← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

١٣ - باب في النَّبِيذِ إِذا غَلَى ٣٧١٦ - حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، حَدَّثَنا صَدَقَةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ واقِدٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَصُومُ، فَتَحيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ في دُبّاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ فَإذا هُوَ يَنِشُّ فَقالَ: "اضْرِبْ بهذا الحائِطَ فَإِنَّ هذا شَرابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ" (١). * * * باب في النبيذ إذا غلى [٣٧١٦] (حدثنا هشام بن عمار) أبو الوليد السلمي الدمشقي، خطيب دمشق وعالمها، شيخ البخاري (حدثنا صدقة بن خالد) القرشي الدمشقي، [مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان، قاله البخاري وأبو حاتم (٢)، وأخرج له البخاري. (حدثنا زيد بن واقد) القرشي الدمشقي] (٣)، أخرج له البخاري. (عن خالد بن عبد اللَّه بن حسين) الأموي، مولاهم، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤). (عن أبي هريرة ﵁ قال: علمت أن رسول اللَّه ﷺ كان يصوم) زاد النسائي: في بعض الأيام التي كان يصومها (٥).

стр. 9942

(فتحينت) أي: طلبت حين وقت (فطره) أي: فطوره، فجئته في وقت فطوره (بنبيذ) ولفظ ابن ماجه: بنبيذ جر (١). (صنعته في دباء) أي: قرع. (ثم أتيته) (٢) به، فإذا هو يَنِش) بفتح الياء وكسر النون، وفي الحديث: "النبيذ إذا نش فلا يشرب" (٣). أي: إذا غلى، يقال: نشت الخمر تنش نشِيشًا إذا غلت، وللنسائي زيادة بلفظ: فلما كان المساء جئته أحملها إليه، فقلت: يا رسول اللَّه، إني قد علمت أنك تصوم في هذا اليوم، فتحينت فطرك بهذا النبيذ. فقال: "أدنه مني يا أبا هريرة". فرفعته إليه، فإذا هو ينش، فقال: "خذ هذِه و" (٤) (اضرب بهذا الحائط) أي: اصببه وأرقه في البستان، وهو الحائط. (فإن هذا شراب من لا يؤمن باللَّه و) لا بـ (اليوم الآخر) أي: الشراب المسكر حرام، يشربه من لا يلتزم شرائع الإسلام ويصدق بهما. * * *

стр. 9943

١٤ - باب في الشُّرْبِ قائِمًا ٣٧١٧ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا هِشامٌ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قائِمًا (١). ٣٧١٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدامٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ أَنَّ عَلِيًّا دَعا بِماءٍ فَشَرِبَهُ وَهُوَ قائِمٌ، ثُمَّ قالَ: إِنَّ رِجالًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَفْعَلَ هذا وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ مِثْلَ ما رَأَيْتُمُوني أَفْعَلُهُ (٢). * * * باب في الشرب قائمًا [٣٧١٧] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (حدثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة، عن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يشرب الرجل) وكذا المرأة (قائمًا) وكذا لا يشرب مضطجعًا. قال القرطبي: لم يصر (٣) أحد من العلماء فيما علمت إلى أن هذا النهي للتحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية، وإنما حمله بعض العلماء على الكراهة. والجمهور على جواز الشرب قائمًا فمن (٤) السلف أبو بكر (٥) وعمر (٦)

стр. 9944

وعلي (١)، وجمهور الفقهاء والشافعي ومالك متمسكين في ذلك بشرب النبي ﷺ من زمزم قائمًا (٢)، وبشرب علي -كما سيأتي في الحديث بعده- وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخرًا عن أحاديث النهي، فإنه كان في حجة الوداع، فهو ناسخ، وحقق ذلك حكم الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويبعد أن تخفى عليهم هذِه الأحاديث مع كثرة علمهم وملازمتهم للنبي ﷺ وتشددهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر (٣). [٣٧١٨] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) بن سعيد (عن مسعر بن كِدَام) بكسر الكاف وتخفيف الدال المهملة (٤) (عن عبد الملك (٥) بن ميسرة) الهلالي الكوفي (عن النَّزَّال) بالنون والزاي المشددة (بن سَبْرة) بفتح المهملة وسكون الموحدة، وهؤلاء الثلاثة كلهم هلاليون (أن عليًّا ﵁ دعا بماء) وهو على باب الرحبة كما في البخاري (٦)، والرحْبة -بسكون الحاء المهملة-: الساحة، والمراد بها ساحة مسجد الكوفة.

стр. 9945

(فشربه وهو قائم) هذا يدل على أن النهي في الحديث قبله ليس على وجه التحريم، بل على سبيل التأديب والإرشاد، وقد روي في سبب نهيه عن ذلك خبر في إسناده نظر، روي نهيه عن إسحاق بن مالك عن محمد ابن إبراهيم، عن الحارث بن فضيل، عن جعفر بن عبد اللَّه، عن ابن عمر: قال النبي ﷺ : "من أصابه الجن في إحدى ثلاث: وهو يشرب قائمًا، أو يمشي في نعل واحد، أو يشبك بين أصابعه. . " (١). قال ابن بطال: وهذا وإن كان لا يعتمد عليه لضعفه. وروي عن النخعي أنه قال: إنما أكره الشرب قائمًا مخافة أن يأخذ منه داء البطن (٢). (وقال: إن رجالًا يكره أحدهم أن يفعل) لفظ البخاري: أن يشرب وهو قائم (٣). انتهى، وممن كرهه أنس (٤) وأبو هريرة، وبه قال الحسن البصري (٥) (وقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل مثل ما رأيتموني أفعله) أي: يشرب وهو قائم كما رأيتموني أشرب. من حمل الحديث الذي قبله على [النهي يقول] (٦): النهي عن

стр. 9946

الشرب قائمًا إنما كان لئلا يستعجل الشارب؛ فيغب؛ فيأخذه الكباد أو يأخذه في الحلق أو في المعدة شيء، وحيث شرب النبي ﷺ قائمًا فإنه أمن من ذلك أو دعته إلى ذلك ضرورة أو حاجة، لا سيما وقد كان على زمزم، وهو موضع مزدحم الناس. أو فعل ذلك ليري الناس أنه ليس بصائم؛ أو لأن شرب ماء زمزم ذلك الوقت مندوب إليه، أو شربه للتبرك به. * * *

стр. 9947

١٥ - باب الشَّرابِ مِنْ فِيِّ السِّقاءِ ٣٧١٩ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا قَتادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّربِ مِنْ في السِّقاءِ وَعَنْ رُكُوبِ الجَلَّالَةِ والمُجَثَّمَةِ. قالَ أَبُو داوُدَ: الجَلَّالَةُ التي تَأْكُلُ العَذِرَةَ (١). * * * باب في الشرب من فِي السقاء [٣٧١٩] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد) بن سلمة (أنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الشرب من) فم القربة أو (في السقاء) قيل: الفرق بينهما أن السقاء للَّبن والقربة للماء. قال ابن بطال: روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا شرب من في السقاء، فانساب جان في بطنه؛ فنهى رسول اللَّه ﷺ عن ذلك (٢). وهو نهي إرشاد وأدب خوفًا مما ذكر، وليس هو نهي تحريم. (و) نهى (عن ركوب الجلالة) وكذا عن أكل لحومها وشرب ألبانها؛ لما رواه المصنف (٣) وغيره (٤)، وفي رواية للبيهقي في تفسير الجلالة

стр. 9948

بلفظ: نهى أن يشرب من في السقاء. وعن المجثمة والجلالة، وهي التي تأكل العذرة (١) قال الحافظ ابن حجر: وإسناده قوي (٢). قال في "النهاية": الجلة: البعر فوضع موضع العذرة، يقال: جلت الدابة الجلة واجتلتها، فهي جالة (٣) إذا التقطتها (٤)، والنهي عن ركوب الجلالة لما يكثر من أكلها العذرة والبعر، وتكثر النجاسة على أجسامها وأفواهها، وتلمس راكبها بفمها، وثوبه بعرقها وفيه أثر العذرة أو البعر؛ فيتنجس راكبها غالبًا. وهذا النهي في ركوب الجلالة محمول على الكراهة؛ حيث لا حائل. ولا خلاف أن الركوب عليها ليس بحرام، سواء أصابه شيء من عرقها أم لا، قاله أصحابنا (٥). ونهى عن (المجثمة) ضبطها بعضهم بسكون الجيم، مع التخفيف، وورد تفسير المجثمة في رواية البيهقي بلفظ: نهى عن أكل لحوم المجثمة، وهي المصبورة للقتل (٦).

стр. 9949

وفي "النهاية": المجثمة هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل، إلا أنها تكثر في الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض، أي: يلزمها ويلتصق بها، وجثم الطائر جثومًا، وهو بمنزلة البروك للإبل (١). * * *

стр. 9950

١٦ - باب في اخْتِناثِ الأَسْقِيَةِ ٣٧٢٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا سُفْيان، عَنِ الزُّهْريِّ أنَه سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ اخْتِناثِ الأَسْقِيَةِ (١). ٣٧٢١ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْن عَليٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنا عُبَيْد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ- عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ دَعا بِإِداوَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ فَقالَ: "اخْنُثْ فَمَ الإِداوَةِ". ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيها (٢). * * * باب في اختناث الأسقية [٣٧٢٠] (حدثنا مسدد، ثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، سمع عُبَيد اللَّه) بالتصغير (بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود، الفقيه الأعمى (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن اختناث الأسقية). الاختناث بخاء معجمة، ثم مثناة فوق، ثم نون، ثم ألف، ثم مثلثة، وقد فسره في الحديث في رواية مسلم، فقال: واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب منه. قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج ليشرب منها، وأما كسرها فهو القنع (٣). وأصل هذِه اللفظة التكسر والتثني،

стр. 9951

ومنه المخنث؛ وهو الذي يتكسر في كلامه تكسر النساء ويتثنى في مشيه كمشيهن. وقيل في هذا وفي نهيه ﵇ عن الشرب من في السقاء أن ذلك مخافة أن يتضرر منه بعض (١) الناس فيستقذره. وقيل: لما يخاف من ضرر يكون هناك. واتفقوا على أن النهي عن اختناثها نهي تنزيه لا تحريم، وسببه أنه لا يؤمن أن يكون في السقاء ما يؤذيه فيدخل في جوفه ولا يدري (٢). [٣٧٢١] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أخبرنا عبد الأعلى، حدثنا عبيد اللَّه بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أخرج له مسلم (٣)، قال الترمذي: لا أدري هل سمع من عيسى أم لا (٤). (عن عيسى بن عبد اللَّه) بن أنيس (رجل) بالجر على البدل (من الأنصار ﵃[عن أبيه) عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري، وهو غير عبد اللَّه بن أنيس الجهني، فرق بينهما علي بن المديني وخليفة بن خياط (٥) وغيرهما] (٦). (أن رسول اللَّه ﷺ دعا بإداوة) بكسر الهمزة، هي إناء صغير من جلد، يتخذ للماء، جمعها: أدَاوى. في (يوم) غزوة (أحد، فقال: ) الراوي (اخْنِثْ) بكسر الهمزة والنون (فم الإداوة)، ولفظ رواية الترمذي: رأيت النبي ﷺ قام إلى قربة معلقة، فخنثها (٧).

стр. 9952

(ثم شرب من فيها) خنثت السقاء واختنثته: إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت منه، وقبعت بالموحدة أسفل إذا ثنيته إلى داخل، من قبع القنفذ إذا أدخل رأسه واستخفى. والاختناث: تغير ريح الجلد. وقيل: النهي؛ لئلا يترشش الماء على الشارب لسعة فم السقاء، وشربه ﷺ مع الاختناث محمول على أنه علم أنه لم يكن هناك شيء يضره، وأنه لم يكن أحد يستقذر منه، بل ما يستقذر من الغير يستطاب منه ويطيب لغيره أن يتبرك به. وفي "النهاية": يحتمل أن يكون النهي خاصًّا بالسقاء الكبير دون الإداوة (١). * * *

стр. 9953

١٧ - باب في الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ القَدَحِ ٣٧٢٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن وَهْبٍ أَخْبَرَني قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ أنَّهُ قالَ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ القَدَحِ وَأَنْ يُنْفَخَ في الشَّرابِ (١). * * * باب الشرب من ثلمة القدح [٣٧٢٢] (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد اللَّه بن وهب قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن) بن حيويل المعافري، أخرج له مسلم في البيوع مقرونًا بعمرو بن الحارث (٢). (عن) محمد (ابن شهاب) الزهري (عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة) ابن مسعود الأعمى (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الشرب من ثُلمة) بضم المثلثة وسكون اللام (٣). (القدح) أي: موضع الكسر منه، وفي معناه: الأكل من موضع الكسر، وثلمة القدح: موضع الكسر منه، وإنما نهي عنه؛ لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه. وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء، وقد جاء في لفظ الحديث أنه مقعد الشيطان (٤)، وهو من إيذاء الشيطان وتلاعبه، ولعله أراد به عدم النظافة.

стр. 9954

(و) نهى (أن ينفخ في الشراب) روى النفخ في الشراب مالك في "الموطأ": أنه نهى عن النفخ في الشراب، فقال له رجل: يا رسول اللَّه، إني لا أَرْوى من نفس واحد. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "فأبن القدَحَ عن فيك، ثم تنفس". قال: فإني أرى القذاة فيه قال: "أهْرِقْها" (١). وسبب النهي عن الشراب (٢) ما يخاف أن يبدر من ريقه؛ فيقع فيه، فربما شرب بعده غيره؛ فيتأذى به. وكما ينهى عن النفخ في الشراب ينهى [عن النفخ في الطعام؛ لما روى البزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى] (٣) عن النفخ في الطعام والشراب (٤). وفي هذا كراهة النفخ في الطعام ليبرد، بل يرفع يده منه ويصبر إلى أن (٥) يسهل أكله؛ لما روى الطبراني في "الصغير" من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ أتي بصحفة تفور، فرفع يده منها وقال: "إن اللَّه لم يطعمنا نارًا" (٦). وفيه تسمية الطعام نارًا تجوزًا، لمجاورته النار. * * *

стр. 9955

١٨ - باب في الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ٣٧٢٣ - حَدَّثَنا حَفْص بْن عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابن أَبي لَيْلَى قالَ: كانَ حُذَيْفَةُ بِالمَدائِنِ فاسْتَسْقَى فَأَتاهُ دِهْقانٌ بإناءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَماهُ بِهِ وقالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ بِهِ إِلَّا أَنّي قَدْ نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ، وَعَنِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ: "هِيَ لَهُمْ في الدُّنْيا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ " (١). * * * باب الشرب في آنية الذهب والفضة [٣٧٢٣] (حدثنا حفص بن عمر) الحوضي، شيخ البخاري (ثنا شعبة، عن الحكم) (٢) بن عتيبة الكندي، مولاهم، فقيه الكوفة (عن) عبد الرحمن (ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة) بن اليمان (بالمدائن) بهمزة قبل النون، وكان عمر قد ولاه عليها (فاستسقى) أي: طلب شرابًا يشربه (فأتاه دِهقان) بكسر الدال المهملة على الأشهر (٣) كما قاله الزمخشري (٤)، منصرف وغير منصرف وجهان، وهو زعيم القرية ورئيسها ومقدم أصحاب الزراعة، وهو معرب، ونونه أصلية؛ لقولهم: تدهقن الرجل، وله دهقنة، أي رياسة، وقيل: النون زائدة، وهو من الدهق، وهو الامتلاء، من قوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ (٥).

стр. 9956

(بإناء) لفظ مسلم (١): فجاءه دهقان بشراب في إناء (من فضة). ولفظ البخارفي: فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به (٢). (فرمى به وقال: إني لم أرمه به، إلا أني قد نهيته) عنه (فلم ينته) لفظ مسلم: إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه (٣). فيه تعزير من ارتكب معصية، لاسيما إن كان قد سبق نهيه عنها كقضية الدهقان مع حذيفة، وفيه أنه لا بأس أن يعزر الإمام بنفسه بعض مستحقي التعزير. (وإن رسول اللَّه ﷺ نهى عن) لبس (الحرير والديباج) بكسر الدال وفتحها، الكسر أشهر، جمعه ديابيج، عجمي معرب، وهي الثياب المتخذة من الإبريسم، وأصله دياج، ولذلك قيل في جمعه دباييج بمثناتين من تحت. (ونهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: هي لهم) أي: للكفار (في الدنيا) والسياق يدل عليه، وليس فيه أن الكفار غير مخاطبين بالفروع الشرعية (٤)؛ لأنه لم يصرح بإباحته لهم، بل أخبر عن الواقع في العادة أنهم هم الذين يستعملونه في الدنيا، وإن كان حرامًا عليهم كما هو حرام على المسلمين، وهذا كقوله ﵇ في الحرير: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة" (٥) وهم الكفار؛

стр. 9957

لأنهم لما كان مأكولهم في أواني الذهب والفضة في الدنيا وآثروه على ما أعده اللَّه لأوليائه في الآخرة وأحبوا العاجلة ذمهم بذلك. ونهى المسلمين أن يتشبهوا بهم؛ لئلا يدخلوا في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (١)، وقال مالك بن دينار: قرأت فيما أنزل اللَّه: أن قل لأوليائي: لا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تلبسوا لباس أعدائي؛ فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي (٢). (ولكم في الآخرة) دونهم. * * *

стр. 9958

١٩ - باب في الكَرْعِ ٣٧٢٤ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يُونُس بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَني فُلَيْحٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحابِهِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ وَهوَ يُحوِّلُ الماءَ في حائِطِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنْ كانَ عِنْدَكَ ماءٌ باتَ هذِه اللَّيْلَةَ في شَنٍّ وَإِلَّا كَرَعْنا". قالَ: بَلْ عِنْدي ماءٌ باتَ في شَنٍّ (١). * * * باب في الكرع [٣٧٢٤] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يونس (٢) بن محمد) المؤدب البغدادي (حدثني فليح، عن سعيد بن الحارث) قاضي المدينة. (عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: دخل النبي ﷺ و) دخل معه (رجل من أصحابه) ولفظ البخاري: عن جابر أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له (٣). (على رجل من الأنصار) زاد البخاري: فسلم النبي ﷺ وصاحبه، فردَّ الرجل -يعني: السلام- فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ، بأبي أنت وأمي، وهي ساعة حارة (٤). انتهى. (وهو يحول الماء في حائطه) لفظ البخاري: في حائط له (٥). والتحويل هو النقل من قعر البئر إلى ظاهره وإجراء الماء من جانب إلى

стр. 9959

جانب في بستانه. (فقال) له (رسول اللَّه ﷺ : إن كان عندك ماء بات هذِه الليلة في شنٍّ) زاد ابن ماجه: "فاسقنا" (١). والشنّ والشنّة بفتح الشين المعجمة وتشديد النون هو القربة الخَلَقُ، وهي أشد تبريدًا من الجدد للماء، وفيه جواز تبريد الماء وتبييته في الأواني والأماكن التي يبرد فيها، قال المأمون: شرب الماء بالثلج يخلص الشكر للَّه تعالى (٢). (وإلا كَرَعنا) بفتح الكاف والراء، وقد تكسر الراء، يقال: كرع من النهر وغيره إذا شرب منه بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء كما تكرع البهائم؛ لأنها تدخل فيه أكارعها. قال ابن دريد: إنما يقال: كرع إذا خاض الماء وشرب منه (٣). وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: مررنا على بركة، فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تكرعوا، ولكن اغسلوا أيديكم ثم أشربوا فيها؛ فإنه ليس إناء أطيب من اليد" (٤). وفي رواية له: نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نشرب على بطوننا -وهو الكرع- ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال: "لا يلغ أحدكم

стр. 9960

كما يلغ الكلب، ولا يشرب باليد الواحدة كما شرب القوم الذين سخط اللَّه عليهم، في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (١) ولا يشرب بالليل من إناء حتى يحركه، إلا أن يكون إناءً مخمرًا، ومن شرب بيده وهو يقدر على الإناء يريد التواضع كتب اللَّه له (٢) بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى ابن مريم إذ طرح القدح زهدًا مع الدنيا" (٣). (قال: بلى عندي ماء بات في شن) زاد البخاري: فانطلق إلى العريش (٤). ولابن ماجه: وانطلقنا معه (٥). ثم قال في البخاري: فسكب في قدح ماء، ثم حلب عليه من داجن له، فشرب النبي ﷺ ، ثم أعاد، فشرب الرجل الذي جاء معه (٦). * * *

стр. 9961

٢٠ - باب في السّاقي مَتَى يَشْرَبُ ٣٧٢٥ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي المُخْتارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبي أَوْفَى أَن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "سَاقِيَ القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا" (١). ٣٧٢٦ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِماءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرابيٌّ وَعَنْ يَسارِهِ أَبُو بَكْرِ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعطى الأعْرابيَّ وقالَ: "الأَيْمَنَ فالأَيْمَنَ" (٢). ٣٧٢٧ - حَدَّثَنا مُسلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ أَبي عِصامٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذا شَرِبَ تَنَفَّسَ ثَلاثًا وقالَ: "هُوَ أَهْنَأُ وَأَمْرأُ وَأَبْرَأُ" (٣). * * * باب الساقي متى يشرب؟ [٣٧٢٥] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي، شيخ البخاري (ثنا شعبة، عن أبي المختار) سفيان بن المختار، ويقال: سفيان بن أبي حبيبة. الكوفي (عن عبد اللَّه بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال: ساقي القوم آخرهم) (٤). زاد ابن ماجه: شربًا (٥). وفي هذا الحديث إشارة من النبي ﷺ إلى أن كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين يجب عليه تقديم إصلاحهم على حظ نفسه، وأن يكون غرضه إصلاح حالهم، وجر

стр. 9962

المنفعة إليهم، ودفع المضار عنهم، والنظر لهم في دق أمورهم وجلها (١)، وتقديم مصلحتهم على مصلحته، وكذا من يفرق على القوم فاكهة أو يحز لهم بطيخًا ونحوه. فيبدأ بسقي كبير القوم أولًا، ثم بمن على يمينه واحدًا بعد واحدٍ، ثم يشرب ما بقي منهم. [٣٧٢٦] (حدثنا القعنبي) وهو (عبد اللَّه بن مسلمة) بن قعنب (عن مالك، عن) محمد (ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتي بلبن قد شيب) أي: خلط (بماء) وخلط اللبن بالماء لأجل تبريده إذا كان حارًّا، ولتكثيره ليكفي القوم وغير ذلك من الأغراض جائز، وليس هو من باب الخليطين، وأما خلطه للبيع فلا يجوز؛ لأنه غش، بل لا يجوز بيعه للجهل بمقداره، وخلط اللبن بالماء لطلب برودته، فإن ذلك اليوم كان حارًّا، ألا ترى قوله في باب الكرع: وهي ساعة حارة. فيجتمع في خلط الماء به برد اللبن مع برد الماء البائت، وفيه أنه لا بأس بشوبه بالعسل أيضًا كما يشاب بالماء. (وعن يمينه أعرابيٌّ) قيل: هو عبد اللَّه بن عباس، كما في "مسند ابن أبي شيبة" وقيل: هو الفضل أخوه. (وعن يساره أبو بكر، فشرب) فيه البداءة في الأكل والشرب بمن يستحق التقديم والبداءة به بكبر سن أو زيادة علم أو دين أو صلاح. (ثم أعطى) اللبن (الأعرابيَّ) الذي على يمينه. فيه بيان السنة الواضحة في استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وفيه أن الأيمن في

стр. 9963

الطعام والشراب وتفريق الفاكهة ونحو ذلك يقدم في العطية، وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، لسبقه إلى المكان الأشرف والأفضل، وهو يمين النبي ﷺ ، ولا يزعج، ولا ينقل إلى اليسار، وإن كان من على اليسار أشرف وأفضل، كما أن الصغير إذا سبق إلى الصف الأول خلف الإمام أو على يمينه لا يزعج عنه وينقل إلى الصف الثاني إذا حضر من هو أشرف منه وأفضل وهو بالغ. ودليل تقديم الصغير والمفضول أن رسول اللَّه ﷺ قدم الأعرابي والغلام على أبي بكر، وأما تقديم الأفاضل فهو عند التساوي في المجيء وباقي الأوصاف، كما يقدم الأقرأ والأعلم في الإمامة في الصلاة (١). وقال غيره (٢): روي عن مالك أنه قال بالتقديم في الماء خاصة. قال ابن بطال: ولا أعلم أحدًا قاله غيره (٣). وحديث عائشة أن النبي ﷺ يحب التيامن في تنعله وطهوره وترجله (٤). يعم الماء وجميع الأشياء، وكذا قوله هنا. (وقال: الأيمن فالأيمن) ضبط بالنصب فيهما وبالرفع، وهما صحيحان، فالنصب على تقدير: أعطِ الأيمن، والرفع على تقدير: الأيمن أحق من غيره، أو نحو ذلك، وفي الرواية الأخرى لمسلم وغيره: "الأيمنون" (٥). وفي رواية: "ألا تيمنوا" وهو يرجح الرفع.

стр. 9964

[٣٧٢٧] (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام) الدستوائي (عن أبي عصام) قال المنذري: لا يعرف اسمه (١). وقال النووي: اسمه: خالد ابن أبي عبيد (٢). وانفرد به مسلم والمصنف، وليس له سوى هذا الحديث. (عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا شرب تنفس ثلاثًا) لفظ مسلم: كان رسول اللَّه ﷺ يتنفس في [الشراب ثلاثًا (٣). وفي رواية: كان يتنفس في الإناء (٤). وقد حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وهو أن يتنفس في] (٥) الإناء ثلاثًا، وقال: فعل ذلك ليبين به جواز ذلك، ومنهم من علل جواز ذلك في حقه ﵇ بأنه لم يكن يتقذر منه شيء، بل الذي يتقذر من غيره يستطاب منه، فإنهم كانوا إذا بزق أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وَضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. قال القرطبي: وحمل هذا الحديث على هذا المعنى ليس بصحيح، بدليل بقية الحديث، فإنه قال فيه: (وقال: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ) (٦) الثلاثة مهموزات، غير أن ابن الأثير قال في أبرأ: يروى بلا همز (٧)؛ لموافقة

стр. 9965

أروى، أي: لمقتضى الروايات بدل: أبرأ: أروى، وهذِه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب فلا يأمن الشرق؛ ويحصل تقذير الماء منه، وقد لا يروى، وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور نظرًا إلى المعنى ولبقية الحديث، ولقوله للرجل في الحديث المتقدم: "أبن القدح عن فيك". ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق، ومن باب النظافة، وما كان النبي ﷺ يأمر بشيء مِنْ ثم لا يفعله، وإن كان لا يستقذر منه (١). و(أهنأ وأمرأ) من قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) ومعنى الحديث: كان إذا شرب يتنفس في الشرب من الإناء ثلاثًا. واسم الفاعل من هنئ هنيء كطريف من طرف، وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيء، وتقول: هنأني الطعام ومرأني، على الإتباع، فإذا لم تذكر هنأني قلت: أمرأني بالإطعام، بالألف، أي: انهضم. وقوله في الحديث: (هو أهنأ وأمرأ) هو من مرأني بلا ألف، لأن أمرأني بالألف رباعي، والرباعي لا يصاغ منه أفعل التفضيل كما في كتب النحو. وقيل: هنيئًا: لا إثم فيه، ومريئًا: لا داء فيه. كما قال كثير: هنيئًا مريئًا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت

стр. 9966

ويحتمل أن تكون (أهنأ) في هذِه الرواية بمعنى: أروى. كما في رواية مسلم (١)، فإن اختلاف روايات الحديث يفسر بعضها بعضًا، ومعنى أروى أكثر ريًّا. ويحتمل أنه ذكر الأربع، فاتفق الراويان على حفظ الاثنتين اللتين هما: (أمرأ وأبرأ)، وانفرد كل واحد بلفظة من الباقيتين ولم يتذكر الأخرى، فعلى هذا يكون (٢) معنى أهنأ: لا إثم فيه، كما تقدم، وأمرأ: لا داء فيه، إذا نزل من المريء الذي في رأس المعدة إليها، فيمرئ في الجسد منها دون داء. وأروى من الري ضد العطش، وأبرأ من البرء الذي هو الشفاء. وهذا أعلى ما يكون من صفات الشراب الممدوحة. وفي هذا الحديث إشارة إلى ما يدعى للشارب به عقب الشرب؛ فيقال له عقب شربه: هنيئًا مريئًا، ولم أجد له من السنة غير هذا وما يأتي في الحديث بعده. وأما قولهم في الدعاء للشارب: صحة. بكسر الصاد فلم أجد له أصلًا في السنة مسطورًا، بل نقل لي بعض طلبة العلم الدمشقيين عن بعض مشايخه: قال للتي شربت دمه أو بوله: صحة. فإن ثبت هذا فلا كلام. * * *

стр. 9967

٢١ - باب في النَّفْخِ في الشَّرابِ والتَّنَفُّس فِيهِ ٣٧٢٨ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبدِ الكَرِيمِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَنَفَّسَ في الإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ (١). ٣٧٢٩ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُسْرٍ -مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ- قالَ: جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبي فَنَزَلَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَعامًا فَذَكَرَ حَيْسًا أَتَاهُ بِهِ ثُمَّ أَتَاهُ بِشَرابٍ فَشَرِبَ فَناوَلَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَأَكَلَ تَمْرًا فَجَعَلَ يُلْقي النَّوى عَلَى ظَهْرِ أُصْبَعَيْهِ السَّبّابَةِ والوُسْطَى، فَلَمّا قامَ قامَ أَبي فَأَخَذَ بِلِجامِ دابَّتِهِ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ لَي. فَقالَ: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِيما رَزَقْتَهُمْ واغْفِرْ لَهُمْ وارْحَمْهُمْ" (٢). * * * باب في النفخ في الشراب [٣٧٢٨] (حدثنا عبد اللَّه بن محمد النفيلي، ثنا) سفيان (ابن عيينة، عن عبد الكريم) بن مالك الجزري (عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتنفس في الإناء) النهي عن التنفس في الذي يشرب منه لئلا يخرج من الفم بزاق يستقذر من يشرب بعده منه، أو يحصل فيه رائحة كريهة تتعلق بالماء أو بالإناء، وعلى هذا فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفس واحد. قاله عمر بن عبد العزيز (٣)،

стр. 9968

وأجازه جماعة، منهم: ابن المسيب (١) وعطاء بن أبي رباح (٢) ومالك بن أنس. وكره ذلك جماعة، منهم: ابن عباس (٣)، وراويه عكرمة (٤)، وطاوس (٥)، وقالوا: هو (٦) شرب (٧) الشيطان. والقول الأول أظهر؛ لقوله في الحديث المتقدم للذي قال له أنه لا يروى من نفس واحد: "أبن القدح عن فيك ثم تنفس" وظاهره أنه أباح له الشرب في نفس واحد إذا كان يروى منه، وكما لا يتنفس في الإناء لا يتجشأ فيه، بل ينحيه عن فيه مع الحمد للَّه، ويرده إلى فيه مع التسمية، فيتنفس ثلاثًا، يحمد اللَّه في آخر كل نفس، ويسمي اللَّه في أوله. (و) نهى (أن ينفخ فيه) أي: في الإناء الذي يشرب منه، والإناء يشمل إناء الطعام والشراب، فلا ينفخ في الإناء ليذهب ما في الماء أو (٨) الشراب من قذاة ونحوها، فإنه لا يخلو النفخ غالبًا من بزاق يستقذر (٩) منه. وكذا لا ينفخ في الإناء ليبرد الطعام الحار، بل يصبر إلى أن يبرد كما

стр. 9969

تقدم، ولا يأكله حارًّا؛ فإن البركة تذهب منه (١)، وهو شراب أهل النار. [٣٧٢٩] [(حدثنا حفص بن عمر) الحوضي] (٢) (حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير) بضم الخاء المعجمة بعدها ميم مفتوحة، كذا ضبطه ابن ماكولا وغيره، وقال: هو الرحبي أبو عمر، كناه به شعبة (٣) تلميذه، وهو حمصي همداني. أخرج له مسلم (عن عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (من بني سُلَيم) بضم السين وفتح اللام، وهو سليم بن منصور، قبيلة من مضر، وليس لعبد اللَّه في مسلم سوى هذا الحديث (٤)، ولا في "صحيح البخاري" سوى: رأيت النبي ﷺ وكان في عنفقته شعرات بيض (٥). (قال: جاء رسول اللَّه ﷺ إلى أبي) بسر بن أبي بسر المازني (٦)، وله ولأبيه صحبة. (فنزل عليه فقدم (٧) إليه طعامًا، فذكر حَيْسًا) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتانية، وهو طعام يتخذ من تمر، ينزع نواه، ويعجن بالسمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت أو الرقاق، وهو

стр. 9970

بمعنى الوطبة المذكورة في "صحيح مسلم" (١). (أتاه به) يعني أتاه بالطعام والحيس، بدليل رواية ابن السني: فأتاه بطعام وحيسة وسويق وتمر (٢). وفاء التعقيب تدل على مبادرته بالطعام، فإن من إكرام الضيف سرعة الطعام. (ثم أتاه بشراب) فيه فضيلة الجمع في الضيافة بين الطعام والشراب (فشرب) منه (فناول مَنْ) بفتح الميم موصول بمعنى الذي (عن (٣) يمينه) أي شرب منه أولًا، ثم ناول للذي عن يمينه، فإنه السنة كما تقدم قبله. (وأكل تمرًا) لم يتقدم ذكر التمر فيما جاء به، لكن في مسلم (٤): ثم أتي بتمر، فكان يأكله (٥). (فجعل يلقي النوى على ظهر أصبعيه) ثم فسر الأصبعين (السبابة) بالجر على البدل، سميت بذلك لأنها يشار بها عند السب، وتسمى المسبحة (والوسطى) هذا مبين أنه يجوز تصريف الأصبعين المذكورتين لذلك، لئلا يظن أنه لا يجوز تصريف السبابة إلا مع الإبهام، لأنه الأمكن والذي جرت به العادة. وفيه بيان الأدب (٦) في أكل التمر والرطب ونحوهما، أن لا يجمع النوى في كفه، بل يضعه من فيه على

стр. 9971

ظهر أصبعيه السبابة والوسطى، أو على ظهر كفه، ثم يلقيه خارج الوعاء الذي فيه التمر ولا يجمعه معه، وهذِه الصفة هي التي ذكرها الغزالي. ورواية أحمد أنه ربما استعان بيديه جميعًا (١). فأكل يومًا الرطب في يمينه وكان يحفظ النوى في يساره، فمرت شاة، فأشار إليها بالنوى، فجعلت تأكل من كفه اليسرى ويأكل هو بيمينه حتى فرغ (٢). ورواية "صحيح مسلم" بلفظ: ثم أتي بتمر (٣) فكان يأكله ويلقي النوى بين أصبعيه ويجمع السبابة والوسطى (٤)، ولعله فعل بين الأصبعين في بعض الأيام، والأكثر على ظهرهما. (فلما قام) ليذهب وركب دابته (قام أبي، فأخذ بلجام دابته) ظاهره أن الدابة كانت فرسًا، واللجام للفرس كالزمام والمقود للبعير، واللجام معرب، وقيل: عربي. جمعه لجم مثل كتاب وكتب، وفيه جواز (٥) مسك لجام الآدمي (٦) وإن لم يأذن راكبها في المسك، لكن لا يمسك إلا إذا كان له في ذلك حاجة. (فقال: ادع اللَّه تعالى لي) يعني ولأهلي، بدليل رواية مسلم: ادع اللَّه

стр. 9972

لنا (١). فيه طلب الدعاء من العلماء العاملين وأهل الدين والصلاح له ولأولاده وأهله. (فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم) فيه دعاء الضيف لمن ضيفه بالبركة في الرزق، ولا يختص الرزق بالمأكول، بل يدخل فيه المشروب والعلم والملبوس والزوجة والخادم وكل ما ينتفع به، سواء طلبه منه كما في الحديث أو لم يطلبه، فإنه من باب المكافأة بالدعاء. (واغفر لهم وارحمهم) كذا للمصنف، ولفظ مسلم: "فاغفر لهم فارحمهم" (٢). بالفاء فيهما بدل الواو، وفي رواية لأحمد: فجاءت أمي بقصعة فيها دقيق قد عصدته بماء وملح، فوضعته بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فأكل، فقال: "اللهم أغفر لهم وارحمهم، وبارك لهم، ووسع لهم في أرزاقهم" (٣). ورجال إسناده رجال الصحيح كلهم (٤). * * *

стр. 9973

٢٢ - باب ما يَقُولُ إِذا شَرِبَ اللَّبَنَ ٣٧٣٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّادٌ -يَعْني: ابن زَيْدٍ- ح وَحَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ- عَنْ عَليِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ في بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَدَخَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ فَجاؤُوا بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ عَلَى ثُمامَتَيْنِ فَتَبَزَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ خالِدٌ: إِخالُكَ تَقْذُرُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: "أَجَلْ". ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بلَبَنٍ فَشَرِبَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعامًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وَأَطْعِمْنا خَيْرًا مِنْهُ، وَإِذا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وَزِدْنا مِنْهُ. فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيء يُجْزِئُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ إِلَّا اللَّبَنُ". قالَ أَبُو داوُدَ: هذا لَفْظُ مُسَدَّدٍ (١). * * * باب ما يقول إذا شرب اللبن [٣٧٣٠] (حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد) بن جدعان أبو الحسن البصري الضرير، أخرج له مسلم (عن عمر بن حرملة) ويقال: ابن أبي حرملة. ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). (عن ابن عباس ﵄ قال: كنت في بيت ميمونة) بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، خالة خالد، وخالة ابن عباس، وخالة عبد اللَّه بن شداد، وخالة يزيد بن الأصم. (فدخل رسول اللَّه ﷺ ومعه خالد بن الوليد) وكان (خالد) (٣) ابن

стр. 9974

أخت ميمونة كما تقدم. (فجاؤوا بضبين) الضب دابة شبه الجرذون، وهي أنواع، منها ما هو قدر الجرذون، ومنها ما هو أكبر، والجمع ضباب مثل سهم وسهام. وفي حديث أنس: إن الضب ليموت هزلًا في جحره من ذنوب ابن آدم (١). أي: يحبس المطر عنهم بشؤم ذنوبهم، وإنما خص الضب لأنه أطول الحيوان نفسًا وأصبرها على الجوع. (مشويين على ثُمَامَتين) الثمامة بضم المثلثة وتخفيف الميمين، جمعها ثمام: نبت عوده دقيق ضعيف قصير لا يطول، قال الشاعر: ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما [تأود عودها] (٢) وفي حديث عمر: اغزوا والغزو حلو خضر قبل أن يصير ثمامًا ثم رُمامًا ثم حُطامًا (٣). والثمام تقدم، والرمام البالي الرميم، والحطام المتكسر المتفتت، والمعنى: اغزوا وأنتم تنصرون وتوفرون غنائمكم قبل أن يهن ويضعف ويصير كالثمام. فيحتمل أن يراد بالحديث: مشويين على طبقين من ثمامة أو على حزمتين من ثمام. والثمام: الجليل المذكور في حديث بلال: وحولي إذخر وجليل (٤)

стр. 9975

(فتبزق رسول اللَّه ﷺ ) من البزاق، أي: فعل فعل المستقذر من الضب. فإن قيل: لم عدل عن بزق إلى تبزق؟ قلت: يحتمل أن يكون لأن تَفعَّل هو بناء ما يفعل مرة بعد أخرى، فكأنه تكرر منه الفعل مرات، فهو كتعلم وتفقه. ويحتمل أن يكون معناه فعل فعل المتشبه بالبازق، لا أنه بزق بحضرة خالد وابن عباس؛ ليظهر لهم استقذاره له؛ لأنه يشبه الجرذون. فهو كتحزن وتخشع إذا أظهر الحزن والخشوع وتشبه بهم، وإن لم يكن حزينًا ولا ذا خشوع. (فقال خالد) بن الوليد (إخالك) بكسر الهمزة في أوله، فصيح استعمالًا، وفتحها لغة أسد، وهو قياس الأفعال المضارعة التي ماضيها ثلاثي، ومعنى إخال: أظن، وهي كـ (أظن) في نصب مفعولين، وقد يحذفا كما إذا قيل: أزيد قائم؟ فتقول: خلت. وفي المثل: من تسمع يخل. أي: من تسمع خبرًا يحدث [له ظن] (١) عقب السماع. (تقذره) بفتح التاء والذال المعجمة، أي: تكرهه تنزهًا، وتعاف أكله (قال: أجل) مثل نعم وزنًا ومعنى، ويدل على ذلك ما في "صحيح مسلم": عن أبي سعيد: قال رجل: يا رسول اللَّه، إنا بأرض مضبة، فما تأمرنا، أو فما تفتينا؟ قال: "ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت" فلم يأمر ولم ينه. قال أبو سعيد: فلما كان بعد ذلك قام عمر فقال: إن اللَّه لينفع به غير واحد، وإنه لطعام عامة الرعاء، ولو كان عندي لطعمته، إنما عافه رسول

стр. 9976

اللَّه ﷺ (١). ولأن العرب تستطيبه وتمدحه. قال أبو سعيد: كنا معشر أصحاب رسول اللَّه ﷺ لأن يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة (٢). وقال عمر: ما يسرني أن مكان كل ضب دجاجة سمينة (٣). وبإباحته قال مالك (٤) والشافعي (٥) وأحمد (٦)؛ لأنه أكل على مائدة رسول اللَّه ﷺ ، ولو كان حرامًا ما أكل على مائدته. وقال عمر: إن رسول اللَّه ﷺ لم يحرم الضب، ولكن كرهه (٧). وقال أبو حنيفة: هو حرام (٨)؛ لما روى إسماعيل بن عياش عن ضمضم، عن شريح، عن أبي راشد، عن أبي عبد الرحمن بن شبل أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن أكل لحم الضب (٩). قال البيهقي: إسماعيل بن عياش ليس بالقوي عندهم، ولا تعارض

стр. 9977

هذِه الرواية الروايات الصحيحة (١). (ثم أتي) بضم الهمزة (رسول اللَّه ﷺ بلبن) الآتي له باللبن ميمونة زوجته بحضرة محارمه. ولفظ الترمذي: دخلت مع رسول اللَّه ﷺ وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن (فشرب) رسول اللَّه ﷺ وأنا عن يمينه وخالد عن شماله، فقال لي: "الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدًا" فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحدًا. ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "من أطعمه اللَّه. . " (٢). (فقال رسول اللَّه ﷺ : إذا أكل أحدكم طعامًا) يعني: غير اللبن (فليقل: اللهم بارك لنا فيه) والبركة: زيادة الخير أو دوامه على صاحبه

стр. 9978

(وأطعمنا) بفتح الهمزة (خيرًا منه) وهو طعام الجنة الباقي، ويحتمل أن يراد العموم فيشمل خيري الدنيا والآخرة، والظاهر أن النكرة إذا كانت في معرض الدنيا تكون للعموم وإن كانت للإثبات، كما إذا كانت في معرض الامتنان والإثبات. (وإذا سُقِيَ) بضم السين مبني للمجهول. ولفظ الترمذي: "ومن سقاه اللَّه تعالى" (١) (لبنًا) بجميع أنواعه، كلبن الإبل والبقر والغنم، وجميع صفاته (فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه) ولم يقل: خيرًا منه. فدل على أنه ليس في الأطعمة خير من اللبن، وظاهره أنه خير من العسل الذي هو شفاء، لكن قد يقال: إن اللبن باعتبار التغذي والري خير من العسل ومرجح عليه، والعسل باعتبار التداوي من كل داءٍ وباعتبار الحلاوة مرجح على اللبن، ففي كل منهما خصوصية يترجح بها. ويحتمل أن المراد: وزدنا لبنًا من جنسه، وهو لبن الجنة كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) أي: من جنسه وشبهه. (فإنه ليس شيء يُجزئ) بضم أوله (من) تحتمل أن تكون بمعنى بدل (الطعام) كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٣) أي: بدلها، وقول الشاعر: جارية لم تأكل المرفقا ... ولم تذق من البقول الفستقا

стр. 9979

أي: بدلها. (والشراب إلا اللبن) [بالرفع على الإتباع على ما قبله؛ فيخرج بهذا الجبن والأقط وما في معناهما، فإنه يجزئ عن الطعام دون الشراب] (١). (وهذا لفظ مسدد) دون موسى بن إسماعيل الراوي الثاني من شيخي المصنف، قال الخطابي: قوله: (ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن). هذا لفظ مسدد شيخ أبي داود، وظاهر اللفظ يوهم أنه من تتمة الحديث، وليس كذلك. * * *

стр. 9980

٢٣ - باب في إِيكاءِ الآنِيَةِ ٣٧٣١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَني عَطاءٌ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "أَغْلِقْ بابَكَ واذْكرِ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطانَ لا يَفْتَحُ بابًا مُغْلَقًا، وَأَطْفِ مِصْباحَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِناءَكَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ" (١). ٣٧٣٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ بهذا الخَبَرِ وَلَيْسَ بِتَمامِهِ قالَ: "فَإِنَّ الشَّيْطانَ لا يَفْتَحُ بابًا غَلَقًا وَلا يَحُلُّ وِكاءً وَلا يَكْشِفُ إِناءً، وَإِنَّ الفُويسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النّاسِ بَيْتَهُمْ". أَوْ: "بُيُوتَهُمْ" (٢). ٣٧٣٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَفُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ السُّكَّريُّ قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ قالَ: "واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ عِنْدَ العِشاءِ". وقالَ مُسَدَّدٌ: "عِنْدَ المَساءِ": "فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشارًا وَخَطْفَةً" (٣). ٣٧٣٤ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوَيةَ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: كُنّا مَعَ النَّبيِّ ﷺ فاسْتَسْقَى فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَلا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟ قالَ: "بَلَى". قالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَشْتَدُّ فَجاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقالِ النَّبيُّ ﷺ : "أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا". قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ الأصْمَعيُّ: تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ (٤). ٣٧٣٥ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالُوا: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ
следующие страницы →