← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

كتاب العلم

стр. 9767

٣٦ - العلم ١ - باب الحَثِّ عَلَى طَلبِ العِلْمِ ٣٦٤١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرهَدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللْهِ بْنُ داوُدَ، سَمِعْتُ عاصِمَ بْنَ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ يُحدِّثُ، عَنْ داوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: كُنْت جالِسًا مَعَ أَبي الدَّرْداءِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجاءَهُ رَجُل فَقالَ: يا أَبا الدَّرْداءِ إِنّي جِئْتكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَحِدِيثٍ بَلَغَني أَنَّكَ تُحَدِّثهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ما جِئْتُ لحِاجَةٍ. قالَ: فَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها رِضًا لِطالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَواتِ وَمَنْ في الأرْضِ والحِيتانُ في جَوْفِ الماءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العالِمِ عَلَى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سائِرِ الكَواكِبِ، وَإِنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبياءِ وَإِنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ" (١).

стр. 9768

٣٦٤٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن الوَزِيرِ الدِّمَشْقيُّ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: لَقِيث شَبِيبَ بْنَ شَيْبَةَ فَحَدَّثَني بِهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أَبي سَوْدَةَ، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ -يَعْني: عَنِ النَّبيِّ ﷺ بِمَعْناهُ (١). ٣٦٤٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ، حَدَّثَنا زائِدَة، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا إِلا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَ الجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرعْ بِهِ نَسَبُهُ" (٢). * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أول كتاب العلم الحث على طلب العلم [٣٦٤١] (حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر ابن الربيع الهمداني الكوفي، أخرج له البخاري (قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة) الكندي الفلسطيني، ويقال: الأردني، قال أبو زرعة [لا بأس به، (٣)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) (يحدث عن داود بن جميل) بفتح الجيم، وقيل: الوليد بن جميل، ذكره ابن حبان في "الثقات" عن كثير ابن قيس (٥). وفي رواية لابن ماجه: كبير بن قيس. بالباء الموحدة بدل

стр. 9769

المثلثة (١) (قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء) وأخرجه الترمذي وقال فيه: عن قيس بن كثير، قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء، فذكره (٢). قال المنذري: وفي بعض طرقه أنه جاءه رجل من أهل مدينة رسول الله ﷺ . وفي بعضها: عن كثير بن قيس قال: أتيت أبا الدرداء وهو جالس (٣) (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، ومنهم من يكسر الميم، والأول المشهور، نسبت إلى رجل اسمه دمشق، وقيل: دمشق بالرومية أي: مسك يضاعف؛ لطيبها. وقيل: هي من قول العرب: ناقة دمشق اللحم. إذا كانت خفيفة، ويقال: دمشق اللحم دمشقة: إذا ضرب ضربًا سريعًا (٤). (فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء) واسمه عويمر (فقال: إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديث بلغني أنك تحدثه) ولابن ماجه: تحدث به (٥). وهو الأصل (عن النبي ﷺ ) وفيه فضيلة الارتحال إلى مدينة رسول الله ﷺ في حديث واحد كما ارتحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، أخرجه البخاري [وبوب عليه: باب الخروج -يعني: للسفر- في طلب العلم (٦)، والحديث الذي رحل فيه جابر

стр. 9770

أخرجه البخاري] (١) في "الأدب المفرد" (٢) وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما عن جابر: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ ، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة عراة، فيناديهم" الحديث (٣) (ما جئت لحاجة) أوضحه ابن ماجة مع زيادة، ولفظه: قال: فما جاء بك، تجارة؟ قال: لا. ولا جاء بك غيره؟ قال: لا (٤). (قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه) وللترمذي وابن ماجة: "يلتمس فيه" (٥) (علمًا) نكر (علمًا) ليتناول أنواع العلوم الدينية (٦)، ويندرج فيه القليل والكثير - نافعًا - من فروض العين، أو من فروض الكفاية، أو من الفضائل، حتى يدخل فيه علم الطب، إذ هو

стр. 9771

ضروري في حاجة بقاء الإنسان، والحساب إذ هو ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا، فإنهما من العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها أثم أهل البلد. ويدخل فيه علم أحوال القلب المذمومة والمحمودة، ويدخل فيه علم النحو واللغة، ومنه: علم القراءات وأصول الفقه وعلم الحديث، ويدخل فيه علم صناعة الزراعة والحياكة والحدادة وغيرها من الصنائع المحمودة. (سلك الله به) وللترمذي وابن ماجة: "سهل له" (١) (طريقا إلى الجَنَّة) والمراد به على الروايتين: سهل الله بسبب سلوكه في طريق تحصيله سلوك طريق الجَنَّة؛ لأن بالعلم يعرف السالك إلى جنة الله تعالى كيف تسلك، فيصير كمن يسلك طريقًا يعرفها، وأما من سلك طريقًا من طرق العبادة التي [هي] سبب لدخول الجَنَّة من صلاة وصيام ونحوهما بغير علم (٢)، ضل عن طريقهما وصار كخابط ليل في عشواء، فأنى يهتدي إلى مقصوده. (وإن الملائكة لتضع أجنحتها) وقد اختلف في وضع أجنحتها، فقيل: هو كناية عن التواضع كما أن ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) كناية عن التواضع وإلانة القول لهم، ورواية الترمذي: "ما من خارج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما صنع" (٤). وقيل: هو عبارة عن النزول إليه وترك الطيران والمشي معه والجلوس

стр. 9772

عنده بسماع العلم والتبرك، كما أنهم يجلسون لذكر الله تعالى، ويحفون مجالسيه إذ هو طلبتهم ورغبتهم. وقيل: المراد به توقير الملائكة أهل العلم وتعظيمهم كما يوقر أهل الدين والصلاح. وقيل: معناه أن الملائكة تحمل طلبة العلم بأجنحتها، فيمشي عليها وهي تعينه ليصل إلى مقصوده سريعًا. وعلى هذا فيكون الجناح حقيقة. وقد شك بعضهم في هذا الحديث فطعن فيه وبالغ، حتى إنه استعمل لنعاله مسامير وقال: إن كان يمشي على أجنحة الملائكة فهم يتأذون بالمسامير، فعوقب سريعًا عاجلًا وابتلاه الله تعالى بالعقوبة عاجلا (١). وقيل: المراد به إظلال طلبة العلم بأجنحتها في طرقهم ومجالستهم. ومنه الحديث الآخر: "تظلهم الطير بأجنحتها" (٢) وجناح الطير يده (رضا) هو مفعول لأجله. أي: تضع أجنحتها لرضا قلب طالب العلم وتألف خاطره، فإن (لطالب العلم) حرمة عند الله تعالى ومنزلة عظيمة. (وإن العالم) العامل بعلمه الذي ينتفع بعلمه وينتفع به (ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض) توضحه رواية الترمذي بزيادة ولفظه: "إن

стр. 9773

الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، حتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" (١) وهذا الاستغفار يعم الحقيقة والمجاز، كما عم: افعلوا الخير. الواجب والمندوب. أي: يدعو لمعلم الناس الخير كل من في السماوات والأرض من ملائكة وإنس وجن وطير ووحش ودابة لوصول نفعه إليهم؛ فإن نفع العلم يعم الجميع بما يدعو الخليقة إليه. (والحيتان) هذا من عطف الخاص على العام، فإن الحيتان داخلة فيما قبله، وهو على قسمين، فإنه تارة يكون لعطف الأعلى على الأدنى، كقدم الناس والأنبياء وبالعكس، كقَدِمَ الحاجُ حتى المشاة كما هنا، وهذا يستعمل بـ (حتى) في الثاني دون الأول، كما في رواية الترمذي. رواية عائشة: "معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر" (٢) ولابن ماجة: "حتى الحيتان في الماء" (٣). (في جوف الماء) وبمعنى إلهام الحيتان وغيرها من الحيوانات بالاستغفار للعالم، فقيل: إنها خلقت لمصالح العباد ولمنافعهم. والعلماء هم الذين يوصون بالإحسان إليها ونفي الضرر كما في قوله: "وليرح أحدكم ذبيحته" (٤) ويبينون ما يحل منها وما يحرم، و "إن في

стр. 9774

كل كبد حرَّاء أجرًا" (١) حتى في إلقاء ما يفضل من الأطعمة ومن فتات الخبز في الماء للسمك أجر. (وإن فضل العالم) الذي يعلم الناس الخير (على العابد) الذي يقتصر نفع عبادته على نفسه (كفضل القمر) إذا تكامل نوره (ليلة البدر على سائر الكواكب) السيارة وغيرها، ولفظ الأصبهاني في معناه من رواية ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "فضل العالم على العابد سبعون درجة، كل درجتين حضر الفرس سبعين عامًا" ثم زاد ما هو كالعلم؛ ليفضل العالم على العابد، فقال في تتمة الحديث: " وذلك لأن الشيطان يبدع البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادته لا يتوجه لها ولا يعرفها" (٢). وروى الأصبهاني أيضًا عن أبي أمامة قال رسول الله ﷺ : "يجاء بالعالم والعابد فيقال للعابد: ادخل الجَنَّة، ويقال للعالم: قف حتى تشفع للناس" (٣) زاد البيهقي في روايته بلفظ: "يقال للعالم: اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت إليهم" (٤). (وإن العلماء ورثة الأنبياء) وحسبك بهذِه الدرجة مجدًا وفخرًا، وبهذه الرتبة شرفًا وكرمًا، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة لا شرف فوق شرف

стр. 9775

وارث تلك الرتبة، والعلماء ورثوا الأنبياء في سياسة إصلاح الخلق وإرشادهم إلى النجاة في الدنيا والآخرة، فالسياسة على أربع مراتب: الأولى: وهي العليا: سياسة الأنبياء وحلمهم على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم. والثانية: الخلفاء والملوك وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا، ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم. والثالث: العلماء بالله وبدين الله الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم على باطن الخاصة ولا تستطيع قوتهم على التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع، وأشرف هذِه السياسات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة، وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة والمسعدة، وهو المراد بالتعليم، فتعليم العلم من وجه عبادة لله، ومن وجه خلافة لله، وهو أجل خلافة، فأية رتبة أجل من كون العبد واسطة بين الله وبين خلقه في دلالتهم عليه وتعريفهم إياه. (وإن الأنبياء لم يورثوا) من بعدهم (دينارا ولا درهما) كما يورث غيرهم إنما (ورثوا العلم) الذي قد نقل عنهم ولا يتملك ورثته ما ترك من أموال بني النضير، بل هو كما قال: "ما تركت بعدي صدقة" (١). وفيه رد للشيعة القائلين بأن النبي ﷺ يورث كما يورث غيره متمسكين بعموم آية المواريث، معرضين كما كان معلوما عند الصحابة من الحديث الدال على الخصوص، وهو قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما

стр. 9776

تركنا صدقة" (١) كما تقدم. (فمن أخذه) وفي ابن ماجة: "أخذ به" (٢) (أخذ بحظ وافر) كثير، وأي حظ أوفر من أن يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، قال بعضهم: وهذا مع أن أعلى ما في الشهيد دمه وأدنى ما للعالم مداده، ونقل القاضي حسين بن محمد في أول"تعليقته" أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته" (٣). [٣٦٤٢] (حَدَّثَنَا محمد (٤) بن الوزير) بن الحكم السلمي الدمشقي، وثقه أبو حاتم (٥) والدارقطني (٦) (حَدَّثَنَا الوليد) بن مزيد العذري بضم العين المهملة وسكون الذال، ثقة (قال: لقيت شعيب) بن رزيق بتقديم الراء على الزاي (بن شيبة) المقدسي، وثقه الدارقطني (٧) (فحدثني به عن عثمان بن أبي سودة) القرشي، أدرك عبادة بن الصامت وهو مولاه (عن أبي الدرداء) عويمر بن مالك، وكان حكيم الأمة (يعني: عن النبي ﷺ وبمعناه) المذكور. [٣٦٤٣] (حَدَّثَنَا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (حَدَّثَنَا

стр. 9777

زائدة) (١) بن قدامة الثقفي (٢) الكوفي (عن) سليمان بن مهران (الأعمش عن أبي صالح) باذام مولى أم هانئ، روى عنه الأربعة. (عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ما من رجل يسلك طريقا يطلب) لفظ مسلم: "يلتمس" (٣) (فيه علما) فيه فضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد العلم الشرعي بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وإن كان شرطا في كل عبادة، لكن عبادة العلماء وطلب الإخلاص منهم أبلغ؛ لأنهم يقتدى بهم وإنما نلفت لهذا؛ لأن بعض طلبة العلم يتساهل في هذا ويغفل عنه، ولا ينظر في الإخلاص ولا شروطه ولا يعتني به. (إلا سهل الله له به طريق الجَنَّة) فيه ما تقدم (ومن أبطأ) لفظ مسلم: "بطأ" وآخره همزة، يقال: بطأ وأبطأ بمعنىً (به عمله لم يسرع به نسبه) معناه: من كان عمله ناقصا، لم يلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي ألا يتكل الآدمي على شرف النسب وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل. * * *

стр. 9778

٢ - باب رِوايَةِ حَدِيثِ أَهْلِ الكِتَابِ ٣٦٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ أَخْبَرَنِي ابن أَبِي نَمْلَةَ الأَنْصَاريُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ مرَّ بِجَنازَةٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، هَلْ تَتَكَلَّمُ هذِهِ الجَنَازَةُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللهُ أَعْلَمُ". فَقالَ اليَهُوديُّ إنَّها تَتَكَلَّمُ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الكِتَاب فَلا تُصَدِّقُوهُمْ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا باللهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كانَ باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ" (١). ٣٦٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابن أَبي الزَّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ -يَعْني: ابن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - قالَ: قالَ زَيْدُ بْن ثابِتٍ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتابَ يَهُودَ وقالَ: "إِنِّي والله ما آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي". فَتَعَلَّمْتُهُ فَلَمْ يَمُرَّ بي إِلَّا نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ وَأَقْرَأُ لَهُ إِذا كُتِبَ إِلَيْهِ (٢). * * * باب رواية حديث أهل الكتاب [٣٦٤٤] (حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن ثابت) بالمثلثة ابن شبويه المروزي من كبار الأئمة (حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني) بمكة (ابن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه) أبي نملة عمار ابن معاذ بن زرارة بن عمرو الأوسي، شهد بدرا مع أبيه، وشهد أحدا والخندق، له حديثان هذا أحدهما.

стр. 9779

(أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ وعنده رجل من اليهود) فيه جواز الجلوس مع أهل الكتاب إن كان فيه مصلحة، ودخوله المسجد إذا أذن له مسلم، ولعله كان جالسا هنا في المسجد (مر) [مبني] (١) لما لم يسم فاعله (بجنازة) الأرجح بكسر الجيم: السرير، وبفتحها للميت، الأعلى للأعلى، والأسفل للأسفل، وقيل: الفتح والكسر لغتان. (فقال: يا محمد، هل تتكلم) بمثناتين من فوق (هذِه الجنازة؛ ) أي: هل يتكلم الميت الذي عليها؟ (فقال النبي ﷺ : الله أعلم) من آداب العالم أنه إذا سئل عما لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، فكان علي بن أبي طالب يقول: وابردها على الكبد ثلاث مرات، قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن تسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم (٢). فيحتمل أن يكون في ذلك الوقت لم ينزل عليه فيه شيء، فلما نزل عليه قال كما في البخاري عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق" (٣)، فهذا الحديث يدل على أن الميت يتكلم على الجنازة. وفي قوله: "يسمع

стр. 9780

صوتها كل شيء" دليل على أن قوله: "قدموني" و"يا ويلها أين يذهبون بها" حقيقة لا مجاز، وأن الله يحدث النطق في الميت إذا شاء، لكن إنما يتكلم روح الجنازة؛ لأن الجسد لا يتكلم بعد خروج الروح منه إلا أن يرده الله فيه، وإنما يسمع الروح من هو مثله ومجانسه، وهم الملائكة والجن، ويحتمل أنه كان يعلم لكنه لم يرد أن يذكره لليهودي، ويحتمل أنه أراد يعلمهم هذا الأدب في السؤال (قال اليهودي: إنها تتكلم) يحتمل كلامها إن صح "قدموني" كما في الحديث. (فقال رسول الله ﷺ : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الكتاب، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" (١) يعني: لأنهم حرفوا بعضه وكتموا بعضا، قال بعض العلماء: كتموا ما أنزل إليهم في محمد ﷺ ، وهذا الحديث أصل في وجوب التوقف في كل مشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضى عليه بجواز ولا بطلان ولا تحليل ولا تحريم ولا تصديق ولا تكذيب. (وقولوا: آمنا بالله ورسوله) فقد أمرنا أن نؤمن بالله فيما أنزل وبرسوله فيما بلغ، ونؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء، إلا أن اليهود والنصارى حرفوا وبدلوا، وسئل بعض المتقدمين عن رجل قيل له: أتؤمن بفلان النبي؟ فسماه باسم لم يعرفه، فلو قال: نعم، فلعله لم يكن نبيا، وإن

стр. 9781

قال: لا، فلعله كان نبيا فقد جحد نبوة نبي من الأنبياء، فكيف يصنع؟ فقال: ينبغي أن يقول؛ إن كان نبيا فقد آمنت به. (فإن كان ما قاله) اليهودي (باطلا لم تصدقوه) فيما قاله (وإن كان) ما قاله (حقا لم تكذبوه) فتكونوا قد سلمتم في الحالتين. قال ابن سيرين، إذا قيل لك أنت مؤمن فقل: آمنا بالله (١). [٣٦٤٥] (حَدَّثَنَا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (حَدَّثَنَا) عبد الرحمن (ابن أبي الزناد) استشهد به البخاري في "الصحيح" تعليقًا (عن أبيه) (٢) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني (عن خارجة) يعني (بن زيد ابن ثابت قال: قال زيد بن ثابت ﵁: أمرني رسول الله ﷺ ) زاد الترمذي: أن أتعلم كلمات يهود (٣) (فتعلمت له كتاب) أي: كتابة (يهود) غير منصرف لتأنيث القبيلة والعجمة، ولفظ البخاري: أمره أن يتعلم كتابة اليهود (٤). يعني: خطهم ومكاتباتهم (فتعلمت له كتاب يهود) أي: كتابتهم. وقد استدل بهذا الحديث على أنه يستحب للإمام والقاضي أن يتخذ كاتبًا ومترجمًا يعرف لسان الخصم والشهود، وإن لم يكن القاضي يحسن ذلك، وذكر الحاكم هذا الحديث في الإيمان من "مستدركه"، وقال: حديث صحيح لا أعرف الرخصة لتعلم كتابة أهل الكتاب غير هذا

стр. 9782

الحديث، انتهى (١). والظاهر تعدي الرخصة إلى كل من احتيج إلى مكاتبته دون غيرهم، فإن هذا محل ضرورة، والضرورة لا تجاوز محلها. (وقال: إني والله) فيه جواز الحلف لتأكيد الكلام، وإن لم يستحلف (ما آمن يهود على) كتب (كتابي) ومعرفة ما فيه، ويجوز: ما آمن يهود على حمل كتابي، ولفظ الترمذي: "ما آمن يهود على كتاب" (٢). وهو أعم، وفيه دليل أن الكاتب والمترجم يكون أمينا عدلا حرًّا كما في زيد ﵁، ويدل على الأمانة قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (٣) قال الضحاك: آمين على الرسالة. (فتعلمته) له (فلم يمر بي) من الزمن (إلا نصف) بالرفع استثناء مفرخ (شهر حتى) رواية: تعلمته (حذقته) بفتح الذال المعجمة، والكسر لغة، أي: عرفته وأتقنته، ومهرت فيه، وعرفت دقائقه، وهكذا ينبغي أن يكون الكاتب والمترجم عارفا بدقائق ما يكتبه ماهرًا فيه (فكنت أكتب له إذا كتب) أي: أراد الكتابة إليهم، ولفظ الترمذي: كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم (٤). وترجم البخاري على هذا الحديث: باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد؟ (٥) يعني: كما في الحديث.

стр. 9783

والمذهب اشتراط العدد في المترجم دون الكاتب (١). (وأقرأ له) الكتاب (إذا كتب) بضم الكاف، وكسر التاء (إليه) ولفظ الترمذي: وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابتهم. وللبخاري نحوه، وترجم عليه الترمذي: باب في تعليم السريانية، وذكر الحديث ثم قال: حديث حسن صحيح، وفي حديث (٢) ثابت بن عبيد: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم السريانية (٣). * * *

стр. 9784

٣ - باب في كِتَابةِ العِلْمِ ٣٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْن أَبي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي مُغِيثٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: كنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيء أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أريدُ حِفْظَه فَنَهَتْنِي قُرَيْش وَقالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيء تَسْمَعُهُ وَرَسُول اللهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الغَضَبِ والرِّضَا، فَأَمْسَكْت عَنِ الكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقالَ: "اكْتُبْ فَوالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ ما يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ" (١). ٣٦٤٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْن زَيْدِ، عَنِ المطَّلِبِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَب قالَ: دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ عَلَى مُعاوَيةَ فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثًا فَأَمَرَ إِنْسَانًا يَكْتُبُهُ، فَقالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ فَمَحَاهُ (٢). ٣٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهابٍ، عَنِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ قالَ: ما كُنَّا نَكْتُبُ غَيْرَ التَّشَهُّدِ والقُرْآنِ (٣). ٣٦٤٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ ح، وَحَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْن الوَلِيدِ بْنِ مَزيدٍ، قالَ: أَخْبَرَني أَبي، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبي كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ - يَعْنِي: ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قالَ: لَمَّا فتِحَتْ مَكَّةُ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ

стр. 9785

الخُطْبَةَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ: أَبُو شاهٍ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُبُوا لي. فَقالَ: "اكْتُبُوا لأَبِي شاهٍ" (١). ٣٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْن سَهْلِ الرَّمْليُّ، قالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قالَ: قُلْتُ لأبَي عَمْرٍو: ما يَكْتُبُوهُ؟ قالَ: الخُطْبَةَ التي سَمِعَها يَوْمَئِذٍ مِنْهُ (٢). * * * باب في كتابة العلم [٣٦٤٦] (حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حَدَّثَنَا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد (٣) الله) بالتصغير (ابن الأخنس) النخعي الخزاز (عن الوليد بن عبد الله) بن أبي مغيث، ثقة (عن يوسف ابن ماهك) بفتح الهاء والكاف غير منصرف (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄. (قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ ) و (أريد حفظه) فيه أن من آداب المحدث أن يكتب ما يسمعه ولا يحضر عند شيخه إلا ومعه الدواة والقلم والسكين، وإن كان هناك دواة لغيره، ويكون على طهارة، ويتجنب الكتابة الدقيقة، فقد قال بعضهم: اكتب ما ينفعك وقت حاجتك، ولا تكتب ما لا ينفعك وقت حاجتك إليه. أراد وقت الكبر وضعف البصر، وإذا كتب فيصحح ما يريد حفظه على الشيخ ويعتني بحفظ ما يكتبه، ولا يقتصر على الكتابة الكثيرة لكثرة الكتب،

стр. 9786

فيشتغل بذلك عن النفع العظيم، فلقد أحسن القائل: إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتْب لا ينفع (١) (فنهتني) جماعة من (قريش وقالوا: تكتب كل شيء) تسمعه (ورسول الله ﷺ ) أي: يعتريه ما يعتري غيره من الغضب والسهو (بشر) ولمسلم: "إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر" (٢) وتغير الفكر وغير ذلك من الأحوال البشرية وهو يتكلم في حال الغضب والرضا، فلا يكتب عنه في كل أحواله ولا كل ما يقوله. (فأمسكت عن الكتاب) يعني: الكتابة حتى أذكر ذلك له، وأعمل بما يقوله (فذكرت ذلك إلى رسول الله ﷺ ) هذِه الرواية الصحيحة، تعدي (ذكرت) ب (إلى) ويجوز أن تكون (إلى) بمعنى اللام كقوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ (٣) ويكون التقدير: ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ كما في بعض النسخ. (فأومأ) بهمزة آخره (بإصبعه إلى فيه) فيه جواز اعتماد الإشارة المفهمة والعمل بها في مثل هذا، وفيه أن المستمع من الشيخ ليأخذ عنه ينظر إلى فيه حين يتكلم ليستمع كلامه، وينظر كيف يتلفظ بالكلمة ويخرجها ليكون أبلغ من استماعه مطرقا (فقال: اكتب فوالذي نفسي

стр. 9787

بيده) كل ما أنطق به، فإني لا أنطق عن الهوى و (ما يخرج منه إلا) وحي (حق) عن الله تعالى لا من هوى نفسه ورأيه. واعلم أن هذا الحديث مخصص لعموم الحديث الصحيح المتقدم في قوله ﷺ : "لا يقضي الحاكم بين اثنين وهو غضبان" (١). فيخرج من عموم الغضبان قضاء المعصوم، من تغير فكره بالغضب، واختلال حكمه حال الغضب؛ فإن النبي ﷺ لا يقول في حالتي الرضا والغضب إلا حقا، ويدل على هذا كما قال الفاكهي: ما جاء في الحديث الصحيح حين قال بعض الصحابة: أكتب عنك ما تقول في الرضا والغضب. وقال الغزالي في "الإحياء": كان رسول الله ﷺ لا يقول المنكر، ولا يقول في الرضا والغضب إلا الحق (٢). [٣٦٤٧] (حَدَّثَنَا نصر بن علي) الجهضمي (ثنا أبو أحمد) (٣) محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، ليس هو من ولد الزبير بن العوام بل آل الزبير بني أسد (قال: حَدَّثَنَا كثير بن زيد) الأسلمي المدني، قال أبو زرعة: صدوق (٤). (عن المطلب بن عبد الله بن حنطب) بفتح الحاء والطاء المهملتين، بينهما نون ساكنة المخزومي المدني، عامة حديثه مراسيل. قال الدارقطني

стр. 9788

وغيره: ثقة (١). [قال أبو زرعة: ثقة] (٢) أرجو أن يكون سمع من عائشة (٣). (قال: دخل زيد بن ثابت ﵁ على معاوية) بن أبي سفيان (فسأله عن حديث) أي: سأل معاوية زيدا عن حديث من أحاديث رسول الله ﷺ وأراد (أن يكتبه فأمر إنسانًا بكتبه) بفتح الكاف، وسكون التاء، أي: بكتابة الحديث الذي ساله عنه (فقال له زيد: ) بن ثابت (إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه) هذا مذهب زيد بن ثابت (٤) وابن عمر وابن مسعود وأبي (٥) موسى وأبي (٦) سعيد الخدري، وآخرين (٧) من الصحابة والتابعين كرهوا كتابة حديث النبي ﷺ ، واستدلوا بهذا الحديث وبما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري لبه أن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه" (٨). وجوزه أو فعله جماعة من الصحابة منهم: عمر وعلي وابنه الحسن وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وجابر وابن عباس (٩) وغيرهم، وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين، قال:

стр. 9789

ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال الخلاف، ويدل على الجواز قوله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه" (١) يعني: خطبته ﷺ ، وقوله في الحديث الذي قبله: فقال له النبي ﷺ : "اكتب وما يخرج منه إلا حق" (٢) وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب (٣). وقد اختلف في الجواب عن حديث أبي سعيد والجمع بينه وبين أحاديث الإذن في الكتابة، فقيل: إن النهي منسوخ بأحاديث الإذن، وكان النهي في أول الأمر لخوف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن فيه، وجمع بعضهم بينهما بأن النهي في حق من وثق بحفظه وخيف اتكاله على خطه إذا كتب، والإذن في حق من لا يوثق بحفظه كأبي شاه. وقد كان بعضهم يكتب، فإذا حفظ محا، فجمع بين الحديثين، وحمل بعضهم النهي على كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية، فربما كتبوه معه، فنهوا عن ذلك لئلا يختلط به، فيشتبه على القارئ. (فمحاه) معاوية ﵁ حين سمع الحديث، يقال: محوت الكتاب ومحيته محيا. * * *

стр. 9790

٤ - باب في التَّشْدِيدِ في الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللِّه ﷺ - ٣٦٥١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْن عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خالِدٌ ح وَحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خالِدٌ - المَعْنَى - عَنْ بَيانِ بْنِ بِشْرٍ قالَ مُسَدَّدٌ: أَبُو بِشْرٍ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيرِ: ما يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَما يُحدِّثُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ؟ فَقالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١). * * * باب التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ [٣٦٥١] (حَدَّثَنَا عمرو (٢) بن عون) بالنون آخره، الواسطي البزاز الحافظ (قال أنا [خالد] (٣)، وثنا مسدد قال: حَدَّثَنَا خالد) (٤) بن عبد الله ابن عبد الرحمن الطحان الواسطي (المعنى، عن بيان (٥) بن بشر) المؤدب (قال مسدد) في روايته (أبو بشر) بيان بن بشر (عن وبرة) بسكون الباء الموحدة (ابن عبد الرحمن) المسلي بضم الميم وسكون السين المهملة، أخرج له الشيخان (عن عامر (٦) بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه) عبد الله بن الزبير بن العوام. (قال: قلت: للزبير) بن العوام (ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله ﷺ

стр. 9791

كما يحدث عنه أصحابك؟ ) [الذين سمعوا منه كما سمعت منه] (١) (فقال: أما) بتخفيف الميم (والله، لقد كان لي منه وجه) أي: حظ ورتبة (ومنزلة) مرتفعة (ولكني سمعته يقول: من كذب علي متعمدًا) قال المنذري: المحفوظ في حديث الزبير بن العوام ليس فيه (متعمدًا) وقد روي عن الزبير أنه قال: والله ما قال (متعمدا) وأنتم تقولون (متعمدا) (٢)، لكن وقع (متعمدا) في الروايات الصحيحة عن المغيرة وجماعات كثيرة، وفي رواية أنس: "من تعمد عليَّ كذبًا" (٣) والكذب لغة هو الخبر عن النبي (٤) ﷺ على خلاف ما هو به، غير أن المحرم شرعا المستقبح عادة هو العمد المقصود إلا ما استثني كالكذب في الصلح وغيره. وأصل الكذب في الماضي والحلف في المستقبل، وقد جاء الكذب في المستقبل، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٥). (فليتبوأ مقعده من النار) أي: ليتخذ فيها منزلًا، فإنها مقره ومسكنه، يقال: تبوأت منزلا. أي: اتخذته ونزلته، وبوأت الرجل منزلا: هيأته له. وهذِه صيغة أمر، والمراد بها التهديد والوعيد. وقيل: معناها الدعاء. أي: بوأه الله ذلك، وقيل: معناه: الإخبار بوقوع العذاب به في جهنم. * * *

стр. 9792

٥ - باب الكَلامِ في كِتَابِ الله بغَيْرِ عِلْمٍ ٣٦٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحاقَ المُقْرِئُ الحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ مِهْرَانَ - أَخُو حَزْمٍ القُطَعيِّ - حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرانَ، عَنْ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قالَ في كِتَابِ اللهِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ" (١). * * * باب الكلام في كتاب الله بغير علم [٣٦٥٢] (حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن يحيى) الطرسوسي المعروف بالضعيف قال النسائي: شيخ صالح ثقة، والضعيف لقب له لكثرة عبادته (٢). وقيل: كان ضعيفا في جسمه (حَدَّثَنَا يعقوب) بن إسحاق (الحضرمي المقرئ) مقرئ البصرة، ثقة (حَدَّثَنَا سهيل بن) عبد الله أبي حزم، واسمه (مهران) القطيعي البصري، قال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه (٣) (حَدَّثَنَا أبو عمران) عبد الملك بن حبيب الجوني (عن جندب) بن عبد الله البجلي. (قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في كتاب الله برأيه) أي: بما سنح في وهمه، وخطر على باله (فوافق هواه الصواب) (٤) دون نظر فيما قاله

стр. 9793

العلماء واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول واستدلال بقواعدها (فقد أخطأ) في حكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، وأن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح، قاله القرطبي، قال: وليس يدخل في هذا الحديث أن (تفسير اللغويين لغة، والنحويين نحو) (١)، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده [المبني] (٢) على قوانين علم الشريعة (٣)، فإن القائل على هذِه الصفة ليس قائلًا برأيه (٤). بخلاف القائل بهواه، فإنه كالكاذب على الله. ولهذا حسنت المناسبة بذكر هذا الباب عقب باب: الكذب على رسول الله ﷺ ، لكن لو قدم حديث الكذب على كتاب الله على الكذب على رسول الله كان أولى، لكن المصنف تبع في هذا الحديث الجامع بين الحديثين ذكره الترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "اتقوا الحديث علي إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (٥). قال ابن عطية: وهذا الحديث في مغيبات القرآن وتفسير مجمله ونحوهما مما لا سبيل إليه إلا بتوفيق (٦) الله تعالى، ومن جملة مغيباته

стр. 9794

ما لم يُعْلِم [الله] (١) به كوقت قيام الساعة ونحوها، [ومنها ما] (٢) يستقرأ من ألفاظه، كعدد النفخات في الصور (٣). وقال أبو بكر (٤) محمد بن القاسم في كتاب "الرد": فسر حديث ابن عباس بتفسيرين: أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو مُتَعَرِّضٌ لسخط الله. والجواب الآخر وهو أثبت القولين وأصحهما معنًى: من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار (٥). * * *

стр. 9795

٦ - باب تَكْريرِ الحَدِيثِ ٣٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي عَقِيلٍ هَاشِمِ بْنِ بِلالٍ، عَنْ سابِقِ بْنِ نَاجِيَةَ، عَنْ أَبي سَلَّام، عَنْ رَجُلٍ خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثًا أَعَادَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ (١). * * * باب تكرير الحديث [٣٦٥٣] (حَدَّثَنَا عمرو بن مرزوق) الباهلي، روى عنه البخاري مقرونًا (أنا شعبة، عن أبي عقيل هاشم بن بلال) ويقال: ابن سلام. ثقة (عن سابق بن ناجية) قاضي واسط، في "ثقات ابن حبان" (٢) له، وله حديث آخر: "من قال حين يصبح وبمسي ثلاثًا: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة" (٣). (عن أبي سلام) بتشديد اللام، قال ابن سيد الناس اليعمري: ذكر أبو عمر: وفي خدم النبي ﷺ سابق. وقال: روي عنه حديث واحد من حديث الكوفيين، اختلف فيه على شعبة ومسعر، ثم قال: والحديث الذي أشار إليه الصحيح فيه ما رواه هشيم وغيره عن أبي سفيان عن سابق بن ناجية عن أبي سلام خادم النبي ﷺ .

стр. 9796

قال: ولا يصح سابق في الصحابة. قال أبو عمر: من قال في أبي سلام هذا أبو سلامة. فقد أخطأ؛ هو أبو سلام الهاشمي ذكره في الصحابة، وفي خدم النبي ﷺ خليفة بن خياط (١)، وكذلك ذكر الحافظ المزي أن أبا سلام خادم النبي ﷺ ومولاه ذكره خليفة بن خياط (٢) في أسماء الصحابة من موالي بني هاشم، ثم قال: ونقل عن أبي سلام خادم النبي ﷺ ، روى عنه سابق ابن ناجية (٣). وتبعه تلميذه الذهبي (٤)، وقال المنذري: أبو سلام هو ممطور الحبشي (٥). (عن رجل خدم النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا حدث حديثًا أعاده) على سامعه (ثلاث مرات) أي: ليعقل عنه، كما روى الترمذي عن أنس ﵁. قال: كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه (٦). أي: ليحفظها سامعها ويفهمها. وسيأتي في باب الهدي في الكلام: كان كلام رسول الله ﷺ فصلًا يفهمه كل من سمعه (٧).

стр. 9797

والكلام الفصل: البين الظاهر الفاصل بين الحق والباطل، قاله في "النهاية" (١)، ويحتمل أن يراد بالفصل: أنه يفصل بين كل كلمتين بسكتة لطيفة، ويدل على هذا ما رواه الترمذي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع القراءة، يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم يقف (٢). * * *

стр. 9798

٧ - باب في سَرْدِ الحَدِيث ٣٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: جَلَسَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ عائِشَةَ ﵂ وَهِيَ تُصَلّي فَجَعَلَ يَقُولُ: اسْمَعي يا رَبَّةَ الحُجْرَةِ، مَرَّتَيْنِ. فَلَمَّا قَضَتْ صَلَّاتَها قالَتْ: أَلا تَعْجَبُ إِلَى هذا وَحَدِيثِهِ إِنْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ليُحَدِّثُ الحَدِيثَ لَوْ شاءَ العادُّ أَنْ يُحْصِيَهُ أَحْصَاهُ (١). ٣٦٥٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ قالَتْ: أَلا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتي وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ مِثْلَ سَرْدِكُمْ (٢). * * * باب في سرد الحديث [٣٦٤٥] (حَدَّثَنَا محمد بن منصور) بن داود أبو جعفر (الطوسي) نسبة إلى طوس، قرية من قرى بخارى، قال بحضرة جماعة من المحدثين والزهاد: صمت يومًا وقلت: لا آكل إلا حلالًا فمضى ولم أجد شيئًا، فواصلت اليوم الثاني والثالث والرابع، حتى إذا كان عند الفطر قلت: لأجعلن فطري الليلة عند من يزكي الله طعامه، فصرت إلى معروف الكرخي فسلمت وقعدت حتى صلى المغرب وخرج من كان

стр. 9799

معه في المسجد، فالتفت إلى وقال: يا طوسي، تحول إلى أخيك فتعش عنده. فقلت في نفسي: صمت أربعة وأفطر على ما لا أعلم. فسكت عني، ثم قال: تقدم إلى. فتحاملت وما لي تحامل من شدة الضعف، فأخذ كفي فأدخلها في كمه فأخذت من كمه سفرجلة معضوضة فأكلتها، فوجدت فيها طعم كل طعام طيب، واستغنيت بها عن الماء، وما أكلت منذ ذلك حلوا ولا غيره إلا أصبت فيه طعم تلك السفرجلة، [ثم أنشدكم بالله إن حدثتم بهذا وأنا حي (١). وسئل إذا أكلت وشبعت، ما شكر تلك النعمة؟ ] (٢) قال: أن تصلي حتى لا يبقى في جوفك منه شيء (٣). وثقه النسائي (٤) وغيره، وأثنى عليه أحمد (٥). (ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة) بن الزبير ﵁ (قال: جلس أبو هريرة ﵁ إلى جنب حجرة) أي: بيت (عائشة ﵂ وهي تصلي فجعل) أبو هريرة يحدث و (يقول: اسمعي يا ربة) بفتح الراء، أي: صاحبة (الحجرة) وهي البيت، يريد به عائشة، وكان ذلك ليسمعها ما يرويه عن النبي ﷺ ، إما ليذكرها بما تعرفه أو يفيدها ما لم تسمعه؛ فقد كان أبو هريرة يحضر مع النبي ﷺ في مواطن لم تكن تحضرها عائشة، بل

стр. 9800

كان لأبي هريرة من ملازمة النبي ﷺ ما لم يكن لغيره من الصحابة؛ لما اتفق له من الخصوصية التي أوجبت له الحفظ ما لم يتفق لغيره، فكان عنده من الحديث ما لم يكن عندها، لكن عائشة أنكرت عليه سرد الحديث كما سيأتي. (مرتين) يعني: إعادة "اسمعي يا ربة الحجرة، اسمعي يا ربة الحجرة" مرتين كما في مسلم (١)، فأعاد نداءها مرتين تقوية للكلام بإقرارها ذلك وسكوتها، ولم تنكر ذلك؛ لكونها كانت في الصلاة (فلما قضت صلاتها قالت: ) لعروة بن الزبير (ألا تعجب) لفظ مسلم: ألا تسمع (٢) (إلى هذا وحديثه) لفظ مسلم: ومقالته آنفا (إن كان رسول الله ﷺ ليحدث الحديث لو شاء العاد) بتشديد الدال، يعني: الذي يريد أن يعده لعده من قلته وترتيله وإعادته. فأنكرت على أبي هريرة الإكثار من الحديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت عائشة: ما كان يسرد الحديث كسردكم (٣)، إنما كان يحدث حديثًا لو شاء عده العاد وأراد (أن يحصيه) أي: يحصره ويضبطه بالعدد و (أحصاه) جميعه وأحاط بجملة كلماته أو حروفه؛ لمبالغته في الترسل والترتيل وبيان الحروف، بخلاف ما هو مشاهد في هذا الزمان كثيرًا. [٣٦٥٥] (حَدَّثَنَا سليمان بن داود المهري) بفتح الميم نسبة إلى مهرة ابن حيدان قبيلة من قضاعة (أنا) عبد الله (ابن وهب قال: أخبرني يونس

стр. 9801

عن) محمد (ابن شهاب أن عروة) بن الزبير (حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ألا) بتخفيف اللام معناها هنا والله أعلم: التوبيخ والإنكار، كقول الشاعر: أَلا ارْعِوَاءَ لَمنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ ... وآذَنَتْ بِمَشيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ (١) أي: ألا رجوع إلى الأعمال الصالحة والإقبال على الله تعالى لمن ذهب شبابه وأقبل هرمه، والأظهر أن تكون للعرض والتحضيض على التعجب من أبي هريرة، كقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٢) وتختص هذِه بالجملة الفعلية (يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب) لفظ البخاري: جنب (٣) (حجرتي) يحدث أي: يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ (ويسمعني ذلك) بقوله (اسمعي يا ربة الحجرة) وكنت أسبح. أي: أصلي صلاة نفل. (فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه) كثرة حديثه، ثم ذكرت دليلها في الرد عليه (إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث) أي: يتابع بعضه بعضًا بسرعة ويستعجل فيه، ومنه: أنه كان يسرد الصوم سردًا (٤). أي: يواليه ويتابع بعضه بعضًا، وقيل لأعرابي: أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. (سردكم) ظاهره أي:

стр. 9802

مثل سردكم الحديث. وظاهره أن الصحابة كانوا أيضًا يسردون الحديث، وأن أبا هريرة منهم. قال القرطبي: أنكرت عائشة سرد الحديث والإكثار منه، وقد سلك هذا المسلك كثير من السلف، فكانوا لا يزيدون على عشرة أحاديث ليست بطوال في المجلس الواحد، وقد كره الإكثار من الأحاديث كثير من السلف مخافة ما يكون في الإكثار من آلافات. روي عن عمر أنه قال: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأنا شريككم (١). وكان مالك يقول: وأنا أقل الحديث عن رسول الله ﷺ . وقد عاب كثير من الصحابة على أبي هريرة الإكثار من الحديث حتى احتاج إلى الاعتذار عن ذلك والإخبار بموجب ذلك حين (٢) قال: إن ناسًا يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آية في كتاب الله ما حدثت حديثًا .. ثم قال: إن إخواننا من الأنصار .. الحديث (٣). ودخل مالك على ابني أخيه أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر فأقلا منه، وتفقها. ولقد جاء عن شعبة أنه قال لكتبة الحديث: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون (٤)؟ وقال القرطبي: ويظهر من قول شعبة أنه قصد تحذير من غلبت عليه

стр. 9803

شهوة الحديث، وكتابته وروايته حتى يحمله ذلك على التفريط في متأكد المندوبات من الصلوات والأذكار والدعوات؛ حرصًا على الإكثار، وقضاء الشهوات والأوطار، وهذِه وصايا السلف وسنن أئمة الخلف، قد نبذها أهل هذا الزمان، فترى الواحد منهم كحاطب ليل، وجالب رجل وخيل، فيأخذ عمن أقبل وأدبر من العوام وممن لم يسعد بشيء من هذا الشأن، غير أنه قد وجد اسمه في طبقة السماع على فلان، أو أجاز له فلان، وإن كان في ذلك الوقت في سن من لا يعقل من الصبيان، ويسمون مثل ذلك بالسند العالي، وإن كان باتفاق السلف والخلف من أهل العلم أنه في أسفل سفال، وكل ذلك قصد الاشتهار، ولأن يقال: انفرد فلان بعالي الروايات والآثار. ومن ظهر منه أنه على تلك الحال فالأخذ عنه حرام وضلال، بل الذي يجب الأخذ منه من اشتهر بالعلم والإصابة والصدق والصيانة، ممن قيد كتب الحديث المشهورة والأمهات المذكورة التي مدار الأحاديث عليها ورجوع أهل الإسلام إليها (١)، فيعارض كتابه بكتابه، ويقيد منه ما قيده، ويهمل ما أهمله، فإن ذلك الكتاب ممن شرط مصنفه الصحة كمسلم والبخاري، أو ميز بين الصحيح وغيره كالترمذي، وجب التفقه في ذلك والعمل به. وإن لم يكن كذلك وجب التوقف إلى أن يعلم بحال أولئك الرواة إن كانت له أهلية البحث في الرجال، وإما بتقليد من له أهلية ذلك، فإذا

стр. 9804

حصل ذلك وجب التفقه والعمل، وهو مقصود الأول وعليه المعول، ومن علامات عدم التوفيق البقاء في الطريق من غير وصول إلى التحقيق، انتهى (١). قلت: وكتاب أبي داود هذا ملحق بالترمذي؛ فإنه قد بين فيه الضعيف، فما سكت عنه فهو صالح، كذا قال، والصالح قد يكون صحيحًا وقد يكون حسنًا، بل يقال: إن ما سكت عنه ملحق بـ "صحيح البخاري" و"مسلم" في العمل به، فإن الحسن ملحق بأقسام الصحيح في الاحتجاج به، وإن لم يكن دونه في الرتبة، قال ابن الصلاح: ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجًا (٢) في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يحتج به. قال: وهو الظاهر من كلام الحاكم من تصرفاته، والله أعلم. * * *

стр. 9805

٨ - باب التَّوَقِّي في الفُتْيا ٣٦٥٦ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْن مُوسَى الرَّازيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ الأوزاعيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الصُّنابِحيِّ عَنْ مُعاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الغَلُوطاتِ (١). ٣٦٥٧ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْني: ابن أَبي أَيُّوبَ- عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ أَبي عُثْمانَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ أَفْتَى". ح، وَحَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبي نُعَيْمَةَ، عَنْ أَبي عُثْمانَ الطُّنْبُذيِّ - رَضِيعِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ - قالَ: سَمِعْنَا أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ". زادَ سُلَيْمانُ المَهْريّ في حَدِيثِهِ: "وَمَنْ أَشارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خانَهُ". وهذا لَفْظُ سُلَيْمانَ (٢). * * * باب التوقي في الفتيا [٣٦٥٦] (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي) شيخ البخاري (حَدَّثَنَا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق، كان يحج سنة ويغزو سنة (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي عن [عبد الله بن سعد) الدمشقي، من
следующие страницы →