← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

ونظرت في عاقبته، وتدبرت ما يحصل عليك و (كلبك أمر) بعد ذلك فالجأ بصدق النية والعزيمة (فقل: حسبي الله ونعم الوكيل) وفي "صحيح مسلم": "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" (١) قال النووي في حديث: "كل بقدر حتى العجز والكيس" (٢): والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق في الأمور، ومعناه: أن العاجز قد قدر عجزه، والكيس قد قدر كيسه (٣). قال عز الدين التلمساني: علامة من اتخذ الله وكيلا أن لا يضطرب عند الفاقة، ولا تختلف (٤) حاله عند المصيبة، ولا يتهم الوكيل سبحانه فيما يجد من شدة تعرض، بل يرى أن الوكيل سبحانه (٥) قد عوضه عن الفانيات خيرا منها من الباقيات.

стр. 9732

٢٩ - باب في الحبسِ في الدَّيْنِ وَغيْرِهِ ٣٦٢٨ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللْهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ وَبْرِ بْنِ أَبي دُلَيْلَةَ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللْهِ ﷺ قالَ: "لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ". قالَ ابن المُبارَكِ: يُحلُّ عِرضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ وَعُقُوبَتَهُ: يُحبَسُ لَه (١). ٣٦٢٩ - حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنا هِرْماسُ بْنُ حَبِيبٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البادِيَةِ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ بِغَرِيم لي فَقالَ لي: "الزَمْهُ". ثُمَّ قالَ لي: "يا أَخا بَني تَمِيمٍ ما تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ" (٢). ٣٦٣٠ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازيُّ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ بَهْزِ ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا في تُهْمَةٍ (٣). ٣٦٣١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ وَمُؤَمَّلُ بْنُ هِشامٍ، قالَ ابن قُدامَةَ: حَدَّثَني إِسْماعِيلُ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ ابن قُدامَةَ: إِنَّ أَخاهُ أَوْ عَمَّهُ وقالَ مُؤَمَّل: إِنَّهُ قامَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يَخطُبُ فَقالَ: جِيراني بِما أَخَذُوا؟ . فَأَعْرَضَ عَنْة مَرَّتَينِ ثُمَّ ذَكَرَ شَيئًا فَقالَ النَّبي ﷺ : "خَلُّوا لَهُ، عَنْ جِيرانِهِ". لم يَذْكُرْ مُؤَمَّل وَهُوَ يَخُطُبُ (٤). * * *

стр. 9733

باب في الحبس بالدين وغيره لعله أراد بـ (غيره) الملازمة كما بوب عليه ابن ماجه: باب في الحبس بالدين والملازمة (١). [٣٦٢٨] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، أنا عبد الله بن المبارك، عن وبر) بفتح الواو، وسكون الموحدة (ابن أبي دليلة) بضم الدال، وفتح اللام الأولى مصغر، الطائفي استشهد به البخاري في "الصحيح" تعليقا (٢) (عن محمد) بن عبد الله (بن ميمون) بن مسيكة الطائفي، أثنى عليه وبر بن دليلة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، انفرد بهذا الحديث (عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء، أخرج له الشيخان (عن أبيه) الشريد بن سويد الثقفي، أنشد النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية فقال: "كاد يسلم" (٤) يعني: أمية. (عن رسول الله ﷺ قال: لي) بفتح اللام وتشديد الياء (الواجد) و (لي) مبتدأ مضاف إلى الفاعل في المعنى، وقد جاء -يعني: المضاف والمضاف إليه- مفسرا في رواية الصحيحين، من رواية: "مطل الغني ظلم" (٥) فإن اللي هو المطل، و (الواجد) هو الغني، ورواية الصحيحين

стр. 9734

تدل على أن في رواية المصنف حذف خبر المبتدأ والتقدير: لي الواجد ظلمه. من الوجد، بضم الواو، بمعنى: السعة والقدرة. والليُّ مصدر لواه غريمه بدينه ليا وليانا إذا مطله، ومنه قول الشاعر: قد كنتُ دايَنْتُ بها حسَّانَا ... مخافةَ الإِفلاسِ واللّيَّانَا (١) أي: مخافة الإفلاس. والمطل: منع ما يستحقه، مأخوذ من مطلت الحديدة إذا مدللها وطولتها. والظلم: وضع الشيء في غير محله، ومجاوزة الحد، وهو حرام. وأراد بالواجد: القادر على الخروج من الحق، والواجد الذي هو القادر أعم من الغني، فإن الظاهر اختصاص الغنى بالمال، فإن الغني عند الفقهاء من لا تحل له الزكاة على خلاف فيه، والقادر يشمل القادر بالملاءة من المال على العمل كمطل المحترفين، كالصواغ، والنساجين، والنجارين، وغيرهم، فإذا قال الصائغ: غدًا أعمله لك. وهو قادر على العمل وترك عمله دخل في التحريم في هذا الباب. ولا يدخل في هذا رواية الصحيحين: "مطل الغني" وقد سئلت عن هذا الحديث الذي هو من تعليقات البخاري، فقال في باب لصاحب الحق مقال: ويذكر عن النبي ﷺ : "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (٢)، وقد كتبت عليه بمفرده كراريس فيما يتعلق به من تخريج وإعراب ولغة ومعانٍ، ووجدته يدخل فيه من المسائل الفقهية ما لا

стр. 9735

ينحصر، وحال هذِه الكتابة كانت الكراريس ببيت المقدس، إذ لو كانت حاضرة لكتبت من فوائده هنا. واعلم أن المطل إنما يحل العرض والعقوبة ويصير ظلما بعد مضي الأجل المذكور، أما قبله فلا، وإنه لا يكون ظلما وحراما إلا على الغني القادر دون غيره، وأن تسمية المماطل ظالما يحل عرضه وعقوبته توجب إسقاط شهادته، وذهب بعض المالكية إلى أنه لا ترد شهادته إلا أن يكون المطل له عادة (١). وأن مطل القادر الغني يحتمل أن يشمل ما سبق فيه طلب وما لم يسبق، والأول لا خلاف في تحريمه مع القدرة، وأما الثاني ففيه وجهان عندنا، رجح إمام الحرمين منهما في "النهاية" المنع فقال: ومن كان عليه دين وهو ممتنع من أدائه، ومستحقه غير مطالب به فالدين ثابت، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطلبه مستحقه (٢). ورجح ذلك ابن عبد السلام في "القواعد" (٣). وتقدير الحديث في الرجل القادر صفة لمحذوف، ففي الحديث دليل عند من يقول بمفهوم الصفة على المعسر لا يحل عرضه ولا يحبس في الدين؛ لأن المعسر غير واجد خلافا لأبي حنيفة وشريح فعندهما يحبس المعدم (٤). (يحل) بضم الياء وكسر الحاء، أي: يبيح للمطلوب بدينه (عرضه)

стр. 9736

العرض: موضع المدح والذم سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره كخادم وقريب. وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير، فمن وروده للنفس: اللهم إني تصدقت بعرضي (١). أي: تصدقت على من ذكرني بما يرجع إليَّ عيبه، ومنه قول حسان: فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء (٢) ومنه حديث: "فمن أتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (٣) أي: احتاط لنفسه، ولا يجوز فيه معنى الآباء والأسلاف. ومن ورود العرض بمعنى البدن حديث صفة أهل الجنة: "إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك" (٤) أي: من معاطف أبدانهم، وهي المواضع التي تعرق من الجسد. (و) يحل للحاكم (عقوبته، قال) عبد الله (ابن المبارك) أحد الرواة: معنى قوله (يحل عرضه) أي: يبيح لصاحب الحق أن (يغلظ) بضم الياء

стр. 9737

وكسر اللام (له) الكلام بعنف ويشدده. وفيه دليل على جواز ذلك، قال الغزالي: (إن صاحب الحق) (١) مهما كلمه من له الحق بكلام خشن فليحتمله، وليقابله باللطف أقتداء برسول الله ﷺ ؛ إذ جاءه صاحب الدين عند حلول الأجل، ولم يكن قد اتفق قضاؤه، فجعل الرجل يشدد الكلام على رسول الله ﷺ ، فهمَّ به أصحابه فقال: "دعوه" ولفظ البخاري: عن أبي هريرة: أتى النبي ﷺ رجل يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: "دعوه فإن لصاحب الحق مقالا" (٢) (٣). وفي البخاري: قال سفيان -يعني: ابن عيينة-: عرضه يقول: مطلتني (٤). أو يقول: أنت مطلتني بحقي. أو: سوفت بي. أو: أنت ظالم. ونحوه. والظاهر أن عرض الماطل لا يباح مطلقا، بل يباح بذكر ما وقع منه فيقال: مطلتني، أو ظلمتني على قصد الانتصار، ويقول للحاكم أو للمفتي: هو ظلمني ومطلني بحقي. وكذا إذا ظلمه الحاكم وله بينة، فله أن يقول عند السلطان: ظلمني. أو جار علي. أو أخذ مني رشوة. ونحو ذلك؛ فإن ذكره بشيء من ذلك دون ظلمه كان مغتابا عاصيا (و) معنى يحل (عقوبته) بالنصب [أن الحاكم إذا ادعي إليه وتبين قدرته

стр. 9738

ومطله أن (يحبس له) حتى يدفع إليه حقه، أو يثبت إعساره] (١). وقال ابن ماجه عقب الحديث: قال علي -يعني: ابن محمد أحد الرواة-: يعني عرضه: شكايته، وعقوبته: سجنه (٢). [٣٦٢٩] (حدثنا معاذ بن أسد) بن أبي شجرة الغنوي المروزي، كاتب ابن المبارك، شيخ البخاري (ثنا النضر بن شميل) المازني البصري، شيخ مرو ومحدثها (أنا هرماس بن حبيب) العنبري التميمي لم يرو عنه غير النضر بن شميل (رجل) بالرفع بدل (٣) مما قبله (من البادية) ضد الحاضرة (عن أبيه) ﵄، وقع في كتاب ابن ماجه: عن أبيه عن جده (٤). وهو الصواب، وكذا ذكره البخاري في "تاريخه" عن أبيه عن جده (٥). قال ابن أبي حاتم: هرماس بن حبيب العنبري روى عن أبيه عن جده، ولجده صحبة، وقال: سألت أبي عن هرماس بن حبيب فقال: هو شيخ أعرابي لم يرو عنه غير النضر بن شميل (٦). (قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: الزمه) بفتح الزاي، كذا لفظ ابن ماجه (٧)، والملازمة عند القائلين بها لا تكون إلا بعد ثبوت الحق

стр. 9739

عند الحاكم، فإذا ثبت عنده لازم غريمه حيثما ذهب إلى أن يدفع إليه حقه. فيحمل الحديث على أنه ادعى على غريمه، عند النبي ﷺ ، ولما ثبت له عليه الحق أمره بالملازمة، والذي عليه الجمهور أن الملازمة غير معمول بها، كما أن المدعي إذا قال: لي بينة غائبة. يقول له الحاكم: لك يمينه فإن شئت فاستحلفه، وإن شئت أخره إلى أن تحضر بينتك، وليس لك ملازمته حتى يحضر البينة، ولا مطالبته بكفيل. والدليل على عدم الملازمة في الصورتين قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك" (١) فدل بمفهوم الحصر على أنه ليس له الملازمة، وعلى قول الجمهور يحمل الحديث على أن معناه: الزم غريمك بمراقبتك له بالنظر من بعد، ذهب أحمد إلى أن المدعي إذا طلب ملازمة غريمه حتى يحضر بينته القريبة؛ لأنه لو لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم، وهذا خلاف البينة البعيدة (٢). قال بعض شراح "المنهاج": لا شك أن صاحب الحق إذا اختار ملازمة الغريم ثم استناب فيها أن أجرته على ذي الحق، وإنما التردد ما إذا طلب من الحاكم. قال الصيمري: لرب الدين ملازمة غريمه بنفسه وبأجيره. (ثم قال: يا أخا بني تميم) فيه نداء من لا يعرف اسمه باسم قبيلته أو

стр. 9740

ببعض ما هو لابسه كـ "يا صاحب السبتيتين" (١) وفي رواية ابن ماجه زيادة ولفظه: فقال لي: "الزمه" ثم مر بي آخر النهار فقال: "ما فعل أسيرك يا أخا (٢) بني تميم" (٣). (ما تريد أن تفعل بأسيرك) زاد رزين: فأطلقته (٤). سماه أسيرا باعتبار ما يحصل له من المذلة بالملازمة، وكثرة تذلله له عند المطالبة، كما جاء في حديث آخر: "لا يؤسرن (٥) في الإسلام أحد بشهادة الزور، إنا لا نقبل إلا العدول (٦) " (٧) وأصله من الأسر، وهو القد الذي يشد الأسير، وفي رواية الحاكم: "إذا أراد الله أن يذل عبدا وضعه" (٨) أي: وضع الدين في عنقه. [٣٦٣٠] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم (عن جده) هو معاوية بن حيدة بلا خلاف، وحيدة بن معاوية القشيري. (أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة) بضم التاء، وسكون الهاء، وقد

стр. 9741

تفتح الهاء في لغة، والتهمة فعلة من الوهم، والتاء بدل من الواو، واتهمته بوزن افتعلته (١) إذا ظننت فيه ما نسبت إليه. وفيه دليل على أن الحبس كما يكون حبس عقوبة يكون حبس استظهار في غير حق، بل ليستكشف به بعض ما وراءه، فإذا حبس لاستكشاف حاله من يسار وإعسار، فأجرة الحبس على ذي الحق؛ لأنه لم يتحقق عناده بمنع الحق، فلا يكلفه الأجرة، لا سيما إن ظهر صدق دعواه بالإعسار. وزاد الترمذي في روايته: ثم خلى عنه. ثم قال: حديث حسن (٢). ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث أبي هريرة. ثم أخرجه (٣)، ولعل حديث أبي هريرة ما رواه ابن القاص بسنده عن [إبراهيم بن خثيم بن] (٤) عراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة؛ استظهارا وطلبا لإظهار الحق بالاعتراف. [٣٦٣١] (ثنا محمد بن قدامة) بن أعين المصيصي مولى بني هاشم، قال الدارقطني: ثقة (٥). والنسائي: لا بأس به (٦) (ومؤمل بن هشام قال)

стр. 9742

محمد (ابن (١) قدامة: حدثني إسماعيل) ابن علية (عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده) معاوية (قال ابن قدامة: إن أخاه أو عمه) حدثه (وقال مؤمل) ابن هشام (إنه) أي: جده (قام إلى النبي ﷺ ) فيه الأدب في مخاطبة الإمام أن لا يخاطبه وهو جالس، بل يقوم ليحدثه. فيه جواز ابتداء الإمام (وهو يخطب) بالكلام في أثناء خطبته والشفاعة عنده بحضرة الناس (فقال) يا رسول الله (جيراني) بكسر الجيم، جمع جار (بما أخذوا؟ ) أي: بأي دين حبسوا؟ (فأعرض عنه رسول الله ﷺ ) لكونه كلمه في حال الخطبة ولم يصبر عليه إلى أن يفرغ، فإعراضه عنه مع كلامه له (مرتين) كالتأديب له (ثم ذكر) للنبي ﷺ (شيئا) عرفه. (فقال النبي ﷺ : خلوا له عن جيرانه) فأطلقوهم من الحبس أو الملازمة. وفيه: كثرة حلمه وحسن خلقه الكريم كما مدحه الله تعالى (ولم يذكر مؤمل) بن هشام في روايته قوله: (وهو يخطب) بل انفرد بهذِه الزيادة ابن قدامة.

стр. 9743

٣٠ - باب في الوَكالةِ ٣٦٣٢ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا عَمّي، حَدَّثَنا أَبي عَنِ ابن إِسْحاقَ، عَنْ أَبي نُعَيْمِ وَهْبِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحدِّثُ قالَ أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقلْتُ لَهُ: إلى أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ. فَقالَ: "إِذا أَتَيْتَ وَكِيلي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإن ابْتَغَى مِنْكَ آيةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى ترْقُوَتِهٍ" (١). * * * باب في الوكالة بفتح الواو وكسرها لغة من وكلت إليه الأمر إذا اتكلت عليه فيه. [٣٦٣٢] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (بن سعد بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، شيخ البخاري في البيوع والتوحيد والاعتصام (قال: ثنا عمي) يعقوب بن إبراهيم ابن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، مدني كان بالعراق (قال: ثنا أبي) (٢) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، (٣) بن عبد الرحمن (عن) محمد (ابن إسحاق) بن يسار القرشي، مولى قيس بن مخرمة، أخرج له مسلم في غير موضع (عن أبي نعيم وهب بن كيسان) المؤدب. (عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي ﷺ ) قبل أن أخرج (فسلمت عليه) فيه السلام قبل الكلام.

стр. 9744

رواه عبد الحق في "الأحكام" عن جابر أيضا (١) (وقلت: إني أردت الخروج إلى خيبر. فقال) لي (إذا أتيت وكيلي) في خيبر (فخذ منه خمسة عشر وسقًا) بفتح الواو على الأرجح، وهو ستون صاعا كما تقدم. (فإن ابتغى) أي: طلب منك (آية) أي: علامة على صحة قولك، ومنه: آيات الساعة. أي: علاماتها. وأصل آية أوَيَة بفتح الواو، وتحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا (تضع يدك على ترقوته) بفتح المثناة فوق، وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة (٢) النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، ووزنهما فعلوة، وجمعها تراقي كما في حديث الخوارج: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (٣). وفي الحديث: دليل على صحة الوكالة، وأن الإمام له أن يوكل ويقيم عاملا على الصدقة في قبضها وفي دفعها إلى مستحقيها، وإلى من يرسله إليه بأمارة وهو من المستحقين، ويكون الدفع إليه أولى من غيره، والظاهر أن جابرا أخذ منها لكونه عابر سبيل، أو لكونه غارما، فإن الغارم لذات البين يأخذ مع الغنى. وفيه: دليل على أن الوكيل في الصدقات وغيرها إذا جاءه رجل فقال: أحالني عليك، أو أذن لي في القبض منك بأمارة كذا وكذا،

стр. 9745

وعرف صدق أمارته جاز الدفع إليه، وهل يجب؟ يحتمل أن لا يجب؛ لأن الدفع إليه غير مبرئ لاحتمال أن ينكر (١) الموكل أو المحيل أو الآذن، ويحتمل الوجوب؛ لأنه مصدق له في أمارته، كما أنه يجب عليه الدفع إذا كان الطالب وارثا، لكن له الأمتناع من الدفع إليه حتى يشهد عليه بالقبض، لكن إن [كان] (٢) الوكيل ليست عليه بينة لم يلزم القابض الإشهاد؛ لأن قول الوكيل مقبول ولا ضرر عليه في الدفع. وفي الحديث دليل على استحباب علامة بين الوكيل وموكله لا يطلع عليها غيرهما؛ ليعتمد الوكيل عليها في الدفع؛ لأنها أسهل من الكتابة إليه، فقد لا يكون الموكل يحسن الكتابة، أو يحسن ولا قرطاسا أو قلما أو دواة أو نحوها، ولأن الخط يشتبه، ولهذا لم يعتمد عليه الشافعي (٣). وفيه استحباب العلامة لمن يطلب منه إرسال شيء أو فعل شيء في وقت آخر، كما يفعل بعضهم في ربط خيط في أصبعيه، فإذا رآه بعد في لك تذكر ما يطلب منه، فلعله ﷺ أذن له أن يدفع لمن وضع يده على ترقوته، وخصت الترقوة دون غيرها؛ لأنها موضع هلاك الآدمي بخروج الروح والنحر فيها، وأن الترقوة أول محل ارتفاع العمل الصالح إلى الله تعالى، وأما العمل السيئ فلا يجاوز عمل صاحبه ترقوته كما في الحديث.

стр. 9746

٣١ - باب في القَضاءِ ٣٦٣٣ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا المُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبِ العَدَويِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ -قال: إذا تارأتُم في طَرِيقٍ فاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ" (١). ٣٦٣٤ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وابْنُ أَبي خَلَفٍ قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْريِّ عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبي هُريرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ أَخاهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدارِهِ فَلا يَمْنَعْهُ". فَنَكَسُوا، فَقالَ ما لي أَراكُم قَدْ أَعْرَضْتُم لألُقِيَنَّها بَيْنَ أكْتافِكُمْ. قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا حَدِيث ابن أَبي خَلَفٍ وَهُوَ أَتَمُّ (٢). ٣٦٣٥ - حَدَّثَنا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ يحيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيَى بْنِ حَبّانَ، عَنْ لُؤْلُؤَةَ، عَنْ أَبي صِرْمَةَ. قالَ أَبو داوُدَ: قالَ غَيْرُ قتَيْبَةَ في هذا الحَدِيثِ: عَنْ أَبي صِرمَةَ صاحِبِ النَّبيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "مَنْ ضارَّ أَضَرَّ اللهُ بِهِ وَمَنْ شاقَّ شاقَّ اللهُ عَلَيْهِ" (٣). ٣٦٣٦ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ العَتَكى، حَدَّثَنا حَمّادٌ، حَدَّثَنا واصِلٌ مَوْلَى أَبي عُيَيْنَةَ قالَ: سَمِعْت أَبا جَعْفَرِ محَمَّدَ بْنَ عَليٍّ يُحَدِّث، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ كانَتْ لَهُ عَضُذ مِنْ نَخْلٍ في حائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ، قالَ: وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، قالَ: فَكانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ إِلَى نَخْلِهِ فَيَتَأَذى بِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ فَأبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُناقِلَهُ فَأبَى، فَأتَى النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَهُ فَأبَى، فَطَلَبَ إِلَيهِ أَنْ يُناقِلَهُ فَأبَى. قالَ: "فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذا وَكَذا". أَمْرًا رَغَّبَهُ

стр. 9747

فِيهِ فَأَبَى، فَقالَ: "أَنْتَ مُضار". فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلأنصاريِّ: "اذْهَبْ فاقْلَعْ نَخْلَهُ" (١). ٣٦٣٧ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسيُّ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا خاصَمَ الزُّبَيرَ في شِراجِ الحَرَّةِ التي يَسقُونَ بِها فَقالَ الأنصاريُّ سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ لِلزّبَيْرِ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثمَّ أَرْسِلْ إِلَى جارِكَ". فَغَضِبَ الأنصاريّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابن عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُول اللهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: "اسْقِ ثُمَّ أحْبِسِ الماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ". فَقالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إِنّي لأحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآيَةَ (٢). ٣٦٣٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ -يَعْني: ابن كَثِيرٍ -، عَنْ أَبي مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِيهِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبي مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَ كُبُرَاءَهُمْ يَذْكرُونَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كانَ لَهُ سَهْمٌ في بَني قُرَيْظَةَ فَخاصَمَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَهْزُورٍ -يَعْني: السَّيْلَ الذي يَقْتَسِمُونَ ماءَهُ- فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ الماءَ إلَى الكَعْبَيْنِ لا يحبِسُ الأعلَى عَلَى الأسفَلِ (٣). ٣٦٣٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنا المُغِيرَة بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَني أَبي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى في السَّيْلِ المَهْزُورِ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الكَعْبَيْنِ ثمَّ يُرْسِلُ الأعلَى عَلَى الأسفَلِ (٤).

стр. 9748

٣٦٤٠ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ أَنَّ محَمَّدَ بْنَ عُثْمانَ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبي طُوالَةَ وَعَمْرِو بْنِ يحيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدِ الخُدْريِّ قالَ: أخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رجُلانِ في حَرِيمِ نَخْلَةٍ في حَدِيثِ أَحَدِهِما فَأَمَرَ بِها فَذُرِعَتْ فَوُجِدَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ وَفي حَدِيثِ الآخَرِ: فَوُجدَتْ خمسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذاكَ. قالَ عَبْدُ العَزِيزِ: فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرِيدِها فَذُرِعَتْ (١). * * * أبواب من القضاء [٣٦٣٣] (حدثنا مسلم (٢) بن إبراهيم (الأزدي الفراهيدي (حدثنا المثنى (٣) بن سعيد) الضبعي القسام الذارع (حدثنا قتادة، عن بشير) بضم الموحدة، وفتح الشين المعجمة (ابن كعب) العدوي ويقال: العامري. وأخرجه الترمذي من حديث بشير بن نهيك أيضا (٤)، وأخرجه مسلم من حديث عبد الله بن الحارث (٥) ختن محمد بن سيرين. (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا تدارأتم) بدال مهملة بعدها ألف، وبعد الراء همزة من الدرء، وهو الدفع، لقوله تعالى:

стр. 9749

﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (١) أي: يدفع. والمراد هنا إذا تدافعتم واختلفتم، بدليل رواية مسلم: "إذا اختلفتم" (٢) (في طريق فاجعلوه) أي: اجعلوا عرضه (سبع أذرع) وفي رواية لمسلم: "جُعِلَ عَرْضُه سبعة أذرع" (٣) وهما صحيحان؛ لأن الذراع يذكر ويؤنث، والتأنيث أفصح، وهذا الحديث محمول على أمهات الطريق التي هي ممر عامة الناس بأحمالهم ومواشيهم، فإذا تشاح من له أرض يتصل بها مع من له فيها حق، جعل سبع أذرع بينهما بالذراع المتعارف في ذلك، طريقًا للناس كافة، بخلاف بنيات الطريق، فأما إذا جعل الرجل بعض أرضه المملوكة طريقا مسبلة للمارين فقدرها إلى خيرته، والأفضل توسيعها وليس هذِه الصورة مراد الحديث؛ لأن هذِه لا مدافعة فيها ولا اختلاف، وإذا وجدنا طريقا مسلوكا أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل. قال أصحابنا: ومتى وجدنا جادة مستطرقة ومسلكا مشروعا نافذا حكمنا باستحقاق الاستطراق فيه بظاهر الحال (٤). وفي الحديث الندب إلى توسعة الطرق السالكة؛ لئلا تضيق على الحمولة دون الأزقة التي لا تنفذ والطرق التي يدخل فيها القوم إلى بيوتهم.

стр. 9750

[٣٦٤٣] (حدثنا مسدد و) محمد (ابن أبي خلف) شيخ مسلم (قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، عن) عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : إذا استأذن أحدكم أخاه) فخرج مخرج الغالب، فإن الذمي كذلك، فإن المراد به الجار كما في رواية الصحيحين (١) مسلما كان أو غيره فإنه من باب الإحسان، والإحسان إلى الجار اليهودي فيه أجر. (أن يغرز خشبة) قال القاضي عياض: رويناه في مسلم وغيره من الأصول "خشبه" بالجمع والإفراد ثم قال: وقال عبد الغني بن سعيد: كل الناس يقوله بالجمع إلا الطحاوي، فإنه قال عن روح بن الفرج: سألت أبا يزيد والحارث بن بكير ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا كلهم (خشبة) بالتنوين (٢). قال القرطبي: وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف أن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة به، بخلاف الأخشاب الكثيرة (٣). ووضع الخشبة على الحائط في معنى الغرز، بل هو أخف ضررا منه. وفي رواية ابن عباس: "وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره" (٤). (في جداره) أي: حائطه، يحتمل عود الضمير على المالك. أي: في

стр. 9751

جدار نفسه، وهذا حيث لا يتضرر بمنع ضوء أو إشراف عليه، إذ الضرر لا يزال بالضرر. وقيل: لا يمنعه من إخراج جناح ونحوه للتوسعة على من ضاق سفل داره ولم يضر ذلك بالجار ولا بالمار، ويحتمل عود الضمير على الجار، وهذا منشأ الخلاف في وجوب إعارة الجار الجدار لوضع الجذوع عند حاجته إلى ذلك، والصحيح عند الشافعي ومالك (١) والجمهور أنه للندب، ويدل على عدم الوجوب قوله بعده (ما لي أراكم قد أعرضتم) إذ لو كان واجبا لما أعرضوا لشدة أتباعهم. وللحديث الصحيح: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس" (٢). (فلا يمنعه) هو نهي كراهة لما تقدم (فنكبوا) بفتح النون والكاف المخففة. يعني: رؤوسهم حياء منه، حيث لم يقولوا: سمعنا وأطعنا (فقال) أبو هريرة بعد أن روى هذا الحديث (ما لي أراكم قد أعرضتم)؟ ! عن مقالتي، أو عن هذِه السنة، أو عظتي ووصيتي، والله (لألقينها) اللام لام جواب، والهمزة المتصلة بها مضمومة همزة المضارعة والقاف مكسورة، ونون التوكيد مشددة، ويجوز تخفيفها.

стр. 9752

ورواية الصحيحين: لأرمينها (١). ورواية الترمذي: فطأطؤوا رؤوسهم (٢). وهي بمعنى رواية المصنف أو تفسير لها، والمعنى: لأضعن هذِه السنة (بين أكتافكم) بالتاء المثناة فوق. أي: بينكم، قال القاضي: وقد رواه بعض رواة "الموطأ": أكنافكم. بالنون (٣) بمعناه أيضا، والكنف: الجانب، ونونه مفتوحة، والمعنى (٤) لأطرحن بها بين جماعتكم ولا أكتمها أبدا، ولأوجعنكم بالتقريع كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه. وفي "تعليق القاضي حسين" من أصحابنا أن أبا هريرة قال ذلك حين كان متوليا بمكة أو المدينة، وكأنه قال ذلك لما رآهم قد توقفوا عن قبول ذلك، بدلالة تنكيس رؤوسهم، وقيل: المراد لألزمنكم العمل بهذِه السنة هان تكلفتكم، أو لأضعن جذوع الجار بين أكتافكم، وقصد بذلك المبالغة. (وهذا حديث) محمد بن أحمد (بن أبي خلف) البغدادي (وهو أتم) من حديث مسدد. [٣٦٣٥] (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يحيى) بن سعيد (الأنصاري) (٥) (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة، وتشديد الموحدة، ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني (عن لؤلؤة) بهمزتين

стр. 9753

بعد اللامين، حسن الترمذي حديثها (١)، وهي مولاة الأنصار (عن أبي صرمة) بكسر الصاد المهملة مالك بن قيس الأنصاري، قال ابن عبد البر: لم يختلفوا في شهوده بدرا وما بعدها (٢)، كان شاعرا محسنا. (عن النبي ﷺ : من ضار) بتشديد الراء أي: ضارر غيره كان ينتقصه شيئا من حقه، أو يأخذ من حقه شيئا أو يدخل عليه الضرر بشيء غير ذلك، فإن الضر ضد النفع، وشمل معناه أن لا يجازي أحدًا على إضراره بإدخال الضرر عليه جزاء فعله. واختلفوا في الفرق بين الضرر والضرار، فقيل: الضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين، وقيل: الضرر أن يضره من غير أن ينتفع، والضرار أن يضره ابتداء، وقيل: هما بمعنى واحد. وإنما عقب المصنف هذا الحديث بما قبله؛ لأن من الضرار أن يمنعه من أن يغرز خشبة في جداره، وقد جاء في رواية أحمد عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا إضرار، وللرجل أن يضع خشبة في جداره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" (٣). (أضر الله تعالى به) أي: أوقع الضرر البالغ به في ذلك الوقت أو بعده، وشدد عليه عقابه [في الآخرة (ومن شاق) بتشديد القاف. أي: شاقق أخاه، بأن يدخل عليه ما يشق عليه] (٤) ابتداء أو مجازاة، أو يحاربه، أو يكثر مخالفته وعناده (شاق الله تعالى عليه) أي: أدخل عليه

стр. 9754

ما يشق عليه كما يشق على أخيه، وحاربه كما يحارب أولياء الله، والمشاقة مشتقة من الشق؛ لأن كل واحد من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، والشق: الجانب. [٣٦٣٦] (حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد) بن زيد أخرج له مسلم (١) (حدثنا واصل) العابد (مولى أبي عيينة) بتحتانيتين، صدوق، ابن المهلب بن أبي صفرة (٢)، أخرج له مسلم (قال: سمعت أبا جعفر) الباقر، وهو (محمد (٣) بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب. (يحدث عن سمرة بن جندب ﵁ أنه كان له عضد) بفتح العين وضم الضاد (من نخل) قال في "النهاية": أراد طريقة من نخل (٤). هكذا الرواية المشهورة، وقيل: الصواب رواية: عضيد من النخل. قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول من تلك النخلة فهو العضد، وجمعها عضدان (٥). بضم العين، كرغيف ورغفان، وكثيب وكثبان. قال الزمخشري (٦): قالوا للطريقة من النخل: عضد؛ لأنها متساطرة

стр. 9755

في جهته. يريد جهة الطريق (في حائط) أي: بستان عليه شيء يحوطه (رجل من الأنصار، قال) أبو جعفر (وكان مع الرجل) الذي من الأنصار (أهله) بالرفع، يعني: زوجته وأولاده (قال: فكان سمرة) بن جندب (يدخل إلى نخله) التي في حائط الرجل الأنصاري؛ ليصل إلى الانتفاع بنخله وأخذ ثمرها (فيتأذى به) أي: بدخوله إلى حائط غيره، ويشق عليه الاستئذان على أهله كل وقت، فيتأذى بذلك ويحصل له الضرر المنهي عنه في الحديث قبله (ويشق عليه) مخالطة الأجانب وعدم استقلاله بمنفعة ما يملكه. (فطلب إليه) يقال: طلب إلى فلان كذا فأطلبته. أي: أشفعته بما طلب، ويجوز أن يكون معناه: فأنهى طلبه إليه، كما يقال: أحمد إليك الله سبحانه. أي: أنهي حمده سبحانه إليك (١) (أن يناقله) أي: يعاوضه حصة بحصة؛ إذ التعويض جائز بالجنس وبغير الجنس، ويجوز أن يكون هذا المطلوب وقفا فيناقل به، كما هو منقول عن أحمد (٢) كما سيأتي (فأبى أن يناقله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له) وشكا الضرر الحاصل له إليه؛ ليزيل ضرره، فأرسل إليه النبي ﷺ فطلب إليه أن يناقله به إن كان وقفا لا يباع. وقد يستدل به على جواز المناقلة عند الحنابلة، بأن يباع ويصرف ثمنه عليه؛ لاجتماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس، يعني:

стр. 9756

الموقوفة على الغزو، وإذا كبرت فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحى أو يحمل عليها تراب، وقد روي عن عمر أنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه نقب بيت المال الذي بالكوفة: أن أنقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد؛ فإنه لن يزال في المسجد مصل (١). وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه، فكان إجماعا، ولأن فيما ذكرنا استبقاء الوقف بمعناه، وعند شدة الضرر الحاصل؛ لكن المناقلة عند الحنابلة إذا تعطلت منفعة الوقف بالكلية، فإن لم تتعطل بالكلية بل قلت، وكان غيره أنفع منه، وأكثر ردا على أهل الوقف لم يجز بيعه عندهم؛ لأن الأصل تحريم البيع وتغيير الوقف، وإنما أبيح للضرورة، وصيانة لمقصود الوقف عن الضياع (٢). (قال: فهبه) بفتح الهاء (له) فأبى أن يهبه بعوض، وإنما لم يأمره النبي ﷺ بالقسمة الحاصلة عند الضرر؛ لتتميز حصة كل واحد منهما على حدته من غير ضرر ولا رد عوض؛ لأن عضد النخل التي لسمرة إذا تميزت لا يمكنه الانتفاع بها مفردة لعلتها، فيحصل بالقسمة ضرر عليه، والقسمة إنما شرعت لإزالة الضرر، وإزالة ضرر [بحصول ضرر] (٣) أكبر منه لا يجوز، وإن لم تتعطل منفعته بالكلية فتنتقص قيمة نصيبه بالقسمة عن قيمته في حال الشركة، وفي نقص القيمة تضييع مال وضرر بتضييع المال، والضرر منفي شرعا.

стр. 9757

(ولك كذا وكذا) فيه دليل لأحد قولي الشافعي أن الهبة إذا شرط فيها ثوابا معلوما صح، سواء كان الشرط من الواهب أو من الموهوب له، كما في الحديث. ويدل على صحته أنه تمليك بعوض معلوم، فهو كالبيع، وحكمها حكم البيع في ضمان الدرك، وثبوت الخيار والشفعة (١). وبهذا قال أصحاب الرأي وأحمد (٢). (أمرًا) بسكون الميم والتنوين، هذا من كلام الراوي، ولعله من كلام أبي جعفر، ذكره بعد أن ذكر أن النبي ﷺ قال له: (هبه) وهبه أمر من النبي ﷺ بالهبة (رغبه) بتشديد الغين المعجمة، وضم الاسم الذي هو هاء الضمير، يكون إنما قال ذلك ليرجعه عن الإضرار (فيه) أي: رغبه في هذِه الهبة بزيادة الأجر عند الله تعالى، أو بزيادة من المال على قيمتها يرغب في ذلك ويزول الضرر (فأبى) أن يقبل (فقال) له: (أنت مضار) بتشديد الراء. أي: مضارر له في ذلك (فقال رسول الله ﷺ : ) عند ذلك على سبيل التهديد (اذهب فاقطع نخله) وفيه من العلم أنه أمره أولًا بإزالة الضرر ببيع أو مناقلة أو هبة، فلما لم يقبل قال له ذلك على سبيل التهديد، ليردعه به ويزجره عن الإضرار المنهي عنه تهويلا لأمره، ألا ترى أنك إذا رأيت الرجل في فعل وأنت ترى أنه خطأ منهي عنه؛ لما فيه من الضرر، فتبالغ في نصحه بتركه، فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم جردت عليه، قلت: أنت وشأنك، فافعل ما شئت. فلا تريد بهذا حقيقة الأمر، كيف وقد نهيت عنه، فكأنك

стр. 9758

تقول: إذا لم تقبل بنصح فأنت أهل لأن تفعل المنهي عنه. فأمره بقطع النخل نظير: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) بالسكون. أي: سكون اللام. [٣٦٧٣] (حدثنا أبو الوليد) سليمان بن داود بن الجارود (الطيالسي، حدثنا الليث، عن الزهري، عن عروة) بن الزبير (أن) أخاه (٣) (عبد الله بن الزبير ﵁ حدثه أن رجلا) من الأنصار، كذا لمسلم (٤)، واسمه ثعلبة بن حاطب، وقيل: حميد، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة، ولا يصح؛ لأنه ليس أنصاريا. وحكى ابن بشكوال عن شيخه أبي (٥) الحسن بن مغيث أنه ثابت بن قيس بن شماس (٦). قال القاضي (٧): حكى الداودي أن هذا الرجل كان منافقا (٨)، وقوله في رواية مسلم إنه أنصاري لا ينافي هذا؛ لأنه من قبيلتهم لا من الأنصار

стр. 9759

المسلمين (١). ونسبته النبي ﷺ إلى هوًى كفر يوجب قتله، لكن تركه النبي ﷺ ؛ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويدفع عن أذى المنافقين ويقول: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (٢). قال القرطبي: يحتمل أنه لم يكن منافقا، بل صدر ذلك بادرة نفس، وزلة شيطان، كما اتفق لحاطب بن أبي بلتعة، ومسطح، وحمنة في قصة الإفك، وغيرهم ممن بدرت من لسانه بدرة شيطانية، لكن لطف بهم حتى رجعوا عن الزلة وصحت لهم التوبة (٣) (خاصم الزبير) بن العوام (في شراج) بكسر الشين المعجمة، وجيم آخره، وهي مسايل الماء إلى النخل والشجر، واحدتها شرجة، وأضافها إلى (الحرة) لكونها فيها، و (الحرة) بفتح الحاء المهملة هي الأرض الملبسة حجارة سوداء (التي يسقون بها) النخل، كذا في الصحيحين (٤)، والمخاصمة إنما كانت في السقي بالماء الذي يسيل فيها، فكان الزبير يمسك الماء لحاجته، فطلب الأنصاري أن يُسَرِّحه له قبل استيفاء حاجته. (فقال الأنصاري: سرِّح الماء) أي: أرسله حتى (يمر) إلى أرضي (فأبى عليه الزبير) أن يسرح له الماء ليمر إلى أرضه قبل استيفاء حاجته (فقال رسول الله ﷺ للزبير: ) على سبيل الصلح (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) أي: تساهل في سقيك، وعجل في إرسال الماء إلى

стр. 9760

جارك، يحضه على المسامحة والتيسير (فغضب الأنصاري) ولم يرض بذلك؛ لأنه كان يريد أن الزبير لا يمسك الماء أصلا (فقال: يا رسول الله أإن) بكسر الهمزة الثانية؛ لأنه استفهام على جهة الإنكار. أي: حكمت علي بهذا (كان) أي: لكونه قرابتك و (ابن عمتك) صفية (١). (فتلون وجه رسول الله ﷺ ) غضبا عليه وتألما من كلمته (ثم قال) للزبير (اسق) أرضك إلى أن تستوفي حقك كله (ثم أحبس الماء) وفي رواية (حتى يرجع) "الماء" (إلى الجدر) بفتح الجيم، وسكون الدال، والمراد به أصل الحائط، وقيل: أصول الشجر، والصحيح الأول، وقدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبلغ كعب رجل الإنسان، فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء المباح أن يحبس ويسقي أرضه إلى هذا الحد، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه. وفي بعض طرق هذا الحديث: "حتى يبلغ الماء إلى الكعبين" قال القرطبي: يعني به: جدران الشربات، فإنها ترفع حتى تكون شبه الجدار (٢)، فإن قيل: كيف حكم النبي ﷺ للزبير على الأنصاري في حال غضبه مع قوله: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٣). كما تقدم؟ فالجواب كما تقدم: أن هذا معلل بما يخاف على القاضي من التشويش المؤدي إلى الغلط في الحكم والخطأ فيه، والنبي ﷺ معصوم من الخطأ في التبليغ، فالمراد بالحديث من يجوز عليه الخطأ

стр. 9761

من القضاة لا على العموم. (فقال الزبير: فوالله لأحسب (١) أن هذِه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ (٢) الآية) قدم لا النافية على القسم اهتماما بالنفي لقوته، ثم كرره. وهذا الحديث يدل على أنه سبب نزول هذِه الآية كما ظنه الزبير، وقال به طائفة، وفي الحديث أبواب من الفقه، فمنها: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم، فإن اصطلحوا وإلا استوفى الحق لذي حقه، ومنها: أن الأولى بالماء الجاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته إذا لم يكن ملكا للأول مختصا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئا. ومنها: الصفح عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع، ومنها: أن القدر الذي يستحقه الأعلى من الماء كفايته، وغايته أن يبلغ الماء إلى الكعبين كما تقدم. [٣٦٣٨] (حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن الوليد بن كثير، عن أبي (٣) مالك) ويقال: مالك (بن ثعلبة) مستور (عن أبيه ثعلبة بن أبي مالك) القرظي [حليف الأنصار] (٤) إمام مسجد بني قريظة، له رواية، وولد في حياة النبي ﷺ وله رؤية للنبي ﷺ ، وطال عمره، وله حديث عند ابن ماجه (٥).

стр. 9762

(أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله ﷺ في مهزور) بفتح الميم وسكون الهاء وبعدها زاي مضمومة ثم راء، وهو وادي بني قريظة بالحجاز. قال البكري في "المعجم": هو واد من أودية المدينة (١). وقيل: موضع سوق المدينة، وكان قد تصدق به رسول الله ﷺ على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع مروان فدك. وقال ابن الأثير والمنذري: أما مهروز بتقديم الراء على الزاي المعجمة فموضع سوق المدينة، تصدق به رسول الله ﷺ على المسلمين (٢). وسيأتي. (السيل الذي يقتسمون ماءه) بينهم (فقضى بينهم رسول الله ﷺ أن الماء يبلغ إلى الكعبين) لا غير (لا يحبس الأعلى على الأسفل) فوق ذلك كما تقدم. [٣٦٣٩] (حدثنا أحمد بن عبدة) الضبي شيخ مسلم (حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن) أبو هاشم المخزومي، فقيه أهل المدينة بعد مالك، عرض عليه الرشيد قضاء المدينة وجائزة أربعة آلاف دينار فامتنع، وأبى الرشيد إلا أن يلزمه فقال: والله لأن يخنقني الشيطان أحب إلى من القضاء. فقال الرشيد: ما بعد هذا غاية، فأعفاه وأجازه بألفي دينار (٣).

стр. 9763

(قال: حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث) ابن هشام بن المغيرة المخزومي، رأى النبي ﷺ ولم يحفظ عنه، كان ابن عشر سنين حين قبض رسول الله ﷺ ، أحد من ندبهم عثمان لكتابة المصحف] (١). (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى في السيل المهزور) بتقديم الزاي على الراء، قال الحازمي والبكري: واد من أودية المدينة. ولم يذكرا (مهروز) بتقديم الراء على الزاي، بل ذكرا (مهزول) بإبدال الراء لاما، وقالا: واد من إقبال ضرية (٢). قال السبكي: هكذا قال -يعني: الراوي- قال: والمشهور: في سيل مهزور بالإضافة (أن يرسل) الماء (حتى يبلغ الكعبين) أي: كعبي رجل الإنسان (ثم يرسل (٣) الأعلى) الماء بعد ذلك (إلى الأسفل) قضى بذلك في سيل مهزور. ومذينب -تصغير مذنب- وهو واد بالمدينة أيضا. [٣٦٤٠] (حدثنا محمود بن خالد) بن يزيد السلمي الدمشقي، قال أبو حاتم: ثقة رضى (٤)، ووثقه النسائي (٥).

стр. 9764

(أن محمد بن عثمان (١) حدثهم قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (عن أبي (٢) طوالة) عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري قاضي المدينة (وعمرو (٣) بن يحيى) بن عمارة (عن أبيه) (٤) يحيى بن عمارة بن عبد الرحمن (٥) المازني. (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان في حريم نخلة في حديث أحدهما) أي: أحد الراويين المذكورين (فأمر) رسول الله ﷺ (بها) أي: بجريدة من جرائد النخلة المتوسطة (فذرعت فوجدت) أي: وجد طولها (سبع أذرع. وفي حديث) الراوي (الآخر فوجدت خمسة) بالنصب (أذرع فقضى بذلك. قال عبد العزيز) بن محمد الدراوردي في روايته: (فأمر بجريدة من جريدها فذرعت) فيه: أن من أحيا شجرة في موات فله حريمها قدر ما تمد إليه أغصانها حواليها، وفي النخلة من جريدها، وإن غرس شجرة في موات فهي له ولحريمها بهذا المقدار، وإن سبق إلى شجر مباح كالزيتون والخروب فسقاه وأصلحه فهو أحق به كالمتحجر الشارع في الأحياء، وإن طعَّمه ملكه بذلك وحريمه؛ لأنه هيأه للانتفاع به لما يراد منه، فهو كسوق الماء إلى الأرض الموات، ولقوله ﷺ : "من سبق إلى ماء لم يسبق

стр. 9765

إليه مسلم فهو أحق به) (١) (٢) وفي "سنن ابن ماجه" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "حريم النخلة مدُّ جريدها" (٣). آخر كتاب الأقضية، وبحمده وشكره جميع الأمور منتهية، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد التي فضيلته على كل نبي وفقيه، انتهى تعليقه خامس عشر رمضان في عام ٨٣٢، يتلوه كتاب العلم

стр. 9766

كتاب العلم

стр. 9767

٣٦ - العلم ١ - باب الحَثِّ عَلَى طَلبِ العِلْمِ ٣٦٤١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرهَدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللْهِ بْنُ داوُدَ، سَمِعْتُ عاصِمَ بْنَ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ يُحدِّثُ، عَنْ داوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: كُنْت جالِسًا مَعَ أَبي الدَّرْداءِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجاءَهُ رَجُل فَقالَ: يا أَبا الدَّرْداءِ إِنّي جِئْتكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَحِدِيثٍ بَلَغَني أَنَّكَ تُحَدِّثهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ما جِئْتُ لحِاجَةٍ. قالَ: فَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها رِضًا لِطالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَواتِ وَمَنْ في الأرْضِ والحِيتانُ في جَوْفِ الماءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العالِمِ عَلَى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سائِرِ الكَواكِبِ، وَإِنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبياءِ وَإِنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ" (١).

стр. 9768

٣٦٤٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن الوَزِيرِ الدِّمَشْقيُّ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: لَقِيث شَبِيبَ بْنَ شَيْبَةَ فَحَدَّثَني بِهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أَبي سَوْدَةَ، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ -يَعْني: عَنِ النَّبيِّ ﷺ بِمَعْناهُ (١). ٣٦٤٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ، حَدَّثَنا زائِدَة، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا إِلا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَ الجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرعْ بِهِ نَسَبُهُ" (٢). * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أول كتاب العلم الحث على طلب العلم [٣٦٤١] (حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر ابن الربيع الهمداني الكوفي، أخرج له البخاري (قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة) الكندي الفلسطيني، ويقال: الأردني، قال أبو زرعة [لا بأس به، (٣)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) (يحدث عن داود بن جميل) بفتح الجيم، وقيل: الوليد بن جميل، ذكره ابن حبان في "الثقات" عن كثير ابن قيس (٥). وفي رواية لابن ماجه: كبير بن قيس. بالباء الموحدة بدل

стр. 9769

المثلثة (١) (قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء) وأخرجه الترمذي وقال فيه: عن قيس بن كثير، قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء، فذكره (٢). قال المنذري: وفي بعض طرقه أنه جاءه رجل من أهل مدينة رسول الله ﷺ . وفي بعضها: عن كثير بن قيس قال: أتيت أبا الدرداء وهو جالس (٣) (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، ومنهم من يكسر الميم، والأول المشهور، نسبت إلى رجل اسمه دمشق، وقيل: دمشق بالرومية أي: مسك يضاعف؛ لطيبها. وقيل: هي من قول العرب: ناقة دمشق اللحم. إذا كانت خفيفة، ويقال: دمشق اللحم دمشقة: إذا ضرب ضربًا سريعًا (٤). (فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء) واسمه عويمر (فقال: إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديث بلغني أنك تحدثه) ولابن ماجه: تحدث به (٥). وهو الأصل (عن النبي ﷺ ) وفيه فضيلة الارتحال إلى مدينة رسول الله ﷺ في حديث واحد كما ارتحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، أخرجه البخاري [وبوب عليه: باب الخروج -يعني: للسفر- في طلب العلم (٦)، والحديث الذي رحل فيه جابر

стр. 9770

أخرجه البخاري] (١) في "الأدب المفرد" (٢) وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما عن جابر: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ ، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة عراة، فيناديهم" الحديث (٣) (ما جئت لحاجة) أوضحه ابن ماجة مع زيادة، ولفظه: قال: فما جاء بك، تجارة؟ قال: لا. ولا جاء بك غيره؟ قال: لا (٤). (قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه) وللترمذي وابن ماجة: "يلتمس فيه" (٥) (علمًا) نكر (علمًا) ليتناول أنواع العلوم الدينية (٦)، ويندرج فيه القليل والكثير - نافعًا - من فروض العين، أو من فروض الكفاية، أو من الفضائل، حتى يدخل فيه علم الطب، إذ هو
следующие страницы →