← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

النوعين الأولين كحمل حطب، وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله: (بطل البيع)؛ لما روى أبو داود، والترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحلُّ سلف، وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٧)، والضرب الثاني من الشروط أشار إليه بقوله (ومنها فاسد) وهو: ما يُنافي الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﵇ قد اشترى جملًا من جابر بن عبد الله، واشترط جابر أن يركب عليه إلى المدينة، فوافقه النبي ﷺ على ذلك، فلو لم يصحّ البيع مع الشرط: لما وافق ﵇ على ذلك؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط الصحة - كما سبق بيانه - فتكون هذه الشروط صحيحة؛ لعدم ورود ما يُبطلها من الشارع؛ استصحابًا للأصل. فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منافع، ودفع مفاسد عن المسلمين، فإن قلتَ: لا يصح بيع وشرط؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇: "عن بيع وشرط" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد قلتُ: هذا الحديث لم يصح إسناده، كما قال ابن القيم، وهو مخالف للسنة التقريرية والاستصحاب السابق ذكرهما، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في صحّة حديث النهي عن بيع وشرط" فعندنا: لم يصحّ، وعندهم: يصح. (٧) مسألة: يصح أن يشترط البائع أو المشتري شرطين فأكثر في عقد واحد: إذا اتّفقا على ذلك، وكان في مصلحة العقد، وكان الشرطان غير منهي عنهما شرعًا: فيصحّ أن يشترط البائع رهنًا، وضمانًا معًا، ويصحّ أن يشترط المشتري: "أن يكون العبد - مثلًا - كاتبًا، وأن يؤجَّل ثمنه إلى سنة" ويصح: أن يشترط البائع: أن يسكن الدار التي باعها سنة وأن يسكن قريبه في دار المشتري الثانية سنة" ويصح أن يشترط المشتري: "أن يقوم البائع بخياطة الثوب الذي اشتراه منه، وتفصيله، وإيصاله إلى منزله" ذهب إلى ذلك كثير من العلماء المحققين منهم ابن =

стр. 1437

مُقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع (٨) أحدها: (يبطل العقد) من أصله (كاشتراط أحدهما على الآخر عقدًا آخر كَسَلف) أي: سَلَم (وقرض، وبيع، وإجارة، وصرف) للثمن أو غيره، وشركة، وهو: "بيعتان في بيعة" المنهي عنه، قاله أحمد (٩)، الثاني: ما يصح معه البيع، وقد ذكره بقوله: (وإن شرط: تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط الصحّة إلّا ما نهى عنها الشارع، وجمع الشروط المتّفق عليها من المتبايعين مع عدم النهي عنها: لم يرد من الشارع النهي عنها فنستصحب ذلك، ونعمل به، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الشرطين في مصلحة المتعاقدين أو العقد: صحتهما؛ إذ لا مانع من ذلك، فإن قلتَ: لا يصح ذلك وإذا وجد: فإن البيع يبطل وهو ما ذكره المصنف هنا، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" ولفظ "لا يحل" من صيغ الحرام الصريحة قلتُ: المقصود بالشرطين المنهي عنهما: الشرطان اللذان ليسا في مصلحة العقد كما فسّره الإمام أحمد، واللذان فيهما أو في أحدهما محذور شرعي كأن يشترط البائع على المشتري: "أن لا يطأ الأمة التي باعها عليه وأن لا يبيعها على أحد غيره" قال ابن القيم: "كل شرط خالف حكم الله وكتابه: فهو باطل، وما لم يخالف حكمه: فهو لازم" قلتُ: وهذا عام كشرط الواحد والأكثر منه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المقصود من الشرطين في الحديث". (٨) مسألة: الشروط الفاسدة في البيع هي: كل شرط خالف مقتضى العقد الشرعي، وتنافى مع ما يقتضيه، وورد من الشارع ما يُبطله ويُفسده، تنبيه: الشروط الفاسدة ثلاثة أنواع، وسيأتي بيانها. (٩) مسألة: في الأول - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا يفسد ويُبطل العقد كله بسبب اشتراط عقد في عقد، وهو المسمَّى "بالبيعتين في بيعة" وهو: اشتراط أحد المتبايعين على الآخر عقدًا =

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . آخر يضاف إلى عقد البيع مثل: أن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تبيعني سيارتك بعشرين ألف" أو يقول المشتري: "اشتريتُ منك تلك الدار بمائة ألف بشرط: أن تسلفني أو تسلمني الآن ألف ريال وأعطيك عنها مائة صاع من الأرز بعد سنة" أو يقول البائع: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تؤجرني دارك الأخرى بعشرين ألف لمدّة سنة" أو يقول: "اشتريتُ هذه الدار بعشرة آلاف دينار ذهبًا بشرط أن تصرفها بكذا دراهم" أو يقول: "بعتك هذه الدار بكذا بشرط: أن تشاركني في المصنع الفلاني" فكل ذلك يُبطل أصل البيع؟ لقواعد: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يحلُّ بيع وسَلَف" فنهى عن الجمع بين عقد البيع، وعقد السلف - أو السَّلَم - والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وثانيهما: أنه ﵇ "نهى عن بيعتين في بيعة" وشرط السلف، والقرض، والإجارة، والصرف، والشركة مع البيع يُعتبر بيعتان في بيعة واحدة، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهو فساد العقد كله. الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز نكاح الشغار - وهو: قول الأب: "أزوجك ابنتي بشرط أن تزوجني ابنتك" ونحوه - فكذلك لا يجوز اشتراط أحد المتعاقدين عقدًا آخر، والجامع: إدخال عقد في عقد في كل. الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود: "صفقتان في صفقة ربا"، والصفقة: هي البيع، وهذا يلزم منه: التحريم؛ لكونه يُؤدِّي إلى محرم، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا الشرط يُبطل البيع كله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك وسيلة إلى الربا، وأكل مال الناس بالباطل؛ لوجود استغلال المشترط للآخر؛ فإن قلتَ: تصحّ تلك الشروط، ويصحّ البيع، وهو قول الإمام مالك، وتبعه بعض العلماء كابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المعاملات والشروط الصحة والحلّ، ولم يُوجد ما يمنع تلك الشروط. قلتُ: إن السنة =

стр. 1439

أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع، وإلا: ردُّه أو) شرط أن (لا يبيع) المبيع (ولا يهبـ) ـه (ولا يعتقـ) ـه (أو) شرط (إن أعتق فالولاء له) أي: للبائع (أو) شرط البائع على المشتري: (أن يفعل ذلك) أي: أن يبيع المبيع، أو يهبه ونحوه: (بطل الشرط وحده)؛ لقوله ﵇: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله: فهو باطل وإن كان مائة شرط" متفق عليه، والبيع صحيح؛ لأنه ﷺ في حديث بريرة أبطل الشرط، ولم يُبطل العقد (١٠) (إلا إذا شرط) البائع (العتق) على المشتري، فيصح الشرط أيضًا، القولية، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة التي ذكرناها قد غيَّرت ذلك الأصل من الحل إلى الحرمة، ثم إن تساهل الناس في تلك الشروط يؤدِّي غالبًا إلى استغلال الناس بشروط يشترطونها في بيوعهم. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تلك الأدلة هل غيرت ما استصحب من الأصل أم لا" فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (١٠) مسألة: في الثاني - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا فاسدًا؛ لمنافاته لمقتضى البيع شرعًا، ولكنه لا يُفسد عقد البيع، أي: يصحّ البيع دون الشرط مثل: أن يقول المشتري: "اشتريتُ منك هذه الثياب بألف بشرط: أن لا أخسر في السوق إذا بعتها" أو يقول: "اشتريتها بألف بشرط: أن أبيعها في السوق وإن لم أبعها فسأردَّها إليك وآخذ ثمنها" أو يقول البائع: "أبيعك هذه الدار بكذا بشرط: أن لا تبيعها على أحد، ولا تهبها لأحد، أو لا تتصدَّق بها على أحد" أو يقول: "أبيعك هذا العبد بكذا بشرط: أنك إذا أعتقته "فالولاء لي" - أي: يكون كأنه من أقاربي - أو يقول: "بعتك هذا العبد بكذا بشرط: أن تبيعه على فلان، أو تهبه له" ونحو ذلك، فهذه الشروط باطلة" ويصح البيع: سواء رضي المتبايعان أو لا، وسواء كان في ذلك الشرط مصلحة لهما أو لا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" والمراد: أن =

стр. 1440

ويُجبر المشتري على العتق إن أباه، والولاء له، فإن أصرَّ: أعتقه حاكم (١١)، وكذا: شرط رهن فاسد كخمر، ومجهول، وخيار أو أجل مجهولين، ونحو ذلك، فيصح البيع، ويفسد الشرط (١٢) (و) إن قال البائع: (بعتك) كذا بكذا (على أن تنقدني الثمن أي شرط في المعاملات لم ترد الموافقة عليه من الشارع: فهو باطل لوحده؛ ثانيهما: أن عائشة أرادت شراء بريرة فأبى مالكوها إلا بشرط: أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء" ثم قال: "إنما الولاء لمن أعتق" حيث لزم من ذلك إبطال الشرط فقط، ولم يُبطل العقد بدليل قوله: "خذيها" أي: بالبيع، فإن قلتَ: لِمَ بطل الشرط وصحَّ البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الشرط يُعتبر تصرُّف في حقوق الآخرين وأملاكهم، وهذا يؤدِّي إلى إذلالهم والنيل من كرامتهم، ولم يُوجد ما يمنع من صحة البيع؛ للتوسعة. (١١) مسألة: إذا اشترط البائع العتق على مشتري عبده قائلًا: "بعتك هذا العبد بكذا بشرط: أن تعتقه بعد مُدَّة"، فقال المشتري: "قبلتُ": فإن الشرط يصح وكذا: البيع، ويُجبره الحاكم على إعتاقه، فإن أبى المشتري: أعتقه الحاكم للسنة القولية: حيث إن عائشة لما أرادت شراء بريرة اشترط عليها أسيادها عتقها وولاءها، فأنكر النبي ﵇ شرط الولاء بقوله: "الولاء لمن أعتق- وأقرَّ العتق، وهذا من لوازم إنكاره، للولاء، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ الشرط هنا مع البيع؟ قلتُ: لأن الشارع يتشوَّف إلى العنق، ويحثُّ عليه. (١٢) مسألة: إذا اشترط أحد المتبايعين شرطًا لا يُتعامل به في الإسلام، أو اشترط شرطًا غير معين في الزمن: فلا يصح هذا الشرط، ويصحّ البيع كأن يقول البائع: "بعتك هذا الثوب بمائة تعطيني إيّاها بعد شهرين بشرط أن أرهن عندي هذا الإناء من الخمر، أو هذا الخنزير" أو "بشرط: أن يضمنك أحد أقربائك بدون تعيين" أو قال له: "بعتك هذه الدار بكذا بشرط: أن يكون لي الخيار" بدون تعيين مُدَّة هذا الخيار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فساد التعامل =

стр. 1441

إلى ثلاث) ليال مثلًا، أو على أن ترهنيه بثمنه (وإلا) تفعل ذلك: (فلا بيع بيننا) وقبل المشتري: (صح) البيع والتعليق كما لو شرط الخيار، وينفسخ إن لم يفعل (١٣) (و) الثالث: ما لا ينعقد معه بيع نحو: (بعتك إن جئتني بكذا أو) إن (رضي زيد) بكذا، وكذا: تعليق القبول (أو يقول) الراهن (للمرتهن: إن جئتك بحقك) في محله (وإلا: فالرهن لك: لا يصح البيع)؛ لقوله ﵇: "لا يغلق الرهن من صاحبه" رواه الأثرم، وفسَّره أحمد بذلك، وكذا: كل بيع عُلِّق على شرط مستقبل غير إن شاء الله (١٤) وغير "بيع العربون": بأن يدفع بعد العقد شيئًا، ويقول: "إن أخذت المبيع: بالمحرمات بيعًا وشراء كالخمر والخنزير، وعدم تحديد الضامن، ووقت الخيار: عدم صحة الشرط ويلزم من استكمال عقد البيع لشروطه: صحة البيع. (١٣) مسألة: إذا اشترط البائع تعليق البيع بمدة: فإن هذا الشرط صحيح؛ كأن يقول: بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تُسلِّمني هذا المبلغ قبل ثلاثة أيام، فإن لم تفعل فلا بيع بيننا" فقبل المشتري ذلك، فإن أعطاه الثمن قبل ثلاثة أيام: تمّ البيع، وإن لم يفعل المشتري ذلك: فالبائع له الحق بفسخ البيع، وكأن يقول: "بعتك هذا الحمار بشرط أن ترهنيه بثمنه" وكأن يقول المشتري: "اشتريتُ منك هذه الدار بشرط: أن أقبضها بعد شهر" فهذا كله صحيح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن أحد المتبايعين لو اشترط الخيار لمدة معيّنة: فإنه يصحّ فكذلك يصح البيع إذا شرط له مدة لقبض الثمن والمثمن، والجامع: أن كلًّا منهما فيه مهلة بمدة معلومة، ولا غرر ولا جهالة في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: لكونه تعليقًا للفسخ، لا للعقد. (١٤) مسألة: في الثالث - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا فيه تعليق عقد بالشروط - غير لفظ - إن شاء الله - وإن لم يتحقق: لا يتم البيع مثل: أن يقول البائع: "بعتك هذه الدار بمائة ألف إن جئتني بسيارة كذا، أو يقول: بعتك كذا بكذا إن رضي زيد" أو يقول المشتري: "قبلتُ هذا البيع إن رضي عمرو" أو يقول: "اشتريتُ منك هذه =

стр. 1442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السيارة بعشرة آلاف، وليست معي الآن، وخذ هذا الحصان رهينة عندك، فإن أتيت بالعشرة الآلاف بعد ثلاثة أيام وإلّا فالحصان لك" فلم يأت المشتري بذلك فالحصان للبائع، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُغلق الرهن من صاحبه" ومعناه ما ذكرناه، وفسد؛ لأنه مغلق بالمستقبل، الثانية: التلازم؛ حيث إن مقتضى العقد في البيع الجزم في العقد، ولعل الملك من البائع للمشتري بعد تمام العقد مباشرة، وشرط التعليق يمنع ذلك: فيلزم بطلانه، فإن جاء المشتري بالسيارة، أو رضي زيد، أو عمرو، أو أتاه بالثمن في مسألة الرهن ورضي البائع والمشتري: فإن البيع ينعقد من حين ذلك، ولا يُنظر إلى ما سبق، وعلى ذلك يكون نماء المبيع الواقع بين العقد الأول والثاني للبائع دون المشتري، فإن قلتَ: لِمَ بطل البيع هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يقع عادة اختلاف بين البائع والمشتري بسبب مثل تلك الشروط، مما يؤدِّي إلى الإضرار بأحد المتعاقدين، فدفعًا لذلك: أبطل الشارع الشرط والبيع، فإن قلتَ: إن البيع المعلَّق على شرط صحيح، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن تيمية، وتبعه ابن القيم، وابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث إن استكمال شروط البيع، وانتفاء موانعه، وعدم الغرر في ذلك: يلزم منه صحّة البيع، قلتُ: لم تتم شروط البيع؛ حيث إن مقتضى عقد البيع: التنجيز وهو: انتقال ملك المبيع إلى المشتري بعد العقد مباشرة، والتعليق لا يُحقِّق ذلك، بل يكون عقد غير مجزوم به، ثم إن مثل تلك الشروط تؤدِّي إلى المنازعات، فبطل الشرط والبيع هنا؛ حماية للمجتمع من التنازع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في التنجيز في العقد هل يُعتبر شرطًا أو لا؟ " فعندنا: شرط، وعندهم: ليس بشرط، وكذا: "هل تؤدي تلك الشروط إلى التنازع أو لا"؟ فعندنا: تؤدي، وعندهم: لا، وكذا: "الاختلاف في تفسير حديث: "لا يغلق الرهن من صاحبه" فإن قلتَ: لِمَ جاز شرط مشيئة الله فيقول =

стр. 1443

أتممتُ الثمن وإلا: فهو لك" فيصح؛ لفعل عمر ﵁، والمدفوع للبائع إن لم يتم البيع، والإجارة مثله (١٥) (وإن باعه) شيئًا (وشرط) في البيع (البراءة من كل عيب البائع: "بعتك إن شاء الله" ويقول المشتري: "قبلتُ إن شاء الله؟ قلتُ: لأنه لم يقصد بذلك التردُّد في البيع ومنع الجزم فيه، بل قصد التبرك بذكر الله تعالى. (١٥) مسألة: بيع العربون يصح، وهو: أن يقول المشتري: "اشتريتُ هذه الدار منك بمائة ألف، وخذ هذه الخمسة الآلاف عربونًا لئلا تبيع على غيري، فإن أتيت لك بالخمسة والتسعين الباقية فقد تمّ بيع الدار لي، وإن لم آت لك بذلك فالعربون لك" ويتّفقان على مدة إتيانه بكامل المبلغ، وكذا يقول: "قد استأجرت منك هذه الدار بعشرة آلاف بالسنة، وخذ هذه الألف عربونًا لئلا تؤجرها على غيري، فإن أتيت لك بالتسعة الباقية: فقد تمّ عقد الإجار، وإن لم آت بها: فالألف لك" ويتّفقان على مدة إتيانه بكامل المبلغ؛ لقول وفعل الصحابي: حيث إن عمر قد فعله لما اشترى دار السجن من صفوان بن أمية، وأجازه ابن عمر، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن البائع سيمنع بيع تلك السلعة - وهي: الدار - أو تأجيرها مُدَّة من الزمن بسبب أن ذلك المشتري قد حجزها، فإذا لم يأت بالباقي من الثمن: فإن البائع يستحق العربون مُقابل لذلك التوقّف في البيع والتأجير، وأيضًا: إن المشتري لو ترك تلك السلعة: فإن أي مشتر آخر سيقول: ما تركها فلان إلّا لعيب قد اكتشفه فيها، فينتشر هذا الاعتقاد، فيُقلل من قيمتها، فاستحق البائع هذا العربون في مقابل هذا الاعتقاد بالعيب، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي بالعربون؟ قلتُ: لأن المشتري يُعرب فيه ويُبيِّن أنه جازم على الشراء أو الاستئجار، لئلا يملكه غيره، فإن قلتَ: لا يصح بيع العربون وهو: قول مالك والشافعي، وأكثر الحنفية وكثير من الحنابلة ولا يستحق البائع ما أعطاه إياه المشتري عربونًا إذا لم يُتم البيع؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "نهى عن بيع العربون" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: =

стр. 1444

مجهول) أو من عيب كذا إن كان: (لم يبرأ) البائع: فإن وجد المشتري بالمبيع عيبًا: فله الخيار؛ لأنه إنما يثبت بعد البيع، فلا يسقط بإسقاطه قبله، وإن سمَّى العيب، أو أبرأه المشتري بعد العقد: برئ (١٦) (وإن باعه دارًا) أو نحوها مما يُذرع (على أنها عشرة قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس منعه الثالثة: التلازم؛ حيث إن لكل شيء عوض، والبائع إن أخذ العربون: فإنه يأخذه بلا عوض فيلزم بطلانه، قلتُ: أما الحديث فقد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، أما قول الصحابي وهو ابن عباس: فهو معارض بقول صحابي آخر - وهما: عمر وابنه - فلا يكون حجة، أما التلازم: فهو باطل؛ لأن البائع يستحق العربون عوضًا عن انتظاره، ومنع بيع وتأجير الدار مُدة، وانتشار وجود عيب؛ فيه فدفعًا للضرر على البائع استحق العربون، أما لو اشتراه المشتري: فإنه يُحسب من الثمن الكلي؛ لكون البائع راضيًا بذلك، ولم ينتشر وجود عيب فانتفى الضرر عن البائع فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: الإختلاف في حديث "النهي عن بيع العربون". (١٦) مسألة: إذا اشترط البائع البراءة من كل عيب مجهول في المبيع قبل العقد كأن يقول: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تُبرأني من كل عيب أجهله فيها" فقال المشتري: "قبلتُ البيع وأنت بريء من كل عيب": فإن هذا الشرط لا يصحّ، ولا يبرأ البائع بذلك، فإذا وجد المشتري عيبًا في الدار بعد العقد: فله الخيار: فإن شاء ردَّ المبيع، وأخذ الثمن من البائع، وإن شاء أمضى البيع: سواء كان العيب ظاهرًا أو باطنًا، أما إن سمَّى العيب بأن قال البائع: "هذا الجدار - الذي في الدار المباعة - سيسقط؛ لكونه مبني من مواد غير قوية" أو أبرأه المشتري بعد تمام عقد البيع من كل عيب معلوم ومجهول: فإن البائع يبرأ، ولا خيار للمشتري؛ للتلازم؛ حيث إن الإبراء لا يثبت للمشتري إلا بعد ثبوت المبيع في ذمَّته: فإذا أبرأه المشتري بعد تمام عقد البيع: فإنه يبرأ؛ لكونه يملك ذلك، ويلزم من ذلك: أن الإبراء لا يتمّ إذا أبرأه المشتري قبل أو مع العقد فيثبت الخيار للمشتري، ويلزم من تسمية العيب =

стр. 1445

أذرع فبانت أكثر) من عشرة (أو أقل) منها: (صح) البيع، والزيادة للبائع، والنقص عليه (ولمن جهله) أي: الحال من زيادة أو نقص (وفات غرضه الخيار) فلكل منهما الفسخ ما لم يعط البائع الزيادة للمشتري مجانًا في المسألة الأولى، أو يرضى المشتري بأخذه بكل الثمن في الثانية؛ لعدم فوات الغرض، وإن تراضيا على المعاوضة عن الزيادة أو النقص: جاز، ولا يُجبر أحدهما على ذلك، وإن كان المبيع نحو صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أقلّ أو أكثر: صح البيع، ولا خيار، والزيادة للبائع والنقص عليه (١٧). وتعيينه: إبراء البائع؛ نظرًا لدخول المشتري على بصيرة ورضى به، فإن قلتَ: لِمَ لا يبرأ البائع في الحالة الأولى؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الناس من أن تضيع بتحايل الظلمة عليها بمثل تلك الشروط. (١٧) مسألة: إذا باع زيد على عمرو أرضًا على أنها عشرة أمتار، فبانت أكثر من عشرة - كأن كانت أحد عشر مترًا - وكانا يجهلان ذلك قبل البيع: فإن البيع صحيح، والزيادة - وهي المتر - للبائع: إن شاء المشتري فسخ البيع لذلك، إلا أن يُعطي البائع ذلك المتر للمشتري مجانًا فلا يصح الفسخ، وكذا: إن باع زيد على عمرو أرضًا على أنها عشرة أمتار، فبانت تسعة وكانا يجهلان ذلك قبل البيع: فإن البيع يصح والنقص يحسب على البائع: فإن شاء المشتري فسخ البيع بسبب ذلك، إلا أن يرضى بتلك التسعة بكامل الثمن، ويُسقط حقه، وإن حصل التراضي بينهما على المعاوضة عن الزيادة والنقصان: بأن أعطى البائع المشتري ثمن المتر الناقص، أو أعطى المشتري البائع ثمن المتر الزائد، وحصل التراضي بذلك؛ فهذا جائز لكن لا يُجبر أحدهما عليه؛ للتلازم؛ حيث إنه لما التزم كل من البائع والمشتري بالعقد على عشرة أمتار: لزم كل واحد منهما ما يقتضيه، وبناء على ذلك: يردُّ المشتري الزائد على البائع، ويرد البائع ثمن ما نقص على المشتري بحسبه، ويلزم من عدم الالتزام بالعقد: الخيار، ويلزم من إسقاط كل واحد حقه: =

стр. 1446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عدم الخيار، (فرع): يثبت الخيار للمغبون بشرطين: أولهما: الجهل بمقدار المبيع كما سبق، فإن كان عالمًا بهذا المقدار: فلا خيار له، ثانيهما: فوات غرض المشتري بأن اشترى هذه الأرض على أنها عشرة أمتار لغرض بنائها حانوتًا فبانت أقل من ذلك ونحو ذلك مما يمنع تحقيق غرضه: فله الخيار في إمضاء البيع، أو ردِّه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن المتعاقدين (فرع ثان): إذا باع بُرًّا على أنه عشرة أصواع فبان تسعة، أو بان أحد عشر صاعًا: فالبيع صحيح، والزيادة تُردُّ إلى البائع، والنقص يحسب عليه، فيرد ثمنه للمشتري - كما سبق بيانه، ولكن لا خيار لأحد المتبايعين هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه لا ضرر في رد الزائد إن زاد ولا ضرر في أخذ الناقص بقسطه، بخلاف ما قلناه في عشرة الأمتار من الأرض: فإنه يوجد ضرر على المشتري إن نقصت، ويوجد ضرر على البائع إن زادت، فيلزم من ذلك: الخيار؛ لدفع هذا الضرر. هذه آخر مسائل باب "بيان الصحيح والفاسد من الشروط التي يشترطها أحد المتبايعين" ويليه باب "الخيار".

стр. 1447

باب الخيار وقبض المبيع والإقالة الخيار: اسم مصدر "اختار" أي: طلب خير الأمرين: من الإمضاء والفسخ (وهو) ثمانية (أقسام (١) الأول: خيار المجلس) بكسر اللام: موضع الجلوس، والمراد هنا: مكان التبايع (يثبت) خيار المجلس (في البيع)؛ لحديث ابن عمر يرفعه: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خيَّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك: فقد وجب البيع "متفق عليه" (٢)، باب الخيار وقبض المبيع والإقالة وفيه مائة وخمس مسائل: (١) مسألة: الخيار لغة: اسم مصدر من "اختارَ، يختار، اختيارًا"، ضد الإلزام بشيء من الأمور المخيَّر بينها، وهو: اصطلاحًا: أن يطلب أحد البائعين خير الأمرين: إما إمضاء البيع بعد عقده، والالتزام به، أو فسخه وتركه، وهذا يحصل إما بنفس أحد المتبايعين أو عن طريق القاضي، فائدة: ينقسم الخيار إلى ثمانية أقسام؛ للاستقراء: حيث إنها ثبتت بعد الاستقراء والتتبُّع، كما سيأتي بيانها. (٢) مسألة: في الأول - من أقسام الخيار - وهو: خيار المجلس، والمراد به: المتبايعان بالخيار ما لم تتفرق أبدانهما عن مكان العقد: سواء كانا جالسين، أو قائمين، أو مستلقيين، وهو ثابت ومشروع ولو لم يشترطه أحد المتعاقدين؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا، وكانا جميعًا" وقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" والمراد: ما لم يتفرّقا بأبدانهما ويذهب كل واحد عن الآخر، وقد خصَّصه بذلك فعل بعض الصحابة كابن عمر فقد كان إذا وقع تبايع بينه وبين غيره: قام وذهب ثم عاد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع خيار المجلس؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمتعاقدين فقد ينخدع الشخص بعقد بيع، فجعل الشارع هذا الخيار طريقًا للتخلُّص منه، دفعًا =

стр. 1448

لكن يُستثنى من البيع: الكتابة، وتولي طرفي العقد، وشراء من يعتق عليه، أو اعترف بحريته قبل الشراء (٣) (و) كالبيع (الصلح بمعناه) كما لو أقرّ بدين أو عين ثم صالحه عنه بعوض، وقسمة التراضي، والهبة على عوض؛ لأنها نوع من البيع (و) كبيع أيضًا (إجارة)؛ لأنها عقد معاوضة، أشبهت البيع (و) كذا (الصَّرف والسَّلَم)؛ لتناول البيع لهما (٤) ............................. للمفسدة عنه، قال ابن القيم: "وهو من محاسن هذه الشريعة الكاملة" فإن قلتَ: لِمَ سُمَّي بخيار المجلس؟ قلتُ: لأن غالب البيوع تكون بين متعاقدين جالسين. (٣) مسألة: خيار المجلس لا يثبت في العقود اللازمة التي لا يُقصد فيها العوض مثل: النكاح، والخلع، والطلاق، والكتابة - وهي: أن يشتري العبد نفسه من سيده على أقساط - وكذا: إذا تولَّى شخص البيع والشراء: بأن يُوكل زيد بكرًا بأن يبيع داره، ويوكل عمرو بكرًا بأن يشتري تلك الدار له من زيد، وكذا: إذا اشترى زيد أباه أو أمه ونحوه ممن يعتق عليه، وكذا: لو أقرّ العبد الذي سيشتريه زيد بأنه حر قبل عقد الشراء؛ للتلازم؛ حيث إن النكاح والطلاق والخلع، والمكاتبة لم يقصد بها حقيقة العوض، بل قُصد فعل خير فلن يفوت أحد المتبايعين الخيار شيء يُغبن فيه أو يندم عليه: فلزم عدم ثبوت الخيار في ذلك، ويلزم من تولّي شخص واحد البيع والشراء: عدم الخيار؛ لعدم وجود تفرّق؛ إذ هو شخص واحد، ويلزم من شراء من يعتق عليه، أو إقراره بحريته: عدم الخيار؛ لعدم قبوله للبيع أصلًا. (٤) مسألة: يثبت خيار المجلس في العقود اللازمة التي يُقصد بها العوض مثل "البيع" كما سبق "والصلح" - كأن يُقرُّ زيد بأن عنده لعمرو مائة صاع من تمر، ثم يُصالحه عمرو بأن يعطيه زيد عنها خمسمائة ريال - وكذا: "قسمة التراضي" - كأن يتقاسم زيد وعمرو ما بينهما مما تدخله الشراكة على عوض - وكذا: "الهبة على عِوَض" - كأن يهب زيد عمرًا سيارة بعوض معلوم - وكذا: "الإجارة" - وكذا: "الصرف" - =

стр. 1449

(دون سائر العقود) كالمساقاة، والحوالة، والوقف، والرَّهن، والضَّمان (٥) (ولكل من المتبايعين) ومن في معناهما ممن تقدَّم (الخيار ما لم يتفرقا عرفًا بأبدانهما) من مكان التبايع، فإن كانا في مكان واسع كصحراء: فبأن يمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، وإن كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت: فبأن يُفارقه من بيت إلى بيت، أو إلى نحو صُفَّة، وإن كانا في دار صغيرة: فإذا صعد أحدهما السطح، أو خرج منها: فقد افترقا، وإن كانا في سفينة كبيرة: فبصعود أحدهما أعلاها إن كانا أسفل، أو بالعكس، وإن كانت صغيرة: فبخروج أحدهما منها (٦)، ولو حجز بينهما بحاجز كأن يبيع زيد على عمرو ذهبًا بفضة أو العكس -، وكذا: "السَّلَم" - كأن يقول زيد: "اشتريتُ منك تمرًا صفته كذا واستلمه بعد سنة بألف نقدًا فهذه العقود يثبت فيها خيار المجلس؛ للقياس، بيانه: كما أن خيار المجلس ثابت بين المتبايعين، فكذلك يثبت بين المتصالحين، والمتقاسمين، والواهب والموهوب على عوض، والمؤجر والمستأجر، والصارفين، والمتعاملين بالسلم بجامع: أن كلًّا من تلك العقود لازمة، ويُقصد منها العوض الذي يُلحق الضرر بأحد المتعاملين فهي كالبيع تمامًا في ذلك فدفعًا للضرر وجد ذلك الخيار، وهو المقصد منه. (٥) مسألة: لا يثبت خيار المجلس في العقود الجائزة، وإن قصد فيها العِوض مثل: المساقاة، والمزارعة، والحوالة، والضمان، والوقف، والشركة، والوكالة، والكفالة، والوصية، والعارية، والمسابقة، والهبة بغير عوض، والجعالة، والوديعة، والمضاربة، ونحوها؛ للتلازم؛ حيث إن كون هذه العقود جائزة يلزم منه التمكّن من فسخها بأصل وضعها، فيلزم عدم حاجتها إلى خيار؛ لأن الخيار قد وُضع لحماية أحد المتعاقدين من الضرر، وهنا لا يُوجد ضرر، إذ يستطيع أحد المتعاقدين التخلُّص بموجب العقد فيها، وهو المقصد منه. (٦) مسألة: يحصل التفرُّق بين المتعاقدين في البيع والصلح وغيرهما من العقود اللّازمة التي يقصد فيها العوض - كما سبق في مسألة (٤) - ويتمّ العقد بالتفرّق بأبدانهما =

стр. 1450

كحائط، أو ناما: لم يُعدُّ تفرُّقًا؛ لبقائهما بأبدانهما بمحل العقد، ولو طالت المدَّة (٧) من مكان التبايع على حسب عرف وعادة الناس فيما يسمُّونه تفرُّقًا: فإن كان المتعاقدان في صحراء فيحصل التفرّق بأن يمشي أحدهما بقدر لا يسمع كلام الآخر، وهذا يكون بخطوات كثيرة، وإن كانا في دار كبيرة: فإن التفرّق يحصل إذا خرج أحدهما من غرفة التبايع تاركًا صاحبه ودخل في غرفة أخرى، وإن كانا في دار صغيرة: فإن التفرق يحصل إذا صعد أحدهما سطحها، تاركًا صاحبه في الأسفل مكان التبايع، أو نزل أحدهما تاركًا السطح مكان التبايع، وإن كانا في سفينة كبيرة: فإن التفرّق يحصل إذا صعد أحدهما أعلاها تاركًا صاحبه أسفلها، وإن كانا في سفينة صغيرة: فإن التفرّق يحصل إذا خرج أحدهما منها، وهكذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" حيث دلَّ مفهوم الشرط على أنهما إذا تفرقا: فلا خيار، وخُصِّص التفرق هنا بالتفرّق بالأبدان بقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يفعل ذلك. الثانية: العرف والعادة، حيث إن ما أورده الشارع مُطلقًا بدون تحديد، يُرجع إلى عادة الناس في تحديده، وعقلاء الناس السليمة المتوسطة وورد عنها هذا التحديد الذي مثَّلنا عليه في المسألة وعدُّوه تفرقًا ينفي الخيار. (٧) مسألة: لا يحصل التفرّق بين المتعاقدين بوضع حائط يحجز بينهما، أو أن يناما معًا، أو أرخيا بينهما سترًا في نفس مكان التبايع، وكذا: لو قاما معًا ومشيا أو سافرا معًا ولم يتفرّقا: فإن الخيار باق وإن طال الزمن سواء أقاما طوعًا أو كرهًا، وكذا لو تفرقا فزعًا من حيوان، أو عدو ونحو ذلك: لا يُعتبر تفرقًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" حيث أثبت الخيار إذا لم يفترقا، وهذه الصور التي ذكرناها لا تعتبر تفرقًا في عرف عقلاء الناس المتوسطين في عقولهم، فيبقى الخيار، فإن قلتَ: لِمَ لا يحصل التفرق بذلك؟ قلتُ: لكون تلك الصور وما شابهها يمكن لهما أن يتفاهما من خلالها؛ نظرًا =

стр. 1451

(وإن نفياه) أي: الخيار: بأن تبايعا على أن لا خيار بينهما: لزم بمجرَّد العقد (أو أسقطاه) أي: الخيار بعد العقد: (سقط)؛ لأن الخيار حق للعاقد، فسقط بإسقاطه (وإن أسقطه أحدهما) أي: أحد المتبايعين، أو قال لصاحبه: "اختر": سقط خياره و (بقي خيار الآخر)؛ لأنه لم يحصل منه إسقاط لخياره، بخلاف صاحبه (٨)، وتحرم الفرقة خشية الفسخ (٩)، لوجودهما معًا والمكره وعلى التفرق لا يعتبر تفرقًا. (٨) مسألة: إذا اتفق المتعاقدان على أنه لا خيار بينهما: فإن خيار المجلس يسقط، ويلزم العقد بعده مباشرة، وكذا: إن أسقط المتعاقدان الخيار بعد مُضي مدة قصيرة وهما في المجلس، فإنه يسقط، ويلزم البيع من إسقاطهما له، وكذا: إن أسقطه أحدهما: فيسقط خياره فقط بأن قال لصاحبه: "اختر أنت" ويبقى خيار الآخر على حاله؛ للتلازم؛ حيث إن الخيار من حق المتبايعين ما داما في المجلس فيلزم من إسقاطه لحقه: سقوط الخيار كمن أسقط حقه من الشفعة أو الدَّين. (٩) مسألة: يحرم أن يُفارق أحد المتبايعين مكان التبايع ومجلسه وهو يقصد إلزام البيع للآخر، ويخشى أن يفسخه الآخر، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يحلُّ له أن يُفارقه؛ خشية أن يستقيله"، والمراد: خشية الإقالة، وهي: فسخ النادم، ولفظ "لا يحل" من صيغ التحريم الصريحة، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اعتداء من بعض الناس على حقوق الآخرين بغير حق؛ لأن الخيار من حق العاقد، فلا بدَّ أن يستوفي كل حقه، فإن قلتَ: إن هذا لا يحرم وهو قول بعض العلماء منهم أبو يعلى، لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر يفعل ذلك، قلتُ: يُحتمل أن السنة القولية التي ذكرناها لم تبلغ ابن عمر، وعلى فرض أنها بلغته فلا حجّة لفعل صحابي إذا عارض السنة ويحتمل أنه لم يقصد إلزام البيع، وإذا تطرق الإحتمال إلى الدليل بطل به الإستدلال فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة مع فعل الصحابي". =

стр. 1452

وينقطع الخيار بموت أحدهما (١٠) لا بجنونه (١١) (وإذا مضت مدَّته) بأن تفرَّقا كما تقدم: (لزم البيع) بلا خلاف (١٢). القسم (الثاني) من أقسام الخيار: خيار الشرط بـ (أن يشترطاه) أي: يشترط المتعاقدان الخيار (في) صلب (العقد) أو بعده في مدة خيار المجلس، أو الشرط (مدة معلومة ولو طويلة)؛ لقوله ﵇: "المسلمون على شروطهم" (١٣)، ولا يصح (١٠) مسألة: إذا مات أحد المتبايعين أثناء خيار المجلس: فإن الخيار ينقطع ويبطل ويلزم البيع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" وفرقة الموت تسمَّى فرقة إجماعًا، فيقع البيع؛ لانقطاع الخيار. (١١) مسألة: إذا جُنَّ أحد المتبايعين في أثناء المجلس: فلا ينقطع الخيار، ولا يبطل؛ ولا يلزم البيع، فلو أفاق: فهو على خياره، ولا يتولى ذلك وليه؛ للتلازم؛ حيث إن الجنون لا يُخرج الملك من مالكه المجنون، بل يكون المال له فيلزم: أن يبقى على خياره إذا أفاق، ويلزم من كون الرغبة لا تُعلم إلا من جهة الراغب: أن لا يتولّى الخيار عن المجنون وليه. (١٢) مسألة: إذا تفرَّق كل واحد من المتبايعين بأبدانهما من مكان ومجلس البيع بعد العقد: فإنه يلزمهما البيع، فليس لأحدهما الرد إلّا بعيب؛ للإجماع، حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند هذا الإجماع السنة القولية وهو قوله ﵇: "فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع". (١٣) مسألة: في الثاني - من أقسام الخيار - وهو: خيار الشرط: أن يشترط المتبايعان أو أحدهما الخيار في أثناء العقد وصلبه، أو بعده في زمن خيار المجلس، أو خيار الشرط مدَّة معلومة طويلة أو قصيرة كأن يشترطان الخيار قبل التفرق لمدة عشرة أيام، وقبل أن تنتهي العشرة، اشترطا الخيار لمدة ثلاثة أيام أخرى وهكذا، فهذا كله جائز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" حيث أوجب التزام كل بشرطه التي التزم به. الثانية: القياس بيانه: كما أنه يجوز أن يشترط المشتري: أن يؤجِّل على البائع الثمن مدة معلومة ولو طويلة، =

стр. 1453

اشتراطه بعد لزوم العقد (١٤)، ولا إلى أجل مجهول (١٥)، ولا في عقد حيلة؛ ليربح في قرض، فيحرم، ولا يصح البيع (١٦) (وابتداؤها) أي: ابتداء مدة الخيار (من العقد) فكذلك يجوز أن يشترط المشتري والبائع الخيار مدة معلومة ولو طويلة، والجامع: أن كلًّا منهما حق للمتبايعين، فيُرجع في تقديره إلى مشترطه، لعلمه بما يُناسبه في حفظ حقوقه، وهو المقصد منه. (١٤) مسألة: لا يصحّ اشتراط خيار الشرط بعد أن يلزم العقد المتبايعين، ويُنفَّذ، وبعد انقضاء وقت خيار المجلس، وخيار الشرط، فلو اشترط المشتري وهو في المجلس قائلًا: "لي الخيار ثلاثة أيام" فلما انقضت الثلاثة ولزم البيع: قال: أريد الخيار ثلاثة أيام أُخر: فلا يصح الشرط، ويصح البيع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لزوم العقد: سقوط حق أحد المتبايعين في الخيار، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إنه لو صحَّ ذلك: لما تمَّ بيع على أحد. (١٥) مسألة: لا يصح اشتراط الخيار إلى أجل مجهول، لم يُحدَّد له نهاية، ولا الأبد، ولا أن يشترط الخيار إلى مشيئة فلان، ولا أن يُعلِّقه على شيء يقع أو لا: كنزول مطر أو مجيء زيد من سفر ونحو ذلك فهنا: لا يصح الشرط، ويصح البيع؛ للتلازم؛ لأن خيار الشرط لا بد أن تكون له مُدَّة ينتهي بها الخيار، ليستكمل البيع، أو الفسخ، فيلزم من عدم وضوح المدة المشترطة للخيار: بطلان شرطه؛ فإن قلتَ: لِم لا يصح ذلك؟ قلتُ: لكون ذلك يفوت فائدة العقود. (١٦) مسألة: لا يصح اشتراط الخيار في عقد حيلة إلى ربح في قرض، وصورة ذلك: أن يقول زيد لعمرو: "اقرضني مائة ألف ريال، أنتفع بها، وأعطيك هذه الدار تنتفع بها، فإذا رددت إليك المائة تردّ علي داري"، فيقول عمرو: "بعني تلك الدار بمائة ألف ونشترط الخيار مدة معلومة، فإذا انتفعت أنت بالمائة، وانتفعت أنا بالدار في مدة الخيار: نفسخ البيع، وتأخذ أنت الدار، وآخذ أنا المائة" فكأن زيدًا أقرضه المائة التي سمَّياها ثمنًا، وشرط عليه الانتفاع بها زمن الخيار وربح هو الانتفاع من =

стр. 1454

إن شرط في العقد، وإلا: فمن حين اشترط (وإذا مضت مدّته) أي: مدَّة الخيار، ولم يفسخ: لزم البيع (أو قطعاه) أي: قطع المتعاقدان الخيار: (بطل) ولزم البيع كما لو لم يشترطاه (١٧) (ويثبت) خيار الشرط (في البيع، والصلح) والقسمة والهبة (بمعناه) أي: بمعنى البيع كالصلح بعوّض عن عين، أو دين مُقرِّبه، وقسمة التراضي، وهبة الثواب؛ لأنها أنواع من البيع (و) في (الإجارة في الذمة) كخياطة ثوب (أو) في إجارة (على مدة لا تلي العقد) كسنة ثلاث في سنة اثنتين: إذا شرطه مدة تنقضي قبل دخول سنة ثلاث، فإن وليت المدة العقد كشهر من الآن: لم يصحّ شرط الخيار؛ لئلا يُؤدِّي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما غير الدار زمن فيكون قرضًا جرَّ نفعًا بتلك الحيلة، فيحرم ذلك ولا يصح البيع؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه تعامل بالربا بدون قصد البيع فيلزم منه التحريم، وعدم صحّة العقد؛ لأن عمرًا هنا دفع لزيد مائة ألف، ثم أخذها عمرو كاملة وزيادة عليها منفعة دار زيد، مع أن زيدًا لا يعلم هل ينتفع بالمائة التي أخذها عمرو أو لا؟ فهو محتمل، فإن قلتَ: لِمَ يحرم ولا يصح البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جهالة، وغرر، فيفضي غالبًا إلى التنازع والاختلاف، فدفعًا لذلك حُرِّم. (١٧) مسألة: تبدأ مُدَّة خيار الشرط: من اشتراطه حال العقد، لا من حين التفرّق، أما إن شرطاه بعد العقد أثناء المجلس، أو في زمن خيار الشرط - كما سبق في مسألة (١٣) -: فإن مدة خيار الشرط تبدأ من حين اشتُرط، وتنتهي مدته: عند انقضاء مدته المشترطة للخيار، فإذا مضت مدته وأحدهما لم يفسخ البيع: فإنه يلزم البيع، وكذا: تنتهي مدة خيار الشرط: إذا قطعاه باختيارهما: فيلزم البيع حينئذٍ؛ للتلازم؛ حيث إن الشروط تقتضي ابتداءً وانتهاء؛ للإلزام بالعقد، فيلزم من انتهاء وقت الشرط المتفق عليه، أو قطعه باتفاقهما: لزوم البيع؛ نظرًا لخلوّه عن المعارض.

стр. 1455

جائز (١٨)، ولا يثبت خيار الشرط في غير ما ذكر كصرف، وسَلَم، وضمان، (١٨) مسألة: يثبت خيار الشرط في البيع والصلح بعوض - بأن يقول "أعطني عن المائة التي عندك لي عشرة أصواع من البر مصالحة عن ذلك الدين بشرط: أن يكون لي الخيار ثلاثًا" وكذا يثبت في قسمة التراضي بأن يقول: "رضيت بأن يكون لي كذا، ولك كذا من الشركة التي بيننا بشرط أن يكون لي الخيار ثلاثًا" وكذلك يثبت في هبة الثواب: بأن يقول: "وهبتك هذا الحذاء على أن تهبني ذلك السيف بشرط: أن يكون الخيار لي خمسة أيام" وكذا: يثبت في الإجارة في الذمة كأن يقول: "أستأجرك على أن تخيط لي ثوبًا مستقبلًا بكذا بشرط: أن يكون لي الخيار يومًا" وكذا: يثبت في إجارة على مدة لا تلي عقد الإجارة كأن يقول: "أجَّرتك هذه الدار لمدة سنة بعشرة آلاف على أن تبدأ المدة من أول شهر صفر من هذه السنة، ونحن الآن في الثامن عشر من محرم، واشترط الخيار بيننا من هذا الوقت إلى التاسع والعشرين من محرم، فهذا الخيار جائز؛ وكذلك يثبت في إجارة تبدأ من حين العقد، أي: تلي العقد كأن يقول: "أجرتك هذه الدار لمدة عام بعشرة آلاف، ويكون ابتداء مدة الإجار من العقد" فقال المستأجر: "قبلتُ لكن لي الخيار لمدة خمسة أيام" وهو قول كثير من العلماء منهم أبو يعلى، وأيَّده ابن عثيمين لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن خيار الشرط يجوز في البيع مطلقًا، فكذلك يجوز فيما سبق ذكره في العقود مطلقًا، والجامع: أن كلًّا منها بيع، والبيع قسمان: بيع أعيان، وبيع منافع، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لا ضرر ولا غرر ولا جهالة في اشتراط الخيار في تلك العقود فإن قلتَ: إذا كانت مدَّة الإجارة تلي العقد: فإن خيار الشرط هنا لا يصحّ - وهو الذي ذكره المصنف هنا - للمصلحة: حيث إن هذا يُؤدِّي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها من أجل الشرط؛ حيث إن الدار ستبقى في مدَّة الخيار بدون استعمال، أو تستعمل في مدَّة الخيار، وكلاهما فيه ضرر على المؤجِّر قلتُ: إن المؤجِّر قد أسقط هذه المنافع برضاه، واتّفقا على ذلك. فإن قلتَ: ما سبب =

стр. 1456

وكفالة (١٩)، ويصحَّ شرطه للمتعاقدين، ولو وكيلين (٢٠) (وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه: صحَّ) الشرط، وثبت له الخيار وحده؛ لأن الحق لهما، فكيفما تراضيا به: جاز (٢١) (و) إن شرطاه (إلى الغد أو الليل): صح و (يسقط بأوله) أي: أول الغد، أو الليل؛ لأن "إلى" لانتهاء الغاية: فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، وإلى صلاة: يسقط بدخول وقتها (٢٢) (و) يجوز (لمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة) صاحبه (الآخر الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين". (١٩) مسألة: لا يثبت ولا يصح خيار الشرط في السلم، والصَّرف، والضمان، والكفالة ونحوها من العقود؛ للتلازم؛ حيث إن هذه العقود تقتضي شرعًا: أن لا يبقى بين المتعاقدين عِلْقة بعد التفرّق بدليل: اشتراط القبض: فيلزم عدم صحة خيار الشرط فيها؛ لكونه يقتضي وجود علقة بينهما، فيُخالف المقصود من هذه العقود. (٢٠) مسألة: يصحّ خيار الشرط بأي طريقة أرادها المتعاقدان: سواء اتّفقا في المدة أو تفاوتا: بأن شرطاه للبائع يومًا، وللمشتري ثلاثة أيام، وسواء كان المتعاقدان أصليين أو وكيلين عنهما؛ للمصلحة: حيث إن خيار الشرط حق لهما، جُوِّز؛ رفقًا بهما، وحفظًا لحقوقهما، فإذا تراضيا على طريقة مشروعة في هذا الخيار كالتفاوت، وتوكيل كل واحد منهما وكيل عنه: فيصحَّ؛ توسعة عليهما. (٢١) مسألة: يصح خيار الشرط لواحد من المتعاقدين دون الآخر إذا اتّفقا على ذلك، فيثبت خيار الشرط لمشترطه فقط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاط أحدهما لحقه في اشتراط الخيار: سقوطه كالدَّائن يسقط الدَّين عن المدين. (٢٢) مسألة: إذا قال أحد المتبايعين: "لي الخيار إلى الغد" فإن الخيار ينتهي بأول طلوع الفجر من صباح الغد، وإذا قال: "لي الخيار إلى الليل": فإن الخيار ينتهي بغروب الشمس، وإذا قال: "لي الخيار إلى صلاة العصر" فإن الخيار ينتهي بأول دخول وقت صلاة العصر؛ للتلازم؛ حيث إن طلوع الفجر أول الغد، وغروب =

стр. 1457

و) مع (سخطه) كالطلاق (٢٣) (والملك) في المبيع (مدة الخيارين) أي: خيار الشرط وخيار المجلس (للمشتري): سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما؛ لقوله ﵇: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" رواه مسلم، فجعل المال للمبتاع باشتراطه، وهو عام في كل بيع، فشمل بيع الخيار (وله) أي: للمشتري (نماؤه) أي: نماء المبيع (المنفصل) كالثمرة (وكسبه) في مدة الخيارين ولو فسخه بعد؛ لأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه؛ لحديث "الخراج بالضمان" صحَّحه الترمذي، وأما النماء المتّصل - كالسَّمن -: فإنه يتبع العين مع الفسخ؛ لتعذُّر انفصاله (٢٤) (ويحرم ولا الشمس أول الليل، وأول دخول الوقت: أول ما تصلى فيه العصر فيلزم انتهاء وقت الخيار بذلك؛ حيث إن حرف "إلى" لانتهاء الغاية، فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، فلا يدخل الغد، ولا الليل ولا الصلاة. (٢٣) مسألة: إذا ثبت الخيار للمتبايعين فيجوز لأحدهما: أن يفسخ البيع مطلقًا: أي: سواء كان ذلك بحضور الآخر، أو بغيابه، وسواء كان برضى الآخر أو سخطه وغضبه؛ للقياس، بيانه: كما أن الطلاق يقع من الزوج لزوجته: سواء كانت حاضرة أو غائبة وسواء كانت راضية أو ساخطة، فكذلك فسخ البيع أثناء الخيار والجامع: أن كلًّا منهما قد رفع عقدًا لا يفتقر إلى رضى صاحبه فلم يفتقر إلى حضوره ورضاه؛ فإن قلتَ: لا يفسخ البيع في زمن الخيار إلا بحضور صاحبه، وهو قول بعض العلماء؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز فسخ المودَع للوديعة إلا بحضور المودِع، فكذلك الحال هنا قلتُ: هذا فاسد! لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه لا حق للمودَع في الوديعة؛ بخلاف المباع فالمشتري له حق فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياسين" فنحن قسناه على الطلاق؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على الوديعة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وهذا يُسمَّى "قياس غلبة الأشباه". (٢٤) مسألة: ملك العين المباعة أثناء خيار المجلس وخيار الشرط يكون للمشتري: =

стр. 1458

يصحّ تصرُّف أحدهما في المبيع و) لا في (عِوَضه المعيَّن فيها) أي: في مُدَّة الخيارين (بغير إذن الآخر) فلا يتصرَّف المشتري في المبيع بغير إذن البائع إلّا معه: كأن آجره له، ولا يتصرَّف البائع في الثمن المعيَّن زمن الخيارين إلا بإذن المشتري أو معه كأن استأجر منه به عينًا (٢٥)، هذا إن كان التصرُّف (بغير تجربة المبيع)، فإن تصرَّف؛ لتجربته كركوب سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، فكل ما يكون في هذه العين من نماء منفصل كثمرة نخلة يشتريها، أو كسب عبد، وسيارة اشتراهما: يكون للمشتري في مدة الخيارين حتى لو فسخ هذا المشتري البيع، أما إن كان ذلك النماء مُتَّصلًا لا يُمكن فصله كسمن الشاة المباعة التي فيها الخيار: فإنه يكون للبائع عند فسخ البيع، للسنة القولية: وهو قوله ﵇: "من باع عبدًا، وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع" حيث بيَّن هنا: أن الأصل: أن العبد - وهي سلعة مباعة - يكون للمشتري بمجرَّد العقد، فيلزم من ذلك: أن المبيع دخل في ملك المشتري بمجرَّد العقد، وتدخل مدَّة الخيار في ذلك؛ لكون ما بعد العقد مباشرة عام في الأزمان، فيشمل مدة الخيارين وما بعدها، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك للمشتري أثناء مدة الخيارين؟ قلتُ: لكون العين المباعة يملكها المشتري بعد العقد مباشرة، والنماء والكسب حصلا في وقت ملكه لها فله خراجه كما أن عليه ضمانه كما قال ﵇: "الخراج بالضمان" فإذا كان المشتري يغرم ما يحصل للعين المباعة أثناء مدة الخيار، فكذلك يغنم النماء والكسب الحاصلين من العين المباعة، فإن قلتَ: لِمَ كان النماء المتصل للبائع عند الفسخ؟ قلتُ: نظرًا لتعذُّر انفصاله عن العين المباعة، ولتضرُّر البائع بانفصاله. (٢٥) مسألة: يحرم أن يتصرَّف البائع في الثمن المعيَّن في زمن خيار المجلس وخيار الشرط إلا إذا أذن له المشتري، أو كان هذا التصرُّف الواقع من البائع حدث مع المشتري - في غير تجربة - كأن يستأجر البائع عينًا من المشتري بذلك الثمن المعين، فيصح، ويكون ذلك إمضاء، وكذلك يحرم أن يتصرَّف المشتري في العين المباعة =

стр. 1459

دابة؛ لينظر سيرها، وحلب دابة؛ ليعلم قدر لبنها: لم يبطل خياره؛ لأن ذلك هو المقصود من الخيار كاستخدام الرقيق (٢٦) (إلا عتق المشتري) لمبيع زمن الخيار، فينفذ مع الحرمة، ويسقط خيار البائع حينئذٍ (٢٧) (وتصرُّف المشتري) في المبيع بشرط الخيار في مُدَّة الخيارين إلّا إذا أذن له البائع أو كان هذا التصرُّف من المشتري حدث مع البائع كأن يؤجِّر المشتري المبيع للبائع فيصح، ويكون ذلك إمضاء للبيع، وإذا تصرَّف البائع، أو المشتري في الثمن أو المبيع: بهبة، أو وقف، أو بيع، أو شراء: فلا يصح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الثمن ليس مُلكًا للبائع، والمبيع ليس مُلكًا للمشتري فعلاقة كُلِّ واحد بما يخصُّه لم تنقطع فيلزم: عدم جواز تصرف أحدهما بما قبضه، ويلزم: عدم صحّة التصرُّف إن وقع؛ لأنه تصرُّف بما لا يملك، ويلزم من إذن أحدهما للآخر بالتصرُّف، أو التصرُّف معه: صحَّة ذلك؛ لأن كل واحد منهما قد أسقط حقه بالإذن. (٢٦) مسألة: إذا أراد أن يتحقَّق من صلاحية السلعة المباعة كأن يُجرِّبها؛ ليرى ذلك: فيركب الدابة ليرى طريقة سيرها، ويحلب الشاة ليعلم قدر لبنها، وقيادة السيارة ليعلم سيرها، واستخدام العبد ليرى قوته وسرعته في العمل، ونحو ذلك: فهذا جائز ولا يُبطل الخيار؛ للمصلحة: حيث إن الخيار شُرع ليستوضح المشتري صلاحية المبيع، والتأكد من ذلك، ولا يمكن ذلك إلا بتجربته واستعماله، فلزم، ولا يُبطل الخيار؛ لكونه هو المقصود منه، تنبيه: قوله: "كاستخدام الرقيق" يريد به الاستدلال على المسألة بالقياس على استخدام الرقيق في وقت الخيار قلتُ: هذا لا يصح؛ لأن استخدام الرقيق هو مثال للمسألة. (٢٧) مسألة: إذا باع زيد عبدًا على عمرو، واشترط المشتري - وهو عمرو - الخيار، فأعتق ذلك المشتري العبد فيصح ذلك مع التحريم، ويعتق العبد، وإن لم تنته مدة الخيار، للتلازم؛ حيث يلزم من تشوُّف الشرع للعتق، والحثّ عليه: صحّة العتق ووقوعه وإن كان في زمن الخيار، ويلزم من وجود حق البائع في الخيار: حرمة =

стр. 1460

له زمنه بنحو وقف، أو بيع، أو هبة أو لمس لشهوة: (فسخٌ لخياره) وإمضاء للبيع؛ لأنه دليل الرضى به، بخلاف تجربة المبيع واستخدامه، وتصرُّف البائع في المبيع إذا كان الخيار له وحده ليس فسخًا للبيع (٢٨) ويبطل خيارهما مطلقًا بتلف مبيع بعد قبض، وبإتلاف مشترٍ إياه مُطلقًا (٢٩) (ومن مات منهما) أي: من البائع والمشتري بشرط: الخيار: (بطل خياره) فلا يُورث إن لم يكن طالب به قبل موته كالشفعة، وحدّ القذف (٣٠) (الثالث) من أقسام الخيار: "خيار الغبن" (إذا غبن في المبيع غبنًا يخرج عن تصرُّف المشتري بذلك. (٢٨) مسألة: إذا تصرَّف المشتري في السلعة التي اشتراها أثناء مُدَّة الخيار: بأن أوقفها أو باعها، أو وهبها لأحد، أو رهنها أو نحو ذلك أو لمس الأمة بشهوة: فإن هذا يعتبر فسخًا لخياره، وإمضاء للبيع، أما تصرُّف البائع في السلعة التي باعها في وقت خياره لوحده لا يُعتبر فسخًا للبيع؛ للتلازم؛ حيث إن تصرُّف المشتري بالسلعة التي اشتراها بمثل تلك التصرفات دليل على أنه رضي بها مُلكًا، فيلزم من ذلك فسخ خياره، وإمضاءً منه للبيع، ويلزم من انتقال السلعة من ملك البائع: أن تصرفه فيها لا يُعتبر فسخًا للبيع، فلا يكون ذلك التصرُّف لاسترجاع المبيع. تنبيه: قوله: "بخلاف تجربة المبيع واستخدامه" قلتُ: قد سبق: أن التحقق من صلاحية السلعة من قبَل المشتري في وقت الخيار: جائز، ولا يُبطل الخيار في مسألة (٢٦). (٢٩) مسألة: إذا تلفت السلعة المباعة في مدة خيار المجلس، أو خيار الشرط بعد القبض: فإنه يبطل خيار البائع والمشتري وينفسخ البيع، وكذلك يبطل الخيار بإتلاف المشتري للسلعة المباعة: سواء قبض أو لا: للتلازم؛ حيث يلزم من تلف السلعة المباعة: زوال الخيار فيها، ويلزم من استقرار الثمن في ذمة المشتري: أنه إذا أتلفها: سقط خياره، ولزمه البيع، فيضمن ذلك. (٣٠) مسألة: إذا مات البائع أو المشتري في مُدَّة الخيار: فإن خيار الميت يبطل إذا لم =

стр. 1461

العادة)؛ لأنه لم يرد الشرع بتحديده، فرجع فيه إلى العرف (٣١)، وله ثلاث صور: يُطالب به قبل موته، أما إن طالب به قبل موته: فإن الخيار يورث، أما خيار الحي منهما: فهو باق على حاله؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه يلزم من لفظ "الخيار" تخيير بين إمضاء وفسخ، وهذه صفة ذاتية تخص الشخص نفسه كعلمه وقدرته، وهذا لا يورث فيلزم من ذلك: أن لا يورث الخيار، الثانية: القياس بيانه: كما أن الشفعة وحد القذف لا تورث عن شخص إلّا إذا طالب بهما قبل موته فكذلك الخيار ليس من حق الورثة إلا إذا كان مُورِّثهم قد طالب به قبل موته، والجامع: أن كلًّا منها حق يُورث إذا علمت مطالبة المورِّث بها، فإن قلتَ: لِمَ لا يُورث حق الخيار كغيره من الحقوق؟ قلتُ: لعدم علمنا بنية الميت هل كان يريد الفسخ، أو يريد الإمضاء، ولاختلاف الورثة عادة في ذلك. (٣١) مسألة: في الثالث - من أقسام الخيار - وهو خيار الغبن، وهو: الخدعة في البيع: بأن يبيع سلعته بثمن أقل مما تستحق، أو يشتري سلعة بأكثر مما تستحق: فمثلًا: لو باع زيد ثوبًا بستة ريالات، وهو في الحقيقة يساوي عشرة، أو اشترى ثوبًا بعشرة وهو لا يساوي إلّا خمسة، وقال أهل الخبرة بالثياب: إن البائع أو المشتري مغبون في ذلك غبنًا يخرج عن العادة في ذلك: فإن لهما الخيار وردُّ المبيع، وأخذ الثمن، أو الإمضاء في البيع؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه" والمغبون والمغلوب في البيعة لم تطب نفسه فيشمله عموم هذا النص؛ لأن "مال" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، فلا يحل، فاستحق الخيار لذلك؛ لأن النفي هنا نهي، وهو مُطلق فيقتضي التحريم والفساد ثانيهما: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، وذلك لأن بيع السلعة بثمن أقل مما تستحق ضرر على البائع، وشراءها بثمن أكثر مما تستحق =

стр. 1462

إحداها: تلقِّي الركبان؛ لقوله ﷺ : "لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقَّاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق: فهو بالخيار" رواه مسلم (و) الثانية المشار إليها بقوله: (بزيادة الناجش) الذي لا يُريد شراء، ولو بلا مواطأة، ومنه: "أعطيتُ كذا" وهو كاذب؛ لتغريره بالمشتري، الثالثة: ذكرها بقوله: (والمسترسل) وهو من جهل القيمة، ولا يحسن يُماكس: من: استرسل: إذا اطمأنَّ، واستأنس، فإذا غُبن: ثبت له الخيار (٣٢)، ضرر على المشتري، وهذا منهي عنه، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إن الشيء الذي لم يرد تحديده من قبل الشارع: فإنه يرجع إلى تحديد أصحاب الخبرة في تلك السلعة من المتوسطين في عقولهم، فإن قلتَ: لِمَ ثبت خيار الغبن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس الذين قد يقعون في مثل ذلك، فيُمكَّنون من ردِّ سلعته، أو ثمنه، أو إمضاء البيع. (٣٢) مسألة: يثبت خيار الغبن في ثلاث صور: أولها: إذا جلب شخص سلعة لسوق لا يعرف سعر تلك السلعة" فمثلًا: لو جلب زيد بعيرًا وتلقَّاه عمرو قبل دخوله لذلك السوق، فاشترى عمرو ذلك البعير من زيد، فلما دخل زيد السوق وجد أنه باعه بأقل من ثمنه بكثير: فإن لزيد الخيار: فإن شاء أمضى البيع، وإن شاء ردَّ بعيره، وردَّ الثمن على عمرو، وهذا يُسمَّى بـ "تلقي الركبان"، ثانيها: إذا زاد شخص في ثمن سلعة، وهو لا يُريد شراءها، وإنما يريد نفع البائع أو الإضرار بالمشتري، أو يُريدهما معًا، ولو لم يتفق هذا مع البائع، أو زاد البائع نفسه في ثمن سلعته قائلًا: "إني اشتريتها بكذا" أو قائلًا: "إني قد أُعطيتُ بها كذا" وهو كاذب؛ لأجل أن يغرَّ المشتري بذلك، وهذا يُسمَّى "زيادة النجش" فإن المغبون له حق الخيار. ثالثها: إذا كان الشخص جاهلًا بقيمة السلعة، أو كان يعلم السلع، لكنه لا يحسن المماكسة - وهو المكاسرة والأخذ والرَّد في الثمن - فاشترى سلعة بسبب اطمئنانه للبائع - بعشرة وهي لا تساوي خمسة عند أهل الخبرة - وهذا يُسمَّى بـ "المسترسل" وهو: المطمئن الواثق بالبائع، فهذا له حق الخيار؛ =

стр. 1463

ولا إرش مع إمساك (٣٣)، والغبن محرم (٣٤)، ................... للسنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقَّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق: فهو بالخيار" أي: أن الجالب إذا وجد نفسه أنه مغبون فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء أخذ سلعته من المشتري وردَّ ثمنها، والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، وفساد البيع، لذلك ثبت له الخيار، ثانيها: أنه ﵇: "نهى عن النجش" أي: لا يزيد أحدكم في ثمن سلعة لا يريد شراءها، أو لا تزيدوا في ثمن سلعتكم كذبًا، والنهي مطلق فيقتضي التحريم وفساد البيع، لذا ثبت الخيار، ثالثها: أنه ﵇ "نهى عن بيع الغرر" ولا شك أن من باع على المسترسل سلعة بأعلى من ثمنها فقد غرَّه، وغلبه، وتحايل على أكل ماله بغير حق والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم وفساد البيع، لذلك ثبت الخيار للمسترسل: فإن قلتَ: لِمَ ثبت الخيار في تلك الصور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق بعض المسلمين الذين قد لا تسمح ظروفهم وأحوالهم من معرفة ما يجري في الأسواق من أسعار ونحوها. (٣٣) مسألة: إذا أمضى المغبون البيع، وأمسك العين المباعة في تلك الصور الثلاث - التي في مسألة (٣٢) - ونحوها مما شابهها: فلا يستحق أرش أو عِوَض عن الغبن الذي أصابه، بل الخيار بين أمرين فقط: إمّا ردُّ المبيع وأخذ ثمنه الذي دفعه، أو إمضاء البيع؛ للاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد استقراء النصوص المثبتة لخيار الغبن: أن الشارع لم يجعل له الأرش والعِوَض. (٣٤) مسألة: يُحرَّم الغبن في صوره الثلاث السابقة - في مسألة (٣٢) - وما شابهها، ويحرم التسبُّب إليه؛ للسنة القولية؛ وهي من أوجه ثلاثة - وقد سبق ذكرها في مسألة (٣٢) - فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه غشٌّ للآخرين، وتغرير بهم مما يؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 1464

وخياره على التراخي (٣٥) (الرابع) من أقسم الخيار: (خيار التَّدليس) من الدلسة وهي الظلمة، فيثبت بما يزيد به الثمن (كتسويد شعر الجارية، وتجعيده) أي: جعله جعدًا وهو ضد السبط (وجمع ماء الرحى) أي: الماء الذي تدور به الرحى (وإرساله عند عرضها) للبيع؛ لأنه إذا أرسله بعد حبسه: اشتدَّ دوران الرحى حين ذلك، فيظنُّ المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في الثمن، فإذا تبيَّن له التدليس: ثبت له الخيار، وكذا تصرية اللَّبن في ضرع بهيمة الأنعام؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا تصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها: فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها، وصاعًا من تمر" متفق عليه (٣٦)، .............................. (٣٥) مسألة: خيار الغبن يكون على التراخي، فالمغبون له الخيار بعدما يطَّلع ويعلم أنه غُبن في شرائه للسلعة وإن بَعُد عن زمن البيع، فلا يسقط هذا الخيار إلّا بقرائن تدلّ على رضا المغبون: كتصرُّفه بالسلعة ببيع أو هدية، أو نحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري سلعة ثم اطَّلع على عيب فيها فله الخيار ولو بعد مدة طويلة - كما سيأتي في مسألة (٤٨)، فكذلك من اشترى سلعة ثم علم أنه مغبون فيها فله الخيار ولو بعد مدة طويلة، والجامع: أن كلًّا منهما ثبت لإزالة ضرر أحد المتبايعين، وهذا لا يحدد له وقت. (٣٦) مسألة: في الرابع - من أقسام الخيار - وهو: خيار التدليس، والمراد بذلك: أن يقوم البائع بتحسين مظهر سلعته بينما هي قبيحة في الباطن، فيكون المشتري في ظلمة لا يرى القبح الذي أخفي عليه فيرغب فيها، كأن يكتم العيب الذي في تلك السلعة، أو أن يغسل الثوب بمادة تجعله كأنه لم يُستعمل من قبل، ويبيعه على أنه جديد، أو يجعل الطعام الجيد ظاهرًا، والرديء باطنًا، أو أن يصبغ بيتًا أو سيارة فيبيعهما على أنهما جديدان، أو أنه يصبغ شعر الجارية، أو العبد بالسواد، ليُبيِّن أنهما شابان، أو يجمع الماء في الرحى - وهو الذي يرفع الماء من النهر ليُسقى به -، فإذا أراد بيع ذلك: فتح هذا بقوة فتدور الرحى دورانًا =

стр. 1465

وخيار التدليس على التراخي (٣٧) إلا المصراة، فيُخيَّر ثلاثة أيام منذ علم بين إمساك سريعًا، فيظن المشتري أن ذلك بسبب قوتها، أو يجمع اللبن في ضرع البهيمة؛ ليظن المشتري أن حليبها كثير فيزيد المشتري بالثمن لأجل ذلك، فإذا تبين المشتري أن ذلك كله تدليس وخداع فيما بعد فله حق الخيار إن شاء ردَّ السلعة، وأخذ الثمن الذي دفعه، وإن شاء أمضى البيع، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهو من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا تصرُّوا الإبل والغنم فمن ابتاعها: فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمر" فنهى الشارع عن تصرية اللبن في الضرع، وهو: جمعه فيه؛ ليُبيِّن للمشتري أنها ذات لبن كثير، وهذا النهي مطلق، فيقتضي التحريم، وفساد البيع، لذلك جعل للمشتري المدلَّس عليه هنا الخيار، ثانيهما: أنه ﵇ لما علم أن بائع الطعام قد جعل الرديء أسفل، والجيّد منه أعلى قال: "من غشَّنا فليس منا" وهذا عام؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن التدليس على الآخرين من أعظم الغش، الثانية: القياس، بيانه: كما أن التدليس بجمع اللبن في الضرع حرام ومفسد للبيع، وفيه الخيار، فكذلك سائر أنواع التدليس وصوره السابق ذكرها في أول المسألة، والجامع: أن كلًّا منها يزيد في الثمن؛ نظرًا لما أظهره البائع من الحسن، فيكون قد أخذ مالًا بغير حق، وهو المقصد منه. (٣٧) مسألة: خيار التدليس يكون على التراخي، فالمدلَّس عليه، والمغشوش، وهو المشتري هنا له الخيار بعدما يعلم أنه قد دُلِّس عليه، وأن البائع قد أظهر له شيئًا لا يُوجد في الحقيقة، وإن كان ذلك بعد مُدَّة طويلة، فلا يسقط الخيار هنا: لا بعد أن تثبت قرائن تدل على رضى المشتري: ببيع السلعة التي اشتراها، أو هبتها ونحو ذلك؛ للقياس على خيار العيب الذي سيأتي في مسألة (٤٨) تنبيه: هذا في غير التدليس بالمصراة.

стр. 1466

بلا أرش، ورد صاع تمر سليم إن حلبها، فإن عدم التمر: فقيمته، ويُقبل ردُّ اللَّبن بحاله (٣٨) (الخامس) من أقسام الخيار: (خيار العيب) وما بمعناه (وهو) أي: العيب: (ما ينقص قيمة المبيع) عادة، فما عدَّه التجار في عرفهم مُنقصًا: أنيط الحكم به، وما (٣٨) مسألة: إذا دلَّس البائع وصرَّ وجمع اللَّبن في ضرع البهيمة، وعلم المشتري بذلك فله الخيار ثلاثة أيام فقط: فإن لم يحلبها: ردَّها إن شاء وأخذ ثمنه الذي دفعه، وإن شاء أمسكها وأمضى البيع، أما إن حلبها: فإن كان اللَّبن بحاله لم يتغيَّر، وأراد ردَّها: فإنه يردها ولبنها إلى البائع، ويأخذ ثمنه الذي دفعه، أما إن تغيَّر اللبن أو استهلكه وأراد ردَّها: فإنه يردَّها إلى البائع وصاعًا من تمر غير مغشوش، فإن لم يجد هذا الصاع من التمر: فإنه يرد قيمته؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمر" حيث دل مفهوم الزمن على أنه إذا اكتشف التدليس قبل أن يحلبها يردّها لوحدها، ووردت زيادة عند مسلم وهي: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" وهي زيادة ثقة مقبولة ويدل مفهوم الزمان أيضًا على أنها إذا مضت بطل خياره، فإن قلتَ: لِمَ كان الخيار في المصراة ثلاثة أيام فقط؟ قلتُ: لأنه يُعرف بتلك الأيام حاصل لبنها عادة، فإن قلتَ: لِمَ يردها مع صاع من تمر بدلًا عن اللَّبن إذا تغيَّر، أو استهلك؟ قلتُ: عِوضًا عن اللبن الموجود أثناء العقد؛ لكونه ملكًا للبائع، أما ما وُجد بعد ذلك فهو ملك للمشتري وإن كان في زمن الخيار، فإن قلتَ: لم تُردُّ البهيمة مع اللبن إذا لم يتغيَّر؟ قلتُ: لأن التمر شرع بدلًا عن اللَّبن، فإذا وجد المبدل بحاله، بطل البدل وهو التمر، فإن قلتَ: لِمَ خصِّص التمر هنا؟ قلتُ: لأنه غالب قوت أهل الحجاز في عهده ﵇، ولأنه يؤكل مع اللَّبن عادة، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّر ذلك بالصاع مع أن اللَّبن قد يزيد وقد ينقص؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للتشاجر والنزاع في مثل هذه الأمور.

стр. 1467

لا: فلا (٣٩)، والعيب (كمرضه) على جميع حالاته في جميع الحيوانات (وفقد عضو) كإصبع (وسن، أو زيادتهما، وزنا الرقيق) إذا بلغ عشرًا من عبد أو أمة (وسرقته) وشربه مُسكرًا (وإباقه، وبوله في الفراش) وكونه أعسر، لا يعمل بيمينه عملها المعتاد، وعدم ختان ذكر كبير، وعثرة مركوب وحرنه ونحوه، وبُخر، وحَوَل، وخرس، وطرش، وكلف، وقرع، وحمل أمة، وطول مُدَّة نقل ما في دار مبيعة عرفًا، وكونها ينزلها الجند (٤٠) لا سقوط آيات يسيرة من مصحف ونحوه، ولا حمَّى وصداع (٣٩) مسألة: في الخامس - من أقسام الخيار - وهو: خيار العيب، وهو: أن يطَّلع المشتري أن في السلعة التي اشتراها عيبًا ينقص من قيمتها في عرف أهل الخبرة والعقل من التجار، فهذا مخيَّر بين أن يُمسك المبيع، ويأخذ الأرش عن العيب، أو يرد المبيع ويأخذ الثمن للقياس، بيانه: كما أن الخيار يثبت بالتصرية - كما سبق في مسألتي (٣٦ و ٣٨) (٣٦)، فكذلك يثبت بالعيب والجامع: إخفاء حقيقة الأمر عن المشتري، فإن قلتَ: لِمَ ثبت خيار العيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه حماية لحقوق المسلمين من يستولي عليها الظلمة بسبب التدليس، والغش والخداع، تنبيه: سيأتي بيان طريقة الخيار هنا، والأرش في مسألة (٤٢). (٤٠) مسألة: العيوب التي يثبت بسببها الخيار هي: كل شيء يُوجد بالسلعة المباعة يتسبَّب في نقص قيمة السلعة نقصًا يُفوِّت به غرضًا صحيحًا أراده المشتري إذا كان الغالب في جنس السلعة المباعة عدمه، وأمثلة العيوب كثيرة لا يمكن حصرها على مرِّ العصور، ومنها: مرض حيوان أو رقيق، ونقص عضو في حيوان، أو رقيق كإصبع، أو رجل، أو سن من رقيق، أو زيادة ذلك مما يُشوِّه المنظر، أو زنا رقيق، أو لواطه أو ثبوت خبثه، أو خناثته، أو سرقته، أو شربه الخمر؛ أو كان معروفًا بالهرب والإباقة، أو بوله في الفراش، أو كان أعسرًا لا يعمل بيمينه، أو كان غير مختون وهو كبير في السن أو كان أبخرًا أو في إحدى عينيه حول، أو كان أخرسًا لا يتكلَّم، أو كان أطرشًا لا يسمع غالبًا، أو كان فيه =

стр. 1468

يسيرين، ولا ثيوبة، أو كفر، أو عدم حيض، ولا معرفة غناء (٤١) (فإذا علم المشتري العيب بعد) العقد: (أمسكه بأرشه) إن شاء؛ لأن المتبايعين تراضيا على أن العوض في كَلُفُ - وهو: من تغيَّرت بشرته بلون بين السواد والحمرة -، أو كان أقرعًا وهو الأصلع، أو أجذمًا، أو كان كثير الكذب والحمق، أو لا أدب ولا وقار في موضعهما، أو كانت الأمة حاملًا، لكونه يُضعف نشاطها، أو كانت الدار المباعة فيها أثاث طال نقله عنها في عرف التجار؛ لتأخر تسليمها للمشتري فيتضرَّر، أو وجد المشتري فيها حشرات لا يزول، أو كان الجار لهذه الدار جار سوء أو كان ينزلها جند من الظلمة، أو كان ممن لا يخرج إلّا بمشقة ونحوها مما شابهها، فهذه عيوب معتبرة، للمصلحة: حيث ثبت بعد التتبّع والاستقراء أن هذه العيوب وما شابهها تُنقص من قيمة السلعة المباعة - فيلحق الضرر المشتري، فيكون الثمن لا يُعادل السلعة، فثبت له الخيار بها؛ حماية له تنبيه: جعل المصنف وبعض الفقهاء: كون الجار لتلك الدار المباعة جار سوء، أو كان النازل للدار المباعة من الجنود ونحو ذلك في معنى العيب، وليست عيبًا، قلتُ: هذه تعتبر عيوبًا حقيقية في الدار المباعة يثبت لأجلها الخيار؛ لأنها تضرّ بالمشتري. (٤١) مسألة: العيوب التي لا تُثبت الخيار هي: كل شيء يُوجد في السلعة المباعة مما يكثر وجوده في مثلها، ولا يُفوِّت على المشتري غرضًا أراده، ولا يُنقص من ثمنها كثيرًا، ومنها: سقوط آيات قليلة جدًا من مصحف، أو أوراق من كتاب علم، أو وجود مرض عارض كالحمَّى، أو الصداع في الرقيق، أو كون الأمة ليست بكرًا، أو كون الرقيق كافرًا أو كون الأمة لا تحيض، أو كونها تعرف الغناء، أو كون الرقيق لا يعرف الحجامة، أو الطبخ، فهذه ليست عيوبًا مُعتبرة عند أهل الخبرة والعدالة من التجار؛ للتلازم؛ حيث إن كثرة وجودها في السلع المباعة، وعدم اشتراط صفة مُعيَّنة في السلعة وعدم تأثُّر ما اشتُريت لأجله، يلزم من ذلك: أنه يُتسامح بمثل تلك العيوب، ولا يثبت بسببها الخيار للمشتري.

стр. 1469

مقابلة المبيع، فكل جزء منه يُقابله جزء من الثمن، ومع العيب فات جزء من المبيع، فله الرجوع ببدله وهو الأرش (وهو) أي: الأرش (قسط ما بين قيمة الصحة والعيب) فيقوَّم المبيع صحيحًا، ثم معيبًا، ويؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، فإن قوم صحيحًا بعشرة ومعيبًا بثمانية: رجع بخمس الثمن قليلًا كان أو كثيرًا، وإن أفضى أخذ الأرش إلى ربا كشراء حلي فضة بزنته دراهم: أمسك مجانًا إن شاء (أو ردَّه وأخذ الثمن) المدفوع للبائع، وكذا: لو أُبرئ المشتري من الثمن، أو وهب له، ثم فسخ البيع لعيب، أو غيره: رجع بالثمن على البائع (٤٢)، وإن علم المشتري قبل العقد (٤٢) مسألة: إذا علم المشتري العيب الذي في السلعة التي باعها بعد العقد فيُخيَّر بين أمرين: أولهما: أن يمسك السلعة التي اشتراها بأرشها - وهو: أن يدفع البائع للمشتري الفارق بين قيمتها صحيحة، وقيمتها معيبة، وهذا يضعه أهل الخبرة والعدالة من التجّار، فمثلًا: إذا كانت قيمة العبد صحيحًا عشرة آلاف، وقيمته معيبًا ثمانية: فإن البائع يدفع للمشتري ألفين عِوَضًا عن ذلك العيب إن تراضيا على ذلك، ثانيهما: أو يردُّ المشتري السلعة التي اشتراها ويأخذ كامل الثمن الذي دفعه، أما إن كان دفع الأرش هذا يؤدِّي إلى ربا فهو بالخيار: أما أن يمسك المبيع ويُمضي البيع مجانًا، أو يرده ويأخذ ثمنه الذي دفعه، ويسقط الأرش كأن يشتري زيد ذهبًا بزنته دنانير ونحو ذلك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أن المتبايعين قد تراضيا في أن يكون الثمن في مقابلة المبيع الصحيح كله، فيكون كل جزء منه يُقابله جزء من الثمن، فإذا وجد عيب فيه: فإنه يُفوِّت جزءًا من المبيع لم يستوفيه المشتري، فيلزم: أن يأخذ المشتري بدلًا عن ذلك العيب من البائع، وهذا هو الأرش. ثانيهما: أنه يلزم من إفضاء أخذ الأرش إلى التعامل بالربا: بطلان الأرش، فيكون مُخيرًا بين إمضاء البيع، أو الردّ فقط؛ لئلا يقع بالربا المنهي عنه (فرع): إذا أبرئ المشتري من الثمن، أو وُهب له من قبل البائع، ثم فسخ المشتري البيع بسبب العيب أو التدليس أو نحو ذلك: فإنه يرجع بكل الثمن؛ =

стр. 1470

بعيب المبيع، أو حدث العيب بعد العقد: فلا خيار له (٤٣) إلّا في مكيل ونحوه تعيَّب قبل قبضه (٤٤) (وإن تلف المبيع) المعيب (أو عتق العبد) أو لم يعلم عيبه حتى صبغ الثوب، أو نسجه، أو وهب المبيع، أو باعه، أو بعضه (تعيَّن الأرش)؛ لتعذُّر الرَّدِّ، وعدم وجود الرضا به ناقصًا (٤٥)، وإن دلَّس البائع: بأن علم العيب، وكتمه عن للتلازم؛ حيث يلزم من فسخه للبيع: استحقاقه لجميع الثمن. (٤٣) مسألة: يسقط خيار العيب في صورتين: أولهما: إذا كان المشتري عالمًا بعيب السلعة التي اشتراها قبل العقد؛ للتلازم؛ حيث إن علمه بالعيب قبل العقد ومع ذلك اشتراه فهذا يقتضي رضاه بهذا العيب فيلزمه البيع، فلا خيار، ثانيهما: إذا حدث العيب في السلعة بعد العقد؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من خروج السلعة من ملك البائع بسبب العقد سليمة: ملزم للبيع، فلا خيار، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي حماية البائع من الظلم. (٤٤) مسألة: إذا اشترى شخص مكيلًا، أو موزونًا، أو معدودًا، أو ثمر على شجر أو نحو ذلك وتعيَّب بعد العقد وقبل قبض المشتري له: فإن المشتري له الخيار بين إمضاء البيع مع الأرش، أو ردِّ السلعة المباعة وأخذ ثمنها الذي دفعه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ضمان البائع لهذه الأمور إلى قبض المشتري لها: ثبوت الخيار فيما لو تعيَّبت ولو بعد العقد؛ لكونها ليست تحت يد المشتري فلا يُلزم المشتري بشيء لم يكن من فعله، لأنه ظلم له، وهو المقصود منه. (٤٥) مسألة: يتعيَّن أخذ المشتري للأرش، ويسقط الرَّد في ثلاث صور: أولها: إذا تلفت السلعة المباعة بأكل ونحوه، ثم علم المشتري أنها معيبة، ثانيها: إذا عتق العبد عند المشتري ثم علم أنه معيب، ثالثها: إذا صبغ المشتري الثوب أو نسجه، أو غسله، أو وهب المشتري المبيع، أو باعه، أو رهنه أو أوقفه، أو فعل ذلك ببعضه، ثم علم المشتري أنه معيب، ففي هذه الصور وما شابهها: يتعيَّن الأرش؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعذُّر ردِّ المبيع، وفوات رضا المشتري به في حالة كونه معيبًا: تعيُّن =

стр. 1471

المشتري، فمات المبيع، أو أبق: ذهب على البائع؛ لأنه غرَّه، وردَّ للمشتري ما أخذه (٤٦) (وإن اشترى ما لم يُعلم عيبه بدون كسره كجوز هند، وبيض نعام فكسره، فوجده فاسدًا، فأمسكه: فله أرشه، وإن ردَّه: ردَّ أرش كسره) الذي تبقى له معه قيمة وأخذ ثمنه؛ لأن عقد البيع يقتضي السلامة، ويتعيَّن أرش مع كسر لا تبقى معه قيمة (وإن كان) المبيع (كبيض دجاج) فكسره، فوجده فاسدًا: (رجع بكل الثمن)؛ لأنا تبيَّنا فساد العقد من أصله؛ لكونه وقع على ما لا نفع فيه، وليس عليه رد فاسد ذلك إلى بائعه؛ لعدم الفائدة فيه (٤٧) (وخيار عيب متراخ)؛ لأنه لدفع ضرر مُتحقق، فلم يبطل ووجب الأرش فقط على البائع، ويأخذه المشتري؛ لكونه في مقابلة الجزء المعيب في المبيع - كما سبق بيانه - وهو المقصد منه. (٤٦) مسألة: إذا علم البائع عيبًا في السلعة، ودلَّسها على مشترٍ، فلم يُبينها له عند العقد فمات أو هرب العبد ونحو ذلك - مما كان البائع يعلم أنه سيكون من عبده أو حيوانه الذي باعه مثلًا -: فإن هذا يُحسب على البائع، ويأخذ المشتري الثمن الذي دفعه كاملًا، وكذلك يدفع البائع للمشتري ما دفعه بسبب تضرُّر من ذلك المبيع فمثلًا: لو كان البائع يعرف أن تلك الأمة لو وطأها أحد لحصل منها عيب كذا، ولكنه أخفاه عن المشتري، فوطأها المشتري بعد شرائها فحصل ذلك العيب: فإنه يردها ويأخذ ثمنه الذي دفعه لها من البائع، للسنة القولية: حيث إنه ﵇ "قد نهى عن بيع الغرر"، والبائع قد دلَّس وغرَّ المشتري، فيحرم ويفسد البيع؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهذا فيه حماية للمشتري من غش وتدليس البائعين الظلمة، وهو المقصد الشرعي منه. (٤٧) مسألة: إذا اشترى ما لا يمكن أن يُعرف عيبه إلا بعد كسره، وإزالة قشره، فكسره المشتري فظهر عيبه: فله حالتان: الحالة الأولى: إذا كان للمعيب قيمة ونفع ولو كان مكسورًا كبيض النعام، أو جوز الهند، أو البطيخ - حيث يُمكن أن تأكله البهائم -: فالمشتري بالخيار: إما أن يرد المبيع ويأخذ ما دفعه من ثمن، ويرد أرش =

стр. 1472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كسره - بأن يدفع للبائع الفارق بين ثمن البطيخ غير المكسور، والبطيخ المكسور مثلًا أو يقبل تلك السلعة - وهي البطيخ مثلًا - ويدفع له البائع أرش ذلك العيب - كما سبق بيانه -؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لو اشترى عبدًا فبان له أنه معيب: فله الخيار بين ردِّه إلى البائع أو إمضاء البيع مع دفع البائع له أرش هذا العيب فكذلك الحالة هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه عقد للبيع يقتضي السلامة من كل عيب لم يطلع عليه المشتري، فيثبت الخيار له بعد ذلك، ثانيهما: كما أن مشتري المصراة وحلبها فوجدها غير ما كانت عليه عند البيع: له الخيار: إن شاء ردها ورد مع ذلك صاعًا من تمر، وإن شاء أمضى البيع، فكذلك الحالة هنا: فإنه يردها ويرد أرش كسرها معها، والجامع: أن كلًّا من اللَّبن، والسلعة المكسورة يُنتفع به، وكلًّا منهما فيه نقص لا يمنع الرد، الحالة الثانية: إذا لم يكن للمعيب قيمة بعد كسره كبيض الدجاج الفاسد، والرمان الفاسد، وجوز الهند الذي كسر كسرًا لا يُستفاد منه: فالمشتري يأخذ ثمنه كاملًا من البائع، ولا يلزم المشتري ردُّه إلى البائع، وإن كان بعضه فاسدًا: فإن البائع يُرجع للمشتري ما يُقابل ذلك الفاسد من الثمن بنسبته؛ للتلازم؛ حيث إن من شروط صحة البيع: أن يكون المعقود عليه عين يُنتفع به - كما سبق في مسألة (١٥) من "حقيقة البيع، وحكمه وشروطه .. " والبيض الفاسد لا يُنتفع به قبل كسره أو بعده، فيلزم من ذلك: عدم صحة البيع أصلًا، فيأخذ المشتري ما دفعه كاملًا؛ لأن انتفاء الشرط يلزم منه عدم الحكم، وهو: عدم صحّة البيع. فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق المشتري؛ لئلا يؤخذ ماله بغير حق بهذه الطريقة، وللمحافظة على حقوق البائع؛ لئلا يذهب المبيع المكسور الذي يُنتفع به مع دفعه للأرش فيتضرَّر، فإن قلتَ: لِمَ لا يردّ المشتري المكسور الذي لا يُنتفع به إلى البائع؟ قلتُ: لعدم قيمته الشرعية، =

стр. 1473

بالتأخير (ما لم يُوجد دليل الرضا) كتصرف فيه بإجارة، أو إعارة أو نحوهما عالمًا بعيبه، واستعماله لغير تجربة (٤٨) (ولا يفتقر) الفسخ للعيب (إلى حكم، ولا رضا ولا حضور صاحبه) أي: البائع كالطلاق (٤٩)، ولمشتر مع غيره معيبًا، أو بشرط خيار: الفسخ في نصيبه ولو رضي الآخر (٥٠). ............................... وهو معنى قوله: "ويتعيَّن أرش مع كسر لا تبقى معه قيمة". (٤٨) مسألة: خيار العيب يكون على التراخي، أي أن المشتري إذا اكتشف العيب بعد مدة طويلة: فله حق الخيار؛ فلا يسقط خياره إلّا بعد أن تثبت قرائن وأدلة على رضاه بالسلعة المباعة كأن يتصرَّف بها ببيعها، أو إجارتها، أو إعارتها، أو هبتها أو وطئها إن كانت جارية، وهو عالم بعيبها، أو استعملها لغير تجربة كركوب دابة ونحو ذلك.؛ للمصلحة: حيث إن خيار العيب ثبت لدفع الضرر المتحقق عن المشتري، وهذا الدفع يصح ولو تأخر وقته؛ تحقيقًا للعدالة، وقطعًا لوسائل الغش التي يستعملها بعض الظلمة. (فرع) إن استعمل ذلك وهو جاهل: فلا يؤثر ذلك الاستعمال، وهو على خياره وقد سبق. (٤٩) مسألة: إذا أراد المشتري أن يفسخ البيع ويرد المبيع المعيب: فله ذلك مُطلقًا، أي: سواء رضي البائع، أو لا، وسواء كان البائع حاضرًا أو لا، وسواء تولَّى ذلك بنفسه، أو استعان بقاضٍ أو حاكم، لا فرق؛ للقياس؛ بيانه كما أن الطلاق يقع من الزوج على الزوجة مُطلقًا، فكذلك الحالة هنا، والجامع: أن كلًّا منهما رفع عقدًا مستحقًا له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه رفع الضرر عن المشتري؛ لأنه لو انتظر حضور البائع، أو رضاه، أو حضور حاكم أو نحو ذلك: لزاد ضرر المشتري. (٥٠) مسألة: إذا اشترى زيد وعمرو سلعة من بكر، فوجدا تلك السلعة معيبة: فإنه يجوز لزيد أن يفسخ نصيبه من العقد ولو رضي عمرو به، وكذا: لو اشترى بكر =

стр. 1474

والمبيع بعد فسخ أمانة بيد مشتر (٥١) (وإن اختلفا) أي: البائع والمشتري في معيب (عند مَنْ حدث العيب؟) مع الاحتمال: (فقول مشتر مع يمينه) إن لم يخرج عن يده؛ لأن الأصل: عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول: قول من ينفيه، فيحلف أنه اشتراه وبه العيب أو أنه ما حدث عنده، ويردُّه (وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما) كالإصبع الزائد، والجرح الطريء الذي لا يحتمل أن يكون قبل العقد: (قبل) قول المشتري في المثال الأول، والبائع في المثال الثاني (بلا يمين)؛ لعدم الحاجة إليه (٥٢)، سلعة من زيد وعمرو فوجدها معيبة: فيجوز لبكر أن يفسخ نصيب زيد وإمساك نصيب عمرو، ويُحسب القسط من الثمن في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن نصيبه هو جميع ما ملكه في العقد، وقد وقع معيبًا فلزم جواز ردِّه بالخيار؛ لعدم وجود مانع من ذلك. (٥١) مسألة: إذا عزم المشتري على فسخ البيع، فإن السلعة المباعة تكون أمانة في يده حتى يُسلِّمها البائع أو وكيله، وإن تلفت بيده بسبب تفريطٍ منه: فيضمنها، وإن كان ذلك بدون تفريط: فلا يضمنها؛ وإن كان البائع غائبًا وخشي على المبيع الفساد فإنه يبيعها ويكون ثمنها دينًا في ذمته متى ما حضر البائع أعطاه إياه أو ورثته، للقياس، بيانه: كما أن الوديعة تكون أمانة بيد المودَع، يضمنها عند تلفها بتفريط، ولا يضمنها بدون ذلك، ويبيعها إن خشي عليها، ويكون ثمنها في ذمته متى ما حضر المودِع سلَّمها له، أو لورثته، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما حاصلة باليد، وأن ذلك في مصلحة البائع. (٥٢) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في زمن حدوث العيب: بأن قال البائع: "إن العيب حدث بعد العقد فلا خيار لك" وقال المشتري: "إن العيب كان موجودًا قبل العقد فلي الخيار" فله حالتان: الحالة الأولى: إن كان العيب، يحتمل حدوثه قبل العقد وبعده مثل كون الثوب مخروقًا، أو جنون عبد، أو كثير التبول في فراشه: فيُقبل قول البائع مع يمينه - وهو قول الجمهور - فيحلف أن هذا العيب لم =

стр. 1475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكن موجودًا قبل العقد، وأنه باعه سليمًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيّنة فالقول: ما يقول صاحب السلعة أو يترادَّان" وصاحب السلعة هو: البائع، الثانية: الاستصحاب، لأن الأصل: عدم وجود العيب في المبيع، فقول المشتري: "إن العيب كان موجودًا قبل العقد" خلاف الأصل؛ لكونه مشكوكًا فيه، فنستصحب الأصل، وهو: خلوّ السلعة من العيب، ويلزم من ذلك: أنه يُقبل قول البائع، فلا خيار للمشتري، فإن قلتَ: لِمَ وجبت اليمين على البائع؟ قلتُ: لأن البائع ينكر ما ادَّعاه المشتري من وجود العيب قبل العقد؛ "واليمين على من أنكر" كما قال ﵇، فإن قلتَ: إنه يُقبل قول المشتري مع يمينه في هذه الحالة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُقبل قول المشتري في "كونه قبض المبيع أو لا مع يمينه" فكذلك هذه الحالة مثل ذلك، والجامع: القبض أو عدمه في كل، ففي الأصل: عدم قبض السلعة، وفي الفرع: عدم قبض الجزء الفائت بسبب العيب. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الأصل: وهو: "قبض المشتري للسلعة أولا" أكثر وضوحًا وبيانًا لإثباته، وعدم ذلك من الفرع، وهو: "حدوث العيب المحتمل قبل أو بعد العقد" ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة والاستصحاب". الحالة الثانية: إن كان العيب، لا يحتمل إلّا قول أحد المتبايعين فقط بسبب قرينة وُجدت كقول مشتر: "إنه وُجد في العبد إصبع زائد" أو قوله: "إن في رأس العبد شجة مندملة قديمة": فيُقبل قول المشتري هنا بدون يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة الحالية: صدق المشتري، إذ لا يمكن ذلك بعد العقد. أما لو قال مشتر: "إن في العبد - جرح يسيل الدم منه الآن" وأنكره البائع قائلًا: "إن هذا حدث بعد العقد" فيُقبل قول البائع بدون يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة الحالية: =
следующие страницы →