب اليمين على المدعى عليه [٣٦١٩] (ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا نافع (٢) بن عمر) الجمحي (عن عبد الله بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان. (قال: كتب إليَّ) عبد الله (ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه) كذا لفظ مسلم (٣)، والمدعى عليه هو المطلوب منه، والمدعي هو الطالب، وإنما كانت اليمين على المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته عما طلب منه وهو متمسك به، لكن يمكن أن يقال: قد شغلت بما طلب منه، فيدفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين إن شاء، وظاهر عموم هذا اللفظ يقتضي أن اليمين تتوجه على كل من ادعي عليه (٤). وقد ذكر ابن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال رسول الله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر إلا في

стр. 9713

القسامة" (١) وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند؛ لأنه من حديث مسلم ابن خالد الزنجي، ولا يحتج به، فمعناه صحيح، يشهد له: "شاهداك أو يمينه" (٢) وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد الشرع في أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه. وقد بين النبي ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطي بمجرد دعواه لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، وهو أول حديث ابن عباس المذكور في الصحيحين (٣)، وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي (٤) والجمهور (٥)، وأن اليمين تتوجه على كل من ادعي عليه، سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا. وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة -فقهاء المدينة-: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة؛ دفعا للمفسدة الناشئة من ذلك، وذلك أن السفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلف الرجل الجليل القدر في العلم والدين، ويهون على أهل الدين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة الامتهان والابتذال (٦). * * *

стр. 9714

٢٤ - باب كَيفَ اليمينُ ٣٦٢٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو الأحوَصِ، حَدَّثَنا عَطاءُ بْنُ السّائِبِ، عَنْ أَبي يحيى، عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: - يَعْني لِرَجُل حَلَّفَهُ-: "احْلِفْ باللهِ الذي لا إله إِلَّا هُوَ ما لَهُ عِنْدَكَ شَيء". يَعْني: لِلْمُدَّعِي. قالَ أَبُو داوُدَ: أَبُو يَحْيى اسْمُهُ زِيادٌ كُوفيٌّ ثِقَةٌ (١). * * * باب كيف اليمين؟ [٣٦٢٠] (ثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم (ثنا عطاء بن السائب) أخرج له البخاري مقرونا. (عن أبي يحيى) زياد القرشي المكي مولى قيس بن مخرمة الأعرج، وثقه ابن معين (٢). (عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: -يعني: لرجل حلفه-: احلف بالله الذي لا إله إلا هو) فيه: التغليظ باللفظ كما تقدم في التغليظ بالزمان والمكان، فإن الاكتفاء في اليمين بالحلف بالله جائز؛ لما روى ابن ماجه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله" (٣) (ما له) يعني: للمدعي (عندك شيء. يعني: للمدعي) وفيه الاكتفاء في اليمين بقوله:

стр. 9715

ما له عندي شيء. ولا يلزم أن يذكر الذمة بأن يقول: ما له في ذمتي شيء. فإن كان قوله (عندي) للوديعة، و (في ذمتي) و (عليّ) للدين، فيحتمل (١) أن تكون الدعوى هنا على الوديعة. * * *

стр. 9716

٢٥ - باب إذا كانَ المُدَّعَى عَلَيْه ذِمِّيّا أيَحْلف ٣٦٢١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوَيةَ، حَدَّثَنا الأعمَشُ، عَنْ شَقِيق، عَنِ الأشعَثِ قالَ: كانَ بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهودِ أَرْض فَجَحَدَني فَقَدَّمْتُه إِلَى النَّبيِّ ﷺ قالَ ليَ النَّبيُّ ﷺ : "أَلَكَ بيِّنةٌ؟ ". قُلْت: لا. قالَ لِلْيَهُوديِّ: "احْلِفْ". قُلْت: يا رَسولَ اللهِ إِذًا يحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمالي. فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١). * * * باب إذا كان المدعى عليه ذميًّا، أيحلف؟ [٣٦٢١] (ثنا محمد بن عيسى) بن نجيح بن الطباع البغدادي، ثقة له مصنفات عديدة (ثنا أبو معاوية) (٢) محمد بن خازم الضرير (ثنا الأعمش، عن شقيق، عن) معدي كرب بن قيس الملقب (الأشعث) لشعث رأسه، وفد سنة عشر في قومه إلى النبي ﷺ ، وكانوا ستين راكبا فأسلموا، كما تقدم. (قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني) حقي منها (فقدمته إلى النبي ﷺ ) وفي رواية للبخاري: كانت لي بئر في أرض (٣) (فقال لي النبي ﷺ : ألك بينة؟ ) عليه (قلت: لا. قال لليهودي: احلف) فيه أن الذمي يحلف بالله كما يحلف المسلم (قلت: يا رسول الله، إذًا) بالتنوين (يحلف ويذهب بمالي) تقدم أنه يجوز فيهما الرفع والنصب،

стр. 9717

والنصب أرجح (فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وميثاقه (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) الكاذبة، أي: يستبدلون بهما عرضا قليلا من الدنيا (إلى آخر الآية) فيه ما تقدم، وفيه دليل على أن الحاكم إذا حكم بيمين الحالف حيث لا بينة فلا يحل للمحكوم له أخذ ذلك المال، فإن الحاكم يحكم بالظاهر، وقد يكون في الباطن خلافه، فلا يحل له الحاكم حلالا. * * *

стр. 9718

٢٦ - باب الرّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى علْمِه فِيما غاب عَنْهُ ٣٦٢٢ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْن خالِدِ، حَدَّثَنا الفِريابيُّ، حَدَّثَنا الحارِث بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَني كردُوسٌ، عَنِ الأشعَثِ بنِ قَيسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوتَ اخْتَصَما إِلَى النبي ﷺ في أَرْضٍ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ الحضرَميُّ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَرْضي اغْتَصَبَنِيها أَبو هذا وهيَ في يَدِهِ. قالَ: "هَلْ لَكَ بيِّنة؟ ". قالَ: لا ولكن أحَلِّفُهُ والله ما يَعْلَمُ أَنَّها أَرْضي اغْتَصَبَنِيها أَبُوة. فَتَهيَّأَ الكِنْديُّ يَعْني: لِلْيَمِينِ. وَساقَ الحَدِيثَ (١). ٣٦٢٣ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْن السَّريِّ، حَدَّثَنا أَبُو الأحوَصِ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلِ بْنِ حُجْرِ الحَضْرَمي، عَنْ أَبِيهِ قالَ: جاءَ رَجلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ الحَضْرَمي: يا رسول اللهِ إِنَّ هذا غَلَبَنى عَلَى أَرْضٍ كانَتْ لأبي فَقالَ الكِنْديُّ: هِيَ أَرْضي في يَدي أَزْرَعها لَيْسَ لَهُ فِيها حَقٌّ. فَقالَ النَّبيُّ ﷺ لِلْحَضْرَميِّ: "أَلَكَ بيِّنةٌ؟ ". قالَ: لا. قالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ". فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ فاجِرٌ لَيْسَ يُبالي ما حَلَفَ لَيْسَ يَتَوَرَّع مِنْ شَيء. فَقالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذَلِكَ" (٢). * * * باب يحلف الرجل على علمه فيما غاب عنه [٣٦٢٢] (ثنا محمود بن خالد) بن يزيد السلمي الدمشقي (ثنا) محمد ابن يوسف (الفريابي) (٣) بكسر الفاء، وتخفيف المثناة تحت، وبعد الألف موحدة (ثنا الحارث بن سليمان) الكندي الكوفي، وثقه ابن معين (٤)

стр. 9719

(حدثني كردوس) بضم الكاف والدال المهملة، الثعلبي بالعين المهملة، قيل: كردوس ثلاثة متعارضون (١) (عن الأشعث) تقدم (ابن قيس ﵁ أن رجلا من كندة) وهو امرؤ القيس بن عابس، بالعين المهملة والباء الموحدة، الكندي الصحابي الشاعر، قال أبو بكر الخطيب: ليس في الصحابة من يسمى امرأ القيس غير هذا (٢). وقد ذكر في "الاستيعاب" ابن عابس هذا (٣)، وذكر بعده امرأ القيس بن الأصبغ الكندي، وقال: بعثه رسول الله ﷺ عاملا على كلب، وذكر أنه خال أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (٤). (ورجلا من حضرموت) بفتح الراء والميم من اليمن (اختصما إلى النبي ﷺ في أرض من اليمن) وهذا الذي من حضرموت هو ربيعة بن عبدان بكسر العين المهملة وباء موحدة، كذا للمنذري، وضبطه الذهبي بفتح العين المهملة وسكون المثناة تحت، وضُعَّف كسر العين (٥).

стр. 9720

وقال ابن نقطة (١): رأيته بخط أبي نعيم بكسر [العين والباء المعجمة بواحدة، (٢) وتشديد الدال، وهو كندي أيضا (فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن أرضي اغتصبها أبو هذا مني) في الجاهلية (وهي في يده) وأستحق انتزاعها منه (فقال: هل لك) عليه (بينة؟ قال: لا) فيه: أن الوارث إذا مات ولا وارث له سوى ابنه فإذا علم الحاكم ذلك لم يكلفه بينة، على أنه استغرق ميراث والده ولا وارث له غيره (ولكن أحلفه) بفتح الهمزة، وكسر اللام (والله يعلم أنها) بفتح الهمزة (أرضي) وباقية في ملكي (اغتصبها أبوه) ووصفه بالاغتصاب المحرم ليس هو من الغيبة؛ لأن المستثنى من السنة مواضع المستفتيات (فتهيأ الكندي، يعني: لليمين) ولمسلم: فلما قام ليحلف قال رسول الله ﷺ (٣): "من اقتطع أرضا ظلما لقي الله وهو عليه غضبان". [٣٦٢٣] (ثنا هناد بن السري) التميمي الكوفي شيخ مسلم (ثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي. (عن سماك، عن علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي، عن أبيه) وائل ابن حجر بن ربيعة، وله رواية بدمشق. (قال: جاء رجل من حضرموت) وهو ربيعة بن عبدان بكسر العين

стр. 9721

وسكون الموحدة (ورجل من كندة) وهو: امرؤ القيس بن عابس الكندي (إلى رسول الله ﷺ فقال) الرجل (الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرضٍ) جاء في مسلم: أرض باليمن (١). وفي الصحيحين: في بئر (٢). ولا امتناع أن المجموع صحيح، فمرة ذكر الأرض؛ لأن البئر داخلة فيها، ومرة ذكرت البئر؛ لأن البئر هي القصد. (كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك) عليه (بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه. قال: يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حلف) عليه. وفيه أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه: إنه ظالم أو فاجر. ونحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه (ليس يتورع من شيء) أصل الورع: الكف عن الحرام، وهو هنا مضارع في معنى النكرة، والنكرة في معرض النفي تعم، فيعم هنا ويكون التقدير: ليس يكف عن حرام ولا مكروه ولا مباح وغير ذلك. (فقال: ليس لك منه إلا ذلك) اليمين. فيه: حجة على عدم الملازمة والتكفيل وعدم رد اليمين، وأنه لا يقضي بعلمه، وفيه دليل على أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة.

стр. 9722

٢٧ - باب كَيْف يَخلِفُ الذِّميُّ ٣٦٢٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْن يحيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، حَدَّثَنا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ -وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ المُسيَّبِ-، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ يَعني لِلْيَهُودِ: "أَنْشُدُكُمْ باللهِ الذي أَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى ما تَجدُونَ في التَّوْراةِ عَلَى مَنْ زَنَى". وَساقَ الحَدِيثَ في قِصَّةِ الرَّجْمِ (١). ٣٦٢٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزيزِ بْن يَحيَى أَبُو الأصبَغِ حَدَّثَني مُحَمَّدٌ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنِ الزُّهْريِّ بهذا الحَدِيثِ وَبإسْنادِهِ، قالَ: حَدَّثَني رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ كانَ يَتَّبعُ العِلْمَ وَيَعِيهِ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ المُسيَّبِ وَساقَ الحَدِيثَ بِمَعْناه (٢). ٣٦٢٦ - حَدَّثَنا محَمَّدُ بْنُ المثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الأعلَى، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لَهُ- يَعْني لابنِ صُورِيا-: "أُذَكِّرُكُم باللهِ الذي نَجّاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَقْطَعَكُمُ البَحْرَ وَظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمامَ، وَأنْزَلَ عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى أتَجِدُون في كتابِكُمُ الرَّجْمَ؟ ". قالَ ذَكَّرْتَني بِعَظِيمٍ وَلا يَسَعُني أَن أَكْذِبَك وَساقَ الحَدِيثَ (٣). * * * باب كيف يحلف الذمي [٣٦٤٢] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي (ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، ثنا رجل من مزينة ونحن عند

стр. 9723

سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﷺ : قال النبي ﷺ . يعني لليهود) أي: الذين أتوا النبي (١) ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، وقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين (بالله) أي أسألكم بالله، وأقسم عليكم. وفي الرواية الآتية في الحدود من رواية البراء بن عازب: "ناشدتكم الله" (٢) (الذي أنزل التوراة) اسم أعجمي على وزن تفعلة من الوري (على موسى) ﵇، وفي تحليفهم بالتوراة التي يعظمونها ويتوقون أن يحلفوا بها كاذبين دليل على أن من توجهت عليه اليمين يحلف بما يعظمه، ويتوقى الحلف به كاذبا، وفي تحليفهم بها أيضا إشارة وتلويح (٣) بطلب إيمانهم؛ حيث علموا أن فيها التبشير بمحمد ﷺ ، والتصديق برسالته ووصفه فيها، كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٤) أي: هدى لقوم موسى وتبيين شريعته، وفيها نور محمد ﷺ الآتي بعده. وفي الحديث دليل على أن الذمي تغلظ عليه اليمين بالزمان كما تغلظ بالمكان، ولم يختلفوا في الذمي، بل اختلفوا في المسلم، فذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد (٥) إلى التغليظ بالزمان والمكان إن رأى

стр. 9724

الإمام، وممن قال: لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان للمسلم أبو حنيفة وصاحباه (١)، وهو ظاهر كلام الخرقي (٢) وأبي بكر (٣) من الحنابلة. (ما تجدون في التوراة) عندكم (على من زنى؟ ) إذا أحصن، قالوا: يحمم ويُجَبَّهُ ويجلد. والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما .. إلى آخر الحديث، كما سيأتي الحديث بلفظ سنده ومتنه في الحدود في باب رجم اليهوديين (٤) إن شاء الله. [٣٦٢٥] (حدثنا عبد العزيز بن يحيى، أبو الأصبغ) الحراني، ثقة (حدثني محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي الحراني، أخرج له مسلم (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن الزهري بهذا الحديث وبإسناده قال: حدثني رجل من مزينة) بنت كلب بن وبرة بن تغلب، ومزينة هذِه أم عثمان وأوس الذين منهم هذِه القبيلة الكبيرة المنسوب إليها خلق، منهم عبد الله بن سعد المزني (ممن كان يتبع العلم) أي: يجعله أمامه في أقواله وأفعاله كما يتبع المأموم الإمام. وفي الحديث: أتبعوا القرآن، ولا يتبعنكم (٥). أي: أجعلوه أمامكم

стр. 9725

ثم اتلوه. ومعنى: لا يتبعنكم: لا تدعوا تلاوته والعمل به، فتكونوا ممن نبذتموه وجعلتموه وراء ظهوركم، وقيل: معناه: لا يطلبنكم بتضييعكم إياه كما يطلب الرجل صاحبه بالتبعة (ويعيه) أي: يحفظه، يقال: وعيت العلم عنه: إذا حفظته، ومنه الحديث: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها" (١) (وساق الحديث) المذكور وسيأتي في الحدود. [٣٦٢٦] (ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الأعلى) بن مسهر الغساني (ثنا سعيد) بن ([عبد الرحمن]) (٢) التنوخي الدمشقي (عن قتادة) بن دعامة (عن عكرمة) مرسلا (أن النبي ﷺ قال له يعني: لابن صوريا) وفي رواية للمصنف من حديث جابر: فقال: "ائتوني بأعلم رجلين منكم "فأتوه [با بني صوريا، فنشدهما] (٣) (أذكركم) بتشديد الكاف المكسورة (بالله) أي: بنعمة الله (الذي نجاكم) أي: أنجى آباءكم كما قال تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ (٤) أي: حملنا آباءكم، وقيل: إنما قال (نجاكم)؛ لأن نجاة الآباء كان سببا لنجاة من خاطبهم النبي ﷺ ، ومعنى نجينا [كم: ألقيناكم] (٥) على نجوة من الأرض (من) عدو

стр. 9726

آبائكم وعدوكم من (آل فرعون) قومه وأتباعه (وأقطعكم) أقطع آباءكم (البحر) وأخرجكم منه سالمين وأغرق أعداءكم فيه، ذكر أن هذا البحر هو بحر القلزم. (وظلل عليكم) أي: جعل على آبائكم (الغمام) كالظلة ليقيهم حر الشمس به وتنجلي عنهم في آخره؛ ليستضيئوا بالقمر ليلًا (١). وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من قتال الجبارين ودخول مدينتهم، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ (٢) فعوقبوا بذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ، فكانوا يمشون النهار كله، وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس. (وأنزل عليكم المن) أكثر المفسرين هو الترنجبين بتشديد الراء المفتوحة، ويقال: الطرنجبين. وعن وهب بن منبه: هو خبز الرقاق (٣). وقيل: المن مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع؛ لحديث: "الكمأة من المن الذي أنزل علي بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين" (٤). (والسلوى) ابن عطية: هو طير بإجماع المفسرين (٥). قال القرطبي: لا يصح هذا الإجماع. وقد قال المؤرج -أحد علماء اللغة والتفسير-:

стр. 9727

إنه العسل. واستدل بقول الهذلي: وقاسمها بالله جهدا لأنها ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها وذكر أنه كذلك بلغة كنانة، سمي بذلك لأنه يسلى به (١). وقال الجوهري: السلوى: العسل (٢). وقيل: السلوى هو السمان بعينه (وأنزل عليكم التوراة) التي هي هدى لبيان شريعتكم ونور محمد ﷺ (على موسى) بدل من (عليكم) بدل بعض من كل (أتجدون في كتابكم الرجم؟ ) على من زنى. وفيه دليل على أن اليمين تغلظ على أهل الذمة، فإن كان يهوديا قيل له: قل: والله الذي أنزل التوراة على موسى. وإن كان نصرانيا قيل له: قل: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵇. وتغلظ في حق المجوسي، فيقال له: قل: والله الذي خلقني ورزقني. وإن كان وثنيا حلفه بالله وحده، وكذلك إن كان لا يعبد الله؛ لأنه لا يجوز أن يحلف بغير الله، لقوله ﵇: "من كان حالفا فليحلف بالله" (٣) يعم كل حالف. (قال: ) ابن صوريا (ذكرتني) بتشديد الكاف المفتوحة (بعظيم) العظماء (ولا يسعني) والله (أن أكذبك) بفتح الهمزة وكسر الذال (يعني فيما ذكرته) لي (وساق الحديث) المذكور.

стр. 9728

٢٨ - باب الرَّجُلِ يحْلِف عَلى حَقِّهِ ٣٦٢٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْن نَجْدَةَ وَمُوسَى بْنُ مَروانَ الرَّقِّيُّ قالا: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ بْن الوَلِيدِ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، عَنْ سَيْفِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ. فَقالَ المَقْضيُّ عَلَيْهِ: لمَّا أَدْبَرَ: حَسبِيَ اللْهُ ونِعْمَ الوَكِيل. فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَلُومُ عَلَى العَجْزِ، ولكن عَلَيْكَ بِالكَيْسِ فإذا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ" (١). * * * باب الرجل يحلف على حقه [٣٦٢٧] (ثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي من جبلة الساحل، وثقه يعقوب بن شيبة (٢) (وموسى بن مروان الرقي) بتشديد الراء المفتوحة وتشديد القاف نسبة إلى الرقة وهي مدينة على طرف الفرات، والرقة الأولى خربت، والتي تسمى اليوم الرقة، كانت تسمى أولا الرافقة ولها تاريخ (قالا: ثنا بقية بن الوليد) الكلاعي، أخرج له مسلم (عن بحير) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة تصغير بحر (وهو ابن سعد) أبو خالد السحولي الحمصي، قال ابن حنبل: ليس بالشام أثبت من حريز إلا أن يكون بحيرا. وقال دحيم والنسائي: ثقة (٣) (عن خالد) (٤)

стр. 9729

ابن معدان) الكلاعي (عن سيف) الشامي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١) (عن عوف بن مالك) بن أبي عوف (الأشجعي) كانت معه راية أشجع يوم [الفتح] (٢) أول مشاهده خيبر، سكن الشام، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان. (أنه حدثهم أن النبي ﷺ قضى بين رجلين فقال) الرجل المقضي عليه لما أدبر من مجلسه: (حسبي الله ونعم الوكيل) فمن عرف أن الحق كافٍ (٣) له دعاه ذلك أن يتخذه وكيلا له؛ لأن من المعلوم أن الإنسان لا يتخذ وكيلا له إلا من كان كافيا لما وكله فيه. (فقال النبي ﷺ : إن الله تعالى يلوم على العجز) وهو في الأصل عدم القدرة على الشيء، فليس للعبد تأثير في القدرة، بل القدرة في الحقيقة لله تعالى، والعجز عند المتكلمين صفة وجودية قائمة (٤) بالعاجز تضاد القدرة، والتقابل بينهما تقابل الضدين، ومع هذا فالله تعالى يلوم على العجز، وهو عدم الداعية الجازمة التي يسمى بها مكتسبًا (٥)، وإن كانت القدرة لله، وفي الحديث: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" رواه مسلم (٦). وقيل: أراد بالعجز هنا تأخير ما يجب فعله عن وقته وتركه بالتسويف

стр. 9730

في الصلوات المفروضة وغيرها، وهذا عام في أمور الدنيا والدين وأجور الآخرة، ويحتمل العجز عن كل الطاعات. (ولكن عليك بالكيس) بسكون الياء المخففة. أي: الكيس في الأمور، فالكيس يجري مجرى الرفق فيها والفطنة، وفلان [كيس] (١) الفعل. أي: حسنه. والكيس: العقل. وفي الحديث: "أي المؤمنين أكيس" (٢) أي: أعقل. وفي حديث شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله" (٣) فالمراد بـ "الكيس" العاقل، ومعنى: "دان نفسه" أي: حاسبها قبل العمل وبعده، فالمعاملة قبل العمل توجب التحذير كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (٤) فهذا للمستقبل، وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة (٥). (فإذا) حاسبت نفسك على ما تريد أن تفعله، ووزنت أمورك وقدرتها

стр. 9731

ونظرت في عاقبته، وتدبرت ما يحصل عليك و (كلبك أمر) بعد ذلك فالجأ بصدق النية والعزيمة (فقل: حسبي الله ونعم الوكيل) وفي "صحيح مسلم": "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" (١) قال النووي في حديث: "كل بقدر حتى العجز والكيس" (٢): والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق في الأمور، ومعناه: أن العاجز قد قدر عجزه، والكيس قد قدر كيسه (٣). قال عز الدين التلمساني: علامة من اتخذ الله وكيلا أن لا يضطرب عند الفاقة، ولا تختلف (٤) حاله عند المصيبة، ولا يتهم الوكيل سبحانه فيما يجد من شدة تعرض، بل يرى أن الوكيل سبحانه (٥) قد عوضه عن الفانيات خيرا منها من الباقيات.

стр. 9732

٢٩ - باب في الحبسِ في الدَّيْنِ وَغيْرِهِ ٣٦٢٨ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللْهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ وَبْرِ بْنِ أَبي دُلَيْلَةَ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللْهِ ﷺ قالَ: "لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ". قالَ ابن المُبارَكِ: يُحلُّ عِرضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ وَعُقُوبَتَهُ: يُحبَسُ لَه (١). ٣٦٢٩ - حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنا هِرْماسُ بْنُ حَبِيبٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البادِيَةِ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ بِغَرِيم لي فَقالَ لي: "الزَمْهُ". ثُمَّ قالَ لي: "يا أَخا بَني تَمِيمٍ ما تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ" (٢). ٣٦٣٠ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازيُّ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ بَهْزِ ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا في تُهْمَةٍ (٣). ٣٦٣١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ وَمُؤَمَّلُ بْنُ هِشامٍ، قالَ ابن قُدامَةَ: حَدَّثَني إِسْماعِيلُ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ ابن قُدامَةَ: إِنَّ أَخاهُ أَوْ عَمَّهُ وقالَ مُؤَمَّل: إِنَّهُ قامَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يَخطُبُ فَقالَ: جِيراني بِما أَخَذُوا؟ . فَأَعْرَضَ عَنْة مَرَّتَينِ ثُمَّ ذَكَرَ شَيئًا فَقالَ النَّبي ﷺ : "خَلُّوا لَهُ، عَنْ جِيرانِهِ". لم يَذْكُرْ مُؤَمَّل وَهُوَ يَخُطُبُ (٤). * * *

стр. 9733

باب في الحبس بالدين وغيره لعله أراد بـ (غيره) الملازمة كما بوب عليه ابن ماجه: باب في الحبس بالدين والملازمة (١). [٣٦٢٨] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، أنا عبد الله بن المبارك، عن وبر) بفتح الواو، وسكون الموحدة (ابن أبي دليلة) بضم الدال، وفتح اللام الأولى مصغر، الطائفي استشهد به البخاري في "الصحيح" تعليقا (٢) (عن محمد) بن عبد الله (بن ميمون) بن مسيكة الطائفي، أثنى عليه وبر بن دليلة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، انفرد بهذا الحديث (عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء، أخرج له الشيخان (عن أبيه) الشريد بن سويد الثقفي، أنشد النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية فقال: "كاد يسلم" (٤) يعني: أمية. (عن رسول الله ﷺ قال: لي) بفتح اللام وتشديد الياء (الواجد) و (لي) مبتدأ مضاف إلى الفاعل في المعنى، وقد جاء -يعني: المضاف والمضاف إليه- مفسرا في رواية الصحيحين، من رواية: "مطل الغني ظلم" (٥) فإن اللي هو المطل، و (الواجد) هو الغني، ورواية الصحيحين

стр. 9734

تدل على أن في رواية المصنف حذف خبر المبتدأ والتقدير: لي الواجد ظلمه. من الوجد، بضم الواو، بمعنى: السعة والقدرة. والليُّ مصدر لواه غريمه بدينه ليا وليانا إذا مطله، ومنه قول الشاعر: قد كنتُ دايَنْتُ بها حسَّانَا ... مخافةَ الإِفلاسِ واللّيَّانَا (١) أي: مخافة الإفلاس. والمطل: منع ما يستحقه، مأخوذ من مطلت الحديدة إذا مدللها وطولتها. والظلم: وضع الشيء في غير محله، ومجاوزة الحد، وهو حرام. وأراد بالواجد: القادر على الخروج من الحق، والواجد الذي هو القادر أعم من الغني، فإن الظاهر اختصاص الغنى بالمال، فإن الغني عند الفقهاء من لا تحل له الزكاة على خلاف فيه، والقادر يشمل القادر بالملاءة من المال على العمل كمطل المحترفين، كالصواغ، والنساجين، والنجارين، وغيرهم، فإذا قال الصائغ: غدًا أعمله لك. وهو قادر على العمل وترك عمله دخل في التحريم في هذا الباب. ولا يدخل في هذا رواية الصحيحين: "مطل الغني" وقد سئلت عن هذا الحديث الذي هو من تعليقات البخاري، فقال في باب لصاحب الحق مقال: ويذكر عن النبي ﷺ : "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (٢)، وقد كتبت عليه بمفرده كراريس فيما يتعلق به من تخريج وإعراب ولغة ومعانٍ، ووجدته يدخل فيه من المسائل الفقهية ما لا

стр. 9735

ينحصر، وحال هذِه الكتابة كانت الكراريس ببيت المقدس، إذ لو كانت حاضرة لكتبت من فوائده هنا. واعلم أن المطل إنما يحل العرض والعقوبة ويصير ظلما بعد مضي الأجل المذكور، أما قبله فلا، وإنه لا يكون ظلما وحراما إلا على الغني القادر دون غيره، وأن تسمية المماطل ظالما يحل عرضه وعقوبته توجب إسقاط شهادته، وذهب بعض المالكية إلى أنه لا ترد شهادته إلا أن يكون المطل له عادة (١). وأن مطل القادر الغني يحتمل أن يشمل ما سبق فيه طلب وما لم يسبق، والأول لا خلاف في تحريمه مع القدرة، وأما الثاني ففيه وجهان عندنا، رجح إمام الحرمين منهما في "النهاية" المنع فقال: ومن كان عليه دين وهو ممتنع من أدائه، ومستحقه غير مطالب به فالدين ثابت، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطلبه مستحقه (٢). ورجح ذلك ابن عبد السلام في "القواعد" (٣). وتقدير الحديث في الرجل القادر صفة لمحذوف، ففي الحديث دليل عند من يقول بمفهوم الصفة على المعسر لا يحل عرضه ولا يحبس في الدين؛ لأن المعسر غير واجد خلافا لأبي حنيفة وشريح فعندهما يحبس المعدم (٤). (يحل) بضم الياء وكسر الحاء، أي: يبيح للمطلوب بدينه (عرضه)
следующие страницы →