← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

عن) محمد (ابن شهاب أن عروة) بن الزبير (حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ألا) بتخفيف اللام معناها هنا والله أعلم: التوبيخ والإنكار، كقول الشاعر: أَلا ارْعِوَاءَ لَمنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ ... وآذَنَتْ بِمَشيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ (١) أي: ألا رجوع إلى الأعمال الصالحة والإقبال على الله تعالى لمن ذهب شبابه وأقبل هرمه، والأظهر أن تكون للعرض والتحضيض على التعجب من أبي هريرة، كقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٢) وتختص هذِه بالجملة الفعلية (يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب) لفظ البخاري: جنب (٣) (حجرتي) يحدث أي: يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ (ويسمعني ذلك) بقوله (اسمعي يا ربة الحجرة) وكنت أسبح. أي: أصلي صلاة نفل. (فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه) كثرة حديثه، ثم ذكرت دليلها في الرد عليه (إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث) أي: يتابع بعضه بعضًا بسرعة ويستعجل فيه، ومنه: أنه كان يسرد الصوم سردًا (٤). أي: يواليه ويتابع بعضه بعضًا، وقيل لأعرابي: أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. (سردكم) ظاهره أي:

стр. 9802

مثل سردكم الحديث. وظاهره أن الصحابة كانوا أيضًا يسردون الحديث، وأن أبا هريرة منهم. قال القرطبي: أنكرت عائشة سرد الحديث والإكثار منه، وقد سلك هذا المسلك كثير من السلف، فكانوا لا يزيدون على عشرة أحاديث ليست بطوال في المجلس الواحد، وقد كره الإكثار من الأحاديث كثير من السلف مخافة ما يكون في الإكثار من آلافات. روي عن عمر أنه قال: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأنا شريككم (١). وكان مالك يقول: وأنا أقل الحديث عن رسول الله ﷺ . وقد عاب كثير من الصحابة على أبي هريرة الإكثار من الحديث حتى احتاج إلى الاعتذار عن ذلك والإخبار بموجب ذلك حين (٢) قال: إن ناسًا يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آية في كتاب الله ما حدثت حديثًا .. ثم قال: إن إخواننا من الأنصار .. الحديث (٣). ودخل مالك على ابني أخيه أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر فأقلا منه، وتفقها. ولقد جاء عن شعبة أنه قال لكتبة الحديث: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون (٤)؟ وقال القرطبي: ويظهر من قول شعبة أنه قصد تحذير من غلبت عليه

стр. 9803

شهوة الحديث، وكتابته وروايته حتى يحمله ذلك على التفريط في متأكد المندوبات من الصلوات والأذكار والدعوات؛ حرصًا على الإكثار، وقضاء الشهوات والأوطار، وهذِه وصايا السلف وسنن أئمة الخلف، قد نبذها أهل هذا الزمان، فترى الواحد منهم كحاطب ليل، وجالب رجل وخيل، فيأخذ عمن أقبل وأدبر من العوام وممن لم يسعد بشيء من هذا الشأن، غير أنه قد وجد اسمه في طبقة السماع على فلان، أو أجاز له فلان، وإن كان في ذلك الوقت في سن من لا يعقل من الصبيان، ويسمون مثل ذلك بالسند العالي، وإن كان باتفاق السلف والخلف من أهل العلم أنه في أسفل سفال، وكل ذلك قصد الاشتهار، ولأن يقال: انفرد فلان بعالي الروايات والآثار. ومن ظهر منه أنه على تلك الحال فالأخذ عنه حرام وضلال، بل الذي يجب الأخذ منه من اشتهر بالعلم والإصابة والصدق والصيانة، ممن قيد كتب الحديث المشهورة والأمهات المذكورة التي مدار الأحاديث عليها ورجوع أهل الإسلام إليها (١)، فيعارض كتابه بكتابه، ويقيد منه ما قيده، ويهمل ما أهمله، فإن ذلك الكتاب ممن شرط مصنفه الصحة كمسلم والبخاري، أو ميز بين الصحيح وغيره كالترمذي، وجب التفقه في ذلك والعمل به. وإن لم يكن كذلك وجب التوقف إلى أن يعلم بحال أولئك الرواة إن كانت له أهلية البحث في الرجال، وإما بتقليد من له أهلية ذلك، فإذا

стр. 9804

حصل ذلك وجب التفقه والعمل، وهو مقصود الأول وعليه المعول، ومن علامات عدم التوفيق البقاء في الطريق من غير وصول إلى التحقيق، انتهى (١). قلت: وكتاب أبي داود هذا ملحق بالترمذي؛ فإنه قد بين فيه الضعيف، فما سكت عنه فهو صالح، كذا قال، والصالح قد يكون صحيحًا وقد يكون حسنًا، بل يقال: إن ما سكت عنه ملحق بـ "صحيح البخاري" و"مسلم" في العمل به، فإن الحسن ملحق بأقسام الصحيح في الاحتجاج به، وإن لم يكن دونه في الرتبة، قال ابن الصلاح: ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجًا (٢) في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يحتج به. قال: وهو الظاهر من كلام الحاكم من تصرفاته، والله أعلم. * * *

стр. 9805

٨ - باب التَّوَقِّي في الفُتْيا ٣٦٥٦ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْن مُوسَى الرَّازيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ الأوزاعيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الصُّنابِحيِّ عَنْ مُعاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الغَلُوطاتِ (١). ٣٦٥٧ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْني: ابن أَبي أَيُّوبَ- عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ أَبي عُثْمانَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ أَفْتَى". ح، وَحَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبي نُعَيْمَةَ، عَنْ أَبي عُثْمانَ الطُّنْبُذيِّ - رَضِيعِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ - قالَ: سَمِعْنَا أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ". زادَ سُلَيْمانُ المَهْريّ في حَدِيثِهِ: "وَمَنْ أَشارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خانَهُ". وهذا لَفْظُ سُلَيْمانَ (٢). * * * باب التوقي في الفتيا [٣٦٥٦] (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي) شيخ البخاري (حَدَّثَنَا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق، كان يحج سنة ويغزو سنة (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي عن [عبد الله بن سعد) الدمشقي، من

стр. 9806

التابعين، مجهول، لم يرو عنه سوى الأوزاعي، قال دحيم: لا أعرفه. (عن)، (١) عبد الرحمن بن عسيلة (الصنابحي) بضم الصاد، نسبة إلى صنابح بن زاهر قبيلة من مراد، قال ابن دريد: إن كانت النون زائدة فهو مشتق من الصبح وهو الضوء (٢) (عن معاوية) بن أبي سفيان ﵄ (أن النبي ﷺ نهى عن الغلوطات) بفتح الغين جمع غلوطة، للمسألة التي يغلط فيها، كما يقال: ناقة حلوب وفرس ركوب، فإذا جعلها اسما ردت فيها الهاء فقلت: غلوطة. كما يقال: حلوبة، وفي رواية: الأغلوطات. [بضم الهمزة، جمع أغلوطة، أفعولة من الغلط كالأحدوثة والأعجوبة، قال الهروي: الغلوطات] (٣) تركت منها الهمزة كما تقول: جاء الأحمر، جاء الحمر. بطرح الهمزة، وقد غلط من قال: إنها جمع غلوطة (٤). والمراد النهي عن المسائل الصعبة التي تلقى على العلماء ليستزلوا ويغلطوا فيها وتستسقط آراؤهم فيها، وإنما نهى عنها؛ لأنها غير نافعة في الدين ولا تكاد تكون إلا فيما لا يقع إلا نادرًا، ومثله قول ابن مسعود: أنذركم صعاب المنطق (٥). يريد المسائل الدقيقة الغامضة لا المنطق الذي يقال: إنه ميراث الأفهام.

стр. 9807

ويدخل في النهي من المسائل ما لا يدركه إلا بالتوقيف عليه ولا يدرك بالتأمل والفكر، فإن هذا إتعاب للأنفس وضياع في الأزمنة، فإن المسائل التي تدرك غالبًا بغزارة العلم وجودة القريحة مثل قولنا: مال يضمن كله ولا يضمن جزؤه، ومال يضمن جزؤه ولا يضمن كله. فهذا كثير الفوائد، ويدلى على جواز مثل هذا حديث ابن عمر في الصحيحين: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، حدثوني ما هي؟ " (١). [٣٦٥٧] (حَدَّثَنَا الحسن بن علي) الخلال شيخ الشيخين أو الواسطي (٢)، وهو صدوق (حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن) (٣) عبد الله بن يزيد (المقرئ، ثنا سعيد (٤) بن أبي أيوب) المصري (عن بكر بن عمرو) المعافري المصري إمام جامعها، عابد قدوة، أخرج له الشيخان (عن مسلم بن يسار) المصري (أبي عثمان) أخرج له البخاري في كتاب "الأدب"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥) الطنبذي بضم الطاء المهملة وسكون النون نسبة إلى طنبذا قرية من قرى مصر من أعمال البهنسا، قال ابن السمعاني (٦): رضيع عبد الملك بن مروان، روى له مسلم بن

стр. 9808

الحجاج في "صحيحه" حديثًا واحدًا في صدر كتابه (١). كذا قال: (عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : من أفتى) بفتح الهمزة والتاء، وفي بعض النسخ المعتمدة من ابن ماجة (٢) بضم الهمزة وكسر التاء، مبني لما لم يسم فاعله، وعلى هذا فالمعنى: من استفتى أحدًا من المفتين فأفتاه (بغير علم) عنده من الكتاب والسنة ونظر في استدلال، بل استحيا أن يقول: لا أدري. حرصًا على رئاسته. ورواية ابن ماجة: "بغير ثبت" أي: تثبت في فتواه ومراجعه (كان إثمه) ولابن ماجة: "فإنما إثمه" (على من أفتاه) بغير الصواب، لا على المستفتي المقلد، ويحتمل أن الإثم على من أذن له في الفتوى، ويدل على أن ابن ماجة ذكر هذا الحديث عقب حديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم" [وفي رواية: "إذا لم يُبق عالمًا"] (٣) "اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (٤) وهذا لفظ روايته. وأما المعنى على الرواية الأولى بفتح الهمزة والتاء فيحتمل أن يقال: معناه: من أفتى الناس بغير علم كان إثمه على من أذن له في الفتوى، ورخص له في ذلك. ومعنى (إثمه على من أفتاه) أي: أجازه

стр. 9809

بالإفتاء، وهذا مما ورد في قوله ﷺ : "الإثم (١) ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس وأفتوك" (٢). قال في "النهاية": معناه وإن جعلوا لك رخصة فيه وجوازا (٣). فلا يلتبس بما حاك في نفسك أنه إثم؛ فإن الله هو الذي أجراه. قال المصنف (وحَدَّثَنَا سليمان بن داود) بن حماد أبو الربيع المهري، قال النسائي: ثقة (٤). (حَدَّثَنَا) عبد الله (ابن وهب قال: حدثني يحيى (٥) بن أيوب) الغافقي المصري (عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نعيمة) بضم النون المعافري ([عن أبي عثمان] (٦) الطنبذي) بضم الطاء المهملة كما تقدم في سند هذا الحديث عن ابن السمعاني، وأنه (رضيع عبد الملك بن مروان) أحد الخلفاء (قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه) كما تقدم.

стр. 9810

(زاد سليمان) بن داود (المهري) بفتح الميم وسكون الهاء، نسبة إلى مهرة بن حيدان قبيلة من قضاعة كما تقدم (في حديثه: ومن أشار على أخيه) المسلم الذي استشاره واستنصحه (بأمر يعلم أن الرشد في غيره) أو يغلب على ظنه أنه الصواب، ويدخل في إطلاق الحديث من استشاره بغير الرشد، ومن أشار عليه ابتداء دون استشارة بغير الرشد (فقد خانه) في الانتقاص من حقه، فإن حق الأخوة النصح، ففي "صحيح مسلم": "حق المسلم على المسلم ستة" وفيها: "إذا استنصحك فانصح له" (١) فالنصح واجب لظاهر هذا الأمر ولغيره. (وهذا) الشطر الأخير (لفظ سليمان) بن داود المهري دون الحسن بن علي. * * *

стр. 9811

٩ - باب كَراهِيَةِ مَنْعِ العِلْمِ ٣٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، أَخْبَرَنَا عَليُّ بْن الحَكَم، عَنْ عَطَاءٌ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ سُئِلَ، عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ" (١). * * * باب كراهية منع العلم [٣٦٥٨] (حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد) بن سلمة (أنا علي ابن الحكم) البناني، أخرج له البخاري في الإجارة (عن عطاء) بن أبي رباح (عن أبي هريرة لجنه: قال رسول الله ﷺ : من سئل عن علم) يعلمه (فكتمه) وله في (٢) رواية أخرى مبينة للعلم من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ: "من كتم علما مما ينفع الله به في أمر الناس في الدين" (٣). وله من رواية أخرى: "ما من رجل يحفظ علمًا فيكتمه إلا أتى يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار" (٤) ولابن ماجة أيضًا من رواية

стр. 9812

جابر: قال رسول الله ﷺ : "إذا لعن آخر هذِه الأمة أولها فمن كتم حديثًا فقد كتم ما أنزل الله" (١) وفيه انقطاع. وحمله سحنون المالكي على كتمان الشهادة التي يحملها، قال ابن العربي: والصحيح خلافه؛ لأن لفظ الحديث: "من سئل عن علم" ولم يقل: عن شهادة. والعمل على بقاء الحديث على ظاهره حتى يأتي مخصص له كما سيأتي، فما كان من العلوم غير نافع في الدين جاز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف، فإن ذلك آكد في الكتمان، فقد كتم أبو هريرة راوي الحديث حين خاف فقال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. أخرجه البخاري (٢). قال العلماء: وهذا الذي لم يبثثه وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو فيما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو ذلك. وقد استدل بهذا الحديث والآية التي قال أبو هريرة عنها: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم. وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٣) على وجوب تبليغ العلم وإظهاره للانتفاع به، ودل

стр. 9813

الحديث بتخصيصه على أن ما لا ينتفع به في الدين لا يجب إظهاره ولا تعليمه، فلا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقتطع بها ماله، ولا يعلم المفتي المستفتي حيلًا يتوصل بها إلى أكل مال غرمائه بالباطل، ولا يعلم السلطان تأويلًا يتطرق به على مكاره الرعية، ولا تنشر الرخص عند السفهاء؛ فيجعلوا ذلك طريقًا إلى ارتكاب المحذورات وترك الواجبات؛ لما روي عن النبي ﷺ : "لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير" (١). وروى ابن ماجة عن أنس: "واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ" (٢). يريد تعليم الفقه لمن ليس من أهله. (ألجمه الله تعالى بلجام من نار يوم القيامة) في هذا بيان تعظيم تحريم كتمان العلم المحتاج إليه، فإن التحريم يزيد بزيادة الاحتياج، كمن يرى

стр. 9814

رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها فيقول: علمني أصلي. ومقتضى هذا الحديث أن الكاتم للعلم يفعل به ما فعل بالناس في الدنيا، فكما ألجم نفسه في الدنيا بلجام السكوت يلجمه الله يوم القيامة بلجام من نار؛ ليظهر للناس في الآخرة كتمه للعلم الذي تفضل الله عليه به في الدنيا فكتمه عن خلقه، فيجمع له يوم القيامة بين العقوبة بلجام النار ومذمة الناس له في الموقف وشهرته بذلك. كما أن من أظهر العلم ونشره للناس ورفع بعضهم به في الدنيا بتعليمه يرفعه الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور؛ ليظهروا للناس ويقصدوهم بالشفاعة؛ فإنهم يشفعون بعد الأنبياء، جعلنا الله تعالى منهم. * * *

стр. 9815

١٠ - باب فَضْلِ نَشْرِ العِلْمِ ٣٦٥٩ - حَدَّثَنَا زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمانُ بْن أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ" (١). ٣٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْن سُلَيْمانَ - مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ" (٢). ٣٦٦١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْن أَبي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ -يَعْني: ابن سَعْدٍ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "والله لأَنْ يُهْدى بِهُدَاكَ رَجْلٌ واحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ" (٣). * * * باب فضل نشر العلم [٣٦٥٩] (حَدَّثَنَا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي. (عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله) الرازي قاضي الري، وثقه ابن

стр. 9816

حنبل (١) وغيره (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : تسمعون) بفتح التاء وسكون السين (ويسمع) بضم أوله وفتح ثالثه مبني للمجهول (منكم) يشبه أن يكون خبرًا في معنى الأمر، أي: لتسمعوا مني الحديث وتبلغوه عني، وليسمعه من بعدي منكم، وهذا نحو قوله ﵇: "تصدق رجل بديناره ودرهمه" (٢) أي: ليتصدق، جمع عليه ثيابه (٣). أي: ليجمع. وقوله ﵇ في دعاء المسافر إذا أسحر (٤): "سمع سامع" (٥) أي: ليسمع سامع وليبلغ، ويجوز أن يقرأ (تسمِّعون) بتشديد الميم أي: تبلغون ما سمعتم مني، كما روي في "سمع سامع" أن (سمَّع) بفتح السين، والميم المشددة. قال القاضي: معناه: بلغ مني من سمع قولي (٦). وكلا الحديثين فيهما دليل على نشر العلم وإظهاره وتبليغه لمن لم يسمعه ولا علمه (ويُسمَع) بضم أوله، وفتح ثالثه مخففا مبني للمجهول (ممن يسمع) بفتح أوله، وسكون ثانيه أي: ويسمع الغير من الذي يسمع منكم حديثي، وكذا من بعدهم يسمع منهم، وهلم جرا؛ ليشتهر العلم ويظهر لمن يسمعه ويعمل به، ومن هذا المعنى: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٧) والحديث الذي

стр. 9817

يأتي بعده، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. [٣٦٦٠] (حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان) العدوي (من ولد عمر بن الخطاب) وثقه ابن معين (١)، روى له الأربعة (عن عبد الرحمن بن أبان) غير منصرف وهو: ابن عبد الرحمن (٢) الأموي، وثقه النسائي (٣)، حكى الواقدي عن [محمد بن موسى بن محمد] (٤) قال: ما رأيت أجمع للدين والشرف منه (٥). (عن أبان) بن عثمان بن عفان (عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نضر الله) بتشديد الضاد وتخفيفها. قال الخطابي: أجودهما التخفيف (٦). يقال: نضَره ونضَّره وأنضره ثلاث لغات، ومعناه الدعاء له بنضارة الوجه، وهي النعمة والبهجة والحسن والبريق. والمراد هنا: ألبسه الله حسن الخلقة وخلوص اللون والبهجة، فيكون تقديره: جَمَّله الله وذريته. وقيل: أوصله الله إلى نضرة الجَنَّة، وهو نعيمها ونضارتها، قال الله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ

стр. 9818

النَّعِيمِ﴾ (١) وقيل: ليس هذا من الحسن، إنما معناه: حسن الله وجهه في الناس. أي: رفع جاهه وقدره؛ ولهذا من كانت هذِه صفته من المحدثين إلا كان عليه النضرة والبهجة كما أخبر ﷺ ببركة دعائه. (امرأ سمع منا حديثا فحفظه) بكسر الفاء، ولابن ماجة وأحمد: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها" (٢) وفيه اعتناء الطالب بحفظ ما سمعه، فإن نتيجة العلم الحفظ ليبلغ ويعمل. (حتى يبلغه) "من لم يسمعه" كما في رواية (٣)، وفيه فضيلة تبليغ الحديث والآثار إلى من لم يسمعها، ونسخها في معنى التبليغ، فرب حامل فقه بالحفظ ويدخل فيه حمل كتبه إلى من هو أفقه منه، فيه أن الفقيه لا يستنكف أن يأخذ الفقه ممن هو دونه، بل يكون حريصا على تحصيل الفائدة حيث كانت؛ فقد كان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم، قال الحميدي وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل، ويستفيد مني الحديث (٤). (فرب حامل فقه) وهو (ليس بفقيه) هذا قد وجد في زماننا، وكثير في

стр. 9819

طلبة العلم؛ لأجل العلو (١) في الوظائف من الخير وغيره، فيقرؤون كتب الفقه ويحملونه بالحفظ والعرض في أوقات العراضة، فترى الطالب يقرأ كتاب الفقه يحفظ ألفاظه، وإذا سئل عن مسألة يقول: في أي باب حتى أقول لك الباب؟ ! فيقتصرون على الحفظ دون أن يتصوروا مسائله، ولا يعرفون أدلته، فربما استفتي الفقيه عن نسخة يكشف منها، فهو حامل للفقه وليس بفقيه. وهذا علم من أعلام النبوة في إخباره عن المغيبات قبل وقوعها، فنحن في زمان كثير حفاظه قليل فقهاؤه. [٣٦٦١] (حَدَّثَنَا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني، ويقال: الطالقاني (حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي حازم) الأسلمي (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار الأعرج المدني الزاهد، ومن كلامه: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة (عن) راويه (سهل بن سعد) الساعدي ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال) لعلي بن أبي طالب حين أعطاه [الراية] (٢) يوم وقعة خيبر (والله لأن) بفتح اللام (٣) التي هي جواب القسم، وفتح همزة (أن) المصدرية الناصبة للمضارع (يهدى) بضم أوله، وفتح ثالثه مبني للمفعول، ولفظ البخاري: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا" (٤) (بهداك) أي: لأن ينتفع بك رجل واحد بشيء من أمور

стр. 9820

الدين بما يسمعه منك أو يراك عملته، فيقتدي بك فيه، ويعمل به (خير لك من حمر) بسكون الميم جمع أحمر (النعم) وبوب عليه البخاري: باب فضل من أسلم على يديه رجل. قال ابن الأنباري: حمر النعم: كرامها وأعلاها منزلة (١). وعن الأصمعي: بعير أحمر إذا لم يخالط حمرته شيء، فإن خالطت حمرته فهو كميت، والإبل الحمر هي أحسن أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وليس عندهم شيء أعظم منه. وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة لا تعادلها الدنيا، وجميع ما فيها لا يعادل تلك الذرة، ولو كان مع الدنيا أمثال أمثالها.

стр. 9821

١١ - باب الحَدِيثِ عَنْ بَني إِسْرائِيلَ ٣٦٦٢ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَدِّثُوا عَنْ بَني إِسْرائِيلَ وَلا حَرَجَ" (١). ٣٦٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنا مُعاذٌ، حَدَّثَني أَبي، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَبي حَسّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كانَ نَبيُّ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُنا عَنْ بَني إِسْرائِيلَ حَتَّى يُصْبِحَ ما يَقُومُ إِلَّا إِلَى عُظْمِ صَلاةٍ (٢). * * * باب الحديث عن بني إسرائيل [٣٦٦٢] (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا علي (٣) بن مسهر) الكوفي (عن محمَّد بن عمرو) بن علقمة بن أبي وقاص (٤)، روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن. (عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) الحرج: الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج: أضيق الضيق، والأمر في (حدثوا) أمر إباحة، إذ لا وجوب ولا ندب فيه بالإجماع (٥) أي: إذا بلغكم حديث عنهم فلا حرج في أدائه.

стр. 9822

قال الشافعي: معنى حديث النبي ﷺ (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي: لا بأس ولا إثم أن تحدثوا عنهم ما سمعتم، وإن استحال أن يكون في هذِه الأمة مثل ما روي أن ثيابهم كانت تطول، وأن النار كانت تنزل من السماء لتأكل القربان وغير ذلك، لا أن يحدث عنهم بالكذب، ويدل على صحة قول الشافعي ما جاء في بعض رواياته عقيب الحديث: "فإن فيهم العجائب" (١). وقال المزني: معناه أن الحديث عنهم إذا حدثت به - كما سمعته - حقًّا كان أو باطلا لم يكن عليك إثم ولا حرج؛ لوقوع الفترة وطولها، بخلاف الحديث عن النبي ﷺ ، فإنَّه إنما يكون الحديث به بعد العلم بصحة روايته وعدالة رواته الثقات (٢). وقيل: معناه أن الحديث عنهم ليس على الوجوب؛ لأنَّ قوله ﷺ في أول الحديث الذي رواه البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية" (٣) هو على الوجوب. أي: بلغوا عني من القرآن ولو آية، هذا مع تكفل الله بحفظه، فتبليغ الحديث بطريق أولى، ثمَّ قال في حديث البخاري: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" أي: لا حرج عليكم إن لم تحدثوا عنهم بشيء.

стр. 9823

قال ابن حبَّان في "صحيحه" في قوله في حديث البخاري: "بلغوا عني ولو آية" دليل على أن السنن يقال لها: آي (١). وفيه نظر، إذ لا ينحصر التبليغ عنه في السنن، بل القرآن كذلك كما سبق، وقيل: المراد بالآية العلامة الظاهرة. أي: وإن كان التبليغ بعلامة إشارة ونحوها. [٣٦٦٣] (حدثنا محمَّد بن المثنى، حدثنا معاذ) (٢) بن هشام الدستوائي البصري (قال: حدثني أبي) (٣) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي (عن قتادة، عن أبي حسان) مسلم بن عبد الله، استشهد به البخاري تعليقا. (عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄) قال: (كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل) تحديثا من الليل (حتى يصبح) أي: حتى يقرب من الصبح (ما يقوم) فيها من حديثه عنهم (إلا إلى عظم) بضم العين المهملة (صلاة). قال في "النهاية": عظم الشيء: أكبره ومعظمه، كأنه أراد: لا يقوم إلا إلى الصلاة المفروضة، ومنه الحديث: فأسندوا عظم ذلك إلى ابن الدخشم (٤). أي: معظمه، ويقرب من حديث النبي ﷺ عن بني إسرائيل أكثر الليل ما يقع في هذا من الجلوس في قراءة الدلهمة والبطال وعنترة ونحو ذلك؛ فإنهم أيضًا كانوا في الفترة، فلا حرج في الكلام عنهم، حقا كان أو باطلا، فإنَّه لا إثم فيه.

стр. 9824

١٢ - باب في طَلَبِ العِلْمِ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى ٣٦٦٤ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمانِ، حَدَّثَنا فُلَيْحٌ، عَنْ أَبي طُوالَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصاريِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ". يَعْني رِيحَها (١). * * * باب طلب العلم لغير الله [٣٦٦٤] (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا سريج) بضم السين المهملة، آخره جيم (ابن النعمان) البغدادي الجوهري اللؤلؤي، أخرج له البخاري في عمرة القضاء (حدثنا فليح) (٢) بن سليمان العدوي، مولاهم المدني. (عن أبي طوالة) بضم الطاء المهملة، وتخفيف الواو (عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري) النجاري قاضي المدينة (عن سعيد بن يسار) بالتحتانية والمهملة أبو الحباب المدني، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ . (عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : من تعلم علمًا مما يبتغى) بضم أوله، وفتح المعجمة (به) أي: يطلب به (وجه) أي: رضا

стр. 9825

الله بالرفع نائب عن الفاعل (الله) أي: صلاح دين الله من العلوم الظاهرة أو الباطنة، فكلاهما فرض عين أو كفاية، فكما أن علم أحوال القلب وعلاجه من علوم الآخرة فرض عين في فتوى علوم الآخرة، والمعرض عنه هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى علماء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وعلوم المعاملة بالإضافة إلى صلاح الآخرة، واحترز به عن العلوم التي لا يبتغى [بها] صلاح قوام الدين، بل صلاح قوام هذا العالم الظاهر وانتظام أمره، كعلوم الفلاحة والتجارة والبيطرة والحياكة، وغير ذلك من علوم الحرف والصناعات فإن من تعلمها لطلب عرض الدنيا لا يدخل في هذا الوعيد العظيم. (لا يتعلمه) هذا العلم الذي هو موضوع للعبادة الدينية (إلا ليصيب به عرضا) بفتح الراء (من الدنيا) أي: أخذ مالًا من الدنيا، ويسمى متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض (١) زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، ومنه: "الدنيا عرض يأكل منها البر والفاجر" (٢) والعرْض بسكون الراء ما سوى الدينار والدرهم (لم يجد عرف) بفتح العين، وسكون الراء

стр. 9826

المهملتين (الجنة) والعرف هو الريح الطيبة، وقال الفارسي: يستعمل العرف غالبا في الريح الطيبة، ونادرا في غير الطيبة (يوم القيامة، يعني: ريحها) الطيب، وإن ريحها ليشم من مائة عام. وروى عبد الرزاق في كتابه موقوفًا عن ابن عباس، وفيه: كيف بكم إذا قلَّت فقهاؤكم، وكثرت قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة (١). وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من تعلم علمًا لغير الله، أو أراد به غير الله؛ فليتبوأ مقعده من النار" (٢). وهذا الحديث معناه التهديد والزجر عن طلب الدنيا بعمل الآخرة، وفيه دلالة أن هذا الشخص لا يجد رائحة الجنة في يوم القيامة فقط ويجد ريحها في غير يومه، وطالب العلم لله يجد رائحة الجنة؛ ليقوى بها قلبه وبدنه فيسلي همومه وأشجانه ويسر بذلك، ومن تعلمه لله وللدنيا كان بمعزل عن هذا الوعيد، وتنكير (عرضا) يتناول جميع الأعراض قليلها وكثيرها من الجاه، والمال، والرفعة.

стр. 9827

١٣ - باب في القَصَصِ ٣٦٦٥ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَني عَبّادُ بْنُ عَبّادٍ الخَوّاصُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبي عَمْرٍو السَّيْبانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ السَّيْبانيِّ، عَنْ عَوْفِ ابْنِ مالِكٍ الأَشْجَعيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُخْتالٌ" (١). ٣٦٦٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنِ المُعَلَّى بْنِ زِيادٍ عَنِ العَلاءِ ابْنِ بَشِيرٍ المُزَنيِّ، عَنْ أَبي الصِّدِّيقِ النّاجيِّ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ قَالَ: جَلَسْتُ في عِصابَةِ مِنْ ضُعَفاءِ المُهاجِرِينَ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ العُري وَقارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنا إِذْ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقامَ عَلَيْنا فَلَمّا قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَكَتَ القارِئُ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "ما كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ". قُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ كانَ قارِئٌ لَنا يَقْرَأُ عَلَيْنا فَكُنّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتابِ اللهِ. قَالَ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الحَمْدُ لله الذي جَعَلَ مِنْ أُمَّتي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسي مَعَهُمْ". قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَطَنا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينا ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذا، فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ قَالَ: فَما رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْشِرُوا يا مَعْشَرَ صَعالِيكِ المُهاجِرِينَ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِياءِ النّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذاكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ" (٢). ٣٦٦٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حَدَّثَني عَبْدُ السَّلامِ -يَعْني: ابن مُطَهَّرٍ أَبُو ظَفَرٍ- حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ خَلَفٍ العَمِّيُّ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعالَى مِنْ صَلاةِ الغَداةِ حَتَّى تَطْلُعَ

стр. 9828

الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً" (١). ٣٦٦٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْرَأْ عَليَّ سُورَةَ النِّساءِ". قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي". قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ حَتَّى إِذا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآيَةَ فَرَفَعْتُ رَأْسي فَإِذا عَيْناهُ تَهْمِلانِ (٢). * * * باب في القصص بفتح القاف. [٣٦٦٥] (حدثنا محمود بن خالد، حدثنا أبو مسهر) (٣) عبد الأعلى ابن مسهر الغساني (حدثنا عباد بن عباد) الرملي الأرسوفي (الخواص) الزاهد، وهو الذي كتب إليه الثوري بالرسالة المشهورة في الآداب والزهد، وثقه ابن معين (٤) وأحمد العجلي (٥) (عن يحيى بن أبي عمرو السيباني) بفتح السين المهملة، وسكون الياء المثناة تحت، نسبة إلى سيبان بطن من حمير، وهو: سيبان بن الغوث بن سعد، ويحيى هذا هو شامي ثقة،

стр. 9829

يكنى أبا (١) زرعة (عن عمرو بن عبد الله السيباني) بالسين المهملة أيضًا كما تقدم، [كنيته أبو] (٢) العجماء الحمصي، ذكره ابن حبَّان في "الثقات" (٣) (عن عوف بن مالك الأشجعي) كانت معه راية أشجع يوم الفتح. (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقص) على الناس، لا ينبغي أن يفعل ذلك (إلا أمير) قيل: هذا في الخطبة، كان الخلفاء والأمراء يخطبون فيعظون الناس ويخبرونهم بما مضى من المتقدمين، ويذكرونهم بأيام الله ليعتبروا ويتعظوا. (أو) يقص (مأمور) بذلك يقيمه الإمام خطيبا، فيكون حكمه حكم الأمير (أو مختال) يعني: أو يكون القاص مختالا يفعل ذلك تكثيرا على الناس، وينصب نفسه لذلك من غير أن يؤمر به طلبا للرئاسة، فهو يرائي بذلك ويختال بذلك في قوله وعلمه، وقيل: إن المتكلمين على الناس ثلاثة: مذكر وواعظ وقاص، فالمذكر يذكر بنعمة الله ويحثهم على شكرها، وواعظ يخوفهم العقوبة، وقاص يروي أخبار الماضين وأيامهم، ويأتي بالقصة على وجهها، كأنه يتبع معانيها وألفاظها، فمن القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر سماعه وإن كان صدقا، ومن فتح ذكر القصص على نفسه أخلط عليه الصدق بالكذب، والنافع بالضار، وكذلك قال أحمد بن حنبل: ما أحوج الناس إلى قاص صادق (٤)! فإن كانت القصة من قصص الأنبياء فيما

стр. 9830

يتعلق بأمر دينهم، وكان صحيح الرواية قال الغزالي: فلا أرى بأسا (١). [٣٦٦٦] (حدثنا مسدد، قال: حدثنا جعفر بن سليمان) الضبعي البصري، نزل في ضبيعة فنسب إليهم، قال ابن معين وغيره: ثقة (٢). أخرج له البخاري في "الأدب" (٣) (عن المعلي بن زياد) القردوسي، والقراديس حي من الأزد، استشهد به البخاري (عن العلاء بن بشير) بالموحدة، والشين المعجمة (عن أبي الصديق) بكر بن عمرو (الناجي) بالنون والجيم نسبة إلى ناجية بن شامة قبيلة كبيرة. (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلست في عصابة) العصابة: جماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين، لا واحد لها من لفظها. (من ضعفاء المهاجرين) أي: صعاليكهم (إن) بكسر الهمزة والتشديد؛ لأنَّ من المواضع التي تكسر فيها أن تحل محلّ الحال نحو: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٤) وأكثر النسخ المعتمدة جاءت هكذا بحذف واو الحال، فيصلح هذا أن يكون شاهدا على ذلك. ومما استشهدوا به على حذف واو الحال في الجملة الاسمية قولهم: نصف النهار الماء غامر. أصله: والماء غامر. والمعنى: انتصف النهار وحمي النهار والحال إن الماء غامر لمن يغوص فيه، والتقدير في الحديث: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن حال (بعضهم

стр. 9831

ليستتر) عن رؤية الناظر إليهم (ببعض) حتى لا يرى حالهم (من) كثرة (العري) لشدة فقرهم (وقارئ يقرأ علينا) من كتاب الله ونحن نسمع في المسجد. (إذ جاء رسول الله ﷺ فقام علينا) أي: وقف على رؤوسنا (فلما قام) أي: وقف (رسول الله ﷺ ) عند رؤوسنا (سكت القارئ) عن القراءة استحياء من النبي ﷺ وتعظيما له، وليسمع كلامه، وربما ظن أنَّه جاء لحاجة عندهم (فسلم) علينا رسول الله ﷺ قبل أن يتكلم (ثمَّ قال: ما كنتم تصنعون؟ ) فيه أن الصناعة لا تختص بعمل اليد، بل تطلق على القول أيضًا والقراءة والاستماع ونحو ذلك (قلنا: يا رسول الله، كان قارئ لنا يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله) قد يؤخذ منه أن قراءة قارئ على الجماعة والباقون يسمعون أفضل من قراءة الكل جماعة، ولعله كان يقرأ وهم لا يقرؤون، أو يكون أكثرهم حفظا، وأحسنهم صوتا، وأعذبهم لفظا ونغمة، فكانت قراءته واستماعهم أولى. (قال رسول الله ﷺ ) عند ذلك [(الحمد لله الذي جعل من أمتي) وفي رواية لغير المصنف: "الذي جعل في أمتي"] (١) (من أمرت أن أصبر نفسي معهم) هذا الذي أمر به هو قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أي: احبسها لتثبت جالسة ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢) قال قتادة: هذِه الآية نزلت في أصحاب الصفة، كانوا

стр. 9832

سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله ﷺ لا يرجعون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع، يصلون الصلاة وينتظرون الأخرى. (قال: فجلس رسول الله ﷺ وسْطنا) أي: بيننا وزنًا ومعنًى، فقد قال جماعة: كل مكان صلح أن يكون موضع (وسط) كلمة (بين) فهو بسكون السين على وزن بين، وكل موضع لا يصلح فيه (بين) فهو بفتح السين، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، والأكثر التفصيل المذكور، وهذا أشبه (ليعدل) بنصب اللام (بنفسه فينا) أي: ليساوي بنفسه الزكية جلوسه عندنا، من العدل، وهو التسوية، تقول: عدل الشيء بالشيء: إذا ساواه به، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١). (ثمَّ قال بيده هكذا فتحلقوا) فيه التعليم بالإشارة المفهمة، وفيه جلوس القوم حلقة للذكر وغيره، وإن كان بعضهم مستدبر القبلة، ليصير وجه الشيخ إليهم فيكون لهم كالقبلة (وبرزت) أي: ظهرت (وجوههم له) جميعهم عندما تحلقوا حوله، وصارت وجوههم كلهم إليه. (قال: فما رأيت رسول الله ﷺ عرف) بفتح الراء (منهم أحدا غيري) فيه منقبة لأبي سعيد ﵁ (فقال لهم رسول الله ﷺ : أبشروا) بفتح الهمزة (يا معشر) المعشر جماعة الرجال دون النساء (صعاليك المهاجرين بالفوز التام) لكل واحد منهم (يوم القيامة) وإنكم (تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم) من اليوم المذكور في قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٢) (وذاك) النصف (خمسمائة سنة) من سني الدنيا.

стр. 9833

وقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا" (١). فيجمع بين الحديثين بأن فقراء المهاجرين يسبقون إلى الجنة قبل فقراء المسلمين بهذِه المدة؛ لما لهم من فضل الهجرة وكونهم تركوا أموالهم بمكة رغبة فيما عند الله . وقد أخرج الترمذي وابن ماجه: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" (٢) وهو نصف يوم عند الله. [٣٦٦٧] (حدثنا محمَّد بن المثنى، قال: حدثني عبد السلام بن مطهر) بفتح الهاء المشددة، ابن حسام الأزدي، أخرج له البخاري (٣) (حدثنا موسى بن خلف) العمي بفتح العين المهملة، وتشديد الميم، نسبة إلى البطن، وهو بطن من تميم، وهو ثقة عابد، يعد من الأبدال. (عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : والله لأنَّ) بفتح الهمزة التي بعد لام القسم (أقعد مع قوم يذكرون الله) هذا لا يختص بذكر لا إله إلا الله، بل يلحق به ما في معناه؛ لما روى الإمام أحمد عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "لأنَّ أقعد أذكر الله وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إلى من أن أعتق" الحديث، رواه أحمد بإسناد حسن (٤)، والتلاوة في معناه أيضًا (من صلاة الغداة) فيه تسمية الصبح غداة (حتى تطلع الشمس) ثمَّ صلى ركعتين أو أربع

стр. 9834

ركعات، جاء مفسرا في بعض الروايات: "أحب إلي من أن أعتق" بضم الهمزة، وكسر التاء (أربعة من ولد إسماعيل) زاد أبو يعلى: "دية كل رجل منهم اثنا عشر ألفا" (١). ورواه ابن أبي الدنيا بالشطر الأوّل إلا أنَّه قال: "أحب إلى مما طلعت عليه الشمس". (ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله) فيه فضيلة الذكر جماعة بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، وظاهر الحديث أن هذِه الفضيلة تحصل لمن جلس مع الذاكرين وإن لم يذكر؛ لأنَّ الاستماع قائم مقام الذكر، وهم القوم لا يشقى جليسهم، (من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلى من أن أعتق أربعة) من ولد إسماعيل، بيَّن أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار، فقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا مع ما يبقى منه من زيادة عتق الرقاب الزائدة على الواحدة، لا سيما من أولاد الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالى عليهم أجمعين (٢). [٣٦٦٨] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حفص (٣) بن غياث) النخعي قاضي الكوفة (عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي

стр. 9835

الكوفي (عن عبيدة) بفتح العين، وكسر الباء الموحدة، السلماني، وفيه لطيفة: ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال: قال لي رسول الله ﷺ اقرأ علي سورة النساء) فيه استحباب طلب القراءة من غيره؛ ليسمع منه إذ هو أبلغ في الفهم والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه تواضع أهل العلم والفضل، ولو مع أتباعهم كما تقدم قريبا، وجواز قراءة الطالب على الشيخ، والعرض عليه، وتخصيص سورة النساء، لما فيها من هذِه الآي التي فيها انتصاف كل مظلوم ممن ظلمه، ولو مثقال ذرة، والذرة قالوا: ليس لها وزن. وقيل: الذرة: الخردلة الصغيرة. وشهادة كل نبي على أمته، وشهادة النبي ﷺ على المنافقين ممن رآه وممن لم يره. (قال: قلت: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ ! ) القرآن، فيه منقبة عظيمة لابن مسعود، وإشارة أكيدة إلى الأخذ بقراءته والعمل بها (قال: إني أحب أن أسمعه من غيري) وإنما أمره بالقراءة عليه؛ ليبين قراءة الطالب على الشيخ؛ ولأن السامع قد يكون يحصل له حضور قلب وتدبر أكثر من قراءة نفسه؛ لاشتغال القارئ بالقراءة وكيفيتها. (قال ابن مسعود: قرأت عليه) من أول سورة النساء (حتى إذا أتيت إلى قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا﴾) ظرف زمان والعامل فيها ﴿جِئْنَا﴾ وموضع ﴿كَيْفَ﴾ نصب بفعل مضمر، التقدير: يكون حالهم في ذلك الزمان (﴿جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾) من الأمم المتقدمة (﴿بِشَهِيدٍ﴾) يعني: جئنا على كل أمة بنبيها يشهد عليها (الآية، فرفعت رأسي) ولفظ البخاري: حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ

стр. 9836

شَهِيدًا﴾ (١) قال: "أمسك" فإذا عيناه تذرفان (٢). وأخرجه مسلم وقال: بدل قوله: "أمسك" فرفعت وغمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي ودموعه تسيل (٣). (فإذا عيناه تهملان) بفتح التاء، وضم الميم من باب: قعد، يقال: همل الدمع والمطر همولا وهملانا: جرى وسال، كما في رواية مسلم، وبكاؤه ﷺ لعظيم ما تضمنته هذِه الآية، من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به ﷺ شهيدا على كل هؤلاء. والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر؛ لأنَّ وظيفة العذاب أشهد عليهم منها على غيرهم لشدة عنادهم عند رؤية المعجزات. آخر كتاب العلم حامدا لله مستعيذا من خطأ موجب للإثم، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآل محمَّد الذي كان كالبدر وكل منهم كالنجم، يتلوه كتاب الأشربة.

стр. 9837

كِتَابُ الأَشْرِبَةِ

стр. 9838

٢٧ - الأشربة ١ - باب في تَحْرِيمِ الخَمْرِ ٣٦٦٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أَبُو حيّانَ حَدَّثَني الشَّعْبيُّ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْياءَ مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ والعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ وَثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُفارِقْنا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهي إِلَيْهِ: الجَدُّ والكَلالَةُ وَأَبْوابٌ مِنْ أَبْوابِ الرِّبا (١). ٣٦٧٠ - حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ مُوسَى الخُتّليُّ، أَخْبَرَنا إِسْماعِيلُ -يَعْني: ابن جَعْفَرٍ- عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَالَ: لمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شِفاءً فَنَزَلَتِ الآيَةُ التي في البَقَرَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شِفاءً. فَنَزَلَتِ الآيَةُ التي في النِّساءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَكانَ مُنادي رَسُولِ اللهِ ﷺ

стр. 9839

إِذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يُنادي: أَلا لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شِفاءً. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا (١). ٣٦٧١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنا عَطاءُ بْنُ السّائِبِ، عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَميِّ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طالِبٍ ﵇ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ دَعاهُ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَسَقاهُما قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ فَأَمَّهُمْ عَليٌّ في المَغْرِبِ فَقَرَأَ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَطَ فِيها فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢). ٣٦٧٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَنا عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وَ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ نَسَخَتْهُما التي في المائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ الآيَةَ (٣). ٣٦٧٣ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ حَيْثُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ في مَنْزِلِ أَبي طَلْحَةَ وَما شَرابُنا يَوْمَئِذٍ إِلَّا الفَضِيخُ، فَدَخَلَ عَلَيْنا رَجُلٌ فَقالَ: إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، وَنادى مُنادي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْنا: هذا مُنادي رَسُولِ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 9840

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أول كتاب الأشربة باب في تحريم الخمر [٣٦٦٩] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن علية (حدثنا أبو حيان) بالمهملة وشدة التحتانية، وبالنون يحيى بن سعيد التيمي الكوفي. (حدثني الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل) وللبخاري والنسائيُّ زيادة وهي: عن ابن عمر قال: سمعت عمر ابن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ بالمدينة فقال: أما بعد، أيها الناس، فإنَّه نزل تحريم الخمر يوم نزل (١). وحرمت الخمر في السنة الثانية (٢) من الهجرة بعد أُحد، وسميت الخمر خمرًا لسترها العقل، ومنه يقال: دخل في خمار الناس وخمارهم، مثل غمار الناس [وغمارهم. أي: دخل فيما يستره منهم، وقيل: سميت خمرًا لمخامرتها العقل. أي: مخالطته] (٣)، وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها (وهي) هذِه واو الحال (من خمسة أشياء) والمراد بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
следующие страницы →