Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
كالعتق (٢٤) وإن وقف على عبده، ثم المساكين: صُرف في الحال لهم (٢٥) وإن وقف
القبول، فكذلك النوع الأول -وهي الطبقة الأولى من الموقوف عليهم- لا يُشترط له القبول والجامع: أنه في كل منهما المقصود فيه تحصيل الثواب من الله تعالى، ثانيهما: كما أن العبد يعتق ولا يُشترط قبوله، فكذلك الموقوف عليه لا يُشترط قبوله والجامع: أنه في كل منهما إزالة ملك تمنع البيع والهبة والميراث، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير الوقف، وعدم إحراج الموقوف عليهم، فإن قلتَ: يشترط القبول إذا كان الوقف على آدمي معين، وهو رأي كثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الهبة من شرطها قبول الموهَب فكذلك الوقف على آدمي معيَّن من شرطه قبوله والجامع: أن كلًّا منهما تبرّع لآدمي قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الوقف لا يختص لمعين، بل يتعلق به حق من يأتي بعده في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتَّب فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يقف على قبوله، والهبة لمعين على خلاف ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بالطبقة الثانية، والعبد إذا أعتق لأنهما أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالموهَب؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهو المسمى بقياس الشبه.
(٢٤) مسألة: لا يُشترط في الوقف: إخراجه عن يده بل يبقى تحت يده وتصرُّفه ولا مانع من ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الوقف: لزومه وزوال ملكه عن الواقف بمجرَّد اللفظ يمنع البيع، وهذا يلزم منه أن إخراجه عن يده ليس شرطًا لصحته مثل: العتق: الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد وقَّف وكان وقفه بيده حتى مات، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الواقفين، والاستيثاق.
(٢٥) مسألة: إذا وقف على من لا يجوز الوقف عليه، ثم على من يجوز الوقف عليه: كأن يوقف على عبده، ثم على المساكين: فإن الوقف يصح، ويُصرف في الحال=
стр. 2032
على جهة تنقطع كأولاده، ولم يذكر مآلًا، أو قال: "هذا وقف" ولم يُعيِّن جهة: صحّ، وصرف بعد أولاده لورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم وقفًا عليهم؛ لأن الوقف مصرفه البر، وأقاربه أولى الناس ببرِّه، فإن لم يكونوا: فعلى المساكين (٢٦).
على المساكين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود من لا يصح الوقف عليه: عدم اعتباره، فوجوده كعدمه.
(٢٦) مسألة: إذا وقف زيد دارًا على جهة تنقطع كأولاده فقط ولم يذكر مآلًا: كأن يقول الواقف - وهو زيد -: "هذه الدار وقف على أولادي" فقط، ولم يقل: "ثم هو من بعدهم وقف على كذا"، أو قال: "هذه الدار وقف، أو صدقة موقوفة" ولم يذكر الجهة الموقوفة عليها: فإن هذا يصح، فإذا مات أولاده -في الصورة الأولى-: فإن ريع هذه الدار الموقفة يُصرف لورثة الواقف ـوهو زيدـ نسبًا ـ فلا يدخل أولاد الأولاد- يُقسَّم بين أولئك الورثة على قدر إرثهم وقفًا عليهم: غنيهم وفقيرهم سواء، فإن لم يوجد للواقف -وهو زيدـ ورثة: فإنه يصرف على الفقراء والمساكين وقفًا عليهم، والفقراء الذين هم من أقارب الواقف أولى بأن يصرف هذا الريع عليهم من الفقراء الأجانب؛ إلا إذا وُجد فقير أجنبي مضطر فهو أولى من الفقراء الأقارب جميعًا، وكذلك في الصورة الثانية - وهي: إذا قال: "هذا وقف" ولم يُعيِّن جهة: فإن ريع الوقف يُصرف على الفقراء والمساكين كما سبق تفصيله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "صدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة" ثانيهما قوله: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" حيث إن هذا يدل على أن ورثة الواقف أولى من غيرهم في هذا الريع، ثم الفقراء من أقاربه، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون مصرف الوقف البر، وكون الأقارب أولى الناس ببره يلزم منه صرف ريع الوقف لأقاربه الفقراء، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن أقارب الإنسان هم أرحم به من غيرهم غالباً، فيكونون أولى الناس بصدقات النوافل والمفروضات.
стр. 2033
فصل: (ويجب العمل بشرط الواقف)؛ لأن عمر ﵁ وقف وقفًا وشرط فيه شروطًا، ولو لم يجب اتباع شرطه: لم يكن في اشتراطه فائدة (في جمع) بأن يقف على أولاده، وأولاد أولاده، ونسله وعقبه، (وتقديم): بأن يقف على أولاده مثلًا يقدم الأفقه، أو الأدين، أو المريض ونحوه (وضد ذلك): فضد الجمع الإفراد: بأن يقف على ولده زيد، ثم أولاده، وضد التقديم التأخير: بأن يقف على ولد فلان بعد بني فلان (واعتبار وصف وعدمه) بأن يقول: على أولاده الفقهاء، فيختص بهم، أو يطلق فيعمهم وغيرهم (والترتيب) بأن يقول: على أولادي، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم (ونظر): بأن يقول: "الناظر فلان، فإن مات ففلان"؛ لأن عمر ﵁ جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها (وغير ذلك) كشرط أن لا يؤجَّر، أو قدر مدَّة، الإجارة، أو أن لا ينزل فيه فاسق، أو شرير، أو متجوه ونحوه (٢٧)، وإن نزل مستحق تنزيلًا شرعيًا: لم يجز صرفه بلا موجب
(٢٧) مسألة: يجب أن يُعمل بكل ما يقوله الواقف في وقفه من شروط إذا لم يكن فيه مخالفة للشارع: فإن اشترط الواقف أن يجمع الموقوف عليهم كأن يقول: "هذه الدار وقف على أولادي، وأولاد أولادي، ونسلي وعقبي" فيجب أن يُساوى بين المستحقين فلا فرق بين الأولاد وأولاد الأولاد في النصيب؛ وإن اشترط الواقف تقديم بعض الموقوف عليهم على بعض؛ نظرًا لاعتبار وصف ونحوه: كأن يقول: "هذه الدار وقف على أولادي بشرط" أن يقدم الأفقه، أو الأصلح، أو المريض، أو الأفقر، ولو بدون اعتبار وصف كأن يقول: "هذه وقف على أولادي، ثم على زيد بن فلان"، أو اشترط الإفراد كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف على ولدي زيد فقط، ثم أولاده" أو اشترط الترتيب كأن يقول الواقف: "هذه الدار وقف على ولد زيد بعد بني عمرو" أو يقول: "هذه الدار وقف على أولادي، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم"، وتضمَّن ذلك اشتراط تقديم وتأخير، أو اشترط تعيين الناظر كأن يقول: "الناظر على هذا الوقف=
стр. 2034
شرعي (٢٨) (فإن أطلق) في الموقوف عليه (ولم يشترط) وصفًا: (استوى الغني والذكر وضدهما)، أي: الفقير والأنثى؛ لعدم ما يقتضي التخصيص (٢٩) (والنظر) فيما إذا لم
فلان، فإن لم يصلح أو مات: ففلان"، أو اشترط شروطًا أخر كأن يشترط: عدم تأجير الوقف، أو تأجيره مدَّة أو اشترط أن لا ينزل فيه فاسق، أو منافق أو شرير أو صاحب جاه، أو متعال على غيره، أو مبتدع ونحو ذلك من الشروط: فإنه يُعمل بذلك بكل دقة؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد وقف وقفًا، واشترط فيه شروطًا كثيرة، واشترط أن تقوم عليه حفصة، ثم يليه ذو الرأي من أهله -كما قد سبق ذكره في مسألة (٢١) ـ واشترط ابن الزبير أن تسكن في وقفه المردودة من بناته، ولم يُنكر عليهما أحد من الصحابة العالمين بذلك، وهذا متضمِّن لموافقة أكثر الصحابة، فلو لم تكن تلك الشروط مُتَّبعة ويُعمل بها: لم يكن فيها فائدة، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الشارع إذا اشترط شرطًا يجب العمل به فكذلك الواقف يُعمل بشروطه، والجامع: أن المشترط في كل يعلم أن المصلحة تكمن في تلك الشروط، وهذا هو المقصد منه. (فرع): لا يجوز لأي فاسق أن ينزل في الأماكن الموضوعة للبر والطاعات كالأعيان الموقوفة، والمدارس ونحو ذلك: سواء كان فسقه ظاهرًا أو باطنًا، وسواء نص على اشترط ذلك الواقف أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث إن الإذن لهؤلاء بالنزول في هذه الأماكن فيه إعانة لهم، وهذا لا يجوز؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم.
(٢٨) مسألة: إذا نزل شخص من الموقوف عليهم في المكان الموقوف وهو موافق لشروط الواقف: فلا يجوز إخراجه وصرفه عن ذلك بلا بيّنة شرعية؛ للتلازم؛ حيث إن نزول ذلك الشخص من حقه: فيلزم عدم أخذ حقه إلَّا ببيَّنة تقوى على ذلك.
(٢٩) مسألة: إذا أطلق الواقف في وقفه ولم يشترط وصفًا في الموقوف عليه: فإنه=
стр. 2035
يشترط النظر لأحد، أو شرط لإنسان ومات: فالنظر (للموقوف عليه) المعيَّن؛ لأنه ملكه وغلَّته له، فإن كان واحدًا: استقلَّ به مطلقًا، وإن كانوا جماعة: فهو بينهم على قدر حصصهم، وإن كان صغيرًا أو نحوه: قام وليه مقامه فيه (٣٠)، وإن كان الوقف على مسجد، أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين: فللحاكم، وله أن يستنيب فيه (٣١) (وإن وقف على ولده) أو أولاده (أو ولد غيره، ثم على المساكين: فهو لولده)
يستوي في ذلك الغني والفقير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، ممن يدخلون تحت عموم لفظ الواقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم التخصيص بوصف أو شرط: التساوي في الاستحقاق؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيه، وهو المقصد منه.
(٣٠) مسألة: إذا لم يشترط الواقف ناظرًا معينًا، أو شرط شخصًا ومات: فإن الذي يقوم بالنظر على الوقف هو الموقوف عليه إن كان آدميًا أو مجموعة يمكن حصرهم: فإن كان الموقوف عليه واحدًا كأن يقول: "هذه الدار وقف على ولدي زيد" فالنظر يكون لزيد، فيكون مستقلًا بهذا الوقف من حيث أخذ ريعه والنظر فيه، وإن كان الوقف على جماعة كأن يقف على أولاده، وأولاد زيد: فإن النظر يكون لهم جميعًا على قدر حصصهم، وإن كان الوقف على صبي، أو مجنون أو سفيه: فإن النظر يكون لوليهم، وهذا الناظر يقوم بما يحتاجه الوقف من حفظ، وتعمير ما انهدم وتحصيل ريع وصرفه في جهاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ريع الوقف وملكه لهذا الموقوف عليه: أن يكون ناظرًا له؛ لكونه أعلم بمصالحه، أكثر اهتمامًا وهو به من غيره، وهذا هو المقصد منه.
(٣١) مسألة: إذا لم يُعيِّن الواقف ناظرًا، أو عينه فمات وكان الموقوف عليه غير آدمي كالوقف على المساجد، والقناطر، أو لا يمكن حصرهم: كالفقراء والمساكين: فإن الذي يقوم بالنظر هو الحاكم -وهو القاضي-، وله أن يُقيم من يثق به - ديانة- نائبًا عنه في النظر على ذلك الوقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحاكم=
стр. 2036
الموجود حين الوقف (الذكور والإناث) والخناثى: لأن اللفظ يشملهم (بالسوية)؛ لأنه شرَّك بينهم، وإطلاقها يقتضي التسوية، كما لو أقرَّ لهم بشيء (٣٢)، ولا يدخل فيهم الولد المنفى باللعان؛ لأنه لا يُسمَّى ولده (٣٣) (ثم) بعد أولاده لـ (ـــولد بنيه) وإن
ولي من لا ولي له: أن يقوم بالنظر على مثل ذلك الوقف، أو يقوم نائبه بذلك.
(٣٢) مسألة إذا وقف على ولده، أو أولاده، أو ولد غيره بأن قال الواقف "هذه الدار وقف على ولدي، أو على أولادي، أو لى ولد عمرو" فإن ريع هذه الدار أو سكناها يكون لأولاده الموجودين حين نطقه بالوقف والمحمول بهم في البطون، ويستوي في ذلك: الذكر والأنثى، والخنثى، فمثلًا لو كان ريع الدار ستمائة وله ولدان ذكران، وبنت: فإن كل واحد يأخذ مائتين؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ يلزم من إطلاق الوقف على أولاده، وتشريكه بينهم في العبارة: أن يقتسموا الريع بالسوية، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما لو أقر بأن عنده لأولاده ستمائة: فإن كل واحد يأخذ مثل نصيب الآخر لا فرق بين ذكر وأنثى فكذلك إذا وقف عليهم والجامع: أن كلًّا منهما يُسمَّى إقرارًا بشيء، دون تمييز، ثانيهما: كما أن ولد الأم في الميراث لا فرق بين ذكورهم وإناثهم؛ حيث قال تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فهم قد تساووا فيه، فكذلك الأولاد الموقوف عليهم لا فرق بين ذكورهم وإناثهم، والجامع: أن كلًّا منهم قد شُرِّكوا بالحق (فرع): إذا قال الواقف "هذا وقف على ولدي" أو قال "هذا وقف على أولادي": فالعبارتان سواء؛ للتلازم؛ حيث إن المفرد المنكر المضاف إلى معرفة -وهي ياء المتكلم- من صيغ العموم وكذلك الجمع المنكر المضاف إلى معرفة من صيغ العموم.
(٣٣) مسألة: إذا قال الواقف: "هذا وقف على أولادي" فإنه لا يدخل معهم الولد المنفي باللعان كأن يتهم الواقف امرأته بالزنا، وأن هذا الولد الذي أتت به ليس بولده، فيتلاعنان عند القاضي وينفيه الواقف، فهذا الولد الذي نفاه الواقف لا=
стр. 2037
سفلوا؛ لأنه ولده ويستحقونه مرتبًا: وجدوا حين الوقف أو لا (دون) ولد (بناته) فلا يدخل ولد البنات في الوقف على الأولاد إلَّا بنص أو قرينة؛ لعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (كما لو قال: على ولد ولده، وذريته لصلبه) أو عقبه أو نسله، فيدخل ولد البنين: وجدوا حالة الوقف أو لا، دون ولد البنات إلّا بنص أو قرينة (٣٤)، والعطف بـ "ثمَّ" للترتيب، فلا يستحق البطن الثاني
يدخل في أولاده أصلاً؛ إذ لا يُنسب إليه، ولا يرثه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم تسميته ولده: عدم دخوله في الأولاد الموقوف عليهم.
(٣٤) مسألة: إذا قال الواقف: "هذا وقف على أولادي": فإن جميع أولاده: من بنين وبنات يدخلون هنا، ويستحقون حقًا من ريع الوقف بالسوية ـكما سبق في مسألة (٣٢) -، ثم من بعد أولاده هؤلاء: يكون ريع الوقف لأولاد بنيه: وهكذا وإن سفلوا، يستحقون ريع الوقف مرتبًا بعد آبائهم بطنًا بعد بطن، أو الأقرب فالأقرب: سواء وجدوا حين الوقف، أو لم يوجدوا، ولا يدخل هنا: أولاد بنات الواقف، ولا أولاد بنات بنيه، ولا بنات بني بنيه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فإن لفظ "الولد" في الآيتين تناول ولد البنين دون ولد البنات، ويُحمل المطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن القرينة على المطلق من كلام الله تعالى، ويُفسَّر بما يُفسَّر به، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الواقف لو قال "وقفتُ هذا على ولد ولدي وذريته لصلبه، أو عقبه أو نسله": فيدخل ولد البنين فقط، دون ولد البنات فكذلك إذا قال: "هذا وقف على أولادي يدخل أولاده، وأولاد بنيه، دون أولاد بناته والجامع: أن الولد حقيقة هو الولد من الصلب، لا الولد الذي من صلب آخر لذلك قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فإن قلت: إن ولد البنات يدخل في لفظ "الأولاد"، وهو قول بعض العلماء؛=
стр. 2038
شيئاً حتى ينقرض الأول إلّا أن يقول: من مات عن ولد فنصيبه لولده (٣٥)، والعطف
للتلازم؛ حيث إن البنات أولاده فيلزم أن يكون أولادهن أولاد أولاده حقيقة قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن ولد ابنتك ليس بولدك لا حقيقة ولا مجازًا، بل هو ولد ابنتك، وفرق بينهما من حيث اللغة، والأحكام، أما من حيث اللغة: فاللغوي لا يُطلق على ولد بنته بأنه ولده، بل يقول: إنه ولد بنته، بينما يقول لولد ابنه: إنه ولده، وأما من حيث الأحكام: فإن ولد الولد يحجب الأخوة من الإرث، ويُعدُّ من عاقلة الإنسان، أما ولد البنت فلا يحجب الأخوة، ولا يُعدُّ من العاقلة، وكذا: فإن الجد يزوج بنت ابنته، ولكنه لا يزوج بنت بنته إلّا بتوكيل منها، وهكذا، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ولد البنت هو هل ولد أب البنت أم لا؟ ".
(٣٥) مسألة إذا وقف على أولاده ثم على أولاد أولاده بطنًا بعد بطن: فإن ريع الوقف يكون لأولاده الموجودين حين الوقف وهم مثلًا زيد وعمرو وبكر ـوهو البطن الأول-، فإذا مات زيد مثلًا: فإن نصيبه يكون لولده محمد مثلًا، وإن لم يمت عمر وبكر -وهما عما محمد-، أي: وإن لم ينقرض البطن الأول، وهذه رواية عن أحمد رجَّحها ابن تيمية؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أيسر وأسهل، وأكثر أجرًا من اشتراط انقراض البطن الأول بكامله؛ حيث يؤدِّي إلى أن يستحوذ واحد على جميع ريع الوقف، وقد يطول عمره، وفي ذلك حرمان ورثة زيد من الاستفادة من ريع ذلك الوقف، وهذا مخالف للمقصد من مشروعية الوقف وهو: الحصول على أكثر ما يُقدر عليه من الأجر، فإن قلتَ: إنه إذا وقف على أولاده ثم على أولاد أولاده بطنًا بعد بطن: فإن ريع الوقف يكون للبطن الأول فقط حتى ينقرض، ولا يستحق البطن الثاني إلا بعد انقراض الأول، إلا أن يُصرِّح الواقف قائلًا: "من مات عن ولد فنصيبه لولده"؛ للتلازم؛ حيث إن "ثم" تفيد العطف مع الترتيب؛ فيلزم منه: أن يكون البطن الثاني بعد انقراض كل=
стр. 2039
بـ"الواو" للتشريك (٣٦) (ولو قال: على بنيه، أو بني فلان: اختصَّ بذكورهم)؛ لأن لفظ "البنين" وضع لذلك حقيقة قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣٧) (إلا أن يكونوا قبيلة) كبني هاشم، وتميم، وقضاعة (فيدخل فيه النساء)؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها (دون أولادهن من غيرهم)؛ لأنهم لا ينتسبون إلى القبيلة الموقوف عليها (٣٨) (والقرابة) إذا وقف على قرابته، أو قرابة زيد (وأهل بيته وقومه)،
البطن الأول ويلزم من التصريح بغير ذلك: حكمه، قلتُ: هذا التفريق مخالف للمصلحة التي ذكرناها فيما سبق، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة".
(٣٦) مسألة: إذا قال الواقف: "هذا وقف على زيد وعمرو" فإن ريع الوقف يُقسم بينهما بالسوية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون "الواو" لمطلق الجمع والتشريك: أن يشتركا في ريع الوقف بالسوية.
(٣٧) مسألة: إذا وقف شخص على بنيه، أو على بني زيد من الناس: فإن ريع الوقف يختص بالبنين فقط دون البنات والخناثى، وإذا وقف على بناته أو على بنات زيد من الناس: فإن ريع الوقف يختص بتلك البنات، دون الذكور؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظ "البنين" يختص بالذكور: عدم دخول الإناث، ويلزم من كون لفظ "البنات" يختص بالإناث: عدم دخول الذكور؛ لأن الله تعالى فرّق بينهما قائلًا: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾.
(٣٨) مسألة إذا وقف شخص على قبيلته، أو على قبيلة بني تميم، أو بني هاشم ونحوهم: فإن أبناء وبنات وذكور وإناث ونساء وخناثى تلك القبيلة يدخلون في هذا الوقف بأن يأخذ كل واحد نصيبًا كما أخذ الآخر، ولكن لا يدخل أولاد النساء الذين آباؤهم من غير تلك القبيلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون اسم "القبيلة" شاملًا للذكر وللأنثى: أن يدخل جميع من ينتسب إلى تلك القبيلة من الذكور والإناث، والخناثى، ويلزم من كون أولاد بنات تلك القبيلة لا ينتسبون =
стр. 2040
ونسباؤه (يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه و) أولاد (جده و) أولاد (جد أبيه) فقط؛ لأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى، ولم يعط قرابة أمه، وهم بنو زهرة شيئًا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والقريب والبعيد، والغني والفقير؛ لشمول اللفظ لهم، ولا يدخل فيهم من يخالف دينه (٣٩)،
إلى تلك القبيلة الموقوف عليها: عدم دخولهم في الوقف.
(٣٩) مسألة: إذا وقف زيد على قرابته، أو وقف على قرابة عمرو، أو وقف على أهل بيته، أو وقف على قومه، أو وقف على نسبائه، أو وقف على آله: فإنه يُعطى من ريع الوقف جميع من يُعرف بأنه قريب لزيد -وهو الواقف-: سواء كان قريبًا من جهة أبيه، أو جهة أمه، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الشافعي، ويستوي في ذلك: الذكر، والأنثى، والكبير والصغير، والقريب للواقف والبعيد عنه، والغني والفقير، يُقسم ريع الوقف على الجميع بالتساوي على حسب ذلك الريع، وعلى ما يراه الناظر لذلك الوقف إلّا من يُخالف الواقف في دينه: فلا يُعطى من وقفه: فإن كان الواقف مسلمًا: لم يدخل في قرابته كافرهم، وإن كان الواقف كافرًا: لم يدخل في قرابته المسلم منهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ حيث إن النبي ﷺ لما نزل هذا امتثل للأمر قائلًا: "يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرَّة" ففعله هذا يدل على أن هؤلاء يُطلق عليهم لفظ "الأقربين" وإن كانوا بعيدين، الثانية: التلازم؛ حيث إن اسم "القرابة" يشمل كل قريب، ويتناوله في عمومه فيلزم دخول هؤلاء، ويلزم عدم دخول الكافر؛ لكونه لا يقصد في الوقف الثالثة فعل الصحابي؛ حيث إن أبا طلحة وقف على أقربائه فدخل فيه حسَّان وأُبي، ومعلوم: أن بين "أُبي" و "أبي طلحة" ستة أجداد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصد من الوقف هو صنع المعروف للآخرين؛ طمعًا في الحصول على الأجر والثواب، وهذا يُحصِّله كل قريب، فإن قلتَ: إنه إذا وقف بتلك العبارات: فإنه يدخل الأقرباء القريبون=
стр. 2041
وإن وقف على ذوي رحمه: شمل كل قرابة له من جهة الآباء والأمهات والأولاد؛ لأن "الرحم" يشملهم (٤٠)، والموالي يتناول المولى من فوق وأسفل (٤١) (وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو) تقتضي حرمانهن: عمل بها) أي: بالقرينة؛ لأن دلالتها كدلالة اللفظ (٤٢) (وإذا وقف على جماعة يمكن حصرهم) كأولاده، أو أولاد
وهم: أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه فقط، فلا يُعطى من ريع الوقف غير هؤلاء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بهم ذوي القربى، ولم يعط قرابة أُمِّه، وهم بنو زهرة شيئًا منه، فكذلك لا يُعطون من الوقف، قلتُ: إن إعطاء النبي ﷺ بعض قرابته في سهم الغنيمة لا يمنع تعميم عطاء الواقف جميع قرابته من الوقف؛ لكون المقصد من الوقف هو: أن يتحصَّل الواقف على الأجر، وهذا لا يختلف فيه القريب في القرابة والبعيد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما إذا خصَّص الشارع أناسًا بالعطاء هل يمنع من تعميم العطاء في غير هذا الموضع" فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٤٠) مسألة: إذا وقف زيد على ذوي رحمه: بأن قال: "هذا وقف على ذوي رحمي": فإنه يُعطى من ريع الوقف جميع قرابة زيد من جهة آبائه، وأمهاته، وأولاده باتفاق، ولو كانوا متجاوزين أربعة بطون؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "الرحم": شمول ذلك لكل قريب؛ لأنه يشملهم جميعًا.
(٤١) مسألة: إذا وقف زيد على مواليه كأن يقول: "هذا وقف على مواليي": فإن جميع الموالي يُعطون من ريع ذلك الوقف: سواء كانوا موالٍ من فوق -وهم الذين أعتقوه ـ أو موال من أسفل -وهو الذي أعتقهم-، ويُعطى كل واحد منهم نصيبًا مثل نصيب الآخر، لا فرق بين الذكر والأنثى والخنثى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظ "الموالي" عامًا شموله لجميع من يُطلق عليه مولى.
(٤٢) مسألة: إذا وُجدت قرينة تدل على أن الواقف أراد إدخال الإناث كأن يقول: =
стр. 2042
زيد، وليسوا قبيلة: (وجب تعميمهم والتساوي) بينهم؛ لأن اللفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به، فوجب العمل بمقتضاه (٤٣)، فإن كان الوقف في ابتدائه على من يمكن استيعابه، فصار ممن لا يمكن استيعابه كوقف علي ﵁: وجب تعميم من أمكن منهم، والتسوية بينهم (وإلا) يمكن حصرهم واستيعابهم كبني هاشم، وتميم: لم يجب تعميمهم؛ لأنه غير ممكن و (جاز التفضيل) لبعضهم على بعض؛ لأنه إذا جاز حرمانه: جاز تفضيل غيره عليه (والاقتصار على أحدهم)؛ لأن مقصود الواقف: برُّ ذلك الجنس، وذلك يحصل بالدفع إلى واحد منهم (٤٤)، وإن وقف
"هذا وقف على أولادي -وفيهم بنات- ومن مات منهم فنصيبه لولده" فإنه يعمل بالقرينة، ويدخل الإناث، وكذلك إذا وجدت قرينة دالة على أن الواقف أراد حرمانهن: كأن يقول: "هذا وقف على أولادي وأولادهم من صلبي" أو "على من ينتسب إلي": فإنه يُعمل بتلك القرينة، فلا يدخل الإناث هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظاهر لفظ الواقف في الصورة الأولى: دخول الإناث، ويلزم من ظاهره في الصورة الثانية: إخراج الإناث وهذا يُعتبر من لوازم الألفاظ، والعمل بالظاهر، ولا فرق بين دلالة القرينة ودلالة اللفظ.
(٤٣) مسألة: إذا وقف زيد وقفًا على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم بالوقف كأن يوقف على أولاده، أو أولاد عمرو فقط، أو مواليه، أو موالي عمرو -من ليسوا بقبيلة-: فإنه يجب على الناظر أن يُعمِّم عليهم ريع ذلك الوقف، وأن يقسمه بينهم بالتساوي: الأنثى كالذكر، والصغير كالكبير -كما سبق بيانه-؛ للتلازم؛ حيث إن إمكان استيعابهم، والوفاء بذلك: يلزم منه: أن يُعمل عليه، لوجوب العمل بمقتضى لفظ الواقف فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيصال البر إلى أهله بدون مشقة.
(٤٤) مسألة: إذا وقف زيد وقفًا على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم، وبعد ذلك صاروا لا يمكن حصرهم واستيعابهم، أو وقف وقفًا على قبيلة ابتداء كبني تميم =
стр. 2043
مدرسة، أو رباطًا ونحوهما على طائفة: اختصَّت بهم، وإن عيَّن إمامًا ونحوه: تعيَّن والوصية في ذلك كالوقف (٤٥).
فصل: (والوقف عقد لازم) بمجرَّد القول، وإن لم يحكم به حاكم كالعتق؛ لقوله ﵇: "لا يُباع أصلها، ولا يوهب ولا يورث" قال الترمذي: "العمل على هذا الحديث عند أهل العلم" (٤٦) فـ (ــلا يجوز فسخه) بإقالة ولا غيرها؛ لأنه
أو على بلد أو منطقة، أو على المساكين، والفقراء: فإنه لا يجب على الناظر: أن يُعمِّم ريع الوقف عليهم جميمًا، بل يُعطى منه من يمكن عطاؤه بدون مشقة، فيُفضّل، ويُقتصر في العطاء من الوقف على من يمكن عطاؤه، دون من يشق عطاؤه، ويُراعى في ذلك الأحق منهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث إن هذا عام لكل شيء شق العمل به: فإنه يُعمل بما يقدر عليه؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، الثالثة: التلازم؛ حيث إن مقصود الواقف هو بر جنس تلك المجموعة من القبيلة، أو البلد أو المساكين، أو الفقراء فيلزم إجزاء ذلك بإعطاء بعض منهم؛ لحصول الدفع، والأجر في ذلك، وهذا هو المقصد منه.
(٤٥) مسألة إذا وقف شخص مدرسة، أو رباطًا على طائفة الناس، أو وقف من مسجدًا وعيّن له إمامًا، أو مؤذنًا، أو اشترط أيّ شرط لا يُخالف أحكام الشريعة: فإن كل ذلك يُعمل به: فتكون المدرسة والرباط خاصين بتلك الطائفة، ويتعيَّن الإمام والمؤذن على حسب شرط الواقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تخصيصه المدرسة، والرباط لهؤلاء الناس، أو الإمام والمؤذن: أن يُعمل به؛ لأنه من شروط الواقف، وشرط الواقف يجب العمل به ـكما سبق- (تنبيه): يجب أن يُعمل على ألفاظ الموصي كما يُعمل على ألفاظ الواقف، وسيأتي بيانه في كتاب "الوصايا".
(٤٦) مسألة: الوقف عقد لازم يقع بمجرَّد أحد الطريقين اللَّذين يصح الوقف من =
стр. 2044
مؤبَّد (٤٧)، (ولا يُباع) ولا يُناقل به (٤٨) (إلا أن تتعطَّل منافعه) بالكلية كدار انهدمت،
الواقف بهما، وهما: القول الصريح، والكناية أو الفعل الصادر من الواقف -كما سبق في مسألة (٢) - وإن لم يحكم به حاكم -وهو القاضي- ويكتبه في صكٍ، فلا يحتاج إلى ذلك كله، بل يكفي كتابة ذلك بيده، أو يمليه على غيره بشهادة عدل أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعمر لما أوقف أرضًا له بخيبر: "إن شئتَ حبستً أصلها وتصدَّقتَ بها، غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يُبتاع ولا يُوهب، ولا يُورث" وهذا يلزم منه لزوم عقد الوقف، بمجرَّد قول الواقف أو فعله الدال على أنه وقف، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أعتق عبدًا له: فإنه يقع عتقه، ويكون ذلك العبد حرًا بمجرد العتق بلا إذن حاكم، فكذلك الوقف يقع بمجرَّد القول بلا إذن حاكم، والجامع: أن كلًّا منهما تبرُّع أخرجه المالك لا دخل لأحد به، وهو يمنع الهبة والبيع وأيَّ تصرُّف فيهما فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسيع على فاعلي الطاعات.
(٤٧) مسألة: لا يجوز للواقف، ولا الغيره: أن يفسخ الوقف، أو ينقضه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون عقد الوقف عقدًا لازمًا مؤيَّدًا: عدم جواز فسخه أو نقضه لا من الواقف ولا من غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع التلاعب والعبث بالطاعات، وأبواب الخير والبر.
(٤٨) مسألة: لا يجوز للواقف ولا لغيره أن يبيع العين الموقوفة، ولا يُبدله بغيره ولا يهبه لغيره، ولو وقع ذلك: فلا يصح؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يُوهب" فنهى عن بيع الوقف، وهبته، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد وتبديله بغيره كبيعه فلا يصح مثل بيعه؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتَ: للمصلحة؛ وهي ما ذكرناها في مسألة (٤٧). (فرع): إذا وقف زيد وقفًا على الفقراء والمساكين، أو =
стр. 2045
أو أرض خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، فيُباع؛ لما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد - لمّا بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نُقب -: "أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل" وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان كالإجماع، ولو شرط الواقف: أن لا يُباع إذًا: ففاسد (ويُصرف ثمنه في مثله)؛ لأنه أقرب إلى غرض الواقف، فإن تعذَّر مثله: ففي بعض مثله، ويصير وقفًا بمجرَّد الشراء، وكذا: فرس حبيس لا يصلح لغزو (ولو أنه) أي: الوقف (مسجد) ولم ينتفع به في موضعه، فيُباع إذا خربت محلَّته (وآلته) أي: ويجوز بيع بعض آلته، وصرفها في عمارته (٤٩) (وما فضل عن
على أولاده أو غيرهم، ثم أعسر زيد -وهو الواقف- فإنه يأخذ من ريع وقفه بالمعروف، وهو أولى به؛ للمصلحة: حيث إن المقصود بالوقف هو: البر بالآخرين من أجل تحصيل الثواب، وهو أولى بذلك إذا افتقر؛ سدًا لحاجته، وإكرامًا له من تكفف الناس؛ عملًا بقوله ﷺ : "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول".
(٤٩) مسألة: إذا تعطَّلت منافع الوقف بالكلية، كأن وقف دارًا فانهمدت، أو أرضًا فماتت، أو وقف فرسًا فصار لا يصلح للغزو، أو وقف مسجدًا فانهدم، أو خربت محلَّته وانتقل من كانوا حوله، ولم يُصل فيه إلّا نادرًا، أو كانت آلة المسجد لا تنفع لشيء: فإنه يجوز لناظر الوقف، أو للحاكم: أن يبيع ذلك الوقف من دار، وأرض، وفرس، ومسجد، وآلته، ويجوز بيع بعض ذلك لعمارة البعض الآخر،، ويجوز مناقلته ويشتري بثمنه في مثل العين الموقوفة كدار أو أرض أخرى، أو فرس، أو مسجد آخر ونحو ذلك وهذا مطلق، أي: سواء اشترط الواقف عدم بيعه أو لا؛ لقواعد: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد أمر بنقل مسجد في الكوفة إلى مكان آخر، ولم ينكر ذلك أكثر الصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بيعه وشراء شيء ينفع الواقف، ويتحصَّل على الأجر الذي قصده من وقفه، أو استبداله بشيء آخر منه مصلحة للواقف والموقوف عليهم، وهذا لا =
стр. 2046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يخفى على أحد، الثالثة التلازم؛ حيث يلزم من النهي عن إضاعة المال: لزوم بيعه وشراء غيره يُحصِّل مقصود الواقف؛ لكون ذلك أحفظ له، ويلزم من الحرص على تنفيد لفظ الواقف: أن يُشترى بثمن الوقف ما هو مثله؛ أو بعض مثله؛ لتحصيل غرض الواقف أو ما يقرب منه على حسب الإمكان، الرابعة: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشخص لو اشترى أضحية بثمن أضحية قد عيّنها: فإن الشاة المشتراة الثانية تكون أضحية بمجرّد شرائها، فكذلك لو اشترى الناظر شيئًا بدلًا عن الوقف الذي تعطّلت منافعه: فإنه يكون وقفًا بمجرَّد الشراء والجامع: أن المشتري هو وكيل في الشراء فقط، وللاحتياط؛ لئلا ينقضه بعد ذلك لا من يرى وقفه، ثانيهما: كما يجوز بيع جميع الوقف عند الحاجة إلى بيعه: فإنه من باب أولى بيع بعضه مع بقاء البعض الآخر من الوقف، والجامع: مصلحة الوقف في كل، والمقصد من ذلك واضح كما سبق. (فرع): إذا لم تتعطَّل منافع الوقف بالكلية، ولكنها قلَّت، وكان غيره أنفع وأكثر ريعًا على أهل الوقف: فيجوز أيضًا بيع الوقف وشراء ما هو أنفع منه وأكثر ريعًا ومناقلته بما هو أنفع منه بشرط: أن الذي يفعل ذلك هو ناظر الوقف المعيَّن من جهة الواقف، أو من جهة الحاكم، وهو قول كثير من العلماء، واختيار ابن تيمية وابن القيم؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع ومناقلة الوقف إذا تعطَّلت منافعه بالكلية فكذلك يجوز فعل ذلك إذا قلَّت تلك المنافع، والجامع: مصلحة الواقف والموقوف عليهم وهذه المصلحة هي المقصد منه، فإن قلتَ: لا يجوز ذلك، للاستصحاب؛ حيث إن الأصل تحريم البيع فيُعمل بذلك، حتى يرد ما يُغيِّر الحالة، وكون الريع قليلًا لا يصلح أن تكون قرينة تغيِّر ذلك الأصل؛ لكونه قد أمكن تحصيل الانتفاع قلتُ: هذا بعيد؛ لأن مقصود الواقف هو تحصيل الأجر والثواب من هذا الوقف فكلَّما كان الأجر أكثر كلَّما كان هو مقصود الواقف، ولا شكَّ أن=
стр. 2047
حاجته) من حصره، وزيته، ونفقته، ونحوها: (جاز صرفه إلى مسجد آخر)؛ لأنه انتفاع به في جنس ما وُقَّف له (والصدقة به على فقراء المسلمين)؛ لأن شيبة بن عثمان الحجبي كان يتصدَّق بخُلقان الكعبة، وروى الخلَّال بإسناده أن عائشة أمرته بذلك، ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصُرف إلى المساكين (٥٠)، وفضل موقوف على معيَّن استحقاقه مقدَّر يتعيَّن إرصاده ونصَّ فيمن وقف على قنطرة فانحرف الماء: يُرصد؛ لعله يرجع (٥١)، وإن وقف على ثغر فاختل: صرف في ثغر مثله، وعلى قياسه
كامل المنافع أحب إلى الواقف من ناقصها؛ نظرًا لكثرة الأجر والثواب في الكامل، دون الناقص، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ الواقف ومقصده فأيُّهما المقدم؟ " فعندنا: يُقدَّم مقصده، وعندهم: يُقدَّم لفظه. (فرع ثان) يجب على الحكّام والقضاة وولاة الأمر أن يتصرَّفوا بتلك الأوقاف المعطَّله، وهي كثيرة جدًا في أنحاء البلاد، فيبيعوها، ويجعلوا أثمانها فيما ينفع فقراء المسلمين، وبذلك تعمر الأراضي والدور الخربة، وينتفع فقراء المسلمين.
(٥٠) مسألة: إذا وقف شخص مسجدًا، وفضل عن حاجته من فرشه، أو زيته، أو نفقته، أو خشبه، أو شيء من بنائه: فإنه يُصرف إلى مسجد آخر محتاج إلى مثل هذه الأمور، أو تباع ويُتصدَّق بثمنها على الفقراء والمساكين؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي، حيث إن عائشة قد أمرت من اختصّ بحجابة الكعبة بأن يبيع ما فضل من ثياب الكعبة، ويتصدَّق بثمنها في سبيل الله والمساكين، الثانية: التلازم، حيث يلزم من عدم وجود المصرف الذي نصَّ عليه الواقف: أن يُصرف فيما ماثله، أو غيره مما يُحصِّل الأجر والثواب؛ لأنه مال قصد به وجه الله تعالى، كالوقف المنقطع المنافع، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة للواقف وللمسلمين جميعًا.
(٥١) مسألة: إذا وقف زيد دارًا على عمرو وعين مقدار ما يُعطى من ريع تلك الدار كل سنة وفضل شيء من ذلك الريع: بأن قال الواقف ـوهو زيد-: "هذه الدار=
стр. 2048
مسجد، ورباط، ونحوهما (٥٢)، ولا يجوز غرس شجرة، ولا حفر بئر بالمسجد (٥٣)،
وقف على عمرو، ويُعطى من ريعها كل سنة مائة درهم" وكان ريع الدار مائة وخمسين: فإنه يجب على الناظر أن يصرف ما زاد عن المائة إلى الفقراء والمساكين، ووجوه الخير مما يقرب من مصرف ما نص عليه الواقف؛ للمصلحة حيث إن مقصد الواقف هو تكثير الأجر والثواب في الوقف، وهذا يحققه لا سيما إذا عرفنا أن بقاء ما بقي من الريع -وهو الخمسون في كل عام ـ يُفسد ذلك الريع بسبب تراكمه مع أن الواقف محتاج إليه، فإن قلتَ: إن ما فضل وزاد على المعين -وهو في المثال خمسون- يُرصد ويحفظ، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أحوط، فقد يحتاج الوقف إلى إصلاح فيُصرف على إصلاحه من هذا المرصود والمحفوظ، قلتُ: هذه مصلحة محتملة فقد لا تتحقق فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين" فقدمنا المصلحة الغالبة والمحققة لغرض الواقف، وقدموا المصلحة المحتملة احتمالًا بعيدًا.
(٥٢) مسألة: إذا وقف على شيء فاختلّ وفسد: فإن ريع هذا الوقف يُصرف على ما يماثله فمثلًا: لو قال الواقف: "وقفت هذه الدار يُصرف ريعها وأجرتها على الثغر الفلاني -وهو حراسة حدود المسلمين-" أو قال: "يُصرف ريعها وأجرتها على المسجد الفلاني، أو على الرباط الفلاني، أو على السقاية الفلانية، فاختل وفسد الموقوف عليه: فإن ذلك الرَّيع والأجرة تُصرف على ما يُماثل الموقوف، فيُصرف في تلك الأمثلة على ثغر آخر، وعلى مسجد آخر، أو على رباط آخر، أو على سقاية أخرى على حسب القدرة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُحصِّل غرض الواقف تقريبًا: فلزم ووجب فعله؛ لمصلحة الواقف، وهذا هو المقصد منه.
(٥٣) مسألة: إذا وقف شخص مسجدًا: فلا يجوز له ولا لغيره أن يغرس شجرة، أو أن يحفر بئرًا في ذلك المسجد إذا لم يكن في هذا الغرس أو الحفر مصلحة، وفيه تضييق على المصلين، أما إن اقتضت المصلحة غرس شجرة أو حفر بئر، ولم =
стр. 2049
وإذا غرس الناظر، أو بنى في الوقف (٥٤) من مال الوقف أو من ماله، ونواه للوقف: فللوقف، قال في "الفروع": ويتوجَّه في غرس أجنبى أنه للوقف بنيته (٥٥).
يوجد تضييق: فيجوز فعل ذلك؛ للمصلحة: حيث إن غرس الغرس والحفر فيه مفسدة تضييق على المصلِّين: فلم يجز لذلك، وإذا كان فيه مصلحة، ولم يكن فيه تضييق: فيجوز؛ تحقيقًا لتلك المصلحة.
(٥٤) مسألة: إذا قال الواقف: "هذه الدار وقف يُصرف ريعها على كذا وكذا" وجعل الناظر عليها زيدًا، ثم غرس أو بنى ذلك الناظر -وهو زيدـ في تلك الدار الموقوفة من مال الوقف -وهو ريع الدار-: فإن ذلك الغرس والبناء للوقف وأجره وثوابه للواقف: وهذا مطلق، أي: سواء نواه الناظر، أو لم ينوه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون المال مال الواقف: أن يكون الغرس والبناء تابعًا للوقف، وأجره للواقف؛ لكونه من ماله وريعه.
(٥٥) مسألة: إذا وقف شخص دارًا يُصرف ريعها على كذا وكذا، ثم بنى أو غرس ناظرها في تلك الدار الموقوفة من غير مال الوقف، أو فعل ذلك أجنبي: فإن ذلك البناء والغرس لفاعله إن نواه له، وإن لم ينوه له: فهو للوقف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيّته: أن يكون تابعًا له؛ عملًا بالنية، ويلزم من عدم نيته: أن يكون ذلك البناء للوقف؛ لأنه صاحب الأصل، فيتبعه ما وضع فيه بعد ذلك.
هذه آخر مسائل كتاب: "الوقف"، وهو آخر المجلد الثالث من كتاب: "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع، وتنزيل الأحكام على قواعدهما الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها، وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة نفع الله به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الرابع وأوله باب: "الهبة والعطية والهدية".
стр. 2050
باب الهبة والعطية
الهبة من هبوب الريح، أي مروره، يُقال: "وهبتُ له شيئًا وَهْبًا" -بإسكان الهاء وفتحها- و"هبة"، و "الاتهاب" قبول الهبة، و"الاستيهاب": سؤال الهبة و"العطية" هنا: الهبة في مرض الموت (وهي: التبرُّع) من جائز التصرُّف (بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره) مفعول تمليك بما يُعدُّ هبة عرفًا، فخرج بالتبرع: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وبالتمليك: الإباحة كالعارية، وبالمال: نحو كلب، وبالمعلوم: المجهول، وبالموجود: المعدوم، فلا تصح الهبة فيها، وبالحياة: الوصية (١)
باب الهبة والعطية والهدية
وفيه ثلاث وخمسون مسألة:
(١) مسألة الهبة لغة: مأخوذة من هبوب الريح، وهو: مرورها، يقال: "وهبته، وهبًا وهبة" أي أعطيته بلا عوض، يقال: "زيد موهوب له" ويقال: "المال الموهوب"، ويقول سائل الهبة: "استوهبتها" ويقول قابل الهبة: "اتهبتُ الهبة"، ويُقال: "قوم تواهبوا" أي: وهب بعضهم بعضًا -كما جاء في المصباح (٦٧٣) - والهدية مثلها - والعطية لغة: كل ما تعطيه لغيرك بلا عوض، والجمع: "العطايا"، والمراد بها هنا: الهبة في مرض الموت، لا مطلق العطية، والهبة والعطية والهدية في الاصطلاح: "أن يقوم جائز التصرف بالتبرع بتمليك غيره ماله المعلوم الموجود في حياته بعبارة تفيد الهبة عرفًا" وأتي بعبارة: "جائز التصرف" لبيان أنه يُشترط في الواهب والمعطي: أن يكون مكلفًا حرًا، راشدًا، مالكًا لماله ملكًا حقيقيًا في حال الصحة، وأخرج بذلك: المجنون، والصبي والسفيه، والمحجور عليه، والسارق والغاصب ونحوهم ممن لا يملك ما عنده، ونحوهم، وأُتي بلفظ: "بالتبرّع" لإخراج عقود المعاوضات كالبيع، والإجارة، وأُتي بلفظ: "بتمليك" لإخراج: الإباحة للمنفعة، دون العين كالعارية، وأتي بلفظ "غيره" لبيان أن العطية والهبة =
стр. 2051
(وإن شرط) العاقد (فيها عوضًا معلومًا فـ) ـهي (بيع)؛ لأنه تمليك بعوض معلوم (٢)،
تكون من شخص لشخص آخر منفصل عنه، فلا أن يوهب عبد سيده شيئًا، وأتي بلفظ: "ماله" لإخراج الأشياء التي لا تسمَّى مالا شرعًا كأن يوهب غيره كلبًا، أو خمرًا، أو ميتة؛ لأن هذه الأشياء لا تسمى أموالًا، وأتي بلفظ: "المعلوم" لإخراج المال المجهول كالحمل في البطن وأُتي بلفظ: "الموجود" لإخراج. المال المعدوم، كالذي لم يملكه الواهب، فهذا لا يوهب ولا يُعطى ولا يهدى، وأنّي بلفظ "في حياته" لإخراج الوصية؛ لكونها لا يعمل بها إلّا بعد الموت، وخرج الواجب إخراجه في الحياة كنفقة من تجب عليه نفقته كالزوجة والأولاد، فإن قلت: لم جعل باب الهبة والعطية بعد باب الوقف؟ قلتُ: لأن كلًّا منهما فيه إخراج مال من مالكه بلا عوض مالي.
[فرع]: الهبة والعطية مندوب إليهما؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "تهادوا - تحابوا" والهدية هي الهبة والعطية بلا عوض، وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: فعل الصحابة؛ حيث إن بعض الصحابة كان لا يهدي لأحد شيئًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرعت الهبة والعطية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثّ على المحبة والمودَّة بين الناس كما ورد في الحديث.
(٢) مسألة: إذا وهب زيد لعمرو شاة بلفظ الهبة، ولكنه اشترط على عمرو أن يُعطيه عنها عوضًا معلومًا كمائة، فإن ذلك يُعتبر بيعًا، تُطبَّق عليه أحكام البيع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك تمليك بعوض معلوم: أن يكون بيعًا؛ لوجود حقيقة البيع وإن لم توجد صيغته، فإن قلتَ: إن هذا يُسمَّى هبة وإن وجد العوض؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر: "من وهب هبة أراد بها الثواب: فهو على هبته" قلتُ: إن هذا القول منه ﵁ قد خالفه ابنه، وابن عباس فيه فلا يبقى حجة؛ لأنهما إذا تعارضا: تساقطا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ:=
стр. 2052
ويثبت الخيار والشفعة (٣)، فإن كان العوض مجهولًا: لم تصح، وحكمها كالبيع الفاسد، فيردَّها بزيادتها مطلقَا، وإن تلفت: ردَّ قيمتها (٤)، والهبة المطلقة لا تقتضي عوضًا: سواء كانت لمثله، أو دونه أو أعلى منه (٥)، وإن اختلفا في شرط عوض:
"تعارض قول الصحابي مع التلازم".
(٣) مسألة: يثبت في الهبة خيار المجلس والشرط وغيرهما من أنواع الخيار، وتثبت فيها الشفعة. إذا كانت العين الموهوبة شقصًا مشتركًا بينه وبين غيره شراكة مشاعة فيقوم شريك الواهب فيأخذ هذا الشقص الموهوب بقيمته ويثبت فيها أيضًا الرد بالعيب ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البيع يثبت فيه الخيار والشفعة والرَّد بالعيب فكذلك تثبت هذه الأشياء بالهبة والجامع: أن كلًّا منها تمليك عين، كما لو قال: "ملكتك هذا بدرهم": فإنه لو أطلق التمليك كان هبة وإذا ذكر العوض صار بيعًا.
(٤) مسألة: إذا وهب زيد عمرًا شيئًا، واشترط زيد على عمرو: أن يعطيه عوضًا مجهولًا عنها: لم تصح الهبة، وتكون فاسدة، فيقوم عمرو بردّ تلك العين الموهوبة بزيادتها إن زادت عنده إلى زيد وإن تلفت عنده -أي عند عمرو الموهوب له-: فإنه يضمنها بقيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن كان لها مثل: فيرد مثلها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البيع يفسد إذا كان العِوَض عن المبيع مجهولًا، فيقوم المشتري برد العين المباعة بزيادتها إن زادت، ويضمنها إذا تلفت فكذلك الهبة مثله والجامع: أن كلًّا منهما تمليك، ولا يكون ذلك إلا بشيء واضح جلي فيهما، فإن قلتَ: لم يرد الموهوب له العين الموهوبة بزيادتها المنفصلة والمتصلة؟ قلتُ: لأن ذلك ملك الواهب -وهو زيد- فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق الواهب.
(٥) مسألة: الهبة المطلقة -وهي التي تكون بدون شروط وقيود- لا تقتضي ولا تُلزم الموهب له: أن يجازي الواهب عوضًا ولا ثوابًا عن تلك الهبة: سواء كانت الهبة=
стр. 2053
فقول منكر بمينه (٦) (ولا يصح) أن يهب (مجهولًا) كالحمل في البطن، واللَّبن في الضرع (٧) (إلَّا ما تعذَّر علمه) كما لو اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أحدهما لرفيقه نصيبه منه، فيصح؛ للحاجة كالصلح (٨)، ولا يصح أيضاً هبة ما لا
لمثله أو دونه، أو أعلى منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الهبة تكون على وجه التبرُّع: أن لا تقتضي عوضًا وهذا يتساوى فيه الجميع. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التيسير على الناس؛ حيث إن الهبة لو اقتضت العوض من الموهوب له: لشق على كثير من الناس.
(٦) مسألة إذا وهب زيد عمرًا شيئًا، وقبل عمر و ذلك، واختلف في شرط العوض فقال زيد: "إني وهبتك ذلك بشرط أن تعوضني عنه" فأنكر الموهب له -وهو عمرو- ذلك الشرط ولا توجد بيّنة: فإنه يُقبل قول عمرو المنكر مع يمينه؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر" والمدعي -وهو الواهب وهو زيد- لا بيّنة عنده على ادعائه، فيكون قول المنكر هو المقبول مع يمينه للاحتياط فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الشرط، وبراءة ذمة الموهوب له منه فيُعمل على هذا الأصل، حتى يأتي دليل يُغيِّر الحالة.
(٧) مسألة: لا يصح أن يهب شخص لشخص آخر شيئاً مجهولاً كأن يقول زيد لعمرو: "قد وهبتك هذا الحمل الموجود في بطن تلك الشاة، أو هذا اللبن الموجود في ضرعها؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع ذلك فكذلك لا يجوز هبتها لأحد والجامع: أن كلاًّ منهما تمليك لشيء مجهول، ومتعذِّر التسليم في الحال.
(٨) مسألة: إذا تعذَّر علم شيء معيَّن، وكانت المصلحة تقتضي هبته لآخر: فإن ذلك يصح: كأن يختلط مال اثنين اختلاطًا لا يمكن التمييز بينهما، واختلفا: فيجوز لأحدهما أن يهب نصيبه للآخر منه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه صلح بينهما، وقطع للخلافات والمنازعات، ونشر المحبة والتآلف بين الناس.
стр. 2054
يقدر على تسليمه كالآبق و الشارد (٩) (وتنعقد) الهبة (بالإيجاب والقبول) بأن يقول: "وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك" فيقول: قبلت، أو رضيت، ونحوه (و) بـ (المعاطاة الدالة عليها) أي: على الهبة؛ لأنه ﵇ كان يهدي، ويُهدى إليه، ويُعطي، ويُعطى، ويفرق الصدقات، ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولم يُنقل عنهم إيجاب ولا قبول، ولو كان شرطًا: لنقل عنهم نقلًا متواترًا، أو مشهورًا (١٠) (وتلزم بالقبض بإذن واهب)؛ لما روى مالك عن عائشة أن أبا بكر نحلها
(٩) مسألة: لا يصح أن يهب شخص لشخص آخر شيئًا لا يقدر على تسليمه له: كأن يهرب عبد من سيده فيهبه سيده إلى شخص آخر، أو يشرد عنه جمل فيهبه مالكه لآخر، أو يهب طيرًا في هواء، أو سمكًا في ماء، أو يهب شيئًا مرهونًا: فهذا كله لا يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح بيع ما لا يُقدر على تسليمه فكذلك لا يصح هبته والجامع: أن كلًّا منهما لا ينتفع به بعد ملكه مباشرة، وهذا هو المقصد منه.
(١٠) مسألة: تنعقد الهبة والعطية والهدية وتكون تلك من أملاك الموهب له، والمعطى له والمهدى إليه بأحد طريقين: أولهما: بالإيجاب والقبول: بأن يقول زيد الواهب لعمرو: "قد وهبتك هذه السيارة، أو أهديتك إياها، أو أعطيتك إياها أو هذا لك" أو أي عبارة تفيد العطاء والهبة. فيقول عمر -الموهب له ـ: "قد قبلتُ أو رضيت" أو أي عبارة دالّة على القبول؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك ينعقد به البيع، فكذلك الهبة ونحوها مثله. والجامع: أن ذلك يدل على التمليك في كل، ثانيهما بالمعاطاة الدالّة على الهبة والعطية والهدية، فإذا قبض الموهب له، والمهدى، والمعطى الهبة والهدية، والعطية مع ما يقارن ذلك ما يقارن ذلك من كون ذلك هبة وهدية، وعطية: فإنه يملك ذلك، وإن لم يوجد إيجاب وقبول؛ لقواعد - الأولى: السنة الفعلية: حيث إن النبي ﷺ لو كان يُهدي، ويُهدَى إليه وكان يُعطي، ويُعطَى بدون إيجاب ولا قبول، فلو كان شرطًا: لنقل وبُيِّن، ولكنه لم يُنقل ولم يُبين =
стр. 2055
جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالعالية، فلما مرض قال: "يا بنية كنتُ قد نحلتك جذاذ عشرين وسقًا، ولو كنت حِزْتِيْه، أو قبضتيه: كان لك، فإنما هو اليوم مال وارث، فاقتسموه على كتاب الله تعالى"، وروى ابن عيينة عن عمر نحوه، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف (١١) (إلا ما كان في يد متّهب) وديعة، أو غصبًا، أو نحوهما؛ لأن قبضه مستدام، فأغنى عن الابتداء (١٢) (ووارث الواهب) إذا مات قبل القبض (يقوم
اشتراطه، فدل على تملك الهدية والعطية والهبة بدون إيجاب ولا قبول؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا يتعاملون بالمعاطاة ويتملكون بها، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من الرضى بنقل الملك بالمعاطاة: عدم الحاجة إلى الإيجاب والقبول، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ إذ لو لم يملك أحد الهبة إلا بألفاظ معينة: لشق ذلك على الناس.
(١١) مسألة تلزم الهبة، والهدية، والعطية بقبضها بإذن الواهب، أي: تصح بالإيجاب والقبول والمعاطاة وقبض الموهوب له لها، فلا تصح هبة بدون ذلك القبض؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر قد وهب عائشة بعض التمر، ولم تقبضه، فلما مرُض مرض الموت: أخذه منها قائلًا: "إن حدث لي الموت فاقتسموه فيما بينكم قسمة مواريث" وهذا يلزم منه اشتراط القبض، فلو لم يكن القبض مشترطًا وتلزم به: لما جاز لأبي بكر أخذ ذلك التمر من عائشة؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم قبضها: عدم استحقاقها إلا بإذنه كأصل العقد.
(١٢) مسألة: إذا كانت العين الموهوبة في يد الموهب له كأن تكون وديعة عنده، أو كان قد غصبها: فيكفي في ذلك عقد الهبة بمجرَّد العقد، ولا يحتاج إلى القبض، ولا إلى إذن واهب في القبض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العين الموهوبة في يد الموهوب له: عدم الحاجة إلى ابتداء القبض ولكن ذلك محتاج =
стр. 2056
مقامه) في الإذن والرجوع؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدَّة الخيار (١٣)، وتبطل بموت المتَّهب (١٤)، ويقبل ويقبض للصغير ونحوه
إلى استدامة القبض فقط.
(١٣) مسألة إذا وهب زيد عمرًا سيارة، ومات الواهب -وهو زيدـ قبل أن يقبض عمرو الهبة -وهي السيارة-: فإن وارث زيد يقوم مقامه في الإذن بإمضاء تلك الهبة أو بالرجوع بالهبة ومنعها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو باع سيارة على عمرو، ومات زيد في مدَّة الخيار: فإن وارث زيد يقوم مقامه في إمضاء البيع، أو بالرجوع، ومنع البيع فكذلك الحال في الهبة والجامع: أن كلًّا منهما عقد يؤول إلى اللزوم، فلا ينفسخ بالموت.
(١٤) مسألة: إذا وهب زيد عمرًا شيئًا، ومات الموهوب له -وهو عمروـ بعد القبول وقبل أن يقبض الهبة: فإن الهبة تبطل؛ وتعود إلى الواهب، للسنة القولية: حيث إن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة قال لها: "إني أهديت إلى النجاشي حلَّة، وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلَّا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي فإن رُدَّت فهي لك" فكان كما قال النبي ﷺ ، ورُدَّت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلَّة، وهذا صريح في الدلالة على أنه إذا مات الموهوب له قبل قبضها: فإن الهدية تبطل، وتعود إلى أصحابها.
[فرع]: إذا مات الواهب، أو الموهوب له قبل القبول، أو ما يقوم مقامه: بطلت الهدية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو مات بعد الإيجاب وقبل القبول: بطل البيع، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما لم يتم العقد.
(فرع آخر): إذا وهب زيد عمرًا هبة، وقبض رسول عمرو الهبة، ولم يقبضها عمرو: فإن الهبة تصح، ولا تعود إلى الواهب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قبض رسول عمرو صحتها؛ لأن قبضه كقبضه؛ حيث إنه وكيل عنه في القبض.
стр. 2057
وليه (١٥)، وما اتهبه عبد غير مكاتب وقبله: فهو لسيده، ويصح قبوله بلا إذن سيده (١٦) (ومن أبرأ غريمه من دينه) ولو قبل وجوبه (بلفظ الإحلال، أو الصدقة، أو الهبة ونحوها) كالإسقاط، أو الترك، أو التمليك، أو العفو: (برئت ذمته، ولو) ردَّه و (لم يقبل)؛ لأنه إسقاط حق، فلم يفتقر إلى القبول كالعتق (١٧) ولو كان المبرأ منه مجهولًا،
(١٥) مسألة إذا وهب زيد صغيرًا، أو مجنونًا، أو سفيهًا هبة: فإن ولي هؤلاء هو الذي يقبل ويقبض تلك الهبة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الولي هو الذي يشتري ويبيع عن ذلك المجنون أو الصغير أو السفيه وعليه -أي: على الولي ـ الإيجاب والقبول والقبض في ذلك، فكذلك الهبة مثل البيع والشراء والجامع: أن هذا فيه حظ لهؤلاء فكان للولي الإيجاب والقبول والقبض عنهم.
[فرع]: الولي الذي يفعل الإيجاب والقبول والقبض عن المولَّى عليهم -كالصبي والمجنون والسفيه- هو: الأب أو الوصي، أو الحاكم، أو أمين الحاكم، ولا يصح القبض لغير هؤلاء: من أم، وغير ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القبض لا يصح إلا من الموهوب له، أو نائبه، والولي نائب بالشرع: أن يقوم هذا النائب بذلك فصح قبضه، أما غيره: فلا نيابة له شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للصبي ونحوه، ودفع مفسدة عنه.
(١٦) مسألة: إذا وهب زيد عبدًا هبة: فإن العبد يصح أن يقبل منه تلك الهبة ولو لم يأذن سيده ولكنها تكون ملكًا لسيده؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبد إذا التقط أو اصطاد شيئًا فهو لسيده، فكذلك إذا وُهب أو أُعطي، أو أهدي شيئًا فهو لسيده والجامع: أن كلاًّ منهما فيه فائدة للسيد، فلم يُعتبر إذنه فيه، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: لأن العبد مال، وماله مال لسيده، كما لو نما مال السيد: فإن هذا النماء تابع لأصله.
(١٧) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بدين معلوم قدره، فأبرأ زيد عمرًا من ذلك =
стр. 2058
لكن لو جهله ربُّه، وكتمه المدين؛ خوفًا من أنه لو علم: لم يُبرئه: لم تصح البراءة (١٨)،
الدَّين بلفظ من الألفاظ الدالة على الإبراء: فإنه ذمَّة المدين -وهو عمرو- تبرأ من ذلك الدَّين: سواء كان هذا الإبراء من زيد وقع قبل حلول وقت دفع عمرو للدَّين، أو بعده، وسواء ردَّ المدين -وهو عمرو- ذلك الإبراء ولم يقبله، أو لم يردَّه، وقبله، وهذا يُعتبر من الهبة، والعطية، والهدية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أعتق عبد عمرو وأعطاه قيمته - فإن العبد يعتق: سواء قبل الإعتاق أو لا والجامع: أنه في كل منهما إسقاط حق، لم يفتقر إلى القبول، فإن قلتَ: لِمَ صح الإبراء من الدَّين قبل حلول وجوب الوفاء به؟ قلتُ: لأن الدَّين ثابت أصلًا في الذمة، وهذا التأجيل لا يمنع هذا الثبوت، فصحّ الإبراء لما في الذمة.
[فرع]: تصح أيُّ صيغة دالة على الإبراء، ومن أولاها أن يقول المبرئ للمدين: "أنت في حلِّ مما لي عندك" أو يُعلِّقه بالموت فيقول: "إن متَّ قبلي فأنت في حل، وإن متُّ قبلك فأنت في حل"، أو يقول: "تصدَّقتُ عليك بالدين الذي أطلبك" أو يقول: "وهبتك المال الذي أطلبه منك" أو يقول: "أسقطتُ عنك ما عندك لي" أو يقول: "أعطيتك ما عندك لي" أو يقول: "أترك الوفاء لي" أو يقول: "ملَّكتك ما عندك لي" أو يقول: "عفوتُ عنك الدين الذي أطلبك" وغير ذلك من الألفاظ المشابهة؟ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك الصيغ وما شابهها: الإبراء.
(١٨) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بدين مجهول القدر والصفة، فأبرأ زيد عمرًا من ذلك الدَّين بلفظ من من ألفاظ الإبراء -السابقة الذكر-: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان الدائن -وهو زيد هنا يعلم قدر وصفة ذلك الدَّين، والمدين والمبرأ -وهو عمرًا- يجهله فإن الإبراء يصح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اقتسما، وتوخيا، ثم استهما، ثم تحالا" فيلزم من لفظ "توخيا" أن كلًّا منهما قد جهل بعضًا من حقه على الآخر، وهو جائز في الإحلال، =
стр. 2059
ولو أبرأ أحد غريميه، أو من أحد دينيه: لم تصح؛ لإبهام المحل (١٩) (وتجوز هبة كل عين تباع) وهبة جزء مشاع منها إذا كان معلومًا (٢٠) (و) هبة (كلب يُقتنى) ونجاسة يُباح نفعها كالوصية (٢١)، .................................................................
الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على عفو الإنسان عن حقه الذي عند أخيه وتبرئة ذمته، فلو لم يصح ذلك لكان ذلك سدًّا لهذا الباب، ثانيًا: إن كان الدائن ـوهو زيد- يجهل قدر وصفة ذلك الدَّين والمدين ـوهو عمرو- يعلم ذلك، وكتم مقداره؛ خوفًا من أن زيدًا لو علم بهذا المقدار: لم يُبرئه، ومع ذلك أبرأه مع جهله: فإن هذا الإبراء لا يصح؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تغرير للدائن والمبرئ ـوهو زيد- وهضم لحقه، واستغفال له، فدفعًا لذلك: شرع عدم الصحة.
(١٩) مسألة: إذا كان زيد يطالب عمرًا، بألف ويُطالب بكرًا بألف أيضًا، فقال: -أي: زيد- لهما: "إني أبرأ أحدكما"، أو كان يُطالب عمرًا بألف درهم، ويُطالبه بدين آخر وهو شاة مثلًا، فقال -أي: زيد- لعمرو: "إني أبرأتك من أحدهما": فلا يصح الإبراء هذا، أي: لا تبرأ ذمة عمرو، ولا بكر؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال: أعتقت أحد هذين العبدين: فإن الإعتاق لا يصح، فكذلك الحال هنا، والجامع: إبهام المحل الوارد عليه الإعتاق أو الإبراء.
(٢٠) مسألة: كل عين يصح بيعها: فإنه يصح هبتها، وإهداؤها، وإعطاؤها، ومن ذلك الجزء المشاع من عين إذا ملكه زيد: فإنه يصح بيعه إذا كان معلومًا: سواء أمكن تقسيمه أولا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع ذلك فكذلك يجوز هبته وإهداؤه، وإعطاؤه، والجامع: أن كلًّا منها تمليك في الحياة.
(٢١) مسألة: تصح هبة وهدية وعطية الكلب الذي يُقتنى لماشية وصيد، وكذا: تصح هبة نجاسات يُباح نفعها كدهن متنجِّس لإضاءة مصباح به؛ للقياس؛ بيانه: كما تجوز الوصية بذلك، فكذلك تجوز هبته والجامع: أن كلًّ منهما تبرُّع ناقل للملك.
стр. 2060
ولا تصح معلَّقة (٢٢)، ولا مؤقتة (٢٣)، إلا نحو "جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو عمري، أو ما بقيت": فتصح، وتكون لموهوب له، ولورثته بعده (٢٤)، وإن قال:
(٢٢) مسألة يصح تعليق الهبة والهدية والعطية على شرط مستقبل كقول الواهب: "إذا جاء رأس الشهر: فهذه السيارة لك هبة" وهو قول ابن القيم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مخالفة هذا الشرط لأصل من أصول الشريعة: صحة ذلك، وفيه تيسير على الناس، وهو المقصد منه، فإن قلت: لا يصح تعليق الهبة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الهبة تمليكًا للعين: عدم صحة تعليقها بشرط؛ نظرًا لتأخير التمليك بذلك. قلتُ: هذا لا يلزم منه عدم صحة الهبة؛ بل هو تأخير للتمليك، لا منعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين".
(٢٣) مسألة: لا تصح الهبة مؤقتة كقول الواهب: "وهبتك هذه الدار ستة أشهر مثلًا"؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز البيع مؤقتًا، فكذلك الهبة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما تمليك عين، فلا يصح مؤقتًا.
(٢٤) مسألة: تصح الهبة مؤقتة بتوقيت العمرى والرقبى كقول الواهب: "جعلت لك هذه الدار عمرك" أو يقول: "أعمرتك هذه الدار" أو يقول: "أرقيتك هذه الجارية" أو يقول: "جعلتها لك حياتك" أو يقول الواهب: "جعلتها لك عمري" أو يقول: "جعلتها لك ما بقيت" ونحو ذلك، فهذا يصح، وتكون الهبة للموهوب له ولورثته بعده إلا أن يشترط الواهب عودها إليه بعد موت الموهوب له؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقب شيئًا أو أعمره فهو لورثته" حيث دل على ملك المعمر والمرقب، وعلى أن الورثة يأخذون ما كان لوارثهم من الهبات والعطايا بهذه الطريقة، ثانيهما: قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" حيث بيَّن ذلك أن الواهب إذا اشترط عود الهبة إليه بعد موت الموهوب له: فله شرطه وهذا كله للتيسير والتوسعة على الناس، فإن =
стр. 2061
"سكناه لك عمرك، أو غلَّته، أو خدمته لك، أو منحتكه": فعارية؛ لأنها هبة المنافع (٢٥)، ومن باع، أو وهب فاسدًا، ثم تصرَّف في العين بعقد صحيح: صح الثاني؛ لأنه تصرُّف في ملكه (٢٦).
قلت: لِمَ سمي ذلك بالرقبي؟ قلتُ: لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
(٢٥) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "سكنى هذه الدار لك عمرك، أو غلَّة وريع هذا البستان، أو خدمة هذا العبد لك" أو "منحتك غلَّة هذا البستان" أو نحو ذلك: فهذا لا يصح أن يكون هبة، بل يكون عارية، وحكم العارية جواز الرجوع فيها لصاحبها في حياته وبعد مماته؛ للتلازم؛ حيث إن هذا هبة للمنافع، وهي تستوفى شيئًا فشيئًا بمضي الزمان فيلزم من ذلك: عدم صحتها هبة؛ لكون الهبة تمليك للعين للموهوب له ملكًا تامًا، فإن قلتَ: إن هذا يُعتبر عمرى ورقبي، يثبت فيها مثل حكمها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قوله: "لك": أنه جعل له رقبتها فتكون عمرى ورقبي. قلتُ: إن هذا إباحة للمنافع فقط، فلم يقع لازمًا؛ إذ معنى قوله: "سكنى هذه الدار لك عمرك": أن لك سكناها حتى تموت وهذا يشبه قوله: "لك سكناها"، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ حيث إن الله يعلم أن آدم سيعصي وسينزل إلى الأرض، فكان ذلك مؤقتًا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في تفسير اللام في قوله: "لك".
(٢٦) مسألة: إذا وهب عينًا هبة فاسدة، أو باع عينًا بيعًا فاسدًا، ثم بعد ذلك وهب تلك العين هبة صحيحة أو باعها بيعًا صحيحًا مع علمه واعتقاده بفساد العقد الأول: صح العقد الثاني هبة أو بيعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصرُّفه في ملكه، واعتقاده بفساد العقد الأول وهو عالم بأنه ملكه: صحة العقد الثاني بيعًا أو هبة؛ لاستكمال شروط البيع والهبة.
[فرع]: إن علم واعتقد صحة العقد الأول دون الثاني: فإن العقد الثاني لايصح هبة أو بيعًا؛ للتلازم؛ حيث إن تصرُّفه تصرُّفًا يعتقد فساده نظرًا=
стр. 2062
فصل: (يجب التعديل في عطيته أولاده بقدر إرثهم) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ اقتداء بقسمة الله تعالى وقياسًا لحال الحياة على حال الموت، قال عطاء: "ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى" (٢٧)، .......................................
لاعتقاده يلزم منه: عدم صحة هذا العقد الثاني هبة أو بيعًا؛ لكونه باع أو وهب ما ليس في ملكه.
(٢٧) مسألة: إذا أراد شخص هبة وعطية أولاده الوارثين مالًا: فيجب عليه أن يعدل في ذلك، فيُعطي الذكر مثل حظ الأنثيين -وهو قدر إرثهم المشروع-؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وأولى ما يقتدى به في القسمة هو كتاب الله تعالى، الثانية: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما كما أن قسمة الميراث تكون للذكر مثل حظ الأنثيين بعد الموت فكذلك العطية والهبة في حال الحياة مثل ذلك، والجامع: أن كلا منهما عطية ولكن إحداهما معجَّلة، والأخرى مؤخرة، ثانيهما: كما أن معجّل الزكاة يؤديها قبل حلول الحول على صفة أدائها بعد حلول الحول، فكذلك العطية تكون في حال الحياة مثل ما تكون بعد الممات، والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر أداء لواجب، فلا يختلف قدره باختلاف الوقت الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الذكر أحوج من الأنثى في ذلك؛ إذ أنهما لو تزوجا جميعًا فالصداق والمهرُ، والنفقة، ونفقة الأولاد تكون على الذكر، ويكون ذلك للأنثى، فلو جمع لها تسويتها مع الذكر في العطية مع أن الذكر ينفق عليها، فإن نصيبها يكون أعلى بكثير من الذكر، وهذا مخالف للعدالة التي جاءت به الشريعة، فإن قلتَ: لا يجب ذلك، بل يُعطي الأنثى مثل ما يُعطى الذكر، ولا يفرق بينهم في ذلك في عطية الحياة، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: أن بشيرًا بن سعد قد أعطى أحد أولاده عطية دون الآخرين فقال له النبي ﷺ : "أيسرك أن يستووا في بِرِّك" فقال: نعم، قال: "فسوِّ بينهم" والأنثى كالذكر في البر، والعطية والهبة مثل ذلك، أي: كما أن البر=
стр. 2063
وسائر الأقارب في ذلك كالأولاد (٢٨) (فإن فضَّل بعضهم): بأن أعطاه فوق إرثه أو خصَّه: (سوَّى) وجوبًا (برجوع) حيث أمكن (أو زيادة) لمفضول؛ ليساوي الفاضل، أو إعطاء ليستووا؛ لقوله ﵇: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". متفق
يستوي، منهما، فكذلك العطية ثانيهما: قوله: ﷺ "سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرًا أحدًا لآثرت النساء على الرجال" -كما رواه ابن عباس- الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الذكور والإناث يستوون في النفقة والكسوة، فكذلك في العطية، والجامع: أن كلًّا منها عطية في الحياة. قلتُ: أما حديث بشير فيُحتمل أن النبي ﷺ و قد علم عنه أنه لا أنثى له، ويحتمل أنه أراد بالتسوية في هذا الحديث وحديث ابن عباس: التسوية على القسمة الواردة في كتاب الله تعالى؛ لكونها أعظم تسوية، ويُحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء لا في صفته وقدره؛ حيث إن لفظ "التسوية" لا تفهم التسوية من كل وجه، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، يؤيده: قول عطاء: "ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى" حيث إن هذا خبر عن جميع الصحابة والتابعين إلى عصر عطاء، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس الفارق؛ لأن مع الكسوة والنفقة واجبة على حسب الحال، والعطية والهدية والهبة مستحبة؛ للمحبة والمودة.
(٢٨) مسألة: إذا أراد شخص هبة وعطية أقاربه غير الوارثين ـ غير أولاده - فلا يجب عليه في تلك العطية والهبة أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، بل له أن يُعطي الأنثى أكثر من الذكر، وله العكس، وله التسوية بينهم؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإباحة للإنسان التصرُّف في ماله في حياته وصحته كيفما شاء، فنعمل على هذا، حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، ولم يرد شيء من ذلك، فنبقى على العمل على الأصل، وما ورد من القاعدتين السابقتين -في مسألة (٢٧) ـ إنما وردتا في الأولاد والوارثين فقط، فإن قلت: إن سائر الأقارب في ذلك كالأولاد يُعطون في =
стр. 2064
عليه مختصرًا (٢٩)، وتحرم الشهادة على التخصيص، أو التفضيل: تحمُّلًا وأداء إن
الحياة بناء على أن للذكر مثل حظ الأنثيين وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول أبي الخطاب وكثير من الحنابلة؛ للقياس بيانه: كما أن الأولاد يُعطون للذكر مثل حظ الأنثيين فكذلك الأقارب، والجامع: أن كلًّا منهم عطاء في الحياة، فلا يُفرق بينهم. قلتُ: هذا فاسد؟ لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجهين: أولهما: أن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده، فيمكنه أن يسوّي بينهم في الرجوع بما أعطاه لبعضهم بخلاف غير الأولاد من الأقارب فلا يمكنه الرجوع في ذلك، ثانيهما: أنه لشدَّة محبة الوالد لأولاده، وصرفه ماله إليهم عادة يتنافسون في ذلك، ويصعب عندهم إذا فضل بعضهم على بعض، ولا يساويهم بتسوية الشارع لهم، وهو إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين، وغيرهم من الأقارب لا يسوونهم في ذلك، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف في ذلك؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الاستصحاب" فعندنا: لا يقوى هذا القياس الذي ذكروه على تغيير ما استصحب من الحكم، وعندهم: يقوى.
(٢٩) مسألة إذا أعطى ووهب أب أحد أولاده شيئًا فوق إرثه كأن يُعطي زيدًا عشرة بينما أعطى عمرًا وبكرًا سبعة، أو خصَّه بشيء لم يُعطه الآخرين من أولاده: بأن أعطى زيدًا سيارة، ولم يُعط عمرًا وبكرًا شيئًا: فيجب على ذلك الأب أن يرجع ويسوِّي بينهم ولو في مرض موته: بأن يزيد عمرًا وبكرًا ثلاثة، أو يُنقص زيدًا ثلاثة في الصورة الأولى أو يعط عمرًا وبكرًا سيارة مثل سيارة زيد، أو يأخذ السيارة من زيد في الصورة الثانية. ومثله: إذا زوَّج أحد أبنائه فيجب عليه أن يزوّج أبناءه الآخرين، أو يعطيهم قدر ما أعطى مَنْ زوَّجه، وهكذا؛ ليحصل التعديل والتسوية بينهم؛ للسنة القولية: حيث إن النعمان بن بشير قال: تصدَّق علي أبي ببعض ماله فقالت أمي -عمرة بنت رواحة-: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ فجاء بي رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي فقال: "أكل=
стр. 2065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولدك أعطيت مثله؟ " قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال: رجع أبي فردَّ تلك الصدقة، حيث أوجب العدل والتسوية بين الأولاد في أصل العطية والهبة -فيما لو أعطى واحدًا منهم، دون الآخرين، أو زاده على ما قسمه الله-؛ لأن الأمر في قوله: "واعدلوا" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لِمَ وجبت التسوية بينهم؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن تفضيل بعضهم يُورث بينهم العداوة، والبغضاء، وقطيعة الرحم، فدفعًا لذلك: وجبت التسوية، فإن قلتَ: يجوز عدم التسوية في العطية، فيجوز أن يعطي أحد أولاده أزيد من بعض وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "أشهد على هذا غيري" - في آخر حديث النعمان بن بشير - ولو لم يجز تفضيل بعض الأولاد: لما أمر النبي ﷺ : بأن يشهد على هذا التفضيل غيره، الثانية: فعل الصحابي حيث إن أبا بكر ﵁ قد أعطى ابنته عائشة بعض التمر يُقدَّر بعشرين وسقًا دون سائر أولاده. قلتُ: أما قوله ﷺ : "أشهد على هذا غيري": فهو أمر للتهديد؛ يؤيد ذلك أمور أولها: أن النبي ﷺ سمَّاه "جورًا" حيث قال: "لا تشهدني على جور" -في حديث النعمان- ولا يمكن أن يأمر النبي ﷺ بالإشهاد على الجور، ثانيها: أنه لو حُمل على الأمر الحقيقي لتناقض هذا مع قوله ﷺ في أوله: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"؛ لكونه لا يصح الأمر بشيء يخالف تقوى الله، ثالثها: أنه لو كان الأمر أمرًا حقيقيًا لامتثل بشير هذا الأمر، ولم يرده، ولكنه ﵁ ردَّه، فلم يبق إلّا أن ذلك الأمر للتهديد كقوله تعالى: "اعملوا ما شئتم" أما فعل أبي بكر: فعنه جوابان: أولهما: أنه معارض لقول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير، ولا تقوم الحجة به مع ذلك، ثانيهما: أنه يُحتمل أنه أعطاها لحاجتها وعجزها عن الكسب لتفريغها للفتوى، ويُحتمل أنه أعطاها وأعطى غيرها من أولاده، ويحتمل أنه أعطاها =
стр. 2066
علم، وكذا: كل عقد فاسد عنده مختلف فيه (٣٠) (فإن مات) الواهب (قبله) أي: قبل
وأراد عطاء أولاده الآخرين من ولده فأدركه مرض الموت، فأخذ ذلك منها؛ ليكون كله ميراثًا، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في أمره ﵇: "أشهد على هذا غيري" هل هو أمر حقيقي، أو هو للتهديد؟ فعندنا: الثاني وعندهم الأول، و"تعارض فعل الصحابي مع السنة".
(٣٠) مسألة إذا طلب زيد من عمرو: أن يشهد على أنه خصَّص أحد أولاده بعطية أو هبة دون أولاده الآخرين، أو فضَّل أحدهم على الآخرين ونحو ذلك، أو طلب منه أن يشهد على أي عقد فاسد من عقود المعاملات: فيحرم على عمرو أن يشهد على ذلك تحمُّلًا وأداء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ في حديث النعمان-: "لا تشهدني على جور" فسمَّى تخصيص أحد الأولاد، أو تفضيله دون الآخرين جورًا، وهو الظلم ولذا امتنع عن الشهادة عليه، ويلزم من امتناعه ﷺ عن ذلك: أنه حرام، فيحرَّم ذلك كله والشهادة على غيره من الأمور الفاسدة مثل الشهادة على ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى نهى عنه، فيكون حرامًا.
[فرع]: إذا أعطى الأب أحد أولاده دون غيره بسبب مرض ككونه مُقعدًا، أو أعمى، أو لكثرة عائلته، أو لاشتغاله بالعلم الحقيقي أو لصلاحه، أو منع أحد أولاده لفسقه أو بدعته، أو لكونه سيصرف ما سيأخذه على المعاصي غالبًا: فإن هذا جائز؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإعطاء هؤلاء؛ نظرًا لتلك الأسباب فيه تعاون على البر والتقوى، ونصرة الضعيف، ومنع هؤلاء الآخرين لتلك الأسباب فيه عدم التعاون على الإثم والعدوان والعصيان، وينبغي ان =
стр. 2067
الرجوع، أو الزيادة: (ثبتت) للمعطى، فليس لبقية الورثة الرجوع (٣١)، إلا أن يكون
تكون كل تصرفات المسلم تأتي على حسب ما شرعه الله تعالى، دون النظر؛ فلا يُعلم أيُّ الأولاد أو الأقرباء أقرب إلى الإنسان نفعًا، فقد ينفعك البعيد جدًا في الدنيا والآخرة، ويضرُّك القريب جدًا في الدنيا والآخرة، وقد ثبت هذا من الواقع.
(٣١) مسألة: إذا وهب زيد في حياته وصحته أحد أولاده شيئًا فوق إرثه دون أولاده الآخرين، أو فضَّله بعطاء وهبة على أولاده الآخرين، فمات الواهب ـوهو زيد- قبل أن يرجع في ذلك، ويسوي بين أولاده؛ فإن لباقي الورثة أن يرجعوا ذلك من الموهوب له والمعطى، ويأخذونه ويقسموه حسب الشريعة إلّا إن أجازه الورثة وسمحوا له بذلك فهو له. وهو قول المحققين من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا تشهدني على جور" -في حديث النعمان-، فسمَّى ذلك "جورًا" وما كان جورًا وظلمًا لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله: والموت لا يغيره عن كونه جورًا حرامًا، فوجب ردُّه. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الزيادة، أو التفضيل حرامًا: أن الموهوب له قد أخذه غصبًا، أو بحيلة فيكون من حق باقي الورثة، فيباع ويقسم على جميع الورثة -والموهوب له منهم ـ فيأخذ نصيبه منه كغيره. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك أحوط للدِّين، وفيه بعد عن الشحناء والبغضاء الذي يقع عادة بين الأخوة والأشقّاء وغيرهم بسبب ذلك، فإن قلتَ: إنه يثبت للمعطى والموهوب له لما أعطاه إياه أبوه وزاده وفضَّله على غيره وتملكه، وليس لباقي الورثة الرجوع، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الولد لو انفرد وأعطاه أبوه شيئًا: فإنه يملكه بموت أبيه فكذلك لو كان للأب أولاد آخرون مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منها تسمَّى عطية لولده، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر قد أعطى ابنته عائشة شيئًا من التمر يبلغ عشرين وسقًا =
стр. 2068
بمرض الموت فيقف على إجازة الباقين (٣٢) (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"
وقال لها: "وددتُ لو كنتِ قد حزتيه"؛ إذ يلزم من هذا: أنها لو كانت حازته: لم يكن لباقي أولاد أبي بكر الرجوع بعد موته. قلتُ: أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن الأب الذي ليس له إلا ولد واحد يكون مال الأب له لوحده في الحياة وبعد الممات، بخلاف من كان له عدد من الأولاد؛ فلهم نصيب مما أخذه، وله نصيب من التركة، أما قول أبي بكر: فعنه أجوبة: أولها، وثانيها قد سبق بيانهما في مسألة (٢٩)، وثالثها: أنه معارض بقول أبي بكر نفسه، حيث أمر قيس بن سعد بن عبادة برد قسمة أبيه حين ولد له ولد لم يكن قد علم، ولا أعطاه شيئًا، وكان ذلك بعد موت سعد، وقد وافقه عمر على ذلك، وإذا تعارضت أقوال الواحد في مسألة واحدة: فإنها تتساقط إذا لم يكن هناك مرجِّح، لأحدهما فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس وقول الصحابي مع السنة القولية."
(٣٢) مسألة: إذا وهب وأعطى الأب أحد أولاده شيئًا دون أولاده الآخرين، وكان هذا الأب في مرض الموت: فلا يصح؛ حيث إن هذا يوقف على بقية الأولاد الآخرين، فإن أجازوه: كان له ما أعطاه إياه أبوه، وإن لم يجيزوه: فعليه أن يُرجعه إلى التركة؛ ليقسم على حسب الشريعة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عطيته في مرضه كونها وصية له، ولو وصّى له: لم يصح؛ لقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" - كما سيأتي بيانه -.
[فرع]: يُكره أن يُقسِّم المسلم ماله على ورثته، بل يتركه ليقسم على حسب الشريعة بعد موته؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه عزٌّ للأب، وعدم ترك ورثته له، وتمكين من سيولد له بعد موته من أخذ حقه بسبب تقسيم التركة بعد موته.
стр. 2069
متفق عليه (٣٣). (إلا الأب) فله الرجوع: قصد التسوية أولا، مسلمًا كان أو كافرًا؛
(٣٣) مسألة إذا وهب زيد لعمرو -الأجنبي عنه- هبة أو أهداه هدية، أو أعطاه عطية: فيحرم على الواهب والمعطي والمهدي -وهو زيد- أن يرجع في تلك الهبة ويأخذها من عمرو إذا قبض عمرو تلك الهبة؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" فقد حرم العود وأخذ الهبة التي وهبها لأي شخص؛ بقرينة قوله: "ليس لنا مثل السوء" فقرينة المثل هذا هو الذي جعله حرامًا، وقال ﵇: "لا يحل الرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها" ولفظ "لا يحل" من ألفاظ التحريم. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الموهوب له -وهو عمرو- قد ملك العين الموهوبة بالإيجاب والقبول والقبض: عدم جواز أخذ الواهب لها؛ لعدم ولايته على مال قد خرج من ملكه بطريق مشروع، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذا فيه ضرر على الموهوب له؛ إذ قد يبيع العين الموهوبة له، أو يسدد بها دينه، أو يتصرف بها بأي تصرف فلو أجيز الرجوع: لوقع عليه ضرر واضح في ذلك، فإن قلتَ: يجوز الرجوع في الهبة التي لغير ذي رحم ما لم يُثب عليها، فيجوز أن يرجع الواهب، ويأخذ تلك الهبة من الموهوب له، وهو قول كثير من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "الرجل أحق بهبته ما لم يبث منها" ويلزم من لفظ: "أحق": أن له الرجوع فيها. الثانية: القياس، بيانه: كما أن المعير يأخذ العارية من المستعير، فكذلك الواهب يأخذ العين الموهوبة من الموهوب له، والجامع: أنه في كل منهما لم يحصل له عوض. قلتُ: أما الحديث: فحديثنا أصح وأقوى منه؛ لكونه متفق عليه، وحديثهم: لم يكن كذلك، وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن العارية: هبة المنافع فقط، أما الهبة والعطية والهدية فهي هبة وعطية وهدية الأعيان مع منافعها، فافترقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض السنتين" و "تعارض القياس مع =
стр. 2070
لقوله ﵇: "لا يحل للرجل يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" رواه الخمسة، وصححه الترمذي من حديث عمر، وابن عباس (٣٤)، ولا يمنع
السنة القولية التي ذكرناها".
(٣٤) مسألة: إذا وهب أب ولده هبة: فإنه يجوز له أن يرجع في هذه الهبة ويأخذها من ولده مطلقًا، أي: سواء قصد الأب في رجوعه وأخذه للهبة التسوية بين أولاده أو لا، وسواء كان الأب مسلمًا لما وهب ولده، أو كافرًا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" فنفى الشارع الرجوع في الهبة، بصورة عامة وأثبت جواز الرجوع للوالد فقط فيما يعطيه لولده؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهو من مخصصات العموم المتصلة، ثانيهما: أن النبي ﷺ قال في حديث النعمان بن بشير: "فاردده" وفي رواية: "فارجعه" وهو زيادة ثقة فتقبل فرجع بشير في ذلك وأخذ تلك الهبة من ولده كما صرَّح به ولده نفسه -النعمان- وهذا يدل على جواز الرجوع للأب فقط، دون غيره -كالجد والأم-، فإن قلتَ: إنه ليس للأب الرجوع، وهو رواية عن أحمد، وهو رأي أكثر الحنفية؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو عام؛ لأن لفظ "العائد" مفرد محلَّى بأل" وهو من صيغ العموم فلا يجوز الرجوع في الهبة للأب ولا لغيره. قلتُ: إن الحديثين اللذين قد ذكرناهما قد خصَّصا عموم حديثهم هذا وهو واضح. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في حديث: "العائد في هبته. ." هل هو مخصَّص أو لا؟ فعندنا مخصَّص، حيث لا يشمل الأب، وعندهم: هو باق على عمومه.
[فرع]: الأم ليس لها الرجوع في الهبة التي تعطيها لأحد أولادها؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين، قد سبق ذكرهما في مسألة (٣٤) حيث كان الأب خاصًا بذلك.
следующие страницы →