Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
(ولا يُجبر من أبى قلع الصبغ) إذا طلبه صاحبه (٣٧)، وإن وهب الصبغ لصاحب الثوب: لزمه قبوله (٣٨) (ولو قُلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض) أي:
لهما في قدر ملك كل واحد منهما على حسب نسبته، ثانيًا: إن نقصت قيمة المغصوب -وهو البر في المثال السابق-: فإن الغاصب يضمن ذلك النقص، فلو كانت قيمة البر عند الغصب ستة دراهم، وهما قد باعا البر المخلوط بالزيت بأربعة دراهم: فإن الغاصب يضمن الدرهمين للمالك ويردّ له ستة ولا شيء للغاصب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي الغاصب على غصب البر: أن يضمن ذلك النقص؛ لأنه حدث بسببه، وفعله، ثالثاً: إن زادت قيمة كل من الزيت أو البر: فإن كلَّ واحد يأخذ الزيادة التي تخصُّ ملكه فمثلًا: إذا زاد سعر البر في السوق وصار البر المغصوب يساوي عشرة والزيت يساوي خمسة فقط، ثم باعا البر المخلوط بالزيت فالزيادة تكون للذي غلا سعره وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أن كل شيء يتبع أصله: أن الزيادة تتبع ما زاد سعره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دقة متناهية في الإنصاف والعدالة.
(٣٧) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا، ثم صبغه الغاصب بصبغة من عنده، وأراد الغاصب قلع هذا الصبغ، أو غصب صبغًا، وجعله في ثوب من عنده، وأراد المالك قلعه: لم يُجبر كل منهما على قلع ذلك إذا طلبه صاحبه؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه إتلاف وإلحاق للضرر إليه؛ لأن الصبغ يهلك وينعدم بالاستخراج والقلع، ويتسبَّب في إفساد الثوب عادة، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(٣٨) مسألة: إذا وهب الغاصب الصبغ إلى مالك الثوب أو وهب نسيج غزل، أو تحسين دار إلى مالكهما: فإنه يلزم المالك قبول ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو زادت صفة في المسلم فيه: للزم المسلم أن يقبله، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الصبغ والصفة صارا من صفات العين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ نظرًا لكونه أرجع إلى المالك العين المغصوبة وزيادة.
стр. 1892
لخروج الأرض مستحقة للغير: (رجع) الغارس أو الباني إذا لم يعلم بالحال (على بائعها) له (بالغرامة)؛ لأنه غرَّه، وأوهمه أنها ملكه ببيعها له (٣٩) (وإن أطعمه) الغاصب (العالم بغصبه: فالضمان عليه)؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تغرير، وللمالك تضمين الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله، وقرار الضمان على الآكل (وعكسه بعكسه) فإن أطعمه لغير عالم فقرار الضمان على الغاصب؛ لأنه غرَّ الآكل (٤٠)، (وإن أطعمه) الغاصب (لمالكه، أو رهنه) لمالكه (أو أودعه) لمالكه (أو
(٣٩) مسألة: إذا باع زيد أرضًا على عمرو، فغرسها عمرو، أو بنى عليها بناءً، ثم بان أن الأرض ليست ملكًا لزيد بل هو غاصبها من بكر، فقلع بكر ما غرسه عمرو، وهدم البناء؛ لكونه هو مستحق الأرض: ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عمرو يعلم بأن تلك الأرض -التي غرسها، أو بنى عليها- ليست ملكًا لزيد، ومع ذلك اشتراها منه: فإنه لا يُغرم له شيء، بل يذهب ماله هدرًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترك زيد وعمرو في غصب أرض فغرساها، أو بنيا عليها بناء وقلع وهدم ذلك: فلا شيء لهما فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما متعدِّي فيما فعله، والمتعدِّي لا يُغرم له ما خسره بسبب تعدِّيه، ثانيًا: إن كان عمرو لا يعلم شيئًا عن الأرض، ويغلب على ظنه أنها ملك لزيد: فإنه يرجع إلى بائعها وهو -زيد- ويُطالبه بثمن الغرس، والبناء، ويجب على زيد أن يغرم له ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا يُطالب زيدًا بثمن الأرض الذي أعطاه إياه؛ لكون بكر قد أخذها منه؛ لأنها حق له، فكذلك يُطالبه بثمن الغرس والبناء الذي قلعه وهدمه بكر، والجامع: أنه في كل منهما قد غرَّه زيد، وأوهمه بأن الأرض ملكه، وهو السبب في كونه يبني، ويغرس فيها، والمقصد في ذلك واضح.
(٤٠) مسألة: إذا غصب زيد طعامًا من عمرو فأطعمه زيد لبكر فأكله: فإن الضمان على الغاصب -وهو زيد- فيُطالبه المالك -وهو عمرو هنا- بقيمة الطعام: سواء =
стр. 1893
آجره إياه: لم يبرأ) الغاصب (إلا أن يُعْلم) المالك أنه ملكه، فيبرأ الغاصب؛ لأنه حينئذٍ يملك التصرُّف فيه على حسب اختياره، وكذا: لو استأجره الغاصب على قصارته، أو خياطته (٤١) (ويبرأ) الغاصب (بإعارته) المغصوب لمالكه من ضمان عينه:
كان الآكل -وهو بكر- عالمًا بأن هذا الطعام مغصوب أو لا، ويرجع زيد على الآكل ويُطالبه بقيمته إن شاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الغاصب -وهو زيد- هو الآخذ الحقيقي لذلك المال من عمرو، وهو الذي حال بينه وبين ماله: أن يكون هو المسؤول عن هذا الغصب أمام المالك -وهو عمرو- فيضمنه له، ولا شأن لعمرو ببكر لا من قريب ولا بعيد، فإن قلتَ: إن الضمان يكون على الآكل إن كان عالمًا بأن الطعام مغصوب، ويُطالب المالك -وهو عمرو- بحقه من الغاصب المباشر له ويطالب الآكل أيضًا، أما إن كان الآكل لا يعلم أن ذلك الطعام مغصوب: فإن الضمان يكون على الغاصب -وهو زيد- فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علم الآكل -وهو بكر- بأن الطعام مغصوب: أنه يضمنه؛ لكونه أتلف مال غيره بغير إذن، ولا تغرير، فهو أقدم على فعله مع علمه، ويلزم من عدم علم الآكل بأن الطعام مغصوب: أن لا يضمنه إلّا إذا رجع إليه الغاصب المباشر -وهو زيد- لأنه هو الذي غر الآكل قلتُ: هذا بعيد؛ لأن المالك -وهو عمرو- قد غصب طعامه زيد مباشرة، فهو المسؤول أمامه عن ذلك الطعام، فلا يُطالب بحقه من غيره، وهذا هو الذي تؤيده القواعد الشرعية، وأصله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
(٤١) مسألة: إذا غصب زيد طعامًا من عمرو، فأطعم ذلك الغاصب ذلك الطعام لمالكه -وهو عمرو-، أو رهن زيد ذلك الطعام عند عمرو، أو أودعه إياه، أو أجَّره دارًا قد غصبها منه، أو أخذه مالكه -وهو عمرو- بقرض أو شراء، أو هبة، أو هدية، أو صدقة، أو إباحة، أو غصب زيد من عمرو ثوبًا فاستأجره على قصارته، أو خياطته، ولم يعلمه بأن هذا الطعام، أو الدار، أو الثوب هو =
стр. 1894
علم أنه ملكه أو لم يعلم؛ لأنه دخل على أنه مضمون عليه، والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان، فإن علم الثاني: فقرار الضمان عليه، وإلا: فعلى الأول، إلّا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه: فيستقرّ عليه ضمانه (٤٢) (وما تلف)
ملكه: فإن ذمة الغاصب لا تبرأ، أما إن أعلمه بأن كل ذلك ملكه: فإن ذمة الغاصب تبرأ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم علم المالك -وهو عمرو- بأن هذا ملكه يتصرَّف فيه كما شاء ببيع، أو هبة، أو إطعام غيره: أن تكون ذمة الغاصب لا تبرأ بذلك؛ لأنه قبضه على أنه أمانة؛ لأن الرَّد الكامل الشرعي هو: إعلام المالك بأن هذا الشيء هو مغصوب منك وهو ملك لك وبهذا تنتفي المنة، ويلزم من إعلامه بذلك: وحرية تصرف المالك فيه على حسب اختياره: بيع وهبة وصدقة: أن تبرأ ذمة الغاصب بذلك؛ لكون ذلك هو: الرد الكامل الشرعي للمغصوب.
(٤٢) مسألة: إذا غصب زيد حمارًا من عمرو، فأعار زيد ذلك الحمار إلى مالكه -وهو عمرو-: فإن ذمة الغاصب تبرأ مطلقًا، أي: سواء علم عمرو أن الحمار ملكه، أو لم يعلم بذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المالك قد استعار الحمار على أنه مضمون عليه؛ لأن العارية توجب الضمان على المستعير فلزم: إبراء ذمة الغاصب في ذلك؛ إذ لو وجب الضمان على الغاصب لرجع به على المستعير -وهو المالك وهو عمرو هنا- ولا فائدة في وجوب شيء عليه يرجع به على من وجب له. تنبيه: الغاصب يضمن المغصوب، وإذا تعامل معه آخر بشراء ذلك المغصوب، أو استأجره، أو نهبه، أو استعاره، أو غصبه منه، أو تصرَّف فيه تصرُّف شريك مضارب، أو تزوج المغصوبة، أو قبض المغصوب تعويض له عن سلعة مشتراة، أو أتلف ذلك المغصوب، وهو يعلم أو لا يعلم في تلك الأمور العشرة: فإن المالك يُضمِّن الغاصب الأول، في كل، ويرجع الأول إلى الثاني إن شاء، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل، وما ذكره المصنف هنا مبني على مذهبه فقط، وقد سبق =
стр. 1895
أو أتلف من مغصوب (أو تغيَّب) ولم يمكن ردّه كعبد أبق وفرس شرد (من مغصوب مثلي) وهو: كل مكيل، أو موزون، لا صناعة فيه مباحة يصح السَّلم فيه: (غرم مثله إذًا)؛ لأنه لما تعذر رد العين: لزمه رد ما يقوم مقامها، والمثل أقرب إليه من القيمة (٤٣). وينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة: فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في "المبدع" (وإلا) يمكن رد مثل المثلي؛ لإعوازه: (فقيمته يوم تعذَّر)؛ لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل، فاعتبرت القيمة إذًا (٤٤) (ويضمن غير المثلي) -إذا تلف أو
بيان الرد عليه.
(٤٣) مسألة: إذا غصب زيد شيئًا من عمرو، فتلف هذا الشيء المغصوب، أو أتلفه الغاصب كحيوان مات أو قتله الغاصب، أو تغيَّب ذلك المغصوب ولم يتمكّن الغاصب من ردِّه كفرس غصبه ثم هرب ذلك الفرس: وكان لهذا المغصوب مثل -وهو الشيء المماثل له- مثل أن يغصب مكيلًا أو موزونًا فيتلف: فإن الغاصب يغرم مكيلًا أو موزونًا مثله بشرط: أن يكون ذلك المكيل أو الموزون لا صناعة فيه، ومباحة، ويصح السَّلم فيه كالبر، ونحوه، فإن دخلت فيه الصناعة كصناعة الهريسة، أو كانت غير مباحة كأواني الذهب أو الفضة، أو كانت لا يصح السلم فيها كالجواهر: فإن الغاصب لا يغرمها بمثلها بل بقيمتها، للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه لما تعذَّر ردُّ العين: وجب عليه أن يردَّ ما يقوم مقامها: فيلزم أن يردَّ مثلها؛ لأن المثل هو الذي يقوم مقام العين من طريق الصورة والمشاهدة، بخلاف القيمة، ثانيهما: يلزم من تفاوت الصناعات، وعدم الإباحة في الأشياء المغصوبة، أو عدم صحة السَّلم فيه: أن يغرم الغاصب ما غصبه من هذه الأمور بقيمته؛ لئلا يفعل شيئًا محرمًا.
(٤٤) مسألة: إن كان لهذا المغصوب التالف مثل، ولكنه لم يجده؛ لعدم، أو بُعْد، أو غلاء: فإن الغاصب يغرم ذلك بقيمته يوم تعذَّر عليه وجود المثل، كمن غصب ماء في صحراء، أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من تعذُّر =
стр. 1896
أُتلف - (بقيمته يوم تلفه) في بلده من نقده أو غالبه؛ لقوله ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد: قوِّم عليه" (٤٥)، ولو أخذ حوائج من بقَّال ونحوه في أيام، ثم
عليه وجود المثل: وجوب القيمة؛ لئلا يذهب حق المالك هدرًا، ثانيهمًا: أن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل: فلزمت تلك القيمة من وقت ذلك الانقطاع، فإن قلتَ: تجب قيمة المغصوب حين المحاكمة، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية؛ للتلازم؛ حيث إن القيمة لم تنتقل إلى ذمة الغاصب إلّا بعد أن حكم بها الحاكم، فتلزم تلك القيمة في هذا الوقت، ولا تلزم قبله قلتُ: هذا بعيد؛ لأن القيمة ثبتت في ذمة الغاصب حين تلفت العين المغصوبة؛ لأنه قبل التلف: يجب رد عينها، ولما تلف ولم يُوجد مثله: وجبت قيمته يوم تلفه، بدليل: أن المالك له الحق بالمطالبة بتلك القيمة، وله الحق بأن يستوفيها، ولا ينكر الغاصب ذلك، والحاكم ملزم فقط؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في القيمة متى ثبتت في ذمة الغاصب؟ " فعندنا: يوم إتلافه، وعندهم: يوم المحاكمة.
(٤٥) مسألة: إن لم يكن لهذا المغصوب التالف مثل أصلًا: فإن الغاصب يغرمه بقيمته يوم تلفه بالنقد المعروف ببلد المتلف أو بغالب النقد في ذلك البلد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه قيمة عدل"، حيث إنه ﷺ أمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمره بالمثل، وهذا يلزم منه أنه يقوم بقيمته ويدفعها إلى المالك. الثانية: المصلحة؛ حيث إن دفع قيمتها أعدل، وأسلم من التنازع والاختلاف؛ لكون المتلف لا تتساوى جزئياته، ولا صفاته مع ما يُماثله، فإن قلتَ: لِمَ يضمنه بالقيمة يوم إتلافه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القيمة لم تجب إلّا بعد إتلاف المغصوب وعدم وجدان مثله دفعًا للضرر عن الغاصب، فإن قلتَ: إن الغاصب يضمنه بالقيمة يوم غصبه، وهو قول مالك وأبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تفويت الغاصب على المالك =
стр. 1897
حاسبه: فإنه يُعطيه بسعر يوم أخذه (٤٦)، وإن تلف بعض المغصوب، فنقصت قيمة باقيه كزوجي خفٍّ تلف أحدهما: ردَّ الباقى وقيمة التالف، وأرش نقصه (٤٧) (وإن
ذلك المغصوب يوم غصبه: أن يضمنه من حين، غصبه، قلتُ: لا يُسلِّم هذا؛ لأنه يوم غصبه يضمن ويُغرم به، أو بمثله إن كان له مثل، ولم تتعين القيمة في الذمة إلّا بعد إتلافه، وعدم وجدان مثله، فتكون القيمة ذلك الوقت، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة" وقد بيّنا ذلك.
(٤٦) مسألة: إذا أخذ زيد فواكه، أو خضروات، أو لحمًا، أو زيتًا أو نحو ذلك من عمرو -البقَّال، أو الجزار- في (١/ ١ / ١٤٢٦ هـ) ولم يقطع بسعرها، ثم أراد أن يُحاسبه ويعطيه قيمتها في (١ (٩/ ١٤٢٦ هـ) مثلًا: فإن زيدًا يعطي عمرًا سعر ما أخذ في (١/ ١/ ١٤٢٦ هـ)؛ للتلازم؛ حيث إنه قد ثبتت قيمة ما أخذ في ذمة الآخذ -وهو زيد- يوم أخذه إيّاها فيلزم أن يدفع ما ثبت في ذمته، وهذا معلوم متعارف عليه والعرف يقوم مقام النطق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المالك -وهو عمرو- من تحايل بعض الناس من أن لا يفوا بما عليهم إلّا بعد رخص الأثمان، وفيه حماية الآخذ -وهو زيد- من تحايل بعض الناس من أن لا يطالبوا بحقوقهم إلّا بعد غلاء الأثمان.
(٤٧) مسألة: إذا غصب شيئين لا يُستعملان إلّا معًا، وينقصهما التفريق: كأن يغصب زيد من عمرو خفَّين، أو مصراعي باب، فتلف واحد من الخفين، أو واحد من المصراعين: فيجب على الغاصب -وهو زيد أن يرد الباقي- وهو الخف أو المصراع السالم - إلى مالكه -وهو عمرو-، وقيمة الخف أو المصراع التالف، وأرش نقصه، فمثلًا: إذا كانت قيمة الخفين السالمين عشرة دراهم، فصارت قيمة الباقي بعد التلف: أربعة دراهم فقط، فإنه يجب عليه أن يردَّ ذلك الباقي، إلى مالكه وستة دراهم معه أيضًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب ثوبًا فشقه ثم تلف أحد الشقين: فإنه يجب على الغاصب أن يرد الباقي، وقيمة التالف، وأرش
стр. 1898
تخمَّر عصير) مغصوب (فـ) على الغاصب (المثل)؛ لأن ماليته زالت تحت يده كما لو أتلفه (٤٨) (فإن انقلب خلًّا دفعه) لمالكه؛ لأنه عين ملكه (و) دفع (معه نقص قيمته) حين كان (عصيرًا) إن نقص؛ لأنه نقص حصل تحت يده (٤٩)، ويسترجع الغاصب ما أداه بدلًا عنه (٥٠)، وإذا كان المغصوب ممّا جرت العادة بإجارته: لزم الغاصب أجرة
النقص فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه نقص حصل بسبب جناية الغاصب، فلزمه ضمانه في كل، والمقصد: حماية حقِّ المالك.
(٤٨) مسألة: إذا غصب شخص عصيرًا، ثم صار هذا العصير خمرًا عند الغاصب: فيجب على الغاصب أن يدفع لمالكه مثل العصير الذي غصبه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو أتلف العصير: فإنه يجب عليه دفع مثله إلى المالك، فكذلك الحال هنا، والجامع أنه في كل منهما قد زال وتلف مال المالك تحت يد الغاصب، فعليه ضمانه بمثله، والمقصد كما قلنا في مسألة (٤٧).
(٤٩) مسألة: إذا غصب شخص عصيرًا من عمرو، ثم صار هذا العصير خلًّا عند الغاصب: فيجب أن يدفع الغاصب ذلك الخل إلى مالك العصير -وهو عمرو هنا-، ويدفع أيضًا معه قيمة النقص إن حصل نقص على المالك فمثلًا: لو كان العصير حين غصبه يساوي عشرة دراهم، فلما كان خلًّا صار يساوي خمسة: فإن الغاصب يرد الخل إلى مالك العصير، ويرد خمسة دراهم معه، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الخل هو عين مالك العصير: فإنه يجب على الغاصب إرجاعه إلى مالكه، الثانية: القياس؛ بيانه كما أنه لو غصب شاة فهرمت عنده -أي: عند الغاصب- وردَّها فيجب عليه ردُّها، وقيمة النقص الذي حصل في الشاة فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد حصل نقص فيه، لكونه تحت يد الغاصب فيضمنه ويغرمه.
(٥٠) مسألة: إذا كان الغاصب -في مسألة (٤٩) - قد دفع بدلًا عن العصير إلى مالكه لما صار خلًّا، وهو قد أرجعه إلى مالكه مع أرش نقصه: فإن الغاصب يسترجع =
стр. 1899
مثله مدَّة بقائه بيده: استوفى المنافع أو تركها تذهب (٥١).
ذلك البدل من مالك المغصوب؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب عبدًا، ثم هرب العبد من الغاصب، فدفع قيمته إلى مالكه، ثم وجده وردَّه إلى مالكه: فإن يأخذ القيمة التي دفعها إليه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قد وصل إلى المالك حقُّه، فلا يجوز أخذ ما زاد عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه رفع الضرر عن الغاصب، وهذا من باب: إرجاع الحقوق إلى أهلها.
(٥١) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا جرت العادة بتأجيره كالرقيق، والدار، والبهائم، ونحو ذلك: فإنه يجب على الغاصب أن يردُّ هذا الشيء المغصوب لمالكه، وأن يدفع أجرة مثل هذا المغصوب من ساعة غصبه إلى أن ردَّه -أي: يدفع أجرة مثله مدَّة بقائه بيده- وهذا مطلق، أي: سواء استوفى الغاصب منافع الشيء المغصوب أو لا، فمثلًا: لو غصب داراً من عمرو سنة، وسكنها، أو لا: فإنه يجب على هذا الغاصب أن يرد هذه الدار، وأُجرة سنة أيضًا، ويُسلِّمهما لمالك الدار؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب عينًا وأتلفها أو بعضها أو فوتها على مالكها: فإنه يغرم ويضمن ما أتلفه، فكذلك منفعة تلك العين إذا فوَّتها على مالكها: فإنه يضمنها ويغرمها، والجامع: أن كلًّا من العين والمنفعة مال متقوَّم فوجب ضمانه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ردُّ حق للمالك قد تسبَّب الغاصب في تفويتها، فإن قلتَ: إن المنافع لا تُضمن، وهو قول أبي حنيفة، وكثير من المالكية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو زنا بامرأة مطاوعة لا ضمان ولا غرم عليه، فكذلك لو غصب عينًا: فإنه يردُّها، ولا يضمن ما فوّته من منافعها، والجامع: أنه في كل منهما قد استوفى المنفعة من غير عقد، ولا شبهة ملك قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المرأة قد رضيت بإتلاف منافعها بغير عوض، ولا عقد يقتضي العوض، ولو أكرهها على =
стр. 1900
فصل: (وتصرُّفات الغاصب الحكمية) أي: التي لها حكم من صحَّة، وفساد: كالحج، والطهارة ونحوهما، والبيع، والإجارة، والنكاح ونحوها (باطلة)؛ لعدم إذن المالك (٥٢)، ...............................................
الزنا: لوجب عليه مهرها، وأيضًا كلامهم ليس في محل النزاع، لأن المسألة مفروضة في غصب أشياء لها منافع تُستباح بالإجارة كالعقارات، والدواب ونحوها، والأبضاع لا تُستباح بالإجارة، وقد سبق بيان ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقنا غاصب المنفعة بغاصب العين، ومتلفها لأنه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بمن زنا بامرأة مطاوعة، لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا هو قياس الشبه.
(٥٢) مسألة: تصرُّفات الغاصب في العين المغصوبة الحكمية: أي: من حيث الصحة وعدمها فيه التفصيل الآتي: أولًا: إن كانت تلك التصرفات لا تقع فيها مباشرة كأن يغصب دارًا ويصوم فيها، أو يذكر الله، أو يُوحِّد الله تعالى فيها، فهذه تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مدخل ذلك في العين المغصوبة: صحته، ثانيًا: إن كانت تلك التصرفات واقعة في العين المغصوبة مباشرة كأن يغصب دارًا ويصلي فيها، أو يغصب ثوبًا ويصلي فيه، أو يغصب ماء، أو ترابًا ويتطهَّر فيه، أو يغصب جملًا ويحجّ أو يعتمر عليه: فإن تلك التصرفات لا تصح إذا كان واجدًا غيرها؛ لقاعدتين الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم إذن المالك: عدم صحتها، الثانية: المصلحة: حيث إنه لو كانت تلك التصرفات صحيحة لأدَّى ذلك إلى تعدِّي بعض الناس إلى اغتصاب أملاك الآخرين؛ لأن الغاصب سيقول ما دام أنه يصح فيها كل عبادة: فهذا أهون مما لو لم يصح شيء، فيكثر الاعتداء، فسدًا لذلك ومنعًا للضَّرر في المجتمع شرع عدم صحة ما يقع فيها من عبادات وقد سبق بيان ذلك في كتاب الطهارة والصلاة. ثالثًا: إن كانت هذه التصرفات في العقود: كأن يغصب دارًا ثم يبيعها، أو يؤجرها أو يغصب امرأة ويتزوجها، أو
стр. 1901
وإن اتَّجر في المغصوب: فالربح لمالكه (٥٣)، (والقول في قيمة التالف): قول الغاصب؛ لأنه غارم (أو قدره) أي: قدر المغصوب (أو صفته): بأن قال: "غصبتني عبدًا كاتبًا" وقال الغاصب: "لم يكن كاتبًا" فـ (ـقوله) أي: قول الغاصب كما تقدَّم (و) القول (في
يزوجها غيره طمعاً بالمهر: فيُرجع في ذلك إلى المالك: فإن اختار المالك: إبطاله: فهو باطل، وإن اختار: عدم إبطاله: فهو صحيح، وما لم يدركه المالك ولم يعلم به: فهو صحيح أيضًا، وهو اختيار كثير من العلماء منهم أبو الخطاب الحنبلي؛ للمصلحة: حيث إن مدَّة الغصب قد تطول، وفي هذه المدة الطويلة تربح تلك العقارات ونحوها وتنمو، ويكثر الربح والزيادة وعند ردِّ الغاصب للمغصوب تكون كل هذه الفوائد للمالك، فلو قلنا ببطلان التصرفات للحق الضرر للمالك، فدفعًا لذلك: شرع صحتها.
(٥٣) مسألة: إذا غصب شخص أثمانًا فاتَّجر بها، أو عروض تجارة واتَّجر بأثمانها أو نحو ذلك: فالعين المغصوبة، وما ربحته لمالكها، ولا يستحق الغاصب شيئًا منها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الأرباح هي أرباح عين ماله: أن تكون حقًا له، دون الغاصب، فإن قلتَ: إن الغاصب يكون بمنزلة الشريك المضارب، يكون له قدر من الربح كما سبق ذكره في "شركة المضاربة" وهو رأي ابن تيمية وبعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تجارة الغاصب بمال المالك: أن يكون له نصيب من الربح؛ لأنه قد اشترك في العمل. قلتُ: هذا بعيد، إذ الواقع في شركة المضاربة: الاتفاق بين صاحب المال وبين شريكه، والربح الذي تحصَّل عليه الغاصب من خلال متجارته بمال المالك وقع بدون اتفاق بينهما، ولا رضى، وهذا يُفسد ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الرضى: فساد العقد، والشركة؛ لأن من شروط صحة العقد: رضى المتعاقدين. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين" وهو واضح.
стр. 1902
ردِّه أو تعيُّبه): بأن قال الغاصب: كانت فيه إصبع زائدة، أو نحوها، وأنكره مالكه: فـ (ـقول ربِّه) لأن الأصل: عدم الرَّدو العيب، وإن شهدت البيّنة: أن المغصوب كان معيبًا، وقال الغاصب: "كان معيبًا وقت غصبه" وقال المالك: "تعيَّب عندك": قُدِّم قول الغاصب؛ لأنه غارم (٥٤) (٥٥) (وإن جهل) الغاصب (ربَّه) أي: رب المغصوب:
(٥٤) مسألة: إذا تلفت العين المغصوبة تحت يد الغاصب، ثم أراد الغاصب ردَّ قيمتها إلى مالكها واختلفا في قدر تلك القيمة حين تلفها، فقال المالك: "إنها تساوي عشرة" ونفى ذلك الغاصب قائلًا: "إنها تساوي ثمانية"، أو اختلفا في قدر المغصوب بأن قال المالك: "غصبتني مائة" فقال الغاصب: "إنها خمسون"، أو اختلفا في صفة المغصوب بأن قال المالك: "غصبتني عبدًا كاتبًا، أو راميًا" وقال الغاصب: "لم يكن ذلك العبد كاتبًا ولا راميًا"، أو اتفقا على أن المغصوب كان معيبًا واختلفا في وقت العيب فقال المالك: "قد تعيَّب عندك" وقال الغاصب: "بل كان معيبًا قبل أن أغصبه": ولا بيّنة لأي واحد منهما: فإنه يُقبل قول الغاصب في تلك الصور مع يمينه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو ادّعى على عمرو ألف درهم، وأقرَّ عمرو ببعضها، وأنكر الباقي، ولا بيّنة لواحد منهما: فإنه يُقبل قول المنكر -وهو عمرو- مع يمينه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن المنكر -وهو عمرو والغاصب هنا- غارم لما ادَّعاه عليه الآخر، والأصل براءة ذمته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع اليمين هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: الاحتياط في الدِّين والحقوق؛ إذ يحتمل أن يكون المالك -وهو المدعي- صادقًا، فطُلب اليمين من الغاصب لدفع هذا الاحتمال.
(٥٥) مسألة: إذا اختلف الغاصب مع المالك في ردِّ المغصوب بأن قال الغاصب: "أنا قد رددته إليك" فأنكر المالك قائلًا: "لم أرى ذلك، أو لم يكن ذلك صحيحًا"، أو اختلفا في تعيبه قبل تلفه فقال الغاصب: "كان العبد الذي غصبته منك فيه إصبغ زائدة، أو كان أعورًا، أو يبول في فراشه" فأنكر المالك ذلك قائلًا: "كان =
стр. 1903
سلَّمه إلى الحاكم، فبرئ من عهدته، ويلزمه تسلُّمه، أو (تصدَّق به عنه مضمونًا) أي: بنية ضمانه إن جاء ربه فإذا تصدَّق به: كان ثوابه لربه، وسقط عنه إثم الغصب، وكذا حكم رهن، ووديعة، ونحوهما إذا جهل ربها، وليس لمن هي عنده أخذ شيء منها، ولو كان فقيرًا (٥٦) (ومن أتلف) لغيره مالًا (محترمًا) بغير إذن ربه: ضمنه؛ لأنه
صحيحًا لم يكن فيه عيب": ولا بيّنة لواحد منهما: فإنه يُقبل قول المالك مع يمينه في هاتين الصورتين؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل بقاء المغصوب تحت يد الغاصب، وعدم العيب فيه، فنعمل على هذا، ونستصحبه حتى يرد دليل يغيِّر الحالة، ولم يرد شيء من ذلك، فبقي الأصل يعمل به، والمقصد في اليمين كما ذكر في مسألة (٥٤).
(٥٦) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، وجهل هذا الغاصب صاحب هذا الشيء المغصوب، وأراد ردَّه، أو قيمته: فإنه يُسلِّمه إلى الحاكم بشرط: أن يكون عدلًا عالمًا، أو يُسلِّمه لنائبه -وهو القاضي العدل-، أو يُسلِّمه لأي عالم معروف بدينه وعلمه، ويجب على هؤلاء أن يستلموا ذلك المغصوب، أو يتصدَّق به وينويه عن مالك المغصوب، ولا يحتاج ذلك إلى إذن الحاكم، والتصدُّق به يُشترط فيه أن ينوي ضمانه إن جاء وعرف مالك المغصوب، والأجر يكون لمالك المغصوب، وتبرأ ذمة الغاصب ويسقط عنه إثمه، ولا يسقط عنه إثم الغصب؛ للقياس؛ بيانه: كما أن اللقطة التي لا يعرف صاحبها تسلم للحاكم، أو نائبه، أو العالم، أو يتصدق به فكذلك يفعل في العين المغصوبة التي لا يُعرف مالكها، والجامع: أن كلًّا من لاقط اللقطة، والغاصب للعين عاجز عن ردَّها إلى أصحابها، فلم يكن له طريق إلّا هذه الطرق فوجب سلوكها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع تسليمها للحاكم، أو نائبه أو العالم؟ قلتُ: لأن قبض هؤلاء لها قائم مقام قبض أصحابها لها؛ لقيامهم مقامهم، فإن قلتَ: لِمَ شرع التصدّق بها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التصدق بها فيه جمع بين مصلحة المالك بتحصيل الثواب له، وفيه تبرئة ذمة الغاصب، فإن قلتَ: لِمَ =
стр. 1904
فوَّته عليه (٥٧) (أو فتح قفصًا) عن طائر فطار: ضمن (أو) فتح (بابًا) فضاع ما كان
اشترط في التصدُّق بها أن تكون مضمونة؟ قلتُ: لأن الصدقة بها لا إلى بدل -وهو الضمان فيما لو جاء صاحبها- غير جائز؛ لكونها تفوِّت على المالك حقه العاجل، فإن قلتَ: لِمَ سقط عنه إثم استمرار الغصب؟ قلتُ: لأنه عذر بعدم وجود مالكها، فإن قلتَ: لِمَ لا يسقط عنه إثم الغصب؟ قلتُ: نظرًا لأنه فوَّت على المالك انتفاعه بالعين المغصوبة مدة غصبها، فإن قلتَ: لِمَ لزم الحاكم ونائبه والعالم تسلمها؟ قلتُ: لأن هذا طريق لإيصال الحقوق إلى أهلها. (فرع): الراهن إذا لم يجد صاحب العين المرهونة إذا أراد فك الرهن، أو المودَع إذا أراد ردّ الوديعة ولم يجد المودِع، وجميع الأمانات، والأموال المحرمة كالمسروقة، والمنتهبة واللقيطة إذا جُهل أصحابها: فإنه يُفعل بها كما فُعل في العين المغصوبة، وقد سبق بيانه بالتفصيل. (فرع ثان): القاضي، والعالم اللذان أخذا تلك العين المغصوبة، أو المسروقة أو أي شيء لا يُعلم صاحبه، وكذا الغاصب أو السارق إذا تابا يُباح لهم أن يأكلوا بالمعروف من تلك العين: إذا لم يعلم صاحبها إذا كانوا فقراء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونهم فقراء استحقاقهم لذلك، فإن قلتَ: هؤلاء لا يأكلوا من ذلك ولو كانوا فقراء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه متَّهم في جعل نفسه من الفقراء، فيلزم: عدم جواز الأكل له، قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الأصل في الحكام، والقضاة، والتوابين من ذنوبهم: أن لا يتّهموا بشيء، حيث إن ذلك فيه مصلحة عامة، وهذا يؤيدهم على التوبة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فرجَّحنا الأول؛ لموافقته للمصلحة العامة، وهي واضحة.
(٥٧) مسألة: إذا أتلف شخص مالًا محترمًا شرعًا لغيره بغير إذنه: فإنه يضمنه ذلك الشخص سواء في ذلك العمد أو السهو؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب ذلك المال فتلف عنده؛ فإنه يضمنه، فكذلك إذا أتلفه من غير غصب له يضمنه،
стр. 1905
مغلقًا عليه بسببه (أو حلَّ وكاء) زق مائع، أو جامد، فأذابته الشمس، أو ألقته ريح فاندفق: ضمنه (أو) حلَّ (رباطًا) عن فرس (أو) حلَّ (قيدًا) عن مقيَّد (فذهب ما فيه أو أتلف) ما فيه (شيئًا ونحوه) أي: نحو ما ذكر: (ضمنه)؛ لأنه تلف بسبب فعله (٥٨)
والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت ذلك المال على صاحبه بغير إذنه. (فرع): إذا أتلف حاكم أو نائبه مال فاسق من الناس، أو أتلف كافر حربي مال مسلم، في وقت حرب، أو أتلف مسلم مال كافر في وقت الحرب: فلا ضمان في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المتلف مال غير محترم فيلزم عدم الضمان في إتلافه.
(٥٨) مسألة: إذا تسبب زيد في تلف شيء يملكه عمرو: فإن زيدًا يضمنه، ويدفع قيمته لمالكه وصاحبه: كأن يفتح زيد قفصًا عن طائر فطار وفارق ذلك القفص، أو يحلُّ قيد عبد مربوط به، أو يحل قيد أي بهيمة مربوطة به، أو يفتح بابًا مغلقًا على مجموعة طيور، أو عبيد، أو بهائم، فذهبت بسبب ذلك، أو يحل وكاء وكيس فيه سمن أو نحوه، وتسبَّب في إذابة الشمس له، أو إلقاء الريح له وسال: فإن زيدًا المتسبِّب لذلك يضمن كل ما سبق: سواء كان خروجه من محبسه حالًا، أو شيئًا فشيئًا، أو نفرها أو هيُّجها أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هذا الشخص لو نفَّر وأهاج هذه الأشياء من طيور، أو بهائم وعبيد وذهبت عقيب فتحه وحلَّه مباشرة، وكما أنه لو جرح إنسانًا آخر فأصابه الحر أو البرد فسرت الجناية حتى مات: فإنه يضمن ما تلف في الصورتين فكذلك الحال فيما سبق ذكره في هذه المسألة، والجامع: أنه في كل منها حصل التلف بسبب فعل زيد، ولم يُوجد بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه فيها، فوجب أن يكون الضمان عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الملَّاك من أن يتسبَّب بعض الناس في إضاعة أموالهم، فإن قلتَ: إنه لا يضمن إلّا إذا هيَّجها حتى ذهبت تلك الأشياء، وإن وقفت بعد الفتح والحل، ثم ذهبت تلك الأشياء: فلا يضمنها وهو لكثير من علماء الحنفية والشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو حفر بئرًا =
стр. 1906
(وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان) أو أتلف شيئًا: (ضمنه) لتعدِّيه بالربط، ومثله: لو ترك في الطريق طينًا، أو خشبة، أو حجرًا، أو كيس دراهم، أو أسند خشبة إلى حائط (كـ) ما يضمن مقتني (الكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه، أو عقره خارج منزله)؛ لأنه متعدٍّ باقتنائه، فإن دخل منزله بغير إذنه: لم يضمنه؛ لأنه متعدٍّ بالدخول، وإن أتلف العقور شيئًا بغير العقر، كما: لو ولغ، أو بال في إناء إنسان: فلا ضمان؛ لأن هذا لا يختص بالعقور، وحكم أسد ونمر وذئب وهر بأكل الطيور، وتقلب القدور في العادة حكم كلب عقور (٥٩)، وله قتل هر بأكل لحم ونحوه،
فجاء عبد لإنسان فرمى نفسه فيها: لا يضمن زيد ذلك فكذلك الحال هنا: لا يضمن بدون تهييج أو تنفير بعد الفتح والحل، ولا يضمن إن وقفت تلك الأشياء بعد الفتح والحل والجامع: وجود الاختيار من تلك الأشياء، وعدم وجود السبب الملجئ، فلم يتعلَّق الضمان بالسبب قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن حفر البئر لم يتعدَّ فيه على حق غيره، بل فعل ماله فعله ورمي العبد نفسه فيها لا دخل له فيه، بخلاف ما نحن فيه فكل ما وقع من ذهاب طيور، وحيوانات وعبيد ونحو ذلك كان بسبب فعله؛ إذ لو كانت لا تذهب بفتح الباب أو أي قيد: لما قيّدها صاحبها، أو أغلق عليها الباب، وهذا معلوم من قرينة الحال، فيكون فتحه للباب، أو حل القيود اعتداء ظاهرًا على حقوق غيره: فيضمنها، فلو لم يضمن أحد مثل ذلك: لتسبَّب ذلك في أن يتسبَّب الآخرون في إضاعة أموال الناس بهذا الطريق، وادَّعى المتسبِّب بأنه لم يُهيج، ولم يُنفِّر شيئًا، فسدًا للذرائع، وحفظًا لحقوق الآخرين: شُرع هذا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح، وهو المسمَّى بـ"قياس الشبه".
(٥٩) مسألة: إذا ربط زيد دابته بطريق، أو جعل في الطريق شيئًا من الطين، أو قشور بعض الخضروات أو الفواكه، أو جعل فيه أخشابًا، أو أحجارًا، أو مواد بناء، أو نحو ذلك، أو كان عنده كلب عقور -وهو المتوحش-، أو أيَّ بهيمة من
стр. 1907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السباع، أو القطط أو نحو ذلك، وتسبَّبت في إيذاء المارِّين، وتلف شيء من أبدانهم أو أموالهم: فإن زيدًا يضمن جميع الأضرار المترتبة على ذلك سواء كان الطريق ضيقًا أو واسعًا، وسواء كان ذلك في الليل أو النهار بشرط: أن يدخل شخص بيت من عنده كلب عقور أو أي بهيمة من بهائم السباع بإذن صاحب ذلك الكلب وذلك السبع -وهو زيد- فإن دخل بيته بدون إذن صاحبه وأذاه ذلك الكلب أو السبع: فلا ضمان على زيد، وكذا: إن بال ذلك الكلب في إناء أو ولغ فيه: فلا يضمن زيد ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قد تعدَّى بسبب ما فعله في الطريق فيلزم: أن يضمن ذلك لتعدِّيه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر العام والخاص عن الآخرين، فإن قلتَ: لِمَ يضمن مع أن الطريق واسع؟ قلتُ: لعدم التفريق بين الضيق والواسع في المشي فيه وسلوكه، فإن قلتَ: لِمَ ضمن من اقتنى كلبًا عقورًا أو أيَّ سبع؟ قلتُ: لأنه متعدٍّ بمجرَّد ذلك الاقتناء له؛ لكونه غير معتاد اقتناء ذلك، فإن قلتَ: لم اشتُرط في الضمان: أن يدخل شخص بيته بإذنه؟ قلتُ: لكونه قد دخل دخولًا مشروعًا، فيكون آمنًا على نفسه، فيضمن صاحب البيت والكلب، أما إذا دخل بيته بدون إذن: فلا يضمن ما لحق الداخل من أذى الكلب؛ لكونه قد اعتدى بدخوله بلا إذن، والمعتدي لا يُضمن، فإن قلتَ: لم لا يضمن زيد -صاحب الكلب العقور- إذا أتلف شيئًا بغير العقر كبوله في الإناء؟ قلتُ: لأن أفعاله -غير العقر- عادية، وما يُفعل عادة لا يُضمن وإن تلف بسببه شيء. (فرع): إذا اقتنى زيد هرًا يأكل دجاج الآخرين، ويُخوِّف الصبيان: فإن مقتنيه يضمن ذلك كله؛ للتلازم؛ وقد بيّناه مع مقصده في مسألة (٥٩). (فرع ثان): إذا اقتنى زيد حمامًا أو دجاجًا يأكل حب الآخرين: فإنه لا يضمن صاحبها ذلك؛ للعادة والعرف؛ حيث إن العادة قد جرت على إطلاق مثل تلك الطيور، وهذا يلزم منه: عدم ضمان ما أكلته. =
стр. 1908
والفواسق (٦٠)، وإن حفر في فنائه بئرًا لنفسه: ضمن ما تلف بها (٦١)، وإن حفرها لنفع المسلمين بلا ضرر في سابلة: لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه محسن (٦٢) وإن مال
(٦٠) مسألة: يجوز للمسلم قتل هرة أو نمل أو أيٍّ حشرةٍ إذا حصل منها تخويف لبني آدم، أو أكل أيَّ شيء له ثمن: سواء كان لحمًا أو غيره؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز قتل الفواسق الخمس في الحل والحرم وهي: "الفأرة، والحية، والعقرب، والحدأة، والكلب الأسود" كما ورد في السنة القولية فكذلك يجوز قتل الهرة، ونحوها من الحشرات المؤذيات، والجامع: دفع الأذى عن المسلم في كل وهذا من باب: "القياس على المحصور بعدد"؛ لأن المراد: مقصد الحديث، لا الألفاظ، وهذا هو المقصد الشرعي من ذلك.
(٦١) مسألة: إذا حفر شخص بئرًا في فناء داره -وهو المكان الخارج عن داره القريب جدًا من جدارها -ولم يسد ذلك البئر سدًا يمنع من السقوط فيه: فإنه يضمن ما تلف فيه: سواء كان ذلك الحفر بإذن الإمام أو نائبه أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن ما تلف حصل بسبب تعدِّيه لغير مصلحة الجميع، بل لمصلحته فقط: فيلزم أن يضمن كل ما تلف بسبب ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من الإضرار بهم، فإن قلتَ: إن حَفَرها بإذن الإمام أو نائبه: لم يضمن ما تلف في ذلك، وهو قول الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز له أن يأذن في القعود بهذا الفناء والطريق، ولو تلف شيء بسبب القعود: فإنه لا يُضمن فكذلك الحال هنا، والجامع: أن للإمام الإذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإذن في القعود لا يدوم عادة ويمكن إزالته في الحال، بخلاف حفر البئر: فهو يدوم، ولا يمكن إزالة الحفر في الحال. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازم مع القياس" كما سبق بيانه.
(٦٢) مسألة: إذا حفر شخص بئرًا لنفع جميع المسلمين للشرب، أو للتطهر منها، أو بنى بناءات ليستريح فيها المسافرون أو نحو ذلك: فلا يضمن ما تلف بسبب ذلك =
стр. 1909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بشرطين: أولهما: أن يكون هذا الحفر في طريق واسع. ثانيهما: أن لا يوجد ضرر في ذلك الحفر، فإن كان هذا الحفر بطريق ضيق، أو فيه ضرر على جماعة من المسلمين: فيضمن ما تلف فيها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن باسط الفرش، والحصير، وواضع المياه في المساجد لا يضمن ما تلف بسببها، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهم محسن بفعله غير متعدٍّ على حق غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك تدعو الحاجة إليه، فلو ضمن ما تلف بسببها لامتنع الصالحون من وضعها لنفع المسلمين، فإن قلتَ: إن حفرها، أو بنى شيئًا بإذن الإمام أو نائبه: فلا يضمن ما تلف بها، وإن كان بغير إذنهما: فإنه يضمن؛ وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو رأي كثير من العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الإمام أو نائبه يقوم بمصالح المسلمين العامة: أن يستأذن في الأعمال العامة، وهذا يلزم منه: ضمان ما تلف بسبب عمل شيء بدون إذنه، ولا يضمن إن عمله بإذنه؛ لكونه عمل ماله عمله شرعًا قلتُ: هذا بعيد؛ لأن هذه الأعمال الخيرية يشق استئذان الإمام أو نائبه فيه؛ نظرًا لكثرة ما تُعمل، ودفعًا لتلك المشقّة، ومنعًا من تعطيل تلك الأعمال الخيرية: شُرع عدم استئذانه، وعدم ضمان ما تلف بسببها؛ حثًا للمسلمين على تكثير الأعمال الخيرية، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس والمصلحة". (فرع): إن حفر شخص بئرًا في ملك نفسه، فتلف فيها شيء بسقوطه، ولو كان إنسانًا: فلا يضمن صاحب البئر، وهذا معنى قوله ﷺ : "والبئر جبار"، وكذا: إن استأجر شخص شخصًا آخر بأن ينزل إلى أسفل بئر ليستخرج ما فيها من معدن أو غيره، أو استأجره ليبني له جدارًا، فانهارت عليه البئر، أو سقط عليه الجدار فلا ضمان في ذلك كله، وهذا معنى قوله ﷺ : "والمعدن جبار"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حفره في ملكه وتلف المستأجَر فيها وفعله ماله فعله شرعًا =
стр. 1910
حائطه، ولم يهدمه حتى أتلف شيئًا: لم يضمنه؛ لأن الميل حادث، والسقوط بغير فعله (٦٣) (وما أتلفت البهيمة من الزرع) والشجر وغيرهما (ليلًا: ضمنه صاحبها،
وعدم اعتدائه على غيره: عدم ضمانه بما حصل بسبب ذلك.
(٦٣) مسألة: إذا كان في ملك شخص حائط وجدار مائل إلى ملكه، أو مستو، ولم يهدمه حتى أتلف شيئًا من أموال غيره، أو آدمي: فإن هذا الشخص لا يضمن ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم كون الجدار في ملكه، والميل حادث والسقوط طارئ من غير فعله، وعدم تعدِّيه، وعدم تفريطه: أن لا يضمن شيئًا مما تلف بسببه. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو حفر بئرًا في ملكه، فلا يضمن ما تلف بسببها فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما في ملكه، ولم يعتد على أحد في ذلك: فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حرية المسلم في ملكه يفعل به ما يشاء. (فرع): إذا كان في ملك شخص حائط مائل إلى ملك غيره، أو إلى الطريق فتلف به شيء بسبب سقوطه عليه: فإن هذا الشخص يضمن كل ما تلف إذا كان عالمًا بذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو وضع، منجلًا -وهو الشيء الحاد الذي يحصد به الزرع- في جداره في جهة الغير أو الطريق فأتلف هذا المنجل شيئًا، أو هلك به آدمي: فإنه يضمن ذلك كله فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد وضع في هواء ملك غيره، أو في هواء ملك مشترك -وهو الطريق- ومعرَّض للوقوع في ملك غيره فضمن في الكل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية الناس، وأملاكهم من الإتلاف، والأضرار - تنبيه: لقد أكثر الفقهاء الكلام في هاتين المسألتين وأوردوا في ذلك إشكالات فلما فرِّق بينهما: زالت أكثر الإشكالات الموجّهة. (فرع ثان): إذا سقط جدار مستقيم على أحد: فلا ضمان مطلقًا للتلازم؛ حيث إنه لم يقع اعتداء، ولا تفريط من صاحبه فيلزم عدم الضمان؛ لكونه فعل ماله فعله. (فرع ثالث): إذا بنى شخص جدارًا مائلًا وسقط: فإنه يضمن ما تلف =
стр. 1911
وعكسه النهار)؛ لما روى مالك عن الزهري عن حزام بن سعد: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم (٦٤) (إلا أن تُرسل) نهارًا (بقرب ما تتلفه
بسببه مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بنائه الجدار بهذا الشكل: أن يضمن ما تلف بسببه؛ لكونه قد اعتدى بفعله ذلك، وظاهر فعله: أنه قاصد إيذاء الآخرين بذلك.
(٦٤) مسألة: إذا كان لزيد بهيمة، فأتلفت تلك البهيمة زرعًا أو شجرًا لعمرو: فإن زيدًا يضمن ما أتلفته بالليل فقط، أما ما أتلفته في النهار فلا يضمنه؛ للسنة القولية: حيث إن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى ﵇ على القوم -أهل الأموال- حفظ أموالهم بالنهار، وما أفسدته في الليل فهو مضمون عليهم، وهذا يلزم منه: عدم ضمان ما أفسدته البهيمة بالنهار. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العادة قد جرت أن أهل المواشي يرسلونها نهارًا في مواضع رعيها، وحفظها ليلًا، وعادة أهل المزارع، والأشجار، والأملاك حفظها نهارًا، دون الليل، فإذا ذهبت البهائم ليلًا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت حفظها فضمَّنهم الشارع ما أتلفته؛ حماية لحق المزارعين وأهل الأملاك من الضياع، وإذا تلفت نهارًا كان التفريط من أهل الزروع والأملاك بتركهم حفظها في وقت حفظها، فلم يضمِّن الشارع أهل البهائم ما أتلفته منها، حماية لحق أهل البهائم، فكان في هذا الحكم مراعاة للطرفين، وهذا منتهى العدالة والإنصاف، فإن قلتَ: لا يضمن صاحب البهيمة مطلقًا: أي سواء أتلفت بالليل أو النهار، وهو قول أبي حنيفة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن صاحب البهيمة لا يضمن ما أتلفته بهيمته بالنهار، فكذلك ما أتلفته بالليل لا يضمنه والجامع: أنه في كل منهما يده ليست عليها. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن النهار ليس كالليل بالنسبة لحفظ البهيمة وعدمه، فالفرق بينهما كما سبق بيانه =
стр. 1912
عادة) فيضمن مرسلها؛ لتفريطه (٦٥)، وإذا طرد دابة من زرعه: لم يضمن (٦٦)؛ إلا أن يدخلها مزرعة غيره (٦٧)، فإذا اتصلت المزارع: صبر؛ ليرجع على ربها (٦٨)، ولو قدر
بالسنة القولية، والمصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية والمصلحة" كما سبق بيانه.
(٦٥) مسألة: إذا أرسل زيد بهيمته بقرب زرع عمرو أو شجره أو أي شيء له، فأتلفته: فإن زيدًا يضمن ذلك كله مطلقًا، أي: سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو بنى جدارًا مائلًا فسقط فأتلف حقًا من حقوق الغير: فإنه يضمن مطلقًا، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد فرَّط وتسبَّب في إيذاء الآخرين، وأنه قاصد لذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس وحقوقهم من الاعتداء عليها، وحفظها لهم.
(٦٦) مسألة: إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، ثم طردها عمرو من زرعه فقط: فإن عمرًا لا يضمن فيما لو أتلفت تلك البهيمة زرع غيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اعتدائه وعدم قصده طردها إلى زرع الآخرين: عدم ضمانه لما أتلفته؛ لكون ذلك ليس من فعله. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق عمرو.
(٦٧) مسألة إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، ثم طردها عمرو وأدخلها مزرعة بكر: فإن عمرًا يضمن ما أتلفته تلك البهيمة من مزرعة بكر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسبُّبه في هذا الإتلاف: ضمانه، والمقصد من هذا حماية حق بكر.
(٦٨) مسألة: إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، ولم يستطع عمرو طردها من مزرعته؛ نظرًا لاتصال المزارع بعضها ببعض: فإنه -أي: عمرو- يصبر عليها، وما أتلفته أو أكلته يرجع به إلى مالكها -وهو زيد- ويأخذ قيمته منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم إمكانه لمنعها إلّا بإدخالها إلى مزارع الآخرين: أن يصبر =
стр. 1913
أن يخرجها وله منصرف غير المزارع فتركها: فهدر (٦٩) (وإن كانت) البهيمة (بيد راكب، أو قائد، أو سائق: ضمن جنايتها بمقدَّمها) كيدها وفمها (لا) ما جنت (بمؤخرها) كرجلها؛ لما روى أبو سعيد مرفوعًا: "الرِّجل جبار"، وفي رواية أبي هريرة: "رِجْل العجماء جبار" (٧٠)، ولو كان السبب من غيرهم كنخس وتنفير: ضمن
عليها، ويأخذ قيمة ما أتلفته من مالكها؛ لكونه ليس له إلّا هذا فلجأ إليه ضرورة عدم جواز غير هذا الطريق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ بهيمة زيد وحفظ مزارع الآخرين من الإتلاف.
(٦٩) مسألة: إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، وكان عمرو يستطيع إخراج تلك البهيمة إلى مكان خال من مزارع الآخرين، ولكن عمرو لم يفعل ذلك، بل جعلها تأكل من مزرعته: فلا ضمان لما أتلفته أو أكلته، وهو هدر لا يُرغم مالكها -وهو زيد- على دفع قيمته للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو حمل حَطَبًا على رأسه أو على دابته فخرق ذلك الحطب ثوب بصير مكلف يجد منحرفًا في الطريق: فإنه -أي: زيد- لا يضمن ذلك المتلف -وهو الثوب- فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا من عمرو، وذلك المكلَّف البصير فرَّطا في عدم التصرف وإبعاد البهيمة، أو الابتعاد عن الحطب مع قدرتهما على ذلك، فلا يتحمَّل زيد ما فرَّطا فيه.
(٧٠) مسألة: إذا ركب فوق البهيمة صاحبها، أو مستأجرها، أو مستعيرها، أو كان يقودها، أو يسوقها، وأتلفت تلك البهيمة شيئًا: فإن هذا الراكب، أو السائق، أو القائد يضمن ما أتلفته بيديها، وفمها فقط، ولا يضمن ما أتلفته بمؤخرها كرجليها؛ للعادة والعرف: حيث يلزم من قدرته عادة على التصرُّف في مقدمها -كيديها وفمها-: أن يضمن ما تلف بسببه؛ لكونه يملك حفظ ذلك غالبًا، ويلزم من عدم قدرته عادة على التصرُّف في مؤخرها -كرجليها-: أن لا يضمن ما تلف بسببه؛ لكونه لا يملك حفظ رجليها عن الجناية غالبًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ =
стр. 1914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق المارَّة بأن يحفظ كل إنسان بهيمته من الاعتداء على الآخرين، وفيه حفظ حقوق الراكبين، وقيادة بهائمهم في الأسواق والممرات بدون ضمان ما أتلفته بمؤخرتها. تنبيه: ما ذكره المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال: "الرجل جبار" أو "رجل العجماء جبار" لا يصح الاستدلال به؛ لضعفه كما قال كثير من أئمة الحديث؛ والصحيح: "العجماء جبار"، وهو لا يصلح شاهدًا لما نحن فيه، فإن قلتَ: إن راكب تلك البهيمة، أو سائقها ونحوهما أو قائدها يضمن ما أتلفته في مقدمها وفي مؤخرها، وهو رواية عن أحمد، وشريح، والشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يضمن ما أتلفته بهيمته بمقدمها فكذلك يضمن ما أتلفته بمؤخرها، والجامع: أن كلًّا منهما جناية بهيمة كانت يده عليها، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الراكب أو السائق، أو القائد يستطيع التصرُّف بمقدمها ولا يستطيع التصرُّف بمؤخرها على حسب العادة والعرف فيكون الضمان وعدمه على حسب ذلك. ومع هذا الفرق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع العرف والعادة" كما سبق بيانه فإن قلتَ: إن راكب تلك البهيمة، أو قائدها، أو سائقها لا يضمن ما أتلفته في مقدمها كما في مؤخرها وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يضمن من لم تكن يده عليها فكذلك لا يضمن من كانت يده عليها، والجامع: أنه في كل منهما جناية بهيمة، فلا يُسأل عما تفعل. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص؛ حيث إن السنة القولية قد ثبت فيها أنه يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته في الليل فقط وإن لم تكن يد صاحبها عليها -كما سبق في مسألة (٦٤)، أما ما أتلفته في النهار بمقدمها ويده عليها: فيضمن؛ لقدرته على منعها- كما سبق في هذه المسألة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية، والتلازم" كما سبق ذكره.
стр. 1915
فاعله (٧١)، فلو ركبها اثنان: فالضمان على المتصرِّف منهما (٧٢)، (وباقي جنايتها هدر) إذا لم يكن يد أحد عليها؛ لقوله ﵇: "العجماء جبار" أي: هدر (٧٣)، لا
(٧١) مسألة: إذا كانت البهيمة مع صاحبها عمرو الراكب أو السائق، أو القائد لها، وهو يمشي بها في الطريق مشيًا اعتياديًا، فضربها زيد، أو نفَّرها بشيء، أو نخسها: فإن زيدًا يضمن ما أتلفته تلك البهيمة مطلقًا، أي: سواء أتلفته بمقدمها، أو مؤخرها ولا يضمن الراكب أو القائد أو السائق؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أتلف مال غيره بشيء: فإنه يضمنه مطلقًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما وجد سبب الإتلاف منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الراكب أو القائد، أو السائق، وحثّ على عدم الاعتداء على الآخرين وبهائمهم. (فرع): إذا كانت البهيمة مع صاحبها عمرو الراكب، أو السائق، أو القائد، لها، فنفَّرها هو، وهيَّجها فأتلفت أو جنت بسبب ذلك: فإن هذا الراكب، أو السائق، أو القائد يضمن ذلك مطلقًا، أءَ: سواء أتلفته بمقدمها أو مؤخرها؛ للقياس وقد بيّنته في مسألة (٧١).
(٧٢) مسألة: إذا ركب على البهيمة اثنان، أو أكثر أو قادها أو ساقها اثنان أو أكثر، وأتلفت شيئًا: فإن المتصرِّف فيها يضمن ذلك: سواء كان هذا المتصرِّف فيها راكبًا في المقدمة أو المؤخرة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصرفه فيها وتملُّكه لزمامها: أن يضمن كل ما أتلفته. (فرع): يُقال في السيارة، والطائرة، والقطار، وسائر الدراجات ما قيل في البهيمة فيما سبق من المسائل التي تقبل فرض الحديد فيها.
(٧٣) مسألة: إذا جنت بهيمة عادية على آدمي، أو أتلفت شيئًا: فلا يضمن صاحبها ما أتلفته أو جنت عليه بشرطين: أولهما: أن لا يكون ذلك المتلف زرعًا أو شجرًا، فإن كان: ففيه التفصيل السابق في مسألة (٦٤ وما بعدها). ثانيهما: أن لا تكون يد أحد عليها، فإن كان: ففيه التفصيل السابق في مسألة (٧٠ وما بعدها)؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "العجماء جبار" والجبار: الهدر والباطل، فحكم =
стр. 1916
الضارية، والجوارح، وشبهها (٧٤) (كقتل الصائل عليه) من آدمي، أو غيره إن لم يندفع إلّا بالقتل، فإذا قتله: لم يضمنه؛ لأنه قتله بدفع جائز؛ لما فيه من صيانة النفس (٧٥) ..................................
=
الشارع على أن ما تتلفه أو تجني عليه البهائم العجماء: هدر، لا يُضمن، وهذا عام يشمل جميع الحالات، وقد خُصِّص ما جاء في الشرطين السابقين أدلة خاصة من: "السنة القولية -كما في مسألة (٦٤) - والعرف والعادة -كما في مسألة (٧٠) -، والسنة القولية تخصصها السنة القولية، والعادة والعرف.
(٧٤) مسألة: إذا جنت بهيمة غير عادية كالكلب العقور، أو دابة عضوض، أو رفوس، أو كالطائر الجارح كالصقر، والبازي، أو أتلف آدميًا، أو أشياء أخرى: فإن صاحبها يضمن ذلك مطلقًا، أي: سواء كان معها صاحبها، أو لا، وسواء كان في الليل أو النهار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك البهائم لم يعتد الناس على وجودها بينهم، وصاحبها يعرف الأذى منها عليهم: أن يضمن ما أتلفته مطلقًا؛ لأن إذنه بكونها بينهم يُعتبر سببًا في أذاهم، وهذا مضمون، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية الناس من الأذى، وحفظ الناس من كل ما يُخوفهم.
(٧٥) مسألة: إذا صال وهجم على شخص صائل وخاف على نفسه منه: فإنه يجوز لهذا الشخص أن يقتله إذا لم يندفع إلّا بذلك، سواء كان هذا الصائل إنسانًا أو حيوانًا، وإن قتله لم يضمنه بشيء؛ للتلازم؛ حيث إن دفع الإنسان الأذى عن نفسه واجب شرعًا؛ صيانة لنفسه فيلزم عدم ضمان ما حصل بسبب ذلك؛ لأنه من باب "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلمين من اعتداء الآخرين عليهم، وفيه إحساس المسلم بالأمان. (فرع): إذا دخل رجل في بيته بدون إذنه، ورآه يزني بامرأته برضا منها، أو لم يره يزني ولكن صاحب البيت عرف بقرائن وأمارات =
стр. 1917
(و) كـ (ـكسر مزمار) أو غيره من آلة اللهو (وصليب، وآنية ذهب وفضة، وآنية خمر غير محترمة)؛ لما روى أحمد عن ابن عمر أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ مدية، ثم خرج إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جُلبت من الشام، فشُققت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك، ولا يضمن كتابًا فيه أحاديث رديئة، ولا حليًا محرمًا على الرجال إذا لم يصلح للنساء (٧٦).
أنهما كانا يريدان فعل ذلك، فإنه يجوز له قتلهما، ولا يضمن ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز قتل الصائل، ولا يضمن فكذلك يجوز القتل في هذه الحالة، والجامع: الدفاع عن نفسه وعرضه في كل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأعراض الناس، ونسبهم ومنع الفساد والإفساد. (فرع ثان): إذا طلب شخص من شخص آخر أن يفجر به، ولم يستطع المطلوب أن يدفع الطالب إلّا بالقتل: فإنه يجوز قتله، ولا يضمنه؛ للقياس على الصائل، وقد سبق بيانه في الفرع السابق. (فرع ثالث): إذا ادَّعى أهل المقتول: أن القاتل قد قتل ذلك الشخص؛ ظلمًا وعدوانًا وعمدًا، وأنكر القاتل قائلًا: "إني قتلته؛ لكونه قد صال عليّ أو على عرضي" ولم توجد أدلّة وبراهين وأمارات تدلّ دلالة واضحة على صدق القاتل، أو أهل المقتول: فإنه يُقبل قول القاتل مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر" وهو واضح الدلالة، وسيأتي زيادة بيان ذلك في بابي "الزنا" و"القصاص" إن شاء الله تعالى.
(٧٦) مسألة: إذا أتلف شخص شيئًا منهيًا عنه شرعًا كآلات اللَّهو، والصليب، وآنية الذهب والفضة، وأواني الخمر لغير ذمي استتر بها؛ وكتاب فيه أحاديث وأقوال كاذبة، أو كتاب سحر، أو حلي على رجل، فكل ذلك يجوز بدون ضمان؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ أمر ابن عمر أن يُتلف الخمور ولم يضمنها، وغيرها من الصليب ونحوه مما ذكرناه مثل الخمر؛ لعدم الفارق؛ بجامع دفع الضرر عن =
стр. 1918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسلمين؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المجتمع الإسلامي من الفساد والإفساد، والحثّ على فعل الفضيلة، ونبذ الرذيلة، فإن قلتَ: لِمَ يضمن المسلم خمر الذمي الذي يستتر به إذا أتلفه؟ قلتُ: لأن هذه الخمرة محترمة؛ حيث إن من ضمن عقد الذمة: أن لا نتلف ما هم عليه من فسق إذا لم يظهروه، وقد سبق ذلك في مسألة (٥٧).
هذه آخر مسائل باب "الغصب وضمان ما أتلفه الآخرون" ويليه باب "الشفعة".
стр. 1919
باب الشُّفْعَة
بإسكان الفاء، من الشفع، وهو: الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردًا (وهي: استحقاق) الشريك (انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي) كالبيع، والصلح، والهبة بمعناه، فيأخذ الشفيع نصيب البائع (بثمنه الذي استقر عليه العقد) (١)؛ لما روى أحمد والبخاري عن جابر أن النبي ﷺ : "قضى بالشفعة في كل ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" (٢) (فإن
باب الشُّفْعَة
وفيه ثنتان وأربعون مسألة:
(١) مسألة: الشفعة: بضم الشين مع تشديدها، وتسكين الفاء وفتح العين -لغة: مأخوذة من الشفع، وهو: الزوج، يُقال: "كان وترًا فشفعته" وشفع الوتر من العدد شفعًا: صيَّره زوجًا، مشتقة وهي من الزيادة؛ لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، أي: أنه كان واحدًا فصار زوجًا شفعًا -كما في اللسان (٨/ ١٨٤) -، وهي في الاصطلاح: "استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه -وهو مشتريها- بعِوَض مالي وهو نفس ثمنه الذي باع شريكه حصته به" فمثلًا: إذا كان زيد وعمرو شريكين في دار أو مزرعة، شركة مشاعة بينهما فباع عمرو نصيبه على بكر بعشرة آلاف: فإنه يحق لزيد أن يوقف البيع، وينتزع حصة عمرو من بكر بنفس السعر المتفق عليه بين عمرو وبكر -وهو عشرة آلاف- تنبيه: قوله: "والصلح والهبة بمعناه" سيأتي بيانه.
(٢) مسألة: الشفعة جائزة، وهي حق للشفيع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال جابر: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" وهذا يلزم منه جواز الشفعة فيما لم يُقسم بالحدود -وهي الشركة في الشيء المشاع- الثانية: المصلحة؛ حيث إن مشروعية =
стр. 1920
انتقل) نصيب الشريك (بغير عوض) كالإرث، والهبة بغير ثواب، والوصية (أو كان عوضه) غير مالي: بأن جعل (صداقًا أو خلعًا أو صلحًا عن دم عمد: فلا شفعة)؛ لأنه مملوك بغير مال أشبه الإرث، ولأن الخبر ورد في البيع، وهذه ليست في معناه (٣) (ويحرم التحيل لإسقاطها) قال الإمام: لا يجوز شيء من الحيل في إبطالها،
الشفعة فيها دفع مفاسد عن الشركاء؛ إذ لو اشترك زيد وعمرو وأراد عمرو بيع نصيبه على بكر: فإن زيدًا قد يلحقه الضرر؛ لأنه لم يشارك عمرًا إلّا لأنه ثقة عدل عنده، ويأمنه على أمواله، فإذا باع عمرو نصيبه على بكر فقد لا يأمن زيد بكرًا على ماله فينشغل باله في ذلك، وقد يكون بكر عدوًا لزيد، أراد بشرائه نصيب عمرو أن يكون شريكًا لزيد لإيذائه: فدفعًا لذلك الضرر الذي يمكن أن يلحق زيدًا فتح الشارع هذا الباب -وهو باب الشفعة- للتخلّص من ذلك الشريك الطارئ -وهو بكر- والبائع -وهو عمرو- لن يتضّرر؛ لأن ثمن نصيبه سيصله بالكامل من زيد، والمشتري -وهو بكر- لن يتضرّر؛ لأن الثمن الذي دفعه لعمرو سيرجع إليه بتمامه، فإن قلتَ: إن الشفعة لا تجوز، وهو قول أبي بكر بن الأصم؛ للمصلحة: حيث إن جوازها فيه إلحاق الضرر لأصحاب الأملاك؛ لأن المشتري -الذي هو بكر- إذا علم أنه سيؤخذ منه ما اشتراه -من عمرو- لم يُقدم على شرائه، وقد يتأخر الشريك -وهو زيد هنا- فيتضرّر المالك -وهو عمرو- قلتُ: إن هذا لا يصح؛ لوجهين: أولهما: إن هذا اجتهاد مخالف للنص -وهي السنة القولية- ولا اجتهاد مع النص، ثانيهما: أن الشريك -وهو زيد- إن تأخّر عن الشراء ودفع الثمن: فإن عمرًا يبيعه على غيره وهذا واقع، فلم تمنع الشفعة من الشراء، فإن شقّ ذلك: فإنه يتقاسم مع زيد ما اشتركا فيه وتسقط الشفعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة القولية" و"تعارض المصلحتين" وقد سبق بيان ذلك.
(٣) مسألة: الشفعة تثبت في نصيب الشريك الذي انتقل بعوض مالي كالمبيع -وكذلك: =
стр. 1921
ولا إبطال حق مسلم، واستدلّ الأصحاب بما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٤) (وتثبت) الشفعة
ما جرى مجراه كالصلح عن إقرار بمال والصلح عن الجناية الموجبة للمال، وكذا: الهبة المشروط فيها ثواب معلوم؛ أما إذا انتقل نصيبه بعوض غير المال مثل: أن يموت عمرو، ويرثه بكر، أو أن يجعل عمرو نصيبه صداقًا لامرأة، يريد أن يتزوجها، أو يجعله عِوَضًا عن خلع، أو يوهبه لبكر بلا ثواب، أو يتصدَّق به على بكر، أو يوصي به له، أو يجعله صلحًا عن دم قتل عمد: فإن هذا لا تصح فيه الشفعة؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشفعة ثابتة في المبيع؛ نظرًا لورود خبر جابر -السابق فيه- فكذلك تثبت في الصلح عن إقرار بمال، والصلح عن الجناية الموجبة للمال، والهبة التي فيها ثواب ونحو ذلك مما جرى مجرى المبيع والجامع: أن كلًّا منها فيه عوض مالي صالح لأن يدفعه الشفيع. ثانيهما: كما أن الشفعة لا تثبت في النصيب الموروث بالإجماع، فكذلك لا تثبت في النصيب الذي جعل صداقًا أو الذي جُعل صُلحًا عن دم قتل عمد، أو الذي وُهب للغير بدون ثواب، أو المتصدَّق، أو الموصى به، أو الذي جُعل عوضًا عن خلع، والجامع: أنه في كلٌّ منها قد ملك نصيب شريكه بغير مال، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيضاح أن الشفعة لا تصحّ إلّا بالشيء الواضح الجلي كالمبيع أما ما لم يتّضح: فلا شفعة فيه؛ دفعًا للضرر، والجهالة، واللَّبس.
(٤) مسألة: تحرم جميع الحيل التي تؤدي إلى إسقاط الشفعة وتحرّم جميع الحيل التي تسقط أيَّ حق لأي مسلم، كأن يشترك عمرو وزيد في ملك دار، ثم يبيع عمرو نصيبه على بكر بعشرة آلاف ثم يبين عمرو وبكر لزيد أن ثمن هذا مائة ألف؛ لينفر زيد ولا يشفع؛ نظرًا لغلاء الثمن ونحو ذلك مما يبطل الشفعة كأن يسقطها بالوقف أو الصدقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل" حيث حرّم الحيل وإن =
стр. 1922
(لشريك في أرض تجب قسمتها) فلا شفعة في منقول كسيف ونحوه؛ لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص (٥)، ولا فيما لا تجب قسمته كحمام، ودور صغيرة
كانت صغيرة؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وهو يقصد: ما روي: أن اليهود كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وقعت في الشباك، فيدعوها إلى ليلة الأحد، فيأخذونها، ويقولون: ما اصطدنا يوم السبت شيئًا فمسخهم الله بسبب تلك الحيلة، ثانيها: قوله ﷺ :"لا تحل الخديعة لمسلم" والخديعة هي: الحيلة، والله تعالى ذم المخادعين، وهم المتحايلون، ثالثها: قوله ﷺ : "لعن الله اليهود، إن الله لمّا حرم عليهم الشحوم: جملوها، ثم باعوها، فأكلوا أثمانها" وهذا من الحيل الظاهرة، الثانية: الاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد استقراء وتتبّع أحوال الصحابة من أقوال وأفعال: أن الحيل بأنواعها محرمة، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّمت الحيل التي تُسقط الشفعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشفعة قد صحت شرعًا لدفع الضرر عن الشركاء، فإذا سقطت بالتحيل: لعاد الضرر فلم يكن لمشروعية الشفعة فائدة إذن، فإن قلتَ: لِمَ حُرّمت الحيل التي تسقط الحق لأي مسلم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المسلم من أن يؤخذ ويؤكل بالباطل.
(٥) مسألة: الشفعة ثابتة في أرض أو عقار تجب قسمتها، وعلى ذلك: فلا تجب الشفعة في جميع المنقولات كالجواهر، والنقود، والسيوف، والحيوانات، والسفن، والزروع والثمار ونحو ذلك، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" حيث أثبت الشارع جواز الشفعة في العقار الذي وجبت قسمته، ولكنه لم يُقسم، ونفاها عما فُرِّق بينها كالمنقولات المقسومة في أصلها كما مثَّلنا، فتكون المنقولات لم يُنصَّ عليها، ولم تكن في معنى النص حتى نقيسها عليها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن ما لم يُقسم يدوم ضرره لو لم تُشرع الشفعة، أما ما يُقسم كالمنقولات فلا يبقى على الدوام، فلا يدوم ضرره، فلم تُشرع فيه الشفعة؛ =
стр. 1923
ونحوها؛ لقوله ﷺ : "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة" رواه أبو عبيدة في "الغريب"، والمنقبة: طريق ضيق بين دارين، لا يمكن أن يسلكه أحد (٦) (ويتبعها) أي: الأرض (الغراس والبناء) فتثبت الشفعة فيهما تبعًا للأرض إذا بيعا معها، لا إن بيعا مفردين (٧) (لا الثمرة والزرع) إذا بيعا مع الأرض، فلا يؤخذان بالشفعة؛ لأن
لكونه مقسومًا في أصله.
(٦) مسألة: تثبت الشفعة فيما لا تمكن قسمته كالدور الصغيرة، والحمام الصغير، والبئر والرحى الصغيرة ونحوها؛ وهو رأي أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وهو اختيار ابن تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الشفعة فيما لم يُقسم" وهذا عام للكبيرة والصغيرة. الثانية: القياس؛ بيانه: كما تثبت الشفعة في الأشياء الكبيرة مما وجبت قسمتها، فكذلك تثبت في الأشياء الصغيرة التي لا يمكن قسمتها، والجامع: إزالة الضرر في المشاركة، بل إن الضرر في الأشياء الصغيرة أكثر؛ لكونه يتأبَّد ضرره، فيكون قياسًا أولى، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: لا تثبت الشفعة فيما لا تجب قسمته كالأشياء الصغيرة جداً، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة "والمنقبة": طريق ضيق واقع بين دارين، قلتُ: إن الشارع في هذا الحديث قد نفى الشفعة عن الطريق، والمنقبة، والفناء؛ لأنه لا شركة لأحد في ذلك، بل هي عامة للمسلمين، والشفعة ثابتة فيما فيه شركة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين" وقد بيَّنا ذلك.
(٧) مسألة: تثبت الشفعة في الغراس والبناء إذا بيعا تبعًا لأرضهما، أي: تؤخذ بالشفعة؛ أما إن بيع الغراس والبناء منفردين، أي: بدون أرضهما: فلا شفعة في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "قضى ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يُقسم في أرض، أو ربع، أو حائط"، وهذا يعمّ البناء والأشجار؛ حيث أثبت الشفعة في البناء والأشجار؛ لأنها تابعة للأرض. الثانية: المصلحة: حيث إن =
стр. 1924
ذلك لا يدخل في البيع، فلا يدخل في الشفعة كقماش الدار (٨) (فلا شفعة الجار)؛ لحديث جابر السابق (٩) (وهي) أي: الشفعة (على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذًا
الغراس والبناء إذا بيعا مع الأرض: فإنه يدوم ضررهما، فدفعًا لهذا الضرر شُرعت الشفعة فيها، أما إذا بيع الغراس والبناء منفردين فلا يدوم ضررهما ويمكن إزالتهما وقسمتهما بسهولة مع بقاء الأرض المشتركة، ولذا لا تثبت الشفعة فيه؛ لعدم دوام الضرر.
(٨) مسألة: لا تثبت الشفعة في الزرع والثمرة الظاهرة: سواء بيع مع أصوله وأرضه أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن قماش الدار وأثاثها الذي يسهل حمله وقسمته لا تثبت فيه الشفعة، فكذلك الزرع الثمرة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما لا يدخل في البيع تبعًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يدوم ضرره؛ حيث إنه يُمكن إزالة الشراكة بين الشريكين بسهولة، فلا داعي للشفعة.
(٩) مسألة: لا تثبت الشفعة للجار إذا لم يشترك الجاران بطريق واحد ضيق، أو ماء ونحو ذلك، أما إن اشترك الجاران بطريق واحد، وماء واحد، أو في حق من حقوق استيفاء ملكيهما: فإن الجار له الحق في الشفعة ومنع جاره من بيع داره المجاورة له، وأخذها بثمنها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" حيث دلّ منطوقة على أن الجار لا شفعة له إذا صرفت الطرق، ووقعت الحدود؛ وهذا يكون في عدم الشراكة في شيء، ودلّ مفهوم الشرط على أن الجار له الحق في الشفعة إذا لم تصرف الطرق، وكان له شراكة مع جاره في طريق أو ماء ونحوهما، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الشفعة قد شُرعت لدفع الضرر عن الشريك، وإذا اشترك الجاران في طريق، أو مسلك ماء، أو نحو ذلك: فإن الجار يتضرَّر إذا باع جارُه دارَه المجاورة له؛ لكون هذا الأجنبي المشتري دار جاره قد يؤذي الجار -غير البائع- ويضايقه في الطريق، أو لا يأمنه على أهله، أو ماله أو نحو ذلك، =
стр. 1925
بلا عذر: بطلت)؛ لقوله ﷺ : "الشفعة لمن واثبها" وفي رواية: "الشفعة كحل العقال" رواه ابن ماجه، فإن لم يعلم بالبيع: فهو على شفعته، ولو مضى سنون، وكذا: لو أخَّر لعذر بأن علم ليلًا فأخره إلى الصباح، أو لحاجة أكل، أو شرب، أو طهارة، أو إغلاق باب، أو خروج من حمام، أو ليأتي بالصلاة وسننها، وإن علم وهو غائب: أشهد على الطلب بها إن قدر (١٠) (وإن قال) الشفيع (للمشتري: بعني) ما
فدفعًا للضرر شُرعت الشفعة؛ للتخلُّص من ذلك، أما إذا لم يشترك الجاران في شيء فلا تثبت الشفعة؛ لعدم الحاجة إليها؛ حيث لا ضرر.
(١٠) مسألة: الشفعة تثبت على الفور في وقت علم الشفيع، أي: أن له الحق في الشفعة إن طالب بها ساعة علمه بالبيع، فإن كان حاضرًا: طلبها بنفسه، وإن كان غائبًا: أشهد عدلين بأنه مطالب بها فور علمه بها، ولو لم يعلم إلّا بعد سنوات من بيع شريكه لحصته: فإن الشفعة لا تسقط، وكذا: لو أخَّرها لعذر شرعي كأن يعلم بالبيع ليلًا فأخّر الطلب بها إلى النهار، أو يعلم به وهو محتاج لأكل أو شرب أو طهارة، أو إغلاق باب، أو فتحه، أو محتاج لدخول حمام، أو خروج منه، أو ليأتي بالصلاة المفروضة: فإن تأخير طلبه للشفعة بسبب تلك الصور: غير مؤثر في بطلان الشفعة، أما إن لم يُطالب بها ساعة علمه بالبيع، أو أخَّر المطالبة بدون عذر: فلا حقَّ له بالشفعة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الشفعة لمن واثبها "أي: هي حق لمن طلبها على الفور، مأخوذ من الوثب وهو: القيام بسرعة. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن خيار الرد بالعيب ثابت على الفور ولا يضر ذلك تأخير لعذر، ويبطل الخيار إذا كان لغير عذر، فكذلك الشفعة، والجامع: أن كلًّا منهما شرع لدفع الضرر عن المال، فإن قلتَ: لِمَ كانت على الفور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لو كانت على التراخي: للحق الضرر على مشتري نصيب الشريك، لكون ملكه على ما اشتراه -وهو نصيب الشريك- غير مستقر، وهذا يمنعه من إنشاء تعمير فيه، أو هدمه، أو أي شيء =
стр. 1926
اشتريت (إو صالحني): سقطت؛ لفوات الفور (أو كذَّب العدل) المخبر له بالبيع: سقطت؛ لتراخيه عن الأخذ بلا عذر، فإن كذَّب فاسقًا: لم تسقط؛ لأنه لم يعلم الحال على وجهه (أو طلب الشفيع (أخذ البعض) أي: بعض الحصة المبيعة: (سقطت) شفعته؛ لأن فيه إضرارًا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يُزال بمثله (١١)، ولا تسقط الشفعة إن عمل الشفيع دلَّالًا بينهما، أو توكَّل لأحدهما، أو
فيه؛ نظرًا لخشيته من أن يؤخذ هذا النصيب منه بالشفعة، ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمة ما أنشأه فيه؛ لأن خسارة تلك المنشآت تكون أكثر من قيمة المبيع -وهو نصيب الشريك-مع تعب وهم قلبه ووقته، فدفعًا للضرر عن ذلك المشتري شرعت الشفعة فورًا، وهذا فيه الجواب الكافي والشافي على من قال: إن الشفعة على التراخي وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي؛ قياسًا على القصاص، أي: فكما لا يسقط القصاص أبدًا فكذلك الشفعة، وقالوا: إن الجامع: عدم الضرر في التراخي والتأخير، وهذا منهم غير مسلَّم؛ نظرًا لوجود الضرر الصريح على المشتري إذا كانت على التراخي، فلذا قلنا ما قلنا دفعاً للضرر عنه. فإن قلتَ: لم يبقى حق الشفعة ولو مضى على البيع سنوات إذا لم يعلم به؟ قلتُ: قياسًا على الإرث، بيانه: كما أن له حق الميراث لهذا المال ولو لم يعلم بموت مورِّثه إلّا بعد سنوات، فكذلك الشفعة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فوجب حكمه، فإن قلتَ: لم تثبت الشفعة للغائب إذا أشهد وقت علمه بالبيع؟ قلتُ: لأن إشهاده دليل رغبته بالشفعة.
(١١) مسألة: تسقط الشفعة في حالات ثلاث: أولها: إذا تصرَّف الشفيع قبل أن يشفع بتصرُّف يدلّ على رضاه ببيع شريكه نصيبه كأن يقول -أي: الشفيع- للمشتري: "بعني، أو أجِّرني ما اشتريت" أو "صالحني": فلا شفعة له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا التصرُّف، وهذه العبارات مع المشتري: أنه رضي بترك الشفعة وطلب عوضها. ثانيها: إذا أخبر عدلٌ الشفيع "أن شريكه باع نصيبه" فكذَّب -أي: =
стр. 1927
أسقطها قبل البيع (١٢) (والشفعة لـ) ـشريكين (اثنين بقدر حقيهما)؛ لأنها حق يُستفاد
الشفيع -ذلك العدل: فلا شفعة له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تكذيبه للعدل: أنه تراخى عن الأخذ بالشفعة بلا عذر؛ لأن خبره مقبول شرعًا، ويلزم من تراخيه: سقوطها؛ لكونها تثبت على الفور -كما سبق في مسألة (١٠) - ثالثها: إذا طلب الشفيع أخذ بعض حصة شريكه التي باعها فقط وليس كلها: فليس له حق الشفعة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُلحق الضرر بالمشتري؛ حيث إنه يُريد الحصة بكاملها؛ لكون الفائدة لا تتمّ له إلّا بكمالها فإذا أخذ بعض المبيع تضرر، والشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا ترتَّب عليها إلحاق الضرر بالمشتري فإن ذلك يكون إزالة ضرر عن الشفيع بضرر يلحق المشتري، وهذا مخالف لقاعدة "الضرر لا يزال بضرر مثله"، فدفعًا لذلك: تسقط الشفعة؛ لما فيها من الضرر الطارئ. (فرع): إذا أخبره فاسق بأن شريكه قد باع نصيبه فكذَّبه -أي: الشفيع-: فلا تسقط الشفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يقبل خبر الصبي والمجنون بذلك فكذلك لا يقبل خبر الفاسق بذلك والجامع: أن خبر كل منهم لا يُقبل في الشرع.
(١٢) مسألة: لا تسقط الشفعة إن علم الشفيع ببيع شريكه نصيبه قبل تمام عقد البيع، فمثلًا: لو كان زيد وعمرو شريكين في دار، فأراد عمرو بيع نصيبه على بكر، وكان زيد دلَّالًا وسفيرًا بين عمرو وبكر في هذه الصفقة، أو كان زيد وكيلًا عن عمرو، أو عن بكر في ذلك، أو أسقط زيد الشفعة قبل تمام عقد البيع: فإن لزيد الحق في الشفعة بعد تمام عقد البيع مباشرة؛ للتلازم؛ حيث إن محل الشفعة هو بعد عقد البيع مباشرة فلا يلزم من كون زيد دلَّالًا، أو وكيلًا أو أسقط الشفعة قبل تمام عقد البيع: سقوط حق الشفعة؛ لكون تلك التصرفات حصلت قبل حلول محل الشفعة، فلم تمنع استحقاقه لها، فإن قلتَ: إن الشفيع إذا أسقط الشفعة قبل عقد البيع: فإنها تسقط، أي: ليس له الحق في المطالبة بها بعد البيع، وهذه رواية عن أحمد، أيَّدها كثير من الحنابلة: منهم ابن القيم وغيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة =
стр. 1928
بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك فـ"دار" بين ثلاثة: نصف، وثلث، وسدس، فباع رب الثلث: فالمسألة من ستة، والثلث يُقسَّم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد (١٣) (فإن عفا أحدهما): أي: أحد الشفيعين: (أخذ الآخر
القولية؛ حيث قال ﷺ : "فإن باع ولم يؤذن له فهو أحق به" فأثبت أن له حق الشفعة إذا باع قبل الاستئذان من الشريك، ودلّ مفهوم الشرط على أن شريكه إذا باع نصيبه بإذنه: فلا حقّ له في الشفعة، الثانية: التلازم؛ حيث إن عرضه عليه وامتناعه من أخذه دليل على عدم وجود الضرر في حقه ببيعه حتى ولو كان هناك ضرر فقد أسقطه فيلزم سقوط الشفعة قلتُ: أما الحديث: فيحتمل أن المراد: أنه يُعرض عليه ليشتري ذلك إن أراد؛ لتخف عليه المؤنة، وليس المراد: إسقاط الشفعة، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما التلازم: فلا يُسلَّم؛ حيث إن هذا الامتناع من أخذه لا يدل على عدم وجود الضرر، ولا يدل على اسقاطه إن وجد، فلا يلزم منه سقوط الشفعة؛ لكونه إسقاط حق قبل وجوبه فلا يصح مثل: إسقاط المرأة صداقها قبل التزوج لا يصح؛ حيث إن لها الحق بالمطالبة بالصداق بعد عقد النكاح، والشفعة مثل ذلك.
(١٣) مسألة: إذا اشترك زيد، وعمرو، وبكر في ملكية دار، كل واحد يملك ثلث الدار ملكًا مشاعًا، فباع بكر ثلثه على محمد، وأراد زيد وعمرو أن يشفعا: فإن هذا الشقص والنصيب يُقسَّم على الاثنين، وهما: زيد وعمرو -بقدر ملكيهما وحقيهما وإن اختلفت السهام: فمثلًا لو ملك زيد وعمرو وبكر دارًا، وزيد له نصفها، وعمرو له ثلثها، وبكر له سدسها، فباع أحدهم نصيبه: فإنه ينظر مخرج سهام الشركاء الثلاثة، فيأخذ منهم سهام الشفعاء، فيُقسَّم السهم المشفوع عليها، ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدة، فمثلًا -في هذه المسألة- مخرج سهام الشركاء ستة، فإذا باع صاحب النصف -وهو زيد- نصيبه: فسهام الشفعاء ثلاثة، يكون لصاحب الثلث -وهو عمرو- سهمان، ولصاحب =
стр. 1929
الكل أو ترك) الكل؛ لأن في أخذ البعض إضرار بالمشتري (١٤)، ولو وهبها لشريكه، أو غيره: لم يصح (١٥) وإن كان أحدهما غائبًا: فليس للحاضر أن يأخذ إلا الكل أو يترك، فإن أخذ الكل ثم حضر الغائب: قاسمه (١٦) (وإن اشترى اثنان حق واحد)
السدس -وهو بكر-: سهم واحد، فتكون الشفعة بينهم على ثلاثة، ويصير العقار بينهم أثلاثًا، لصاحب الثلث ثلثاه، وللآخر ثلثه، وإذا باع صاحب الثلث -وهو عمرو هنا- نصيبه: كانت بين زيد وبكر أرباعًا: يكون لصاحب النصف -وهو زيد- ثلاثة أرباعها، ويكون لصاحب السدس -وهو بكر- ربعها، وإذا باع صاحب السدس -وهو بكر- نصيبه كانت بين زيد وعمرو أخماسًا: يكون لصاحب النصف -وهو زيد- ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث -وهو عمرو- خمساه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشفعة حقًا وأستفيد بسبب الملك: أن تكون القسمة والسهام على قدر الأملاك؛ تحقيقًا للعدالة، وهذا هو المقصد منه.
(١٤) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار مثلًا فباع عمرو نصيبه على بكر، فإن زيدًا يأخذ جميع نصيب عمرو المباع بالشفعة، أو يترك الجميع؛ للمصلحة: حيث إنه إذا أخذ بعض النصيب المباع ألحق الضرر بالمشتري، وهذا لا يصح؛ فدفعًا لذلك: شرع هذا وقد بيّنتُ هذا في الحالة الثالثة - من حالات سقوط الشفعة -المذكورة في مسألة (١١) -.
(١٥) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار مثلًا، فباع بكر نصيبه على محمد، فوهب زيد حقه من الشفعة لعمرو، أو وهبه لشخص أجنبي عنهما: فإن الشفعة تسقط؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو عفى واحد من ورثة المقتول: فإن القصاص يسقط، فكذلك لو وهب حقه من الشفعة لآخر: فإن الشفعة تسقط، والجامع: أنه في كل منهما وقع الإعراض عن طلب حقه، فلا يحق لغيره ذلك؛ لكونه خاصًا بالأعيان، وهذا هو المقصد منه.
(١٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار مثلًا فباع بكر نصيبه على =
стр. 1930
فللشفيع أخذ حق أحدهما؛ لأن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين (١٧) (أو عكسه): بأن اشترى واحد حق اثنين صفقة: فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن تعدُّد البائع كتعدُّد المشتري (١٨) (أو اشترى واحد شقصين) -بكسر الشين- أي: حصتين (من أرضين
محمد، ولم يكن حاضرًا وقت البيع إلّا زيد: فله أن يشفع ويأخذ كل نصيب بكر المباع من المشتري، أو يتركه كله فتسقط الشفعة إذا ترك مع قدرته، ولا يجوز تأخير أخذ حقه حتى يقدم شريكه عمرو من سفره ولا يجوز له أن يأخذ قدر حقه، فإذا قدم عمرو: فإنه يقاسم زيدًا فيما أخذه -وهو نصيب بكر المباع- إن شاء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما لا يجوز للمنفرد أخذ بعض النصيب المباع، فكذلك لا يجوز للشريك أن يأخذ بعض ما اشتراه المشتري، والجامع: أنه في كل منهما وُجد تبعيض لصفقة المشتري، وهذا مضربه -كما سبق في مسألتي (١١ و ١٤) الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الشريك أخذ حقه حتى يقدم شريكه، أو أخذ قدر حقه يُلحق الضرر بالمشتري، فدفعًا لذلك: شرع عدم الجواز، فإن قلتَ: لِمَ يُقاسم الغائب إذا حضر من شفع بحقه وحق شريكه؟ قلتُ: لأن هذا من حقه، ولوجود المطالبة من شريكه كوكيل عنه.
(١٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه على بكر ومحمد: فللشفيع -وهو زيد هنا- أخذ ما اشتراه بكر، أو أخذ ما اشتراه محمد كما يشاء - وكذا: إن كثر المشترون لحق عمرو فإن الشفيع -وهو زيد هنا- يأخذ بالشفعة حق أحدهم، وله أن يأخذ حقهما، أو حقهم معًا بالشفعة؛ للتلازم؛ حيث إن كونهما -أي: بكر ومحمد- مشتريين، لكل واحد منهما عقد لوحده يلزم منه: أن للشفيع -وهو زيد هنا- أخذ نصيب أحدهما؛ لانفكاك أحدهما عن الآخر.
(١٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار فباع بكر وعمرو نصيبهما على محمد: فلا يحق للشفيع -وهو زيد هنا- أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر بالشفعة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وبعض الحنابلة كأبي يعلى؛ للمصلحة: =
следующие страницы →