← Акыда

Акыда · id 1318

صفات رب العالمين - ت تمالت

ابن المحب الصامت

Полный текст (2 281 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٣٦٧ - أخبرتنا ستُّ الفقهاء ابنة إبراهيم قالت: أنبأنا أبو بكر محمد بن سعيد بن مُوَفَّق، أبنا محمد بن جعفر البصري، أبنا الحافظ أبو الغنائم النَّرْسي إذنًا، أبنا محمد بن أحمد بن محمد بن الآبَنُوسي قراءةً قال: أبنا علي بن عمر الدارَقُطْني، ثنا أبو عُبَيْد المَحامِلي، ثنا زيد بن أَخْزَم، ثنا بِشْر بن عمر، ثنا أبان بن يزيد، ثنا قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عبّاس: أَنّ رجلًا لعن الريح، فقال النبي ﷺ : "لا تلعنها فإنها مأمورة، وإنّه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه" (١). ٣٦٨ - قال أبو محمد بن قُتَيْبَة في كتاب تأويل مشكل القرآن (٢): "وقوله ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فدلّت هذه الآيات على أنّه خلق الأرض قبل السماء، وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ (٣) السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعَات: ٢٧ - ٣٠]، فدلّت هذه الآية على أنّه خلق السماء قبل الأرض، وليس على كتاب الله تحريفُ الجاهلين ولا غلطُ المتأولين، وإنما كان يجد الطاعنُ متعلَّقًا ومقالًا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها، أو ابتدأها، أو أنشأها، وإنما قال:

стр. 282

﴿دَحَاهَا﴾، فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السموات - وكانت دخانًا - في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض أي بسطها ومدّها وكانت ربوة مجتمعة، وأرساها بالجبال، وأنبت فيها النبات في يومين، فتلك ستة أيام سواءً للسائلين، وهو معنى قول ابن عباس، وقال مجاهد: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ في هذا الموضع بمعنى: مع ذلك، ومع وبعد في كلام العرب سواء". ٣٦٩ - في رسائل إخوان الصفا (١): ذكر أصحاب المِجَسْطي أنّ حركات الأفلاك والكواكب أسرع من الدوّامة التي هي أسرع حركة تُشاهَد، وبينوها ببراهين هندسية ضرورية، فمن ذلك ما قالوا في حركة الشمس: إنها تتحرك في مقدار ما يخطو الإنسان خطوة من خطواته ثمان مائة فرسخ. ٣٧٠ - وذكر الفخر الرازي القولَ بأنّ الأفلاكَ سبعةٌ فقط في تفسير سورة البقرة (٢)، وقد فسّرها مفردةً أيضًا على الوجه العقلي لا النقلي. وحكاها ابنُ سينا في الشفاء في تفسيره عند قوله في البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ٣٧١ - وحكى أبو حيّان التوحيدي في كتاب الزلفة: أنّ أفلاطون قال: إن الباري أخذ خيطًا، فقطعه نصفين، وقطع النصفين سبع قطع، ثمّ ألّف بينهما، وقال: قال أبو زيد - هو البلخي -: هذا الكلام واقعٌ في زَبور أفلاطون، أراد بالخيط المقطوع نصفين جنسَ الخطوط المحيطة بكرات الكواكب، وأراد بالنصف المقطوع سبع قطع الدوائر المحيطة بكرات الكواكب السبعة السيارة التي تدور في أفلاكها خاصّة بحركات متفنِّنَة في الطول والعرض والسمك، وأنبأ بذلك أنّ ابتداءَ خلق العالم كان على هذه

стр. 283

الجهة، وجعل التمثيل بالخيط لمكان دقّته، فإنّ الخيط إذا دُقّ كان أشبه شيء بخطوط الدوائر المحيطة بها من الأشياء الحسية، وذكر أنّ ابتداء الخِلْقَة كان بأخذ ذلك الخيط وتصييره نصفين وعطف النصف الآخر حتى صار قطعًا سبعًا. ٣٧٢ - وفي كتاب السماء والعلم لأبي بِسْطام إبراهيم بن سيّار (١): فقال أصحاب الأثر: السموات عشرة والأرضون ثمانية، وحكى عن قوم آخرين من أهل الهيولى: وليس يثبتوا سموات، ولكنهم يثبتوا هذه السماء التي أبصروا، وعن آخرين: السموات سبع على قدر عدد الأفلاك، وقال بعضهم: لسبع أحكمها فلك الجوّ زهر، والآخر الفلك المستضمر. ٣٧٣ - وذكر ابنُ بَرَّجان (٢) حديثَ الحسن عن أبي هريرة الذي فيه: "لو دَلَّيْتُم بحبلٍ لهبط على الله"، ثم قال: "فهذه السبع السموات الأرقعة، بين كل سمائين سموات وأفلاك، أو ما يقوم مقامَ الأفلاك في تنزيل الأمر الذي عبّر عنه قولُ الحقّ جلّ ذكره ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] ". ذكره في تفسيره (٣)، في البقرة عند قوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [١٦٤]. ٣٧٤ - قال صالح بن أحمد بن حنبل في كتاب مسائله عن أبيه (٤): "وحدثني أبي، ثنا عبد الله بن عَمرو، ثنا عبد الجليل، عن شهر قال: بينا الناس عند عبد الله بن عَمْرو يستفتونه، فقال كعب: هلك أخي، هكذا تكون

стр. 284

الفتن، اذهب إليه فقل له لا يكذبنّ على الله، فإنْ غضب فدعْه، وإن لم يغضبْ فسَلْه، فأتاه فقال: يقول لك كعب لا تكذبنّ على الله، فقال: نصح لي أخي، إنّه من كذب على الله سوّد اللهُ وجهَه يوم القيامة، قال: فإني أسألك عن الشمس والقمر. في السموات السبع هما، أم في سماء الدنيا، أم في الهواء، أم دون ذلك؟ قال: بل هما في السموات السبع، وجوهُهما إلى العرش وأقفيتُهما إلى الأرض، قال الله : ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، قال: فإنّه يسألك عن الرعد ما هو؟ قال: ملَك يزجر السحاب بالتسبيح كما يزجر الحادي الحثيثُ الإبلَ إذا شذت سحابة ضمّها، لو يفضي إلى أهل الأرض صعق مَنْ يُبْصِره، قال: فإنه يسألك عن البرق ما هو؟ قال: هو من كذا وكذا من البرد - قال عبد الملك: أحسبه من اصطفاق البرد في السماء، قال الله : ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النُّور]، قال: فإنّه يسألك أين تلتقي أرواحُ أهل الجنّة وأرواحُ أهل النار؟ قال: أما أرواحُ أهل الجنّة فتلتقي بالجابيّة، وأما أرواحُ أهل النار فبحضرموت، قال: فإنه يسألك عن الحشر ما هو؟ قال: نارٌ تزوي الناس تظهر من قبل المشرق". * * *

стр. 285

قول اللهَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ٣٧٥ - قال أبو عُبَيْد القاسم بن سلّام (١): حدثنا هُشَيْم، عن حُصَيْن، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، قال: "هذا هو السواد الّذي في القمر" (٢). قال أبو عُبَيْد: وأما ﴿مُبْصِرَةً﴾ فإنّ المعنى أنّه يُبصَر فيها، فكان الفرّاء (٣) يذهب فيها إلى أنّ المُبْصِرة مُضيئة، قال: وكذلك قوله ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٧٦] قال: مضيئًا. قال أبو عُبَيْد: يريد أنّه أضاء للناس البَصَرَ، هذا قولُ الفرّاء، وفيه وجه آخر، يقال: قد أبصر النهارُ، إذا صاروا (٤) الناسُ يبصرون فيه، فهو مُبْصَر، وهو كقولك في الكلام: رجل مُخْبَث، إذا كان أهلُه وأصحابُه خبثاء، ورجلٌ مُضْعَف إذا كانت دولتُه ضعافًا، فكذلك النهار مبصرًا إذا كان أهلُه بصراء. حدثنا حجّاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسرَاء: ٥٩] قال: آيةً (٥).

стр. 286

٣٧٦ - ذكر أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه في الوعظ ما ذكره أبو الحسين ابن المُنادي أحمد بن جعفر في كتاب الملاحم والفتن (١) قال: حدثني هارون ابن علي بن الحَكَم، ثنا أحمد بن عبد العزيز بن مِرْداس الباهلي، ثنا عبد الله بن محمد بن سعيد (٢) القرشي، ثنا محمد بن موسى الشَّيْباني، ثنا مَسْلَمَة بن الصَّلْت، ثنا أبو علي حازم بن المُنْذِر العنزي، ثنا عمر بن صُبَيْح، عن مقاتل بن حيّان، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس. قال أبو علي: وحدثنا الحارث بن مُصعب، عن مقاتل، عن شهر بن حَوْشَب، عن حذيفة بن اليمان. قال أبو علي: وحدثنا الأَعْمَش، عن سليمان بن موسى، عن القاسم بن مُخَيْمِرَة، عن علي بن أبي طالب وحُذَيْفَة وأبن عبّاس، أنّهم كانوا جلوسًا ذات يوم، فجاء رجلٌ فقال: إني سمعت العجب، فقال حذيفة: وما ذلك؟ قال: سمعت رجالًا يتحدّثون في الشمس والقمر، فقال: وما كانوا يتحدّثون؟ فقال: زعموا أن الشمس والقمر يجاء بهما يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران، فيُقذفان في جهنّم، فقال علي وابن عباس وحذيفة: كذبوا، الله أجلّ وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تر إلى قول الله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: في طاعة الله، فقال حذيفة: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ سئل عن ذلك فقال: "إنّ الله لما أبرم خلقه أحكامًا فلم يبق من خلقه غيرُ آدم، خلق شمسين من نور عرشه، فأما الذي كان في سابق علمه أن يطمسها ويحوّلها قمرًا فإنّه خلقها دون الشمس في الضوء، ولو تركهما شمسين كما خلقهما في بدء الأمر لم يُعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل"، إلى أن قال: "فأرسل جبريل، فأَمَرَّ جناحَه علو وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس، فمحى

стр. 287

عنه الضوء وبقي النور، فذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط إنما هو أثر ذلك المحو، - قال: - وخلق الله الشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلاثمائة وستون ملكًا، وخلق القمر مثل ذلك، وكل بالشمس وعجلها ثلاثمائة وستين ملكًا من ملائكة أهل السماء الدنيا، قد تعلّق كل ملك منهم بعُرْوَة من تلك العرى، وللقمر مثل ذلك، وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قطري الأرض، وكتفَي السماء ثمانين ومائة عين في المشرق، وثمانين ومائة عين في المغرب، فكل يوم لها مطلع جديد ومغرب جديد، فأطول ما يكون من النهار في الصيف إلى آخرها مطلعًا وآخرها مغربًا، وأقصر ما يكون من النهار في الشتاء، وذلك قول الله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وجمع عدتها بعد فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعَارج: ٤٠] قال: وخلق الله بحرًا بينه وبين السماء مقدار ثلاث فراسخ، وهو قائم بأمر الله في الهواء لا تقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم، فتجري الشمس والقمر والنجوم الخمس في البحر، فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع وبعض تلك العيون على عجلتها، ومعها ثلاثمائة وستين ملكًا يجرونها، والبحر والقمر كذلك فإذا أراد الله أن يري العباد آيةً خرّب الشمس عن عجلتها فتقع في غير ذلك البحر، إلى أن قال: فإذا غربت ارتفعت في سرعة طيران الملائكة إلى السماء السابعة، فتسجد تحت العرش بمقدار الليل، ثم تؤمر بالطلوع من المشرق، فتطلع من العين التي وقّت الله لها، وقد وكّل الله بالليل ملكًا، وخلق الله حجبًا من ظلمة، فإذا غربت الشمس أقبل ذلك الملك فقبض قبضة من ظلم ذلك الحجاب، ثم استقبل المغرب، فلا يزال يراعي الشفق ويرسل تلك الظلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، حتى إذا غاب الشفق أرسل تلك الظلمة كلها، ثم نشر جناحيه، فيبلغان قطري الأرض وكتفي السماء، ثم يسوق

стр. 288

ظلمة الليل بجناحه إلى المغرب قليلًا قليلًا حتى إذا بلغ الفجر انفجر الصبح من المشرق، ثم ضم الظلمة بعضها إلى بعض، ثم قضى عليها بكف واحدة، فلا تزال الشمس والقمر كذلك، حتى يأتي الوقت اليوم الذي ضرب لنوم العباد". وفيه قصّةُ طلوعها من مغربها، وقيامُ الساعة، وموتُ الملائكة. وهو حديثٌ طويل منكر، لا يثبت بمثل إسناده شيءٌ. ورواه ابنُ جرير في أوائل تاريخه (١)، عن محمد بن أبي منصور الأملي عن خلف بن واصل عن أبي نُعَيْم - هو: عمر بن صُبَيْح -. وروي عن علي بن الحسين الخوّاص، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عبد الله ابن ضرار، عن أبيه، عن مقاتل بن حيّان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مرفوعًا. رواه عن الخوّاص: عبد الله بن أبي سفيان الموصلي الشعراني. وموتُ الملائكة قد جاء في حديث الصور، وفي حديث لَقِيط بن عامر الذي رواه ابن خُزَيْمَة (٢): "ثم تُبعَثُ الصَّيْحَة، فلعمرو إلهك ما تدَع على ظهرها شيءٌ إلّا مات، والملائكة الذين مع ربك، فخلت الأرض". ٣٧٧ - وفي كتاب الإكليل لأبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهَمْداني (٣): وقال أُمَيَّة: إنّ الشمس لا تطلع حتى تجلد، وإنّ القمر في الكسوف يدخل في الساهور وهو عميد عنده يدخل فيه، وذلك من حكايات اليهود وقولهم.

стр. 289

٣٧٨ - قال محمد بن زكريا بن يحيى الرازي في كتاب سمع الكِيان (١) وهو القول في أصول الأفعال والانفعالات المتولدة عن تلاقي الاستقساب والأجسام الطبيعية التي هي النار والهواء والماء والأرض، وسائر الأجسام المركبة منها كالحيوان والنبات والمعادن، وعن الأجرام السماوية، فإنّ هذه أجسام طبيعية، قال: وإن كانت طبيعةً خامسة، على أنّه لا اتفاق بين الفلاسفة الطبيعيين في أنّ الفلك طبيعةٌ خامسة، بل قد قال أجلّهم وأشرفهم أعني أفلاطن إنّه ناري أرضي، وليس أيضًا الكلام الذي جاء به أرسطاليس ومن سلك طريقه ليبيّن أن الفَلك طبيعة خامسة متخلّص من الشكوك، لكن مملوء شكًّا، وذلك أنه لا يصحّ من مخالفة حركة الفلك بحركات العناصر الأربعة أنّ الفلك عنصر مخالف لها دون أنْ يصحّ أن الفلك ليس بمحمول على هذه الحركة بل تحرُّكه بذاته ومن ذاته أمر أجلّ، أما لو وجدنا دولابًا من خشب لا يُرى مدبره لتواريه عنا لوجدنا الخشب يتحرّك بخلاف حركته الطبيعية، ولم يكن لنا أن نحكم من هذا الموضع فقط أن فلك الحركة للخشب طبيعية، فغير مأمون أن تكون حركة الفلك بالحمل والقسر، وإن كنا لا نشهد هذا الحامل القاسر، وأيضًا فقد نجد الأجسام المتحركة على استقامة تتحرك على استدارة لعارض داخل على طباعها، كالماء في حال غليانه، والذهب في حال ذوبانه، فتبيّن إذًا أنّه لا سبيل إلى الحكم بأنّ جوهر الفلك مخالف لجوهر الاسطقساب من مخالفته لحركتها، إلّا أنْ يصحّ عندنا أن هذه الحركة من ذاته وجوهره وليس بمحمول عليها بتة". ٣٧٩ - قال كوشيار بن لبان بن باشهري الجيلي (٢): السماء هي الجسم المتحرِّك المحرِّك لجميع الكواكب من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة

стр. 290

دورة واحدة، وهذا الجسم كُرَيّ، وحركته دورته، ومركزه مركز العالم، ونهايته نهاية العالم، والأرض في وسطه، وهي أيضًا كُرَيّة، وليس لها عند نهاية السماء قدر محسوس. ثم استدلّ على ذلك وقال: أصغر كوكب في السماء الذي يُرى كالنقطة هو أضعاف الأرض، فكيف حال الأرض لو رؤيت من ذلك البعد. قال: فإذا ضربتَ حصّة الدرجة الواحدة في ثلاثمائة وستين حصلت استدارة الأرض على خطّ واحد أربعة وعشرين ألف ميل، وقطرها سبعة آلاف وستمائة وستة وثلاثون ميلًا. وقال: وإذا ضُرب القطر في الدور حصلت مساحة بسيط الأرض مائة وثلاثة وثمانين ألف ألف وثلاثمائة وستة وعشرين ألفًا وأربعمائة ميل، والميل ثلاثة آلاف ذراع، والذراع ستة وثلاثون أصبعًا، والأصبع ست شعيرات مصفوفة بطون بعضها إلى بعض، والفَرْسَخ اثنا عشر ألف ذراع، والدرجة ستة وستون ميلًا وثلثا ميل. ٣٨٠ - قال ابن الهَيْثَم (١): والساعة خمسة عشر درجة. ٣٨١ - وقال غيره: الشمس تقطع السماء في سنة، وتقيم في كل برج شهرًا، وفي كل منزل من المنازل ثلاثة عشر يومًا ما خلا الجهة فإنها تقيم فيها أربعة عشر يومًا، والقمر يقطع السماء في شهر، ويقيم في كل برج ليلتان وثلثا ليلة، وفي كل منزل ليلة، وفلك البروج له دورة كل يوم وليلة. ٣٨٢ - قال ابن قُتَيْبَة. وقد سمعتُ من يذكر أنّ للأفلاك أطواقًا (٢)، واستدارة سطحها موازنة لاستدارة السماء، تجري فيها النجوم والشمس

стр. 291

والقمر فوقها، ولستُ أدري ماذا، ولا وجدتُ عليه شاهدًا من الكتاب ولا من الحديث، ولا من قول العرب، والله أعلم. حكاه عن ابن قُتَيْبَة: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللَّخْمي الجُهَني النحوي (١) في شرح قصيدة أبي علي بن الهيثم (٢). ٣٨٣ - وذكر ابنُ الهَيْثَم في رسالته في بيان أنّ المَرْئِيَّ من السماء أكثر من نصفها: أنّ المهندسين اختلفوا في مقدار محيط أعظم الدوائر المرسومة على كرة الأرض، وأكثر ما قالوا فيه: إنّه اثنان وعشرون ألف ميل، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد. وعلى ما ذكره ابنُ الهَيْثَم يكون قطرُها سبعة آلاف ميل بالميل الذي ذكره هو. ٣٨٤ - وقال غيره: الأرض ليست بذات قدر محسوس عند فلك المَرِّيخ وما وراءه من الأفلاك، بل هي كالنقطة، وأما عند فلك القمر فلها قدر محسوس. وقال: الناظرُ في النَّيْرَب والكواكب يجدها بأسرها متحرّكة بالحركة اليومية، يطلع ما يطلع منها من المشرق ويسير إلى المغرب ويخفي فيه، وبعد خفائه مدّة يعود المشرق ثانيًا ويطلع كما طلع أولًا وهكذا دائمًا ويتحرّك ما لا يطلع الحركة من الأولى باختلاف المنطقيين والأقطاب، وذلك لأنّ الإحساس بحركتين مختلفتين في كرة واحدة على منطقة وقطبين بإعيائها ممتنع، بل إنما يحس فيها بحركة واحدة هي مركّبة من مجموعهما إن كانتا إلى جهة، وحاصله من قبيل أسرعهما على إبطائهما كانتا إلى

стр. 292

جهتين، وكذلك الحكم فيما زاد على ذلك، وهاتان الحركتان متشابهتان في أنفسهما، شاملتان لجميع ما يختص به علوا من الكواكب والأجرام، ثم إنّه نجد النيِّرين والخمسة من الكواكب ذوي حركات مختلفة غير متشابهة، لا في أنفسها، ولا يقاس بعضها إلى بعض، فلذلك أثبت أهلُ العلم تسعة أفلاك في بادئ قولهم، اثنين منها للحركتين المذكورتين، وسبعة للسيّارات السبعة. ولما لم يكن لباقي الكواكب حركةٌ غيرُ الأولتين، اكتفوا بإحدى فلكيهما مكانًا لها، وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزًا. وأيضا، إسناد إحدى الأوليين إلى المجموع لا إلى فلك خاص به لم يكن ممتنعًا، لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك، فجعلوا أعلى الأفلاك للحركة الأظهر، على أنّه غير مكوكب، وسمّوه فلك البروج وفلك الثوابت، وسمّوا كواكبَه ثوابتًا إما لقلّة حركاتها الثابتة، أو لثبات أوضاعها أبدًا، والسبعة الباقية للسيّارات السبعة على ترتيب خسف بعضها بعضًا، اقصاها لزُحَل، وما يليه للمشتري، ثم للمرِّيخ، والأدنى للقمر، والذي فوقه لعُطارِد، ثم للزُّهْرة، وجعلوا الشمس في الفلك الأوسط بين هذه وتلك، وإن لم تنكسف إلا بالقمر؛ استحسانًا لما في ذلك من حسن الترتيب وجودة النظام، إذ النسبة مربوطة، منها العلويّة بوجه، والسفليّان بوجه، والقمر بوجه آخر غيرهما، وكان أيضًا بُعدُها معلومًا (١) من الأرض مناسبًا لهذا الوضع. وقد قيل: إنّ الزُّهْرة رؤيت في بُعدها الأبعد والأقرب، كاشفة إياها كحالة في صفحتها، ويجب أن ينقسم كل واحد من الأفلاك السبعة إلى أفلاك تتألّف حركة كوكبة المركّب منها بمطابقة لما يوجد، فهذه السبعة هي التي لم يجوِّزوا أن يكون أقلَّ منها، وأما في جانب الكثرة فلا قطع. وبفلك القمر تتناهى الفلكيّات، وتكون ما دونه العنصريّات، وهي أيضًا طبقات: طبقة النار الصرف، ثم طبقة لما يمتزج من النار والهواء الحار التي

стр. 293

تتلاشى فيه الأدخنة المرتفعة من السفل، تتكون فيها الكواكبُ ذوات الأذناب والنيازِك وما يشبهها، وربما توجد متحرِّكةً بحركة الفلك تشييعًا له، ثم طبقة الهواء الغالب التي تحدث فيها الشهب، ثم طبقة الزمهرير التي هي منشأ السحب والرعد والبرق والصواعق، ثم طبقة الهواء الكثيف المجاور للأرض وللماء، ثم طبقة الماء، وبعض هذه الطبقة منكشفة عن الأرض، ثم طبقة الأرض المخالطة لغيرها التي تتولّد فيها الجبال والمعادن وكثير من النباتات والحيوانات، ثم طبقة الأرض الصرفة المحيطة بالمركز. قلتُ: في بعض ما ذكره هؤلاء نزاعٌ، وقد ذكر ذلك القاضي أبو بكر بن الطيّب (١) في كتاب الدقائق. وذكر قومٌ أنّ الأفلاك أطواقٌ تجري فيها النجوم والشمس والقمر والسماء فوقها، كما تقدّم حكايةُ ابن قُتَيْبَة فيه. ٣٨٥ - وفي كتاب جوامع علم النجوم لأحمد بن محمد بن كثير الفَرْغاني الحاسب (٢): دور الفلك الأعظم أربعمائة ألف ألف ميل وعشرة ألف ألف وثمانمائة وثمانية عشر ألفا وخمسة وسبعون ميلًا، كل درجة من الفلك الأعظم ألف ألف ميل ومائة ألف وأحد وأربعين ألفا ومائة وستون ميلًا. ٣٨٦ - قال أبو الحَكَم عبد السلام بن عبد الرحمن بن بَرَّجان في تفسيره (٣) في سورة "الأنعام": ذكر الذين تعاطَوْا معرفةَ أجرام الكواكب وأبعاد الأفلاك، فزعموا أنّ الشمس هي أكبر من الأرض بمائة وثمانين ضعفا، ومنهم من زاد على ذلك إلى ثلثمائة ضعف، وكذلك قالوا في القمر وسائر

стр. 294

الكواكب بالزيادة على الأرض، وفاضلوا بين ذلك، فإن كان المعنى منهم بموضع المضاعفة طريق الشمس في فلكها من مشرقها إلى مغربها، ثم بمصعدها في أعلى مسالكها في ذلك، ومنازلها إلى أدنى ذلك في المشارق والمغارب، فربما قالوا أو ظن بهم ذلك، وإن كان غير مدرك لبشر من غير توقيف نبوّة ولا إعلامٍ بوحي من عند الله، وإن كان المعنى بذلك قرص الشمس فالمشاهدة تبطل ذلك، وإنما أوقعهم في هذا التهافت ما رأوْه من أمر الله المجعول فيها وبها، وذلك أنّ الله جعلها شخصا محاطًا به، محصورا له مقدَّم ومؤخَّر وجنبات رفعه الله في لوح الجوّ، وأجراها في الفلك الرابع الذي هو أول أفلاكه فلك القمر، دع عنك ما دون ذلك من فلك الرياح وفلكي الليل والنهار وفلك المياه، وهي جسم نيِّر سراجي عمّ ضياؤه ما سمّي نهارًا، فكان ذلك سبب شهرتها واضطرار الأبصار إلى رؤيتها، دون تضامٍّ من أحد إلى أحد ولا تضارِّ. إلى أن قال: ولو كان ما ذكروه من عظيم جرمها وتضعيف ذلك على جرم الأرض على ما زعموه لكانت الأرض في ضمّها كالنقطة، والمعهود المُتَعارَف أنّ ظلال الأشخاص تعظم مع القرب وتستدقّ على البعد، وفي مثل بعد ما بين الأرض وما بينها يوجد ذلك، وذلك كلّه دليل على قصورها ونقصها عن العظم الذي وصفوها به. ٣٨٧ - وقال في تفسير سورة "هود" (١): جاء عن رسول الله ﷺ أنّه سئل: أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خَلْقَه؟ قال: "في عماءٍ، ما تحته هواء، وما فوقه هواء"، فأعلَمَ صلوات الله عليه بحديثه هذا أنّ العماء للعرش بمنزلة العرش للماء، ويأتي من مفهوم هذا أنّ الله تعالى خلق الماء من الهواء، وكذلك فتق بالهواء ممّا شاء ممّا هو [دون] (٢) العرش، وفتق الماء

стр. 295

ثم أوجد في ذلك الفتق ما شاء من خليقته، آيةُ ذلك في الشاهد خلقُه الماءَ في الهواء بواسطة الرياح المرسلة بأمره الدالة على الروح منه. إلى أن قال: أفلا يرون أنّ الله يخلق الماءَ من الهواء، ثم يصيّر الماء إلى الهواء، ثم يعيدُه إلى الماء إذا شاء. ٣٨٨ - وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] (١): هنّ السموات الدنيا اللاتي دون السموات العلا، التي جعل القمر فيهنّ نورًا والشمس سراجًا. ٣٨٩ - قال أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف في رسالته في المدّ والجَزْر: فأما جسم القمر فقريبٌ من جزء من أربعين من الأرض، فأما الشمس فمثل الأرض مائةً وستة وستين مرّةً وثلاثة أثمان، فأما زُحَل فأقلّ من تسعين مرّةً. قال: وأما زُحَل فإنّه أسرعُها حركةً، إلّا أنّ بُعده من الأرض في بُعده الأبعد على ما أتى به علمُ المساحة، مثل نصف قطر الأرض عشرين ألف مرّةً، فأما القمر فإذا كان في بُعده الأبعد كان بُعده من الأرض مثل نصف قطرها ستّةً وستين مرّةً ودقائق، فأما الشمس فإذا كانت في بُعدها الأبعد كان بُعدها من الأرض مثل نصف قطر الأرض ألف مرّةً ومائتي مرّةٍ وعشر مرارٍ. ٣٩٠ - قال الحسن بن الحسن بن الهَيْثَم في رسالته في الهَيْئَة: فلك زُحَل سطحُه الأعلى مماسٌّ كرةَ الكواكب الثابتة وسطحه الأدنى مماسٌّ كرةَ المشتري، وكذلك المشتري سطحُه الأعلى مماسٌّ فلك زُحَل، وسطحُه الأدنى مماسٌّ فلك المرِّيخ، وكذلك فلك المرِّيخ سطحُه الأعلى مماسٌّ فلك المشتري، وسطحُه الأدنى مماسٌّ فلك الشمس.

стр. 296

وقال: إنّ فلك الكواكب الثابتة السطح الأعلى من كرته مباشرٌ للفلك الأعظم المحيط بجميع الأفلاك المتحرك الحركة السريعة، والسطح الأدنى منها مباشر لفلك زُحَل، وهذا الفلك يتحرك من جهة المغرب إلى جهة المشرق. وقال: الفلك الأعلى المحيط بجميع الموجودات محيطٌ بكرة الكواكب الثابتة مماسٌّ لها، وهو يتحرك من المشرق إلى المغرب، ويحرك بحركته جميع أفلاك الكواكب. وقال: إنّ فلك الشمس محيطان السطح الأعلى من كرته محدَّبٌ مماسٌّ لقعر فلك المرِّيخ، والسطح الأدنى مقعَّرٌ مماسٌّ لمُحدَّب فلك الزهرة. وقال في سطحَيْ القمر: الأعلى منهما مماسٌّ لمقعَّر فلك عُطارَد، والأدنى منهما مماسٌّ لكرة النار. وقال في سطحَيْ فلك عُطارَد المتوازيين: الأعلى منهما مماسٌّ لمقعَّر فلك الزهرة، والأدنى مماسٌّ لمحدَّب فلك القمر. وفي سطحَيْ فلك الزهرة: يماسُّ الأعلى فلك الشمس، ويحيط الأدنى بفلك عُطارَد. ٣٩١ - قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أبي الأَشْعَث - وهو جهميّ متفلسف - في مقالته في العلم الإلهي: وقد وضح البرهان عن أرسطاطاليس في المقالة الثامنة من كتابه في السماع الطبيعي، أنّ شيئًا متساوية الأجزاء لا يمكن أن يحرك نفسه، وقد بينّا نحن أيضًا هذا في المقالة الأولى، وقد رجع القول إلى أنّ محرِّكُه غيرُه، وما مُحرِّكُه غيرُه فمُحدَث. قال: وقد قال أرسطاطاليس إنّ كلّ جسم بالفعل فهو متناهٍ، ومحالٌ أن يكون جسمٌ متناهي غيرَ متناهي القوّة، والفلك جسمٌ متناهي فهو متناهي القوّة.

стр. 297

٣٩٢ - قال محمد بن زكريا الرازي: وقد صحّ أنّه لا يمكن حدوثُ جسمٍ لا من شيء، والأجسام تنحل جميعًا، وتتركّب من شيء واحد في جوهره، لكن إفادة البرهان على هذين المعنيين من علم ما بعد الطبيعة. وقال: على أنّه لم يصحّ أنّ الفلك سببُ الحياة في المتكوّنات، بل سببُ النموّ بإثارته الحرارة في عالم الأرض والماء. وقال: اختلفت الفلاسفةُ في الأرض الأصليّة: الطين هي، أم الحجر؟ فقال بعضُهم: إنّ جملة الأرض كانت حجرًا ثم تولّد الطينُ في سطوحها على الدهر، وقال بعضُهم: بل الحجر متولِّد والطين هي الأرض. قال: وقد أثبتنا أنّ داخل الفلك خلاء ما ببرهان فضلا عن خارجه، فالقول الصحيح إذًا أنّ خارج الفلك خلاء؛ إذ ليس يمكن أن يتناهى الجسمُ إلى شيء أو يكون لا في مكان، وكذلك الفلك المطلق الحقيقي إنّما هو الخلاء على ما بيّنّاه. وقال: اختلف الفلاسفةُ الطبيعيّون هل الفلك حيوان أم لا. قال: وزعم أرسطو أنّ له حاسّة السمع والبصر دون سائر الحواسّ لاستغنائه به عنها. ٣٩٣ - قال القاضي أبو محمد بن الطيّب الباقِلّاني في كتاب دقائق الكلام: باب الردّ عليهم في قولهم إنّ أقرب الأفلاك إلينا القمر وهو أدناها منّا، وأجمع الكلّ منهم على ذلك، فيقال لهم: لمَ قلتُم هذا؟ وما دليلُكم عليه؟ فإن قالوا: لأنّنا شاهدناه يكسف الكواكبَ كلَّها، فوجب أنّه تحتها وهي فوقه، فيقال لهم: متى رأينا ما تدّعون من ذلك، ومتى وجدنا القمر قطّ يكسف الشمس وعُطارَدًا، وكذلك ما رأينا الزهرةَ قطّ كسفت عُطارَدًا، ولا عُطارَدًا كسف الزُّهرة ولا زُحَلًا. قال: وقد اختلف أصحابُ الفلك في أعلى الأفلاك، فقال قومٌ منهم - وهم الجمهور -: إنّها سبعةٌ وإنّ أعلاها الفلك السابع وهو فلك الكواكب

стр. 298

الثابتة وإنّه لا فلك وراءه، وقال آخرون منهم: بل هناك فلك ثامن فوق الفلك السابع يحرِّك الكواكبَ كلَّها حركةً شرقيّة. وذكر علَّتَهم ومنعهم صحّتَها. وقال: وقال أكثرُهم: إنّ هذا الكون اللازوردي الذي يُرى للسماء هو لونُ السماء، وقال آخرون منهم ومن الصابئة والمسلمين: هو لونٌ معترضٌ بيننا وبين الفلك، وكذلك قالوا فيما يُرى من لون الكواكب والشمس والقمر، وقال آخرون منهم: إنّ لون الفلك البياض، وإنّما يُرى لازورديّ لوقوع شعاع الشمس عليه، وهو إلى الزرقة قسمين كذلك. وقال - فيما زعم بعضُهم -: إنّ ضوء جميع النجوم من الشمس لا من ذواتها، كما أنّ ضوء القمر من قِبَل الشمس لا من ذاته. قال: وهذا أيضًا من أمحل المحال وأظهر الأمور فسادًا. قال: وبيّنا أنّ ضوء القمر ليس من الشمس، وأنّ ذلك لا دليل عليه، وأنّ الدليل يوجب خلاف ما قالوه. قال: وفي حُذّاق الأوائل من الفلاسفة من يقول إنّ الكواكب لا ألوان ولا شعاع لشيء منها، وإنّه لا يقبل اللون ولا الشعاع إلّا الأجسام الطبيعيّة المركّبة، والأفلاك ممّا فوق الطبيعة. وذكر قولَ الذين يقولون إنّ الفلك يسير من المشرق إلى المغرب، وإنّ الكوكب تسير من المغرب إلى المشرق، قال: وهذا خلاف العيان؛ لأنّنا نرى النجوم كلَّها سائرة من المشرق إلى المغرب، فلو كان الأمر كما ذكروا من أنّ النجوم نسير من المشرق إلى المغرب لوجب أن تكون الشمس والقمر وأكثر هذه النجوم لا تظهر لنا إلّا في كلّ حين ودهر من الدهور الطويلة. وحكى قولَ من زعم من الفلاسفة أنّ الأرض هي المتحرّكة والفلك هو الساكن، وقولَ بعضهم إنّ القمر إنّما يؤثر في ضيائه وصفائه غارات الأرض إذا دنى منها، قال: ويقال لهم: قد قال الكريمُ إنّ ضياء القمر ليس من الطبيعة وذاته، ولكنّه من مقابلة الشمس واتّصال شعاعها بجوهره، فيجب

стр. 299

كذلك أن تكون الشمسُ فاعلةً للقمر ومدبِّرةً له، وهذا جهل عليهم. قال: ويقال له: بقي عليك إفسادَ ما نقوله نحن والمسلمون وأهلُ كلّ ملّة من أنّ حركات الأفلاك ليست بنفسيّة ولا طبيعيّة، بل هي من قِبَل غيره الذي هو محرِّكٌ له حركةً دائمةً سرمديَّةً، إلى حيث يشاء تسكينَه، فدُلَّ على فساده إن كنت قادرًا على ذلك. ٣٩٤ - قال الفخر الرازي في الملخّص (١): بل يجوز أن يكون فوق الفلك التاسع المتحرّك بالحركة اليوميّة من الأفلاك ما لا يعلم عددَها إلّا الله تعالى، بل يحتمل أن يكون هذا الفلك التاسع بما فيه من الكرات مركوزًا في ثخن كرة أخرى عظيمة، ويكون في ثخن تلك الكرة ألف ألف مثل هذه الكرة، وليس ذلك بمُستبعَد، فإنّ تدوير المرِّيخ أعظم من ممثّل الشمس، فإذا عُقل ذلك فأيّ بأس بأن يُفرض مثلُه فيما هو أعظم منه. * * * فصلٌ ممّا يردّ المتكلّمون وغيرُهم على الفلاسفة: قولُهم إنّ الأفلاك غير قابلة للحركة المستقيمة، والنشأة أنّها ليست ثقيلةً ولا خفيفةً ولا حارّةً ولا باردةً ولا رطبةً ولا يابسةً، وأنّها بسيطة كريّةً لا تقبل الحرق والشقّ، وقولهم إن الأفلاك ذوات أنفس، وإنّها متحرِّكة بالإرادة النفسيّة، وإنّ الكواكب متحرِّكةٌ بحركات الأفلاك، وقولهم في طبائع الكواكب وأنوارها، ومحو القمر والمجرّة، وشاهدوا الكواكب وكونَها كريّةً مع إنارتها وكثافتها ومخالفتها

стр. 300

للأفلاك في أنوارها، قالوا: ولو كانت بسيطةً لكانت شفّافةً غيرَ نيِّرةٍ على أصولهم، وقولهم إنّ نور القمر مستفادٌ من الشمس. فصلٌ ذكر ابنُ سبعين - المُلحِد - قولَ الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فقال: اعلم أنّه لا تناقض بين الآيتين بحال، وإنّما كان يجد الطاعنُ المقالَ أنْ لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها أو أنشأها أو ابتدأها، وإنّما قال ﴿دَحَاهَا﴾، فابتدأ الخلقَ للأرض كما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السموات - وكانت دخانًا - في يومين، ثم بعد ذلك دحا الأرض أي بسطها ومدَّها وكانت ربوة مجتمعةً فأرساها بالجبال وأنبت فيها النبات في يومين، فتلك ستّة أيام ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، وقيل: معنى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي مع ذلك، وبعد تأتي في كلام العرب بمعنى مع، وأنشد: فقلت لها فيئي إليك وإنني … حرام وإني بعد ذاك لبيب (١) أي: مع ذاك ملبّ. ٣٩٥ - قال أبو القسم عبد الله بن محمد بن ناقِيا (٢) في المقامات العشرة (٣)، وذكر قولَ معترض: ما معنى قوله ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ

стр. 301

الْقَمَر﴾ [يس: ٤٠]: وفي أوان كل محاق يقع الإدراك واللحاق، ثم في الكسوف الشمسي يكون الإدراك الحقيقي، فأجابه: إنّما الشمس لا تدرك القمر بفلكها، وإنّما هو بسرعة سيره يدركها، وذلك بمشاهدة الناظرين، قيل: فما معنى قوله ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، قال: المراد أنّه لا يذهب أحدُهما بمعنى صاحبه، ولا يزول تضامُّهما عن سببه، فكأنّه قال: لا الليل سابق النهار ولا النهار سابق الليل، ونابت إحدى الجملتين عن الأخرى، وهذا مذهبٌ من مذاهب العرب في أن السبق من النهار واقع؛ لأنّ الله لمّا خلق الشمسَ أوجد النهارَ بوجودها، ولم يكن الزمان قبلها يسمى ليلًا، فلما وقع الانحياز والتميّز بها كان النهارُ والليلُ، واستحقّ النهارُ السبقَ لأنّ الدليل منه، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥]. ٣٩٦ - قال الفخر الرازي في كتاب أسرار القرآن (١): قوله تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] لا يقتضي كونَ الكواكب موجودةً فيها؛ وذلك لأنّ السموات إذا كانت شفّافةً فالكواكب فيها، سواء أكانت في سموات أخرى فوقها، فهي لا بدّ أن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماءُ الدنيا متزيّنةً بهذه المصابيح. ٣٩٧ - قال عبد السلام بن بَرَّجان (٢): ذكر الذين تعاطَوْا معرفةَ أجرام الكواكب وأبعاد الأفلاك، فزعموا أنّ الشمس هي أكبر من الأرض بمائة وثمانية وثمانين ضعفًا، ومنهم من زاد على ذلك إلى ثلثمائة ضعف، وكذلك قالوا في القمر وسائر الكواكب بالزيادة على الأرض، وفاضلوا بين ذلك، فإن كان المعنى منهم بموضع المضاعفة طريق الشمس في فلكها من

стр. 302

مشرقها إلى مغربها، ثم بمصعدها في أعلى مسالكها في ذلك، ومنازلها إلى أدنى ذلك في المشارق والمغارب، فربما فارقوا أو ظُنَّ بهم ذلك، وإن كان هذا غيرَ مُدرَكٍ لبشر من غير توقيفِ نبوّة ولا إعلامٍ بوحي من عند الله، وإن كان المعنيّ بذلك قرص الشمس فالمشاهدةُ تُبطل ذلك، وإنّما أوقعهم في هذا التهافت ما رأوْه من أمر الله المجعول فيها وبها. وذكر بقيّةَ كلامه في تفسير سورة الأنعام، إلى أن قال: والقائلون بما تقدّم ذكرُه من عِظَم أجرام الكواكب هم القائلون حقًّا أنّهما لا يطلعان على جميع الأرض. ٣٩٨ - قال صاحب زاد المسافر في الطب (١): والعين ليس فيها نور، وإنما نورها والضوء فيها إنما هو مُكتَسَب من الأنوار المشرقة التي هي الشمس والقمر والكواكب. ٣٩٩ - قال شيخُنا الإمام أبو العبّاس (٢): "وليس مع أحد دليلٌ على أنّ الأرض إلى المركز جنسٌ واحدٌ متماثل، حتى يمتنع أن يكون سبع أرضين، يعني قول الله ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، بل علمُ الهيئة بعضُه يقوم عليه دليل، كاستدراة الأفلاك، وبعضُه لا يقوم عليه دليلٌ، مثل كون الثامن أو التاسع هو المحيط، وكون الشمس في الرابعة". ٤٠٠ - قال خُشَيْش بن أَصْرَم: حدثنا الفِرْيابي، ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى قال: قلت لمجاهد: أين الجنّة؟ قال: في أعلى العِلِّيِّين، قلت: فأين النار؟ قال: في أسفل السافلين. ٤٠١ - وقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا محمد بن سُلَيْم قال:

стр. 303

سمعت قتادة قال: "كانوا يَرون أنّ الجنان في السموات، وأنّ النار في الأرضين السابعة". ٤٠٢ - وقال: حدثنا الفِرْيابي، ثنا سفيان، عن ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مِعْدان، عن عبد الله بن عمرو قال: "الجنّة مطويّة في قرون الشمس، تُنْشَر في كل عام مرتين، وأرواح المؤمنين في طير كالزرازير تأكل من ثمر الجنّة". رواه إسحاق بن راهويه (١) وأبو بكر بن أبي شيبة (٢)، عن عيسى بن يونس عن ثَوْر بن يزيد. وهو عندنا في جزء أبي عاصم، رواه عن ثَوْر. ٤٠٣ - قال عثمان بن سعيد الدارمي (٣): وقد كتب إليّ علي بن خَشْرَم: أنّ وكيعًا سُئل عن حديث عبد الله بن عَمْرو في الجنّة معلّقة بقرون الشمس، فقال وكيع: "هذا حديث مشهور، قد روي ويُروى، فإن سئلوا عن تفسيره لم يُفسّر لهم، ومنهم من ينكره وينازع فيه، والجهميّة تنكره". * * *

стр. 304

بابُ في بقاء الجنّة والنار ومن قال: تفنى النار وقوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، وقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] وقد أخبر عن العذاب أنّه ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ في سورة "الحج"، و ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في "الشعراء" في قصّة هود، و ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. ولم يخبر عن النّعيم أنّه نعيمٌ واحد في موضع من كتابه. وقد ثبت في الصحيح (١) تقديرُ يوم القيامة بخمسين ألف سنة. وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥]، كما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥]، ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧]، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠]، ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ [الشعراء: ٨٧، ٨٨]، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧].

стр. 305

٤٠٤ - قال عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده: أبنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أبنا إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلي، ثنا محمد بن يحيى الحنّاط، ثنا علي بن شُعَيْب أبو الحسن البلخي، ثنا محمد بن الحكم السكّري المَرْوَزي، ثنا يحيى البلخي، ثنا ابن لهيعة، عن مِشرَح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "خُلق الإنسان للأبد، بينهما موتة، كما أنّ روحك لا تفنى، كذلك الجنّة والنار لا تفنيان"، ثم قرأ: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨، ٥٩] (١). ٤٠٥ - وقال: أنا محمد بن عبد الرزّاق، أبنا جدّي، ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب، ثنا أبو زرعة، ثنا محمود بن غَيْلان، قال: سألت يحيى بن يحيى قلت: ما تقول فيمن يقول: إنّ حور العين يموتون؟ قال: "هو كافر، ومن زعم أنّه يفنى شيءٌ ممّا في الجنّة فهو كافر" (٢). ٤٠٦ - قال: وأخبرنا عبد العزيز بن أحمد التاجر، أنا أبو الشيخ، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا أحمد بن عصام، ثنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود. قال: وحدثني أبي، ثنا إسحاق بن راهويه قال: قال لي ابن المبارك: لقيني النضرُ بن محمد فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول فيمن يقول: إنّ حور العين يموتون؟ فقلت: هؤلاء جهميّة، فقال: يا أبا عبد الرحمن، من زعم

стр. 306

أنّ حور العين يموتون بموت العباد، أو يَفْنَوْن بفناء العباد، أو شيءٌ من الآخرة ينقطع قبل النشور أو بعد النشور من الجنّة أو النار، فهو كافر بالله العظيم، يقول الله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]: غير مقطوع، وقال ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]، فأبدًا: ليس له انقطاع. ٤٠٧ - وقال: أبنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أبنا إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلي قال: سمعتُ أبا عمرو محمد بن حامد يقول: سمعتُ أبا سليمان محمد بن فُضَيْل يقول: قال أبو معاذ خالد بن سليمان: "من قال إنّ الجنّة والنار تفنيان قبل دخول أهلها فيهما أو بعد دخول أهلها فيهما فهو كافر". ٤٠٨ - وقال: أخبرنا عبد العزيز بن أحمد التاجر، أبنا أبو الشيخ قال: حدثني عبد الله بن جعفر، ثنا أحمد بن عصام، ثنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني. قال: وحدثني أبي قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: "من قال: إنّ حور العين يموتون، أو شيئًا من نعيم الجنّة أو شيئًا من عذاب جهنّم يفنى، فهو كافر، يُستتاب، فإن تاب، وإلّا ضربت عنقه". ٤٠٩ - وقال: أخبرنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أبنا إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلي قال: سمعت إسحاق بن عبد الرحمن القارئ يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن محمد بن الفضل القاضي بسمرقند قال: سمعتُ حسين بن حرب أبا الحسن البيكَنْدي قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: "الجنّة والنار لا تفنيان ولا تموتان، وكيف تموتان وهما جزاءٌ وثوابٌ، والجزاء والثواب لا يموتان". ٤١٠ - وقال: أخبرنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أبنا إبراهيم بن أحمد المُستَمْلي قال: سمعتُ أبا الفضل بن ياسين يقول: سمعت أحمد بن

стр. 307

جرير يقول: سمعت قُتَيْبَة بن سعيد يقول: "الجنّة والنار مخلوقتان لا تفنيان". ٤١١ - وقال: أبنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أبنا إبراهيم بن أحمد قال: سمعت محمد بن عمر بن طاهر- قراءةً - قال: سمعت الحسن بن حمويه يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن الأزهر بن مسلم التميمي يقول: "الجنّة والنار مخلوقتان لا تفنيان، على هذا أدركنا أبا معاذ وخلف وشدّاد وعلويَّة وليث (١) وإبراهيم، فمن جحد بها، أو بالعرش والكرسي، والميزان، والصراط، والشفاعة، والحوض، وعذاب القبر، أو بواحد منها فهو كافر". ذكر ذلك عبد الرحمن بن منده في كتاب حُرْمة الدين. ٤١٢ - وذكر من وجهين، عن مقاتل - هو ابن حيّان - في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: "كلّ شيء فيه الروح، فأما الجنّة والنار فإنهما لا تفنيان". ٤١٣ - قال الدَّوْلابي أبو بشر في كتاب الكنى (٢) في ترجمة رافع الطائي من الصحابة: حدثنا عمران بن بكّار، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن رافع الطائي، قال: عاده ناسٌ من فقهاء الجند فقالوا: يا أبا الحسن، فقال: "إن الله يقول: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ] فالحِقْب ثمانون ألف سنة"، وذكر حديثًا طويلًا. ٤١٤ - قال أبو محمد بن حزم الأندلسي: "فإن قيل: قد قال الله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، قلنا:

стр. 308

هذا صحيح، وهذا الاستثناء إنَّما هو للمُدَد التي كانت الأرواح فيها في الدنيا وفي البرزخ، لا في جنّة ولا في نار، وهذا الاستثناء مشاهَد بالحواس، فهو حق، ولا يجوز أن يُستثنى من عموم الخلود بدعوى لا برهان على صحَّتها"، وذكر بقية كلامه في كتاب الدرة في الاعتقاد (١). ٤١٥ - ذكر الحارث بن أبي أسامة في مسنده - في الجزء السادس عشر-: حدثنا عبد الرحيم بن واقد، ثنا محمد بن خالد القرشي، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الشامي، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "الحوك الحمقاء بقلة طيّبة، كأني أراها نابتةً في الجنّة، والجرجير بقلة خبيثة، كأنّي أراها نابتةً في النار" (٢). ٤١٦ - وذكر (٣): حدثنا عبد الرحيم بن واقد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن ذَكْوان الهاشمي، ثنا أبان بن المُحَبَّر، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا من الهِنْدِباء (٤) ولا تبغضوه، فإنّه ليس من يوم من الأيام إلا وقطرات من الجنّة تقطرن عليه". ٤١٧ - أخبرنا خالي (٥)، أبنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد،

стр. 309

أبنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبّار المقدسي، أبنا عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، أبنا عبد الجليل بن أبي سعد بن إسماعيل المعدّل، أبنا أبو عطاء عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، أبنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن جعفر الماليني بها (١)، ثنا أبو علي أحمد بن محمد بن علي بن رزين، ثنا عبد الرحيم - هو: ابن حبيب الفاريابي -، ثنا صالح - هو: ابن بيان -، عن أسد بن سعيد، عن جعفر بن محمد، عن أبان، عن علي قال: كنت عند النبي ﷺ ، فذُكر عنده الأدهان فقال: "فضْلُ البنفسج على سائر الأدهان كفضلنا أهل البيت على سائر الخلق". وكان النبي ﷺ يدّهن به ويستغطّ به، وذكر الحديث وفيه: وذُكر له الحوك - وهو الباذَروح - فقالا: "بَقَلَتي وبَقَلَة الأنبياء قبلي، وإنّي لأحبّها وآكلها، وكأنّي أنظر إلى شجرتها نابتة في الجنّة". وذُكر له الجرجير فقال. "أكرهها ليلًا، ولا بأس بها نهارًا، وكأنّي أنظر إلى شجرتها نابتةً في جهنّم". وفيه: وذُكر الهِنْدِباء فقال: "كلوا الهندباء من غير أن يُنفض أو يغسل، فإنه ليس منها ورقة إلّا وفيها من ماء الجنّة"، الحديث بطوله (٢). هذا حديث منكر؛ بل موضوع.

стр. 310

٤١٨ - وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه الهُورْقاني (١): ثنا أَشْعَب بن يزيد، أبنا محمد بن جيهان، ثنا عمر بن موسى، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: أُتي رسول الله بالحوك فقال: "بقلة طيّبة، رأيتها نابتةً في الجنّة" وأُتي بالجرجير فقال: "ريح خبيث، كأني قد رأيتها نابتةً في النار" (٢). رواه في تاريخ المراوزة. ٤١٩ - وقاد ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال (٣): حدثنا خالد بن خِداش، ثنا عبّاد بن عبّاد، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال عثمان بن عفان: "ليأتين على جهنم يومًا (٤) وما فيها أحد"، قال: يعني الموحِّدين. ٤٢٠ - وقال حرب الكِرْماني (٥): حدثنا عُبَيْد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شُعْبَة، عن أبي بَلْج، سمع عَمْرو بن مَيْمُون يحدّث عن عبد الله بن عَمْرو قال: "ليأتينّ على جهنم يومٌ تصطفق فيه أبوابُها ليس فيها أحد، وذلك ما يلبثون فيها أحقابًا".

стр. 311

٤٢١ - وقال (١): حدثنا عُبَيْد الله، ثنا أبي، ثنا شُعْبَة، عن يحيى بن أيوب، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة قال: "ما أنا بالذي أقول إنّه سيأتي على جهنّم يومٌ لا يبقى فيها أحد"، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ [هود: ١٠٦] الآية، قال عبيد الله: كان أصحابُنا يقولون: يعني به الموحدين. ٤٢٢ - وقال حربٌ (٢): سألت إسحاق قلت: قول الله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، قال: "أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن". ٤٢٣ - قال سعيد بن منصور (٣): ثنا هُشَيْم، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن مَيْمون الأَوْدي، عن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣] قال: "الحِقْب الواحد ثمانون سنة". ٤٢٤ - عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس في قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] قال: "معدنهم فيها أبدًا". رواه إسحاق بن راهويه (٤). ٤٢٥ - وفي حديث عُبَيْد بن رِفاعة الزُّرَقي عن أبيه: في دعاء النبي ﷺ يومَ أحد: "اللَّهمّ إنّي أسألك النعيمَ المقيم الذي لا يحول ولا يزول" الحديث. رواه البخاري في الأدب (٥).

стр. 312

٤٢٦ - قال الدارَقُطْني (١): حدثنا أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن بُجَيْر بن يحيى القاضي، ثنا محمد بن يحيى بن زكريا الحرّاني، ثنا الحسن بن محمد بن أَعْيَن، ثنا محمد بن عبد الله القرشي المكي، أنّ خاله محمد بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة حدّثه، عن أبيه، عن مروان بن الحَكَم، عن عمر بن الخطّاب، أنّ النبي ﷺ قال: "لا يُتَغَبَّطن فاجرًا بنعمه، رحب الذراعين يسفك دماء المسلمين، فإنّ له عند الله قاتلًا لا يموت: ﴿جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ". غريب من حديث مروان بن الحَكَم عن عمر بن الخطّاب، يرويه عبد الله بن أبي مُلَيْكة عنه، ولم يروه عنه غيرُ ابنه محمد، ولم نكتبه إلّا من هذا الوجه، ولا أعلم لمحمد بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة مسندًا غيرَ هذا (٢). ٤٢٧ - أخبرنا إسحاق بن يحيى، أنا يوسف بن خليل، أنا خليل بن أبي الرجاء، أنا أبو علي الحدّاد، أنا أبو نُعيْم، أنا الطبراني، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلْم، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عبد الله بن مِسْعَر بن كِدام، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله: "ليأتينّ على جهنّم يومٌ كأنّها زرع هاج وأحمر تخفق أبوابها" (٣). ٤٢٨ - روى ابن عدي (٤)، للعلاء بن زيد عن أنس: قال رسول الله: "ليأتينّ على جهنم يومًا تصطفق أبوابها، ما فيها من أمّة محمد أحدٌ".

стр. 313

٤٢٩ - روى ابن عدي (١)، لعمرو بن شَمِّر - وهو متروك - عن ليث بن أبي سُلَيْم عن عبد الرحمن بن سابِط عن عُبادة بن الصامت رفعه: "الحِقْب أربعون سنة". ٤٣٠ - قال ابن ماجه في تفسيره: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت خارجة يقول: "كفرت الجهمية من غير موضع من كتاب الله، قولهم: إنّ الجنّة تفنى، قال الله ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، من قال إنّها فقد فقد كفر" (٢). ٤٣١ - قال أبو أحمد بن عدي الحافظ (٣): حدثنا ابن مُكْرِم ومحمد بن إسماعيل البَصْلاني قالا: ثنا عبيد الله - هو: ابن يوسف الجُبَيْري -، ثنا سليمان بن مسلم الكوفي، عن سليمان التَّيْمي، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إنّ الله لا يُخرج من دخل النار حتى يمكثوا فيها أحقابًا، والحِقْب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة - زاد ابن مُكْرِم - مما تعدّون". وقال ابنُ إسماعيل: حدثني نافع وقال: "والله لا يخرج" فذكره. قال ابن عدي: "وهذا الحديث منكر جدًّا، وسليمان بن مسلم هذا قليل الحديث، وهو شبه المجهود، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا".

стр. 314

ورواه الدارَقُطْني في الجزء التاسع والتسعين من الأفراد (١)، عن أبي حامد محمد بن هارون وأبي محمد بن صاعد عن عبيد الله بن يوسف الجُبَيْري، وقال: "تفرّد به سليمان بن مسلم عن التَّيْمي". ورواه أبو بكر الشافعي في الخامس من الغيلانيات (٢)، عن جعفر بن محمد بن كُزال عن الحسن بن قَزَعَة عن سليمان بن مسلم. وهو عندنا في كتاب صفة النار لضياء الدين المقدسي. ٤٣٢ - وقال أبو عُمَر الطَّلَمَنْكي: "وأجمع المسلمون على أن الجنّة والنار مخلوقتان بعد، وعلى أنّ الله قد أعدّهما لأهلهما"، قال: "وكذلك أجمعوا على أنّهما لا تبيدان ولا تفنيان"، قال: "وأجمعوا على أنّ الجنّة التي كان فيها آدم إلى أن خرج عنها هي جنّة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، فمن قال غيرَ ذلك فهو داخل في جملة الزائغين". * * *

стр. 315

باب خلق النفس والروح وقد قيل: إنّ النفس هي الروح (١). ٤٣٣ - قال أحمد بن عِمْران بن سلامة البغدادي الأَخْفَش النحوي (٢) في حديث "إنما نَسَمة المؤمن طير تعلّق في شجر الجنّة": "النَّسَمة: النفس والروح؛ والجسد نفسه يقال له: نسمة، وأما في هذا الحديث فإنما يعني الروح" (٣). وقول الله تعالى في سورة (والفجر): ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٩]، وعن ابن عباس أنه قرأ (فادخلي في عبدي)، ذكره أبو عُبَيْد والفرّاء (٤) ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٣٠]، وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس: ٧]، ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦]، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ إلى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩] قُرئت بخفض الكاف والتاء، حكاه الفراء (٥)، قال: "كأنّه يخاطب النفس، وهو وجه حسن، لأنّه ذكر النفس فخاطبها، فأجرى الكلام الثاني على النفس في خطابها".

стр. 316

٤٣٤ - أخبرتنا زَيْنَب ابنة أحمد، أنبأنا يوسف بن خليل، أنا محمد بن أبي زيد، أنا محمود بن إسماعيل، أنا أبو بكر بن شاذان، أنا أبو بكر بن فُورَك، أنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا ابن كاسِب، ثنا عبد الله بن عبد الله، ثنا مَعْن بن محمد الغِفَاري، عن حَنْظَلَة بن علي الأَسْلَمي، عن أبي هريرة أنّه سمع النبي ﷺ قرأ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] قال: "اللَّهُمَّ آتِ نفسي تقواها، زكِّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها" قال: وهو في الصلاة (١). ٤٣٥ - قال محمد بن نصر المروزي (٢): "لا اختلاف بين المسلمين أنّ الأرواح التي في آدم وفي عيسى ﵇ ومن سواهما من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكوّنها واخترعها، بعد أن لم تكن، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه، قال الله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، - قال: - فروح آدم وعيسى وسائر الأرواح تُضاف إلى الله، فيقال: هي منه، على معنى أنها خَلْق له ومُلكٌ له، وكذلك نور المؤمنين والأنبياء والأنوار كلها تُضاف إلى الله، ويقال: هي منه، على أنها خَلْقٌ له ومُلْكٌ له، - قال: - ويقال: علم الله من الله، وقدرته منه، وكلامه وإرادته وحِلْمه وسمعه وبصره ورحمته ووجهه ويداه منه، فهذه صفات ذات تُضاف إليه على أنها صفة له ونَعْت له، لم يزل بهذه الصفات ولا يزال بها، لا على أنها خَلْقٌ له ومُلْكٌ له، فافهم الفرق بين الإضافتين". * * *

стр. 317

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ٤٣٦ - عن الأَعْمَش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث المدينة، وهو متوكّئًا على عسيب معه، فمرّ نفرٌ من اليهود، فقال بعضُهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضُهم: لا تسألوه لا يجيء فيه شيءٌ تكرهونه، فقال بعضُهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قال الأَعْمَش: هكذا في قراءتنا. رواه البخاري ومسلم (١). ٤٣٧ - قال ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات (٢): حدثني سُرَيْج بن يونس، ثنا عَبيدة بن حُمَيْد، أخبرني عمّار، عن سالم بن أبي الجَعْد قال: قال حُذَيْفَة: "الروح بِيَد ملَك وإنّ الجسد ليُغْسَل، وإنّ ذلك الملَك لَيمشي معه إلى القبر، فإذا سوّي عليه سلك فيه، فذلك حين يخاطَب".

стр. 318

٤٣٨ - قال أبو محمد بن حزم في كتاب الدرّة (١): "والروح والنفس شيءٌ واحد، قال رسول الله ﷺ ليلةَ ناموا عن صلاة الصبح: (إنّ أرواحنا كانت بيد الله فردَّها إذْ شاء)، أو كما قال ﵇، وقال له بلال في ذلك الحين: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله) فلم ينكر ذلك عليه النبي ﵇". الأقوال التي حُكيت للناس في الروح حُكيت لهم في النفس. وقال بعضُ الناس: الألفاظ ثلاثة: النفس، والروح، والحياة، ومعنى الروح أنّه الحياة، وإليه ذهب أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم القلانسي وطائفة من المعتزلة. ٤٣٩ - وقال أبو محمد البغوي (٢) في الروح المركّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان: "تكلّم فيه قومٌ، فقال بعضهم: هو الدم، ألا ترى أنّ الحيوان إذا مات لا يموت منه إلّا الدم، وقال قومٌ: هو نَفَس الحيوان، بدليل أنّه يموت باحتباس النفَس، وقال قومٌ: هو عرض، وقال قومٌ: هو جسم لطيف، وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النورُ والطيبُ والعلوُّ والعلمُ والبقاءُ، ألا ترى أنّه إذا كان موجودًا يكون الإنسانُ موصوفًا بجميع هذه الصفات إذا خرج ذهب الكلُّ، وأولى الأقاويل أن يوكّل علمه إلى الله ، وهو قولُ أهل السنة، قال عبد الله بن بُرَيْدَة: إنّ الله لم يُطْلِع على الروح ملَكًا مقرّبًا ولا نبيًّا مرسلًا". ٤٤٠ - وقال أبو الحسن الآمدي علي بن الحسن (٣): "وقد اختلف

стр. 319

الأولون في أمر النفس الإنسانية، فقال قومٌ: إنها عرَض، لكن منهم من قال إنّها من جملة القوى الفعّالة ومنهم من قال إنّها مزاج، وقال قومٌ: إنها جسم، ثمّ منهم من قال إنّها جسم عبقري، ومنهم من قال إنّها الروح، ومنهم من قال إنّها الدم، والذي ذهب إليه المحقِّقون منهم: أنّه جوهر بسيط مجرّد عن المادة، دون علائق المادة، ويدل عليه أن كل عاقل يجد من نفسه أنه يعمل شيئًا ما، فإن كان بسيطًا لا تركيب فيه فهو المطلوب، وإن كان مركّبًا ففيه البسيط، والبسيط غير متحرى، فالمُدرَكُ إمّا أن يكون بسيطًا أو مركّبًا لا جائز أن يكون مركّبًا، وإلّا فالمُدرَك منه إما البعض أو الكل، فإنّ المدرَك البعض دون الكل، فإن كان مركّبًا عاد التقسيمُ وتسلسل، وإن كان بسيطا فهو النفس والباقي خارجٌ عنها، وإن كان المُدرِكُ هو الأجزاء فإمّا أن يكون كل جزء أدرك ما أدركه الآخر أو غيره، فإن كان الأول لزم حصولُ العلم بالشيء الواحد مرارًا، وهو خلاف ما نجده من أنفسنا، وإن كان الثاني فقد لزم التحري فيما لا يُتحرَّى وذلك محال، فلم يبق إلّا أن يكون المدرك للبسائط بسيطًا لا تركيب فيه، وإلّا لزم التحري فيما لا يُتحرّى له أو عُدم التحري في المتحرَّى وهو محال، وذلك هو المعنى بالنفس الناطقة". قلت: هذه الحجة التي ذكرها هو وغيره على أنّ النفس ليست بجسم، قد نقضها عليهم شيخُنا أبو العبّاس وبيّن فسادَها بكلام مفصّل مبسوط ليس هذا موضع حكايته. فمنه (١): أنّ قولهم (العلم بما لا ينقسم لا ينقسم) كلام لا حقيقة له؛ إذ حاصله: أن العلم بما لا اختيار فيه لا اختيار فيه، وما لا اختيار فيه لا يُعلم، بل لا يوجد، فلا يُتصوّر أن يقوم عليه محلّ أصلًا، وإنما مدار حججهم على إثبات موجود لا امتياز فيه، كما أثبتوا جزاءً لا ينقسم أو يقبل

стр. 320

الانقسام إلى غير نهاية، فما ادّعَوْه من الجزء والانقسام المحصور الذي هو فصل بعضه عن بعض كما نفوه من الانقسام الذي يُعنى به إمكان تعلّق العلم والإدراك ببعضه دون بعض، فلا ذلك المثبت له تلك القسمة له وجود، ولا هذا المنفي عنه هذه القسمة له وجود، بل كل موجود ثبتت له هذه المباينة والقيام بالنفس الذي سمّوه انقسامًا، وليس في الموجودات ما يفضل بعضه عن بعض، حتى ينتهي إلى جزئهم أو ينقسم دائمًا. وأما ما ذكروه من أنّ النفس يقوم بها العلمُ بالأمور الكلّية، كالإنسانية والجسمية التي لا توجد إلّا في الأذهان، والكلي المجرّد عن جميع الأمور المشخصة، فلو كان مخلد جسمًا لكان له مقدار معيّن، فيقال لهم: إن كانت هذه الحجّة صحيحة فيلزم أن تكون النفس أمرًا كلّيًا لا يتعيّن ولا يتميّز عن غيره، ولا له وجود خارجي يتخصّص به، وهذا في الحقيقة قولٌ بعدم النفس وتعطيلٌ لها، لأنّ كلّ موجود فلابدّ له من تعيين يتخصّص به في الخارج، فحججهم هذه توجب عدم النفس من حيث ظنوا تجريدَها، كما أنّ احتجاجهم على تنزيه الباري يوجب تعطيلَه، حيث يجعلونه الوجودَ المطلقَ الذي لا يتعيّن، وذلك يمتنع وجودُه في الخارج، وذلك لأنهم إذا قالوا: النفس تقوم بها أمورٌ كلّية، وجعلوا المحلّ كالحالّ في ذلك، لزم أن تكون النفس كلّية، وإن لم يجعلوا المحلّ كالحالّ تُطلب الحجة. ٤٤١ - قال أبو محمد بن حزم (١) في من قال: إنّ الروح عرَض لا يبقى وقتين بل يفنى ويضمحل، وإنّ النفس ليست شيئًا غير الهواء الداخل والخارج بالتنفس: "ما قال هذا القولَ أحدٌ ممن ينتمي إلى الإسلام إلّا أبو الهُذَيْل العَلّاف المعتزلي، وهي أحد شنعه المُخرجة له عن الإسلام، ثم اتبعه على ذلك الطائفة المنتمية إلى الأشعرية".
следующие страницы →