← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

شَهِيدًا﴾ (١) قال: "أمسك" فإذا عيناه تذرفان (٢). وأخرجه مسلم وقال: بدل قوله: "أمسك" فرفعت وغمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي ودموعه تسيل (٣). (فإذا عيناه تهملان) بفتح التاء، وضم الميم من باب: قعد، يقال: همل الدمع والمطر همولا وهملانا: جرى وسال، كما في رواية مسلم، وبكاؤه ﷺ لعظيم ما تضمنته هذِه الآية، من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به ﷺ شهيدا على كل هؤلاء. والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر؛ لأنَّ وظيفة العذاب أشهد عليهم منها على غيرهم لشدة عنادهم عند رؤية المعجزات. آخر كتاب العلم حامدا لله مستعيذا من خطأ موجب للإثم، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآل محمَّد الذي كان كالبدر وكل منهم كالنجم، يتلوه كتاب الأشربة.

стр. 9837

كِتَابُ الأَشْرِبَةِ

стр. 9838

٢٧ - الأشربة ١ - باب في تَحْرِيمِ الخَمْرِ ٣٦٦٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أَبُو حيّانَ حَدَّثَني الشَّعْبيُّ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْياءَ مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ والعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ وَثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُفارِقْنا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهي إِلَيْهِ: الجَدُّ والكَلالَةُ وَأَبْوابٌ مِنْ أَبْوابِ الرِّبا (١). ٣٦٧٠ - حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ مُوسَى الخُتّليُّ، أَخْبَرَنا إِسْماعِيلُ -يَعْني: ابن جَعْفَرٍ- عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَالَ: لمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شِفاءً فَنَزَلَتِ الآيَةُ التي في البَقَرَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شِفاءً. فَنَزَلَتِ الآيَةُ التي في النِّساءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَكانَ مُنادي رَسُولِ اللهِ ﷺ

стр. 9839

إِذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يُنادي: أَلا لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شِفاءً. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا (١). ٣٦٧١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنا عَطاءُ بْنُ السّائِبِ، عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَميِّ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طالِبٍ ﵇ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ دَعاهُ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَسَقاهُما قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ فَأَمَّهُمْ عَليٌّ في المَغْرِبِ فَقَرَأَ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَطَ فِيها فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢). ٣٦٧٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَنا عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وَ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ نَسَخَتْهُما التي في المائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ الآيَةَ (٣). ٣٦٧٣ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ حَيْثُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ في مَنْزِلِ أَبي طَلْحَةَ وَما شَرابُنا يَوْمَئِذٍ إِلَّا الفَضِيخُ، فَدَخَلَ عَلَيْنا رَجُلٌ فَقالَ: إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، وَنادى مُنادي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْنا: هذا مُنادي رَسُولِ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 9840

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أول كتاب الأشربة باب في تحريم الخمر [٣٦٦٩] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن علية (حدثنا أبو حيان) بالمهملة وشدة التحتانية، وبالنون يحيى بن سعيد التيمي الكوفي. (حدثني الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل) وللبخاري والنسائيُّ زيادة وهي: عن ابن عمر قال: سمعت عمر ابن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ بالمدينة فقال: أما بعد، أيها الناس، فإنَّه نزل تحريم الخمر يوم نزل (١). وحرمت الخمر في السنة الثانية (٢) من الهجرة بعد أُحد، وسميت الخمر خمرًا لسترها العقل، ومنه يقال: دخل في خمار الناس وخمارهم، مثل غمار الناس [وغمارهم. أي: دخل فيما يستره منهم، وقيل: سميت خمرًا لمخامرتها العقل. أي: مخالطته] (٣)، وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها (وهي) هذِه واو الحال (من خمسة أشياء) والمراد بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 9841

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٢) الآية. وقد نهى الله عن الخمر في كتابه وأمر باجتنابها، وتوعد على استباحتها، وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذا إبلاغ في الوعد، ونهاية في التهديد. قال ابن رشد: وإن طالب متعسف جاهل بوجود لفظ التحريم لها في القرآن فإنَّه موجود في غير موضع، فإن الله سماها رجسًا، ثمَّ نص على [تحريم الرجس في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وسماها إثمًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثمَّ نص على] (٣) تحريم الإثم في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ (٤) ولو لم يرد في القرآن إلا النهي لكان بيانه ﷺ بقوله: "إن الله حرم الخمر" (٥). فمن قال: إن الخمر ليس بحرام فهو كافر بالإجماع (٦). (من العنب والتمر) وفي البخاري: قال حجاج، عن حماد، عن أبي حيان: مكان العنب: الزبيب (٧). ثمَّ قال في رواية أخرى: الخمر يصنع من

стр. 9842

خمسة: من الزبيب والتمر والحنطة والشعير والعسل (١) (والعسل والحنطة والشعير) وروى صفوان بن محرز قال: سمعت أبا موسى على المنبر يقول: ألا إن خمر أهل المدينة: البسر والتمر، وخمر أهل فارس: العنب، وخمر أهل اليمن: البتع، وهو العسل، وخمر الحبشة: الأسكركة (٢). وهو الأرز، والمزر ما يصنع [من الشعير] (٣) (والخمر) هو (ما خامر العقل) أي: غطاه وأزاله، والعقل هو آلة التمييز والعلم، ولهذا ناسب أن يذكر المصنف باب الأشربة عقيب كتاب العلم؛ فلذلك يحرم ما يغطي العقل ويستره، إذ بذاك يزول الإدراك المطلوب من العباد. والخمر مجاز من باب تسمية المعنوي بالمحسوس الذي يغطى به الأواني وغيرها. قال ابن بطال: في هذا الحديث رد على الكوفيين في قولهم: إن الخمر من العنب خاصة، وأن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم [ما دون السكر منه] (٤). قال المهلب: وهذا التفسير من عمر مقنع، فليس لأحد أن يقول: إن الخمر من العنب وحده، وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ فصحاء العرب قد فسروا عين ما حرمه الله، وقالوا: إن الخمر من خمسة أشياء. وقد أخبر عمر حكاية عما نزل من القرآن

стр. 9843

وتفسيرًا له، فقال: الخمر ما خامر العقل. وخطب بذلك على منبر رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ولم ينكره أحد منهم (١)؛ فصار كالإجماع (٢). (وثلاث) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه وصف بقوله: "وددت" إلى آخره، والخبر هو قوله: (الجد والكلالة .. )، و (ثلاث) فيه حذف اسم مضاف إليه والتنوين في آخر (ثلاث) عوض عن الاسم المحذوف، كما في قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣) والتقدير في الحديث: وثلاث قضايا أو أحكام أو مسائل، وقصد عمر ﵁ بذلك التنبيه على أنهم كانوا يكرهون الأخذ بالرأي ويؤثرون عليه ما يرد به النص (وددت) بكسر الدال الأولى (أن) يكون (رسول الله ﷺ لم) يكن (٤) (يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا) أي: يبين لنا بيانًا صريحًا بقول نعتمده وننتهي إليه فيه؛ لأنه أبعد عن محذور الاجتهاد إلى الخطأ على تقدير وقوعه وإن كان مأجورًا عليه أجرًا واحدًا (ننتهي إليه) عند الاختلاف والاحتياج. إليه (الجد) مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: أحد الثلاثة الجد، والجملة الاسمية خبر (ثلاث)، والمراد به ميراث الجد مع الإخوة في أنَّه يحجب الإخوة، أو ينحجب بهم، أو يقاسمهم. وقد وقع للصحابة في ذلك (اختلاف منتشر) (٥) حتى قال عمر:

стр. 9844

قضيت في الجد لسبعين قضية لا ألوي في واحدة منها عن الحق (١). وكان السلف يحذرون من الخوض في مسائله، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، والوقف أصوب: "أجرؤكم على قسمة الجد أجرؤكم على النار" (٢). وقد ذكر الخطابي في "الغريب" بإسناد صحيح عن محمَّد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن الجد، فقال: ما يصنع بالجد؟ ! لقد حفظت عن عمر فيه مائة قضية يخالف بعضها بعضًا (٣). ثمَّ أنكر الخطابي هذا إنكارًا شديدًا، بما لا حاصل تحته، وما المانع أن يكون قول عبيدة بمائة قضية على سبيل المبالغة، وقد أول البزار كلام عبيدة بما ذكر، والله أعلم. (والكلالة) أي: والثاني ميراث الكلالة بفتح الكاف، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤) وقد اختلف في تفسيرها على أقوال، أرجحها قول الجمهور أنَّه القريب الوارث

стр. 9845

الذي ليس بأصل ولا فرع (١)، وورد فيه حديثان صحيحان (٢)، وآية الكلالة نزلت على النبي ﷺ وهو في طريق مكة في حجة الوداع، وتسمى آية الصيف (٣). (وأبواب) أي: مسائل كثيرة (من أبواب الربا) يقع فيها الاشتباه كثيرًا حتى قال بعضهم: لا ربا إلا في النسيئة (٤). وأوردوا فيه حديثًا، والأحاديث كثيرة صريحة في أن الربا يجري في الفضل وفي النسيئة وفي اليد (٥).

стр. 9846

[٣٦٧٠] (حدثنا عباد بن موسى) أبو محمَّد شيخ الشيخين المعروف (الختلي) بضم الخاء المعجمة والمثناة الفوقانية المشددة، قال السمعاني: اختلف مشايخنا في هذِه النسبة، فبعضهم يقول: هو (١) نسبة إلى ختلان، وهي بلاد مجتمعة وراء بلخ، حتى رأيت الختل بضم الخاء والتاء، قرية على طريق خراسان إذا خرجت من بغداد بنواحي الدسكرة (٢). (حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو) بن شرحبيل الهمداني، أخرج له الشيخان. (عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر) [يشبه أن يكون معنى (نزل) أعطى كما في الحديث: "لا تنزلهم على حكم الله، لكن على حكمك" (٣). فإن معناه: لا تعطهم على حكم الله لكن على حكمك، والمراد: لما أعطى الله حيث رحمهم تحريم الخمر] (٤) في هذِه الآية دليل، بل نص على أن الخمر لم يكن حرامًا في أول الإِسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر، وكذا يدل على هذا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٥). وقال قوم: ما أبيح شرب الخمر في شيء من الأديان. حكاه القرطبي وغيره، فعلى هذا يكون معنى الآية: لما نزل تحريم قليله أو كثيره، أسكر أو لم يسكر. ومعنى ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: من النوم، والأول أظهر؛ لما

стр. 9847

روى الترمذي وغيره عن البراء ﵁ قال: مات ناس من أصحاب النبي ﷺ وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب النبي ﷺ : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (١). (قال عمر) بن الخطّاب ﵁: (اللهم بين لنا في) تحريم شرب (الخمر بيانًا شفاء) بالتنوين فيهما، و (شفاء) مصدر، بمعنى اسم الفاعل، كقوله تعالى: ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ (٢) أي: غائرًا. ورواية الترمذي: بيان شفاء (٣). بالإضافة وتنوين المضاف إليه وهو (شفاء)، وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته، أصله: بيانًا شافيًا، كما في رواية النسائي (٤) في هذا والذين بعده. ومن إضافة الموصوف إلى صفته قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٥) أضيفت ﴿دَارُ﴾ إلى ﴿الْآخِرَةِ﴾ وهي صفتها، ومنه: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٦)

стр. 9848

و ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١) و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٢) وهو كثير، وظاهر الحديث يقتضي أنَّه نزل تحريم الخمر قبل آية البقرة، ولم أجد لها (٣) أصلًا، فيحتاج إلى تأويل كما تقدم، ويدل على هذا التأويل رواية الترمذي عن عمر أنَّه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ إلى آخره (٤). فلم يذكر نزولًا قبل آية البقرة. وقد صرح القرطبي بذلك في تفسير آية المائدة فقال: تحريم الخمر نزل بتدريج ونوازل كثيرة؛ لأنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في أمرها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في تجارتهم. انتهى (٥). ثمَّ قال: وقال أبو ميسرة -يعني: عمرو بن شرحبيل الهمداني- نزلت الآية بسبب عمر بن الخطّاب، فإنَّه ذكر للنبي ﷺ عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا الله في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية (٦). (فنزلت الآية التي في) سورة (البقرة) فيه: دليل على جواز قول القائل: سورة البقرة. وهو الصحيح خلافّا لمن كره ذلك (٧)، وقال:

стр. 9849

إنما يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة (﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) السائلون هم المؤمنون (﴿عَنِ﴾) شرب (﴿الْخَمْرِ﴾) الظاهر أنهم سألوا عن ذلك لما نزل بهم من أجلها ولما ظهر لهم من عيوبها (﴿وَالْمَيْسِرِ﴾) وهو قمار العرب بالأزلام، قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله، فنزلت الآية (١). وقال ابن عباس أيضًا ومجاهد ومحمد بن سيرين وعلي وغيرهم: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، إلا ما أبيح من الرهبان في الخيل والقرعة في إبراز الحقوق (٢). وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار ما يخاطر الناس عليه. (﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) قرأ حمزة والكسائي: (كثير) بالثاء المثلثة بدل الباء (٣)؛ بما يصدر في الخمر للشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وزوال العقل الذي يعرف به ما تجب مخالفته، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله وتضييع المال الكثير في شربها؛ لما يلحقه من الآلات المطربة، وما يدفعه عند زوال عقله للخمَّار والمطربين وغير ذلك، كما روي عن قيس بن عاصم أنَّه شربها في

стр. 9850

الجاهلية فغمز عكنة ابنته، وسب أبويه، ورأى القمر فتكلم بشيء، وأعطى الخَمَّار كثيرًا من ماله، فلما أفاق أُخبر بذلك، حرَّمها على نفسه وأنشد فيها شعرًا في ذمها (١). (﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾) بربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماكسة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي. هذا أصح ما قيل في منافع الخمر، ومنافع الميسر مصير المال وغيره إلى الإنسان بغير كد ولا تعب، فكانوا يشترون الجَزور (٢) ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه (٣) أخذ نصيبه من اللحم، ولا يكون عليه شيء من الثمن. وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج؛ فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور ويفرقه على المحتاجين (٤). (قال: فدعي) بضم الدال وكسر العين (عمر) بن الخطّاب (فقرئت عليه) آية البقرة (فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاءً) بالتنوين

стр. 9851

فيهما، ولفظ الترمذي: بيان شفاء (١). ويبينهما رواية النسائي: بيانًا شافيًا (٢). كما تقدم. أي: دافعًا لعلة من يحب شربها كما يدفع الدواء الشافي علة الضعيف الذي يحب زوال الألم، فإنهم لم ينتهوا بهذِه الآية ولا تركوها جملة واحدة، كما قال سعيد بن جبير: كان الناس على أثر جاهليتهم يشربونها قبل الإِسلام حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فقالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم. فشربها رجل وتقدم فصلى فقال: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣). فقالوا: نشربها في غير وقت الصلاة. فقال عمر: اللهم بين بيانًا شافيًا. فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية، فقال عمر: انتهينا. (فنزلت الآية التي في النساء) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خص الله هذا الخطاب بالمؤمنين؛ لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذت الخمر منهم عقولهم فلا يعلمون ما يقولون؛ فخصوا بهذا الخطاب؛ إذ كان الكفار لا يصلون صحاة ولا سكارى. (﴿لَا تَقْرَبُوا﴾) إذا قيل: لا تقرب، بفتح الراء كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدنوا منه، والخطاب

стр. 9852

لجماعة الأمة الصاحين، وأما السكران إذا عدم التمييز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله، وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه، ويتفكر ما صنع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه بها قبل السكر (﴿الصَّلَاةَ﴾) اختلفوا في المراد بهذِه الصلاة، فقال أبو حنيفة وغيره: هي العبادة المعروفة بعينها (١). ولذلك قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. وقال الشافعي (٢) وغيره (٣): المراد مواضع الصلاة، فحذف المضاف (كما قال) (٤) تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ (٥) فسمى مواضع الصلاة: صلاة، ويدل على هذا قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ فهذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا للصلاة فيه (﴿وَأَنْتُمْ﴾) فهذِه الواو الداخلة على الجملة الاسمية هي واو الحال من ﴿تَقْرَبُوا﴾ و (﴿سُكَارَى﴾) جمع سكران مثل كسلان وكسالى، وقرأ النخعي: سكرى. بفتح السين على مثال: فعلى (٦) (﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾) أي: حتى تعلموه مستبين من غير غلط، فالسكران لا يعلم ما يقول، ولذلك قال عثمان: لا يقع طلاق السكران (٧).

стр. 9853

(فكان منادي رسول الله ﷺ ) وهو المؤذن (إذا أقيمت الصلاة) أي: إذا أراد أن يقيم الصلاة (ينادي: ألا) يا قوم (لا يقربن) بفتح الموحدة وتشديد نون التأكيد (الصلاة) أحد (سكران) لفظ النسائي: فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (١). وهذا اللفظ أقرب إلى لفظ القرآن من لفظ المصنف. قال ابن المنذر: إذا خلط في قراءته فهو سكران؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢). وإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول فيجتنب المسجد مخافة التلويث ولا تصح صلاته، فإن صلى في هذِه الحال قضى، وإن كان بحيث يعلم ما يقول فأتى بالصلاة فحكمه حكم الصاحي. وقال أحمد: إذا تغير عقله عن حال الصحة فهو سكران (٣). وحكي نحوه عن مالك (٤). (فدعي عمر فقرئت عليه) هذِه الآية (فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء) كما تقدم (فنزلت هذِه الآية) زاد النسائي: التي في المائدة (٥).

стр. 9854

بينها الترمذي في روايته فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾) (١) (٢). لفظه لفظ استفهام ومعناه الأمر. أي: انتهوا، وفي لفظ الاستفهام إشارة إلى مبالغة في النهي وتهديد شديد، وأن التقدير: انتهوا فإن لم تنتهوا وقع بكم العذاب. ولهذا كان هذا أبلغ من قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، قال الفراء: ردد عليَّ أعرابي: هل أنت ساكت .. هل أنت ساكت؟ وهو يريد: اسكت اسكت (٣). ولما علم عمر ﵁ أن هذا وعيد شديد زائد على معنى: انتهوا، (فقال عمر: انتهينا) ربنا انتهينا. وفي رواية الترمذي والنسائيُّ: انتهينا انتهينا (٤). مرتين. ولما قال عمر ذلك أمر رسول الله ﷺ مناديه أن ينادي في سكك المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت. فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة (٥). [٣٦٧١] (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) بن عيينة (حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب (السُّلمي) بضم السين وفتح اللام، نسبة إلى سليم بن منصور بن

стр. 9855

عكرمة بن خصفة (١) بن قيس عيلان من مضر قبيلة مشهورة (عن علي ﵁ أن رجلًا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن). بنصب (عبد) عطف (٢) على الضمير المنصوب قبله، والتقدير: دعاه ودعا عبد الرحمن (بن عوف فسقاهما) من الخمر (قبل أن تحرم) توضحه رواية الترمذي عن علي ﵁ قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني (٣) (فأمهم علي في المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون) فيه دليل على استحباب قراءة (٤) الكافرون و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في صلاة المغرب في الأولى والثانية، فإنَّه لم يستعملها في هذِه الحال إلا لكثرة استعمالها في حال الكمال، فحملته العادة على قراءتها (فخلط) بفتح اللام فيها، كما في رواية الترمذي قرأت: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٥) ونحن نعبد ما تعبدون (فنزلت) هذِه الآية: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾) (٦). استدل الغزالي بهذِه الآية على اشتراط الخشوع في الصلاة. قال: قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ تعليل لنهي السكران عن الدخول فيها

стр. 9856

حال السكر. وهذِه العلة مطردة في الغافل المستغرق الهم بالوساوس وأفكار الدنيا (١). [٣٦٧٢] (حدثنا أحمد بن محمَّد) بن ثابت بن شبويه (المروزي) بفتح الواو نسبة إلى مرو، من كبار الأئمة (حدثنا علي بن حسين) بن واقد المروزي، ضعفه أبو حاتم (٢)، وقواه غيره (عن أبيه) الحسين بن واقد، قاضي مرو، قال ابن المبارك: من مثله! وثقه ابن معين وغيره، أخرج له مسلم (٣) (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي) المروزي المتقن (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ و) قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ كما تقدم، (نسختها) الآية (التي في) سورة (المائدة) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ قيل: هي الأصنام، وقيل: هي النرد والشطرنج (٤) (الآية) يعني: ﴿وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والأمر باجتنابه يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من وجوه الخمر، ولا بحال من حالاته، فلهذا كانت ناسخة لشربها في غير وقت الصلاة وحالة السكر، وللمنافع التي كانت ينتفع بها في أثمانها، كما تقدم، فقد نسخت هذِه الآية شربها في غير وقت

стр. 9857

الصلاة، فلا ينتفع بها بشرب في وقت من الأوقات، ولا في (١) حال من الأحوال ولا في بيع وأخذ ثمن، ولا بعد تخليل ومداواة وغير ذلك، وعلى ذلك جاءت الأحاديث الواردة في الباب، كما سيأتي. [٣٦٧٣] (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري، قاضي مكة (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك ﵁ (قال: كنت ساقي القوم) جماعة الرجال دون النساء (حيث) للمكان الذي (حرمت) فيه، وحين للوقت الذي حرمت فيه (الخمر) وكان ذلك (في منزل أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي النجاري المدني (وما شرابنا يومئذ) أي: يوم حرمت الخمر فيه (إلا الفضيخ) بالضاد والخاء المعجمتين، وهو شراب يتخذ من البسر المفضوخ. أي: المشدوخ يتخذ من البسر وحده من غير أن تمسه نار فيفضخ البسر. أي: يشدخ ويصب عليه الماء ويترك حتى يغلي ثمَّ يشرب، فإن (٢) كان معه تمر فهو الخليط (فدخل علينا رجل فقال: إن الخمر قد حرمت) بضم الحاء وكسر الراء المشددة. أي: حرمها الله ورسوله (ونادى منادي رسول الله ﷺ ) بتحريمها في سكك المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت (فقلنا: هذا منادي رسول الله ﷺ ) فيه: دليل على جواز العمل بخبر الواحد المنادي كما في القبلة، حيث كان استقبال القبلة مقطوعًا به من الشريعة عندهم، ثمَّ إن أهل قباء لما أتاهم الآتي فأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام فقبلوا قوله واستداروا

стр. 9858

نحو الكعبة (١)، وتركوا المقطوع المتواتر بخبر الواحد (٢) المظنون. وفيه: أن الحكم إذا تغير يُعلِم الإمام ذلك بمناد ينادي في سكك المدينة، أو يعلمهم الإمام في الخطبة كما في تحويل الكعبة، وكذا إذا تجدد حكم من أحكام الشريعة، كما إذا رأى الإمام الاستسقاء عند احتياج الناس، يأمرهم بمناد ينادي في سكك المدينة وفي الأسواق بأن يصوموا ثلاثة أيام، ويخرجوا إلى الصلاة في اليوم الرابع، أو يعلمهم في الخطبة ويرسل من يعلم القرى التي حول البلد بذلك، ولم أجد من صرح في الصيام بالمنادي ولا بالخطبة من أصحابنا. قال القرطبي: فيه أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل منزلة سماعه (٣).

стр. 9859

٢ - باب العِنَبِ يُعْصَرُ لِلْخَمْرِ ٣٦٧٤ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبي عَلْقَمَةَ مَوْلاهُمْ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الغافِقيِّ أَنَّهُما سَمِعا ابن عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَشارِبَها وَساقِيَها وَبائِعَها وَمُبْتاعَها وَعاصِرَها وَمُعْتَصِرَها وَحامِلَها والمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ" (١). * * * باب العنب يعصر للخمر [٣٦٧٤] حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح) الرؤاسي. (عن عبد العزيز بن عمر) بن عبد العزيز. (عن أبي علقمة مولاهم) أي: مولى بني أمية، وأخرجه ابن ماجه إلا أنَّه قال: أبو طعمة (٢). قال في "تهذيب الكمال": وهو الصواب (٣). وأبو طعمة هذا اسمه: هلال مولى عمر بن عبد العزيز، أصله من الشام، سكن مصر، وكان يقضي بها، روى عن مولاه عمر بن عبد العزيز، وروى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. (وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي) بغين معجمة وفاء وقاف مكسورتين، نسبة إلى غافق بن عمرو بن بكر بن مازن بن الأزد، وكان عبد الرحمن أمير الأندلس، قتلته الروم بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة (أنهما سمعا) عبد الله (ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : لعن

стр. 9860

الله الخمر) ورواية ابن ماجه: "لعنت الخمر .. بعينها" (١). وفي رواية له (٢): لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة (٣). وكذا للترمذي، وعد من العشرة: آكل ثمنها (٤). (وشاربها) أي: شارب شيء منها، قليلًا كان أو كثيرًا، درديًّا كان أو ثخينًا حتى لو ثرد فيه خبزًا وأكله دخل في اللعنة وحُدَّ. (وساقيها) بنصب الياء وإن لم يشرب منها فعليه إثم الإعانة على المعصية، وإن شرب منها مع السقي فعليه إثمان. (وبائعها ومبتاعها) وفي الترمذي: بائعها وآكل ثمنها والمشتري والمشترى له (٥). [ويدخل في البائع من يعرضها للبيع وإن لم يتول عقد البيع، وفي لعن المشتري والمشترى له] (٦) دليل على تحريم تعاطي العقود الفاسدة من بيع وإجارة ومساقاة وغير ذلك من العقود. (وعاصرها) بقصد الخمرية (ومعتصرها) زاد ابن ماجه: فذكر عاصرها ومعتصرها والمعصورة له (٧). فيشبه أن يراد بالعاصر والمعتصر من يطلب عصرها وإن لم يباشره بيده، والثاني: من يتولى العصر بنفسه (وحاملها) بنفسه أو بدوابه من بغال وحمير وإبل (والمحمولة له) إذا طلب ذلك، ويدخل في معنى ذلك حاضر شربها وكاتب مبايعتها والشاهد عليه، ويدخل في ذلك كل من أعان على محرم.

стр. 9861

٣ - باب ما جاءَ في الخَمْرِ تُخَلَّلُ ٣٦٧٥ - حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيانَ، عَنِ السُّدّيِّ، عَنْ أَبي هُبَيْرَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ أَبا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ أَيْتامٍ وَرِثُوا خَمْرًا قَالَ: "أَهْرِقْها". قَالَ: أَفَلا أَجْعَلُها خَلاٍّ؟ قَالَ: "لا" (١). * * * باب في الخمر تخلل [٣٦٧٥] (حدثنا زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري، (عن) إسماعيل بن عبد الرحمن (السدي) سمي بذلك لقعوده بسدة جامع الكوفة، وهو: أبو محمَّد الأعور، أصله (٢) حجازي ثمَّ انتقل إلى الكوفة، أخرج له مسلم، ويعرف هذا بالسدي الكبير، [وأما السدي الصغير] (٣) فهو: محمَّد بن مروان بن إسماعيل بن عبد الرحمن (٤)، يروي عن الكلبي صاحب "التفسير". (عن أبي هبيرة) (٥) يحيى بن عباد الأنصاري (عن أنس بن مالك ﵁

стр. 9862

أن أبا طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا) والخمر نجس محرم الانتفاع به، فلا ينتقل بالإرث إلى ملك الوارث، لكن لو خلف خمرًا فلم يرق حتى تخلل بنفسه، فالظاهر أنَّه يدخل في الميراث، كما لو خلف جلد ميتة فدبغ (قال: أهرقها) بسكون الهاء وكسر الراء. فيه: دليل على أن الخمر لا يجوز اقتناؤها ولا تُملك، بل تراق في الحال كما هو مذهب الشافعي (١)، ولا يجوز لأحد الانتفاع بها، ولا التصرف فيها إلا بالإراقة. قال القرطبي: قال بعض أصحابنا: تملك، وليس بصحيح (٢). (قال: أفلا أجعلها خلًّا) رواية أحمد أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ فقال: عندي خمور لأيتام، فقال: "أرقها". قال: ألا أخللها؟ قال: "لا" (٣). فيه: دليل للشافعي والجمهور على أنَّه لا يجوز تخليل الخمر ولا تطهر بالتخليل، هذا إذا خللها بخبز أو بصل أو خميرة أو غير ذلك مما يلقى فيها وهي باقية على نجاستها وينجس ما ألقي فيها، ولا يطهر هذا الخل بعده أبدًا لا بغسل ولا بغيره، أما إذا نقلت من شمس إلى ظل، أو من ظل إلى شمس، فأصح الوجهين لأصحابنا (٤): تطهر (٥).

стр. 9863

وقال الأوزاعي والليث وأبو حنيفة: تطهر إذا خللت بإلقاء شيء فيها (١). وعن مالك ثلاث روايات أصحها أن التخليل حرام، فلو خللها عصى وطهرت (٢). قال القرطبي: كيف يصح لأبي حنيفة القول بالتخليل مع هذا الحديث ومع سببه الذي خرج عليه؟ ! إذ لو كان جائزًا لكان قد ضيع على الأيتام مالهم، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم، وهو أبو طلحة ﵁ (٣).

стр. 9864

٤ - باب الخَمْرِ مِمّا هُوَ ٣٦٧٦ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنا إِسْرائِيلُ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ العِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا وَإِنَّ مِنَ العَسَلِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ البُرِّ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا" (١). ٣٦٧٧ - حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ أَبُو غَسّانَ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الفُضَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبي حَرِيزٍ أَنَّ عامِرًا حَدَّثَهُ أَنَّ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الخَمْرَ مِنَ العَصِيرِ والزَّبِيبِ والتَّمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ وَإِنّي أَنْهاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ" (٢). ٣٦٧٨ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أَبانُ حَدَّثَني يَحْيَى، عَنْ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الخَمْرُ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنَبَةِ". قَالَ أَبُو داوُدَ: اسْمُ أَبي كَثِيرٍ الغُبَريِّ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُفَيْلَةَ السَّحْميُّ. وقالَ بَعْضُهُمْ: أُذَيْنَةُ والصَّوابُ غُفَيْلَةُ (٣). * * * باب الخمر مما هو؟ [٣٦٧٦] (حدثنا الحسن بن علي) الخلال (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي (حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن

стр. 9865

مهاجر) البجلي الكوفي، قال ابن المديني: له نحو أربعين حديثًا. قال أحمد: لا بأس به. وقال النسائي ويحيى القطان: ليس بالقوي (١). (عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال رسول الله ﷺ : إن من العنب) يتخذ (خمرًا) يسكر، وهذا مما انعقد الإجماع على تحريمه، كثيره وقليله (وإن من التمر) يتخذ أيضًا (خمرًا) هذا مما وقع الإجماع عليه أيضًا ما لم يطبخ حتى ثلثاه، فيأتي فيه الخلاف (وإن من العسل خمرًا) [تقدم أن خمر أهل اليمن من العسل، وهو الذي يسمى البتع (وإن من البر خمرًا)] (٢) أيضًا (وإن من الشعير خمرًا) وهو المسمى بالمزر، وفي هذا الحديث وما بعده مبطل لما نقل عن أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذًا (٣). قال القرطبي: وهذا مخالف للغة والسنة، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا في تحريم المعتصر من العنب وغيره ولا سألوا عنه إذ لم يشكل عليهم، فإن اللسان لسانهم والقرآن نزل بلغتهم، ولو كان في ذلك شك لتوقفوا في الإراقة (٤). [٣٦٧٧] (حدثنا مالك بن عبد الواحد) أبو غسان المسمعي، شيخ مسلم (حدثنا المعتمر قال: قرأت على الفضيل) بالتصغير (بن ميسرة)

стр. 9866

العقيلي، أخرج له النسائي وابن ماجه (عن أبي حريز) بفتح الحاء المهملة وزاي معجمة آخره، واسمه عبد الله بن الحسين الأزدي الكوفي قاضي سجستان، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة الرازي، واستشهد به البخاري. (أن عامرًا) يعني ابن شراحيل الشعبي (حدثه أن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الخمر) يستخرج (من العصير) عصير العنب، فهو فعيل بمعنى مفعول (والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير) بفتح الشين، وكسرها لغة (والذرة) بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء المهملة، نوع من القطاني معروف، ولامها محذوفة، والأصل: ذرو أو ذري، فحذفت لام الكلمة وعوض عنها الهاء. (وإني أنهاكم عن كل مسكر) ذهب الجمهور من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه فهو منهي عنه، محرم شربه، قليلًا كان أو كثيرًا، نيًّا كان أو مطبوخًا، وأن من شرب شيئًا من ذلك حُدَّ حدّ الخمر (١). [٣٦٧٨] (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (حدثنا أبان) ابن يزيد العطار، أخرج له مسلم (حدثني يحيى) بن أبي كثير (عن أبي كثير) يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة الغبري السحيمي (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال) إن (الخمر من هاتين الشجرتين) العرب تسمي ما طلع على وجه الأرض من النبات: النجم، وما كان له ساق وأغصان: شجر (٢). سمي بذلك لاختلاف بعضه في بعض وتداخله،

стр. 9867

ومنه: شجر بينهم كلام. أي: اختلط (يعني) لفظ (يعني) يدلّ على أن تفسير الشجرتين ليس من الحديث، وتبين أن رواية مسلم والترمذي وابن ماجه مدرج في آخر الحديث (النخلة والعنبة) (١) وليس فيه نفي الخمرية عن نبيذ الحنطة والشعير والذرة وغير ذلك، فقد ثبت فيها أحاديث صحيحة في البخاري وغيره (٢) بأنها كلها خمر وحرام، بل خص في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر؛ لأنَّ أكثر الخمر منهما، وأغلى الخمر وأنفسه عند أهله منهما، وهذا نحو قولهم: المال الإبل. أي: أكثرها وأعمها. والحج عرفة.

стр. 9868

٥ - باب النَّهْي عَنِ المُسْكِرِ ٣٦٧٩ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى - في آخَرِينَ - قالُوا: حَدَّثَنا حَمّادٌ -يَعْني: ابن زَيْدٍ - عَنْ أيُّوبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وَمَنْ ماتَ وَهُوَ يَشْرَبُ الخَمْرَ يُدْمِنُها لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ" (١). ٣٦٨٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ النَّيْسابُوريُّ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ عُمَرَ الصَّنْعانيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمانَ يَقُولُ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مُخَمِّرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلاتُهُ أَرْبَعِينَ صَباحًا فَإِنْ تابَ تابَ اللهُ عَلَيْهِ فَإِنْ عادَ الرّابِعَةَ كانَ حَقّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبالِ". قِيلَ وَما طِينَةُ الخَبالِ يا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النّارِ وَمَنْ سَقاهُ صَغِيرًا لا يَعْرِفُ حَلالَهُ مِنْ حَرامِهِ كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبالِ" (٢). ٣٦٨١ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ -يَعْني: ابن جَعْفَرٍ- عَنْ داوُدَ بْنِ بَكْرِ ابْنِ أَبي الفُراتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ" (٣). ٣٦٨٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ فَقالَ: "كُلُّ

стр. 9869

شَرابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرامٌ" (١). قالَ أَبُو داوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الجُرْجُسيِّ: حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْديِّ، عَنِ الزُّهْريِّ بهذا الَحدِيثِ بإِسْنادِهِ زادَ والبِتْعُ نَبِيذُ العَسَلِ كانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ. قالَ أَبُو داوُدَ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ لا إله إِلَّا اللَّه ما كانَ أَثْبَتَهُ ما كانَ فِيهِمْ مِثْلُهُ يَعْنِي: في أَهْلِ حِمْصَ يَعْني الجُرْجُسيَّ. ٣٦٨٣ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّريِّ، حَدَّثَنا عَبْدَةُ، عَنْ محَمَّدٍ -يَعْني: ابن إِسْحاقَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَنيِّ، عَنْ دَيْلَم الِحمْيَريِّ قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنّا بِأَرْضٍ بارِدَةٍ نُعالِجُ فِيها عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنّا نَتَّخِذُ شَرابًا مِنْ هذا القَمْحِ نَتَقَوى بِهِ عَلَى أَعْمالِنا وَعَلَى بَرْدِ بِلادِنا. قالَ: "هَلْ يُسْكِرُ". قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: "فاجْتَنِبُوهُ". قالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ النّاسَ غَيْرُ تارِكِيهِ. قالَ: "فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَقاتِلُوهُمْ" (٢). ٣٦٨٤ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى قالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ عنْ شَرابٍ مِنَ العَسَلِ فَقالَ: "ذَاكَ البِتْعُ". قُلْتُ: وَيُنْتَبَذُ مِنَ الشَّعِيرِ والذُّرَةِ. فَقالَ: "ذاكَ المِزْرُ". ثُمَّ قالَ: "أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ" (٣). ٣٦٨٥ - حَدَّثَنا موسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ نَبيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ والكُوبَةِ والغُبَيْراءِ وقالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ".

стр. 9870

قالَ أَبو داوُدَ: قالَ ابن سَلامٍ أَبُو عُبَيْدٍ الغُبَيْراءُ السُّكُرْكَةُ تُعْمَل مِنَ الذُّرَةِ شَرابٌ يَعْمَلُهُ الحَبَشَةُ (١). ٣٦٨٦ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا أَبُو شِهابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الفُقَيْميِّ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عْتَيْبَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ (٢). ٣٦٨٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَمُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ قالا: حَدَّثَنا مَهْديٌّ -يَعْني: ابن مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمانَ قالَ: مُوسَى هوَ عَمْرو بْنُ سَلْمٍ الأَنْصاريُّ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: سَمِعْت رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وَما أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرْقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرامٌ" (٣). * * * باب النهي عن المسكر [٣٦٧٩] (حدثنا) أبو الربيع (سليمان بن داود) العتكي الزهراني شيخ الشيخين (ومحمد بن عيسى في) جماعة (آخرين قالوا: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال رسول اللَّه ﷺ : كل مسكر) في رواية لمسلم: "كل مسكر أسكر عن الصلاة" (٤).

стр. 9871

أي: صد عنها بما وجد فيه من صفة السكر، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (١) (خمر) اتفق أصحابنا على أن كل ما أسكر من جميع الأنبذة يسمى خمرًا، لكن قال أكثرهم: هو مجاز، وإنما حقيقة الخمر: عصير العنب. وقال بعضهم: هو حقيقة، وظاهر الأحاديث (وكل مسكر حرام) ولمسلم في رواية: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (٢) فنتج من هاتين المقدمتين: أن كل مسكر حرام، وشربه من الكبائر الموجبة للحد (ومن مات وهو) هذِه الواو واو الحال وجملة: هو (يشرب) في موضع نصب على الحال، أي: من مات حال شربه (الخمر) وكان (يدمنها) لفظ مسلم: "ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها" (٣)، وروى ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عباس قال رسول اللَّه ﷺ : "من لقي اللَّه مدمن خمر، لقيه كعابد وثن" (٤)، ومدمن الخمر هو الذي يعاقر شربها ويلازمه ولا ينفك عنه، وهذا تغليظ في أمرها وفي تحريمه والتحذير منه (لم يشربها في الآخرة) زاد البيهقي في روايته بلفظ: "لم يشربها في الآخرة وإن دخل الجنة" (٥). وظاهره تأبيد عدم الشرب وإن دخل الجنة، فيشرب جميع أشربة الجنة من ماء، وعسل، ولبن ولا يشرب الخمر، لكن مع ذلك لا يتألم لعدم شربها ولا يتنغص من فقدها، فإن الجنة محل مطهر منزه عن ذلك كله، وإنما

стр. 9872

يكون هذا مع فقد (شرب الخمر) (١) كحاله مع المنازل التي رفع بها غيره عليه مع علمه برفعها، وأن صاحبها أعلى منه درجة وأفضل منه عند اللَّه، ومع ذلك فلا يحسد هذا الذي هو أعلى منه، ولا يتألم لشيء من ذلك استغناء بالذي أعطيه من الخير الكثير؛ لأن اللَّه تعالى قد طهرهم من كل نقص وصفة مذمومة؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ (٢) وقال بهذا المعنى جماعة من العلماء. وقيل: ينسى خمر الجنة. وقيل: لا يشتهيها وإن ذكرها. كما أن من وفقه اللَّه في الدنيا لا يشتهي الملابس الفاخرة، والمآكل اللذيذة وإن ذكرها، وكل ذلك محتمل والأول أولى، وقيل: معنى الحديث أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار حتى يسقى طينة الخبال كما سيأتي، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة، وأدخل الجنة لم يحرم شيئًا منها لا خمرًا ولا غيره، فإن حرمان شيء من لذات الجنة عقوبة، والجنة منزهة عن العقوبة بوجه من الوجوه. [٣٦٨٠] (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد سابور القشيري مولاهم، شيخ الجماعة، سوى ابن ماجه (النيسابوري) بفتح النون: نسبة إلى نيسابور أحسن مدن خراسان وأجمعها للخيرات، وقيل لها: نيسابور؛ لأن سابور لما نزلها قال: يصلح أن يكون هاهنا مدينة [وكانت قصبًا فأمر بقطع القصب وأن تبنى مدينة] (٣)، فسميت

стр. 9873

نيسابور؛ لأن الني: القصب، وقد جمع الحاكم (١) تاريخ علمائها في ثماني مجلدات. (قال: حدثنا إبراهيم بن عمر) ابن كيسان (٢)، ثقة (الصنعاني) بفتح الصاد وكسر النون بعد الألف، نسبة إلى صنعاء مدينة باليمن مشهورة، كان اسمها في القديم: أزال، فلما وافتها الحبشة رأوها حصينة مبنية بالحجارة، فقالوا: صنعة. أي: حصنة، فسميت صنعاء يعني: حصينة، وأهلها يقولون في الإسلام: إنها القرية المحفوظة، والذي أسس عمدانها وابتدأ بنيانها سام بن نوح ﵇. (قال: سمعت النعمان) بن أبي شيبة عبيد الجندي، ثقة (يقول: عن طاوس) القراء (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: كل مخمر) بضم الميم، وفتح الخاء، وتشديد الميم الثانية المفتوحة، أي: كل شيء خمر، أي: غطي وترك حتى تغير ريحها، يقال: اختمر الشيء وتخمر؛ إذا تغير ريحه عندما ترك فهو (خمر) مسكر (وكل مسكر) فهو (حرام) يحد شاربه قليلًا ما شربه أو كثيرًا (ومن شرب مسكرًا بخست) بضم الموحدة، وكسر الخاء المعجمة، أي: نقصت صلاته. أي: نقص ثوابها وأجرها، يقال: بخسه حقه إذا نقصه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٣) ومنه الحديث: "يأتي على

стр. 9874

الناس زمان يستحل فيه الربا بالبيع، والخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة" (١). أي: يستحل فيه الربا باسم البيع المسمى بالعينة وغيرها، ويستحل فيه شرب الخمر باسم النبيذ الذي ينبذ في الماء للشرب، ويبخس فيه الولاة الناس بما يأخذونه باسم العشر، فيأخذون فيه المكس باسم عشر الزكاة واسم الصدقة كما هو مشاهد، فنسأل اللَّه تعالى العافية. (صلاته (٢) أربعين صباحًا) ونحوه رواية أحمد عن أسماء بنت يزيد بلفظ: "من شرب الخمر لم يرض اللَّه عنه أربعين ليلة، فإن مات مات كافرًا" (٣)، وللأصبهاني عن عائشة: "من شرب الخمر سخط اللَّه عليه أربعين صباحًا" (٤)، وتخصص بهذا العدد -واللَّه أعلم- أن تأثير الشرب يستمر في الجسد أربعين صباحًا، وبعدها لا يبقى في الجسد منه أثر.

стр. 9875

(فإن تاب) من شربه المحرم (تاب اللَّه تعالى عليه، فإن عاد) زاد الأصبهاني (١): "فمثل ذلك، وما يدريه لعل منيته تكون في تلك الليالي، فإن عاد سخط اللَّه عليه أربعين صباحًا، [وما يدريه لعل منيته تكون في تلك الليالي، فإن عاد سخط اللَّه عليه أربعين صباحًا] (٢) فهذِه عشرون ومائة ليلة، فإن عاد" (٣) (في الرابعة كان حقَّا على اللَّه تعالى أن يسقيه) بفتح أوله، ويجوز الضم (٤)؛ لأن سقى وأسقى بمعنى واحد، وقرئ بهما (٥)، وقيل: سقيته؛ ناولته ليشرب. وأسقيته؛ جعلت له سقيا يشرب منه (من طينة الخبال) بفتح الخاء المعجمة والموحدة المخففة، يعني: يوم القيامة كما في رواية (٦). (قيل: وما طينة الخبال يا رسول اللَّه؟ قال: صديد أهل النار) ولمسلم والنسائي قال: "عرق أهل النار". أو "عصارة أهل النار" (٧)، والخبال في الأصل: الفساد، وهو يكون في الأفعال والأبدان والعقول، والخبْل
следующие страницы →