← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ضمنها؛ لأنه لا ولاية له (١٧)، فإن تعذَّر حاكم أهل: (أودعها ثقة)؛ لفعله ﷺ لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن ﵂، ولأنه موضع حاجة، وكذا: حكم من حضره الموت (١٨) (ومن) تعدَّى في الوديعة: بأن (أودع دابة فركبها لغير نفعها) أي: علفها وسقيها (أو) أودع (ثوبًا فلبسه) لغير خوف من عث أو نحوه (أو) أودع (دراهم، فأخرجها من محرز) ها (ثم ردَّها) إلى حرزها (أو رفع الختم) عن كيسها، أو كانت مشدودة، فأزال الشد: ضمن: أخرج منها شيئًا أو لا؛ لهتك الحرز (أو خلطها بغير متميّز) كدراهم بدراهم، وزيت بزيت في ماله أو غيره = الوديعة إليه؛ للتلازم؛ حيث إنه ولي من لا ولي موجود له فيلزمه قبولها. (١٧) مسألة: إذا تعذَّر على المودَع أن يرد الوديعة إلى صاحبها، أو وكيله ولم يقدر السفر بها: فإنه يدفعها إلى الحاكم - كما سبق في مسألة (١٦) -، فإن أودعها مسلمًا أمينًا مع قدرته على دفعها إلى الحاكم: ثم تلفت: فإن المودَع الأول يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون غير الحاكم لا ولاية له: ضمان الوديعة إذا دُفعت إليه؛ لكونه غير محل للدفع إليه مع وجود الحاكم، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع. (١٨) مسألة: إذا تعذَّر على المودَع دفعها إلى الحاكم الأهل عند إرادته السفر: فإنه يودعها عند ثقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة من مكة إلى المدينة أودعها عند أم أيمن، وأمر عليًا أن يردها إلى أصحابها، وهذا يلزم منه: عند عدم وجود حاكم أهل؛ لأن مكّة حين مهاجرته ﷺ لم يكن فيها حاكم أهل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الحاجة تقتضي أن يضعها عند ثقة فشرع من أجل ذلك، (فرع): إذا حضرت المودَع الوفاة وعنده وديعة: فإنه يجب عليه أن يردّها إلى أصحاب صاحبها، أو وكيله، فإن تعذّر فيدفعها إلى حاكم أهل، فإن تعذَّر: فإنه يودعها ثقة؛ للقياس؛ على من أراد السفر - كما سبق في مسائل (١٥ و ١٦ و ١٧ و ١٨) -.

стр. 1962

(فضاع الكل: ضمن) الوديعة؛ لتعدِّيه، وإن ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع: ضمن أيضًا (١٩)، وإن خلطها بمتميز كدراهم بدنانير: لم يضمن (٢٠)، وإن أخذ درهمًا من غير محرزه، ثم ردَّه فضاع الكل: ضمنه وحده (٢١)، وإن ردَّ بدله غير متميّز: ضمن الجميع (٢٢)، (١٩) مسألة: إذا تعدَّى المودَع في الوديعة بدون إذن من صاحبها: فإنه يضمن ما تلف منها بسبب ذلك، كأن يُودع دابة فيركبها بغير نفعها، أو يودع ثوبًا فيلبسه من غير خوف شيء، أو يودع دراهم فيخرجها من كيسها أو صندوقها - الذي هو حرز لها - ثم يردها إليه، أو يرفع ختم الكيس، أو يزيل شد الحبل على ذلك الكيس، أو يزيل قفل الصندوق، أو أُودع دراهم فخلطها بدراهم مثلها، غير متميّزة عنها، فضاع كل الوديعة في الصور السابقة، أو بعضها، ولم يدر ما هو الضائع من غيره: فإنه يضمن كل ما سبق؛ للتلازم؛ حيث إن تصرفات المودَع في تلك الوديعة مخالفة لحفظها فيلزم ضمان ما حصل من الإتلاف بسبب ذلك؛ نظرًا لعدوانه وهتكه للحرز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الوديعة من الاعتداء عليها بأي شكل يوجد من المودَع. (٢٠) مسألة إذا دفع مودع دراهم إلى شخص ليحفظها له، فخلط المودَع في هذه الدراهم دنانير ثم تلفت الدراهم المودعة من غير تعد ولا تفريط: فإن المودَع لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من التمييز بين الدراهم والدنانير: أن لا يضمن الدراهم إذا تلفت؛ لظهورها على الدنانير. (٢١) مسألة: من أودع شيئًا غير محروز كدراهم مثلًا، فأخذ بعضه كدرهم، ثم ردَّه، فضاع الكل: فإنه يضمن ما أخذه فقط؛ للتلازم؛ حيث إن ما أخذه هو الذي تعدَّى فيه فيتعلَّق الضمان بما أخذه فقط إن ضاع أو تلف، ويلزم عدم ضمان غير ما أخذ إذا تلف أو ضاع، وفي ذلك حماية للمودَع، وهو المقصد منه. (٢٢) مسألة: إذا أخذ المودَع درهمًا واحدًا من الوديعة - التي هي مجموعة دراهم غير=

стр. 1963

ومن أودعه صبي وديعة: لم يبرأ إلّا بردِّها لوليه (٢٣)، ومن دفع لصبي ونحوه وديعة: لم يضمنها مطلقًا (٢٤)، = محروزة - ثم ردَّ بدله، ولم يرده بنفسه فضاعت جميع الدراهم: فإنه يضمنها جميعها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خلط الوديعة وهي الدراهم بدرهم لا يتميّز، وتغيير بعض الوديعة: أن يضمنها إن ضاعت كلها والمقصد منه: التأكيد من عدم الاقتراب من الوديعة بأي شكل. (٢٣) مسألة إذا أودع صبي أو مجنون شخصًا مُكلَّفًا وديعة: فيجب على هذا المكلف أن يردها إلى وليهما الناظر في مالهما، ولا تبرأ ذمة المكلَّف - وهو المودع - إلّا بذلك وإن لم يردَّها إلى وليهما فتلفت: فإنه يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المكلف يردُّ دين الصبي والمجنون ونحوهما إلى وليهما وإن ردَّه إليهما: فإنه يضمنه إن تلف بأيديهما، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الصبي والمجنون ونحوهما ليسوا من جائزي التصرف شرعًا، فلا يستلمون شيئًا من ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمال المجنون والصبي ونحوهما. (٢٤) مسألة: إذا دفع مكلَّف وديعة إلى صبي، أو مجنون، أو معتوه، أو سفيه، فتلفت: فإنهم لا يضمنونها مطلقًا: أي: سواء فرطوا، أو لا، وسواء تعدَّوا، أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المكلف لو أتلف شيئًا لغيره: فإنه يضمنه، لتفريطه، فكذلك إذا دفع إلى غير جائزي التصرف شرعًا كالصبي: فإنه يضمنه هو، والصبي لا يضمنه والجامع: التفريط في كل؛ حيث من دفع إلى الصبي شيئًا فقد فرّط فيه؛ لكونه قد سلّطه عليه بدفعها إليه فيتحمَّل نتيجة تفريطه، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحذير المكلَّفين من أن يعتمدوا على غير جائزي التصرف، فإن قلتَ: إن الصبي ونحوه يضمن ما أتلفه هنا، وهو قول الشافعي، وكثير من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن قدامة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصبي يضمن إذا أتلف شيئًا غير مودع إليه، فكذلك يضمن ما أتلفه بعد=

стр. 1964

ولعبد: ضمنها بإتلافها في رقبته (٢٥). فصل: (ويقبل قول المودَع في ردِّها إلى ربها) أو من يحفظ ماله (أو غيره بإذنه) بأن قال: "دفعتها لفلان بإذنك" فأنكر مالكها الإذن، أو الدفع: قبل قول المودَع، كما لو ادَّعى ردَّها على مالكها (٢٦) (و) يُقبل قوله أيضًا في (تلفها وعدم التفريط) = إيداعه إياه، والجامع: إتلاف مال الغير في كل. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في هذه المسألة قد قصد ذلك المكلف ومكَّنه من قبض المال - وهي الوديعة - فكأنه هنا قد ساعده وشاركه على الإتلاف، بخلاف ما لو أتلف شيئًا لم يودع إليه فلم يُساعده أو يُشاركه عليه، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما هو واضح. (٢٥) مسألة: إذا دفع شخص إلى عبد مكلف وديعة، وتلفت: فإنه يضمنها لصاحبها في رقبته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه مكلفًا قد جنى بإتلافه: أن يضمن ما أتلفه، حماية لحق المودِع، وهو المقصد منه. (٢٦) مسألة: إذا ادَّعى المودَع: أنه ردَّ الوديعة إلى صاحبها، أو ردَّها إلى من يحفظ ماله عادة كوكيله، أو عبده، أو زوجته، أو خازنه، أو دفعها إلى إنسان أجنبي بإذن من صاحبها: فأنكر صاحب الوديعة كل ذلك، أو أنكر من دفعت إليهم، ولا بيّنة لكل منهم: فإنه يُقبل قول المودَع مع يمينه؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُقبل قول المودَع هنا: لأقضى ذلك إلى أن يمتنع الناس من قبول ودائع الآخرين عندهم وحفظها لهم، وقضاء حاجتهم بذلك، نظرًا لحدوث مثل هذه الخلافات بين الدافع والمدفوع إليه عادة، ولكون الوقت قد يضيق عن إثبات البيّنات، أو قد يصعب ذلك، وهذا فيه إلحاق مفسدة كبيرة في المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك: شرع قبول قول المودَع ودفعها إلى هؤلاء كدفعها إلى صاحبها في ذلك، فإن قلتَ: لم يُطلب من المودَع اليمين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الاحتياط؛ إذ قد يكون صاحب الوديعة، أو غيره ممن دفعت إليهم صادقين في إنكارهم، فردًا=

стр. 1965

بيمينه؛ لأنه أمين، لكن إن ادَّعى التلف بظاهر: كُلِّف به بيَّنة، ثم قُبل قوله في التلف (٢٧)، وإن أخَّر ردَّها بلا عذر: ضمن، ويمهل لأكل، ونوم، وهضم طعام بقدره، وإن أمره بالدفع إلى وكيله، فتمكن، وأبي: ضمن ولو لم يطلبها وكيله (٢٨) = لهذا الاحتمال: شرعت اليمين. (٢٧) مسألة: إذا ادَّعى المودَع أن الوديعة التي عنده قد تلفت مع حرصه عليها، وعدم تعدّيه وتفريطه فيها: ففي قبول قوله وعدمه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن ادَّعى التلف بسبب ظاهر كحريق، ونهب جيش، أو هدم عام: فلا يُقبل قوله إلّا بعد أن يثبت تلك الأسباب، وتكفي استفاضة ذلك: بين الناس، فإذا أثبت ذلك: قبل قوله في التلف نفسه؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا تتعذَّر إقامة البيّنة عليه فلزم، ثانيًا: إن ادَّعى تلفها ولم يذكر سببًا عامًا ظاهرًا: فإنه يُقبل قوله مع يمينه؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: براءة ذمة كل أمين، والمودَع أمين، فيكون بريئًا، فيُقبل قوله، الثانية: المصلحة؛ وقد بيّناها في مسألة (٢٦). (٢٨) مسألة إذا طلب المودع وديعته من المودَع أو طلب منه أن يدفعها إلى وكيله في وقت يمكنه ذلك: فلم يفعل المودع ذلك فتلفت الوديعة بعد ذلك ففي تضمينه وعدمه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن أخّرها لأجل أكل أو شرب، أو نوم، أو طهارة لصلاة أو هضم طعام، أو نحو ذلك من الحاجات التي تقتضي وقتًا قصيرًا، ثم تلفت في أثناء ذلك: فإنه لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم عدوانه، وعدم منعها لقصد المنع فقط: أن لا يضمن الوديعة إذا تلفت في هذه الحالة، ثانيًا: إن غلب على ظن المودَع أن صاحب الوديعة لا يقدر على حملها، أو لا يقدر على منع السرّاق وقطاع الطرق عنها، فمنعها، ثم تلفت عند المودَع: فإنه لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم عدوانه، وكون قصده حفظ الوديعة: عدم ضمانه؛ لكونه فعل ماله فعله، ثالثًا: إن لم يغلب على ظنه شيء فمنعها بلا عذر، ثم تلفت عنده: فإنه يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يضمن العين=

стр. 1966

(فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت) الوديعة (ببيّنة، أو إقرار، ثم ادَّعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببيّنة)؛ لأنه مكذب للبيّنة، وإن شهدت بأحدهما، ولم تعين وقتًا: لم تسمع (٢٩) (بل) يُقبل قوله بيمينه في الرَّد والتلف (في) ما إذا أجاب بـ (قوله: مالك عندي شيء ونحوه) كما لو أجاب بقوله: "لا حقَّ لك قِبَلي" أو "لا تستحق عليَّ شيئًا" (أو) ادَّعى الرد، أو التلف (بعده) أي: بعد جحوده (بها) أي: بالبيِّنة؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البيِّنة ولا يُكذِّبها (٣٠) (وإن مات المودَع و = المغصوبة إذا تلفت عنده فكذلك المودَع إذا امتنع من دفع الوديعة إلى صاحبها بدون عذر وتلفت عنده: فإنه يضمنها، والجامع: أن كلًّا منهما قد أمسك مال غيره بدون إذنه بفعل محرم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المودِع، وحق المودَع من تحايل أحدهما على الآخر. (٢٩) مسألة: إذا ادَّعى زيد وديعة له عند عمرو، فأنكر عمرو قائلًا: "لم تودعني شيئًا"، ثم أثبت زيد بالبيِّنة أنه أودعه، أو أن عمرًا أقرَّ بها عنده، ثم ادَّعى - أي: المودَع - وهو عمرو - أنه ردَّها إلى صاحبها - وهو زيد - أو ادَّعى أنها تلفت عنده قبل جحوده: فإن دعواه بالتلف أو الرَّد لا يقبلان، ولو أثبت - أعني المودَع - بيِّنة على تلفها أو ردِّها، وعليه ضمانها: للتلازم؛ حيث إن المودع - وهو عمرو هنا - مُكذِّب لإنكاره الأول - وهو قوله: "لم تودعني شيئًا" - ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة - التي يجب أن يتحلَّى بها المودَع - فيلزم من ذلك كله: عدم الثقة به، ووجوب الضمان عليه، لتحققه عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحثّ على وضع الودائع عند الثقات. (فرع): إذا شهدت البيّنة بالتلف من الحرز ولم تعيّن وقتًا هل هذا وقع قبل الجحود أو بعده، واحتمل الأمرين: لم يسقط الضمان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الثقة بكلام المودَع؛ نظرًا لتكذيبه نفسه: أن الضمان متحقق عليه، وهذا لا ينتفي بأمر متردد فيه. (٣٠) مسألة: إذا ادَّعى زيد أنه أودع عمرًا وديعة، فأنكر عمرو ذلك قائلًا: "ما لك=

стр. 1967

(ادَّعى وارثه الرَّد منه) أي: من وارث المودع لربِها (أو من مورِّثه) وهو المودَع (لم يُقبل إلّا ببيِّنة)؛ لأن صاحبها لم يأتمنه عليها، بخلاف المودَع (٣١) (وإن طلب أحد المودِعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم) بلا ضرر: (أخذه) أي: أخذ نصيبه، فيُسلَّم إليه؛ لأن قسمته ممكنة بغير ضرر ولا غبن (٣٢) (وللمستودع، والمضارب، والمرتهن، = عندي شيء" أو قال: "لا حقَّ لك قِبَلي" أو قال: "لا تستحق عليّ شيئًا": فإنه يُقبل قوله في الرَّد والتلف مع يمينه ولو قامت بيّنة على أن عنده لزيد وديعة، أو هو أقربها، ولا ضمان عليه، وكذا: إن ادَّعى المودَع ردَّها إلى صاحبها، أو تلفها بعد أن جحدها بالبيّنة: يقبل قوله في الرد والتلف مع يمينه، ولا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم منافاة قوله لما شهدت به البيّنة ولا يكذبها: قبول قوله مع يمينه وعدم ضمانها؛ لأن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه لا شيء لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئًا. (٣١) مسألة: إذا أودع زيد عمرًا وديعة، فمات المودَع - وهو عمرو فادَّعى وارثه - أي: وارث عمرو - أنه قد ردَّ تلك الوديعة بنفسه إلى زيد، أو ادَّعى وارثه: أن مورِّثه - وهو عمرو - قد ردّ تلك الوديعة بنفسه قبل أن يموت: فإن قول هذا الوارث لا يُقبل إلّا ببيِّنة ودليل على ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون صاحبها - وهو زيد - لم يأتمنه على تلك الوديعة: أن لا يُقبل قوله إلّا ببيِّنة كغيره من الأجانب، بخلاف المودَع نفسه: فإنه يُقبل بقوله في الرَّد والتلف بغير بينة؛ لكونه مأمونًا من قبل المودِع - كما سبق تكرار ذكره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع. (٣٢) مسألة: إذا أودع ثلاثة وديعة عند عمرو: تتكون من مكيل أو موزون لا تتعذَّر قسمته: فطلب أحدهم نصيبه من ذلك المكيل أو الموزون: فإنه يجوز للمودَع - وهو عمرو - أن يُسلِّمه إيَّاه بشرط: أن لا تنقص قيمة الوديعة كلها بتفرقتها بهذه الصورة؛ للقياس؛ بيانه: كما لو أودع زيد عمرًا دراهم، وأودعه بكر دنانير،=

стр. 1968

والمستأجر) إذا غصبت العين منهم (مطالبة غاصب العين)؛ لأنهم مأمورون بحفظها، وذلك منه، وإن صادره السلطان أو أخذها منه قهرًا: لم يضمن قاله أبو الخطاب (٣٣). = وأودعه محمد شعيرًا ثم طلب زيد دراهمه منه: فإنه يُسلمه له، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما حق مشترك، وقسمته ممكنة؛ حيث تميز نصيب كل واحد عن الآخر بغير ضرر ولا غبن علي أحد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل على المودَعين، والمودِعين. (٣٣) مسألة: إذا غُصبت الوديعة من المودَع، وأخذت منه فلا يجب عليه مطالبة غاصبها، ولا ضمان عليه أيضًا، وهذا مطلق، أي: سواء كان الغاصب لها السلطان أو غيره، وسواء أُخذت من المودَع قهرًا، أو إكراهًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الأمر بالمطالبة بها إذا أخذت: عدم وجوب المطالبة بها على المودَع، ويلزم من وجود القهر في أخذها، أو الإكراه: عدم ضمانها لصاحبها؛ لأن القهر والإكراه عذر يسقطان الضمان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب على المودَع المطالبة بها وضمانها لو سرقت الوديعة أو غُصبت: لأفضى إلى امتناع الناس عن أن يقبلوا الودائع عندهم؛ لأن الوديعة معرَّضة لذلك، وبهذا يتضرّر المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك: شرع ما ذكر هنا، فإن قلت: يجب على المودَع أن يُطالب من غصبها في هذه الحالة، وإن صادرها السلطان، أو أخذها منه: لا يضمنها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من الأمر بحفظ الوديعة: الأمر بالمطالبة بها إذا غُصبت؛ لأن المطالبة بها من حفظها قلتُ: لا يُسلَّم أن الأمر بحفظها يلزم منه المطالبة بها إذا غُصبت؛ لكون المطالبة بها تتضمن مشقّة تُنفِّر الناس من قبول ودائع الآخرين، وهذه مفسدة، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة والتلازم الذي ذكرناهما" كما هو واضح. هذه آخر مسائل باب "الوديعة" ويليه باب "إحياء الموات".

стр. 1969

باب إحياء الموات بفتح الميم والواو (وهي) مشتقة من الموت، وهو: عدم الحياة، واصطلاحًا (الأرض المنفكّة عن الاختصاصات، وملك معصوم) بخلاف الطرق، والأفنية، ومسيل المياه والمحتطبات، ونحوها، وما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية، أو غيرهما، فلا يُملك شيء من ذلك بالإحياء (١) (فمن أحياها) أي: الأرض الموات: (ملكها)؛ لحديث جابر يرفعه: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" رواه أحمد، والترمذي، باب إحياء الموات وفيه أربع وعشرون مسألة: (١) مسألة: الإحياء لغة: جعل الشيء حيًا: ذا قوة حساسة أو نامية، والموات: لغة مشتقة من الموت، وهو: عدم الحياة، والموات: الأرض التي لم تعمر، ولم تكن حريمًا لشيء معمور، والمراد بـ "إحياء الموات" اصطلاحًا: "أن يقوم شخص باستصلاح أرض منفكَّة عن الاختصاصات، وعن ملك معصوم وذلك لزراعتها أو البناء عليها" فلفظ: "شخص" عام شامل للمكلف ولغيره - كما سيأتي بيانه - وعبارة: "المنفكة عن الاختصاصات" فيها بيان اشتراط: أن تكون تلك الأراض المراد استصلاحها وامتلاكها: لا تختص بشيء عام يخدم المسلمين كأن تكون طريقًا للمسلمين، أو فناء لهم يجتمعون فيها في وقت الصيف، أو الشتاء، أو موضعًا لمسيل الأمطار، أو موضعًا لأخذ حطبهم، أو حشيشهم، أو موضعًا لدفن موتاهم أو لصلاة عيدهم وجنائزهم، ومأخذ طينهم، فإن كانت الأرض تستخدم لذلك: فلا يجوز امتلاكها بالإحياء، وعبارة: "وعن ملك معصوم" فيه بيان اشتراط أن تكون تلك الأرض المراد استصلاحها وامتلاكها: لا يملكها معصوم من المسلمين أو الكفار بشراء، أو عطية، أو إرث، أو نحو ذلك أو كانت حريم لبئر وعين أحد، ولو كان ملكًا قديمًا: فلا يجوز امتلاكها بالإحياء.

стр. 1970

وصحَّحه، وعن عائشة مثله، رواه مالك، وأبو داود، وقال ابن عبد البر: هو مسند صحيح متلقَّى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم (من مسلم وكافر) ذمي، مكلف وغيره؛ لعموم ما تقدَّم، لكن على الذمي خراج ما أحيا من موات عنوة (بإذن الإمام) في الإحياء (وعدمه)؛ لعموم الحديث، ولأنها عين، مباحة، فلا يفتقر ملكها إلى إذن (في دار الإسلام وغيرها) فجميع البلاد سواء في ذلك (والعنوة) كأرض الشام، ومصر والعراق (كغيرها) مما أسلم أهله عليه، أو صولحوا عليه (٢) إلا ما أحياه (٢) مسألة: يُباح إحياء الأرض الميتة التي لا مالك لها، ولا ينتفع بها عامة المسلمين، فيقوم الشقص بإحيائها بالسقي، أو الزرع أو الغرس، أو البناء، أو بالتحويط، وبذلك يملكها ملكًا حقيقيًا؛ سواء كان ذلك الشخص مسلمًا أو كافرًا ذميًا، وسواء كان مكلفًا أو لا، وسواء أذن الإمام أو نائبه، أو لا، وسواء كانت تلك الأرض في دار الإسلام، أو دار حرب، وسواء كانت قد فُتحت عنوة، أو صلحًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وهذا عام؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل المسلم والكافر الذمي، والمكلف وغيره ومن أذن له أو لا، وأطلقت الأرض فشملت الأرض المفتوحة عنوة، أو صلحًا، وشملت أرض الإسلام، وأرض الكفار، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن أخذ الحشيش والحطب لا يحتاج إلى إذن الحاكم أو نائبه، فكذلك إحياء الأرض وأخذها لا يحتاج إلى ذلك والجامع: أن كلًّا منها عين مباحة، والعين المباحة لا تفتقر ولا تحتاج إلى إذن أحد، فإن قلت: لِمَ شُرع إحياء الموات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثّ على إعمار بلاد المسلمين بالزراعة والغراس النافع للمسلمين، (فرع): إذا قام الذمي بإحياء أرض من أراضي المسلمين فيجب عليه إعطاء خراجها لإمام المسلمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأرض للمسلمين: أن لا تُقرُّ في يد غيرهم بدون خراج، مثلها مثل الأرض غير الموات.

стр. 1971

مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج (٣) (ويُملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلّق بمصلحته)؛ لعموم ما تقدم، وانتفاء المانع، فإن تعلّق بمصالحه كمقبرة، وملقى كناسة ونحوهما: لم يُملك (٤)، وكذا: موات الحرم وعرفات لا يملك بالإحياء (٥)، وإذا وقع في الطريق وقت الإحياء نزاع فلها سبعة أذرع، ولا تغيّر بعد (٣) مسألة: لا يجوز لمسلم أن يحيي أرضًا من أراضي الكفار الذين صولحوا على أن تلك الأراضي لهم، ويُسلِّموا لنا الخراج؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك الصلح واقع في بلادهم، والموات واقع فيها أيضًا فيلزم: عدم جواز التعرّض لشيء منها؛ لأن فيه خرقًا لعقد الصلح، وهذا لا يحسن من المسلمين. (٤) مسألة: يجوز أن يُملك بالإحياء كل ما قرب من عامر أو قرب من مملوك بشرط: أن لا يتعلَّق به مصلحة العامر والمملوك، فإن تعلَّق به مصلحته، كمدفن موتي القرية وموضع قماماتها، وفنائها، ومرعى ماشيتها، وموضع احتطابها، وطرقها، ومسيل مائها، وحريم النهر، والبئر، والعين، وملقى آلات الشخص أمام بيته: فإن هذا لا يُملك بالإحياء، ويُرجع في معرفة القرب والبعد إلى العرف والعادة عند أهل كل قرية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وهذا عام؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل ما قرب من العامر والمملوك وما بعد، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث أقطع ﷺ بلال بن الحارث العقيق وهو من عمارة المدينة، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما يجوز إحياء البعيد عن العامر والمملوك، فكذلك يجوز إحياء القريب منه والجامع: عدم المانع في كل، الرابعة: المصلحة: حيث إن إحياء ما تعلَّقت به مصلحة العامر والمملوك يُفسد ذلك العامر والمملوك على أهله الذي هم أحق بالمراعاة؛ لكونهم أسبق، لذلك اشتُرط ذلك الشرط؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. (٥) مسألة: لا يملك بالإحياء الأراضي التي هي حول الحرم المكّي، وأراضي أداء المناسك كعرفات ومنى، ومزدلفة، والطرق الواسعة المودِّية إليها؛ للمصلحة: حيث =

стр. 1972

وضعها (٦)، ولا يُملك معدن ظاهر كملح، وكحل وجص بإحياء، وليس للإمام إقطاعه (٧)، وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يُحيى بالبناء؛ لأنه يردُّ الماء إلى الجانب = إن ذلك فيه تضييق في أداء الناس لمناسكهم في الحج والعمرة، والناس فيه سواء، فدفعًا لمفسدة هذا التضييق: شرع ذلك؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. (٦) مسألة: إذا أراد شخص إحياء أرض موات، ووقع نزاع في سعة الطريق منها وقت الإحياء: فإنه يوضع سبعة أذرع بذراع يد الرجل المتوسط، ولا تُغير الطرق بعد وضعها أول مرة ولو زادت على سبعة إلّا عند حاجة المسلمين لذلك، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" وهو نص في المسألة، الثانية: المصلحة: حيث إن الطرق لمصلحة المسلمين العامة، فلا يجوز لواحد منهم أو لطائفة تغيير الطرق لمصلحتها الخاصة؛ لأن ذلك فيه مفسدة، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أما إذا احتاج عامة المسلمين تغيير طريق من الطرق فلهم ذلك إذا اقتضت الضرورة، والضرورة والحاجة يقدرها أصحاب العقول المتوسطة من العلماء، ولا يعتمد في ذلك على المتشددين المغالين، ولا على المتساهلين. (٧) مسألة: كل شيء ينتفع به عامة المسلمين أو أكثرهم وهي المعدن إذا كان ظاهرًا قبل الإحياء مثل: الأرض التي فيها الملح، أو الكبريت، أو القار، أو النفط، أو الكحل، أو الذهب، أو الفضة، أو الحديد، أو الرصاص، أو فيها مقاطع جص أو طين، ونحو ذلك: فإن ذلك لا يُملك بالإحياء، ولا يحق للإمام أو نائبه أن يقطعها لأحد، بل تبقى ينتفع بها سائر المسلمين؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الطرق التي يمشي عليها المسلمون، ومشاريع المياه لا تملك بالإحياء، لا يجوز للإمام إقطاعها لأحد فكذلك المعادن الظاهرة، والجامع: أن كلًّا منهما يتعلَّق به مصالح المسلمين العامة، الثانية: المصلحة: حيث إن هذه الأشياء لو ملكها =

стр. 1973

الآخر فيضرُّ بأهله، وينتفع به بنحو زرع (٨)، (ومن أحاط مواتًا): بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت العادة به: فقد أحياه، سواء أرادها للبناء أو غيره؛ لقوله ﵇: "من أحاط حائطًا على أرض: فهي له" رواه أحمد وأبو داود عن جابر (٩) = أحد بالإحياء والإقطاع: للحق عامة المسلمين ضرر وضيق؛ لأن هذا الشخص الذي ملكها بالإحياء، أو الذي أقطع سيمنع الناس من الانتفاع منها، وإن أخذ العوض عنه: فإنه سيغليه عليهم وهذا فيه مفاسد لا تُعدُّ ولا تحصى. (فرع): المعادن إذا كانت باطنة فحفرها إنسان، وأظهرها: فإنه لا يملكها بالإحياء، ولا يحق للإمام إقطاعها لأحد؛ قياسًا على الطرق ومشاريع المياه، والجامع: أن كلًّا منها يتعلَّق به مصالح المسلمين العامة. (٨) مسألة إذا نضب الماء وامتنع عن بعض جزيرة، أو غار ماء عن ساحل من سواحل بحر، أو نهر: فلا يحيى بالبناء عليه بيوتًا، بل ينتفع بالأرض التي انحسر الماء عنها بزرعها أو غرسها ونحو ذلك؛ للمصلحة: حيث إن الماء لو عاد مرة أخرى فإنه سيرده البناء، ثم سيرجع إلى الجهة الأخرى فيُضر بأهلها، فدفعًا لذلك: شرع عدم البناء عليه. (٩) مسألة: إذا قام شخص بتحويط أرض موات إحياءً لها: بأن يُدير حولها حائطًا منيعًا بما جرت عادة الناس به: فإنه يملكها بالإحياء: سواء أرادها للبناء، أو للزرع، أو حظيرة للغنم، أو الحطب أو للخشب أو نحو ذلك من الانتفاعات؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "من أحاط حائطًا على أرض فهي له" وهو نص في المسألة؛ لأن اللام في قوله: "له" للتمليك، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين. (فرع): صفة الإحياء بالبناء: أن يكون الإحياء بشيء يمنع الدخول فيه على حسب العادة والعرف، ويختلف ذلك باختلاف البلدان وأعرافهم وعاداتهم، فبعضهم لا يتم الإحياء إلّا بالبناء بحجر، وبعضهم بالطين وبعضهم بالخشب، أو القصب، وإن بناه بشيء أعلى وأقوى =

стр. 1974

(أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء): فقد أحياه (أو أجراه) أي: الماء (إليه) أي: إلى الموات (من عين ونحوها، أو حبسه) أي: الماء (عنه) أي: عن الموات إذا كان لا يزرع معه؛ (ليزرع: فقد أحياه)؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من الحائط، ولا إحياء بحرث وزرع (١٠) (ويملك) المحيي (حريم البئر العادية) بتشديد الياء، أي: القديمة، = مما جرت به عادتهم فهو أولى؛ للتلازم والمصلحة؛ حيث إن كل شيء ورد الشرع به وأطلقه: يلزم منه الرجوع إلى أعراف الناس وعادتهم، كما شرع القبض، والحرز، وقليل الدم الناقض للوضوء وكثيره، وقليل الحركة في الصلاة وكثيرها، ونحوها، ولم يبين مقدار ذلك كله، فرجع فيه إلى عرف متوسطي العقلاء من الناس، ولا يؤخذ رأي المتشددين، ولا المتساهلين في ذلك، وهذا من تيسير الإسلام وسعته المقصودة؛ لطفًا بالمسلمين ومراعاة لظروفهم وأحوالهم. (١٠) مسألة: إذا حفر شخص بئرًا فوصل إلى الماء، فإنه يكون قد أحياها، وكذلك إذا أجرى الماء من بئره أو نهر إلى أرض موات فقد أحياها، أو كان يزرعها، ثم امتنع: فإنها تبقى على ملكيته بالإحياء، وكذلك: إذا عمد إلى أرض غير صالحة: فقام فأصلحها، وقطع أشجارها، وأبعد حجارتها، ونقَّاها، وحرثها للزرع على ما جرى العرف فيه: فقد أحياها، ومن أحيا أرضًا بأي طريق فقد ملكها بذلك؛ للمصلحة: حيث إن الماء يحصل به الإحياء؛ لأنه بذلك يمكن الانتفاع بالأرض أكثر مما لو حوطها فقط، فإن قلتَ: لا إحياء بمجرَّد حرث أرض أو زرعها فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها، وهذا يلزم منه عدم اعتباره بالإحياء؛ لاحتمال عدم دوامه قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ بل إن حرثها وسقيها وزرعها إحياء لها، وهو أنفع من تحويطها فقط، فإذا كان مجرد تحويطها يُعتبر إحياء لها: فإن حرثها وسقيها وزرعها يُعتبر إحياء لها من باب أولى؛ لكون ذلك أنفع، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة" كما هو واضح.

стр. 1975

منسوبة إلى عاد، ولم يرد عادًا بعينها (خمسين ذراعًا من كل جانب) إذا كانت انطمَّت، وذهب ماؤها، فجدَّد حفرها، وعمارتها، أو انقطع ماؤها فاستخرجه (وحريم البدية) المحدثة (نصفها) أي: خمسة وعشرون ذراعًا؛ لما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب قال: "السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا، والبدي خمسة وعشرون ذراعًا" وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعًا، وحريم شجرة: قدر مدِّ أغصانها، وحريم دار من موات حولها: مطرح تراب، وكناسة، وثلج، وماء ميزاب (١١)، ولا (١١) مسألة مقدار ما يملكه المحيي لأرض موات وهو المسمَّى بـ "الحريم" هو كما يلي: أولًا: إن كانت له بئر قديمة أو كان قد ورثها، فانطمَّت، وتساوت مع سطح الأرض، أو ذهب ماؤها، ثم قام بحفرها وأعادها، وجدَّد عمارتها، أو استخرج ماءها: فإن مقدار ما يملكه هو: خمسون ذراعًا بذراع الرجل المتوسط من كل جهة من جهات البئر الأربع، ثانيًا: إن حفر بئرًا ابتداء، وأحدثها للتمليك، أو لأجل سقي الماشية في أرض موات: فإن مقدار ما يملكه هو: خمسة وعشرون ذراعًا من كل جهة من جهات البئر الأربع، ثالثًا: إن حفر بئرًا للزرع، وأحدثها للتمليك: فمقدار ما يملكه هو: ثلاثمائة ذراع من كل جهة من جهات البئر الأربع، رابعًا: إن غرس شجرة أو نخلة في أرض موات: فمقدار ما يملكه هو: مدُّ أغصانها وجريدها، خامسًا: إن بنى دارًا في أرض موات ليست محفوفة بأملاك آخرين فمقدار ما يملكه هو: مطرح و موضع تراب يحتاجه وموضع قمامة وكناسة أمام تلك دار، ثلج، ومصب ميزاب، وممر إلى بابها، فيحرم على غيره التصرُّف بمثل تلك المقادير؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما قال سعيد بن المسيب: "السنة في حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا من نواصيها كلها، وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا من نواحيها كلها" وهو حديث مرسل - كما جاء في التلخيص (٣/ ٧٢ - والحديث المرسل هذا حجّة عندنا؛ لأنه توفر فيه شروط حجيته - وهو:=

стр. 1976

حريم لدار محفوفة بملك، ويتصرَّف كل منهم بحسب العادة (١٢)، ومن تحجَّر مواتًا: = كونه من رواية سعيد بن المسيب -، ثانيهما: أنه اختصم إلى النبي ﷺ في حريم نخلة: "فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت، فكانت سبعة أذرع، أو خمسة، فقضى بذلك" والشجرة كالنخلة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن صاحب بئر الزرع والغرس يحتاج إلى ما حول ذلك البئر موقفًا لإبله، وغنمه، ودواب سحب الماء، وموضعًا للأحواض التي يجمع فيها الماء لسقي زرعه، ولسقي ماشيته ونحو ذلك، فيحتاج إلى الأذرع الثلاثمائة، أو الخمسين، وما قرب منها لأجل ذلك، وكذلك صاحب الشجرة والنخلة يحتاج إلى مدِّ أغصانها ليتمكّن من تلقيحها، والاستفادة من ظلها، وصاحب الدار يحتاج إلى المرافق التي تجعله يسكن براحة كممر دخوله، ومصب ميزابه، وموضع قمامته ونحو ذلك، ولأجل ذلك شرع ذلك، وهذا مقصد من المقاصد الشرعية، فائدة: المراد بالبئر العادي: القديمة التي أعيدت، وليست منسوبة إلى عاد كما زعم الكثيرون، منهم ابن حجر في التلخيص (٣/ ٧١) - ولو عبَّر المصنف هنا بقوله: "حريم البئر المعادة" لكان أولى، فائدة أخرى: الحريم هو المكان الذي يحرم انتهاكه، لذلك المرأة تسمَّى "حرمة" - كما جاء في المصباح (١/ ١٣٢) -. (١٢) مسألة: إذا بنى شخص دارًا محاطة بدور أخرى: فلا حريم له، أي: لا يملك أكثر من مساحة داره؛ وهو وكل واحد من أصحاب الدور والأملاك المحيطة به يتصرَّف في داره المملوكة له والطريق الذي أمامها على حسب العادة والعرف في ذلك، فإن تعدَّى واحد من المتجاورين: فإن الحاكم يمنعه؛ للمصلحة: حيث إن الحريم ومقدار ما يملكه يُعتبر من المرافق التي يُنتفع بها، ولا يحقُّ له أن ينتفع بأملاك غيره بدون إذنه؛ لما فيه من الضرر على ذلك الغير، فدفعًا لذلك: شرع هذا الحكم من باب: "دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح".

стр. 1977

بأن أدار حوله أحجارًا ونحوها: لم يملكه وهو أحق به، ووارثه من بعده، وليس له بيعه (١٣) (وللإمام إقطاع موات لمن يُحييه)؛ لأنه ﵇ أقطع بلال بن الحارث العقيق (١٣) مسألة: إذا أحاط زيد أرض موات بحجارة، أو بأكوام من التراب، أو بجدار صغير، أو بشوك، بخندق: فإنه لا يملك تلك الأرض بذلك الفعل، ولكنه يكون أحقّ بها من غيره، وإذا مات زيد: فإن وارثه أحق بها بالانتفاع فقط، ولا يجوز لزيد ولا لوارثه بيعها، ويجوز التنازل عنها بعوض، وإن طالت مدَّة إحاطته بذلك - بنحو ثلاث سنين -: فللإمام الحق بأن يُخيّر زيدًا بين أمرين: إما أن يحييها ببناء وسكن بذلك البناء، أو بحفر بئر، أو أن يتركها لغيره يقوم بإحيائها؛ لقواعد الأولى: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما قوله ﷺ : "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به"، فيكون زيد أحق بالانتفاع بذلك، ثانيهما: قوله ﷺ : "من ترك حقًّا أو مالًا فهو لورثته" وحق الانتفاع بتلك الأرض المحاطة كان للمورِّث، فانتقل إلى وارثه، الثانية: التلازم؛ حيث إن لملك يكون بالإحياء الشرعي، فيلزم من عدم وجود الإحياء الشرعي في التحويط بالحجارة وما ذكرها معها: عدم حصول التمليك، ويلزم من عدم الملك: عدم جواز بيعه؛ لأن من شروط البيع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، ويلزم من كون حق الانتفاع له: جواز التنازل عن هذا الانتفاع بعوض؛ لأنه من حقه؛ لسبقه إليه، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن زيدًا لو وقف في طريق ضيق، أو مجمع ماء يسقي منه الناس، لا هو انتفع ولا جعل الناس ينتفعون فإن السلطان والإمام يجبره بأن ينتفع، أو يتنحَّى ويجعل الآخرين ينتفعون فكذلك الحال هنا يجبره الإمام بأن يحيي تلك الأرض إحياء شرعيًا، أو يتركها لغيره يحييها والجامع: أن كلًّا منهما ضيَّق على الناس في حق مشترك بينهم، وهذا كله من أجل نفع الناس، ودفع المفاسد عنهم، وهو المقصد منه.

стр. 1978

(ولا يملكه) بالإقطاع، بل هو أحق من غيره، فإذا أحياه: ملكه (١٤)، وللإمام أيضًا إقطاع غير موات؛ تمليكًا وانتفاعًا؛ للمصلحة (١٥) (و) له (إقطاع الجلوس) للبيع (١٤) مسألة: يجوز للإمام: أن يقطع ويُعطي أرض موات لكل شخصٍ قادرٍ على إحيائها بالزرع، أو البناء الشرعي، فإذا قام هذا المعطى بإحياء تلك الأرض: فإنه يملكها شرعًا، له حق بيعها، فيكون مالكًا لها بالإحياء، لا بالإقطاع، أما إذا لم يقم بإحيائها: فلا يملكها، ولكنه يكون أحق بها من غيره، ويأخذ الإمام ما لم يقدر على إحيائه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ : "قد اقطع بلال بن الحارث العقيق" و "أقطع وائل بن حجر أرضًا في حضرموت"، الثانية: قول وفعل الصحابي: حيث "إن عمر وعثمان قد أقطعا بعض الصحابة"، وقال عمر لبلال بن الحارث - الذي أقطعه الرسول ﷺ "لم يقطعك لتحجبه عن الناس، إنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي" وهذا يلزم منه: أن الشخص المقطع أحق من غيره بتلك الأرض المقطعة له، وأولى بإحيائها، ويلزم أيضًا: أنه لا يملكه بالإقطاع؛ لأنه لو ملكه به: لما جاز استرجاعه منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من أخذ الناس للمساحات الكبيرة من الأراضي إلا إذا قدروا على إحيائها بزرع أو بناء شرعي، ومنع للحكّام أن يعطوا الآخرين تلك المساحات، بل يُعطى كل شخص ما يقدر على إحيائه. (١٥) مسألة إذا رأى الإمام أن المصلحة تقتضي إقطاع أرض غير موات لشخص من الناس: بأن كانت لشخص فعجز عن إحيائها وأخذها الإمام وكانت ملكًا لبيت المال، فيعطيها الإمام ذلك الشخص: فإنه يجوز له ذلك، ويكون المقطع مالكًا بشرط: أن يكون ذلك الشخص المعطى ممن يخدمون الإسلام والمسلمين بغير رزق، أو رزقه قليل كالعلماء الذين ينشرون العلم بتعليمه، وبالتأليف فيه، والجند الذين ينشغلون بنشر الأمن في البلاد، ويُدافعون عنها إن لزم الأمر؛=

стр. 1979

والشراء (في الطرق الواسعة) ورحبة مسجد غير محوطة (ما لم يضر بالناس)؛ لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه فضلًا عمّا فيه مضرّة (ويكون) المقطع (أحقّ بجلوسها)، ولا يزول حقه بنقل متاعه منها؛ لأنه قد استحق بإقطاع الإمام، وله التظليل على نفسه بما ليس ببناء بلا ضرر، ويُسمَّى هذا: إقطاع إرفاق (١٦) (ومن غير إقطاع) للطرق الواسعة والرحبة غير المحوطة الحق (لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال) جزم به في "الوجيز"؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فلم يمنع، فإذا نقل متاعه: كان لغيره، الجلوس، وفي "المنتهى" وغيره: فإن أطاله: أزيل؛ لأنه يصير كالمالك (١٧) (وإن سبق اثنان) فأكثر إليها، وضاقت: (اقترعا)؛ لأنهما استويا = للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إعانة للمعطى والمقطع على عملهم في نشر الإسلام والمسلمين، ولئلا يُذلهم أحد بسبب حاجتهم إليه. وفيه الحث على طلب العلم وتعليمه، والدفاع عن الإسلام بالقلم والسلاح. (١٦) مسألة: يجوز للإمام أن يُقطع ويُعطي مواضع يجلس فيها البائعون، ويضعون فيها بضائعهم، وذلك في الطرق الواسعة، وجوانب المساجد وساحاته غير الداخلة فيه، وهذا المقطع أو المعطى أحق بذلك، ولو ذهب شخص عن الموضع الذي أُقطع إياه فترة ثم عاد: فهو أحق به، وله أن يضع على هذا الموضع الذي أُقطع إياه ما يُضلِّله به من حر الشمس من كساء ونحوه، ولا يبني عليه وهو المسمَّى بـ "إقطاع إرفاق" إقطاع نفع، ولكن هذا يكون بشرط وهو: أن لا يلحق عامة الناس ضرر في هذا الإقطاع، فإن لحق بهم ذلك: فلا يجوز للإمام أن يفعل ذلك، وما فُعل وضرَّبهم: فإنه يزال؛ للمصلحة: حيث إن هذا الإقطاع فيه جلب مصلحة للبائعين، وللمشترين؛ حيث إنه يكون قريبًا منهم والمقطع أحق به؛ لكون الإمام هو الذي أقطعه، واشتُرط عدم الضرر على عامة الناس؛ لأنه "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" كما قال ﷺ ، والضرر يُزال. (١٧) مسألة: إذا سبق شخص إلى موضع في الطرق الواسعة، والرحبة، والساحات=

стр. 1980

في السبق، والقرعة مميزة (١٨)، ومن سبق إلى مباح: من صيد، أو حطب، أو معدن ونحوه: فهو أحق به، وإن سبق إليه اثنان: قُسِّم بينهما (١٩) (ولمن في أعلى الماء المباح) = غير المملوكة، فجلس فيه للبيع من غير إقطاع فهو أحق به، وإن طال جلوسه فيه، فإن نقل متاعه وبضاعته وأخلى الموضع: فإن لغيره الجلوس فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" وهذا عام؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل كل شخص ولو لم يقطعه الإمام، وهذا سابق إلى ذلك المجلس فيكون أحق به من غيره، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تركه للموضع، والمكان، وعدم إقطاع الإمام له: أن غيره له حق في الموضع والمكان إذا تركه الأول، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين، فإن قلت: إن هذا الجالس إذا أطال الجلوس فإنه يُزال، ويُمنع ويُقام، وهو ما ذكره بعض الحنابلة؛ للتلازم؛ حيث إن إطالته تلك تجعله كالمتملك لذلك، ويختص بنفع يساويه فيه غيره في استحقاقه قلت: هذا غير مسلَّم؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم كالسابق في الجلوس في المسجد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية" كما هو واضح هنا. (١٨) مسألة: إذا وصل شخصان - فأكثر - إلى موضع ومكان في وقت واحد، ولم يتمكّنا من الجلوس فيه معًا؛ نظرًا لضيقه: فإنهما يقترعان، فمن خرجت له القرعة: يكون أحق به؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن الرسول ﷺ كان يقرع بين نسائه للخروج معه في غزواته؛ فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن القرعة هي الحكم إذا تساوت الحقوق وازدحمت؛ لأنه ليس أحدهما بأولى في المكان من الآخر. (١٩) مسألة: إذا وصل شخص - قبل الآخرين - إلى شيء مباح كصيد، أو حطب، أو معدن كملح قليل، أو ثمر مباح، أو لقاط نخل، أو حب زرع مرغوب عنه: فإن=

стр. 1981

كماء مطر (السقي، وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه) فيفعل كذلك، وهلمَّ جرَّا، فإن لم يفضل عن الأول، أو من بعده شيء: فلا شيء للآخر؛ لقوله ﵇: "اسق يا، زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر" متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: نظرنا إلى قول النبي ﷺ : "ثم احبس الماء حتّى يصل إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين، فإن كان الماء مملوكًا: قسَّم بين الملاك بقدر النفقة والعمل، وتصرَّف كل واحد في حصته بما شاء (٢٠) (وللإمام دون = هذا الشخص هو الأحق به، وإن وصل إليه اثنان - فأكثر - في وقت واحد: فإنه يُقسِّم بينهما بالتساوي ولا تستعمل القرعة هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهو الحديث السابق في مسألة، (١٧)، الثانية: التلازم؛ حيث إنهما قد اشتركا في السبب وهو تساويهما في الوصول، فيلزم اشتراكهما في الفائدة والمحصَّل. (٢٠) مسألة: إذا وُجد أشخاص ساقيتهم التي تجلب لهم الماء واحدة وتشاحوا: ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان الماء مباح للجميع غير مملوك لأحد كماء المطر، أو النهر الصغير: فإن الشخص الذي في المكان الأعلى يسقي إلى أن يبلغ الماء إلى حدِّ كعب قدمه - وهو العظم البارز في أسفل الساق -، ثم يترك الماء إلى من بعده، فإذا بلغ الماء إلى حد كعب قدم الثاني: فإنه يرسله إلى من بعده وهكذا، فإن لم يفضل عن الأول شيء فلا شيء لمن بعده، وإن لم يفضل عن الثاني شيء: فلا شيء لمن بعده وهكذا؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر" والجدر يختلف بالطول والقصر لذلك قاس السلف - كالزهري وغيره - ما وقعت فيه القصة فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارًا ومقاسًا لاستحقاق الأعلى والأول من الماء، ثانيًا: إن كان الماء غير مباح للجميع، بل هو مملوك: فإنه يُقسَّم بين مالكيه بقدر النفقة والعمل، وإن حصل تشاح بينهم: فإن الحاكم يقسِّمه بينهم على قدر أملاكهم، ومن ثم يتصرَّف كل واحد في حصته بما شاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل=

стр. 1982

غيره حمى مرعى" أي: أن يمنع الناس من مرعى (لدواب المسلمين) التي يقوم بحفظها كخيل الجهاد والصدقة (ما لم يضرهم) بالتضييق عليهم؛ لما روى عمر أن النبي ﷺ : "حَمى النقيع لخيل المسلمين" رواه أبو عبيد (٢١)، وما حماه النبي ﷺ ليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه (٢٢)، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا عن مرعى موات أو حمى؛ لأنه ﵇: "شرك الناس فيه" (٢٣)، ومن = واحد قد ملك بالعمارة والنفقة: أن يُقسَّم على قدر تلك النفقة، ويلزم من كون الحاكم مسؤول عن الجميع: أن يقسمه بينهم على قدر أملاكهم، ويلزم من انفراد كل واحد بملكه: أن يسقي بحصته من الماء ما شاء من الأرض، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه العدالة في تقسيم الحقوق. (٢١) مسألة: يباح للإمام فقط: أن يحمي مرعى لدواب المسلمين التي يقوم بحفظها كخيل الجهاد والصدقة ونعم الجزية، والبهائم الضالة عن أصحابها، ويمنع الناس من أن يرعوا ماشيتهم فيما حماه بشرط عدم الإضرار بالمسلمين؛ للسنة الفعلية: حيث إنه ﷺ : "حمى النقيع لخيل المسلمين" والدواب غير الخيل مثلها، والنقيع هو: ما يستنقع فيه الماء، وموضع النقيع الذي حماه النبي ﷺ على عشرين فرسخًا من المدينة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة عامة لجميع المسلمين، واشترط عدم الإضرار بعامة المسلمين؛ دفعًا للضرر عنهم، ودفع المفاسد يقدم على جلب المصالح. (٢٢) مسألة: إذا حمى النبي ﷺ كأرض النقيع كما سبق في مسألة (٢١) - لا يجوز لأحد أن ينقضه ولا تغييره إلّا إذا انعدمت الحاجة إليه أما ما حماه من بعده من الخلفاء: فإنه يجوز نقضه وتغييره؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون حمى النبي ﷺ نصًا: عدم جواز نقضه وتغييره، ويلزم من كونه حمى غيره صدر عن اجتهاد: جواز تغييره ونقضه؛ الجواز نقض الاجتهاد. (٢٣) مسألة: لا يجوز أن يأخذ أحد عوضًا من أصحاب الدواب التي ترعى العشب=

стр. 1983

جلس في نحو جامع لفتوى، أو إقراء: فهو أحق بمكانه ما دام فيه، أو غاب لعذر وعاد قريبًا، ومن سبق إلى رباط، أو نزل فقيه بمدرسة، أو صوفي بخانقاه: لم يبطل حقه بخروجه منه لحاجة (٢٤). = من أراض موات أو يأخذه ممن حمى أرضًا مواتًا، ومن أخذ منهم: فإنه يُعزَّر؛ لقاعدتين: الأولى السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والنار، والكلأ" فيلزم من كونهم شركاء في العشب: عدم جواز أخذ أحد ممن رعى بهائمه فيه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تساوي الناس في العشب، والحمى: عقاب من أخذ شيئًا عوضًا عن ذلك؛ لأنه أخذ مالهم بغير حق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من أكل أموالهم بغير حق. (٢٤) مسألة: إذا جلس فقيه أو عالم لفتوى أو إقراء، أو تعليم: فإنه يكون أحق بمكانه ما دام فيه، أو ذهب عنه قليلًا ثم عاد؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به" وهذا عام لهذا ولغيره كما سبق بيانه، وغيابه عنه قليلًا لا يؤثِّر، وهذا داخل فيما سبق، ولا أدري لماذا كرَّره. هذه آخر مسائل باب "إحياء الموات" ويليه باب "الجعالة أو الوعد بالجائزة".

стр. 1984

باب الجعالة بتثليث الجيم، قاله ابن مالك، قال ابن فارس: الجعل، والجعالة، والجعيلة: ما يُعطاه الإنسان على أمر يفعله (وهى) اصطلاحًا: (أن يجعل) جائز التصرف (شيئًا) متمولًا (معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا) كرد عبد من محل كذا، أو بناء حائط كذا (أو) عملًا (مجهولًا مدَّة معلومة) كشهر كذا (أو) مدَّة (مجهولة) فلا يُشترط العلم بالعمل ولا المدة، ويجوز الجمع بينهما هنا، بخلاف الإجارة، ولا تعيين العامل للحاجة (١)، باب الجعالة، أو الوعد بالجائزة وفيه عشرون مسألة: (١) مسألة: الجعالة لغة: تسمية مال يُعطى إياه بسبب عمل يعمله، وشارطه عليه، واصطلاحًا: "أن يجعل شخص جائز التصرُّف مالًا معلوم المقدار لمن يعمل له عملًا معلومًا، أو عملًا مجهولًا في مدَّة معلومة أو مجهولة" وأتي بعبارة: "جائز التصرف" لإخراج جعل غير المكلف، فهذا لا يُعتبر، وأتي بعبارة: "مالًا معلوم المقدار" لبيان اشتراط: كون الجُعْل معلوم المقدار لمن سيُعطى إياه كألف ونحوه، بالوصف أو بالرؤية، وأتي بعبارة "لمن يعمل له عملًا معلومًا أو عملًا مجهولًا" لبيان أنه لا يُشترط في العمل الذي سيعمله المجعول له: أن يكون معلومًا، بل يجوز في المعلوم والمجهول فيجوز أن يقول: "إن رددت عبدي فلانًا فلك كذا" ويجوز أن يقول: "إن خطت ثوبًا فلك كذا"، ولبيان أنه لا يُشترط تعيين المجعول له؛ فيجوز أن يقول: "إن بنيت حائطًا في هذا المكان فلك كذا"، ويجوز أن يقول: "من بنى لي حائطًا في هذا المكان فله كذا"، وأتي بعبارة: "في مدَّة معلومة أو مجهولة" لبيان أنه لا يُشترط في مدَّة العمل: أن تكون معلومة البداية والنهاية: فيجوز أن يقول: "إن رددت عبدي في شهر كذا فلك كذا" ويجوز أن يقول: "من=

стр. 1985

ويقوم العمل مقام القبول؛ لأنه يدلّ عليه كالوكالة (٢)، ودليلها: قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير) وحديث اللَّديغ (٣)، والعمل الذي يؤخذ الجعل عليه (كرد عبد = بني لي حائطًا فله كذا"، وبهذا يُعلم الفرق بين الجعالة والإجارة؛ حيث إن الجعالة لا يُشترط فيها العلم بالعمل، ولا بالمدة، بخلاف الإجارة كما سبق بيانه فيُشترط ذلك، وكذا: عقد الجعالة يجوز ولو لم يعلم العاقد والعامل، بخلاف الإجارة، ومنها: أن الجعالة عقد جائز، والإجارة لازم. (٢) مسألة: إذا بدأ شخص بالعمل بما طُلِب في الجعالة: فهذا يدل على قبوله لهذا العمل، فمثلًا: إذا قال زيد: "من بنى جدارًا لي فله ألف" ثم بدأ عمرو بالبناء: فإنه يكون قابلًا لذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو قال لعمرو: "قد وكَّلتك في كذا" فبدأ عمرو بالعمل بذلك: فإن هذا يدل على قبوله لتلك الوكالة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن العمل فيما طُلب يدلّ على قبوله، وهذا من باب التيسير على الأمة، وهو المقصد منه. (٣) مسألة: الجعالة جائزة عند الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قالوا نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ - وذلك في قصة يوسف وإخوته - فهنا جعل لمن جاء بالمكيال حمل بعير يأخذه مجانًا، فدلَّ على جواز ذلك؛ لأن شرع مَنْ قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا نسخه، وهنا لم يرد شيء ينسخه فلزم جوازه، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حيًا من أحيا العرب، فلم يقروهم - أي: يضيفوهم - فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راق؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل، فبرأ الرجل - وهو سيدهم - فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله ﷺ ، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فضحك، وقال: "وما أدراك أنها رقية؟ خذوها، واضربوا لي فيها بسهم"، فإن=

стр. 1986

ولقطة) فإن كانت في يده فجعل مالكها جعلًا؛ ليردَّها: لم يُبح له أخذه (٤) (و) كـ = قلت: لِمَ حازت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحاجة تدعو إلى الجعالة؛ حيث إن بعض الناس يُخرج بعض الجوائز والمكافآت التي يقدر عليها لأجل أن يقوم أيُّ شخص لعمل شيء له من رد عبد هارب، أو بناء جدار، أو نحو ذلك كشركة المضاربة، والإجارة: إلا أنها أوسع منهما من حيث عدم تقدير مدَّة، وعدم لزومها وعدم تعيين العامل ونحو ذلك؛ تيسيرًا على الناس، فإن قلت: لا تجوز الجعالة إلّا في ردِّ عبد هارب فقط، وهو قول الحنفية؛ للمصلحة حيث إن الجعالة - كما سبق بيانها - فيها غرر وجهالة؛ حيث إنه يُجهل العمل، والمدة، فقد يكون العمل شاقًا، والأجرة قليلة وقد يكون العكس، وفي ذلك غرر وضرر على العاقدين، فدفعًا لذلك لا تجوز، وإنما صحَّت الجعالة على رد عبد هارب؛ للاستحسان؛ حيث إنه يُستحسن دفع جعل أو جائزة لمن يرد العبد الهارب من سيده. قلتُ: إنه إذا جازت الجعالة في رد العبد فإنها تجوز في غير ذلك من الأعمال بجامع: أن كلًّا منها فيه مصلحة، وما هربتم منه من عدم العلم بالعمل، أو المدَّة فقد وقعتم فيه في الجعالة على ردِّ العبد الهارب؛ إذ يوجد في رد العبد جهالة وغرر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع الكتاب، والسنة التقريرية" فيقدمان عندنا عليها، وأيضًا: "تعارض مع المصلحتين" فعندنا: تقدم المصلحة العامة؛ وهي قضاء قضاء حاجات المسلمين في جواز الجعالة، وهي أعظم منفعة مما قالوا من المصالح. (٤) مسألة: الجعالة مشروعة في شيء لم يكن في يد العامل - أو المعطى للجعل - فمثلًا: لو قال زيد - وهو المالك للعبد - لعمرو - وهو القابض لذلك العبد -: "من ردَّ عبدي فله جُعلا وجائزة": فردَّه عمرو إلى زيد: لم يجز لعمرو أن يأخذ الجعل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول العبد تحت يده بدون جهد أو عقد: عدم جواز أخذه للجعل؛ لكونه أخذه بدون جهد ولانه حاصل قبل العقد، وهو المقصد منه.

стр. 1987

(خياطة وبناء حائط) وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال (فمن فعله بعد علمه بقوله) أي: بقول صاحب العمل: "من فعل كذا فله كذا": (استحقه)؛ لأن العقد استقرّ بتمام العمل (٥) (والجماعة) إذا عملوه (يقتسمونه) بالسوية؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العِوَض فاشتركوا فيه (٦) (و) إن بلغه الجعل (في أثنائه) أي: أثناء العمل (يأخذ قسط تمامه)؛ لأن ما فعله قبل بلوغ الخبر غير مأذون له فيه، فلم يستحق به عوضًا، وإن لم يبلغه إلّا بعد العمل: لم يستحق شيئًا لذلك (٧) (و) الجعالة (٥) مسألة: الجعالة مشروعة في شيء وعمل لم يقع قبل علمه بقول صاحب العمل، فمثلًا: لو قال: "من بنى حائطًا فله ألف" فبناه زيد فإنه يستحق الألف، أما لو بني زيد هذا الحائط قبل علمه بالجعل: فلا يستحق ذلك الجعل - وهو الألف -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الربح في شركة المضاربة يستحقه العامل بعد العقد والاتفاق والاشتغال، ولا يستحقه قبل ذلك فكذلك الحال في الجعالة، والجامع: أن كلًّا من العامل في الجعالة، وشركة المضاربة قد استقر العقد بتمام العمل، فاستحق ما جُعل له، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أن الجعالة لا يستحقها إلّا من عمل بعد قول صاحب العمل، لا ما عمل قبله. (٦) مسألة: إذا قال زيد: "من وجد دراهمي أو من وجد عبدي: فله ألف": فاشترك أربعة وبحثوا عن ذلك فوجد هؤلاء الأربعة كلهم ذلك العبد - مثلًا -: فإنهم يشتركون في الجعل، فكل واحد يأخذ مائتين وخمسين ريالًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراك هؤلاء في العمل اشتراكًا متساويًا: اشتراكهم في العوض - وهو الجعل - اشتراكًا متساويًا؛ لتحقيق العدالة، وهو المقصد الشرعي. (٧) مسألة: إذا قال زيد: "من خاط ثوبًا لي فله مائة"، وبلغ عمرًا هذا القول بعد خياطته لنصفه: فإنه يستحق نصف الجعل، أي يستحق خمسين، أما إن بلغه ذلك بعد الانتهاء من خياطته: فلا يستحق شيئًا؛ للتلازم؛ حيث إن فعله في الخياطة قبل بلوغه غير مأذون له فيه فيلزم عدم استحقاقه عليه عوض، وهذه=

стр. 1988

عقد جائز (لكل) منهما (فسخها) كالمضاربة (٨) (فـ) متى كان الفسخ (من العامل) قبل تمام العمل: فإنه (لا يستحق شيئًا)؛ لأنه أسقط حق نفسه؛ حيث لم يأت بما شُرط عليه (و) إن كان الفسخ (من الجاعل بعد الشروع) في العمل: فـ (للعامل أجرة) مثل عمله؛ لأنه عمله بعوض لم يسلم له، وقبل الشروع في العمل لا شيء للعامل (٩)، وإن زاد أو نقص قبل الشروع في الجعل: جاز؛ لأنها عقد جائز (١٠) (ومع الاختلاف = المسألة داخلة في عموم مسألة (٥). (٨) مسألة: عقد الجعالة عقد جائز من صاحب العمل، ومن المجعول له، فيجوز لكل واحد منهما أن يفسخ متى ما شاء؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ إذ لو كانت عقد لازم: للحق كثيرًا من الناس الحرج والضيق، والتخلُّص من قضاء حاجة الآخرين، وهي بذلك كشركة المضاربة. (٩) مسألة: إذا قال زيد: "من بنى لي حائطًا فله ألف" فبدأ العامل - وهو عمرو - في البناء، ففسخ عمرو وترك البناء قبل تمام البناء: فلا يستحق عمرو شيئًا من ذلك الألف، أما إذا فسخ صاحب العمل - وهو زيد - في هذه الحالة: فإن للعامل - وهو عمرو - أجرة مثل عمله الذي مضى، أما إن فسخ صاحب العمل - وهو زيد - قبل شروع العامل في العمل: فلا شيء لذلك العامل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاط العامل - وهو عمرو - حق نفسه، وهو عدم إتمام العمل: عدم استحقاقه للعوض كله، ويلزم من عمل العامل - قبل فسخ صاحب العمل -: أن يستحق عوضًا على عمله الذي مضى، وهو أجرة مثل عمله، ويلزم من فسخ صاحب العمل قبل شروع العامل في العمل: عدم استحقاق العامل لشيء؛ إذ لم يقع عمل. (١٠) مسألة: يجوز لصاحب العمل أن يزيد وينقص في الجعل، فيجوز أن يقول في أول الأمر: "من فعل كذا فله ألف" ويجوز أن يزيد قائلًا: "فله ألفان" ويجوز أن ينقص قائلًا: "فله خمسمائة" بشرط: أن يكون هذا القول قبل أن يشرع العامل=

стр. 1989

في أصله) أي: أصل الجعل (أو قدره: يُقبل قول الجاعل)؛ لأنه منكر، والأصل: براءة ذمَّته (١١) (ومن ردَّ لُقْطَة أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا بغير جعل) ولا إذن: (لم يستحق عوضًا)؛ لأنه بذل منفعة من غير عوض، فلم يستحقه، ولئلا يُلزم الإنسان لم يلتزمه (١٢) (إلا) في تخليص متاع غيره من هلكة: فله أجرة المثل؛ ترغيبًا وإلا = بالعمل، أما بعد شروعه فلا يجوز النقصان من الجعل، وتجوز الزيادة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الجعالة عقد جائز: جواز الزيادة، أو النقصان قبل بدء العامل بالعمل؛ إذ يستطيع ذلك العامل بأن يفسخ ويرفض العمل بلا عوض، الثانية المصلحة؛ حيث إن نقصان صاحب العمل من الجعل بعد شروع العامل في العمل يُلحق به ضررًا ظاهرًا؛ إذ قبل مشقّة العمل نظرًا لكثرة الجعل، فإذا نقص منه: تضرر، بخلاف ما لو زاد صاحب العمل الجعل: فهو زيادة على حق العامل قد تنازل عنه صاحب العمل. (١١) مسألة: إذا اختلف صاحب العمل - وهو الجاعل - مع العامل بعد الانتهاء من العمل في أصل الجعل بأن قال العامل: إنك جعلت لمن يخيط لك ثوبًا ألفًا فأنكر صاحب العمل - وهو الجاعل - قائلًا: لم أقم بتسمية الجعل - وهو الألف - ولا بيّنة لأحدهما، أو اختلفا في قدر الجعل بأن قال العامل: "إنك جعلت لمن يخيط ثوبًا ألفًا" فأنكر ذلك صاحب العمل قائلًا: "لم أُحدّده بذلك بل حدَّدته بخمسمائة" ولا بيّنة: فإنه يُقبل قول صاحب العمل - وهو الجاعل مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر" وصاحب العمل منكر، فيقبل قوله مع يمينه؛ إذ لا بيّنة للمدعي هنا وهو: العامل، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادات، هي: زيادة التسمية، أو زيادة خمسمائة، فنبقى على هذا الأصل ونعمل به حتى يرد ما يُغيِّر الحالة. (١٢) مسألة: أيُّ شخص يعمل لغيره عملًا بغير عقد، أو جعل أو إذن كأن يقوم بردِّ=

стр. 1990

(دينارًا، أو اثني عشر درهمًا عن ردِّ الآبق) من المصر، أو خارجه، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود؛ لقول ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار: "إن النبي ﷺ جعل في رد الآبق إذا جاء به من خارج الحرم دينارًا) (١٣) (ويرجع) راد الآبق (بنفقته أيضًا)؛ لأنه مأذون في الإنفاق شرعًا؛ لحرمة النفس ومحله إن لم ينو التبرع، ولو هرب منه في = لقطة، أو بهيمة ضالة: فإنه لا يستحق على ذلك أيُّ عوضٍ عن عمله هذا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم من يُلزم بأشياء ومعاوضات وقيم هو لم يلتزم بها، وفيه دفع التحايل على أكل أموال الناس بالباطل، فهو كمن خدم آخر من غير مشارطة، فلا يستحق شيئًا. (١٣) مسألة: إذا خلص زيد مال غيره أو متاعه من مهلكة، كأن يخرجه من بحر، أو من دار قد احترقت أو خلصه من لصوص أو ردَّ عبدًا هاربًا إلى سيده: بدون عقد، أو جعل، أو إذن أو شرط من صاحبه: فإن زيدًا يستحق أجرة مثل من يقوم بذلك العمل بالإجارة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حثٌّ وترغيبٌ على حماية أموال الغير من الهلكة، واللصوص، وإحراز لتلك الأموال من الضياع، فإذا عرف كل واحد يقوم بذلك أنه سيُعطى أجرته على ذلك: قاموا بذلك خير قيام، وخُلَّصت أموال الغير مما يهلكها، وبهذا يتكافل ويتعاون المجتمع الإسلامي على حماية بعضهم البعض، فإن قلتَ: إنه يستحق على رد العبد الهارب دينار أو اثنا عشر درهمًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية؛ حيث إن ﷺ قد جعل في رد الآبق إذا جاء به من خارج الحرم دينارًا" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك روي عن عمر، وعلي، وبن مسعود قلتُ: إن الحديث فيه مقال، فلا يُحتج به، أما قول الصحابي، فقد تكلَّم الناس فيه كما قال الإمام أحمد، يقصد: تكلم أهل الحديث فيه كما جاء في المغني (٨/ ٣٢٩) فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في صحة الحديث وقول الصحابي" فعندنا ضعيفان وعندهم: قويان.

стр. 1991

الطريق، وإن مات السيد: رجع في تركته (١٤)، وعُلم منه: جواز أخذ الآبق لمن وجده (١٥)، وهو أمانة بيده (١٦)، ومن ادَّعاه فصدَّقه العبد أخذه (١٧). فإن لم يجد (١٤) مسألة: إذا ردَّ زيد عبدًا هاربًا إلى سيده: فإن جميع ما أنفقه زيد على ذلك العبد أثناء القبض عليه، والسفر به، وإرجاعه إلى سيده يأخذه من سيده إذا نوى أن يأخذ ذلك منه، أما إن نوى التبرُّع بذلك حين القبض عليه وإرجاعه: فلا يستحق شيئًا، وهذا مطلق أي: يأخذ تلك النفقة سواء أوصل زيد ذلك العبد إلى سيده، أو هرب العبد منه قبل الوصول إلى سيده، وسواء وجد السيد حيًا، أو مات السيد: فإنه يأخذ النفقة من ورثة السيد، للمصلحة: حيث إن النفقة في ذلك فيه حفظ مال أخيه المسلم، وفيه التعاون على حفظ حقوق المسلمين؛ إذ لو كانت نفقته ستضيع: لما حفظ أحد مال أحد، ولضاعت مصالح الناس، وتعطَّلت حقوق كثيرة، وبهذا تفسد أموال عظيمة، فلذا أذِن شرعًا في الإنفاق على الأنفس وتؤخذ تلك النفقات من مال صاحب المنفق عليه وإن لم يأذن صاحبه، وقد أشار ابن القيم إلى ذلك وأطال فيه. (١٥) مسألة: يجوز لأي مسلم أن يأخذ العبد الهارب إذا وجده، للمصلحة: حيث إن العبد لا يُؤمن منه أن يلتحق بدار الحرب، وأن يرتد عن الإسلام، أو اشتغاله بالفساد، فدفعًا لذلك: جاز لأي شخص أن يأخذه؛ لمنعه ذلك. (١٦) مسألة: إذا أخذ زيد ذلك العبد الهارب: فهو أمانة بيده تطبَّق عليه أحكام الأمانة والوديعة وهي إن تلف من غير تفريط ولا تعد: فلا ضمان عليه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حث على حفظ أموال الآخرين عن الضياع، فلو ضمن آخذه إذا تلف: لما أخذه أحد؛ لئلا يضمنه لو تلف. (١٧) مسألة: إذا أخذ زيد ذلك العبد الهارب، ثم ادعاه قائلًا: عمرو: "إنه عبدي، وأنا سيده": فإن زيدًا يجب أن يدفعه إليه بأحد شرطين: أولهما: أن يقيم عمرو بيّنة تدل على أنه عبده ثانيهما: أو أن يعترف العبد بأن عمرًا سيده؛ للتلازم؛ حيث إن=

стр. 1992

سيده: دفعه إلى الإمام أو نائبه؛ ليحفظه لصاحبه (١٨)، وله بيعه؛ لمصلحة (١٩)، ولا يملكه ملتقطه بالتعريف كضوال الإبل، وإن باعه: ففاسد (٢٠). = البينة، أو الاعتراف تثبت الحقوق فيلزم دفعه لمن أوجد أحدهما. (١٨) مسألة: إذا لم يجد زيد الآخذ للعبد الهارب صاحبه - أي: سيد العبد - فيجب عليه أن يدفعه ويُسلِّمه إلى الإمام، أو نائبه - وهو القاضي -؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تخلُّص منه، والإمام أو نائبه مسؤول عن عموم المسلمين في هذا وفي غيره، ولأن بيده سلطة عليه وعلى سيده. (١٩) مسألة إذا رأى زيد - وهو الآخذ للعبد الهارب من سيده - أن المصلحة تقتضي بيع ذلك العبد الذي أخذه كأن يكون فاسدًا، أو لا يصلح بأن يختلط مع حاشيته أو نحو ذلك: فله بيعه؛ ويحتفظ بثمنه لسيده ويكون أمانة بيده حتى يجده، وإن لم يجده: فإنه يتصدَّق به لسيده؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة قد تصدر منه إلى بعض حاشية من وجده. (٢٠) مسألة: إذا لم يجد زيد سيد العبد الذي أخذه وعرَّفه، وسأل عن صاحبه فلم يجده: فإنه لا يملكه بعد أن لم يجد صاحبه، ولا يجوز له بيعه لغير مصلحة، فإن باعه في هذه الحالة: فبيعه فاسد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الناقة الضالة لا يملكها من وجدها بتعريفها، ولا يجوز له بيعها لغير مصلحة فكذلك: العبد، والجامع: أن كلا منهما يحتفظ بنفسه، ويستطيع حماية نفسه، الثانية: التلازم؛ حيث إن بيعه لغير مصلحة تصرف فضولي، فيلزم بطلانه وفساده. هذه آخر مسائل باب: "الجعالة، أو الوعد بالجوائز" ويليه باب: "اللُّقطَة".

стр. 1993

باب اللُّقَطَة بضم اللام وفتح القاف، ويُقال: لُقاطة - بضم اللام، و "لَقَطه" - بفتح اللام والقاف - (وهي مال، أو مختص ضلَّ عن ربِّه) قال بعضهم: وهي مختصّة بغير الحيوان، ويُسمَّى ضالة (١) (و) يُعتبر فيما يجب تعريفه: أن (تتبعه همَّة أوساط الناس) بأن يهتموا في طلبه (٢) (فأما الرغيف والسوط) وهو الذي يُضرب به، وفي "شرح المهذب" هو: فوق القضيب ودون العصا (ونحوهما) كشسع النعل (فيملك) باب اللُّقَطَة وفيه أربع وعشرون مسألة: (١) مسألة: اللُّقطة - بضم اللام وفتح القاف أو سكونها - لغة هو: اسم للشيء الذي تجده مُلقى فتأخذه، وهو قول الأزهري - كما في المصباح (٥٥٦) -، وهي في الاصطلاح: كل مال ضائع عن صاحبه يلتقطه غيره - غير الحيوان" أي: أن زيدًا لو وجد زمرة من مال أو متاعًا أو نحو ذلك: فأخذه والتقطه: فهو لقطة، فإن قلت: لِمَ استثني الحيوان هنا؟ قلتُ: لأنها تسمَّى ضوال، ولا تسمَّى لقطة، وسيأتي بيانه. (٢) مسألة: الشيء الذي يجب تعريف الناس عليه إذا التقط للبحث عن صاحبه هو: الذي يبحث عنه ويطلبه ويهتم به ويحرص عليه أوساط الناس، فأما أشرافهم وأعلاهم منزلة، فمعروف أنهم لا يهتمون بالبحث عن مثل ذلك، وأما أقلّ الناس وأسقاطهم فهم يهتمون ويبحثون عن كل شيء، فهؤلاء لا يُعتبر ما فعلوه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اهتمام أوساط الناس بهذا الشيء والبحث عنه: أن يكون له قيمة يستحق البحث عنها فهذا يستحق أن يُعرَّف عليه، ويصبر على المشقة التي تكون بسبب ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية وحفظ حقوق الناس.

стр. 1994

بالالتقاط (بلا تعريف) ويُباح الانتفاع به؛ لما روى جابر قال: "رخَّص رسول الله ﷺ في العصا، والسوط، والحبل يلتقطه الرجل ينتفع به" رواه أبو داود، وكذا: التمرة، والخرقة، وما لا خطر له ولا يلزمه دفع بدله (٣) (وما امتنع من سبع صغير) كذئب ويرد الماء (كثور وجمل ونحوهما) كالبغال، والحمير، والضباء، والطيور، والفهود، ويُقال لها الضوال، والهوامي، والهوامل: (حرم أخذه)؛ لقوله ﷺ لما سئل عن ضالة الإبل -: "ما لك ولها؟ معها سقاؤها، وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" متفق عليه، وقال عمر: "من أخذ الضالة: فهو ضال" أي (٣) مسألة: الشيء الذي لا يجب تعريف الناس عليه إذا التُقط للبحث عن صاحبه هو: الشيء اليسير الذي لا يهتم ولا يعتني به أحد عادة إلا النوادر، فإذا التقطه أحد: فإنه يملكه بذلك وينتفع به ولا يُعرِّف به مثل: السوط الذي يُضرب به، والرغيف الواحد، وشسع النعل - وهو سيره -، والتمرة، والقطعة من القماش؛ ولو وُجد صاحبه لا يلزم اللاقط دفع بدله؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قال جابر "رخَّص رسول الله ﷺ في العصا، والسوط، والحبل يلتقطه الرجل ينتفع به" وهذه الأشياء يُلحق بها غيرها مما لا يُهتم به أحد، من باب مفهوم الموافقة؛ لعدم الفارق، وهذا الترخيص يلزم منه عدم ضمانه ببدله، ولا نحو ذلك: ثانيهما: أنه ﷺ لما رأى تمرة بالطريق قال: "لولا إني أخاف أن تكن من الصدقة لأكلتها" وهذا يدل على أن مثل ذلك لا يُعرَّف بها، وهي تملك، بدون بدل؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن أُبي بن كعب قد صوَّب رجلًا قد التقط سوطًا ولم يُعرف به، الثالثة: العادة والعرف؛ حيث إن مثل هذه الأمور الصغيرة لم تجر عادة المسلمين بالتعريف عليها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الإذن بالانتفاع بما يُوجد من الصغائر في الطرق والممرات بدون حرج.

стр. 1995

مخطئ، فإن أخذها: ضمنها (٤)، وكذا: نحو حجر طاحون، وخشب كبير (٥) (وله (٤) مسألة: لا يجوز أخذ الضوال من البهائم التي تمتنع عادة من السباع الصغيرة - كذئب وثعلب - وتدافع عن نفسها وترد الماء وتأكل الشجر بنفسها مثل: الإبل، والبقر، والثور، والبغال، والحمير، والظباء، والطيور، والفهود، ونحو ذلك من الضوال، والماشية بلا راع - وهي الهوامي، والهوامل - مما هو قادر على الدفاع عن نفسه، بل تُترك حتى يجدها صاحبها، وإذا أخذها شخص: فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لما سئل عن ضالة الإبل -: "ما لك ولها؟ معها سقاؤها، وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربُّها" فقد أنكر ﷺ على السائل أخذ الإبل؛ لأن الاستفهام هنا إنكاري، وغير الإبل مما يمتنع عن السباع الصغيرة ويرد الماء ويأكل الشجر كالبقر والحمير ونحوها مثل الإبل؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الغاصب إذا غصب شيئًا: فإنه يضمنه إذا تلف فكذلك الآخذ لهذه الضوال يضمنها إذا تلفت عنده، والجامع: أن كلًّا منهما منهي عن أخذه، وله قيمة، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "من أخذ الضالة: فهو ضال" أي: ضل وأخطأ بأخذها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: حماية أملاك الآخرين من الاعتداء عليها. (فرع): إذا غلب على ظن شخص: أن تلك الضوال ستهلك بسبب وجودها في أرض فيها سباع كبيرة، أو كانت قريبة من ديار الكفار، أو في موضع كثر فيه قطاع الطرق والفساق الذين يستحلّون أموال المسلمين، أو كانت في برِّية لا ماء فيها ولا مرعى: فإنه يجوز لهذا الشخص أن يأخذ تلك الضوال، ولا ضمان عليه فيما لو هلكت؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إنقاذها، وحمايتها من الهلكة الغالبة على الظن. (٥) مسألة: لا يجوز أخذ الأشياء الكبيرة التي تحتفظ بنفسها، ولا تضيع عن صاحبها، ولا تزول عن مكانها عادة كحجر الطاحون - وهو الرَّحى -، وخشب كبير،=

стр. 1996

التقاط غير ذلك) أي: غير ما تقدَّم من الضوال ونحوها (من حيوان) كغنم، وفصلان، وعجاجيل، وأفلاء (وغيره) كأثمان ومتاع (إن أمن نفسه على ذلك) وقوي على تعريفها؛ لحديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل النبي ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها، وعفاصها ثم عرَّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر، فادفعها إليه" وسأله عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" متفق عليه مختصرًا، والأفضل تركها؛ روي عن ابن عباس وابن عمر (وإلا) يأمن نفسه عليها: (فهو كغاصب) فليس له أخذها؛ لما فيه من تعريض مال غيره ويضمنها إن تلفت: فرَّط أو لم يُفرَّط، ولا يملكها وإن عرَّفها (٦)، ومن أخذها ثم ردَّها إلى موضعها، أو فرَّط = وقدر كبير ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز أخذ الضوال - كما سبق في مسألة (٤) - فكذلك لا يجوز أخذ الأشياء الكبيرة، والجامع: أن كلًّا منها لا تضيع عن صاحبها وتحتفظ بنفسها عادة، والمقصد من هذا هو نفس المقصد من مسألة (٤). (٦) مسألة: يستحب للشخص الواثق من أمانة نفسه، والقادر على التعريف: أن يلتقط ما رآه من أيِّ مالٍ ضائع - غير الضوال، والأشياء الكبيرة - كالذهب، والفضة، وأي ثمن والمتاع ونحو ذلك، وغنم، وصغار بقر - كعجاجيل - وصغار إبل - كفصلان - وصغار حمير - وخيل - كأفلاء - وإذا جاء صاحبها: فليعطها إياه ولا يضمنها إن تلفت بلا تعدٍّ أو تفريط، أما إذا لم يأمن نفسه: فلا يجوز له التقاط وأخذ ذلك، وإن أخذها - وهو كذلك -: فإنه يضمنها إن تلفت مطلقًا: أي: سواء فرَّط أو تعدَّى، أو لا، ولا يملكها وإن قام بتعريفها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ وسئل عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها، وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه" وسئل عن الشاة فقال:=

стр. 1997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = " خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" حيث أباح التقاط هذه الأشياء، وغير الذهب والورق مما له ثمن مثلهما، وغير الشاة من الحيوانات الصغيرة مثل الشاة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" ثانيهما: قوله: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" حيث إن أخذ اللقطة من باب الإعانة على حفظ مال الآخرين؛ لئلا يأخذها الفساق - ويأكلونها بالباطل، وهذا لمن يعرف من نفسه أنه أمين، وسؤديها لصاحبها متى جاء، وهذا هو المقصد من مشروعية اللقطة، الثانية: القياس؛ بيانه، كما أن الشخص لا يجوز له أن يغصب مال غيره فكذلك غير الواثق من أمانة نفسه لا يجوز التقاط هذه الأشياء والجامع: أن كلًّا منهما أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، وأن فيه تضييع مال غيره الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من كون غير الواثق من نفسه لم يأمن نفسه عليها ولو عرفها: أن يضمن ما أخذه إذا تلفت مطلقًا؛ لأن السبب المحرم لا يفيد الملك كالسرقة، فإن قلتَ: لا يُستحب للشخص أن يلتقط ويأخذ ما رآه من مال ضائع عن صاحبه: سواء كان واثقًا من أمانة نفسه، أو لا، وهذا قول كثير من العلماء وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث ورد عدم استحباب التقاط اللقطة عن ابن عباس، وابن عمر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن التقاطها فيه تعريض الإنسان نفسه لتضييع الواجب: من تعريفها، وأداء الأمانة فيها: فكان من الأصلح له: عدم التقاطها. قلتُ: كل من قول الصحابي والمصلحة اجتهاد في مقابلة نص - وهي: السنة القولية التي ذكرناها من وجهين - ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي والمصلحة مع السنة القولية" فعندنا: تقدم السنة؛ لما فيها من المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي من خفظ بعض المسلمين لأموال بعض، وفي ذلك: دفع مفسدة أكل أموال المسلمين بغير حق، ودفع المفاسد مقدم على جلب=

стр. 1998

فيها: ضمنها (٧)، ويُخيَّر في الشاة ونحوها بين: ذبحها وعليه القيمة، أو بيعها ويحفظ ثمنها، أو ينفق عليها من ماله بنية الرجوع (٨)، وما يخشى فساده له بيعه، وحفظ ثمنه، = المصالح، وعندهم تقدم مصلحة الشخص وهي خاصة، والمصلحة الخاصة لا تقوى على معارضة المصلحة العامة. (٧) مسألة: إذا التقط اللقطة وأخذها شخص، ثم ردَّها إلى موضعها الذي أخذها منه وتلفت، أو تلفت بسبب تفريط أو تعدٍّ: فإنه يضمنها في الحالتين؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا وُجدت أمانة في يده: فإنه يلزمه حفظها ولا يتخلَّى عنها، ولو تلفت بسبب تخليه عنها، أو بسبب تفريطه فيها: للزمه ضمانها، فكذلك اللقطة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما أمانة بيد ذلك الشخص، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أملاك الآخرين. (٨) مسألة: إذا التقط شاة أو أيَّ شيء مثلها كالدجاج والفصلان، والعجاجيل، ونحوها: فإن الملتقط لا يُعرِّفها، بل يُخيَّر بين ثلاثة أمور: أولها: إما أن يذبحها، ويأكلها، وعليه قيمتها في حال ذبحها، يعطيه صاحبها إذا وجده، ثانيها: أو أن يبيعها، ويحفظ ثمنها، ويعطيه صاحبها إذا وجده، ثالثها: أو أن يصبر وينفق عليها من ماله؛ ليحفظها لمالكها بنيّة الرجوع فيما أنفق إلى صاحبها إن وجده، فلو تركها بلا إنفاق وتلفت: فإنه يضمنها لصاحبها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الشاة وما ماثلها -: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" حيث جعل الشاة لآخذها في الحال، ويلزم من تسويته بالذئب: جواز أكلها بالحال؛ لكون الذئب لا يؤخر أكلها: سواء وقع هذا الأكل في الصحراء أو في داخل البلدان، وغير الشاة مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة" ولم يذكر في النص تعريفًا لها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يجوز أكلها وحفظ ثمنها لصاحبها إذا وجد، فكذلك يجوز بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها إذا وجد والجامع: حفظ ثمنها لصاحبها في كل. الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من تركها بدون نفقة=

стр. 1999

وأكله بقيمته، أو تجفيف ما يمكن تجفيفه (٩) (ويعرف الجميع) وجوبًا؛ لحديث زيد السابق، نهارًا بالنداء (في مجامع الناس) كالأسواق، وأبواب المساجد في أوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها؛ ليظهر عليها صاحبها (غير المساجد) فلا تُعرَّف فيها (حولًا) كاملًا، روي عن عمر، وعلي، وابن عباس، عقب الالتقاط؛ لأن صاحبها يطلبها إذًا كل يوم أسبوعًا، ثم عرفًا (١٠)، وأجرة المنادي على = وتلفها بسبب ذلك: ضمانها؛ لكونه فرَّط فيها، ويلزم من كون الملتقط قد أنفق على اللقطة لحفظها: أن يكون هذا الإنفاق من مال صاحبها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه فائدة للملتقط بأن يستفيد من تلك اللقطة بالحال، وفيه حماية لمال صاحب اللقطة حفظ ماله. (٩) مسألة: إذا التقط شخص لقطة فيستحب أن يتصرَّف حيالها بما يناسبها من حيث النفع فمثلًا: لو التقط ما يخشى فساده بسبب حفظه كخضروات وفواكه ونحوهما: فإن الملتقط يُخيَّر بين أمور: أولها: إما أن يبيعه، ويحتفظ بثمنه حتى يجد صاحبه فيعطيه إياه، ثانيها: أو يأكله، ويعطي صاحبه قيمته حال أكله إياه حين يجده، ثالثها: أو يُجفِّفه إن كان قابلًا لذلك كعنب التقطه ونحو ذلك، أما إن ترك ذلك حتى تلف: فإنه يضمنه؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الملتقط؛ حيث يفعل ما يراه مناسبًا للقطة. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من ترك ما التقطه حتى تلف: ضمانه بقيمته؛ لكون ذلك تفريطًا لا مبرر له. (١٠) مسألة: يجب على من التقط شيئًا وأخذه: أن يُعرِّفه قريبًا من المكان الذي وجده فيه، وينادي في مجامع الناس، وأبواب المساجد - غير داخلها - عند انتهاء كل صلاة، وفي الأسواق وذلك في النهار جهرًا، ويقول في المناداة: "من ضاع له شيء فهو عندي" ونحو ذلك هذه العبارة، ويُنادي بذلك عقب الالتقاط مباشرة إلى أن يتمّ له سنة كاملة، ويُنادي في أول أسبوع كل يوم، فإذا انتهى الأسبوع ينادي على حسب عادة الناس، وإن لم تكن لهم عادة: فإنه ينادي في الأسبوع=

стр. 2000

الملتقط (١١) (ويملكه بعده) أي: بعد التعريف (حكمًا) أي: من غير اختيار كالميراث: غنيًا كان أو فقيرًا؛ لعموم ما سبق، ولا يملكها بدون تعريف (١٢) (لكن لا يتصرَّف = الثاني مرة واحدة، وبعده كل شهر مرة واحدة، وهكذا حتى تنتهي السنة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم عرِّفها سنة"، حيث أوجب الشارع التعريف سنة؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر، وعلي وابن عباس، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المناداة والتعريف بها في النهار جهرًا سبب في ظهور صاحبها، وفي المناداة عليها كل يوم في الأسبوع الأول يُغلِّب العثور على صاحبها؛ لأن طلب صاحبها لها يكون في ذلك الأسبوع عادة، فإن قلت: لِمَ لا تعرَّف داخل المساجد؟ قلتُ: لقول الصحابي؛ حيث إن عمر قد أمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد. (١١) مسألة: تكاليف وأجرة التعريف باللقطة تكون على صاحبها إذا كانت معتادة؛ وليست على الملتقط؛ للمصلحة: حيث إن الملتقط متبرِّع بحفظ اللقطة عن ضياعها، فإذا كان سيدفع أجرة التعريف بها: فإن هذا سيؤدي إلى أن ينفر الناس عن حفظ اللقطة، فدفعًا لذلك تكون أجرة التعريف على صاحبها يدفعها إلى الملتقط إن وجده، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط كون أجرة التعريف بأن تكون معتادة؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن بعض الناس قد يستأجر لذلك بأجرة عالية لا يتحملها صاحب اللقطة، فإن قلتَ: إن الأجرة هنا على الملتقط وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن التعريف واجب على الملتقط، فيلزم أن يكون ما يتمّ به هذا التعريف عليه من باب: "ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب" قلتُ: هذا بعيد؛ لأن كل واحد يعلم أن أجرة التعريف باللقطة التي أخذها وحفظها ستكون عليه: فإنه لن يأخذها أصلًا، وهذا يؤدي إلى ضياع أموال الناس هدرًا، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع التلازم" كما هو واضح. (١٢) مسألة: إذا عرَّف الملتقط اللقطة سنة، فلم يجد صاحبها: فإنه يملكها بعد ذلك=
следующие страницы →