← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

اشتريت (إو صالحني): سقطت؛ لفوات الفور (أو كذَّب العدل) المخبر له بالبيع: سقطت؛ لتراخيه عن الأخذ بلا عذر، فإن كذَّب فاسقًا: لم تسقط؛ لأنه لم يعلم الحال على وجهه (أو طلب الشفيع (أخذ البعض) أي: بعض الحصة المبيعة: (سقطت) شفعته؛ لأن فيه إضرارًا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يُزال بمثله (١١)، ولا تسقط الشفعة إن عمل الشفيع دلَّالًا بينهما، أو توكَّل لأحدهما، أو فيه؛ نظرًا لخشيته من أن يؤخذ هذا النصيب منه بالشفعة، ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمة ما أنشأه فيه؛ لأن خسارة تلك المنشآت تكون أكثر من قيمة المبيع -وهو نصيب الشريك-مع تعب وهم قلبه ووقته، فدفعًا للضرر عن ذلك المشتري شرعت الشفعة فورًا، وهذا فيه الجواب الكافي والشافي على من قال: إن الشفعة على التراخي وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي؛ قياسًا على القصاص، أي: فكما لا يسقط القصاص أبدًا فكذلك الشفعة، وقالوا: إن الجامع: عدم الضرر في التراخي والتأخير، وهذا منهم غير مسلَّم؛ نظرًا لوجود الضرر الصريح على المشتري إذا كانت على التراخي، فلذا قلنا ما قلنا دفعاً للضرر عنه. فإن قلتَ: لم يبقى حق الشفعة ولو مضى على البيع سنوات إذا لم يعلم به؟ قلتُ: قياسًا على الإرث، بيانه: كما أن له حق الميراث لهذا المال ولو لم يعلم بموت مورِّثه إلّا بعد سنوات، فكذلك الشفعة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فوجب حكمه، فإن قلتَ: لم تثبت الشفعة للغائب إذا أشهد وقت علمه بالبيع؟ قلتُ: لأن إشهاده دليل رغبته بالشفعة. (١١) مسألة: تسقط الشفعة في حالات ثلاث: أولها: إذا تصرَّف الشفيع قبل أن يشفع بتصرُّف يدلّ على رضاه ببيع شريكه نصيبه كأن يقول -أي: الشفيع- للمشتري: "بعني، أو أجِّرني ما اشتريت" أو "صالحني": فلا شفعة له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا التصرُّف، وهذه العبارات مع المشتري: أنه رضي بترك الشفعة وطلب عوضها. ثانيها: إذا أخبر عدلٌ الشفيع "أن شريكه باع نصيبه" فكذَّب -أي: =

стр. 1927

أسقطها قبل البيع (١٢) (والشفعة لـ) ـشريكين (اثنين بقدر حقيهما)؛ لأنها حق يُستفاد الشفيع -ذلك العدل: فلا شفعة له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تكذيبه للعدل: أنه تراخى عن الأخذ بالشفعة بلا عذر؛ لأن خبره مقبول شرعًا، ويلزم من تراخيه: سقوطها؛ لكونها تثبت على الفور -كما سبق في مسألة (١٠) - ثالثها: إذا طلب الشفيع أخذ بعض حصة شريكه التي باعها فقط وليس كلها: فليس له حق الشفعة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُلحق الضرر بالمشتري؛ حيث إنه يُريد الحصة بكاملها؛ لكون الفائدة لا تتمّ له إلّا بكمالها فإذا أخذ بعض المبيع تضرر، والشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا ترتَّب عليها إلحاق الضرر بالمشتري فإن ذلك يكون إزالة ضرر عن الشفيع بضرر يلحق المشتري، وهذا مخالف لقاعدة "الضرر لا يزال بضرر مثله"، فدفعًا لذلك: تسقط الشفعة؛ لما فيها من الضرر الطارئ. (فرع): إذا أخبره فاسق بأن شريكه قد باع نصيبه فكذَّبه -أي: الشفيع-: فلا تسقط الشفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يقبل خبر الصبي والمجنون بذلك فكذلك لا يقبل خبر الفاسق بذلك والجامع: أن خبر كل منهم لا يُقبل في الشرع. (١٢) مسألة: لا تسقط الشفعة إن علم الشفيع ببيع شريكه نصيبه قبل تمام عقد البيع، فمثلًا: لو كان زيد وعمرو شريكين في دار، فأراد عمرو بيع نصيبه على بكر، وكان زيد دلَّالًا وسفيرًا بين عمرو وبكر في هذه الصفقة، أو كان زيد وكيلًا عن عمرو، أو عن بكر في ذلك، أو أسقط زيد الشفعة قبل تمام عقد البيع: فإن لزيد الحق في الشفعة بعد تمام عقد البيع مباشرة؛ للتلازم؛ حيث إن محل الشفعة هو بعد عقد البيع مباشرة فلا يلزم من كون زيد دلَّالًا، أو وكيلًا أو أسقط الشفعة قبل تمام عقد البيع: سقوط حق الشفعة؛ لكون تلك التصرفات حصلت قبل حلول محل الشفعة، فلم تمنع استحقاقه لها، فإن قلتَ: إن الشفيع إذا أسقط الشفعة قبل عقد البيع: فإنها تسقط، أي: ليس له الحق في المطالبة بها بعد البيع، وهذه رواية عن أحمد، أيَّدها كثير من الحنابلة: منهم ابن القيم وغيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة =

стр. 1928

بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك فـ"دار" بين ثلاثة: نصف، وثلث، وسدس، فباع رب الثلث: فالمسألة من ستة، والثلث يُقسَّم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد (١٣) (فإن عفا أحدهما): أي: أحد الشفيعين: (أخذ الآخر القولية؛ حيث قال ﷺ : "فإن باع ولم يؤذن له فهو أحق به" فأثبت أن له حق الشفعة إذا باع قبل الاستئذان من الشريك، ودلّ مفهوم الشرط على أن شريكه إذا باع نصيبه بإذنه: فلا حقّ له في الشفعة، الثانية: التلازم؛ حيث إن عرضه عليه وامتناعه من أخذه دليل على عدم وجود الضرر في حقه ببيعه حتى ولو كان هناك ضرر فقد أسقطه فيلزم سقوط الشفعة قلتُ: أما الحديث: فيحتمل أن المراد: أنه يُعرض عليه ليشتري ذلك إن أراد؛ لتخف عليه المؤنة، وليس المراد: إسقاط الشفعة، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما التلازم: فلا يُسلَّم؛ حيث إن هذا الامتناع من أخذه لا يدل على عدم وجود الضرر، ولا يدل على اسقاطه إن وجد، فلا يلزم منه سقوط الشفعة؛ لكونه إسقاط حق قبل وجوبه فلا يصح مثل: إسقاط المرأة صداقها قبل التزوج لا يصح؛ حيث إن لها الحق بالمطالبة بالصداق بعد عقد النكاح، والشفعة مثل ذلك. (١٣) مسألة: إذا اشترك زيد، وعمرو، وبكر في ملكية دار، كل واحد يملك ثلث الدار ملكًا مشاعًا، فباع بكر ثلثه على محمد، وأراد زيد وعمرو أن يشفعا: فإن هذا الشقص والنصيب يُقسَّم على الاثنين، وهما: زيد وعمرو -بقدر ملكيهما وحقيهما وإن اختلفت السهام: فمثلًا لو ملك زيد وعمرو وبكر دارًا، وزيد له نصفها، وعمرو له ثلثها، وبكر له سدسها، فباع أحدهم نصيبه: فإنه ينظر مخرج سهام الشركاء الثلاثة، فيأخذ منهم سهام الشفعاء، فيُقسَّم السهم المشفوع عليها، ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدة، فمثلًا -في هذه المسألة- مخرج سهام الشركاء ستة، فإذا باع صاحب النصف -وهو زيد- نصيبه: فسهام الشفعاء ثلاثة، يكون لصاحب الثلث -وهو عمرو- سهمان، ولصاحب =

стр. 1929

الكل أو ترك) الكل؛ لأن في أخذ البعض إضرار بالمشتري (١٤)، ولو وهبها لشريكه، أو غيره: لم يصح (١٥) وإن كان أحدهما غائبًا: فليس للحاضر أن يأخذ إلا الكل أو يترك، فإن أخذ الكل ثم حضر الغائب: قاسمه (١٦) (وإن اشترى اثنان حق واحد) السدس -وهو بكر-: سهم واحد، فتكون الشفعة بينهم على ثلاثة، ويصير العقار بينهم أثلاثًا، لصاحب الثلث ثلثاه، وللآخر ثلثه، وإذا باع صاحب الثلث -وهو عمرو هنا- نصيبه: كانت بين زيد وبكر أرباعًا: يكون لصاحب النصف -وهو زيد- ثلاثة أرباعها، ويكون لصاحب السدس -وهو بكر- ربعها، وإذا باع صاحب السدس -وهو بكر- نصيبه كانت بين زيد وعمرو أخماسًا: يكون لصاحب النصف -وهو زيد- ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث -وهو عمرو- خمساه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشفعة حقًا وأستفيد بسبب الملك: أن تكون القسمة والسهام على قدر الأملاك؛ تحقيقًا للعدالة، وهذا هو المقصد منه. (١٤) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار مثلًا فباع عمرو نصيبه على بكر، فإن زيدًا يأخذ جميع نصيب عمرو المباع بالشفعة، أو يترك الجميع؛ للمصلحة: حيث إنه إذا أخذ بعض النصيب المباع ألحق الضرر بالمشتري، وهذا لا يصح؛ فدفعًا لذلك: شرع هذا وقد بيّنتُ هذا في الحالة الثالثة - من حالات سقوط الشفعة -المذكورة في مسألة (١١) -. (١٥) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار مثلًا، فباع بكر نصيبه على محمد، فوهب زيد حقه من الشفعة لعمرو، أو وهبه لشخص أجنبي عنهما: فإن الشفعة تسقط؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو عفى واحد من ورثة المقتول: فإن القصاص يسقط، فكذلك لو وهب حقه من الشفعة لآخر: فإن الشفعة تسقط، والجامع: أنه في كل منهما وقع الإعراض عن طلب حقه، فلا يحق لغيره ذلك؛ لكونه خاصًا بالأعيان، وهذا هو المقصد منه. (١٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار مثلًا فباع بكر نصيبه على =

стр. 1930

فللشفيع أخذ حق أحدهما؛ لأن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين (١٧) (أو عكسه): بأن اشترى واحد حق اثنين صفقة: فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن تعدُّد البائع كتعدُّد المشتري (١٨) (أو اشترى واحد شقصين) -بكسر الشين- أي: حصتين (من أرضين محمد، ولم يكن حاضرًا وقت البيع إلّا زيد: فله أن يشفع ويأخذ كل نصيب بكر المباع من المشتري، أو يتركه كله فتسقط الشفعة إذا ترك مع قدرته، ولا يجوز تأخير أخذ حقه حتى يقدم شريكه عمرو من سفره ولا يجوز له أن يأخذ قدر حقه، فإذا قدم عمرو: فإنه يقاسم زيدًا فيما أخذه -وهو نصيب بكر المباع- إن شاء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما لا يجوز للمنفرد أخذ بعض النصيب المباع، فكذلك لا يجوز للشريك أن يأخذ بعض ما اشتراه المشتري، والجامع: أنه في كل منهما وُجد تبعيض لصفقة المشتري، وهذا مضربه -كما سبق في مسألتي (١١ و ١٤) الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الشريك أخذ حقه حتى يقدم شريكه، أو أخذ قدر حقه يُلحق الضرر بالمشتري، فدفعًا لذلك: شرع عدم الجواز، فإن قلتَ: لِمَ يُقاسم الغائب إذا حضر من شفع بحقه وحق شريكه؟ قلتُ: لأن هذا من حقه، ولوجود المطالبة من شريكه كوكيل عنه. (١٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه على بكر ومحمد: فللشفيع -وهو زيد هنا- أخذ ما اشتراه بكر، أو أخذ ما اشتراه محمد كما يشاء - وكذا: إن كثر المشترون لحق عمرو فإن الشفيع -وهو زيد هنا- يأخذ بالشفعة حق أحدهم، وله أن يأخذ حقهما، أو حقهم معًا بالشفعة؛ للتلازم؛ حيث إن كونهما -أي: بكر ومحمد- مشتريين، لكل واحد منهما عقد لوحده يلزم منه: أن للشفيع -وهو زيد هنا- أخذ نصيب أحدهما؛ لانفكاك أحدهما عن الآخر. (١٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار فباع بكر وعمرو نصيبهما على محمد: فلا يحق للشفيع -وهو زيد هنا- أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر بالشفعة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وبعض الحنابلة كأبي يعلى؛ للمصلحة: =

стр. 1931

صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما)؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أرض (١٩) حيث إن ذلك يُلحق الضرر بالمشتري -الذي هو محمد هنا-؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في تبعيض الصفقة عليه، وغالبًا ما يشتري الإنسان نصيبين أو سهمين من مكان واحد، أو من مكانين متجاورين ليحصل غرض أراده بهما معًا، فإذا فُرِّق بينهما: بأن زال أحدهما عن ملكه: لم يحصل ذلك الغرض الذي اشتراه من أجله، وبهذا يتضرر ذلك المشتري إذا أخذ الشفيع نصيب أحد شريكيه من محمد بالشفعة، وقد سبق بيان ذلك -في مسائل (١١ و ١٤ و ١٦) - فدفعًا لذلك: قلنا لا يحق للشفيع أن يشفع هنا، فإن قلتَ: بل للشفيع -وهو زيد هنا- أن يأخذ نصيب أحد شريكيه دون الآخر من محمد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز تعدُّد المشترين لنصيب واحد، وللشفيع أخذ حق أحد المشترين، وترك الآخر -كما سبق في مسألة (١٧) - فكذلك يجوز تعدُّد البائعين، ويأخذ الشفيع نصيب أحد شريكيه البائعين من محمد، والجامع: وجود عقدين في كل منهما، فله حق الشفعة في عقد دون الآخر، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في مسألة (١٧) كان المشتريان اثنين، أو أكثر، فلو أخذ الشفيع -وهو زيد هنا- ما اشتراه بكر، أو ما اشتراه محمد من عمرو: لما وقع ضرر في ذلك؛ لأنهما أصلًا منفصلين، وكل واحد له غرض في شراء سهمه من عمرو، بخلاف مسألتنا، فإن ما اشتراه محمد -وهو نصيب بكر وعمرو- لا يتمّ غرضه إلّا بجمع هذين النصيبين معًا، فإذا أخذ الشفيع من محمد نصيب بكر مثلًا: فإن محمدًا يتضرّر، ومع هذا الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" وقد بيّناه. (١٩) مسألة: إذا اشترك زيد وبكر في ملك أرض، واشترك بكر ومحمد في أرض أخرى، فباع بكر شقصيه ونصيبيه من هاتين الأرضين على أحمد صفقة واحدة، أي: بقيمة واحدة، فيجوز لزيد ومحمد أن يأخذا ما باعه بكر على أحمد بالشفعة، =

стр. 1932

(وإن باع شقصًا وسيفًا) في عقد واحد: فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ لأنه ويقسما الثمن على قدر ملكيهما، للمصلحة: حيث إن كلًّا من شريكي بكر -في الأرضين وهما زيد ومحمد- قد تضرّرا في هذا البيع فشُرعت الشفعة وجازت؛ رفعًا لهذا الضرر، (فرع): لا يجوز أن يأخذ زيد نصيب بكر الذي باعه على أحمد -في المسألة السابقة- بالشفعة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تبعيض الصفقة على المشتري، وهو مضرُّ به -كما سبق بيانه في مسائل (١١ و ١٤ و ١٦ و ١٨) فدفعًا للضرر عنه: لم يجز ذلك. (فرع ثان) لا يجوز أن يأخذ زيد نصيب بكر من الأرض التي يشاركه فيها، ونصيب محمد الذي يشارك بكرًا في الأرض الأخرى بالشفعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم شراكته له في الأرض الأخرى: عدم جواز الشفعة فيها؛ لكونه لا حقَّ له فيها. (فرع ثالث): إن اشترك زيد وعمرو في ملك أرض، واشتركاهما أيضًا في ملك أرض أخرى، فباع عمرو نصيبه من هاتين الأرضين على بكر: فللشفيع -وهو هنا زيد- أن يأخذ النصيبين بالشفعة، ولكن لا يجوز أخذ أحدهما دون الآخر بالشفعة؛ للمصلحة: حيث يلزم من إمكانه أخذهما معًا وفعل ذلك: ثبوت الشفعة فيه؛ لكونه من حقه الشرعي؛ لدفع الضرر عن نفسه، ويلزم من إمكانه أخذهما معًا، ومع ذلك لم يفعل، فأخذ أحدهما: عدم الجواز؛ لأن في ذلك إضرارًا بالمشتري -وهو هنا بكر-؛ لكون غرضه لا يتم عادة إلّا بكونهما معًا - كما سبق بيانه، فإن قلتَ: للشفيع هنا أن يأخذ أحدهما، دون الآخر بالشفعة، وهو ما ذكره المصنف هنا، للمصلحة: حيث إنه قد يلحقه الضرر بأرض دون الأرض الأخرى، فدفعًا لبعض الضرر عنه: جازت الشفعة هنا قلتُ: إن مصلحة المشتري أولى بالمراعاة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فنظرنا نحن إلى مصلحة المشتري، وهم نظروا إلى مصلحة الشفيع.

стр. 1933

تجب فيه الشفعة إذا منفردًا فكذا إذا بيع مع غيره (٢٠) (أو تلف بعض المبيع: فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن)؛ لأنه تعذَّر أخذ الكل، فجاز له أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي، فلو اشترى دارًا بألف تساوي ألفين فباع بابها، أو هدمها، (٢٠) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملك أرض مثلًا، فباع عمرو نصيبه من الأرض على بكر، وباع معه شيئًا لا تصح الشفعة فيه كسيف أو ثوب في عقد واحد: فيجوز للشفيع -وهو زيد- أن يأخذ نصيب عمرو من الأرض الذي باعه على بكر بالشفعة، وذلك بحصته من الثمن، دون ما معه من السيف ونحوه، فيقسم الثمن على قدر قيمتهما، فما يخص نصيب عمرو من الأرض، وهو الشقص يأخذ به الشفيع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع نصيبه من الأرض على بكر منفردًا: فللشفيع أن يأخذه بالشفعة بثمنه الذي باعه به على بكر، فكذلك الحال فيما لو باعه مع شيء لا تصح الشفعة فيه كالمنقولات مثل السيف ونحوه، والجامع: أنه في كل منهما يصح له أن يشفع، وما قرنه به من السيف أو الثوب لا شفعة فيه، ولا هو تابع لما فيه شفعة، فلا يُنظر إليه، فإن قلتَ: لا تصح الشفعة في النصيب من الأرض المباع والشقص؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز للشفيع أخذ بعض النصيب المباع والشقص فكذلك لا يجوز في هذه الحالة، والجامع: أنه في كل منهما يلحق الضرر بالمشتري؛ لأن ذلك يؤدّي إلى تبعيض الصفقة على المشتري، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشفيع لو أخذ بعض النصيب المباع والشقص لوقع ضرر واضح على المشتري -كما سبق في مسائل (١١ و ١٤ و ١٦ و ١٨) -؛ لكونه تقسيمًا لشيء واحد لا يكمل الغرض منه إلّا به جميعًا، بخلاف هذه المسألة فهو عقد واحد جمع بين شيئين مختلفين من حيث الحكم -وهما: ما تصحُّ فيه الشفعة وهو: الشقص من الأرض، وما لا تصح فيه الشفعة وهي: المنقولات كسيف وثوب- ومع الفرق، فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح مما سبق.

стр. 1934

فبقيت بألف: أخذها الشفيع بخمسمائة (٢١) (ولا شفعة بشركة وقف)؛ لأنه لا يؤخذ بالشفعة، فلا تجب به، ولأن مستحقه غير تام الملك (٢٢) (ولا) شفعة أيضًا -بـ (ـغير (٢١) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملك دكانين مثلًا، فباع عمرو نصيبه من هذين الدكانين على بكر، فكان نصيب بكر واحدًا منهما، فتلف هذا الدكان بأن انهدم، فأراد زيد أخذ بعض هذا الدكان الباقي: فإنه يجوز له أن يأخذ الموجود بالشفعة بحصته من الثمن: سواء كان التلف الذي حصل على الدكان المباع بسبب آفة سماوية كأن انهدم بسبب مطر، أو حريق، أو كان بسبب المشتري كنقضه إيّاه بعد شرائه له، فمثلًا لو كان ثمن الدكانين ألفين، وكان ثمن ما اشتراه بكر ألفًا، وانهدم هذا: وكان الباقي من الدكان يساوي خمسمائة: فإن زيدًا الشفيع يأخذ الباقي بخمسمائة، وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع نصيبه على بكر ومعه سيف صفقة واحدة بألف، فإن زيدًا يشفع بالنصيب والشقص دون السيف -كما بيّنا ذلك في مسألة (٢٠) - فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد تعذّر أخذ الكل، فأخذ الباقي بحصته من الثمن، تنبيه: المثال الذي ذكره المصنف - وهو قوله: "فلو اشترى دارًا" لا يصح إلّا إذا قصد بـ"الدار": الشقص من الدار، وهذا مراد بعيد. (٢٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملك دار، فأوقف عمرو نصيبه الله تعالى، وباع زيد نصيبه على بكر، فليس لصاحب الوقف -وهو عمرو- أن يأخذ ذلك النصيب من بكر بالشفعة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الجار -الذي لا يشترك مع جاره بطريق، أو ماء ونحوهما- ليس له الحق بأن يشفع إذا باع جارُه دارَه، فكذلك صاحب الوقف لا يشفع هنا، والجامع: أنه في كل منهما لا صلة لأحدهما بالآخر، الثانية: التلازم؛ حيث إن كان الوقف غير مملوك فيكون الموقوف عليه غير مالك، وإن كان الوقف مملوكًا: فإن ملكه غير تام؛ لكونه لا يصح في الوقف التصرُّف في الموقوف تصرفًا تامًا، فيلزم من ذلك عدم جواز =

стр. 1935

ملك) للرقبة (سابق): بأن كان شريكًا في المنفعة كالموصى له بها أو ملك الشريكان دارًا صفقة واحدة: فلا شفعة لأحدهما على الأخر؛ لعدم الضرر (٢٣) س (ولا) شفعة (لكافر على مسلم)؛ لأن الإسلام يعلو، ولا يُعلى (٢٤). الشفعة هنا؛ لكون الشفيع يجب أن يكون صاحب الشقص المشارك مالكًا له ملكًا تامًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الأوقاف من أن يُزاد فيها أو يُنقص من غير عذر لا سيما وأنه لا ضرر في ذلك على أحد. (٢٣) مسألة: يجب أن يكون الشفيع قد ملك نصيبه من الدار المشتركة بينه وبين الآخر قبل بيع الشريك الآخر نصيبه، فإن وجد إثنان قد ملكا دارًا -مثلًا- في وقت واحد صفقة واحدة: فلا شفعة لأحدهما على صاحبه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استوائهما في المبيع في وقتٍ واحد: عدم مزية أحدهما على الآخر؛ لعدم الضرر على أحدهما دون الآخر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: العمل بالإنصاف والعدالة. (فرع): إذا لم يكن الشخص مالكًا ملكًا حقيقيًا: فلا يحق له الشفعة فمثلًا: لو أوصى زيد بأن عمرًا ينتفع بداره، ثم باعها ورثة زيد؛ فلا شفعة للموصى له -وهو عمرو-؛ للقياس؛ بيانه: كما أن صاحب الوقف لا يشفع، فكذلك الموصى له بالمنفعة لا يشفع، والجامع: أن كلًّا منهما ليس مالكًا للعين ملكًا تامًا. تنبيه: هذا الفرع تابع لمسألة (٢٢) وليس تابعاً لمسألة (٢٣) كما ذكر المصنف. (٢٤) مسألة: الكافر الذمي له الحق في الشفعة على المسلم فيما سبق من المسائل؛ للتلازم والمصلحة؛ حيث إن عقد الذمّة فيه يلزم منه: عدم ظلم الذمي في حقوقه المالية -كما سبق في كتاب الجهاد- وهذا يلزم منه جواز الشفعة للذمي على المسلم؛ رفعًا للُظلم عن هذا الذمي؛ لكون الشفعة من حقوق الأملاك، لا من حقوق الملَّاك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دعوة إلى الإسلام، وتحبيبه في نفوس =

стр. 1936

فصل: (وإن تصرَّف مشتريه) أي: مشتري شقص ثبتت فيه الشفعة (بوقفه، أو هبته، أو رهنه) أو صدقة به (لا بوصية: سقطت الشفعة)؛ لما فيه من الإضرار بالموقوف عليه، والموهوب له ونحوه؛ لأنه ملكه بغير عوض، ولا تسقط الشفعة بمجرَّد الوصية به قبل قبول الموصى له بعد موت الموصي؛ لعدم لزوم الوصية (٢٥) (و) الكفار، فإن قلتَ: لا شفعة لكافر على مسلم: سواء كان ذميًا أو لا -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز الشفعة له: علوّه على المسلم، ونصره عليه، وهذا فيه إعلاء الكفر على الإسلام، والإسلام يعلو، ولا يُعلى فالمصلحة تقتضي عدم جواز الشفعة للكافر، قلتُ: لا نسلِّم أن جواز الشفعة للذمي يلزم منه علوّه على المسلم، والإسلام بل العكس، يلزم منه علوّ الإسلام عليه؛ حيث إن الإسلام قد انتصر له ورفع الظلم عنه مع أنه بين المسلمين، وهذا يدل على قوة الإسلام في ذلك؛ لكون الحاكم يستطيع أن يأخذ جميع أملاكه، وهو من باب العفو عند المقدرة، وبهذا تنتشر عدالة الإسلام ومعاملته الحسنة لغير المسلمين، فيُسلم هذا الكافر وغيره، وبهذا تتحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين". (٢٥) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فأوقف بكر هذا النصيب الله تعالى: بأن جعله مسجدًا، أو موقوفًا على فقراء أو نحو ذلك، أو رهن بكر ذلك النصيب أو أوصى به، أو تصدَّق به، أو وهبه لغيره قبل أن يطلب الشفيع -وهو زيد- الشفعة فيه: فإن الشفعة لا تسقط، بل لزيد الحق في طلب الشفعة وأخذ هذا النصيب بقيمته، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو أوقف المريض أملاكه وعليه دين، أو أعتق عبدًا وعليه دين فللغرماء والورثة ردُّ الوقف والعتق فيما زاد على ثلثه فكذلك الحال هنا: للشفيع -وهو زيد- أن يمنع الوقف من بكر، والتصدُّق، والرهن، والوصية، والهبة بالشفعة، والجامع: إزالة الضرر عن الكل الثانية: التلازم؛ حيث =

стр. 1937

إن تصرَّف المشتري فيه (ببيع: فله) أي: للشفيع (أخذه بأحد البيعين)؛ لأن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد في كل منهما، ولأنه شفيع في العقدين، فإن أخذ بالأول رجع الثاني على بائعه بما دفع له؛ لأن العوض لم يسلم له، وإن أجَّره: فللشفيع أخذه، وتفسخ به الإجارة هذا كله إن كان التصرُّف قبل الطلب؛ لأنه ملك المشتري، وثبوت حق التملّك للشفيع لا يمنع من تصرفه، وأما تصرفه بعد الطلب: فباطل؛ يلزم من كون حق الشفيع أسبق، وأقوى ممن طرأ: أن لا يملك المشتري تصرُّفًا يبطل حقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشفيع من الحيل التي يفعلها بعض الشركاء لإبطال الشفعة، وقد ذكر ابن القيم ﵀: أن من أنواع الحيل المنتشرة: "الحيل لإسقاط الشفعة"، فإن قلتَ: بل تسقط الشفعة فيما سبق من الصور، وهو قول أكثر الحنابلة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن الشفعة لو صحَّت هنا: للحق الضرر بالموهوب والموقوف عليه، والموصى له، والمتصدَّق عليه؛ لكون ملكه يزول عنه بغير عوض، فدفعًا للضرر عنه شُرع سقوط الشفعة هنا قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن مصلحة الشفيع مقدمة على مصلحة هؤلاء؛ لكونه أسبق وجانبه أقوى، ولدفع الحيل لإسقاط الشفعة، فتكون المصلحة التي قلناها أعمّ وأسبق فتراعي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" وقد سبق بيان ذلك. (فرع): لو أن بكرًا -في المثال السابق- أوصى بنصيبه لمحمد بأن يكون له: فإن هذا يُسقط الشفعة، فلا يجوز لزيد أن يأخذ ذلك النصيب من محمد بالشفعة، ولكن ذلك مشروط: بقبول الموصى له -وهو محمد- لهذه الوصية؛ فلو لم يقبل الموصى له ذلك: لما أسقطت الوصية الشفعة؛ للتلازم؛ حيث إن من شرط صحة الوصية: قبول الموصى له لها فيلزم من عدم قبولها: سقوطها بالشفعة، نظرًا لسبق حقه على حق الموصى له، هذا على رأي كثير من الحنابلة وهو رأي مرجوح، والراجح: ما قلناه: من أن الشفعة لا تسقط بالوصية مطلقًا -كما سبق في مسألة (٢٥) -.

стр. 1938

لأنه ملك الشفيع إذًا (٢٦) (وللمشتري الغلَّة) الحاصلة قبل الأخذ (و) له أيضًا (النماء المنفصل)؛ لأنه من ملكه، والخراج بالضمان (و) له أيضًا (الزرع والثمرة الظاهرة) أي: المؤبَّرة؛ لأنه ملكه، ويبقى إلى الحصاد والجذاذ؛ لأن ضرره لا يبقى، ولا أجرة عليه، وعلم منه: أن النماء المتصل كالشجر إذا كبر، والطلع إذا لم يُؤبَّر يتبع في الأخذ بالشفعة كالرد بالعيب (٢٧) (فإن بني) المشتري (أو غرس) في حال يُعذر فيه (٢٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، وباع عمرو نصيبه على بكر، فللمشتري وهو -بكر هنا- حقُّ التصرُّف الشرعي قبل طلب الشفيع الشفعة، أو قبل علمه، فإن باعه المشتري -وهو بكر- على محمد: فللشفيع -وهو زيد- الخيار: فإن شاء فسخ البيع الأول الذي حصل بين عمرو وبكر بثمنه الذي دفعه بكر لعمرو ويأخذه بكر من محمد ويسلمه ثمنه الذي دفعه، وإن شاء فسخ البيع الثاني الذي حصل بين بكر ومحمد بثمنه الذي دفعه محمد لبكر، وكذا: إن كثرت العقود في ذلك تنفسخ بمجرد طلب الشفعة من زيد، وكذا: إن أجَّره بكر: فإن الإجارة تنفسخ بمجرَّد طلب زيد للشفعة، أما إن تصرَّف بكر في النصيب -الذي اشتراه من عمرو- بعد طلب الشفيع -وهو زيد- فجميع تلك التصرفات باطلة، للتلازم؛ حيث يلزم من وجود سبب الشفعة -وهو بيع الشريك نصيبه على أجنبي-: أن يأخذ الشفيع هذا النصيب من أحد البائعين -إما عمرو، أو بكر-؛ لإزالة الضرر عن نفسه، ويلزم من تصرُّف المشتري -وهو بكر- قبل طلب الشفيع: صحة هذا التصرف؛ لكونه ملكه شرعًا، ويلزم من تصرفه -أي: بكر- بعد طلب الشفيع: بطلان هذا التصرُّف؛ لكونه معتديًا في تصرفه؛ إذ تصرَّف في ملك قد انتقل عنه بسبب الشفعة وطلبها فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق كل من الشفيع، والمشتري. (٢٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض فباع عمرو نصيبه على بكر، وهذا النصيب فيه غلَّة، ونماء منفصل، أو أجرة، أو زرع، أو ثمر قد ظهر، أو طلع قد =

стр. 1939

الشريك بالتأخير: بأن قاسم المشتري وكيل الشفيع، أو رفع الأمر للحاكم فقاسمه، أو قاسم الشفيع لإظهاره زيادة في الثمن ونحوه (٢٨)، ثم غرس أو بنى: (فللشفيع تملُّكه أُبِّر: فإن جميع هذه الأشياء من حق المشتري -وهو بكر-، فله أن يأخذه قبل مطالبة الشفيع، وليس للشفيع مطالبته بردها، ويجب على الشفيع أن يبقي هذا إلى الحصاد والجذاذ بدون أجرة أما إن كان هذا النماء متصلًا كأشجار كبيرة، والطلع قبل تأبيره: فإن الشفيع يأخذه عند طلبه للشفعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا النماء المنفصل والغلَّة والزرع الظاهر والمؤبر قد حصلت في ملك المشتري -وهو بكر- أن تكون من حقه، ويلزم من عدم وجود الضرر في إبقاء ذلك إلى الحصاد والجذاذ: أن يلزم الشفيع في إبقاء ذلك في ملكه إلى الحصاد والجذاذ بدون أجرة لذلك مدَّة بقاء هذا الزرع والثمر في ملك الشفيع؛ نظرًا لقرب زواله، ويلزم من كون هذا النماء متصلًا دائمًا، ولم يؤبَّر: أن يتبع الشفيع، كما قلنا في الرد بالعيب؛ نظرًا لبعد زواله، فيكون ضرره أكثر على الشفيع، والمقصد من هذا: إزالة الضرر عن الشفيع والمشتري. (٢٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر، فغرس المشتري -وهو بكر- وبنى في النصيب الذي اشتراه، ويتصوَّر غرسه وبناؤه هنا بأحد طرق: أولها: أن يظهر المشتري -وهو بكر- أنه اشتراه بأكثر من ثمنه، أو نحو ذلك من الأمور التي تمنع الشفيع من الأخذ بها، فيترك الشفعة، فيقاسمه ثم يبني المشتري ويغرس في قسمته، ثانيها: أن يكون الشفيع غائبًا، فيقاسمه وكيله، أو يكون الشفيع صغيرًا أو مجنونًا فيقاسمه وليه أو نحو ذلك فيغرس ويبني المشتري -وهو بكر- في نصيبه وقسمته، ثم يقدم الغائب ويبلغ الصبي، أو يعقل المجنون فيأخذ بالشفعة. ثالثها: أن يطلب المشتري -وهو بكر- من الحاكم أن يقاسمه نصيبه؛ نظرًا لصغر أو جنون أو غياب الشفيع فيغرس المشتري أو يبني، ثم يقدم الغائب، ويعقل المجنون ويبلغ الصبي -وهو الشفيع- فيأخذ هذا النصيب ويقسم المغروس أو =

стр. 1940

بقيمته)؛ دفعًا للضرر: فتقوَّم الأرض مغروسة، أو مبنية، ثم تقوَّم خالية منهما، فما بينهما: فهو قيمة الغراس والبناء، (و) للشفيع (قلعه ويغرم نقصه) اي: ما نقص من قيمته بالقلع؛ لزوال الضرر به فإن أبى: فلا شفعة (ولربه) أي: رب الغراس والبناء (أخذه) ولو اختار الشفيع تملُّكه بقيمته (بلا ضرر) يلحق الأرض بأخذه، وكذا: مع ضرر كما في "المنتهى" وغيره؛ لأنه ملكه، والضرر لا يزال بالضرر (٢٩) (وإن مات الشفيع قبل المبني، هذه طرق الغرس أو البناء في النصيب الذي باعه الشريك، وسيأتي في المسألة التالية بيان حكم هذا الغرس والبناء. (٢٩) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فغرس المشتري -وهو بكر- وبنى في النصيب الذي اشتراه كما سبق في مسألة (٢٨)، وشفع الشفيع -وهو زيد- وطالب في أخذ ذلك النصيب الذي باعه عمرو، فيُخيَّر المشتري -وهو بكر- بين حالتين: الحالة الأولى: أن اختار قلع غرسه، وهدم بنائه ويُعيد النصيب والأرض كما كانت قبل غرسه لها أو بنائه فيها: فعليه ضمان النقص الذي لحق الأرض بسبب هذا القلع، يفعل ذلك ولو اختار الشفيع تملكه بقيمته فلا يقبل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو كسر إناء غيره لإخراج ديناره منه: فعليه ضمانه فكذلك من قلع، غرسه وهدم بناءه من أرض غيره عليه ضمان ما نقص منها بسبب ذلك والجامع: أنه في كل منهما نقص دخل على ملك غيره لأجل تخليص ملكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي حماية حق الشفيع -وهو زيد-، فإن قلتَ: ليس على المشتري تسوية الأرض، وليس عليه ضمان نقص الأرض بسبب القلع والهدم، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن المشتري قد بنى وغرس حين كانت الأرض ملكًا له، وما حدث من النقص إنما حصل في ملكه، وهذا لا يقابله ثمن فيلزم: عدم ضمانه، قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن النقص الحاصل بالقلع والهدم إنما حصل في ملك الشفيع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الأرض =

стр. 1941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التي غرس فيها المشتري وبنى هل هي ملك للمشتري، أو هي ملك للشفيع؟ " فعندنا: إنها ملك للشفيع، وإن كانت ملك للمشتري ظاهرًا، وعندهم: أنها ملك للمشتري. الحالة الثانية: إن اختار المشتري -وهو بكر- عدم قلع الغرس، وهدم البناء: فإن الشفيع يُخيَّر بين أمور ثلاثة أولها: أن يترك الشفعة، فيستمر المشتري -وهو بكر- على شرائه وغرسه وبنائه، ثانيها: أن يأخذ الغرس والبناء مع الأرض -وهي: النصيب المشترى ويدفع قيمة الغراس والبناء للمشتري- وهو بكر - فيملك ذلك الأرض، وطريقة بيان قيمة الغرس والبناء هي: أن تقوَّم الأرض بلا غرس ولا بناء بألف مثلًا، وتقوم وفيها غرس وبناء بألف وخمسمائة، فتكون قيمة الغرس والبناء خمسمائة فيدفعها الشفيع للمشتري -وهو بكر- مع قيمة الأرض المشفوع فيها، ثالثها: أن يقلع الشفيع الغرس والبناء، ويضمن للمشتري ما نقص من الغرس والبناء بسبب قلعه، فأن أبى: فلا شفعة، للتلازم: حيث يلزم من ترك الشفيع للشفعة: تملك المشتري لما اشتراه تملكًا دائمًا؛ لكونه حقًا له، ويلزم من أخذه الغرس والبناء مع الأرض المشفوعة: أن يدفع للمشتري وهو قيمة غرسه، وبنائه؛ لأن ذلك من حقه وأملاكه فلا يؤخذ إلّا بعوض، ويلزم من قلع الشفيع للغرس والبناء: أن يضمن ما نقص للمشتري وهو ما نقص في غرسه وبنائه بسبب ذلك القلع؛ لأنه لو لم يضمن ذلك لتضرر المشتري، ويلزم من عدم دفع الشفيع غرامة ما نقص بسبب القلع: سقوط الشفعة؛ لأنه يكون فيها قد ضر المشتري ولا يزال الضرر بضرر مثله؛ لعموم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، فإن قلتَ: إنه في هذه الحالة يُكلَّف المشتري القلع، ولا شيء له من عوض أو نحو ذلك وهو قول الحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يُكلف بقلع وهدم ما غرس وبنى في الأرض المغصوبة ولا شيء له فكذلك المشتري هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد غرس وبنى في أرض لا =

стр. 1942

الطلب: بطلت) الشفعة؛ لأنه نوع خيار للتمليك أشبه خيار القبول (٣٠) (و) إن مات (بعده) أي: بعد الطلب ثبتت (لوارثه)؛ لأن الحق قد تقرر بالطلب، ولذلك لا تسقط بتأخير الاخذ بعده (٣١) (ويأخذ) الشفيع الشقص (بكل الثمن) الذي استقرّ عليه العقد؛ لحديث جابر: "فهو أحقّ به بالثمن" رواه أبو إسحاق الجوزجاني في "المترجم"، (فإن عجز عن) الثمن أو (بعضه: سقطت شفعته)؛ لأن في أخذه بدون يملكها قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن الغاصب قد بني في غير ملكه ابتداء فيكون عرق ظالم، وليس لعرق ظالم حق، أما المشتري هنا فقد بنى في ملكه الذي اشتراه قبل أن تثبت الشفعة، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" كما هو واضح فيما سبق. (٣٠) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض أو دار، فباع عمرو نصيبه على بكر فمات الشفيع -وهو زيد- قبل أن يطلب الشفعة بدون عذر يمنعه: فإن الشفعة تسقط، وليس لورثة زيد أن يطلبوا الشفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أراد عمرو بيع دار على زيد فلما قال البائع -وهو عمرو-: "بعتك هذه الدار بألف" مات زيد، وهو لم يتلفّظ بالقبول: فإن ورثة زيد لا يقومون مقامه في القبول، فكذلك الحال هنا في الشفعة لا يقومون مقام زيد في طلبها، والجامع: أن كلًّا منهما نوع خيار للتمليك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المشتري من تحايل الورثة لأخذ حقه بدون استحقاق. (٣١) مسألة: إذا مات الشفيع -وهو زيد في مسألة (٣٠) - بعد طلبه للشفعة: فإن حق المطالبة بالشفعة ينتقل إلى الورثة على قدر إرثهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من طلب مورِّثهم -وهو زيد- بالشفعة قبل موته: أن الحق -وهو الشفعة- قد تقرر وثبت؛ يؤيده: أنها لا تسقط بتأخير الأخذ بعد الطلب، وقبله تسقط، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق الورثة؛ إذ صار النصيب الذي باعه عمرو من أملاك زيد بعد طلبه للشفعة قبل موته.

стр. 1943

دفع كل الثمن إضرارًا بالمشتري والضرر لا يزال بالضرر (٣٢)، وإن أحضر رهنًا، أو كفيلًا: لم يلزم المشتري، قبوله، وكذا: لا يلزمه قبول عوض عن الثمن، وللمشتري حبسه على ثمنه، قاله في "الترغيب" وغيره؛ لأن الشفعة قهر، والبيع عن رضا، ويُمهل إن تعذَّر في الحال ثلاثة أيام (٣٣)، (و) الثمن (المؤجَّل يأخذ) الشفيع (المليء به)؛ لأن (٣٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بألف: وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب من بكر بالشفعة: فيجب على زيد أن يأخذ ذلك النصيب والشقص بجميع الثمن الذي استقرّ عليه العقد بين عمرو وبكر وقت بيعه وهو الألف، فإن عجز الشفيع -وهو زيد- عن ذلك الثمن كله، أو بعضه: فإن الشفعة تسقط؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المشتري أخذ الشقص من بكر بالثمن فكذلك الشفيع مثله يأخذه به، والجامع: أن كلًّا منهما إنما استحقّ الشقص بالبيع، والبيع لا بد فيه من ثمن، الثانية: المصلحة: حيث إن الشفيع لو أخذ الشقص المباع على بكر بدون دفع كل الثمن، أو بعضه: لتضرر المشتري، فيكون دفع ضرر بإثبات ضرر آخر؛ إذ يدفع الشفيع الضرر عن نفسه بإلحاق الضرر على المشتري؛ لأن المشتري يتضرر بتأخير الثمن أو بعضه عنه، والضرر لا يُزال بضرر مثله كما سبق، فدفعًا لذلك: قلنا بسقوط الشفعة إن لم يدفعه كله. (٣٣) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بثمن نقدًا، وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب من بكر بالشفعة: فيجب عليه أن يأخذه بالثمن الذي دفعه بكر لعمرو نقدًا ولو أحضر الشفيع -هو زيد- عوض عن الثمن -كأن أعطى زيد بكرًا غرسًا عن نصيبه-، أو أحضر رهنًا، أو كفيلًا، أو ضمينًا، أو غير ذلك مما ليس بثمن: فلا يلزم المشتري -وهو بكر- قبول ذلك، بل يحبس ذلك الشقص والنصيب -الذي اشتراه من عمرو- على ثمنه، فإن أتاه بثمنه أسلمه إياه، وإن تعذَّر على الشفيع إحضار ثمنه في الحال: فإنه يُمهل ثلاثة أيام: فإن أحضره بعدها وإلا سقطت الشفعة؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة: =

стр. 1944

الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن، وصفته، والتأجيل من صفته (وضده) أي: ضد المليء، وهو: المعسر يأخذه إذا كان الثمن مؤجلًا (بكفيل ملئ)؛ دفعًا للضرر، وإن لم يعلم الشفيع حتى حلَّ: فهو كالحال (٣٤) (ويُقبل في الخلف) في قدر الثمن (مع عدم حيث إن عوض الثمن، أو الرهن، أو الكفيل، أو الضمين فيه ضرر على المشتري بسبب تأخير الثمن عليه، فدفعًا لذلك: تسقط الشفعة إن لم يدفع نفس الثمن للمشتري، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الثلاثة أقل الجمع، وحُدِّد بها كثير من الأحكام كاستتابة المرتد ثلاثًا، وكفارة اليمين بصيام ثلاثة أيام، وصوم المتمتع إذا لم يجد هديًا بثلاثة أيام في الحج ونحو ذلك كما سبق: يلزم منه تحديد المهلة للشفيع بهذه الأيام الثلاثة، فإن قلتَ: لِمَ يُحبس المشتري ذلك الشقص حتى يُحضر الشفيع الثمن نفسه؛ بخلاف البيع؟ قلتُ: لوجود الفرق بين الشفعة، والبيع، حيث إن الشفعة تكون قهرًا، أي: من غير رضى المشتري للشقص -وهو بكر- أما البيع: فإنه يكون عن رضاه. (٣٤) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية، أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بثمن مؤجَّل إلى سنة، وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب بالشفعة: فإنه يأخذه بالأجل إن كان هذا الشفيع مليئًا، أما إن كان هذا الشفيع معسرًا فلا يأخذه إلّا إذا كفله مليء إلى نهاية مدة التأخير، وهي: سنة، أما إن لم يعلم الشفيع ببيع عمرو على بكر إلّا بعد السنة -وهو حلول الثمن-: فلا يأخذه إلّا بنقد الثمن كالحال؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته، فيلزم أن يدخل كما دخل المشتري، أي: لا يلزمه إلّا ما لزم المشتري من قدر الثمن، وجنسه، وصفته، الثانية: المصلحة؛ وهي من وجهين: أولهما: أن الشفيع لو أخذ ما اشتراه بكر بثمن حال: لزاد عليه؛ لكون المشتري أخذه مؤجلًا، والشفيع أخذه حالًا فاختلفا، وهذا مخالف لشرط الشفعة، وهو: أخذ الشفيع الشقص بمثل ما أخذه به المشتري تمامًا، فدفعًا =

стр. 1945

البيّنة) لواحد منهما (قول المشتري) مع يمينه؛ لأنه العاقد، فهو أعلم بالثمن، والشفيع ليس بغارم؛ لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملُّك الشقص بثمنه، بخلاف الغاصب ونحوه (٣٥) (فإن قال) المشتري: (اشتريته بألف: أخذ الشفيع به) أي: بالألف (ولو أثبت البائع) أن البيع بـ (أكثر) من الألف؛ مؤاخذة للمشتري بإقراره، فإن قال: غلطت؛ أو كذبت؛ أو نسيت لم يقبل؛ لأنه رجوع عن إقراره (٣٦) ومن للضرر عن الشفيع: شرع أنه يلزمه ما لزم المشتري، ثانيهما: أنه اشترط أن يكون الكفيل للشفيع مليئًا لدفع الضرر عن المشتري؛ إذ لو كان الكفيل معسرًا كالشفيع: لتأخّر حق المشتري، فدفعًا لذلك، اشترط ذلك. (٣٥) مسألة إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر، وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب والشقص الذي اشتراه بكر بالشفعة، ولكن اختلف الشفيع -وهو زيد- مع المشتري -وهو بكر- في قدر الثمن، فقال المشتري -وهو بكر-: "اشتريته بألف"، وقال الشفيع -وهو زيد-: "اشتريته بتسعمائة"، ولا توجد بيّنة لأي واحد منهما: فيُقبل قول المشتري -وهو بكر-؛ للتلازم؛ وهو على وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون المشتري هو العاقد مع عمرو: أن يكون هو أعلم بالثمن، لحضوره وغياب الشفيع -وهو زيد- ثانيهما: أنه يلزم من كون الشقص والنصيب ملكًا للمشتري قبل طلب الشفيع للشفعة: أن لا يُنزع عنه بالدعوى بغير دليل إلّا بالثمن الذي أقرّ به، فإن قلتَ: إنه يُقبل هنا قول الشفيع -وهو زيد-؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يُقبل قوله في قدر ما غصبه فكذلك الشفيع مثله، والجامع: أن كلًّا منهما غارم ومنكر للزيادة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشفيع ليس بغارم؛ لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملُّك الشقص والنصيب المباع بثمنه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" فلم نأخذ بالقياس؛ لفساده كما سبق. (٣٦) مسألة: إذا أقرّ المشتري -وهو بكر في مسألة (٣٥) - بأنه اشتراه بألف: فإن =

стр. 1946

ادّعى على إنسان شفعة في شقص فقال: "ليس لك ملك في شركتي": فعلى الشفيع إقامة البيّنة بالشركة، ولا يكفي مجرَّد وضع اليد (٣٧) (وإن أقرَّ البائع بالبيع) في الشفيع -وهو زيد- يأخذ بذلك ويُعطيه الألف فقط: سواء وافقه البائع -وهو عمرو- على هذا القدر، أو أثبت البائع: أن بكرًا قد اشترى منه ذلك النصيب والشقص بأكثر من الألف، وسواء تراجع المشتري -وهو بكر- عن ما أقرَّ به وقال: "غلطتُ" أو "كذبتُ" أو "نسيتُ" بلا بيّنة أو لم يتراجع: فإنه -أي المشتري وهو بكر- لا يستحق إلا ذلك الألف؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من إقرار المشتري بأنه اشترى الشقص بألف: إلزامه به؛ لأن الإقرار سيد الشهود، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو أقرّ بدين لزيد عنده، ثم رجع عن هذا الإقرار: فإنه لا يُقبل، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمي غيره، متهم في هذا الرجوع. (فرع): إذا أثبت المشتري بيّنة ودليلًا على أنه نسي، أو كذب، أو غلط في الثمن الذي اشترى الشقص به: فإنه يُقبل قوله، وتراجعه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العالم إذا تراجع عن رأيه: فإنه يؤخذ برأيه الأخير، ويترك الأول، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الغلط والسهو والغفلة والنسيان تعرض لكل إنسان. (٣٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه وشقصه على بكر، فأراد زيد أن يأخذ ذلك النصيب والشقص بالشفعة، فأنكر عمرو أن زيدًا له معه شراكة قائلًا: "ليس لك ملك في شركتي" أي: لا تملك شيئًا في الدار تلك: فيجب على الشفيع -وهو زيد- أن يثبت بيِّنة ودليلًا على أنه شريك لعمرو في تلك الدار، ولا يكفي مجرّد وضع اليد على بعض الدار، فإن لم يثبت ذلك: فلا شفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو ادَّعى أن هذا الولد من تلك الأمة هو ولده، فلا بدَّ من إثبات ذلك بالبيّنة، فكذلك الشفعة لا تثبت إلا بإثبات الشراكة أولًا، والجامع: أن الملك لا يثبت بمجرّد وضع اليد، فإذا لم تثبت الشركة لم تجز =

стр. 1947

الشقص المشفوع (وأنكر المشتري) شراءه: وجبت الشفعة؛ لأن البائع أقرَّ بحقين: حق للشفيع وحق للمشتري، فإذا اسقط حق المشتري بإنكاره: ثبت حق الآخر فيقبض الشفيع من البائع، ويسلم إليه الثمن، ويكون درك الشفيع على البائع، وليس له ولا للشفيع محاكمة المشتري (٣٨) (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) في غير الصورة الأخيرة، فإذا ظهر الشقص مستحقًا، أو معيبًا: رجع الشفيع على المشتري بالثمن أو بأرش العيب، ثم يرجع المشتري على البائع (٣٩)، ........... الشفعة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الناس من أن يدَّعوا حقوق الآخرين بدون إثبات ذلك. (٣٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه منها على بكر، فأراد زيد أن يأخذ ذلك النصيب والشقص بالشفعة، وأقرّ البائع -وهو عمرو- بأنه قد باع نصيبه وشقصه على بكر فللشفيع -وهو زيد- أن يشفع، فيقبض الشفيع -وهو زيد- من البائع -وهو عمرو- ذلك النصيب والشقص ويُسلِّمه ثمنه وتكون المعاملة تلك بينه وبين البائع، ولا دخل لبكر بالبائع ولا بالشفيع، ولا يُحاكمانه؛ القاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: لو أقرّ عمرو بأن هذه الدار لزيد وبكر معًا فأنكر بكر أنه يملك دارًا مع زيد، فإنها تكون لزيد وحده فكذلك الحال هنا؛ حيث أقرّ البائع بحقين: "حق للشفيع" و"حق للمشتري" فأنكر المشتري حقه: فيثبت حق الشفيع، والجامع: الإثبات من جهة، والإنكار من جهة أخرى، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من اعتراف البائع بالبيع: أن يُسلِّمه الشفيع الثمن، ويقبض منه نصيبه وشقصه، ويلزم من حصول مقصود البائع، وهو الحصول على الثمن من الشفيع، وحصول مقصود الشفيع، وهو الحصول على الشقص وأخذه بدون محاكمة: عدم الحاجة إلى المشتري المنكر للشراء -وهو بكر-، وهذا هو المقصد منه. (٣٩) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه منها على بكر، =

стр. 1948

فإن أبى المشتري قبض المبيع: أجبره الحاكم (٤٠)، ولا شفعة في بيع خيار قبل انقضائه (٤١)، ولا في أرض السواد ومصر، والشام؛ لأن عمر وقفها إلا أن يحكم وأخذ الشفيع ذلك النصيب والشقص بالشفعة، فظهر أن ذلك الشقص مستحق لغيره: فإن الشفيع يرجع ويأخذ ما دفعه من الثمن من المشتري -وهو بكر-، ويرجع المشتري -وهو بكر- ويأخذ ما دفعه من ثمن ذلك الشقص من البائع -وهو عمرو-، وكذا: إن وجد الشفيع ذلك الشقص معيبًا: فله ردُّه على المشتري -وهو بكر-، أو يأخذ أرش عيبه منه، والمشتري -وهو بكر- له ردُّه على البائع -وهو عمرو- أو يأخذ أرش عيبه منه؛ للتلازم؛ حيث إن الشفعة تكون مستحقة بعد تمام بيع البائع -وهو عمرو- على المشتري -وهو بكر- وحصول الملك له، ثم يزول الملك من المشتري إلى الشفيع بسبب الشفعة بنفس الثمن، فيلزم من ذلك أن تكون العهدة والتعامل مباشرة بين الشفيع والمشتري، وكذلك لما كانت المعاملة في البيع بين البائع والمشتري -في شراء الشقص- يلزم أن تكون العهدة والتعامل بين المشتري والبائع مباشرة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أن التعامل إيجابًا وسلبًا مع من تعامل معك في جميع المعاملات. (٤٠) مسألة: إذا أبى وامتنع المشتري -وهو بكر في مسألة (٣٩) - قبض المبيع -وهو الشقص الذي اشتراه من البائع وهو عمرو- ليُسلِّمه؛ خوفًا من تلك العهدة -المذكورة في مسألة (٣٩) -: فإن الحاكم والقاضي يجبره على أخذه؛ أي: يُجبر بكرًا على أخذ المبيع وهو الشقص من عمرو؛ ليُسلِّمه للشفيع -وهو زيد-، وليس للشفيع أخذه من البائع -وهو عمرو-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشفيع يشتري الشقص من المشتري: أن لا يأخذه إلا منه، فيُلزمه القاضي والحاكم بذلك، لكونه هو صاحب الأمر الإلزامي، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشفيع من أن يُؤخذ ويؤكل بالحيل. (٤١) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، وباع عمرو نصيبه وشقصه على بكر =

стр. 1949

ببيعها حاكم، أو يفعله الإمام أو نائبه؛ لأنه مختلف فيه، وحكم الحاكم ينفذ فيه (٤٢) واشترط عمرو الخيار مدَّة ثلاثة أيام، فلا يحق لزيد أن يطالب بالشفعة في مدة الخيار تلك؛ للمصلحة: حيث إن الشفيع يُسقط بالشفعة حق البائع من الخيار، وقد يلزم المشتري بالعقد بغير رضاه، فدفعًا لتلك المفسدة على الطرفين: لم تجز المطالبة بالشفعة. (٤٢) مسألة: تجوز الشفعة في جميع العقارات -من دور وأراضي- سواء كانت مفتوحة عنوة أو صلحًا، قسم على الغانمين أو لا، إذا كانت تباع وتشترى بإذن من الحاكم، أو نائبه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة بيعها وشرائها: صحة الشفعة فيها؛ لأن الشفعة فرع عن الشراء والبيع، فإن قلتَ: لا تصح الشفعة مما لم يقسم بين الغانمين كأرض السواد من العراق، ومصر، والشام إلا أن يحكم الحاكم بيعها، أو يفعل ذلك الحاكم أو نائبه، فتصحّ الشفعة فيه، نظرًا لإذن الحاكم، أو فعله وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا القول يصلح أن يُعمل به في عصر الصحابة أو تابعيهم، أما فيما بعد ذلك من العصور فلا يصلح له ذلك؛ إذ مات الموقوف عليهم -من قبل عمر ﵁، وأذن الحكام بامتلاكها والبيع والشراء فيها، والشفعة مبنية على الشراء فيها والبيع، وهذا قد سبق ذكره في كتاب الجهاد، وإذا كان الأمر كذلك فلا خلاف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في جواز بيع ما لم يقسم بين الغانمين" فمن قال: يجوز بيعها وهو الصحيح: قال بجواز الشفعة ومن قال: بعدم جواز بيعها قال: بعدم جواز الشفعة فيها. هذه آخر مسائل باب "الشفعة" ويليه باب "الوديعة"

стр. 1950

باب الوَدِيْعَة من "ودع الشيء": إذا تركه؛ لأنها متروكة عند المودع، والإيداع: توكيل في الحفظ تبرعًا، والاستيداع: توكل فيه كذلك، ويُعتبر لها ما يُعتبر في وكالة (١)، ويُستحب قبولها لمن علم أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره إلا برضى ربها (٢) باب الوَدِيْعَة وفيه ثلاث وثلاثون مسألة (١) مسألة الوديعة لغة من "الودع"، و "التوديع" وهي: ترك الشيء في مكان أمين، قال الأزهري: "أن تُودِع ثوبًا في صوان لا يصل إليه غبار ولا ريح"، ومنه قوله تعالى: ﴿ما ودَّعك ربك وما قلى .. ﴾ أي: لم يتركك ولم يقطع الوحي عنك، ولا أبغضك، - كما جاء في اللسان (٨/ ٣٨٢) وهي في الاصطلاح: "أن يوكل جائز التصرف غيره ممن يُماثله في حفظ ماله بلا عوض على وجه مخصوص" أي: يقوم زيد البالغ العاقل الرشيد بجعل ماله أو بعضه عند عمرو البالغ العاقل الرشيد ليحفظه له بلا عوض يأخذه منه عمرو، وزيد المودِع موكِّل في حفظ ماله، وعمرو المودَع موكَّل في هذا الحفظ، وهو متبرِّع في ذلك، لذلك اشتُرط للوديعة ما اشتُرط للوكيل والموكِّل من التكليف والرشد - كما سبق في باب الوكالة - والمراد بعبارة: "على وجه مخصوص": أن هذه الوديعة لها شروط، وقيود في المودِع والمودَع، والمال المودَع، وطريقة حفظه سيأتي بيانها إن شاء الله. فإن قلت: لِمَ جعل باب الوديعة هنا، مع أن بعض الفقهاء قد جعلها بعد كتاب الفرائض وبعضهم جعلها بعد باب الهبة؟ قلتُ: لكونها معاملة بين اثنين فهي قريبة لأحكام الوكالة، والغصب، والشفعة، أكثر من شبهها للفرائض والهبة. (٢) مسألة: يُستحب للمسلم العدل الذي غلب على ظنه قدرته على حفظ الودائع أن يقبل الودائع ويحفظها لأصحابها، ويكون له في ذلك أجر عظيم، ويكره لمن=

стр. 1951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يشكّ في قدرته على حفظها، قبول الوديعة إلا إذا رضي صاحب الوديعة بعد إعلامه بحاله؛ لقواعد: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وهذا يدل على جواز أخذ الودائع والأمانات، ووجوب إعادتها إلى أهلها، ثانيهما قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وحفظ الودائع والأموال لغير القادر على حفظها من باب التعاون على البر، فيشمله عموم هذه الآية؛ لأن "البر والتقوى" اسم جنس محلّى بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" فحفظ الودائع من باب الإعانة على فعل الخيرات والطاعات؛ لأنه يحفظها له من السارقين واللصوص، وهذا من أعظم الطاعات إذا قُصد، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على جواز الإبداع، والاستيداع، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك مستحبًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كثيرًا من الناس يحتاج إلى إيداع ماله عند من يحفظها لهم من السارقين واللصوص؛ إذ ليس كل أحد يستطيع حفظ ماله بنفسه، أو يستطيع ولكنه قد يسافر لأي غرض فيحتاج إلى أن يودع ماله عند غيره من المقيمن حتى يرجع، فإن قلتَ: لِمَ كُره لمن يشك في قدرته على حفظها أن يقبل الودائع إلّا بعد إعلام المودِع بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المودِع من أن يُغر في بعض الناس، فيظنه قادرًا على الحفظ، وهو ليس كذلك. (فرع): إن غلب على ظن شخص عدم القدرة على حفظها فلا يجوز له أن يقبل الوديعة عنده: سواء رضي المودع أو لا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع. (فرع ثان) الوديعة عقد جائز: إذا أراد المودع أخذ وديعته: فإنه يجب على المودَع ردُّها إليه، في أي وقت أراد المودِع، وإذا أراد المودَع ردَّها إلى صاحبها: فيجب على المودع قبولها في أي وقت أراد المودَع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا =

стр. 1952

و (إذا تلفت) الوديعة (من بين ماله، ولم يتعدَّ ولم يُفرط: لم يضمن)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" رواه ابن ماجه، وسواء ذهب معها شيء من ماله أو لا (٣)، (ويلزمه) أي: المودَع (حفظها = فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾؛ حيث أمر برد الأمانة، والأمر مطلق في الزمان، فيلزم منه: أن يرد المودَع الوديعة في أي وقت شاء المودِع، الثانية: التلازم؛ حيث إن المودَع - وهو المستودَع - متبرِّع بإمساكها فإذا ردَّها إلى صاحبها يلزم منه: أن يقبلها صاحبها؛ لكون المودَع: إذا تبرّع في الوقت الماضي فلا يلزمه التبرع في المستقبل. (٣) مسألة: المودَع لا يضمن الوديعة إذا تلفت: سواء تلفت بمفردها، أو مع ماله، بشرط: أن لا يتعدَّ أو يُفرِّط؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن المودَع لو ضمنها إذا تلفت، ودفع قيمتها - من غير تعدٍّ أو تفريط -: لأدَّى ذلك إلى امتناع الناس من أن يقبلوا الأمانات والودائع عندهم، وهذا مضربهم؛ لكون المودع يحفظ الوديعة لصاحبها متبرعًا من غير نفع يرجع إليه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعلي وابن مسعود قالوا بعدم التضمين مطلقًا إذا تلفت الوديعة عند المودَع فإن قلتَ: إن تلفت الوديعة بمفردها، دون ماله فإن المودَع يضمنها لصاحبها وإن لم يتعدَّ ولم يفرط؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد ضمَّن أنس بن مالك وديعة أودعها إياه تلفت من بين ماله قلتُ: إنه يُحتمل أن أنسًا قد فرَّط، أو تعدّى في حفظ تلك الوديعة، فلذا ضمَّنه، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي وفعله" فأخذنا بقوله؛ لقوته، دون فعله، لضعفه بالاحتمال، وأيضًا: "تعارض فعل الصحابي مع المصلحة" فأخذنا بالمصلحة؛ لكونها عامة، وهم أخذوا بفعل الصحابي في الجهتين. (فرع): إن ثبت دليل على أن المودَع قد فرَّط أو تعدَّى في حفظ الوديعة فتلفت بسبب ذلك: فإنه - أي: المودَع - يضمنها مطلقًا؛ للإجماع؛ حيث أجمع=

стр. 1953

في حرز مثلها) عرفًا، كما يحفظ ماله؛ لأنه تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن ذلك إلّا بالحفظ، قال في "الرعاية": من استودع شيئًا: حفظه في حرز مثله عاجلًا مع القدرة وإلا: ضمن (٤) (فإن عينه) أي: الحرز (صاحبها، فأحرزها بدونه: ضمن): سواء ردَّها إليه أو لا؛ لمخالفته في حفظ ماله (٥) (و) إن أحرزها (بمثله، أو أحرز) منه: = العلماء على ذلك، ومستند هذا: القياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو أتلف مال غيره من غير استيداع يضمنه لصاحبه، فكذلك لو تلفت الوديعة بسبب تعد المودع أو تفريطه يضمنها والجامع: أنه في كل منهما قد أتلف مال غيره من غير عذر، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أموال المسلمين من تعدِّي الآخرين عليها. تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف - وهو: "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" لا يصلح للاستدلال به؛ لضعف سنده؛ حيث إن فيه المثنى بن الصباح، وهو متروك - كما في تلخيص الحبير (٣/ ١١٢). (٤) مسألة: يجب على المودَع: أن يحفظ الوديعة بنفسه، أو من يثق به من وكيله، أو زوجته، أو رقيقه، أو ولده، وأن يضعها في حرز منيع يحفظ ماله فيه أو فيما يُماثله مما تحفظ فيه الأشياء عادة، فإن لم يفعل ذلك عاجلًا مع قدرته على ذلك: فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها﴾ فأوجب الشارع أداء الأمانة وتسليمها لصاحبها؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولا يتمّ أداء وتسليم الأمانة - وهي الوديعة - إلا بعد حفظها في حرز مثلها، فوجب أن يحفظها بماء يحفظ به أمواله، من باب "ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من مقصود الوديعة ومشروعيتها، أن يحفظها المودَع للمودِع فوجب، ويلزم من عدم الحفظ: ضمانها إذا تلفت فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التأكيد على وظيفة المودَع؛ لئلا يُفرِّط فيها. (٥) مسألة: إن عين المودع حرزًا وموضعًا للمودَع، وقال: "احفظ الوديعة فيه"،=

стр. 1954

(فلا) ضمان عليه؛ لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله، فما فوقه من باب أولى (٦) (وإن قطع العلف عن الدابة) المودعة (بغير قول صاحبها: ضمن)؛ لأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفًا (٧)، وإن نهاه المالك عن علفها وسقيها: لم يضمن؛ لإذنه في = فأحرزها وحفظها المودَع فيما هو أدون منه: فإن يضمنها إذا تلفت، وهذا مطلق، أي: سواء ردَّ المودَع تلك الوديعة إلى الحرز والموضع الذي عيَّنه المودِع أو لم يردَّها إليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي المودَع بوضع الوديعة فيما هو أدون مما عيّنه المودِع حرزًا لها: أن يضمنها إذا تلفت، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صاحبها - وهو المودِع - أعلم بماله، وما يناسبه من الحفظ، فلما خالفه يجب أن يتحمَّل نتيجة تلك المخالفة. (٦) مسألة: إن عيَّن المودِع حرزًا وموضعًا للمودَع وقال له: "احفظ الوديعة فيه" فأحرزها المودَع بمثله أو أعلى وأقوى مما عيَّنه المودِع: فإنه لا يضمنها إذا تلفت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين المودِع هذا الحرز وتقييده به: أن يحرزه ويحفظه فيما هو مثله، وما هو أعلى وأحرز وأقوى منه؛ لكونه حفظه في مثله وزيادة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التأكيد على حماية الوديعة، وحفظ حقوق الآخرين. (٧) مسألة: إذا أودع زيد عمرًا دابة، وقال: "اجعلها عندك وديعة" وسكت: فيجب على المودَع - وهو عمرو - أن يُعلَّفها ويسقيها، فإن قطع عمرو عنها ذلك، فتلفت بأن ماتت أو مرضت: فإنه - أي: عمرو - يضمنها؛ للعرف والعادة؛ حيث إنه قد جرى العرف والعادة على أن الدابة لا تحيا بدون أكل وشرب - كالإنسان - فيكونان كأنه مأمور بهما عرفًا، فلو ترك ذلك: فإنه يضمنها؛ لتركه حفظها بهما، والعادة محكَّمة.

стр. 1955

إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها، لكن يأثم بترك علفها إذًا؛ لحرمة الحيوان (٨) (وإن عيَّن جيبه) بأن قال: "احفظها في جيبك" (فتركها في كمه، أو يده: ضمن)؛ لأن الجيب أحرز، وربما نسي فسقط ما في كمه أو يده (وعكسه بعكسه) فإذا قال: "اتركها في كمك، أو يدك" فتركها في جيبه: لم يضمن؛ لأنه أحرز، وإن قال: "اتركها في يدك" فتركها في كمه، أو بالعكس، أو قال: "اتركها في بيتك" فشدَّها في ثيابه وأخرجها: ضمن؛ لأن البيت أحرز (٩) (وإن دفعها إلى من يحفظ ماله) عادة (٨) مسألة: إذا أودع زيد عمرًا دابة، ونهاه عن أن يُعلِّفها أو يسقيها، فتلفت بأن ماتت أو مرضت: فإنه - أي: عمرو المودَع - لا يضمنها؛ ولكن يحرم أن يترك تعليفها أو سقيها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن زيدًا لو أمر عمرًا بقتل تلك الدابة لا يضمنها فكذلك لو أودعها عنده وأمره بأن لا يسقيها ولا يُعلِّفها فتلفت لا يضمنها، والجامع: أن زيدًا في كل منهما قد أذن في إتلاف دابته، الثانية: التلازم، حيث يلزم من حرمة الحيوان: تحريم تركها بدون تعليف أو سقي. (٩) مسألة: إذا عيَّن المودِع للمودَع الموضع الذي تُحفظ فيه الوديعة، فجعلها المودَع فيما هو أقل حفظًا وحرزًا منه: ضمن، وإن جعلها فيما هو أكثر حرزًا وحفظًا مما عينه المودِع: لم يضمن، وهذا يتبيَّن في صور خمس: الصورة الأولى: إن قال المودع "احفظها في جيبك" فحفظها المودَع في كمه أو يده: فإن المودَع يضمنها لو تلفت أو سُرقت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الجيب - وهو: الطوق المجوف - أحرز وأحفظ للأشياء من الكم واليد أن يضمن ما جعله فيهما أو أحدهما - أي: الكم واليد -؛ لأن ما في الكم واليد يسقط غالبًا بالنسيان والغفلة مع الزحام، الصورة الثانية: إن قال المودِع "اتركها في كمك أو يدك" فتركها المودَع في جيبه: لم يضمن لو تلفت أو سُرقت؛ للتلازم: حيث يلزم من كون الجيب أحرز وأحفظ للأشياء من الكم واليد: عدم ضمانه لما جعله فيه، الصورة الثالثة: إن قال المودع: "اتركها في يدك" فتركها المودَع في كمه؛ يضمنها إذا تلفت أو سُرقت؛=

стр. 1956

كزوجته وعبده (١٠) = للتلازم؛ حيث إن كون اليد أحفظ للأشياء من الكم من جهة: أن الكم يتطرّق إليه البسط فيسقط ما فيه، وكون الكم أحفظ للأشياء من اليد من جهة: أن اليد يسقط ما فيها بالنسيان يلزم منه تساويهما في ذلك، ويلزم من مخالفته طلب المودِع: أن يضمنها إذا تلفت أو سُرقت، الصورة الرابعة: إن قال المودع: "اتركها في كمك" فتركها المودَع في يده: فإنه يضمنها إذا تلفت أو سرقت؛ للتلازم؛ حيث إنهما متساويان في الحفظ والحرز، ويلزم من مخالفته طلب المودِع: أن يضمنها إذا تلفت أو سرقت. الصورة الخامسة: إن قال المودع: "اتركها في بيتك" فوضعها المودَع في ثوبه مشدودة به، وأخرجها: فإنه يضمنها إن تلفت أو سُرقت؛ للتلازم؛ حيث إن البيت غالبًا يكون أحفظ وأحرز من الثوب، فيلزم من عدم وضعها في البيت مع أن المودِع طلب وضعها فيه: أن يضمنها عند تلفها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار حقوق كل من المودِع والمودَع إذا تلفت الوديعة؛ منعًا لظلم بعض الناس. (١٠) مسألة: إذا دفع المودِع الوديعة إلى المودَع، فدفعها المودَع إلى من يحفظ ماله عادة مثل زوجته أو عبده، أو خازنه، أو وكيله: فتلفت عند أحد هؤلاء: فإن المودَع لا يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو دفع الماشية إلى الراعي، أو البهيمة إلى غلامه ليسقيها، ثم تلفت: فإنه لا يضمن، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قد حفظها بما حفظ به ماله فإن قلتَ: إن المودَع هنا يضمن وهو قول كثير من الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو دفعها إلى أجنبي وتلفت فإنه يضمنها فكذلك إذا دفعها إلى وكيله أو زوجته أو عبده ممن يحفظ ماله يضمنها إذا تلفت، والجامع: أنه في كل منهما قد سلَّم الوديعة إلى من لم يرضَ به صاحبها قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن وكيله، أو زوجته، أو عبده قد اعتاد أن يضع عندهم ماله؛ ليحفظوه له، بخلاف الأجنبي فلا يعطيه ماله عادة؛ =

стр. 1957

(أو) ردَّها لمن يحفظ (مال ربها: لم يضمن)؛ لجريان العادة به (١١) ويُصدَّق في دعوى التلف والرَّد كالمودَع (١٢) (وعكسه الأجنبي والحاكم) بلا عذر، فيضمن المودَع بدفعها إليهما؛ لأنه ليس له أن يودع من غير عذر (ولا يطالبان) أي: الحاكم والأجنبي = لحفظه، له ولا يُعتبر حافظًا له من جهته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما سبق بيانهما. (١١) مسألة: إذا دفع المودع - وهو زيد - الوديعة إلى المودَع - وهو عمرو - فدفعها المودَع إلى بكر الذي يحفظ مال المودِع - وهو زيد - ثم تلفت: فإن المودَع - وهو عمرو - لا يضمنها؛ للقياس؛ بيانه كما أن هذا الحافظ - وهو بكر - لمال المودِع - وهو زيد - قد أمنه على ماله بنفسه، فكذلك المودَع - وهو عمرو - يأمنه على تلك الوديعة التي تُعتبر من مال المودِع - وهو زيد - مثل ذلك، والجامع: أن بكرًا عند زيد وعمرو يُعتبر أمينًا على مال زيد غير متّهم، تنبيه: قوله: "لجريان العادة به" فيه استدلال بالعادة والعرف هنا، وهذا لا يصلح للاستدلال به هنا؛ إذ العادة والعرف غير محكَّمة هنا؛ لاختلاف عادة البيئات، وأعراف المجتمعات، فإن قلتَ: لِمَ لا يضمن هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المودَع؛ حيث إنه قد يطرأ طارئ عليه فلا يجد صاحبها، فيعطيها مَنْ يحفظ ماله. (١٢) مسألة إذا دفع المودَع - وهو عمرو - الوديعة التي عنده إلى من يحفظ هو كوكيله، أو زوجته، أو عبده - كما سبق في مسألة (١٠) - أو دفعها إلى من يحفظ مال المودِع - وهو بكر كما في مسألة (١١) - وادَّعى هؤلاء الأربعة - وهم: الوكيل والزوجة، والعبد، ومن يحفظ مال المودِع وهو بكر - أنهم سلَّموها إلى صاحبها - وهو المودع - أو ادَّعوا بأنها تلفت بلا تفريط ولا تعدِّ: فإنهم يُصدَّقون في ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُصدَّق المودَع في ذلك فكذلك يُصدَّق هؤلاء والجامع: أن كلًّا: منهم يُعتبر حافظًا غير متهم.

стр. 1958

بالوديعة إذا تلفت عندهما بلا تفريط (إن جهلا) جزم به في "الوجيز"؛ لأن المودَع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ فلا يجب على الثاني ضمان؛ لأن دفعًا واحدًا لا يوجب ضمانين، وقال القاضي: له ذلك، فللمالك مطالبة من شاء منهما (١٣)، ويستقر الضمان على الثاني إن علم، وإلا: فعلى الأول، وجزم بمعناه في (١٣) مسألة إذا دفع المودَع الوديعة إلى الحاكم، أو إلى الأجنبي من غير عذر - كحضور وفاة للمودَع أو إرادته للسفر - ثم تلفت تلك الوديعة عند ذلك الحاكم، أو الأجنبي -: فإن المودَع الأول يضمنها، إن كان الحاكم أو الأجنبي جاهلين بأنها وديعة، فيُطالب صاحب الوديعة المودَع بها أو بقيمتها، ولا يُطالب الحاكم أو الأجنبي بها؛ للتلازم؛ حيث إن كون المودِع قد اختار نفس ذلك المودَع فوضع عنده تلك الوديعة يلزم منه: أنه إذا وضعها المودَع عند غيره بلا إذن ولا عذر: أنه يضمنها عند تلفها؛ لكونه بمجرد الدفع لغيره يُعتبر إعراضًا عن الحفظ. فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن معاملة المودِع كانت مع المودَع الأول فقط، فلا دخل للمودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي - فيه، فإن قلت: لَم لا يضمن المودَع الثاني؟ قلتُ: لأن دفع الوديعة كان واحدًا، والواحد لا يوجب ضمانين من شخصين، فإن قلتَ: إن للمودِع مطالبة الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي - بالضمان، فلصاحب الوديعة مطالبة المودَع الأول، أو مطالبة المودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي، وهو قول بعض الشافعية وعليه كثير من الحنابلة ومنهم أبو يعلى؛ للقياس؛ بيانه: كما أن القابض من الغاصب ما غصبه يضمنه إذا تلف، فكذلك الحاكم أو الأجنبي إذا قبض من المودَع الأول الوديعة فتلفت: فإنه يضمنها والجامع: أن كلًّا منهما قد قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه، ولم يأذن له مالكه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القابض للوديعة من المودَع - وهو الحاكم أو الأجنبي - قد أُذن له في قبضها من قبل المودَع الأول فكان له قبضه، والمودَع في وقت كون الوديعة عنده وكيل عن المودع - وهو=

стр. 1959

"المنتهى" (١٤) (وإن حدث خوف أو) حدث للمودَع (سفر: ردَّها على ربها) أو وكيله فيها؛ لأن في ذلك تخليصًا له من دركها، فإن دفعها للحاكم إذًا: ضمن؛ لأنه لا ولاية له على الحاضر (١٥)، (فإن غاب) ربها: (حملها) المودَع (معه) في السفر: سواء = مالكها - والمسألة مفروضة فيما إذا جهل المودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي - بأن ما قبضه وديعة، أما إذا علم بأنها وديعة فلها حكم آخر سيأتي بيانه، بخلاف القابض من الغاصب فالغاصب ليس وكيلًا عن صاحب العين المغصوبة، ومع هذا الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" كما هو واضح هنا. (١٤) مسألة: إذا دفع المودَع الوديعة إلى الحاكم، أو الأجنبي من غير عذر، وهذا الحاكم أو الأجنبي يعلم أنها وديعة، فتلفت: فإنه يضمن، أي: للمودِع، وهو مالك الوديعة أن يُطالب المودَع الأول، أو المودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي -، للتلازم؛ حيث إن كلًّا منهما قد تعدَّى أو فرط في الوديعة حتى تلفت مع علمهما بأنها وديعة فعليهما الضمان. (١٥) مسألة: إذا وجد عذر للمودَع كحدوثة خوف، أو سفر، أو حضرة وفاة: فإنه يجب عليه أن يردَّ الوديعة إلى صاحبها، أو إلى وكيله في حفظ أمواله، ولا يجوز له أن يدفعها إلى الحاكم - وهو القاضي - مع حضور صاحبها أو وكيله، فإن دفعها إلى الحاكم مع ذلك وتلفت: فإنه - أي: المودع - يضمنها؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ردّها إلى صاحبها، أو وكيله فيه إيصال للحق إلى مستحقه، وإبراء للذمّة، الثانية: التلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون الحاكم لا يتولَّى على الحاضر: أن لا تدفع له الوديعة مع حضور صاحبها، أو وكيله، ثانيهما: أنه يلزم من كون المودَع قد دفع الوديعة إلى غير مالكها بغير إذنه من غير عذر: أن يضمنها إذا تلفت، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل المودعَ يدفع الوديعة لمالكها، لا لغيره؛ لئلا تضيع الحقوق.

стр. 1960

كان لضرورة أو لا (إن كان أحرز) ولم ينهه عنه؛ لأن القصد الحفظ، وهو موجود هنا، وله ما أنفق بنية الرجوع، قاله القاضي (وإلا) يكن السفر أحفظ لها، أو كان نهى عنه: دفعها إلى الحاكم؛ لأن في السفر بها غررًا؛ لأنه عرضة للنَّهب وغيره، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته (١٦)، فإن أودعها مع قدرته على الحاكم: (١٦) مسألة: إن لم يقدر المودَع ردَّ الوديعة إلى صاحبها أو وكيله لغيابهما وأراد السفر: فإنه يُسافر بها سواء كان ذلك السفر ضروري أو لا، ولكن بشرطين: أولهما: أن يغلب على ظنه السلامة في السفر، بأن يكون السفر أحرز وأحفظ للوديعة، ثانيهما: أن لا يكون المودع قد نهاه عن أن يسافر بها، ولا يضمنها إن تلفت في ذلك السفر، فإن تخلَّف الشرطان أو أحدهما: بأن كان ليس أحرز وأحفظ للوديعة، حيث غلب على ظنه عدم السلامة، أو شك في ذلك، أو نهاه المودع عن السفر بالوديعة: فإنه يدفعها إلى الحاكم - وهو القاضي - ويُسافر، ولا يضمنها إن تلفت عند الحاكم في هذه الحالة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ وهو من وجهين أولهما: أنه يلزم من وجود القصد من الوديعة - وهو حفظها - في السفر المتوفِّر فيه الشرطان: حمل الوديعة معه، وعدم ضمانه إن تلفت؛ لأنه يغلب على الظن السلامة فيه، ثانيهما: أنه يلزم من كون الحاكم يقوم مقام الغائب: أن تُدفع إليه الوديعة - عند تخلُّف هذين الشرطين - عند غياب صاحبها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن دفعها إلى الحاكم في السفر المخوف أحفظ لها؛ لئلا تتعرّض للنهب والسلب والسرقة، وصاحب الوديعة أعلم بمصلحته لذا لا يعصيه المودَع بالسفر بها إذا نهاه عنه، فإن سافر بها في السفر المخوف، أو عصى المودِع فسافر بها ثم تلفت: فإن المودَع يضمنها؛ نظرًا لتفريط المودَع في حفظها. (فرع): إذا سافر المودَع بها عند توفّر الشرطين السابقين في مسألة (١٦): فإن نفقة حملها في ذلك السفر يكون على صاحبها - وهو المودع - إذا نوى المودَع أن يرجع به إليه قياسًا على غيرها من الأعيان المحمولة للغير. (فرع ثان) يلزم الحاكم أن يقبلها إذا دُفعت =

стр. 1961

ضمنها؛ لأنه لا ولاية له (١٧)، فإن تعذَّر حاكم أهل: (أودعها ثقة)؛ لفعله ﷺ لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن ﵂، ولأنه موضع حاجة، وكذا: حكم من حضره الموت (١٨) (ومن) تعدَّى في الوديعة: بأن (أودع دابة فركبها لغير نفعها) أي: علفها وسقيها (أو) أودع (ثوبًا فلبسه) لغير خوف من عث أو نحوه (أو) أودع (دراهم، فأخرجها من محرز) ها (ثم ردَّها) إلى حرزها (أو رفع الختم) عن كيسها، أو كانت مشدودة، فأزال الشد: ضمن: أخرج منها شيئًا أو لا؛ لهتك الحرز (أو خلطها بغير متميّز) كدراهم بدراهم، وزيت بزيت في ماله أو غيره = الوديعة إليه؛ للتلازم؛ حيث إنه ولي من لا ولي موجود له فيلزمه قبولها. (١٧) مسألة: إذا تعذَّر على المودَع أن يرد الوديعة إلى صاحبها، أو وكيله ولم يقدر السفر بها: فإنه يدفعها إلى الحاكم - كما سبق في مسألة (١٦) -، فإن أودعها مسلمًا أمينًا مع قدرته على دفعها إلى الحاكم: ثم تلفت: فإن المودَع الأول يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون غير الحاكم لا ولاية له: ضمان الوديعة إذا دُفعت إليه؛ لكونه غير محل للدفع إليه مع وجود الحاكم، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع. (١٨) مسألة: إذا تعذَّر على المودَع دفعها إلى الحاكم الأهل عند إرادته السفر: فإنه يودعها عند ثقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة من مكة إلى المدينة أودعها عند أم أيمن، وأمر عليًا أن يردها إلى أصحابها، وهذا يلزم منه: عند عدم وجود حاكم أهل؛ لأن مكّة حين مهاجرته ﷺ لم يكن فيها حاكم أهل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الحاجة تقتضي أن يضعها عند ثقة فشرع من أجل ذلك، (فرع): إذا حضرت المودَع الوفاة وعنده وديعة: فإنه يجب عليه أن يردّها إلى أصحاب صاحبها، أو وكيله، فإن تعذّر فيدفعها إلى حاكم أهل، فإن تعذَّر: فإنه يودعها ثقة؛ للقياس؛ على من أراد السفر - كما سبق في مسائل (١٥ و ١٦ و ١٧ و ١٨) -.

стр. 1962

(فضاع الكل: ضمن) الوديعة؛ لتعدِّيه، وإن ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع: ضمن أيضًا (١٩)، وإن خلطها بمتميز كدراهم بدنانير: لم يضمن (٢٠)، وإن أخذ درهمًا من غير محرزه، ثم ردَّه فضاع الكل: ضمنه وحده (٢١)، وإن ردَّ بدله غير متميّز: ضمن الجميع (٢٢)، (١٩) مسألة: إذا تعدَّى المودَع في الوديعة بدون إذن من صاحبها: فإنه يضمن ما تلف منها بسبب ذلك، كأن يُودع دابة فيركبها بغير نفعها، أو يودع ثوبًا فيلبسه من غير خوف شيء، أو يودع دراهم فيخرجها من كيسها أو صندوقها - الذي هو حرز لها - ثم يردها إليه، أو يرفع ختم الكيس، أو يزيل شد الحبل على ذلك الكيس، أو يزيل قفل الصندوق، أو أُودع دراهم فخلطها بدراهم مثلها، غير متميّزة عنها، فضاع كل الوديعة في الصور السابقة، أو بعضها، ولم يدر ما هو الضائع من غيره: فإنه يضمن كل ما سبق؛ للتلازم؛ حيث إن تصرفات المودَع في تلك الوديعة مخالفة لحفظها فيلزم ضمان ما حصل من الإتلاف بسبب ذلك؛ نظرًا لعدوانه وهتكه للحرز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الوديعة من الاعتداء عليها بأي شكل يوجد من المودَع. (٢٠) مسألة إذا دفع مودع دراهم إلى شخص ليحفظها له، فخلط المودَع في هذه الدراهم دنانير ثم تلفت الدراهم المودعة من غير تعد ولا تفريط: فإن المودَع لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من التمييز بين الدراهم والدنانير: أن لا يضمن الدراهم إذا تلفت؛ لظهورها على الدنانير. (٢١) مسألة: من أودع شيئًا غير محروز كدراهم مثلًا، فأخذ بعضه كدرهم، ثم ردَّه، فضاع الكل: فإنه يضمن ما أخذه فقط؛ للتلازم؛ حيث إن ما أخذه هو الذي تعدَّى فيه فيتعلَّق الضمان بما أخذه فقط إن ضاع أو تلف، ويلزم عدم ضمان غير ما أخذ إذا تلف أو ضاع، وفي ذلك حماية للمودَع، وهو المقصد منه. (٢٢) مسألة: إذا أخذ المودَع درهمًا واحدًا من الوديعة - التي هي مجموعة دراهم غير=

стр. 1963

ومن أودعه صبي وديعة: لم يبرأ إلّا بردِّها لوليه (٢٣)، ومن دفع لصبي ونحوه وديعة: لم يضمنها مطلقًا (٢٤)، = محروزة - ثم ردَّ بدله، ولم يرده بنفسه فضاعت جميع الدراهم: فإنه يضمنها جميعها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خلط الوديعة وهي الدراهم بدرهم لا يتميّز، وتغيير بعض الوديعة: أن يضمنها إن ضاعت كلها والمقصد منه: التأكيد من عدم الاقتراب من الوديعة بأي شكل. (٢٣) مسألة إذا أودع صبي أو مجنون شخصًا مُكلَّفًا وديعة: فيجب على هذا المكلف أن يردها إلى وليهما الناظر في مالهما، ولا تبرأ ذمة المكلَّف - وهو المودع - إلّا بذلك وإن لم يردَّها إلى وليهما فتلفت: فإنه يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المكلف يردُّ دين الصبي والمجنون ونحوهما إلى وليهما وإن ردَّه إليهما: فإنه يضمنه إن تلف بأيديهما، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الصبي والمجنون ونحوهما ليسوا من جائزي التصرف شرعًا، فلا يستلمون شيئًا من ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمال المجنون والصبي ونحوهما. (٢٤) مسألة: إذا دفع مكلَّف وديعة إلى صبي، أو مجنون، أو معتوه، أو سفيه، فتلفت: فإنهم لا يضمنونها مطلقًا: أي: سواء فرطوا، أو لا، وسواء تعدَّوا، أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المكلف لو أتلف شيئًا لغيره: فإنه يضمنه، لتفريطه، فكذلك إذا دفع إلى غير جائزي التصرف شرعًا كالصبي: فإنه يضمنه هو، والصبي لا يضمنه والجامع: التفريط في كل؛ حيث من دفع إلى الصبي شيئًا فقد فرّط فيه؛ لكونه قد سلّطه عليه بدفعها إليه فيتحمَّل نتيجة تفريطه، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحذير المكلَّفين من أن يعتمدوا على غير جائزي التصرف، فإن قلتَ: إن الصبي ونحوه يضمن ما أتلفه هنا، وهو قول الشافعي، وكثير من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن قدامة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصبي يضمن إذا أتلف شيئًا غير مودع إليه، فكذلك يضمن ما أتلفه بعد=

стр. 1964

ولعبد: ضمنها بإتلافها في رقبته (٢٥). فصل: (ويقبل قول المودَع في ردِّها إلى ربها) أو من يحفظ ماله (أو غيره بإذنه) بأن قال: "دفعتها لفلان بإذنك" فأنكر مالكها الإذن، أو الدفع: قبل قول المودَع، كما لو ادَّعى ردَّها على مالكها (٢٦) (و) يُقبل قوله أيضًا في (تلفها وعدم التفريط) = إيداعه إياه، والجامع: إتلاف مال الغير في كل. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في هذه المسألة قد قصد ذلك المكلف ومكَّنه من قبض المال - وهي الوديعة - فكأنه هنا قد ساعده وشاركه على الإتلاف، بخلاف ما لو أتلف شيئًا لم يودع إليه فلم يُساعده أو يُشاركه عليه، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما هو واضح. (٢٥) مسألة: إذا دفع شخص إلى عبد مكلف وديعة، وتلفت: فإنه يضمنها لصاحبها في رقبته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه مكلفًا قد جنى بإتلافه: أن يضمن ما أتلفه، حماية لحق المودِع، وهو المقصد منه. (٢٦) مسألة: إذا ادَّعى المودَع: أنه ردَّ الوديعة إلى صاحبها، أو ردَّها إلى من يحفظ ماله عادة كوكيله، أو عبده، أو زوجته، أو خازنه، أو دفعها إلى إنسان أجنبي بإذن من صاحبها: فأنكر صاحب الوديعة كل ذلك، أو أنكر من دفعت إليهم، ولا بيّنة لكل منهم: فإنه يُقبل قول المودَع مع يمينه؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُقبل قول المودَع هنا: لأقضى ذلك إلى أن يمتنع الناس من قبول ودائع الآخرين عندهم وحفظها لهم، وقضاء حاجتهم بذلك، نظرًا لحدوث مثل هذه الخلافات بين الدافع والمدفوع إليه عادة، ولكون الوقت قد يضيق عن إثبات البيّنات، أو قد يصعب ذلك، وهذا فيه إلحاق مفسدة كبيرة في المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك: شرع قبول قول المودَع ودفعها إلى هؤلاء كدفعها إلى صاحبها في ذلك، فإن قلتَ: لم يُطلب من المودَع اليمين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الاحتياط؛ إذ قد يكون صاحب الوديعة، أو غيره ممن دفعت إليهم صادقين في إنكارهم، فردًا=

стр. 1965

بيمينه؛ لأنه أمين، لكن إن ادَّعى التلف بظاهر: كُلِّف به بيَّنة، ثم قُبل قوله في التلف (٢٧)، وإن أخَّر ردَّها بلا عذر: ضمن، ويمهل لأكل، ونوم، وهضم طعام بقدره، وإن أمره بالدفع إلى وكيله، فتمكن، وأبي: ضمن ولو لم يطلبها وكيله (٢٨) = لهذا الاحتمال: شرعت اليمين. (٢٧) مسألة: إذا ادَّعى المودَع أن الوديعة التي عنده قد تلفت مع حرصه عليها، وعدم تعدّيه وتفريطه فيها: ففي قبول قوله وعدمه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن ادَّعى التلف بسبب ظاهر كحريق، ونهب جيش، أو هدم عام: فلا يُقبل قوله إلّا بعد أن يثبت تلك الأسباب، وتكفي استفاضة ذلك: بين الناس، فإذا أثبت ذلك: قبل قوله في التلف نفسه؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا تتعذَّر إقامة البيّنة عليه فلزم، ثانيًا: إن ادَّعى تلفها ولم يذكر سببًا عامًا ظاهرًا: فإنه يُقبل قوله مع يمينه؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: براءة ذمة كل أمين، والمودَع أمين، فيكون بريئًا، فيُقبل قوله، الثانية: المصلحة؛ وقد بيّناها في مسألة (٢٦). (٢٨) مسألة إذا طلب المودع وديعته من المودَع أو طلب منه أن يدفعها إلى وكيله في وقت يمكنه ذلك: فلم يفعل المودع ذلك فتلفت الوديعة بعد ذلك ففي تضمينه وعدمه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن أخّرها لأجل أكل أو شرب، أو نوم، أو طهارة لصلاة أو هضم طعام، أو نحو ذلك من الحاجات التي تقتضي وقتًا قصيرًا، ثم تلفت في أثناء ذلك: فإنه لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم عدوانه، وعدم منعها لقصد المنع فقط: أن لا يضمن الوديعة إذا تلفت في هذه الحالة، ثانيًا: إن غلب على ظن المودَع أن صاحب الوديعة لا يقدر على حملها، أو لا يقدر على منع السرّاق وقطاع الطرق عنها، فمنعها، ثم تلفت عند المودَع: فإنه لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم عدوانه، وكون قصده حفظ الوديعة: عدم ضمانه؛ لكونه فعل ماله فعله، ثالثًا: إن لم يغلب على ظنه شيء فمنعها بلا عذر، ثم تلفت عنده: فإنه يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يضمن العين=
следующие страницы →