← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

التقاط غير ذلك) أي: غير ما تقدَّم من الضوال ونحوها (من حيوان) كغنم، وفصلان، وعجاجيل، وأفلاء (وغيره) كأثمان ومتاع (إن أمن نفسه على ذلك) وقوي على تعريفها؛ لحديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل النبي ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها، وعفاصها ثم عرَّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر، فادفعها إليه" وسأله عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" متفق عليه مختصرًا، والأفضل تركها؛ روي عن ابن عباس وابن عمر (وإلا) يأمن نفسه عليها: (فهو كغاصب) فليس له أخذها؛ لما فيه من تعريض مال غيره ويضمنها إن تلفت: فرَّط أو لم يُفرَّط، ولا يملكها وإن عرَّفها (٦)، ومن أخذها ثم ردَّها إلى موضعها، أو فرَّط = وقدر كبير ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز أخذ الضوال - كما سبق في مسألة (٤) - فكذلك لا يجوز أخذ الأشياء الكبيرة، والجامع: أن كلًّا منها لا تضيع عن صاحبها وتحتفظ بنفسها عادة، والمقصد من هذا هو نفس المقصد من مسألة (٤). (٦) مسألة: يستحب للشخص الواثق من أمانة نفسه، والقادر على التعريف: أن يلتقط ما رآه من أيِّ مالٍ ضائع - غير الضوال، والأشياء الكبيرة - كالذهب، والفضة، وأي ثمن والمتاع ونحو ذلك، وغنم، وصغار بقر - كعجاجيل - وصغار إبل - كفصلان - وصغار حمير - وخيل - كأفلاء - وإذا جاء صاحبها: فليعطها إياه ولا يضمنها إن تلفت بلا تعدٍّ أو تفريط، أما إذا لم يأمن نفسه: فلا يجوز له التقاط وأخذ ذلك، وإن أخذها - وهو كذلك -: فإنه يضمنها إن تلفت مطلقًا: أي: سواء فرَّط أو تعدَّى، أو لا، ولا يملكها وإن قام بتعريفها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ وسئل عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها، وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه" وسئل عن الشاة فقال:=

стр. 1997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = " خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" حيث أباح التقاط هذه الأشياء، وغير الذهب والورق مما له ثمن مثلهما، وغير الشاة من الحيوانات الصغيرة مثل الشاة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" ثانيهما: قوله: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" حيث إن أخذ اللقطة من باب الإعانة على حفظ مال الآخرين؛ لئلا يأخذها الفساق - ويأكلونها بالباطل، وهذا لمن يعرف من نفسه أنه أمين، وسؤديها لصاحبها متى جاء، وهذا هو المقصد من مشروعية اللقطة، الثانية: القياس؛ بيانه، كما أن الشخص لا يجوز له أن يغصب مال غيره فكذلك غير الواثق من أمانة نفسه لا يجوز التقاط هذه الأشياء والجامع: أن كلًّا منهما أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، وأن فيه تضييع مال غيره الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من كون غير الواثق من نفسه لم يأمن نفسه عليها ولو عرفها: أن يضمن ما أخذه إذا تلفت مطلقًا؛ لأن السبب المحرم لا يفيد الملك كالسرقة، فإن قلتَ: لا يُستحب للشخص أن يلتقط ويأخذ ما رآه من مال ضائع عن صاحبه: سواء كان واثقًا من أمانة نفسه، أو لا، وهذا قول كثير من العلماء وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث ورد عدم استحباب التقاط اللقطة عن ابن عباس، وابن عمر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن التقاطها فيه تعريض الإنسان نفسه لتضييع الواجب: من تعريفها، وأداء الأمانة فيها: فكان من الأصلح له: عدم التقاطها. قلتُ: كل من قول الصحابي والمصلحة اجتهاد في مقابلة نص - وهي: السنة القولية التي ذكرناها من وجهين - ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي والمصلحة مع السنة القولية" فعندنا: تقدم السنة؛ لما فيها من المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي من خفظ بعض المسلمين لأموال بعض، وفي ذلك: دفع مفسدة أكل أموال المسلمين بغير حق، ودفع المفاسد مقدم على جلب=

стр. 1998

فيها: ضمنها (٧)، ويُخيَّر في الشاة ونحوها بين: ذبحها وعليه القيمة، أو بيعها ويحفظ ثمنها، أو ينفق عليها من ماله بنية الرجوع (٨)، وما يخشى فساده له بيعه، وحفظ ثمنه، = المصالح، وعندهم تقدم مصلحة الشخص وهي خاصة، والمصلحة الخاصة لا تقوى على معارضة المصلحة العامة. (٧) مسألة: إذا التقط اللقطة وأخذها شخص، ثم ردَّها إلى موضعها الذي أخذها منه وتلفت، أو تلفت بسبب تفريط أو تعدٍّ: فإنه يضمنها في الحالتين؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا وُجدت أمانة في يده: فإنه يلزمه حفظها ولا يتخلَّى عنها، ولو تلفت بسبب تخليه عنها، أو بسبب تفريطه فيها: للزمه ضمانها، فكذلك اللقطة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما أمانة بيد ذلك الشخص، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أملاك الآخرين. (٨) مسألة: إذا التقط شاة أو أيَّ شيء مثلها كالدجاج والفصلان، والعجاجيل، ونحوها: فإن الملتقط لا يُعرِّفها، بل يُخيَّر بين ثلاثة أمور: أولها: إما أن يذبحها، ويأكلها، وعليه قيمتها في حال ذبحها، يعطيه صاحبها إذا وجده، ثانيها: أو أن يبيعها، ويحفظ ثمنها، ويعطيه صاحبها إذا وجده، ثالثها: أو أن يصبر وينفق عليها من ماله؛ ليحفظها لمالكها بنيّة الرجوع فيما أنفق إلى صاحبها إن وجده، فلو تركها بلا إنفاق وتلفت: فإنه يضمنها لصاحبها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الشاة وما ماثلها -: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" حيث جعل الشاة لآخذها في الحال، ويلزم من تسويته بالذئب: جواز أكلها بالحال؛ لكون الذئب لا يؤخر أكلها: سواء وقع هذا الأكل في الصحراء أو في داخل البلدان، وغير الشاة مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة" ولم يذكر في النص تعريفًا لها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يجوز أكلها وحفظ ثمنها لصاحبها إذا وجد، فكذلك يجوز بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها إذا وجد والجامع: حفظ ثمنها لصاحبها في كل. الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من تركها بدون نفقة=

стр. 1999

وأكله بقيمته، أو تجفيف ما يمكن تجفيفه (٩) (ويعرف الجميع) وجوبًا؛ لحديث زيد السابق، نهارًا بالنداء (في مجامع الناس) كالأسواق، وأبواب المساجد في أوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها؛ ليظهر عليها صاحبها (غير المساجد) فلا تُعرَّف فيها (حولًا) كاملًا، روي عن عمر، وعلي، وابن عباس، عقب الالتقاط؛ لأن صاحبها يطلبها إذًا كل يوم أسبوعًا، ثم عرفًا (١٠)، وأجرة المنادي على = وتلفها بسبب ذلك: ضمانها؛ لكونه فرَّط فيها، ويلزم من كون الملتقط قد أنفق على اللقطة لحفظها: أن يكون هذا الإنفاق من مال صاحبها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه فائدة للملتقط بأن يستفيد من تلك اللقطة بالحال، وفيه حماية لمال صاحب اللقطة حفظ ماله. (٩) مسألة: إذا التقط شخص لقطة فيستحب أن يتصرَّف حيالها بما يناسبها من حيث النفع فمثلًا: لو التقط ما يخشى فساده بسبب حفظه كخضروات وفواكه ونحوهما: فإن الملتقط يُخيَّر بين أمور: أولها: إما أن يبيعه، ويحتفظ بثمنه حتى يجد صاحبه فيعطيه إياه، ثانيها: أو يأكله، ويعطي صاحبه قيمته حال أكله إياه حين يجده، ثالثها: أو يُجفِّفه إن كان قابلًا لذلك كعنب التقطه ونحو ذلك، أما إن ترك ذلك حتى تلف: فإنه يضمنه؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الملتقط؛ حيث يفعل ما يراه مناسبًا للقطة. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من ترك ما التقطه حتى تلف: ضمانه بقيمته؛ لكون ذلك تفريطًا لا مبرر له. (١٠) مسألة: يجب على من التقط شيئًا وأخذه: أن يُعرِّفه قريبًا من المكان الذي وجده فيه، وينادي في مجامع الناس، وأبواب المساجد - غير داخلها - عند انتهاء كل صلاة، وفي الأسواق وذلك في النهار جهرًا، ويقول في المناداة: "من ضاع له شيء فهو عندي" ونحو ذلك هذه العبارة، ويُنادي بذلك عقب الالتقاط مباشرة إلى أن يتمّ له سنة كاملة، ويُنادي في أول أسبوع كل يوم، فإذا انتهى الأسبوع ينادي على حسب عادة الناس، وإن لم تكن لهم عادة: فإنه ينادي في الأسبوع=

стр. 2000

الملتقط (١١) (ويملكه بعده) أي: بعد التعريف (حكمًا) أي: من غير اختيار كالميراث: غنيًا كان أو فقيرًا؛ لعموم ما سبق، ولا يملكها بدون تعريف (١٢) (لكن لا يتصرَّف = الثاني مرة واحدة، وبعده كل شهر مرة واحدة، وهكذا حتى تنتهي السنة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم عرِّفها سنة"، حيث أوجب الشارع التعريف سنة؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر، وعلي وابن عباس، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المناداة والتعريف بها في النهار جهرًا سبب في ظهور صاحبها، وفي المناداة عليها كل يوم في الأسبوع الأول يُغلِّب العثور على صاحبها؛ لأن طلب صاحبها لها يكون في ذلك الأسبوع عادة، فإن قلت: لِمَ لا تعرَّف داخل المساجد؟ قلتُ: لقول الصحابي؛ حيث إن عمر قد أمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد. (١١) مسألة: تكاليف وأجرة التعريف باللقطة تكون على صاحبها إذا كانت معتادة؛ وليست على الملتقط؛ للمصلحة: حيث إن الملتقط متبرِّع بحفظ اللقطة عن ضياعها، فإذا كان سيدفع أجرة التعريف بها: فإن هذا سيؤدي إلى أن ينفر الناس عن حفظ اللقطة، فدفعًا لذلك تكون أجرة التعريف على صاحبها يدفعها إلى الملتقط إن وجده، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط كون أجرة التعريف بأن تكون معتادة؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن بعض الناس قد يستأجر لذلك بأجرة عالية لا يتحملها صاحب اللقطة، فإن قلتَ: إن الأجرة هنا على الملتقط وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن التعريف واجب على الملتقط، فيلزم أن يكون ما يتمّ به هذا التعريف عليه من باب: "ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب" قلتُ: هذا بعيد؛ لأن كل واحد يعلم أن أجرة التعريف باللقطة التي أخذها وحفظها ستكون عليه: فإنه لن يأخذها أصلًا، وهذا يؤدي إلى ضياع أموال الناس هدرًا، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع التلازم" كما هو واضح. (١٢) مسألة: إذا عرَّف الملتقط اللقطة سنة، فلم يجد صاحبها: فإنه يملكها بعد ذلك=

стр. 2001

فيها قبل معرفة صفاتها) أي: حتى يعرف وعاءها، ووكاءها، وقدرها، وجنسها، وصفتها، ويستحب ذلك عند وجدانها، والإشهاد عليها (١٣) (فمتى جاء طالبها = من غير اختيار منه، ويتصرّف فيها كما شاء، وهذا مطلق، أي: سواء كان الملتقط غنيًا أو فقيرًا، وسواء كانت اللقطة لقطة حرم، أو لا، ولا يملكها بدون تعريفها سنة كاملة، فلو أخذها عازمًا على تملّكها بغير تعريف: فقد فعل محرمًا، ولا يحل له أخذها بدون نيّة التعريف بها فإن أخذها: لزمه ضمانها مطلقًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في حديث زيد الجهني -: "فإن لم تُعرف فاستنفقها" وفي رواية: "إن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلا: فشأنك بها" حيث دلّ هذا على امتلاك الملتقط للقطة بعد تعريفها، ولم يعرفها أحد، الثانية: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما كما أن الشخص يملك ما ورثه بدون اختياره: غنيًا أو فقيرًا فكذلك الملتقط يملك اللقطة مطلقًا بدون اختياره بعد تعريفها ولم يوجد صاحبها، والجامع: أن كلًّا منهما قد وجد سبب الملك له، فسبب ملك الوارث: هو موت المورِّث، وسبب ملك الملتقط اللقطة هو: الالتقاط والتعريف، ثانيهما: كما أن الغاصب للشيء يحرم عليه ذلك، ويضمنه إذا تلف مطلقًا، فكذلك الآخذ للقطة إذا أخذها بدون نية تعريفها: يحرم عليه ذلك، ويضمن ذلك كله إذا تلف والجامع: أن كلًّا منهما قد نوى تضييع الشيء على صاحبه، فيضمنه، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على أخذ اللقطة، والانتفاع بها وحماية مال صاحب اللقطة. (١٣) مسألة: يجب على الملتقط أن لا يتصرَّف باللقطة بعد تعريفها سنة - كما سبق في مسألة (١٢) - إلّا بعد أن يعرف صفاتها: فيعرف وعاءها الذي هي فيه من خرقة، أو قرطاس، أو نحوه، ويعرف وكاءها - وهو الخيط الذي يُشد المال في الخرقة، وقدر المال، وجنسه من دراهم، أو دنانير، ولون ذلك، ويُستحب: أن تكون هذه المعرفة فور وجدانها، وأن يُشهد عدلًا على أنه وجد لقطة صفاتها=

стр. 2002

فوصفها: لزم دفعها إليه) بلا بيّنة، ولا يمين، وإن لم يغلب على ظنه صدقه؛ لحديث زيد، وفيه: "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها: فأعطها إيّاه، وإلّا: فهي لك" رواه مسلم (١٤) ويضمن تلفها، ونقصها بعد الحول مطلقًا، لا قبله = كذا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة. ." حيث أوجب تلك المعرفة؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، والمراد بـ "العفاص": الوعاء الذي فيه اللقطة، وغير ذلك مثله، من باب "مفهوم الموافقة" ثانيهما: قوله ﷺ : "من وجد لُقطة فليُشهد ذوي عدل" والذي صرف الأمر بالإشهاد من الوجوب إلى الاستحباب المصلحة إذ هذا يقتضي التأكيد فقط، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يضمن مال صاحب اللقطة، ويحتاط به الملتقط. (١٤) مسألة: إذا وجد الملتقط صاحب اللقطة فوصفها صاحبها بالصفات المذكورة سابقًا: فإنه يجب على الملتقط أن يُسلِّمها إليه، أو بدلها، وهذا مطلق، أي: سواء أثبت بيّنة أو لا، وسواء حلف يمينًا أو لا، وسواء غلب على ظن الملتقط صدق من وصفها أو لا، ويدفع له معها نماءها المتصل والمنفصل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك" وهذا الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولم يُقيَّد ببيان بينة أو يمين، وإنما علَّق الأمر بوصفها فقط، فلا تجب بيّنة ولا يمين في ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث إن إقامة البيَّنة عليها يشق عادة فلزم عدم وجوبها، ويلزم من كون وصفها أظهر وأصدق من البينة واليمين: عدم وجوب اليمين والبينة على صاحبها، وتسليمها له وإن غلب على ظن الملتقط صدقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير إيصالها لصاحبها، وتسليم الملتقط لها.

стр. 2003

إن لم يُفرِّط (١٥) (والسفيه، والصبى يُعرِّف لقطتهما وليهما)؛ لقيامه مقامهما، ويلزمه أخذها منهما، فإن تركها في يدهما فتلفت: ضمنها، فإن لم تُعرف، فهي لهما (١٦)، وإن وجدها عبد عدل: فلسيده أخذها منه، وتركها معه؛ ليعرِّفها (١٧)، فإن لم يأمن (١٥) مسألة: إذا التقط وأخذ شخص لقطة فتلفت: فإنه لا يضمنها قبل مضي كامل عليها، وهي عنده إن لم يفرَّط أو يتعدَّ، أما بعد مضي الحول عليها: فيضمنها إذا تلفت مطلقًا، أي سواء فرَّط، أو لا، تعدَّى أو لا؛ للتلازم؛ حيث إنها قبل مضي الحول أمانة في يد الملتقط، فيلزم عدم ضمانها؛ لأن كل أمين لا يضمن ما اؤتمن عليه إن لم يُفرط، ويلزم من دخولها في ملك الملتقط بعد الحول: أن يضمنها إذا تلفت، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للملتقط، وصاحب اللقطة. (١٦) مسألة: إذا التقط صبي، أو مجنون، أو سفيه لقطة: فيجب على وليهم أن يأخذها منهم ويُعرِّف هذا الولي بها، فإن لم يُعرف صاحبها: فهي لهم، تُدخل في مالهم فإن وجد صاحبها: سُلِّمت إليه أو قيمتها، وإن ترك الولي تلك اللقطة في يد الصبي ونحوه حتى تلفت: فإن هذا الولي يضمنها من ماله، لا من مال الصبي ونحوه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون الولي يقوم مقام الصبي والمجنون والسفيه: أن يأخذها منهم، ويقوم مقامهم في التعريف بها؛ لكون الصبي ونحوه ليس أهلًا للحفظ والأمانة، ويلزم من كون الصبي ونحوه قد التقطها أن تكون له إن لم يوجد صاحبها، ويلزم من كون الولي هو المخاطب بحفظ ما يتعلَّق بحق موليه من صبي ونحوه: أن يضمن ما تلف بيده؛ لكونه فرَّط في هذه الولاية فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حبّ الولي على ملاحظة موليه، وفيه التأكيد على حماية مال صاحب اللقطة. (١٧) مسألة: إذا وجد عبد عدل لقطة وأخذها: فيُخيَّر سيده الأمين بين أمرين: أولهما: إما أن يأخذها منه؛ ليُعرِّفها بنفسه ولا ضمان عليه إن تلفت قبل نهاية السنة،=

стр. 2004

سيده عليها: سترها عنه وسلَّمها للحاكم، ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان (١٨)، والمكاتب كالحر (١٩)، ومن بعضه حر: فهي بينه وبين سيده (٢٠) (ومن ترك حيوانًا) لا = ثانيهما: وإما أن يتركها مع العبد؛ ليعرِّفها هو بنفسه، ويكون السيد مستعينًا به في حفظها كسائر ماله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العبد عدلًا: أن يأمنه سيده عليها، فيكون حافظًا لها كسيده. (فرع): إن كان العبد الواجد للقطة غير أمين، وتركها السيد معه فتلفت: فإن ذلك السيد يضمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تفريط السيد العدل؛ حيث ترك اللقطة بيد غير العدل أن يضمنها؛ نظرًا لتفريطه. (١٨) مسألة: إذا وجد عبد عدل لقطة، وكان سيده غير عدل: فيجب على العبد أن يسترها عنه، ويُسلِّمها إلى الحاكم - وهو القاضي -، وإذا عرفها الحاكم ولم يوجد صاحبها: فإنه يسلمها إلى سيده بشرط الضمان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم أمانة السيد: عدم تسليمها إليه، ويلزم من كون الحاكم وليًا على الجميع أن يسلمها إليه، ويلزم من كونها من كسب العبد: أن يسلمها الحاكم إلى سيده - أي: سيد العبد - بعد أن عرَّفها عامًا فلم يوجد صاحبها، وذلك بشرط الضمان: (فرع): لو أن سيدًا أعتق عبده بعد التقاطه: فإن تلك اللقطة تكون من حق العبد المعتق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها من كسب العبد: أن تكون له، وعليه ضمانها. (١٩) مسألة إذا وجد مكاتب لقطة: فإن حكمه فيها حكم الحر: يُعرِّفها سنة، ثم يملكها بعد تلك السنة، ويضمنها لصاحبها إن وجد بنفسها، أو بقيمتها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر يفعل ذلك فكذلك المكاتب والجامع: أن كلًّا منهما يملك اكتسابه فائدة المكاتب هو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده بثمن يُسدِّده على أقساط. (٢٠) مسألة: إذا وجد مبعَّض لقطة: فإنها تكون بينه وبين سيده على حسب قدر الحرية=

стр. 2005

عبدًا، أو متاعًا (بفلاة؛ لانقطاعه، أو عجز ربه عنه: ملكه آخذه) بخلاف عبد ومتاع، وكذا: ما يُلقى في البحر؛ خوفًا من غرق، فيملكه آخذه (٢١)، وإن انكسرت سفينة فاستخرجه قوم: فهو لربه، وعليه أجرة المثل (٢٢) (ومن أخذ نعله ونحوه) من متاعه (ووجد موضعه غيره: فلقطة) ويأخذ حقه منه بعد تعريفه (٢٣)، وإذا وجد عنبرة = والرق، فمثلًا: إذا كان ثلثه حر فإن السيد يأخذ ثلثي اللقطة وهكذا، هذا بعد تعريفها سنة، وإذا تلفت فإن السيد يتحمَّل ضمان ثلثيها، والمبعَّض يتحمّل ضمان ثلثها وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المبعَّض - وهو الذي ثلثه حر - إذا اكتسب شيئًا: فإن ثلث هذا المكسب له، والثلثين يكونان لسيده فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها يُعتبر من اكتسابه، فائدة: "المبعَّض" هو: الذي أعتق سيده بعضه، دون البعض الآخر، أو قوي على شراء بعضه دون البعض الآخر. (٢١) مسألة: إذا ترك زيد حيوانًا في صحراء، أو ألقاه في بحر بسبب انقطاع أو عجز، أو خوف: فإن آخذه ولاقطه يملكه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشيء إذا ألقي؛ رغبة عنه: فإن مالكه يأخذه فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما قد ألقاه صاحبه اختيارًا، وأنه يتلف فيما لو ترك والمقصد منه: نفع المسلمين. (فرع): إذا ترك زيد عبدًا، أو متاعًا: فلا يملكه واجده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الخشية من التلف عليهما: عدم ملكية واجدهما لهما؛ لكون العبد يُمكنه التخلص بأي طريقة والمتاع قد يدوم إلى أن يرجع إليه صاحبه، فإن قلتَ: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة؟ قلتُ: الفرق واضح؛ حيث إن الحيوان سيتلف غالبًا، فأذن لآخذه أن يملكه، وهو أولى من تلفه دون أن من ينفع أحدًا. (٢٢) مسألة: إذا انكسرت سفينة، فاستخرج قوم ما انكسر: فإن ذلك يكون لصاحب السفينة وعليه أن يدفع أجرة المثل لمن فعل ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعلهم ذلك: أن يأخذوا عليه أجرة من اشتغل مثل شغلتهم فيما لو استؤجروا عليه. (٢٣) مسألة: إذا أُخذت نعال زيد وترك الآخذ نعاله بدل تلك النعال ثم أخذها زيد،=

стр. 2006

على الساحل: فهي له (٢٤). = فلا تكون تلك النعال لقطة، بل إن زيدًا يأخذ ما وجده من نعال بدل نعاله، ثم يُقيِّم نعال الآخذ، ونعاله: فإن كانت نعال الآخر أكثر ثمنًا وقيمة: فإنه يتصدَّق بالفرق ناويًا أن هذه الصدقة للآخذ، فمثلًا إذا كانت نعال زيد بثلاثين، ونعال الآخذ بأربعين: فإن زيدًا يتصدَّق بعشرة، وهكذا، ولا يكون ذلك لقطة: بأن تُعرَّف النعال عامًا، ثم يتملكها زيد بدون دفع قيمتها فيما لو ظهر صاحبها؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أرفق بالناس من مشقّة جعلها لقطة تقتضي تعريفها سنة، ثم يدفعها أو قيمتها إذا ظهر صاحبها، فإن قلتَ: إن ذلك يكون لقطة وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك. (٢٤) مسألة: إذا وجد شخص عنبرة على ساحل البحر فإنها تكون ملكًا له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من سبق واجدها إليها إباحتها له؛ لأن من سبق إلى شيء فهو أحقّ به كما ورد عنه ﷺ . هذه آخر مسائل باب "اللقطة" ويليه باب "اللقيط".

стр. 2007

باب اللَّقِيط بمعنى: ملقوط (وهو) اصطلاحًا: (طفل لا يُعرف نسبه، ولا رقُّه نبذ) أي: طُرح في شارع أو غيره (أو ضل (١)، وأخذه فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (٢)، ويُسنُّ الإشهاد عليه (٣) (وهو حر) في جميع الأحكام؛ لأن باب اللَّقِيط وفيه ست وعشرون مسألة: (١) مسألة: اللَّقيط لغة: مأخوذ من لقطتُ الشيء لقطًا: إذا أخذته من حيث لا يشعر، وهو عام لكل ملقوط؛ لأن لقيط: فعيل بمعنى مفعول، وقد غلب إطلاق اللقيط على الطفل المنبوذ، وهو في الاصطلاح: "طفل لا يُعرف نسبُه، ولا رقُّه نُبذ وطرح في طريق أو مسجد، أو ضلَّ عن أهله فيأخذه أحد المسلمين" والمراد بالطفل: هو من لم يُميز ولم يبلغ من ذكر أو أنثى. (٢) مسألة: يجب على من وجد هذا اللقيط - وهو الطفل -: أن يأخذه، وينفق عليه، ويحميه وجوبًا كفائيًا - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين -، وإن تركه الجماعة كلهم أثموا بذلك مع إمكان أخذه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ حيث إنه أوجب أخذ اللقيط والإنفاق عليه وحمايته؛ لكونه يدخل في فعل البر والتقوى؛ حيث إنهما عامان؛ لأن "البر والتقوى" اسم جنس معرّف بأل، وهو من صيغ العموم. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن إطعام المضطر، وانقاذ الغريق واجب على الكفاية، فكذلك أخذ هذا الطفل، والإنفاق عليه، وحمايته والجامع: أن كلًّا منهما فيه إحياء للنفس، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التكافل الاجتماعي، والتعاون على الخير. (٣) مسألة: يستحب للشخص إذا أخذ طفلًا لقيطًا: أن يُشهد أن هذا الطفل لقيط =

стр. 2008

الحرية هي الأصل، والرق عارض (٤) (وما وجد معه) من فراش تحته، أو ثياب فوقه، أو مال في جيبه (أو تحته ظاهرًا، أو مدفونًا طريًا، أو متصلًا به كحيوان وغيره) مشدودًا بثيابه (أو) مطروحًا (قريبًا منه فـ) ـهو (له)؛ عملًا بالظاهر، ولأن له يدًا صحيحة كالبالغ (٥) = حال أخذه إياه وكذا: يُستحب الإشهاد على ما معه إن كان معه شيء؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع طمع نفسه من أن تراوده نفسه باسترقاقه، ولئلا يحسبه بعض الناس من أولاد الآخذ، فيعامله على هذا الأساس، فيما لو مات الآخذ فجأة. (٤) مسألة: اللقيط حر، فتطبَّق عليه جميع أحكام الحرية؛ لقول الصحابي؛ حيث إن هذا قد ثبت عن عمرو، وعلي، فإن قلتَ: إن أراد أن يلتقطه للحسبة فهو حر، وإن لم يرد ذلك وأراد أن يسترقه فله ذلك قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ثم إن هذا مخالف للأصل؛ حيث إن الأصل في بني آدم الحرية، والرق عارض؛ فإذا لم يثبت ذلك العارض - وهو الرق - بدليل، فإن ذلك يبقى على الأصل. (٥) مسألة: إذا وجد الشخص مع اللقيط فراشًا تحته، أو ثياب فوقه، أو مال في جيبه، أو تحته ظاهرًا، أو مدفونًا دفنًا حديثًا يغلب على الظن أنه له، أو كان هذا المال متصلًا به مشدودًا بثيابه أو بعضو من أعضائه كحيوان ونحوه، أو كان هذا المال موضوعًا ومطروحًا قريبًا منه: فإن هذه الأشياء كلها تكون ملكًا لذلك اللقيط وتؤخذ معه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون ظاهر هذه الأشياء أنها تابعة لذلك اللقيط: أن تكون ملكًا له؛ عملًا بذلك الظاهر، ويلزم من عدم جواز التفريق بين الشخص وماله: وجوب أخذ تلك الأشياء مع اللقيط، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البالغ يملك ماله، فكذلك هذا الطفل اللقيط يملك ما وجد معه، والجامع: أن يد كل منهما صحيحة فكل منهما يرث ويورث ونحو ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية=

стр. 2009

(وينفق عليه منه) ملتقطه بالمعروف؛ لولايته عليه (٦) (وإلا) يكن معه شيء: (فمن بيت المال)؛ لقول عمر ﵁ "اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته" وفي لفظ: "وعلينا رضاعه"، ولا يجب على الملتقط، فإن تعذَّر الإنفاق من بيت المال: فعلى من علم حاله من المسلمين، فإن تركوه: أثموا (٧) (وهو مسلم) إذا وجد في دار الإسلام، وإن كان فيها أهل ذمة؛ تغليبًا للإسلام والدار، وإن وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر؛ تبعًا للدار (٨) (وحضانته لواجده الأمين)؛ لأن عمر أقرّ اللقيط في = حق الطفل اللقيط. (٦) مسألة: إذا وجد الملتقطُ للطفل مالًا معه: فللملتقط أن يُنفق على ذلك الطفل من ذلك المال على حسب العرف والعادة بدون ضرر؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الولي ينفق على موليه من ماله بالمعروف فكذلك الملتقط لذلك الطفل يفعل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر وليًا، وأمينًا على ما ولي عليه، وفي ذلك تيسير على الملتقط. (٧) مسألة: إذا وجد الملتقطُ الطفل، ولا مال معه: فلا يجب عليه أن ينفق عليه من عنده، بل نفقته تكون من بيت مال المسلمين، فإن تعذَّر ذلك لأي سبب: فيجب على من علم حاله من المسلمين - وجوبًا كفائيًا - وإن تركوه أثموا، فإن تعذَّر ذلك: فيجب أن يقوم بنفقته ملتقطه ويأخذها منه إذا بلغ إذا نوى ملتقطه عند الإنفاق عليه أنه سيأخذ تلك النفقة منه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وقد سبق بيان وجه الدلالة من ذلك في مسألة (٢)، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود المنفق: أن يُنفق عليه ملتقطه، ويأخذها منه بعد بلوغه إذا نوى ذلك؛ لعدم جواز ترك الشخص بلا إنفاق. (٨) مسألة: إذا وجد شخص اللقيط في بلد المسلمين: فهو مسلم، أي: يحكم بإسلامه وحريته، وإن كان في هذه البلد بعض الكفار من أهل الذمة، وإن وجده في بلد كفار: فهو كافر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه في بلاد لا كافر فيها، أو الكفار قلَّة فيها: أن يُحكم عليه بالإسلام، ويلزم من كونه في بلد كفار لا مسلم فيه: أن=

стр. 2010

يد أبي جميلة حين قال له عريفه: إنه رجل صالح (٩) (وينفق عليه) مما وجد معه من نقد أو غيره (بغير إذن حاكم)؛ لأنه وليه (١٠)، فإن كان فاسقًا، أو رقيقًا، أو كافرًا واللقيط مسلم، أو بدويًا ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية: لم يُقر بيده (١١) (وميراثه وديته) كدية حر (لبيت المال) إن لم يُخلِّف وارثًا كغير = يحكم بكفره، وهذا من باب التغليب. (٩) مسألة: إذا وجد شخص لقيطًا رضيعًا: فإنه أولى الناس بحضانته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من سبقه إليه أن يكون أولى الناس به تنبيه: أثر عمر مع أبي جميلة لا يصح الاستدلال به؛ لضعفه؛ حيث قال بعض المحدثين: إن أبا جميلة مجهول لا تقوم الحجة بحديثه. (١٠) مسألة: الملتقط للصبي يُنفق عليه من المال الذي وجده معه - إن وُجد معه مال - بغير إذن الحاكم والقاضي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ولي اليتيم ينفق عليه بدون إذن الحاكم فكذلك آخذ اللقيط مثله والجامع: أن كلًّا منهما ولي أمين، والأمين لا يحتاج أن يستأذن أحدًا في تصرفاته، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف، فيستوي في ذلك الحاكم والمحكوم. (١١) مسألة: إن كان واجد اللقيط فاسقًا، أو عبدًا رقيقًا، أو كافرًا واللقيط مسلم، أو أن بدويًا لا يستقر في مكان معين، أو كان حضريًا أراد نقله إلى الصحراء، أو كان صبيًا، أو مجنونًا، أو سفيهًا: فإن اللقيط لا يُقرُّ بأيدي هؤلاء، والذي يملك منعهم من ذلك هو: الحاكم، أو نائبه؛ للمصلحة: حيث إنه لا ولاية شرعية للفاسق، والكافر، والعبد، والصبي، والمجنون، والسفيه، على أحد؛ لعدم قدرتهم على إصلاح غيرهم، وكون وجود اللقيط في مكان معيَّن - دون تنقله - أصلح وأرفق له، وأخف عليه، وأرجى لكشف أهله. (فرع): إن كان واجد اللقيط مجهول الحال - لا تُعرف عدالته -: فإنه يُقرُّ بيده؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلمين العدالة، فيُستصحب ذلك ويُعمل به حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، فيقرُّ=

стр. 2011

اللقيط (١٢) ولا ولاء عليه؛ لحديث: "إنما الولاء لمن أعتق" (١٣)، (ووليه في) القتل (العمد) العدوان (الإمام يُخيَّر بين القصاص والدية لبيت المال؛ لأنه ولي من لا ولي له (١٤)، وإن قُطع طرفه عمدًا انتظر بلوغه ورشده؛ ليقتص أو يعفو (١٥)، وإن ادَّعى = بيده على هذا الأساس. (١٢) مسألة: إذا مات اللقيط، ولم يُوجد من يرثه بفرض أو تعصيب فجميع ميراثه لبيت المال، وكذا لو قتل خطأ: فديته تكون لبيت المال أيضًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا مات أو قتل ولا وارث له، فإن ميراثه وديته لبيت المال فكذلك مال اللقيط، أو ديته والجامع: عدم وجود من يأخذ المال، والسلطان ولي من لا ولي له. (١٣) مسألة: لا ولاء على اللقيط؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" حيث دلَّ مفهوم الحصر هنا: على أن اللقيط لا ولاء عليه؛ لأن الولاء حصره لمن أعتق، واللقيط لم يثبت عليه رق، ولا على آبائه، فيعمل على الأصل وهو: الحرية، والمقصد منه: إكرام اللقيط، فإن قلتَ: عليه الولاء لملتقطه؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر قال لأبي جميلة: "هو حر ولك ولاؤه" قلتُ: هذا ضعيف؛ لأن أبا جميلة مجهول كما تقدم، في مسألة (٩) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في أثر عمر" فعندنا: ضعيف، وعندهم قوي. (١٤) مسألة: إذا قُتل اللقيط عمدًا عدوانًا: فإن وليه في المطالبة في القصاص، أو الدية هو: الإمام، يفعل ما يراه صالحًا ومناسبًا في ذلك: فإن رأى الأصلح القصاص من القاتل: فعل، وإن رأى الأصلح أخذ الدية: فعل، وجَعَل تلك الدية في بيت المال؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له" وهذا لا ولي له فيلزم أن يكون وليًا له يرى ما تقتضيه المصلحة بشأنه، والمقصد منه: إكرام ذلك اللقيط والأخظ بحقه. (١٥) مسألة: إذا قُطع عضو من أعضاء اللقيط كيده، أو رجله، أو أذنه ونحو ذلك=

стр. 2012

إنسان أنه مملوكه، ولم يكن بيده: لم يُقبل إلّا ببيِّنة تشهد أن أمته ولدته في ملكه ونحوه (١٦) (وإن أقرَّ رجل، أو امرأة) ولو (ذات زوج مسلم، أو كافر أنه ولده: لحق به)؛ لأن الإقرار به محض مصلحة للطفل؛ لاتصال نسبه، ولا مضرَّة على غيره فيه، وشرطه: أن يتفرد بدعوته، وأن يمكن كونه منه حرًا كان، أو عبدًا (١٧)، وإذا ادَّعته = عمدًا عدوانًا: فإنه يحبس القاطع إلى أن يبلغ ويرشد ذلك اللقيط فإن شاء - أي: اللقيط - أن يقتص من الجاني والقاطع: فله ذلك وإن شاء: عفى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون اللقيط هو المستحق للاستيفاء في ذلك: انتظاره حتى يبلغ ويرشد ليرى رأيه في الجاني، فإن قلتَ: لِمَ يُحبس الجاني هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد يهرب. (١٦) مسألة: إذا ادَّعى زيد أن هذا اللقيط مملوكه ورقيقه: فلا تُقبل هذه الدعوى إلّا ببيِّنة تشهد بما قاله: سواء كان بيده أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو ادَّعى أن عمرًا - وهو غير لقيط - مملوكه لا يُقبل إلّا ببيّنة فكذلك الحال هنا والجامع: أن الرق حق على المدَّعى عليه، ونقيصة تلحقه وأولاده ونسبه، والأصل الحرية، فلا تقبل دعوى الرق إلّا ببيِّنة قوية فإن قلتَ: إن كان ذلك اللقيط بيده: فتُقبل دعواه، وإن لم يكن بيده: فلا تقبل إلا ببيّنة تشهد بذلك وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كونه بيده: أنه ملكه؛ لأن اليد لها دلالة قلتُ: إن المدَّعي قد يُمسكه ويستعمله فترة، ويغش الناس بذلك؛ ليثبت أنه تحت يده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم". (١٧) مسألة: إذا أقرَّ شخص بأن هذا الطفل اللقيط ولده: فإنه يُلحق به بمجرد هذا الإقرار: سواء كان هذا الشخص المقرّ به رجلًا أو امرأة، ذات زوج أو لا، وسواء كان مسلمًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، بشرطين: أولهما: أن يكون هذا الشخص المقرُّ منفردًا، فإن ادَّعاه اثنان فأكثر: قبل في ذلك من دلَّت البيّنة على دعواه فإن تساوت البيّنات عند المدَّعين: فإنه يعرض على القافة، فإن ألحقته هذه=

стр. 2013

المرأة: لم يُلحق بزوجها كعكسه (١٨) (ولو بعد موت اللَّقيط) فيلحقه وإن لم يكن له = القافة بواحد من المدّعين ألحق به ثانيهما: أن يمكن كون اللقيط من ذلك: الشخص المدَّعي، فإن ادَّعاه من لا يمكن أن يكون منه كأن يدَّعيه من هو أصغر منه سنًا، أو يدَّعيه عقيم: فلا يُلحق به؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن هذا الشخص لو أقرّ لغير لقيط بمال: فإنه يُقبل ويلزم ذلك الشخص أن يُسلِّم ذلك المال للمقرّ له، فكذلك لو أقر بأن هذا اللقيط ولده، والجامع: أن كلًّا منهما فيه مصلحة للمقرّ له؛ فالمال مصلحة للمقرّ له، وادّعاء كونه ولده مصلحة للقيط؛ نظرًا لما في ذلك من اتصال نسبه ووجوب نفقته، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من هذين الشرطين وعدم المضرّة على غيره، وعدم وجود ظاهر يردُّه: وجوب إلحاقه به، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام لهذا اللقيط، وإبعاد تعرّضه للتهم، فإن قلتَ: إذا أقرّت المرأة بأنه ولدها فلا يُقبل إقرارها بمجرده، بل لا بدّ أن تثبت بيّنة على ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إمكانها إقامة البينة على الولادة أن لا يُقبل مجرَّد دعواها، وهو ما ذكره ابن قدامة. قلتُ: هذا بعيد بل المرأة كالرجل في ذلك يُقبل مجرَّد إقرارها به وإن كانت ذات زوج؛ لأنه يمكن أن تكون قد أتت به من زوج سابق أو من وطء شبهة، وهي أحد الأبوين ولا يُقال ذلك مطلقًا، بل يُلحق بها إن أمكن كون ذلك اللقيط قد ولدته، أما إذا لم يمكن: فلا يلحق بها كما سبق بيانه. (١٨) مسألة إذا أقرّت امرأة بأن هذا اللقيط ولدها: فإنه يُلحق بها فقط، ولا يُلحق بزوجها ولو ادَّعت أنه ولد على فراشه إلّا إذا صدقها وأقرَّ مثلها، وكذا: إن أقرَّ رجل بأن هذا اللقيط ولده: فإنه يُلحق به فقط، ولا يُلحق بزوجته، ولو ادَّعى أنه منها إلّا إذا صدَّقته وأقرّت بذلك مثله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون إقرار أحدهما منعزل عن إقرار الآخر: أن إقرار أحدهما لا يسري على الآخر بدون بينة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حفظ حقوق =

стр. 2014

توأم، أو ولد؛ احتياطًا للنسب (١٩) (ولا يتبع) اللقيط (الكافر) المدعي أنه ولده (في دينه إلا) أن يُقيم (بينة تشهد أنه ولد على فراشه)؛ لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يُقبل قول الكافر في كفره بغير بيِّنة، وكذا: لا يتبع رقيقًا في رقِّه (٢٠) (وإن اعترف) اللقيط (بالرق مع سبق مناف) للرق من بيع ونحوه، أو عدم سبقه: لم يُقبل؛ لأنه يُبطل حق الله تعالى من الحرية المحكوم بها: سواء أقرّ ابتداءً لإنسان، أو جوابًا لدعوى عليه (٢١) (أو قال) اللقيط بعد بلوغه: (إنه كافر: لم يُقبل منه)؛ لأنه محكوم = الآخرين من أن يُعتدى عليها ويُنسب إليها ما لم يكن منهم. (١٩) مسألة: إذا أقرَّ شخص بأن اللقيط الميت ولده: فإنه يُلحق به فيرثه: سواء كان الشخص المقرّ رجلًا أو امرأة، أو كافرًا، وسواء كان للمقرّ توأم، أو ولد، أو لم يكن كذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للنسب وإكرام بني آدم فلزم وجوب الإلحاق، وهذا هو المقصد منه. (٢٠) مسألة: إذا أقرّ كافر ذمي بأن هذا اللقيط ولده: فإنه يُلحق به في نسبه فقط دون دينه، ولا حقَّ له في حضانته، ولا يُسلَّم إليه إلّا بعد أن يقيم ذلك الكافر بيّنة تشهد بأن ذلك اللقيط قد وُلد على فراشه وكذا: لو أقرّ رقيق بأن هذا اللقيط ولده: فلا يُقبل إلّا ببيِّنة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن الصبي الناشيء في دار الإسلام أن يكون من أبوين مسلمين، فيحكم عليه بالإسلام؛ نظرًا لظاهر الدار، والأصل في الإنسان الحرية، فلا يُحكم بكفره، أو برقه إلا ببيِّنة تقوى على تغيير ذلك الأصل، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعزاز وإكرام ذلك اللقيط في الدنيا والآخرة بخلاف ما لو حكمنا عليه بالكفر أو الرق ففيه خزي له في الدنيا والآخرة. (٢١) مسألة: إذا أقر اللقيط بأنه رقيق لزيد واعترف بذلك: فإنه لا يُقبل منه ذلك الإقرار ولا الاعتراف: سواء وجد ما يُنافي في إقراره بالرق واعترافه، أو لا، وسواء كان هذا الاعتراف ابتداءً - بأن قال: "إنه ملك لزيد - وصدَّقه المقر،=

стр. 2015

بإسلامه، ويُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل (٢٢) (وإن ادَّعاه جماعة: قدِّم ذو البيّنة) مسلمًا أو كافرًا، حرًا، أو عبدًا؛ لأنها تظهر الحق وتبيّنه (٢٣) (وإلا) يكن لهم بيّنة، أو = أو كان هذا الاعتراف ورد جوابًا - بأن ادَّعى زيد عليه بالرق فقال ذلك اللقيط: "نعم أنا رقيق له" - فكل ذلك لا يُقبل إلّا إذا ثبتت بينة في ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل هو الحرية، ولا يُترك ذلك الأصل إلّا ببيِّنة وقرينة تثبت ذلك، وكون ذلك المنبوذ - وهو اللقيط - لا يعرف رقَّ نفسه، ولا حريتها، ولم يوجد شيء يدلّ على ذلك لا يصلح أن تكون بيِّنة على رقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية هذا اللقيط من أن يؤذي بسبب رقه. (٢٢) مسألة: إذا قال اللقيط بعد بلوغه وعقله: إنه كافر: فإنه لا يُقبل منه، بل يُستتاب ثلاثة أيام فإن تاب، وإلا قتل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المسلم لو ترك الإسلام: لا يُقبل منه، ويُستتاب ثلاثة أيام ثم يُقتل إن لم يعد للإسلام فكذلك هذا اللقيط القائل: إنه كافر يُفعل به ذلك - والجامع: أن كلًّا منهما قد حُكم عليه بالإسلام: إما بإقراره - وهو مكلَّف -، أو بوجوده في دار الإسلام، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن هذا اللقيط في الدنيا والآخرة. (٢٣) مسألة: إذا ادَّعى ذلك اللقيط جماعة من الأشخاص كل يدّعي بأنه ولده: فإنه ينظر في بيّناتهم، فإذا ثبتت بيّنة قوية تُلحقه بأحد هؤلاء الأشخاص: قُدِّم، وأُلحق به، وهذا مطلق، أي: سواء كان صاحب البيّنة القوية مسلمًا، أو كافرًا، حرًا، أو عبدًا، للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون البيّنة مظهرة ومبينة وموضحة للحق بعد خفائه: أن يحكم لصاحبها بهذا اللقيط، ويُلحق به، فإن قلتَ: المسلم والكافر، والحر والعبد ليسوا سواء في ذلك فالمسلم أولى من الكافر الذمي، والحر أولى من العبد، وهو قول أبي حنيفة، للمصلحة: حيث إن إلحاقه بالكافر الذمي، وبالعبد=

стр. 2016

تعارضت: عرض معهم على القافة (فمن ألحقته القافة به): لحقه؛ لقضاء عمر به بحضرة الصحابة ﵃، وإن ألحقته باثنين فأكثر: لحق بهم (٢٤)، وإن ألحقته = ضرر على اللقيط قلتُ: هذا بعيد؛ لأن كل واحد لو انفرد لصحت دعوته، فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار المسلمين ولا فرق، والضرر الذي ذكرتموه لا يتحقق، لكوننا لا نحكم بكفره، ولا برّقه إلا بدليل آخر، غير دعوى النسب كما ظكره في مسألة (٢٠). (٢٤) مسألة: إذا ادَّعى ذلك اللقيط جماعة من الأشخاص، كلٌّ يدَّعي بأنه ولده، ولم توجد بينة لأي واحد منهم أو وُجدت بينة لكل واحد منهم ولكنها تساوت، أو تعارضت فتساقلت: فإن هذا اللقيط يُعرض على القافة مع وجود المدَّعين له، فإذا ألحقته القافة بشخص واحد: لحق به، وإذا ألحقته برجلين وأكثر فإنه يلحقهم جميعًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن النبي ﷺ دخل على عائشة مسرورًا فقال: "ألم تري أن مُجزِّزًا نظر إلى أقدام زيد وأسامة فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" وهذا يدل على أن القائف - وهو مجزز المدلجي - يُقبل قوله في إلحاق اللقيط بنسبه. الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إنه وقع في عهد عمر أن رجلين قد وطئا امرأة في طهر فقال القائف: قد اشتركا في الولد الذي ولدته تلك المرأة، فجعله عمر بينهما، وحصل ذلك مع علي، فإن قلتَ: لم شرعت القيافة؟ قلتُ للتلازم؛ حيث إنه إذا تعارضت أدلة الأشخاص المدَّعين لهذا اللقيط أو تساوت، وكانت مصلحة اللقيط أن ينتسب، ووجد شبه بين اللقيط وبين بعض المدَّعين بسبب قول أهل الخبرة - وهي القافة - لزم منه قبول قولها؛ فيثبت النسب بأدنى دليل: ولا ينتفي إلّا بأقوى الأدلة وهو مثل الحد في ذلك: لما كان ينتفي بالشبهة وهو أدنى دليل لا يثبت إلّا بأقوى الأدلة، فإن قلتَ: لا حكم للقافة، ويُلحق بالمدَّعين جميعًا، وهو قول جمهور الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﷺ قائلًا: إن امرأتي=

стр. 2017

بكافر، أو أمة: لم يحكم بكفره، ولا رقه (٢٥)، ولا يلحق بأكثر من أم و "القافة": قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معيّنة، ويكفي واحد، وشرطه: أن يكون ذكرًا، عدلًا، مجربًا في الإصابة، ويكفي مجرَّد خبره، وكذا: إن وطئ اثنان امرأة بشبهة في طهر، واحد وأتت بولد يمكن أن يكون منهما (٢٦). = ولدت غلامًا أسود فقال: "هل لك من إبل؟ " قال نعم، قال: "فما لونها؟ " قال حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "من أين أتاها ذلك؟ " قال: لعل عرقًا نزع، قال: "وهذا لعلَّ عرقًا نزع" فلم يحكم بذلك بالقافة بل ألحقه به، الثانية: التلازم؛ حيث إن الحكم بالقافة مبني على الشبه والظن والتخمين فلا تثبت القافة ولا يحكم بها؛ لكون الشبه يوجد بين الأجانب وينتفي بين الأقارب، قلتُ: أما الحديث: فهو حجّة عليكم، لأن إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه لونه وعزمه على نفيه لذلك: يدل على أن العادة خلافه، وأن في طباع الناس إنكاره؛ لأن ذلك إنما يوجد نادرًا، وإنما ألحقه بالسائل؛ لوجود الفراش - لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر - وتجوز مخالفة الظاهر للدليل، ولا يجوز تركه لغير دليل، ولأن ضعفه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته، أما التلازم: فلا يُسلَّم؛ لأن الظاهر وجود الشبه يؤيده قوله ﷺ لأم سلمة: "أين يكون الشبه" - لما قالت: أو ترى ذلك المرأة؟ - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين". (٢٥) مسألة: إذا ألحقت القافة ذلك اللقيط بكافر، أو أمة: فإنه لا يحكم بكفر اللقيط، ولا برقه، ولكن يلحق بهما نسبًا؛ للتلازم؛ حيث لا يلزم من لحوق النسب لحوق الدين والرق، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٢٠). (٢٦) مسألة: إذا ألحقت القافة ذلك اللقيط بأكثر من أم: فلا يجوز الحكم به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استحالة كون ولد واحد من أمَّين: عدم جواز إلحاقه بهما، فإن قلتَ: لِمَ جاز الحكم به لرجلين قلتُ: لكونه يمكن أن يكون قد جاء=

стр. 2018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = منهما معًا؛ لإمكان اجتماع نطفتي الرجلين في رحم امرأة فيما لو وطيء رجلان امرأة بشبهة في طهر واحد، وأتت بولد يمكن أن يكون منهما، فائدة: "القافة" قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معيّنة، بل كل شخص يعرف الشبه فهو قائف بشرط: أن يكون ذكرًا، عدلًا، مجرّبًا في الإصابة، ويكفي في ذلك واحد، ويكفي مجرَّد خبره بدون بينة منه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحاكم يُشترط فيه أن يكون ذكرًا عدلًا فكذلك القائف، وكما أنه يكتفي بواحد في الرواية، ويكتفي بخبره فكذلك القائف مثله والجامع: أن كلًّا منهما مخبر عن شيء يعمل به. هذه آخر مسائل باب "اللقيط" ويليه: كتاب "الوقف".

стр. 2019

كتاب الوَقْف يقال: وقَّف الشيء، وحبسه، وأحبسه، وسبَّله بمعنى واحد، وأوقفه لغة شاذة، وهو: مما اختصّ به المسلمون، ومن القرب المندوب إليها (وهو: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة) على بر أو قربة، والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، وشرطه: أن يكون الواقف جائز التصرُّف (١) (ويصح) الوقف (بالقول كتاب الوَقْف وفيه خمس وخمسون مسألة: (١) مسألة: الوَقْفُ لغة: مصدر قولك: "وقفتُ الدابة" ومنه قولهم: "وقفت الأرض للمساكين وقفًا": حبستها، والمراد: وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها، وجمعه: "الوقوف"، وقول بعضهم: "أوقفه" لا يصح؛ لأنها لغة رديئة - كما جاء في اللسان (٩/ ٣٥٩) - وهو في الاصطلاح: "أن يقوم جائز التصرُّف بتحبيس الأصل وتسبيل المنفعة" وأتي بعبارة "جائز التصرُّف" لاشتراط: أن يكون الواقف جائز التصرف شرعًا، وهو البالغ العاقل الرشيد المالك ملكًا حقيقيًا، فأخرج بذلك: الصبي، والمجنون، والسفيه، والمحجور عليه، والمكاتب، والمراد بقوله: "تحبيس الأصل": توقيف هذا المال الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كأرض ودار ونحوهما. فلا يُتعرَّض له ببيع ولا تأجير، والمراد بقوله: "وتسبيل المنفعة" أن يجعل الواقف ريع هذه العين الموقفة والمسبَّلة ينتفع به الآخرون من أقرباء وغيرهم على جهة بر، أو معروف، أو قربة، والمراد من ذلك كله: أن يحصل الواقف على أجر عظيم بسبب ذلك، ويخرج هذا الموقوف عن ملك الواقف. (فرع) الوقف مستحب، أي: من القرب المندوب إليها؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ و"الخير" عام شامل لكل خير، فيدخل الوقف في ذلك؛ لأن "الخير" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ=

стр. 2020

وبالفعل الدال عليه) عرفًا (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه) أو أذَّن فيه وأقام (أو) جعل أرضه (مقبرة وأذن) للناس (في الدفن فيها) أو سقاية = العموم، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها قائلًا: إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه فما تأمرني فيه؟ قال رسول الله ﷺ : "إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يُبتاع ولا يُوهب ولا يُورث" قال: فتصدَّق بها عمر في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها ويطعم صديقًا بالمعروف، غير متموِّل فيه، وهذا صريح في استحباب الوقف على الطريقة هذه؛ لأن النبي ﷺ لا يرشد إلّا على طاعات وهو دال على منع التصرف في الموقوف، ثانيهما: قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: "صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، والوقف والسبيل من باب "الصدقة الجارية" إذا جعله في الفقراء المحتاجين له، الثالثة: فعل الصحابي: حيث إن جابرًا قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذو مقدرة إلّا وقف"، فإن قلتَ: لِمَ استحب الوقف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر بابًا من أبواب الخير الذي يستمر في الحياة وبعد الممات؛ إذا كان على وجه القربة بأن وقف ذلك للفقراء والمساكين، فإن قلتَ: إن الوقف غير مشروع، وهو قول القاضي شُريح؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا حبس عن فرائض الله" فلو كان الوقف جائزًا لأدَّى ذلك إلى أن يحول الواقف بين الورثة وبين أخذ نصيبهم المفروض قلتُ: هذا الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته: فإن المراد به إبطال عادة الجاهلية بقصر الإرث على الذكور والكبار، دون الإناث والصغار. تنبيه: قال النووي: "الوقف مما اختصَّ به المسلمون، قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية دارًا ولا أرضًا فيما علمتُ" فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين".

стр. 2021

وشرعها لهم؛ لأن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف (وصريحه) أي: صريح القول: (وقفتُ، وحبستُ، وسبَّلت) فمتى أتى بصيغة منها صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد (وكنايته: تصدَّقتُ، وحرَّمت وأبَّدتُ)؛ لأنه لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي (فتشترط النية مع الكناية، أو اقتران) الكناية بـ (أحد الألفاظ الخمسة) الباقية من الصريح والكناية: كتصدقت بكذا صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبَّلة، أو محرمة، أو مؤبَّدة؛ لأن اللفظ يترجح بذلك لإرادة الوقف (أو) اقترانها بـ (حكم الوقف) كقوله: "تصدَّقتُ بكذا صدقة لا تباع ولا تورث" (٢) (ويُشترط فيه) أربعة (٢) مسألة: الوقف يصح من الواقف بطريقين: الطريق الأول: القول وهو: صريح القول بالوقف، وكنايته، أما صريحه فكقول الواقف: "وقفتُ هذه الدار" و "حبستُها" و "سبَّلتُها"، فإذا تلفَّظ الواقف بذلك صارت الدار وقفًا من غير حاجة إلى أن ينضم إلى هذه الصيغ شيء زائد كنية، أو قرينة، أو فعل، أما كنايته: فكقول الواقف: "تصدَّقتُ بهذه الدار على المحتاجين" أو "حرَّمتُها علي" أو "أبَّدتُها"، وهذا اللفظ يُشترط فيه: أن يقترن هذا القول بنية الوقف، أو يقترن هذا القول بأحد الألفاظ الخمسة الباقية - من ألفاظ الصريح والكناية - كأن يقول الواقف: "تصدَّقت بهذه الدار صدقة موقوفة" أو "صدقة محبسة"، أو "صدقة مسبَّلة" أو "صدقة محرمة" أو "صدقة مؤيَّدة" أو نحو ذلك، أو يقترن هذا اللفظ بحكم الوقف كأن يقول: "تصدقتُ بهذه الدار صدقة لا تُباع ولا تورث" ونحو ذلك، فإن لم تقترن تلك الألفاظ الكنائية بأحد تلك الأمور الثلاثة: فلا يُعتبر وقفًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خلوص "وقفت، وحبست، وسبلت" للوقف، وعدم احتمال غيره: لكونها صريحة فيه لا تحتاج إلى انضمام غيرها يقويها، ويلزم من عدم خلوص: "تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَدتُ" للوقف، واحتمال غيره: كونها كنايات عن الوقف تحتاج إلى انضمام غيرها إليها يقويها كاقتران النية بها، أو أيّ لفظ آخر من الصريح أو الكناية، أو اقتران حكم الوقف بها الطريق الثاني: الفعل،=

стр. 2022

شروط: الأول: (المنفعة) أي: أن تكون العين ينتفع بها (دائمًا من معيَّن) فلا يصح وقف شيء في الذمّة كعبد، ودار، ولو وصفه كالهبة (ينتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان) ونحوهما من أثاث وسلاح (٣)، ولا يصح وقف المنفعة كخدمة عبد موصى له = وهو: الفعل الدال على الوقف في عرف وعادة الناس كأن يجعل الواقف أرضه مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيها، أو بناها على هيئة مسجد، أو كتابة لوح بالإذن أو الوقف، أو أذَّن فيه، أو للصلاة أقام للصلاة فيما بناه، أو جعل أرضه على شكل مقبرة، وأذن للناس في الدفن فيها، أو جعل قسمًا من منزله طريقًا يطرقه الناس، أو جعل فيه موضع سقاية، أو موضع تطهير، أو موضع قضاء الحاجة، فكل ذلك يدلّ على الوقف؛ للقياس، وهو من وجوه: أولها: كما أن القول يدل على الوقف - كما سبق - فكذلك الفعل يدل عليه والجامع: الاشتراك في الدلالة على الوقف، ثانيها: كما أن من قدَّم لضيفه طعامًا: فإن هذا يدل على أنه أذن له في أكله فكذلك الفعل يدلّ على الوقف، والجامع: أن الحال يدلّ على المقصود في كل، ثالثها: كما أن البيع ينعقد بدون قول أو لفظ - بل بفعل: وهو: أخذ المثمن، وتسليم الثمن - وهو المسمَّى بالمعاطاة - فكذلك الوقف ينعقد ويتم بالفعل الدال عليه والجامع: أن الحال يدلّ على المقصود في كل فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير الوقف بأي أسلوب أراده الواقف. (٣) مسألة في الأول - من شروط صحة الوقف - وهو: أن تكون العين الموقوفة يجوز بيعها، ويمكن الانتفاع بها نفعًا مستمرًا مع بقاء تلك العين كالعقارات، والحيوانات، والأثاث، والسلاح ونحو ذلك، وبناء على ذلك: لا يصح الوقف في الذمة، ولا يصح وقف المجهول؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهو حديث ابن عمر الوارد ذكره في الفرع التابع لمسألة (١) وقوله ﷺ : "من احتبس فرسًا في سبيل الله. . ." الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن أم معقل جاءت إلى النبي ﷺ =

стр. 2023

بها (٤)، ولا عين لا يصح بيعها كحر، وأم ولد (٥)، ولا ما لا ينتفع به مع بقائه = فقالت: إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله، وإني أريد الحج أفأركبه؟ فقال رسول ﷺ : "اركبيه، فإن الحج والعمرة من سبيل الله"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ما جاز بيعه، وأمكن الانتفاع به دائمًا هو الذي يأتيه أجره في حياته وبعد موته، وهو المقصد من مشروعية الوقف، الرابعة: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز هبة المجهول، أو ما في الذمة، فكذلك الوقف مثله والجامع: أن كلًّا منهما نقل ملك على وجه الصدقة والهبة. (٤) مسألة: يصح وقف أيِّ منفعة كأن يوصي زيد بأن عمرًا ينتفع بخدمة عبد له - أي: لزيد -، فيقوم عمر بوقف هذه الخدمة على العاجزين ونحو ذلك، وكأن يوقف منفعة أم ولده في حياته، وكأن يوقف زيد منفعة العين التي استأجرها سنة مثلًا، وكأن يوقف طيبًا يشمه أهل المسجد، ويوقف طيبًا للكعبة، وهو قول الكثير من العلماء، ومنهم ابن تيمية؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منفعة للموقوف عليه، ولا أثر لقصر مدة المنفعة أو طولها، فإن قلتَ: إنه لا يصح ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن شرط صحة الوقف: دوام الانتفاع بالموقوف، ويلزم من كون تلك المنفعة لا تدوم: عدم صحة وقفها قلتُ: إن كل منفعة تدوم على حسبها، ولكن الفرق: أن بعضها تدوم دائمًا، وبعضها ينقطع نفعها، وهذا لا أثر له، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل المشترط دوام المنفعة وإن ذهبت العين، أو المشترط دوام منفعة العين ما دامت تلك العين موجودة؟ " فعندنا: الثاني، وعندهم: الأول. (٥) مسألة: لا يصح وقف عين لا يجوز بيعها كأن يوقف زيد الحر نفسه أو ولده، أو يوقف السيد أم ولده بعد مماته، أو يوقف عينًا مرهونة، أو كلبًا أو خنزيرًا أو سباعًا أو طيورًا لا تصلح للصيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز بيع تلك الأشياء فكذلك لا يجوز وقفها والجامع: أن كلًّا من البيع والوقف فيه نقل=

стр. 2024

كطعام لأكل (٦)، ويصحّ وقف المصحف (٧)، والماء (٨)، والمشاع (٩) (و) الشرط الثاني: (أن يكون على بِرٍّ) إذا كان على جهة عامة؛ لأن المقصود منه التقرّب إلى الله تعالى، وإذا لم يكن على بِرٍّ لم يحصل المقصود (كالمساجد، والقناطر، والمساكين) والسقايات، وكتب العلم (١٠) (والأقارب من مسلم وذمِّي)؛ لأن القريب الذمي = للملك في الحياة، وهذا لا يصح في تلك الأشياء، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لعدم وجود تسبيل منفعة هنا وهو المقصود من مشروعية الوقف. (٦) مسألة: لا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقائه دائمًا كالأثمان والطعوم: من ذهب، أو فضة، دراهم، أو دنانير، والمأكولات جميعًا؛ للتلازم؛ حيث إن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذه الأشياء لا يمكن الانتفاع بها إلا بإتلافها فيلزم عدم صحة وقفها، أي: أنه إذا انتفع بالدراهم وصرفت فإنها تتلف بذلك، ولا يبقى منها شيء، وإذا أكل الأكل: فإنه يذهب، ولا تبقى عينه وهكذا ومثل هذا لا يصح وقفه؛ لمخالفته لحقيقة الوقف. (٧) مسألة: يصح وقف المصحف ليُقرأ فيه؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الوقف موجودة فيه؛ فيمكن تحبيس ذلك المصحف، وتُسبَّل منفعته. (٨) مسألة: يصح وقف الماء؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الوقف قد وجدت فيه، إذ يُمكن تحبيس الآلة التي يخرج منها الماء كالعين والبئر، ونحوهما وتسبيل منفعة ما يخرج منهما من ماء، وهو دائم. (٩) مسألة: يصح وقف الملك المشاع بينه وبين غيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن عمر أصاب مائة سهم من خيبر فاستأذن النبي ﷺ فيها فأذن له في وقفها، وهي مملوكه له ولغيره ملكًا مشاعًا، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز بيع المشاع، فكذلك يجوز وقفه والجامع: أن كلًّا منهما عقد يجوز على بعض الجملة. (١٠) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الوقف - وهو: أن يكون الوقف على برٍّ عام كالمساجد، والجسور، والمساكين، والغزاة. وكتب العلم: من قرآن، وحديث،=

стр. 2025

موضع القربة بدليل: جواز الصدقة عليه، وقفت صفية ﵂ على أخ لها يهودي، فيصح الوقف على كافر معيَّن (١١) (غير حربي) ومرتد؛ لانتفاء الدوام؛ لأنهما مقتولان عن قرب (١٢) (و) غير (كنيسة) وبيعة، وبيت نار، وصومعة، فلا وفقه وأصول والسقايات والمقابر، وسبيل الله، وإصلاح الطرق، والمدارس ونحو ذلك أعمال القرب والبر، والخيرات، التي يُرجى فيها الثواب، وبناء من على ذلك لا يصح الوقف على غيره توددًا، أو على ولده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه، ويباع في دينه، أو وقفه رياء وسمعه: فهذا لا ثواب فيه، بل منع من أن يأخذ الورثة حقوقهم، وهذا حرام؛ للتلازم؛ حيث إن كون المقصود من الوقف التقرّب إلى الله تعالى، يلزم منه اشتراط كون الوقف على برٍّ؛ لأنه إذا لم يكن على بر: لم يحصل المقصود الذي من أجله فعل الوقف، بل يكون عليه إثم؛ لكونه لم يبتغ فيه وجه الله تعالى، وهو المقصد منه. (١١) مسألة يصح أن يوقف الواقف هذا الشيء على مسلم معين، أو كافر ذمي معين، سواء كانا قريبين، أو أجنبيين، ويستمر هذا الوقف على الكافر الذمي بعد إسلامه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ وهذا يدل على جواز البر بالكافر الذمي، وهو الصدقة عليه، والوقف عليه كالصدقة عليه من باب "مفهوم الموافقة"؛ لعدم الفارق كالمسلمين، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن صفية ﵂ قد وقفت على أخ لها يهودي، فإن قلت: لَمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دعوة إلى الله تعالى. (١٢) مسألة: لايصح الوقف على كافر حربي، ولا على مرتد عن الإسلام، ولو كان قد وقف عليه، ثم ارتدّ: فإنه يمنع عنه هذا الوقف، ويُسلب منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط دوام الأصل -وهو تحبيسه على الموقف عليه ـ: عدم جواز الوقف على الحربي والمرتد؛ لكونهما غير دائمين؛ حيث إنهما مقتولان عن قرب،

стр. 2026

يصحّ الوقف عليها؛ لأنها بُنيت للكفر، والمسلم والذمي في ذلك سواء (١٣) (و) غير (نسخ التوراة، والإنجيل، وكتب الزندقة) وبدع مُضلَّة، فلا يصح الوقف على ذلك؛ لأنه إعانة على معصية، وقد غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر شيئًا استكتبه من التوراة، وقال: "أفي ذلك شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم أت بها بيضاء نقية؟ ولو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلّا اتباعي" ولا يصح أيضًا على قطَّاع الطرق، أو المغاني، أو فقراء أهل الذمة أو التنوير على قبر، أو تبخيره، أو على من يقيم عنده، أو يخدمه، ولا وقف ستور لغير الكعبة، (وكذا: الوصية) فلا تصح على من لا يصح الوقف عليه (١٤) (و) كذا (الوقف على نفسه) قال الإمام: "لا أعرف الوقف إلّا ما ولكون أموالهما مباحة، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على الإسلام والدخول فيه. (١٣) مسألة لا يصح للمسلم ولا الذمي أن يوقفا هذا الشيء على كنائس، وبِيَع، وصوامع، وبيوت نار -وهي أماكن متعبَّدات اليهود والنصارى والرهبان والمجوس- ولا على قناديلها، وفرشها؛ للمصلحة: حيث إن الوقف على تلك الأشياء فيه إعانة على إظهار الكفر، وهذا فيه إذلال للإسلام والتقليل من شأنه، فدفعًا لذلك لا يصح، فإن قلت: لِمَ شرع الوقف على الكافر الذمي؟ قلتُ: لا يتعيَّن كون الوقف عليه لأجل دينه، بخلاف ما نحن فيه. (١٤) مسألة: لا يصح الوقف على أي كتاب غير شرعي، فلا يصح الوقف على نسخ التوراة، والإنجيل، ولا على كتب فيها زندقة، أو بدع، أو أهواء، ولا يصح على قطاع الطرق، ولا على الأغنياء، ولا على الفسقة، ولا على أماكن الأغاني والموسيقا، ولا على جميع فقراء أهل الذمة، ولا على طائفة منهم، ولا على شيء فيه بدعة وضلالة كأن يوقف على من يقوم بتنوير قبره بعد موته، أو على من يُبخِّره، أو على من يُقيم عنده، أو يخدمه، ولا يوقف على ستائر على غير الكعبة ونحو ذلك من الضلالات والبدع؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى=

стр. 2027

أخرجه لله تعالى، أو في سبيله، فإن وقفه عليه حتى يموت: فلا أعرفه"؛ لأن الوقف إما تمليك للرقبة، أو المنفعة، ولا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه (١٥)، ويُصرف في الحال لمن بعده كمنقطع الابتداء (١٦)، فإن وقف على غيره، واستثنى كل الغلَّة، أو بعضها، أو الأكل منه مدَّة حياته، أو مدَّة معلومة: صح الوقف والشرط؛ لشرط عمر ﵁ أكل الوالي منها، وكان هو الوالي عليها، وفعله جماعة من الصحابة (١٧)، والشرط الثالث أشار إليه بقوله: (ويُشترط في غير) الوقف على الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث حرّم التعاون على كل ما فيه إثم وعدوان، لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، والوقف على هذه الأشياء من باب التعاون على الإثم فيُحرَّم، ويؤيده: إنكار النبي الله ﷺ على عمر نظره في التوراة، تنبيه: لا تصح الوصية على من لا يصح الوقف عليه مما سبق في المسائل -كما سيأتي في بابها -. (١٥) مسألة: لا يصح أن يوقف على نفسه حتى يموت؛ للتلازم؛ حيث إن الوقف تمليك للرقبة، أو للمنفعة، والوقف على نفسه ليس بأحدهما؛ لأنه لا يمكن أن يُملِّك نفسه من نفسه فيلزم عدم صحته (فرع): لو وقع ووقف على نفسه فقط: فإن هذا الموقوف يُورث بعده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة وقفه على نفسه: ملكه لهذا الوقف بحاله، فإذا مات دخل مع حقوق الورثة. (١٦) مسألة: إذا وقَّف على نفسه، ثم من بعده على أولاده قائلًا: "وقفتُ ذلك على نفسي، ثم من بعدي على أولادي": فإن ريع الوقف وثمرته ومنفعته تصرف في الحال لمن بعده -وهم أولاده-، لقاعدتينك الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم صلاحية نفسه للوقف عليها -كما سبق في مسألة (١٥) ـ: عدم اعتبارها؛ حيث إن وجودها كعدمها؛ الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لو وقَّف على فاسق ومن بعده عدل: فإنه يكون للعدل، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما جعل من يجوز الوقف عليه بعد من لا يجوز الوقف عليه. (١٧) مسألة: إذا وقَّف على غيره نخلًا مثلًا واشترط الواقف: أن يأخذ كل الغلَّة، أو=

стр. 2028

(المسجد ونحوه) كالرباط والقنطرة: (أن يكون على معيَّن يملك) ملكًا ثابتًا؛ لأن الوقف تمليك -فلا يصح على مجهول، كرجل ومسجد، ولا على أحد هذين، ولا على عبد ومكاتب، و (لا) على (ملَك) وجني، وميت (وحيوان، وحمل، وقبر) أصالة، ولا على من سيولد (١٨) ويصح على ولده، ومن يولد له، ويدخل الحمل والمعدوم بعضها، أو الأكل منه، أو الانتفاع لنفسه، أو لأهله، أو أن ينفع منه صديقه مدة معيّنة، أو مدة حياته: فإن الوقف يصح، وكذلك الشرط؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو وقَّف مسجداً أو قنطرة كان له الانتفاع بهما بالإجماع فكذلك غيرهما مثلهما والجامع: عدم مخالفة ذلك لحقيقة الوقف، ولا شروطه في كل، الثانية فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد استثنى أكل الوالي منها لما وقَّف وقفه وكان هو الوالي عليه، وكان يلي صدقته، ووقَّف عثمان بئر رومة، وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين. (١٨) مسألة في الثالث -من شروط صحة الوقف- وهو أن يكون الوقف ـ غير المسجد ونحوه- على معيَّن يملك ملكًا ثابتًا: كأن يقول: "وقَّفت هذا على مسجد كذا، أو على فلان الفلاني"؛ وبناء على ذلك: فلا يصح أن يوقف على غير معيَّن كقوله: "وقَّفت هذا على رجل أو مسجد" ولا يصح أن يوقف على مجهول كقوله: "وقَّفت على أحد المسجدين أو على أحد هذين" ولا يصح الوقف على من لا يملك كقوله: "وقَّفت على عبد" أو يقول: "وقَّفتُ على ملك من الملائكة، أو على جني، أو على شخص ميت" أو يقول: "وقَّفت على حيوان، أو على قبر فلان يخصِّصه به" أو يقول: وقَّفتُ على من سيولد لفلان" فلا يصح ذلك أصالة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوقف تمليك، ويقتضي الدوام: وجوب الوقف على من يملك ملكًا ثابتًا كالبيع ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة الوقف على من لا يملك أصلًا، أو ملكه غير مستقر ـكما مثَّلنا- (فرع): يصح الوقف على الحمل كقوله: "وقَّفت على ما في بطن هذه المرأة" وهو قول ابن عقيل، وابن تيمية =

стр. 2029

تبعًا (١٩)، الشرط الرابع: أن يقف ناجزًا، فلا يصح مؤقتًا، ولا معلَّقا (٢٠) إلّا بموت (٢١)، وإذا شرط: أن يبيعه متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه: بطل الوقف ويصح الوقف على المكاتب؛ للتلازم؛ حيث إن هذا المولود يملك ملكًا ثابتًا كإرثه وكذلك المكاتب: فلزم صحة الوقف عليه، فإن قلت: لا يصح الوقف على هذين، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (١٩) مسألة: يصح الوقف على ولده، ومن يولد له، ويدخل الحمل والمعدوم عند وقت الوقف تبعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المحمول به، والمعدوم يملكان ملكًا ثابتًا: صحة الوقف عليهما. (٢٠) مسألة في الرابع -من شروط صحة الوقف- وهو: أن يقف وقفًا ناجزًا، فلا يصح مؤقتًا بأن يقول الواقف: "وقَّفت هذه الدار على فلان سنة، ثم يرجع إليّ" أو يقول: "وقَّفتها ولي أن أرجع متى شئت"، ولا معلقًا على شرط في الحياة كأن يقول الواقف: "إن قدم زيد فداري هذه وقف" أو يقول: "إذا وُلد لي ولد فهي وقف" وهكذا؛ للقياس؛ بيانه كما أن الهبة يشترط فيها أن تكون ناجزة، فلا تؤقَّت، ولا تعلَّق بشيء فكذلك الوقف مثلها والجامع: أن كلًّا منهما نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الوقف من الطاعات التي يُرجى فيها الثواب، وهذا يكون ناجزًا معزومًا عليه. (٢١) مسألة: يصح أن يُعلَّق الوقف بالموت، ويكون هذا الوقف يؤخذ من ثلث مال الواقف بعد موته كالوصايا كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف بعد موتي" فتكون وقفًا بعد موت الواقف ولكن بشرط: ألا تزيد عن الثلث كسائر الوصايا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الهبة والصدقة المطلقة يصحّ أن يُعلقهما الواهب والمتصدِّق بعد الموت فكذلك الوقف مثله، والجامع: أن كلَّا منهما تبرُّع معلَّق بالموت، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر أوصى، فكان في وصيته: "هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا =

стр. 2030

والشرط، قاله في "الشرح" (٢٢) (لا قبوله) أي: قبول الوقف، فلا يُشترط ولو كان على معين (٢٣) (ولا إخراجه عن يده)؛ لأنه إزالة ملك يمنع البيع، فلم يُعتبر فيه ذلك صدقة، والعبد الذي فيه، والسهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة وسق الذي أطعمني محمد ﷺ ، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهله" فدل قوله: "إن حدث به حدث" أن الوقف يصح معلَّق بالموت، ويكون حكمه حكم الوصية، فإن قلتَ: لا يصح الوقف المعلَّق بالموت، وهو قول كثير من العلماء ومنهم أبو يعلى، تلميذه أبو الخطاب وإذا فعل تكون وصية لا وقف؛ للقياس؛ بيانه كما لا يصح الوقف إذا علَّق على شرط في الحياة ـ كما سبق في مسألة (٢٠) - فكذلك لا يصح الوقف المعلَّق بالموت، والجامع: أن كلًّا منهما قد عُلِّق على شرط قلتُ: إن الهبة المعلَّقة بالحياة لا تصح، بينما الهبة المعلَّقة بالموت تصح، والوقف مثله، والوصية أوسع من الوقف -كما سيأتي ـ والحقيقة: أن الخلاف هنا أقرب ما يكون إلى أنه لفظي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قالوا: إن الوقف المعلَّق بالموت يصح، ويكون وصية، ولو تدبَّرت أدلة الفريقين لوجدت هذا. (٢٢) مسألة إذا شرط الواقف: أن يبيع الوقف متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه، أو: له الخيار في هذا الوقف: فإنه يبطل الوقف والشرط؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد الوقف أن يكون ناجزاً ناقلاً للملك من الواقف إلى الله تعالى، وهذا الشرط يُنافي هذا المقتضى: فيلزم بطلان الوقف والشرط معًا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن عقد الوقف لا يصلح فيه التردُّد. (٢٣) مسألة: لا يُشترط قبول الوقف: سواء كان الوقف على غير معين كالفقراء، والمساكين، أو كان الوقف على من لا يتصوَّر منه القبول كالوقف على المساجد، والقناطر والجسور، أو كان الوقف على آدمي معيَّن، فإن قبل الموقوف عليه ذلك الوقف فحصل القبول، وإن لم يقبله انتقل إلى من بعده ولا يبطل بالرد؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن النوع الثاني - وهي الطبقة الثانية - لا يُشترط له=

стр. 2031

كالعتق (٢٤) وإن وقف على عبده، ثم المساكين: صُرف في الحال لهم (٢٥) وإن وقف القبول، فكذلك النوع الأول -وهي الطبقة الأولى من الموقوف عليهم- لا يُشترط له القبول والجامع: أنه في كل منهما المقصود فيه تحصيل الثواب من الله تعالى، ثانيهما: كما أن العبد يعتق ولا يُشترط قبوله، فكذلك الموقوف عليه لا يُشترط قبوله والجامع: أنه في كل منهما إزالة ملك تمنع البيع والهبة والميراث، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير الوقف، وعدم إحراج الموقوف عليهم، فإن قلتَ: يشترط القبول إذا كان الوقف على آدمي معين، وهو رأي كثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الهبة من شرطها قبول الموهَب فكذلك الوقف على آدمي معيَّن من شرطه قبوله والجامع: أن كلًّا منهما تبرّع لآدمي قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الوقف لا يختص لمعين، بل يتعلق به حق من يأتي بعده في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتَّب فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يقف على قبوله، والهبة لمعين على خلاف ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بالطبقة الثانية، والعبد إذا أعتق لأنهما أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالموهَب؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهو المسمى بقياس الشبه. (٢٤) مسألة: لا يُشترط في الوقف: إخراجه عن يده بل يبقى تحت يده وتصرُّفه ولا مانع من ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الوقف: لزومه وزوال ملكه عن الواقف بمجرَّد اللفظ يمنع البيع، وهذا يلزم منه أن إخراجه عن يده ليس شرطًا لصحته مثل: العتق: الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد وقَّف وكان وقفه بيده حتى مات، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الواقفين، والاستيثاق. (٢٥) مسألة: إذا وقف على من لا يجوز الوقف عليه، ثم على من يجوز الوقف عليه: كأن يوقف على عبده، ثم على المساكين: فإن الوقف يصح، ويُصرف في الحال=

стр. 2032

على جهة تنقطع كأولاده، ولم يذكر مآلًا، أو قال: "هذا وقف" ولم يُعيِّن جهة: صحّ، وصرف بعد أولاده لورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم وقفًا عليهم؛ لأن الوقف مصرفه البر، وأقاربه أولى الناس ببرِّه، فإن لم يكونوا: فعلى المساكين (٢٦). على المساكين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود من لا يصح الوقف عليه: عدم اعتباره، فوجوده كعدمه. (٢٦) مسألة: إذا وقف زيد دارًا على جهة تنقطع كأولاده فقط ولم يذكر مآلًا: كأن يقول الواقف - وهو زيد -: "هذه الدار وقف على أولادي" فقط، ولم يقل: "ثم هو من بعدهم وقف على كذا"، أو قال: "هذه الدار وقف، أو صدقة موقوفة" ولم يذكر الجهة الموقوفة عليها: فإن هذا يصح، فإذا مات أولاده -في الصورة الأولى-: فإن ريع هذه الدار الموقفة يُصرف لورثة الواقف ـوهو زيدـ نسبًا ـ فلا يدخل أولاد الأولاد- يُقسَّم بين أولئك الورثة على قدر إرثهم وقفًا عليهم: غنيهم وفقيرهم سواء، فإن لم يوجد للواقف -وهو زيدـ ورثة: فإنه يصرف على الفقراء والمساكين وقفًا عليهم، والفقراء الذين هم من أقارب الواقف أولى بأن يصرف هذا الريع عليهم من الفقراء الأجانب؛ إلا إذا وُجد فقير أجنبي مضطر فهو أولى من الفقراء الأقارب جميعًا، وكذلك في الصورة الثانية - وهي: إذا قال: "هذا وقف" ولم يُعيِّن جهة: فإن ريع الوقف يُصرف على الفقراء والمساكين كما سبق تفصيله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "صدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة" ثانيهما قوله: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" حيث إن هذا يدل على أن ورثة الواقف أولى من غيرهم في هذا الريع، ثم الفقراء من أقاربه، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون مصرف الوقف البر، وكون الأقارب أولى الناس ببره يلزم منه صرف ريع الوقف لأقاربه الفقراء، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن أقارب الإنسان هم أرحم به من غيرهم غالباً، فيكونون أولى الناس بصدقات النوافل والمفروضات.

стр. 2033

فصل: (ويجب العمل بشرط الواقف)؛ لأن عمر ﵁ وقف وقفًا وشرط فيه شروطًا، ولو لم يجب اتباع شرطه: لم يكن في اشتراطه فائدة (في جمع) بأن يقف على أولاده، وأولاد أولاده، ونسله وعقبه، (وتقديم): بأن يقف على أولاده مثلًا يقدم الأفقه، أو الأدين، أو المريض ونحوه (وضد ذلك): فضد الجمع الإفراد: بأن يقف على ولده زيد، ثم أولاده، وضد التقديم التأخير: بأن يقف على ولد فلان بعد بني فلان (واعتبار وصف وعدمه) بأن يقول: على أولاده الفقهاء، فيختص بهم، أو يطلق فيعمهم وغيرهم (والترتيب) بأن يقول: على أولادي، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم (ونظر): بأن يقول: "الناظر فلان، فإن مات ففلان"؛ لأن عمر ﵁ جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها (وغير ذلك) كشرط أن لا يؤجَّر، أو قدر مدَّة، الإجارة، أو أن لا ينزل فيه فاسق، أو شرير، أو متجوه ونحوه (٢٧)، وإن نزل مستحق تنزيلًا شرعيًا: لم يجز صرفه بلا موجب (٢٧) مسألة: يجب أن يُعمل بكل ما يقوله الواقف في وقفه من شروط إذا لم يكن فيه مخالفة للشارع: فإن اشترط الواقف أن يجمع الموقوف عليهم كأن يقول: "هذه الدار وقف على أولادي، وأولاد أولادي، ونسلي وعقبي" فيجب أن يُساوى بين المستحقين فلا فرق بين الأولاد وأولاد الأولاد في النصيب؛ وإن اشترط الواقف تقديم بعض الموقوف عليهم على بعض؛ نظرًا لاعتبار وصف ونحوه: كأن يقول: "هذه الدار وقف على أولادي بشرط" أن يقدم الأفقه، أو الأصلح، أو المريض، أو الأفقر، ولو بدون اعتبار وصف كأن يقول: "هذه وقف على أولادي، ثم على زيد بن فلان"، أو اشترط الإفراد كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف على ولدي زيد فقط، ثم أولاده" أو اشترط الترتيب كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف على ولد زيد بعد بني عمرو" أو يقول: "هذه الدار وقف على أولادي، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم"، وتضمَّن ذلك اشتراط تقديم وتأخير، أو اشترط تعيين الناظر كأن يقول: "الناظر على هذا الوقف=

стр. 2034

شرعي (٢٨) (فإن أطلق) في الموقوف عليه (ولم يشترط) وصفًا: (استوى الغني والذكر وضدهما)، أي: الفقير والأنثى؛ لعدم ما يقتضي التخصيص (٢٩) (والنظر) فيما إذا لم فلان، فإن لم يصلح أو مات: ففلان"، أو اشترط شروطًا أخر كأن يشترط: عدم تأجير الوقف، أو تأجيره مدَّة أو اشترط أن لا ينزل فيه فاسق، أو منافق أو شرير أو صاحب جاه، أو متعال على غيره، أو مبتدع ونحو ذلك من الشروط: فإنه يُعمل بذلك بكل دقة؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد وقف وقفًا، واشترط فيه شروطًا كثيرة، واشترط أن تقوم عليه حفصة، ثم يليه ذو الرأي من أهله -كما قد سبق ذكره في مسألة (٢١) ـ واشترط ابن الزبير أن تسكن في وقفه المردودة من بناته، ولم يُنكر عليهما أحد من الصحابة العالمين بذلك، وهذا متضمِّن لموافقة أكثر الصحابة، فلو لم تكن تلك الشروط مُتَّبعة ويُعمل بها: لم يكن فيها فائدة، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الشارع إذا اشترط شرطًا يجب العمل به فكذلك الواقف يُعمل بشروطه، والجامع: أن المشترط في كل يعلم أن المصلحة تكمن في تلك الشروط، وهذا هو المقصد منه. (فرع): لا يجوز لأي فاسق أن ينزل في الأماكن الموضوعة للبر والطاعات كالأعيان الموقوفة، والمدارس ونحو ذلك: سواء كان فسقه ظاهرًا أو باطنًا، وسواء نص على اشترط ذلك الواقف أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث إن الإذن لهؤلاء بالنزول في هذه الأماكن فيه إعانة لهم، وهذا لا يجوز؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم. (٢٨) مسألة: إذا نزل شخص من الموقوف عليهم في المكان الموقوف وهو موافق لشروط الواقف: فلا يجوز إخراجه وصرفه عن ذلك بلا بيّنة شرعية؛ للتلازم؛ حيث إن نزول ذلك الشخص من حقه: فيلزم عدم أخذ حقه إلَّا ببيَّنة تقوى على ذلك. (٢٩) مسألة: إذا أطلق الواقف في وقفه ولم يشترط وصفًا في الموقوف عليه: فإنه=

стр. 2035

يشترط النظر لأحد، أو شرط لإنسان ومات: فالنظر (للموقوف عليه) المعيَّن؛ لأنه ملكه وغلَّته له، فإن كان واحدًا: استقلَّ به مطلقًا، وإن كانوا جماعة: فهو بينهم على قدر حصصهم، وإن كان صغيرًا أو نحوه: قام وليه مقامه فيه (٣٠)، وإن كان الوقف على مسجد، أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين: فللحاكم، وله أن يستنيب فيه (٣١) (وإن وقف على ولده) أو أولاده (أو ولد غيره، ثم على المساكين: فهو لولده) يستوي في ذلك الغني والفقير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، ممن يدخلون تحت عموم لفظ الواقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم التخصيص بوصف أو شرط: التساوي في الاستحقاق؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيه، وهو المقصد منه. (٣٠) مسألة: إذا لم يشترط الواقف ناظرًا معينًا، أو شرط شخصًا ومات: فإن الذي يقوم بالنظر على الوقف هو الموقوف عليه إن كان آدميًا أو مجموعة يمكن حصرهم: فإن كان الموقوف عليه واحدًا كأن يقول: "هذه الدار وقف على ولدي زيد" فالنظر يكون لزيد، فيكون مستقلًا بهذا الوقف من حيث أخذ ريعه والنظر فيه، وإن كان الوقف على جماعة كأن يقف على أولاده، وأولاد زيد: فإن النظر يكون لهم جميعًا على قدر حصصهم، وإن كان الوقف على صبي، أو مجنون أو سفيه: فإن النظر يكون لوليهم، وهذا الناظر يقوم بما يحتاجه الوقف من حفظ، وتعمير ما انهدم وتحصيل ريع وصرفه في جهاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ريع الوقف وملكه لهذا الموقوف عليه: أن يكون ناظرًا له؛ لكونه أعلم بمصالحه، أكثر اهتمامًا وهو به من غيره، وهذا هو المقصد منه. (٣١) مسألة: إذا لم يُعيِّن الواقف ناظرًا، أو عينه فمات وكان الموقوف عليه غير آدمي كالوقف على المساجد، والقناطر، أو لا يمكن حصرهم: كالفقراء والمساكين: فإن الذي يقوم بالنظر هو الحاكم -وهو القاضي-، وله أن يُقيم من يثق به - ديانة- نائبًا عنه في النظر على ذلك الوقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحاكم=
следующие страницы →