← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

علم، وكذا: كل عقد فاسد عنده مختلف فيه (٣٠) (فإن مات) الواهب (قبله) أي: قبل وأراد عطاء أولاده الآخرين من ولده فأدركه مرض الموت، فأخذ ذلك منها؛ ليكون كله ميراثًا، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في أمره ﵇: "أشهد على هذا غيري" هل هو أمر حقيقي، أو هو للتهديد؟ فعندنا: الثاني وعندهم الأول، و"تعارض فعل الصحابي مع السنة". (٣٠) مسألة إذا طلب زيد من عمرو: أن يشهد على أنه خصَّص أحد أولاده بعطية أو هبة دون أولاده الآخرين، أو فضَّل أحدهم على الآخرين ونحو ذلك، أو طلب منه أن يشهد على أي عقد فاسد من عقود المعاملات: فيحرم على عمرو أن يشهد على ذلك تحمُّلًا وأداء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ في حديث النعمان-: "لا تشهدني على جور" فسمَّى تخصيص أحد الأولاد، أو تفضيله دون الآخرين جورًا، وهو الظلم ولذا امتنع عن الشهادة عليه، ويلزم من امتناعه ﷺ عن ذلك: أنه حرام، فيحرَّم ذلك كله والشهادة على غيره من الأمور الفاسدة مثل الشهادة على ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى نهى عنه، فيكون حرامًا. [فرع]: إذا أعطى الأب أحد أولاده دون غيره بسبب مرض ككونه مُقعدًا، أو أعمى، أو لكثرة عائلته، أو لاشتغاله بالعلم الحقيقي أو لصلاحه، أو منع أحد أولاده لفسقه أو بدعته، أو لكونه سيصرف ما سيأخذه على المعاصي غالبًا: فإن هذا جائز؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإعطاء هؤلاء؛ نظرًا لتلك الأسباب فيه تعاون على البر والتقوى، ونصرة الضعيف، ومنع هؤلاء الآخرين لتلك الأسباب فيه عدم التعاون على الإثم والعدوان والعصيان، وينبغي ان =

стр. 2067

الرجوع، أو الزيادة: (ثبتت) للمعطى، فليس لبقية الورثة الرجوع (٣١)، إلا أن يكون تكون كل تصرفات المسلم تأتي على حسب ما شرعه الله تعالى، دون النظر؛ فلا يُعلم أيُّ الأولاد أو الأقرباء أقرب إلى الإنسان نفعًا، فقد ينفعك البعيد جدًا في الدنيا والآخرة، ويضرُّك القريب جدًا في الدنيا والآخرة، وقد ثبت هذا من الواقع. (٣١) مسألة: إذا وهب زيد في حياته وصحته أحد أولاده شيئًا فوق إرثه دون أولاده الآخرين، أو فضَّله بعطاء وهبة على أولاده الآخرين، فمات الواهب ـوهو زيد- قبل أن يرجع في ذلك، ويسوي بين أولاده؛ فإن لباقي الورثة أن يرجعوا ذلك من الموهوب له والمعطى، ويأخذونه ويقسموه حسب الشريعة إلّا إن أجازه الورثة وسمحوا له بذلك فهو له. وهو قول المحققين من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا تشهدني على جور" -في حديث النعمان-، فسمَّى ذلك "جورًا" وما كان جورًا وظلمًا لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله: والموت لا يغيره عن كونه جورًا حرامًا، فوجب ردُّه. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الزيادة، أو التفضيل حرامًا: أن الموهوب له قد أخذه غصبًا، أو بحيلة فيكون من حق باقي الورثة، فيباع ويقسم على جميع الورثة -والموهوب له منهم ـ فيأخذ نصيبه منه كغيره. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك أحوط للدِّين، وفيه بعد عن الشحناء والبغضاء الذي يقع عادة بين الأخوة والأشقّاء وغيرهم بسبب ذلك، فإن قلتَ: إنه يثبت للمعطى والموهوب له لما أعطاه إياه أبوه وزاده وفضَّله على غيره وتملكه، وليس لباقي الورثة الرجوع، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الولد لو انفرد وأعطاه أبوه شيئًا: فإنه يملكه بموت أبيه فكذلك لو كان للأب أولاد آخرون مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منها تسمَّى عطية لولده، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر قد أعطى ابنته عائشة شيئًا من التمر يبلغ عشرين وسقًا =

стр. 2068

بمرض الموت فيقف على إجازة الباقين (٣٢) (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" وقال لها: "وددتُ لو كنتِ قد حزتيه"؛ إذ يلزم من هذا: أنها لو كانت حازته: لم يكن لباقي أولاد أبي بكر الرجوع بعد موته. قلتُ: أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن الأب الذي ليس له إلا ولد واحد يكون مال الأب له لوحده في الحياة وبعد الممات، بخلاف من كان له عدد من الأولاد؛ فلهم نصيب مما أخذه، وله نصيب من التركة، أما قول أبي بكر: فعنه أجوبة: أولها، وثانيها قد سبق بيانهما في مسألة (٢٩)، وثالثها: أنه معارض بقول أبي بكر نفسه، حيث أمر قيس بن سعد بن عبادة برد قسمة أبيه حين ولد له ولد لم يكن قد علم، ولا أعطاه شيئًا، وكان ذلك بعد موت سعد، وقد وافقه عمر على ذلك، وإذا تعارضت أقوال الواحد في مسألة واحدة: فإنها تتساقط إذا لم يكن هناك مرجِّح، لأحدهما فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس وقول الصحابي مع السنة القولية." (٣٢) مسألة: إذا وهب وأعطى الأب أحد أولاده شيئًا دون أولاده الآخرين، وكان هذا الأب في مرض الموت: فلا يصح؛ حيث إن هذا يوقف على بقية الأولاد الآخرين، فإن أجازوه: كان له ما أعطاه إياه أبوه، وإن لم يجيزوه: فعليه أن يُرجعه إلى التركة؛ ليقسم على حسب الشريعة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عطيته في مرضه كونها وصية له، ولو وصّى له: لم يصح؛ لقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" - كما سيأتي بيانه -. [فرع]: يُكره أن يُقسِّم المسلم ماله على ورثته، بل يتركه ليقسم على حسب الشريعة بعد موته؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه عزٌّ للأب، وعدم ترك ورثته له، وتمكين من سيولد له بعد موته من أخذ حقه بسبب تقسيم التركة بعد موته.

стр. 2069

متفق عليه (٣٣). (إلا الأب) فله الرجوع: قصد التسوية أولا، مسلمًا كان أو كافرًا؛ (٣٣) مسألة إذا وهب زيد لعمرو -الأجنبي عنه- هبة أو أهداه هدية، أو أعطاه عطية: فيحرم على الواهب والمعطي والمهدي -وهو زيد- أن يرجع في تلك الهبة ويأخذها من عمرو إذا قبض عمرو تلك الهبة؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" فقد حرم العود وأخذ الهبة التي وهبها لأي شخص؛ بقرينة قوله: "ليس لنا مثل السوء" فقرينة المثل هذا هو الذي جعله حرامًا، وقال ﵇: "لا يحل الرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها" ولفظ "لا يحل" من ألفاظ التحريم. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الموهوب له -وهو عمرو- قد ملك العين الموهوبة بالإيجاب والقبول والقبض: عدم جواز أخذ الواهب لها؛ لعدم ولايته على مال قد خرج من ملكه بطريق مشروع، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذا فيه ضرر على الموهوب له؛ إذ قد يبيع العين الموهوبة له، أو يسدد بها دينه، أو يتصرف بها بأي تصرف فلو أجيز الرجوع: لوقع عليه ضرر واضح في ذلك، فإن قلتَ: يجوز الرجوع في الهبة التي لغير ذي رحم ما لم يُثب عليها، فيجوز أن يرجع الواهب، ويأخذ تلك الهبة من الموهوب له، وهو قول كثير من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "الرجل أحق بهبته ما لم يبث منها" ويلزم من لفظ: "أحق": أن له الرجوع فيها. الثانية: القياس، بيانه: كما أن المعير يأخذ العارية من المستعير، فكذلك الواهب يأخذ العين الموهوبة من الموهوب له، والجامع: أنه في كل منهما لم يحصل له عوض. قلتُ: أما الحديث: فحديثنا أصح وأقوى منه؛ لكونه متفق عليه، وحديثهم: لم يكن كذلك، وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن العارية: هبة المنافع فقط، أما الهبة والعطية والهدية فهي هبة وعطية وهدية الأعيان مع منافعها، فافترقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض السنتين" و "تعارض القياس مع =

стр. 2070

لقوله ﵇: "لا يحل للرجل يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" رواه الخمسة، وصححه الترمذي من حديث عمر، وابن عباس (٣٤)، ولا يمنع السنة القولية التي ذكرناها". (٣٤) مسألة: إذا وهب أب ولده هبة: فإنه يجوز له أن يرجع في هذه الهبة ويأخذها من ولده مطلقًا، أي: سواء قصد الأب في رجوعه وأخذه للهبة التسوية بين أولاده أو لا، وسواء كان الأب مسلمًا لما وهب ولده، أو كافرًا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" فنفى الشارع الرجوع في الهبة، بصورة عامة وأثبت جواز الرجوع للوالد فقط فيما يعطيه لولده؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهو من مخصصات العموم المتصلة، ثانيهما: أن النبي ﷺ قال في حديث النعمان بن بشير: "فاردده" وفي رواية: "فارجعه" وهو زيادة ثقة فتقبل فرجع بشير في ذلك وأخذ تلك الهبة من ولده كما صرَّح به ولده نفسه -النعمان- وهذا يدل على جواز الرجوع للأب فقط، دون غيره -كالجد والأم-، فإن قلتَ: إنه ليس للأب الرجوع، وهو رواية عن أحمد، وهو رأي أكثر الحنفية؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو عام؛ لأن لفظ "العائد" مفرد محلَّى بأل" وهو من صيغ العموم فلا يجوز الرجوع في الهبة للأب ولا لغيره. قلتُ: إن الحديثين اللذين قد ذكرناهما قد خصَّصا عموم حديثهم هذا وهو واضح. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في حديث: "العائد في هبته. ." هل هو مخصَّص أو لا؟ فعندنا مخصَّص، حيث لا يشمل الأب، وعندهم: هو باق على عمومه. [فرع]: الأم ليس لها الرجوع في الهبة التي تعطيها لأحد أولادها؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين، قد سبق ذكرهما في مسألة (٣٤) حيث كان الأب خاصًا بذلك.

стр. 2071

الرجوع نقص العين، أو تلف بعضها، أو زيادة منفصلة، ويمنعه زيادة متصلة، وبيعه، وهبته، ورهنه ما لم ينفك (٣٥) (وله) أي: لأب حر (أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضرُّه ولا يحتاجه)؛ لحديث عائشة مرفوعًا "وإن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه سعيد والترمذي وحسّنه، وسواء كان الوالد محتاجًا، أو لا، وسواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا، ذكرًا أو أنثى، وليس له أن يتملَّك ما يضرّ بالولد أو تعلقت به حاجته، ولا ما يعطيه ولدًا آخر، ولا في مرض موت أحدهما المخوف (٣٦) (فإن تصرَّف) والده (في ماله) قبل تملُّكه (٣٥) مسألة للأب الرجوع في هبته لولده، وأخذها منه ولو نقصت قيمة العين الموهوبة، أو تلف بعضها، ولا ضمان على الولد فيما تلف من العين الموهوبة، أو زادت عند الولد كأن ولدت البهيمة الموهوبة، ونحو ذلك من الزيادات المنفصلة فله أخذ العين وترك المنفصل لولده، أما إن زادت العين الموهوبة زيادة متصلة كأن سمنت البهيمة الموهوبة، أو باع الولد تلك الهبة، أو وهبها لغيره، أو رهنها ـوتعذَّر فك الرهن-: فليس للأب الرجوع في تلك الهبة؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل الرجوع، فيثبت ذلك، ويعمل به إلا إذا دل دليل بغير الحالة كالمصلحة من زيادة متصلة، أو بيع أو هبة لها، أو رهن ونحو ذلك مما فيه ضرر على الولد لو أرجعها الوالد؛ و عملًا بقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، الثانية التلازم؛ حيث يلزم من كون الزيادة المنفصلة قد حدثت في ملك الولد: أن تكون تلك الزيادة له؛ لكون الرجوع في الأصل، دون النماء، ويلزم من كونها تلفت أو بعضها في ملك الولد: عدم ضمانه لما تلف. (٣٦) مسألة: يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده الذي ملكه: سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، وسواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا بشروط سبعة. أولها: أن يكون الوالد محتاجًا لهذا المال الذي أخذه من مال ولده، فإن لم يكن محتاجًا فلا يصح، ثانيها: أن يأخذ الوالد منه بقدر حاجته فقط، فإن زاد فلا تصح الزيادة. ثالثها: أن لا=

стр. 2072

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكون الولد محتاجًا لهذا المال الذي أخذه والده. رابعها: أن لا يأخذ الوالد وهو مريض مرض الموت المخوف، من مال ولده الصحيح، فإن أخذ ثم مات: فإنه يُرجع إلى ولده قبل تقسيم الميراث. خامسها: أن لا يأخذ الوالد الصحيح من مال ولده المريض بمرض الموت المخوف، فإن أخذ، ثم مات: فإن ورثة الولد يأخذون ذلك المال الذي أخذه الوالد، ويقسم على ورثة الولد. سادسها: أن لا يأخذ الوالد من مال ولد ويعطيه ولدًا آخر. سابعها: أن لا يتضرر الولد إذا أخذ والده من ماله وهذا مذهب الجمهور؛ القواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "كل أحد أحق بكسبه من ولده ووالده والناس أجمعين" وهذا خاص في المسألة؛ إذ خصَّص الشارع المال وجعله ملكًا لمن كسبه، والذي كسبه هنا هو الولد، فكيف يحق للوالد أن يأخذ منه شيئًا مع هذا؟! ثانيها: قوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه منه" فقد حرم على كل أحد أن يأخذ مال غيره إلّا إذا كان هذا الغير قد طابت نفسه في ذلك، وهذا عام فيشمل الوالد وغيره في هذا التحريم، ثالثها: قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا" ويقال فيه كما قيل في الحديث السابق رابعها: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وأخذ شيء من الولد مضرّ به؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز أن يأخذ الوالد من مال ولده: إذا كان ذلك الولد محتاجًا لذلك المال فكذلك لا يجوز أن يأخذ منه والولد غير محتاج إليه والجامع: أن ملك الولد على ذلك المال ملك تام، فلم يجز انتزاعه منه. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا بهذه الشروط؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق الولد من أن يستغلُّه والده فى أخذ أمواله كما نراه ونسمعه في هذه الأزمنة من أن بعض الآباء يفعلون ذلك، فيقهرون أولادهم في ذلك. فإن قلتَ: يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده بشروط خمسة هي كل ما سبق ذكره إلاّ الشرط الأول فلا يُشترط؛ =

стр. 2073

وقبضه (ولو فيما وهبه له) أي لولده، وأقبضه إياه (ببيع) أو هبة (أو عتق أو إبراء) غريم ولده من دينه: لم يصح تصرُّفه؛ لأن ملك الولد على مال نفسه تام، فيصح تصرفه فيه، ولو كان للغير أو مشتركًا: لم يجز (أو أراد أخذه) أي: أراد الوالد أخذ ما وهبه له (قبل رجوعه) في هبته بالقول كـ"رجعتُ فيها" (أو) أراد أخذ مال ولده قبل (تملُّكه بقول، أو نية، وقبض معتبر: لم يصح) تصرُّفه؛ لأنه لا يملكه إلّا بالقبض مع القول، أو النية، فلا ينفذ تصرُّفه فيه قبل ذلك (بل بعده) أي: بعد القبض المعتبر إذ يجوز أن يأخذ الأب من مال ولده: سواء كان ذلك الأب محتاجًا أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا وهو رأي أكثر الحنابلة؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم" فأباح هنا للأب أن يأخذ من مال ولده؛ لأنه من كسبه وداخل فيه، وهذا عام: فيشمل حال حاجة الأب وحال عدم حاجته، ثانيهما: قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك: والقول فيه كالقول في الحديث السابق. قلتُ: إن الأحاديث التي ذكرناها أقوى وأصح وأكثر، فتقدَّم؛ لأنه يُرجح بالقوة، والكثرة، ثم إن من مقاصد الشريعة المحافظة على حقوق الناس، من أن يتحايل عليها فتؤخذ بغير حق، وأحاديثنا تؤيد هذا المقصد؛ لأن فيها دفعًا للمفاسد عن الأولاد، وجلبًا للمصالح لهم. وهذه المصلحة مخصِّصة لعموم الحديثين اللذين قد استدل بهما أكثر الحنابلة، فيجوز أن يأخذ الأب من مال ولده إذا احتاج إلى ذلك حاجة ماسة، فإن قلتَ: لِمَ لا يأخذ الأب من مال ولده ويعطيه ولده الآخر؟ قلتُ: للقياس الأولى: بيانه كما أنه لا يجوز أن يخصص الوالد بعض أولاده بعطية من مال نفسه، فمن باب أولى: عدم جواز إعطاء ولد من مال ولد آخر، والجامع: حماية حقوق الناس. فإن قلتَ: لِمَ لا يأخذ الأب المريض بمرض الموت، ولا يأخذ الأب من مال ولده المريض بمرض الموت؟ قلتُ: لأن هذا المرض سبب في انقطاع التملُّك، فلا يملك أحد شيئًا في هذا المرض.

стр. 2074

مع القول أو النية؛ الصيرورته ملكًا له بذلك (٣٧) وإن وطئ جارية ابنه فأحبلها: صارت أم ولد له، وولده حر، ولا حد، ولا مهر عليه إن لم يكن الابن وطئها (٣٨) (وليس للولد مطالبة أبيه بدين و نحوه) كقيمة متلف، وأرش جناية؛ لما روي الخلَّال: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دينًا عليه فقال: "أنت ومالك لأبيك" (إلا (٣٧) مسألة: إذا ملك الولد ماله ملكًا تامًا -بالقبض مع القول أو النية-: فإن أباه يجوز أن يتصرَّف بمال هذا الولد، أما إن تصرَّف الأب بمال ولده قبل أن يتم ملك الولد لماله: فلا يصح ذلك التصرُّف سواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا، فمثلًا: لو وهب الأب لهذا الولد هبة ولم يقبضها ذلك الولد، فأراد الأب أن يتصرف بها: فلا يصح تصرُّفه، وكذلك لو أراد الأب أن يبيع شيئًا لولده، أو يهديه ويهبه لغيره، أو يُعتقه أو يُبرئ غريمه من دينه، أو أراد الأب أن يأخذ شيئًا قد وهبه له قبل رجوعه بقول: "قد رجعتُ في هبتي" فلا يصح ذلك كله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة تملك الولد بماله ملكًا حقيقيًا: صحة تصرُّف والده فيه؛ لأنه تابع له في ذلك، ويلزم من عدم صحة تصرُّف الولد بماله؛ - لعدم تملكه لماله -: عدم صحة تصرُّف أبيه بمال ولده؛ لأنه إذا لم يصح تصرُّف الولد بماله فمن باب أولى أن لا يصح تصرف والده فيه؛ لأنه تابع لذلك هنا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ مال الولد، وعدم إحراجه مع الآخرين. (٣٨) مسألة إذا اشترى ابن جارية ولم يملكها -بالقبض أو الوطء- ثم وطئها أبوه، فحملت: فإن الولد الذي تأتي به تلك الجارية يكون حرًا، ولا يجب على الأب الحد ولا المهر، ولكن على الأب قيمتها، ولا يجوز للولد مطالبة أبيه بتلك القيمة للتلازم؛ حيث يلزم من حملها من الأب: انتقال الملك إليه -أي: إلى الأب-، ويلزم من كون هذا الوطء قد انتفى فيه الحد للشبهة: عدم وجوب الحد على الأب، ويلزم من كونها من مال ابنه: عدم مطالبته بقيمتها. =

стр. 2075

بنفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها وحبسه عليها)؛ لضرورة حفظ النفس، وله الطلب بعين مال بيد أبيه فإن مات الابن: فليس لورثته مطالبة الأب بدين ونحوه كمورِّثهم، وإن مات الأب: رجع الابن بدينه في تركته (٣٩) والصدقة وهي: ما قصد [فرع]: إن كان الابن قد وطأ تلك الجارية التي اشتراها، فوطأها الأب بعده فحملت بولد -فلا يكون هذا الابن حرًا، وتحرم بذلك على الابن والأب، ويُعزَّر الأب بفعله ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنها صارت بمنزلة حليلة ابنه فيلزم تحريمها عليه. فإن قلت: لِمَ يُعزَّر، ولا يُحدُّ في هذه الحالة؟ قلتُ: لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهنا وُجدت شبهة الملك؛ حيث إن النبي ﷺ قال: "أنت ومالك لأبيك". (٣٩) مسألة: يجوز للولد أن يطالب أباه الغني بأيِّ دين له عليه، وقيمة ما أتلفه أبوه، وأرش جنايته على ولده بغير سبب اقتضى تلك الجناية؛ ويشمل ذلك مطالبة الولد لأبيه أن ينفق عليه -إذا عجز الولد عن النفقة على نفسه- وإذا وجد الولد عين ماله عند أبيه له أخذه والمطالبة به، وإذا مات الولد فيجوز لورثته أن يُطالبوا أبيه الغني بدين مورثهم، وإذا مات الأب أخذ الولد دينه من تركته قبل تقسيمها؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" وهذا المال الذي أخذه أبوه مال ولده فلا يحل للأب كمال غير الولد، فيجب أن يؤدِّيه إليه، ويلزم منه: جواز المطالبة به من قبل الولد وورثته، وجواز أخذه من تركة الأب إذا مات، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للشخص أن يطالب غير أبيه بدين، وورثته أيضًا مثله فكذلك الولد يجوز له أن يُطالب أباه في ذلك والجامع: أن كلا منهما دين ثابت لا يحل للغير امتلاكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية حق الأولاد من استغلال الآباء لهم. فإن قلت: لا يجوز للولد أن يُطالب أباه الغني بدين ونحوه إلا بنفقته، أو وجد عين ماله تحت أبيه فطالب به ولا يجوز لورثته أيضًا ذلك، وهو ما ذكره=

стр. 2076

به ثواب الآخر، والهدية وهي ما قصد به إكرامًا وتودّدًا ونحوه نوعان من الهبة: حكمهما حكمها فيما تقدم (٤٠)، ووعاء هدية كهي مع عرف (٤١). المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" حيث دلَّ هذا على أن ما أخذه الوالد من مال ولده يكون ملكًا للأب؛ لأن "اللام" في قوله: لأبيك" تدل على التمليك فلا يجوز للولد أن يطالب الأب بذلك، وإذا لم يجز للولد ذلك فمن باب أولى عدم جواز ذلك لورثته من باب "مفهوم الموافقة الأولى" قلتُ هذا الحديث مخصَّص بالأب الفقير المحتاج للمال والذي خصَّصه بذلك هي المصلحة كما سبق في مسألة (٣٦) وعلى ذلك يجوز للولد مطالبة أبيه الغني بأي حق له، فإن قلتَ: لَمَ اتُّفِق على مطالبة الولد لأبيه الغني بالنفقة عليه إذا عجز الولد عن النفقة على نفسه؟ قلتُ للمصلحة حيث إن ذلك فيه حفظ النفس وهي من الضرورات الخمس. [فرع]: لا يجوز مطالبة الولد لأبيه الفقير بالنفقة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فقر الأب: عدم جواز مطالبة الولد الفقير له؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر في ذلك. (٤٠) مسألة: الفرق بين الهبة، والصدقة، والهدية والعطية، والنَّحلة هو: أن الهبة: قد سبق بيانها لغة واصطلاحًا في مسألة (١) والعطية والنِّحلة، كالهبة في ذلك، أما الصدقة فهي: ما قُصد فيها ثواب الآخرة، وقد سبق بيانها في كتاب "الزكاة" أما الهدية فهي: ما قصد به إكرام الآخرين والتودُّد إليهم، والمحبة، وحكم ذلك كله: الاستحباب إذا قصد به وجه الله تعالى، وقصد أيضًا كفَّ الأذى والشر والظلم عنه، وقصد أن لا يوصف بالبخل، أما إذا قصد المباهاة، والرياء والسمعة والحصول على المناصب: فإن ذلك كله حرام. (٤١) مسألة: إذا أهدى شخص هدية في وعاء وإناء: فإن الوعاء تابع للهدية فهو مثلها، لا يرد كمن وضع تمرًا أو رطبًا في وعاء له بشرط: أن يكون العرف قد =

стр. 2077

فصل: في تصرُّفات المريض بعطية أو نحوها (من مرضه غير مخوف كوجع ضرس، وعين، وصداع) أي: وجع رأس (يسير: فتصرُّفه لازم كـ) ـــتصرُّف (الصحيح ولو) صار مخوفًا (ومات منه)؛ اعتبارًا بحال العطية؛ لأنه إذ ذاك في حكم الصحيح (٤٢) (وإن كان) المرض الذي اتّصل به الموت (مخوفًا كبرسام) وهو بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثر في الدماغ فيختل عقل صاحبه (وذات الجنب) قروح بباطن الجنب (ووجع قلب) ورئة لا تسكن حركتها (ودوام قيام) وهو المبطون الذي أصابه الإسهال، ولا يمكنه إمساكه (و) دوام (رعاف)؛ لأنه يصفي الدم، فتذهب القوة (وأول فالج) وهو داء معروف يرخي بعض البدن (وآخر سل) ـبكسر السين- (والحمى المطبقة و) حمى (الربع، وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف) فعطاياه جرى بذلك، أما إن لم يكن قد جرى عرف في ذلك: فإن الوعاء يُردُّ، وتؤخذ الهدية؛ للعرف والعادة؛ حيث إن ذلك يُرجع فيه إلى العرف؛ لكون الشارع لم يرد فيه شيء. (٤٢) مسألة: إذا مرض شخص مرضًا غير مخوف في العادة: فتصرفه لازم، يتحمَّل تبعاته كتصرف الصحيح فمثلًا: لو كان شخص قد أوجعه ضرسه، أو عينه، أو أصيب بصداع يسير في رأسه أو نحو ذلك من الأمراض غير المميتة عادة، وباع، أو اشترى، أو أعطى، أو أهدى شيئًا أو تصدَّق به، أو أبرأ أحدًا من دينه أو نحو ذلك: فإن هذا البيع والشراء والعطاء والهدية والصدقة والإبراء صحيح: سواء مات بسبب هذا المرض أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن تصرفات الصحيح لازمة وصحيحة فكذلك تصرفات المريض مرضًا غير مخوف مثله والجامع: أن كلًّا منهما قد تصرف في حالة لا يخاف فيها الموت عادة، فإن قلتَ: لِمَ صح تصرفه هنا مع أنه مات بسبب هذا المرض غير المخوف؟ قلتُ: لكونه قد تصرف في حال العطية ونحوها وهو لا يخاف الموت، فجاءه الموت فجأة كالصحيح إذا تصرف في حال صحته.

стр. 2078

كوصية؛ لقوله ﵇: "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم" رواه ابن ماجه (ومن وقع الطاعون ببلده) أو كان بين الصفين عند التحام حرب، وكل من الطائفتين مكافئة للأخرى، أو كان من المقهورة، أو كان في لجة البحر عند هيجانه أو قدم، أو حبس لقتل (ومن أخذها الطَّلْق) حتى تنجو (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث) ولو لأجنبي (إلّا بإجازة الورثة لها إن مات منه) كوصية؛ لما تقدم؛ لأن توقع التلف من أولئك كتوقع المريض (٤٣) (وإن (٤٣) مسألة: إذا مرض شخص مرضًا مخوفًا في العادة والعرف أو كان يغلب على الظن أنه سيهلك بأي سبب: فإن تصرُّفه في الهبة والعطية والتبرّع: لا يلزم ولا يصح إن كان لأي وارث، ويصح لأجنبي إذا لم يكن فوق الثلث، أما إن أذن الورثة فيصح للوارث، ولما فوق الثلث، فمثلًا لو كان شخص قد أُصيب بالبرسام ـوهو كل ما يؤثر في الدماغ- أو أصيب بذات الجنب ـوهي قروح تكون بباطن الجنب-، أو أصيب بدوام قيام- وهو: إسهال مستمر ـأو أصيب بدوام رعاف، أو أصيب بفالج - وهو ارتخاء بعض أعضاء البدن تمامًا -، أو أصيب بسلٍّ- وهو داء يحدث في الرئة -أو بالحمى المطبقة- وهي: ارتفاع درجة الحرارة باستمرار -وحمى الربع- وهي الحمى التي تذهب وتعود كل أربعة أيام-، وكذا: إذا قال طبيب عدل بأن هذا مرض مخوف ومميت، وكذا إذا غلب على الظن الهلاك فيه كشخص قد وقع الطاعون ببلده، أو شخص وقع بين صفين متقاتلين وهما متكافئتان، أو كان هذا الشخص من الطائفة الضعيفة، أو كان في لجة البحر عند هيجانه، أو قدِّم لقتل قصاصًا، أو حبس للقتل، وكذلك المرأة التي بدأ بها الطلق، كل من سبق ونحوهم ممن أصيبوا بمثل ذلك: فإن تصرُّفاتهم لا تلزم ولا تصح كما سبق بيانه؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" حيث دل بمفهوم العدد على أن الشخص ليس له أكثر من الثلث عند وفاته، وإذا=

стр. 2079

عوفي) من ذلك (فكصحيح) في نفوذ عطاياه كلها؛ لعدم المانع (٤٤) (ومن امتدَّ مرضه بجذام أو سلٍّ) في ابتدائه (أو فالج) في انتهائه (ولم يقطعه بفراش فـ) ـــعطاياه (من كل ماله؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت منه كالهرم (والعكس) بأن لزم الفراش (بالعكس) فعطاياه كوصية؛ لأنه مريض صاحب فراش، يخشى منه التلف (٤٥) (ويُعتبر الثلث عند أصيب الإنسان بمرض مخوف أو غلب على الظن هلاكه بأي سبب: فكأنه متوفى، لا حق له في ماله إلا ثلثه فقط، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الوصية لا تصحّ إلا بثلث ماله فكذلك العطية والهبة ونحوهما في مرض موته المخوف كذلك والجامع: أنه في كل منهما في حالة الظاهر منها الموت. الثالثة: تقرير الصحابي؛ حيث إن عمر لما مرض قال طبيب له: أعهد إلى الناس، فعهد عمر إليهم، وهذا إشارة إلى أنه يكتفي بقول عدل فيه إن هذا المرض يعتبر من الامراض المخوفة، هذا إذا لم يُقدر على طبيبين. الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم في غلبة الظن أنه مهلك: أن يكون مرضه مرضًا مخوفًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الورثة؛ لئلا يضيعها الشخص بالهبات والعطايا، والهدايا، والتبرعات عندما يغلب على ظنه هلاكه. (٤٤) مسألة: إذا عُوفي الشخص من مرضه المخوف أو سلم من مهلكة وهو قد تصرَّف في حال ذلك بهبة وعطية ونحوهما: فإن ذلك التصرف: يصح؛ وينفذ كل ما أمر به؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصحيح يصح تصرفه فكذلك هذا الشخص مثله، والجامع: عدم المانع من صحة التصرف. (٤٥) مسألة: إذا مرض شخص مرضًا مخوفًا كالجذام، والسل، والسرطان واستمر وطال ولكنه يذهب ويجيء ولم يلزم فراشه: فإن جميع عطاياه، وهداياه كعطايا وهدايا الصحيح: من كل ماله، أما إن ألزمه هذا المرض فراشه، وأقعده فيه: فإن جميع عطاياه وهداياه تكون من ثلث ماله فقط كالوصية، وإن أعطى وارثًا شيئًا وهو في هذه الحالة الأخيرة: فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة؛ للقياس؛ بيانه: كما =

стр. 2080

موته)؛ لأنه وقت لزوم الوصايا، واستحقاقها، وثبوت ولاية قبولها وردِّها (٤٦)، فإن ضاق ثلث عن العطية والوصية: قُدِّمت العطية؛ لأنها لازمة (٤٧)، ونما العطية من القبول إلى الموت تبع لها (٤٨)، ومعاوضة المريض بثمن المثل من رأس المال، والمحاباة أن الشخص الذي هرم وبلغ من العمر عتيًا ولم يلزم فراشه بسببه إذا أعطى شيئًا: فإن عطاياه وهداياه تنفذ من كل ماله، وإذا لزم فراشه بسبب الهرم: فلا تنفذ عطاياه إلا من الجزء الذي تصح فيه الوصية -وهو ثلث ماله ـ فكذلك المريض مرضًا مخوفًا إذا استمر مثله والجامع: أن الذي لا يلزم الجلوس في الفراش لا يُخاف ولا يُخشى منه الموت والتلف غالبًا والذي يُلزم الفراش: يُخاف ويخشى منه الموت والتلف غالبًا في كل، وهذا هو المقصد منه. (٤٦) مسألة إذا كان شخص في مرض موته فأعطى أو أهدى، أو حابي، من ماله شخصًا آخر، أو أعتق عبدًا أو وقف ونحو ذلك: فإنه يُعتبر وصية، أي: يؤخذ من ثلث ماله فقط، وإذا كان هذا الشخص المعطى والمهدى والمحابي من الورثة: فإنه لا ينفذ إلّا بإذن الورثة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون مرض الموت وقت لزوم الوصايا واستحقاقها، ووقت ثبوت ولاية قبول الوصايا وردِّها: أن يُعتبر كل ما أعطاه، أو أهداه أو وقفه أو حاباه أو نحو ذلك من الوصية فقط، فإن قلتَ لَم شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق ورثة هذا الشخص؛ لكون بعض الناس قد يقصد من ذلك حرمان ورثته من الميراث. (٤٧) مسألة: إذا أعطى شخص في مرض موته شخصًا آخر عطية قدرها مائة ريال مثلًا، وكانت له وصية بثلث ماله: وكانت هذه المائة ثلث ماله: فإن العطية تُقدَّم، وتُنفَّذ، وتسقط الوصية، للقياس؛ بيانه: كما أن الصحيح يتصرَّف في الوصية بالثلث ويُغيِّرها فكذلك المريض يتصرَّف بالثلث والجامع: أن تصرُّف هذين لازم. (٤٨) مسألة: إذا أعطى زيد المريض مرض الموت عطية لعمرو وقبلها عمرو كأن يُعطيه =

стр. 2081

كعطية (٤٩) (و) تفارق العطية الوصية في أربعة أشياء: أحدها: أنه (يُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية)؛ لأنها تبرُّع بعد الموت، يوجد دفعة واحدة (ويبدأ بالأول فالأول في العطية)؛ لوقوعها لازمة (و) الثاني: أنه (لا يملك الرجوع فيها) أي: في العطية بعد قبضها؛ لأنها تقع لازمة في حق المعطي، وتنتقل إلى المعطى في الحياة ولو كثرت، وإنما منع من التبرُّع بالزائد على الثلث لحق الورثة، بخلاف الوصية فإنه يملك الرجوع فيها (و) الثالث: أن العطية (يُعتبر القبول لها عند وجودها)؛ لأنها تمليك في الحال، بخلاف الوصية فإنها تمليك بعد الموت فاعتبر عند وجوده (و) الرابع: أن العطية (يثبت الملك) فيها (إذًا) أي عند قبولها كالهبة، لكن يكون مراعي؛ لأنا لا تعلم هل هو مرض الموت أو لا؟ ولا نعلم هل يستفيد مالًا أو يتلف شيء من ماله، فتوقفنا لنعلم عاقبة أمره، فإذا خرجت من الثلث: تبيّنا أن الملك كان ثابتًا من حينه وإلا فبقدره (والوصية بخلاف ذلك) فلا تملك قبل الموت؛ لأنها تمليك بعده فلا تتقدمه (٥٠)، وإذا ملك المريض من يعتق عليه بهبة أو وصية، أو أقرَّ أنه أعتق ابن عمه نخلاً: فإن جميع نماء وثمار ذلك النخل للمعطى والموهوب -وهو عمرو- من وقت الإعطاء والقبول إلى موت المعطي -وهو زيد-؛ للتلازم؛ حيث إن نماء الشيء تابع للشيء نفسه فيلزم أن يكون النماء للمعطى؛ لكونه مالكًا لذلك الشيء المعطى. (٤٩) مسألة معاوضة المريض بمرض مخوف بثمن المثل: يكون من رأس المال، لا من الثلث، وكذا ما يتغابن بمثله، سواء كان في بيع، أو شراء، أو إجارة ونحوها، وسواء كان مع وارث أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بتبرُّع، ولا تهمة فيه: أن يكون من رأس ماله. تنبيه: المحاباة كالعطية فيما مضى من المسائل. (٥٠) مسألة: الفروق بين العطية في مرض الموت وبين الوصية أربعة هي: الفرق الأول: أنه يُساوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، وإذا أوصى في شهر رجب، ثم =

стр. 2082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أوصى في رمضان الذي بعده: فإنه يُعمل بوصية رمضان، وتبطل الوصية الأولى، أما العطية: فإنه لا يسوَّى فيها بين الذين قد أعطوا، بل يبدأ بالأول، ثم بعده الثاني وهكذا، للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوصية تبرُّع بعد الموت، وكونها تكون مرة واحدة: التسوية بين المتقدم والمتأخر، ويلزم من كون العطية لازمة في حق المعطي: عدم التسوية بين المتقدم والمتأخر؛ حيث إنه لو شاركت الثانية الأولى: لمنع ذلك لزومها في حق المعطي، الفرق الثاني: أن الشخص إذا أعطى شيئًا: فإنه لا يملك الرجوع فيها بعد أن قبضها المعطى في الحياة وإن كانت كثيرة ولكن إذا أعطى أكثر من الثلث وهو في حالته فإنه يُمنع، ويُقصر على الثلث فقط، فلا يملك إجازتها هو ولا ردَّها، أما الوصية فيملك الرجوع فيها وتغييرها ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع العطية لازمة من المعطي: عدم جواز الرجوع فيها، ويلزم من كون الوصية تبرُّع بها بعد الموت: جواز الرجوع فيها في الحياة: فإن قلتَ: لِمَ مُنع من التبرُّع بأكثر من الثلث؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق الورثة؛ الفرق الثالث: أن القبول للعطية معتبر عند وجودها، أما الوصية: فلا حكم لقبولها ولا ردِّها إلا بعد الموت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العطية تمليك في حال العطاء: اعتبار القبول حين ذلك؛ ويلزم من كون الوصية تمليك بعد الموت: اعتبار القبول لها بعد الموت؛ الفرق الرابع: أن العطية تملك من حينها لكن يُراعى حال هذا المعطي في مرض موته: فإن مات من ذلك المرض: فإن العطية تكون من ثلث ماله، وإذا كانت لوارث: فلا يأخذ تلك العطية إلا إذا أذن له بقية الورثة، وإن لم يمت بسبب هذا المرض: فإن العطية تكون من جميع ماله -كما سبق-، وكذلك يختلف الحال بسبب وجود زيادة في ماله وهو مريض، أو وجود خسارة فلذلك رُوعي حال هذا المعطي ليُعلم عاقبة أمره لنعمل بها، أما الوصية: فلا تملك إلّا بعد الموت -كما سبق ـ فلا يكون فيها =

стр. 2083

في صحته: عتقًا من رأس المال، وورثا؛ لأنه حر حين موت مورثه، لا مانع به، ولا يكون عتقهم وصية (٥١) ولو دبَّر ابن عمه: عتق ولم يرث (٥٢)، وإن قال: "أنت حر آخر حياتي": عتق وورث (٥٣). التفصيل الذي قلناه في العطية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العطية في مرض موت المعطي: وجوب انتظار حاله ومراقبة مصيره وإيقاف جميع تبرعاته وعطاياه لذلك، ويلزم من كون الوصية لا تملك إلّا بعد الموت: عدم ذلك. فإن قلتَ: لِمَ أوجد الفقهاء تلك الفروق بين العطية في مرض الموت وبين الوصية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة اللَّبس بينهما عند كثير من الناس. [فرع]: ما عدا هذه الفروق الأربعة: تكون العطية في مرض الموت كالوصية في جميع الأحكام. (٥١) مسألة: إذا ملك زيد المريض مرض الموت من يعتق عليه إذا ملكه -وهم كل ذي رحم محرم منه كأبيه ونحوه- بسبب أنه وهبه إليه عمرو، أو أوصى به إليه، أو أقرّ زيد المريض مرض الموت أنه أعتق ابن عمه لما كان -أي: زيدـ في صحته: فإن ما ملكه -كأبيه- أو أقرَّ به -كابن عمه- يعتقان ويرثان إذا كانا من الورثة، ولا يُعتبر عتقهما من الوصية، فلا يؤخذ ذلك من الثلث؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العتق ليس من فعله، ولا يتوقف على اختياره، ولم يتبرَّع فيه بعد الموت: أن يعتقان، ويرثان، وأن لا يعتبران من الوصية. (٥٢) مسألة: إذا كان زيد قد ملك ابن عمه بأن كان رقيقًا عنده، ودبَّره: بأن قال له: "أنت حر بعد موتي": فإنه يعتق بعد موته، ولكنه لا يرثه؛ للتلازم؛ حيث إن من شرط الإرث: أن يكون الوارث حرًّا، وأن تكون هذه الحرية سابقة لموت مورِّثه، فيلزم من عدم هذا الشرط: عدم الحكم، وهو الإرث؛ لكون الحرية كانت مع الموت، ولم تسبقه. (٥٣) مسألة: إذا قال مريض لابن عمه الرقيق عنده: "أنت حر آخر حياتي" ثم مات =

стр. 2084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المريض: فإن ابن عمه يعتق ويرث إن لم يحجبه أحد، للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شرط عتقه -وهو وصوله إلى آخر حياته-: أن يعتق ويلزم من وجود شرط إرثه وهو: كون حريته سابقة لموت مورِّثه: أن يرث مع الورثة، فإن قلتَ: إن عتقه وصية تتوقف على إذن الورثة؟ قلتُ: لا يُسلَّم هذا؛ لكونه حال العتق غير وارث، وإنما كان وارثًا بعد نفوذ عتقه، في آخر حياة المورِّث قبل موته بلحظات. هذه آخر مسائل "باب الهبة والعطية والهدية"، ويليه كتاب: "الوصايا".

стр. 2085

كتاب الوصايا جمع وصية، مأخوذة من وصيت الشيء: إذا وصلته، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته، واصطلاحًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرُّع بالمال بعده (١)، كتاب الوصايا * بيان تعريفها، وحكمها، ومقدارها ووقت قبولها وملكها والرجوع عنها وفيه سبع وعشرون مسألة: (١) مسألة: الوصايا جمع وصية: -بفتح الواو، وكسر الصاد، وفتح الياء- وهي تطلق لغة على جعل المال للغير، تقول: "وصَّيتُ بكذا أو: أوصيت بكذا": جعلته له، وتطلق أيضًا على العهد إلى الغير في القيام بفعل أمر حال حياته أو بعد وفاته، تقول: "أوصيتُ له أو إليه": جعلته وصيًا يقوم على من بعده، وهي في الاصطلاح الشرعي: "الأمر بالتصرُّف بعد الموت، أو التبرُّع بالمال بعد الموت" فتشمل الوصية بذلك نوعين: أولهما: الوصية بالتصرُّف فقط في شيء خاص به كأن يوصي زيد بأن يقوم عمرو بتزويج بناته، أو، أن يغسله ويصلي عليه، أو تفرقة وقفه، أو ثلثه أو نحو ذلك، دون أن يتملَّك شيئًا، ثانيهما: الوصية بتملك غيره ما تبرَّع به من المال بعد موته كأن كأن يوصي زيد بأن يتملَّك عمرو، أو يتملَّك عدد من الأشخاص ماله -أي مال زيد- الذي تبرَّع به ويستحق بعد موته، وخرج بعبارة "بعد الموت" التملكات المنجزة لعين كالبيع والهبة، والعطية، والهدية، والمنحة، وكذا: تملُّك المنفعة كالإجارة، فإن قلتَ: لِمَ جُعل كتاب الوصايا بعد باب الهبة والعطية؟ قلتُ: لأن كلًّا منهما يشتركان في تمليك الغير ماله بلا عوض مالي.

стр. 2086

وتصح الوصية من البالغ الرشيد (٢) ومن الصبي العاقل (٣)، .......................... (٢) مسألة تصح الوصية من المكلَّف: سواء كان عدلًا أو فاسقًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، ما لم يصل إلى حدِّ الغرغرة -وهو: وقت خروج الروح، أو بلوغ الروح الحلقوم- بشرط: عدم زوال عقله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هبة هؤلاء صحيحة فكذلك تصح وصيتهم من باب أولى والجامع: أنه في كل منهما تبرُّع بمال ينفعه في الدنيا والآخرة، من غير ضرر على الآخرين. (٣) مسألة: لا تصح وصية الصبي إلى أن يبلغ، وهو قول كثير من العلماء وهو رواية عن أحمد، لقاعدتين؛ الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح من الصبي الهبة والعتق، فكذلك لا تصح الوصية منه والجامع: أن كلَّا منهما تبرع وتصرف بمال لمن ليس له التصرُّف فيه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد ذهب إلى هذا المذهب، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الصبي لا يدرك المقصود من الوصية فكثيرًا ما يُغر ويُخدع؛ نظرًا لعدم إدراكه لحقائق الأمور، فإن قلت: تصح وصية الصبي العاقل، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما تصح صلاة الصبي العاقل فكذلك تصح وصيته والجامع: أن كلًّا منهما تصرُّف فيه نفع له، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر أجاز وصية صبي. قلتُ: أما القياس ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن صلاة الصبي ليس فيها ضرر على غيره، أما الوصية فيوجد ضرر على غيره. وهم ورثته، أما قول الصحابي: فإنه معارض بقول صحابي آخر، وهو ابن عباس ـكما سبق- وإذا تعارض قولا صحابيين في مسألة واحدة تساقطا ورُجع إلى مُرجِّع لأحدهما من دليل خارجي، وقد وجد عندنا دليل خارجي وهو القياس الذي ذكرناه يُرجِّح عدم صحة وصيته، فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: "تعارض القياسين": فنحن ألحقنا الوصية بالهبة؛ لكونها أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوها بالصلاة؛ لكونها أكثر شبهًا بها عندهم، وهو ما يُعرف بقياس "الشبه" أو "غلبة =

стр. 2087

والسفيه بالمال (٤)، ومن الأخرس بإشارة مفهومة (٥)، وإن وُجدت وصية إنسان بخطه الثابت ببيّنة، أو إقرار ورثته: صحَّت (٦)، ويُستحب: أن يكتب وصيته، ويُشهد عليها (٧) و (يسن لمن ترك خيرًا -وهو المال الكثير-) عرفًا (أن يوصي بالخمس) روي الأشباه". (٤) مسألة: إذا حجر على شخص؛ للسفه: فإن وصيته تصح؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الرشيد تصح وصيته فكذلك المحجور عليه لسفهه والجامع: أن كلًّا منهما عاقل مدرك لحقائق الأمور والنيات والمقاصد، الثانية: المصلحة؛ حيث إن وصيته فيها نفع له من غير ضرر على الآخرين؛ لكونه إن عاش لم يذهب من ماله شيء؛ لأن تنفيذ الوصية بعد الموت، وإن مات فهو محتاج إلى الثواب. (٥) مسألة: تصح الوصية من المكلَّف الأخرس بشرط: أن تكون تلك الوصية بإشارة يُفهم منها الوصية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الناطق تصح وصيته فكذلك الأخرس مثله إذا فهمت إشارته والجامع: أن كلًّا منهما قد فهمت منه الوصية. (٦) مسألة: إذا أوصى شخص بوصية وكتبها بخطه: فإن ذلك يصح ويُعمل بها بشرط: أن يثبت هذا الخط ببيَّنة على أنه خطُّه، أو يُقرُّ ورثته بذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الرسول ﷺ كان يبعث رسله وسعاته بكتب ورسائل، فيقبل منهم المرسل إليهم ذلك، ويعملون به استنادًا إلى الخط الثابت عنه مع أن فيه الأوامر والنواهي الشرعية والناسخ والمنسوخ فكذلك الوصية التي كتبها صاحبها يعمل بها استنادًا إلى الخط الثابت عنه، والجامع: أن كلًّا منهما قد ثبت أنها صادرة من صاحبها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين؟ حيث إنه قد لا يوجد شاهد على ذلك، وقد يكون الإنسان لا يريد أن يطَّلع أحد على أسراره. (٧) مسالة: يستحب للمسلم أن يكتب وصيته ويشهد عليها عدلين؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه قطع للنزاع، واحتياط للدِّين، وبُعْد عن التهمة.

стр. 2088

عن أبي بكر وعلي وهو ظاهر قول السلف قال أبو بكر: "رضيت بما رضي الله به لنفسه" يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٨) (ولا تجوز) (٨) مسألة: الوصية لغير الوارث ببعض المال مستحبة لمن ترك خيرًا ـوهو المال الكثير عرفًا، والأفضل: أن يكون الموصى به أقل من ثلث ماله، والأفضل أن تكون للفقير القريب؛ لقواعد؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ حيث أوجب الشارع الوصية؛ لأن لفظ "كتب" من صيغ الوجوب، والتقدير: "كتب عليك ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لأنكر ذلك، فدلّ على استحبابها، وخرج الورثة من هذه الآية بالسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" وهو واضح، وإذا خرج الورثة: بقي سائر الأقم الوصية إن تركتم خيرًا" ولكن فعل الصحابي قد صرف هذا الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن أكثر الصحابة لم يوصوا، ارب على استحباب الوصية لهم، ويلزم منه: "أن الوصية لهم أفضل من الوصية للأجنبي، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله: "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" وهذا فيه حث على الوصية، ثانيها قوله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" والمراد به: أنه من الرأي السديد: أن لا يمر زمن قليل على مسلم يملك فيه مالًا كثيرًا يريد أن يوصي ببعضه إلا ويكتب تلك الوصية، ثالثها: أن سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني في عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: يا رسول الله: قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا" قلت: فبالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا" قلت: فبالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس" =

стр. 2089

الوصية (بأكثر من الثلث الأجنبي) لمن له وارث (ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة لهما بعد الموت)؛ لقول النبي ﷺ لسعد حين قال: "أوصي بمالي كله؟ قال: "لا"، قال: "بالشطر؟ قال: "لا" قال بالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير" متفق عليه، وقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه (٩)، وإن فأجاز الوصية لغير الوارث بالثلث، ويلزم من وصف الثلث بالكثرة: أن الأفضل: أن يوصي بما دون الثلث قليلًا. الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن العطية والهبة لا تجب في الحياة فكذلك الوصية لا تجب بعد الموت، والجامع: أن كلًّا منهما تُعتبر عطية، فإن قلتَ: لِمَ استحبّت الوصية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زيادة في القربات والحسنات، ويستدرك به بعض ما فرَّط فيه من الأعمال الخيرية، وقد أشار إلى ذلك الحديث الأول بقوله: "زيادة لكم في أعمالكم"، فإن قلتَ: إن الأفضل أن يوصي بخمس ماله وهو ما ذكره المصنف هنا وهو مذهب كثير من العلماء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعليًا قد فعلا ذلك، وقاسه أبو بكر على حق الله من الغنيمة وهو خمسه. قلتُ: هذا اجتهاد منهما مخالف لإطلاق حديث سعد: "الثلث والثلث كثير"، وقد خالفه كثير من الصحابة؛ حيث أوصى عمر بربع ماله، وقال ابن عباس: "وددتُ لو أن الناس غضُّوا من الثلث إلى الربع في الوصية". [فرع] الوصية واجبة على كل شخص عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب من كفارات ونحو ذلك من الحقوق التي لا مستند لها؛ للإجماع حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده التلازم؛ حيث إن رد الأمانات والحقوق إلى أهلها واجب فيلزم منه وجوب الوصية بردِّها وبيانها بالتفصيل. (٩) مسألة: الشخص الذي له ورثة -بفرض أو تعصيب- لا يصح له أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، ولا يصح له أن يوصي لوارث بشيء، فإن فعل: بأن أوصى لغير الوارث بأكثر من الثلث، أو أوصى لوارث بشيء: فتبطل فيما زاد على الثلث، =

стр. 2090

وصَّى لكل وارث بمعيَّن بقدر إرثه: جاز؛ لأن حق الوارث في القدر، لا في العين (١٠)، والوصية بالثلث فما دون لأجنبي تلزم بلا إجازة (١١) وإذا أجاز الورثة ما وتبطل للوارث إلا إذا أذن الورثة في ذلك وسمحوا به بعد موت الموصي فيجوز، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "الثلث والثلث كثير" حيث دلَّ مفهوم العدد على عدم جواز ما زاد عن الثلث، ويلزم منه: أن الذي زاده الموصي على الثلث يبطل بهذا: لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي التحريم والفساد. ثانيهما: قوله ﷺ : "لا وصية لوارث" حيث إن النفي هنا: نهي والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد. الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الورثة قد أسقطوا حقهم بالإذن بالزيادة، أو للوارث: يلزم منه: جوازه، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّمت الزيادة عن الثلث، وحرمت الوصية للوارث؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن الوصية بأكثر من الثلث فيه ظلم للورثة بتنقيص حقهم، والوصية للوارث فيه إيقاع العداوة، والفتنة بين الموصى له وبقية الورثة، فدفعًا لذلك: حرم. (١٠) مسألة: إذا وصَّى شخص لكل وارث بشيء معين بقدر نصيبه من الإرث: فإن يصح كأن يكون له داران، وله بنتان وابن، وكل دار تساوي مائة ألف، فجعل دارًا للبنتين، والدار الأخرى للابن: فإن هذا يصح كما قلنا؛ للتلازم؛ حيث إن كون حق الوارث في القدر، لا في العين، وأنه لم يقع ظلم ولا إجحاف على أحد يلزم منه: صحته، وهو المقصد منه. (١١) مسألة: إذا وصَّى شخص بالثلث فما دونه لغير الوارث: فإنها تلزم بعد موت ذلك الشخص الموصي بدون إذن أو إجازة من الورثة؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال -في حديث سعد-: "الثلث والثلث كثير" وهذا مطلق، فلم يُقيَّد بشيء من إذن وإجازة ورثة ولا غيرهم، فيبقى على إطلاقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير لإنفاذ الوصية.

стр. 2091

زاد على الثلث، أو لوارث (فـ) إنها (تصح تنفيذًا)؛ لأنها إمضاء لقول المورِّث بلفظ: "أجزتُ" أو "أمضيتُ" أو "أنفذتُ" ولا تُعتبر لها أحكام الهبة (١٢) (وتكره وصية فقير) عرفًا (وارثه محتاج)؛ لأنه عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب (١٣) (وتجوز) الوصية (بالكل لمن لا وارث له) روي عن ابن مسعود؛ لأن المنع فيما زاد على الثلث لحق الورثة، فإذا عدموا زال المانع (١٤) (وإن لم يف الثلث بالوصايا) أو لم تجز الورثة: (١٢) مسألة: إذا وصَّى شخص بشيء زائد على الثلث، أو وصَّى لوارث بشيء، وأجازه كل واحد من الورثة بلفظ يدل على إذنه وسماحه بذلك كقوله: "أجزتُ ما زاد على الثلث، أو ما وصي لهذا الوارث" أو بقوله: "أمضيته" أو بقوله: "أنفذته" أو بقوله: "رضيتُ بذلك" ونحو ذلك: فإن تلك الوصية تصح تنفيذًا لما وصَّى به الموصي، ولا يكون ذلك هبة من الوارث؛ فلا يُشترط لها شروط الهبة ولا أحكامها، ولا منة للوارث في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إجازتهم لذلك وإسقاط حقهم بسبب إمضاء قول الموصي وتنفيذ ما وصَّى به: أن تصح تلك الوصية، وأن لا تكون هبة. (١٣) مسألة: تكره وصية فقير وارثه فقير مثله؛ للمصلحة: حيث إن تركه وارثه المحتاج ووصيته لغير الوارث فيه ترك للأفضل وفعله للمفضول. (١٤) مسألة: إذا وُجد شخص لا وارث له: فإنه يصح أن يوصي بجميع ماله ويُصرف في الأعمال الخيرية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ -في حديث سعد-: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" حيث دلّ منطوقه على أن المنع من الزيادة عن الثلث كان بسبب حق الورثة، فدل مفهوم العلّة على جواز الوصية بكل المال إذا كان الشخص لا وارث له؛ لعدم تعلُّق حق لوارث ولا لغريم. الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن هذا قد روي عن ابن مسعود، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للموصي، وهو عمل للبر بهذا المال الذي حققه خلال حياته،

стр. 2092

(فالنقص) على الجميع (بالقسط) فيتحاصون، ولا فرق بين متقدمها ومتأخرها والعتق وغيره؛ لأنهم تساووا في الأصل، وتفاوتوا في المقدار، فوجبت المحاصة كمسائل العول (١٥) (وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث) كأخٍ حُجب بابن تجدَّد: في حين أنه لا ضرر على الآخرين. فإن قلتَ: إن هذا الشخص ليس له إلا الوصية بالثلث فقط، دون أن يزيد عليه والثلثان يكونان لبيت المال، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي وكثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ترك وارثًا ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث فكذلك من لا وارث له والجامع: أن في كل منهما له من يأخذ ويعقل عنه؛ لأن المسلمين هم الوارثون له من بيت المال. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق لأن من له ورثة يتضرَّرون إذا أوصى بأكثر من الثلث ضررًا مباشرًا، أما بيت المال: فلا يتضرر إذا أوصى بأكثر منه؛ لأن له مصادر أخرى غير ذلك، ولو تضرر: فإن ضرره غير مباشر، فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم العدد، ومع قول الصحابي". (١٥) مسألة: إذا كثرت الوصايا ولم يف الثلث بها، ولم تجز الورثة الزيادة على الثلث: فإن الثلث فقط يُقسَّم بين الموصى لهم على قدر ونسب وصاياهم ويتحاصون، ويدخل النقص على كل واحد منهم بقدر نسبته في الوصية سواء كان فيه عتق أو لا، فمثلًا: لو أوصى شخص لزيد بثلث ماله، ولعمرو بمائة، ولبكر بدكان قيمته خمسون، ولمحمد بخمس وعشرين، ولصالح بخمس وعشرين، فبلغت الوصايا ثلاثمائة، وكان ثلث ماله مائة فقط: فإن زيداً يُعطى ثلث المائة، وكذلك عمرو، ويُعطى بكر سدس المائة، ويُعطى كل من محمد وصالح عشرة وثلثان، وقس على ذلك بقية الأمثلة، للقياس؛ بيانه: كما يفعل ذلك بمسائل العول ـفي الفرائض وهي زيادة الفروض عن المال المقسَّم- فكذلك يفعل في هذه الحالة والجامع: أن أصحاب الحقوق في كل منهما قد تساووا في الأصل وتفاوتوا في المقدار فوجبت =

стр. 2093

(صحَّت) الوصية؛ اعتبارًا بحال الموت؛ لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصى له (١٦) (والعكس بالعكس) فمن أوصى لأخيه مع وجود ابنه، فمات ابنه: بطلت الوصية إن لم تجز باقي الورثة (١٧) (ويُعتبر) لملك الموصى له المعيَّن الموصى به (القبول) بالقول، أو ما قام مقامه كالهبة (بعد الموت)؛ لأنه وقت ثبوت حقه (١٨)، المحاصّة. (١٦) مسألة: إذا أوصى شخص لأخيه الوارث، فصار عند الموت ليس بوارث بأن حُجب بابن ولد للموصي بعد موته: فإن الوصية تصحّ؛ للتلازم؛ حيث إن حدوث الموت للموصي هو الحال الذي يحصل به انتقال الميراث إلى الورثة، وانتقال الموصى به إلى الموصى له، والموصى له -وهو الأخ- في هذه الحالة لم يكن وارثًا فلزم منه صحة تلك الوصية لأخيه؛ لكونه غير وارث، والوصية لغير الوارث تصح. (١٧) مسألة: إذا أوصى شخص لأخيه غير الوارث؛ نظرًا لوجود ابنه -أي: ابن الموصي- فصار عند الموت وارثًا بسبب موت ابنه: فإن الوصية لا تصح؛ إلّا إذا أذن الورثة؛ للتلازم؛ حيث إن حدوث الموت للموصي هو الحال الذي ينتقل بسببه الميراث إلى الورثة، وينتقل الموصى به إلى الموصى له، والموصى له -وهو: الاخ هنا- في هذه الحالة كان وارثًا: فلزم منه عدم صحة الوصية لأخيه، لكونه وارثًا، والوصية للوارث لا تصح، ولذلك لو أوصت امرأة لرجل أجنبي عنها: صحَّت الوصية لكونه غير وارث، لكن لو تزوجها ذلك الأجنبي بعد الوصية: لبطلت لكونه وارثًا وإن أوصى أحد الزوجين للآخر، ثم طلقها زوجها: صحَّت؛ لكون كل واحد منهما أجنبيًا عن الآخر، وعلى هذا فقس. (١٨) مسألة: إذا كان الموصى له شخصًا معينًا، أو جمعًا يمكن حصرهم: فيُشترط لملك الموصى به: أن يقبله بالقول بعد موت الموصي فيقول "قبلتها" أو نحو ذلك من الأخذ، والفعل مما يقوم مقامه؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط في ملكية الهبة قبولها =

стр. 2094

وهو على التراخي، فيصح (وإن طال) الزمن بين القبول والموت (١٩)، و (لا) يصح القبول (قبله) أي: قبل الموت؛ لأنه لم يثبت له حق (٢٠)، وإن كانت الوصية لغير معيَّن كالفقراء، أو من لا يمكن حصرهم كبني تميم، أو مصلحة مسجد ونحوه، أو حج: لم تفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرَّد الموت (٢١) (ويثبت الملك به) أي: بالقبول (عقب الموت) قدَّمه في "الرعاية" والصحيح" أن الملك حين القبول كسائر العقود؛ لأن القبول سبب، والحكم لا يتقدَّم سببه، فما حدث قبل القبول: من نماء منفصل: بالقول ونحوه فكذلك الوصية مثلها والجامع: أن كلًّا منهما تمليك مال لمعين هو أهل للملك، فلا يكون إلَّا بالقبول بالقول، أو الفعل. (١٩) مسألة: لا تُشترط في قبول الموصى له للموصى به الفورية بل يجوز أن يقبله الموصى له بعد موت الموصي مباشرة، ويجوز أن يقبله بعد موت الموصي بمدَّة طويلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك لا يُشترط في الميراث فكذلك الوصية والجامع: أن كلًّا منهما حق لا يبطل بمضي وقت طويل على موت الموصي والمورِّث. (٢٠) مسألة: لا يصح من الموصى له قبولٌ ولا ردٌّ للموصى به قبل موت الموصي؛ للتلازم؛ حيث إنه لم يثبت للموصى له ملك قبل موت الموصي فيلزم عدم اعتبار قوله في القبول أو الرد. (٢١) مسألة: إذا كان الموصى له غير معين كأن يوصي شخص بذلك الشيء للفقراء، أو للعلماء، أو للغزاة، أو كانت الوصية لأناس لا يمكن حصرهم كبني هاشم، أو بني تميم، أو كانت لمصلحة مسجد، أو رباط، أو حجج: فإن القبول لا يُشترط، وتلزم الوصية بمجرَّد موت الموصي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أوقف ريع هذا على الفقراء ونحوهم مما ذكر: فإنه لا يُشترط القبول فكذلك الوصية مثله والجامع: تعذُّر القبول في كل.

стр. 2095

فهو للورثة، والمتصل يتبعها (٢٢) (ومن قبلها) أي: الوصية (ثم ردَّها) ولو قبل القبض (لم يصح الرَّد) لأن ملكه قد استقرّ عليها بالقبول إلا أن يرضى الورثة بذلك، فتكون هبة منه لهم تُعتبر شروطها (٢٣) (ويجوز الرجوع في الوصية)؛ لقول عمر: "يُغيّر الرجل ما شاء في وصيته" فإذا قال: "رجعت في وصيتي، أو أبطلتها" ونحوه: بطلت، وكذا: إن وجد منه ما يدل على الرجوع (٢٤)، (وإن قال) الموصي: (إن قدم زيد: فله ما (٢٢) مسألة يثبت ملك الموصى له للموصى به بالقبول عقب الموت، وعليه: فإذا حصل نماء منفصل كثمرة للموصى به قبل ذلك القبول: فإنه يكون للورثة، والنماء المتصل للموصى به كتعلُّم صنعة يتبع الموصى به فيكون للموصى له: إذا قبله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر العقود لا يتم الملك فيها إلا بعد قبول المشتري فكذلك الحال هنا: لا يملك الموصى له الوصية إلا بعد القبول الواقع بعد الموت، والجامع: أن القبول في كل منها سبب للحكم -وهو الملك- والحكم لا يتقدَّم سببه. (٢٣) مسألة: إذا قبل الموصى له الوصية ثم ردَّها: فلا يصح منه ذلك الرَّد، سواء كان قد قبضها أو لا، وسواء كانت في مكيل أو موزون أو لا، وسواء كانت في عتق أو لا، إلا أن يرضى ويأذن الورثة بذلك الرَّد فيقبلونها منه فتكون بذلك هبة من الموصى له للورثة، لها أحكام الهبة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر أملاكه لا يصح منه ردُّها إلا بهبتها لغيره فكذلك الوصية مثلها والجامع: أن كلًّا منها قد استقرّ عليها ملكه بالقبول. (٢٤) مسألة: يجوز أن يرجع الموصي عن وصيته، ويغيِّرها بأي لفظ أو تصرُّف يفيد الرجوع عنها وإبطالها كأن يقول: "رجعت عنها" أو "أبطلتها" أو "رددتها"، أو يبيع ما وصى به، أو يوقفه، أو يهبه، أو يرهنه، أو يزرعه أو يخلطه بما لا يتميز منه، أو نحو ذلك، سواء كان ذلك في عتق أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الوصية عطية تنفذ بعد الموت فيلزم جواز رجوع الموصي عنها قبل تنفيذها، =

стр. 2096

وصَّيتُ به لعمرو، فقدم) زيد (في حياته) أي: حياة الموصي: (فله) أي: فالوصية لزيد؛ لرجوعه عن الأول، وصرفه إلى الثاني معلَّقًا بشرط، وقد وُجد (و) إن قدم زيد (بعدها) أي: بعد حياة الموصي: فالوصية (لعمرو)؛ لأنه لما مات قبل قدومه: استقرَّت له؛ لعدم الشرط في زيد؛ لأن قدومه إنما كان بعد ملك الأول، وانقطاع حق الموصي منه (٢٥). (ويخرج) وصي، فوارث، فحاكم (الواجب كله من دين وحج وغيره) كزكاة، ونذر وكفارة (من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ولقول علي: "قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية" رواه الترمذي (٢٦) (فإن قال: أدُّوا الواجب من ثلثي: بدئ به) أي: بالواجب (فإن بقي منه) أي من الثلث (شيء: أخذه صاحب التبرُّع)؛ لتعيين الموصي الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد قال: "يُغيّر الرجل ما شاء في وصيته" والمقصد منه: التوسعة على المسلمين. (٢٥) مسألة: إن قال الموصي: إن قدم زيد من سفره فله ما وصَّيت به لعمرو: فقدم زيد في حياة الموصي: فإن الوصية تكون لزيد إن قبلها، ويكون ذلك رجوعًا عن عمرو، أما إن قدم زيد بعد وفاة الموصي: فإن الوصية تكون لعمرو؛ للتلازم؛ حيث إن قدوم زيد في حياة الموصي لزم منه: أن تكون الوصية لزيد؛ لتحقق الشرط فيه وهو قدومه أشبه: ما لو قال: "رجعت عن وصيتي لفلان وأوصيتُ بها لفلان"، ويلزم من عدم قدوم زيد في حياة الموصي: وقدومه بعد موته: أن تكون الوصية لعمرو؛ لثبوت ملكية عمرو على الوصية بقبولها بعد موت الموصي؛ لأن زيدًا قد قدم بعد ملك عمرو لها، وانقطاع حق الموصي بموته. (٢٦) مسألة: إذا مات الميت فيجب على الوصي، أو الوارث، أو الحاكم: أن يخرج الواجبات كقضاء الدين، والحج، والزكاة، ونذر، وكفارة من رأس ماله: سواء أوصى بذلك أو لا؛ ثم يُخرج الوصية بالثلث فمثلًا: لو كانت تركة ميت ستون =

стр. 2097

(وإلا) يفضل شيء: (سقط) التبرُّع؛ لأنه لم يوص له بشيء، إلا أن يجيز الورثة، فيُعطى ما أوصى له به، وإن بقي من الواجب شيء: تُّم من رأس المال (٢٧). وعليه دين قدره عشرة، أو نذر قدره عشرون، ووصّى بثلث ماله: فإنه يبدأ بالدين فيخرج من رأس ماله -وهو عشرة-، ثم يخرج النذر وهو: عشرون، فيبقى ثلاثون، فتخرج الوصية منها -وهي ثلث ما بقي فتكون عشرة، والباقي- وهو: عشرون -توزع على الورثة لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ حيث أثبت الشارع أن حق الورثة يكون بعد قضاء الدَّين وإخراج الوصية، والواجبات الأخرى مما ذكر كالدين؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال علي: "قضى رسول الله ﷺ بالدَّين قبل الوصية" فيقدَّم قضاء الدين وما شابهه من الواجبات قبل إخراج الوصية لذلك، وهذا مفسِّر للآية، فإن قلتَ: إذا كان الدَّين مقدَّم في القضاء على إخراج الوصية فلِمَ قُدِّمت الوصية بالذكر في الآية؟ قلت: للمصلحة: حيث إن إخراج الوصية فيه مشقة على الوارث؛ لأن هذا الأجنبي ـغير الوارث- سيشاركهم في مال مورِّثهم فيشقُّ عليهم ذلك فقُدِّمت؛ اهتمامًا بها وحثًا على إخراجها، بخلاف الدَّين فلا يشق قضاؤه على الوارث؛ نظرًا لرحمتهم للميت من العذاب، وهذا على حسب العادة. (٢٧) مسألة: إذا قال شخص عليه واجبات من دين، ونذر أو نحوهما: "أدُّوا تلك الواجبات من ثلث مالي" فإنه يبدأ بذلك الثلث ويُقضى الدَّين، والنذر ونحوهما منه، فإن بقي شيء من الثلث: فإنه يأخذه صاحب التبرُّع، وهو المخاطب بذلك، وإن لم يبق شيء من الثلث: فإن التبرع له بالوصية يسقط، إلّا إذا أذن الورثة وأعطوه شيئًا زائدًا على الثلث فيجوز، أما إن بقي من الواجبات شيء لم يُقض، ولم يف الثلث بقضائه: فإنه يُقضى من رأس مال الميت وإن لم يوص به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب البدائة بالواجب من دين ونحوه قبل الميراث والتبرع:

стр. 2098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجوب أخذ ذلك من الثلث الذي عينه، وما فضل للتبرع؛ ويلزم من عدم بقاء شيء من الثلث الذي نصَّ عليه: سقوط التبرع، لعدم الوصية به، ويلزم من بقاء شيء من الواجبات لم يف الثلث به: أن يُتمَّم ويُقضى من رأس مال الميت؛ لأن الواجب لا يتقيَّد بالثلث. هذه آخر مسائل "تعريف الوصايا، وحكمها، ومقدارها،، ووقت قبولها وملكها، والرجوع عنها، ويليه باب "الموصى له"

стр. 2099

باب الموصى له (تصح) الوصية (لمن يصح تملكه) من، مسلم وكافر؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال محمد بن الحنفية هو وصية المسلم لليهودي والنصراني (١)، ................................................................ باب الموصى له وفيه سبع عشرة مسألة: (١) مسألة: تصح الوصية لكل شخص يصح أن يتملَّك، ويشمل ذلك المسلم والكافر الذمي، وتصح وصية الكافر الذمي للمسلم؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ حيث دلَّت تلك الآية بعمومها على جواز بر جميع الناس: سواء كانوا مسلمين، أو كفارًا، والوصية له من البر، لأن "أوليائكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو ضمير المخاطب وهذا من صيغ العموم؛ الثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما تصح الهبة للذمي، فكذلك تصح الوصية له، والجامع: أنه أريد في كل منهما بره، ثانيهما: كما تصح الوصية من المسلم للذمي فمن باب أولى أن تصح وصية الذمي للمسلم؛ لكون المسلم أحق بالمنفعة. [فرع]: لا تصح وصية المسلم للكافر الحربي، وهو قول أبي حنيفة وكثير من العلماء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ حيث إنها دلَّت على جواز برِّ من لم يُقاتل المسلمين، وعدم جواز بر من قاتل وحارب المسلمين، وهذه الآية مخصِّصة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ وجعلتها خاصة بالذمي فقط، فإن قلتَ: تصح وصية =

стр. 2100

وتصح لمكاتبه (٢)، ومدبَّره، وأم ولده (٣) (ولعبده بمشاع كثلثه)؛ لأنها وصية تضمَّنت المسلم للكافر الحربي، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رأي جمهور العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه؛ كما تصح الوصية للذمي فكذلك تصح للحربي، والجامع: أن كلًّا منهما تصح هديته وهبته؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر كسا أخًا له حلَّة وهو بمكة، مشرك، وأسماء وصلت أمها وهي راغبة عن الإسلام، وصفية أوصت بثلثها لأخ لها يهودي. قلتُ: أما القياس: ففاسد؛ لأنَّه قياس مع النص - وهي الآية التي ذكرناها - ثم لا نسلم صحة الهبة للحربي، وأما فعل الصحابي فيُحمل على أن هؤلاء الذين برَّوهم بعض الصحابة لم يكونوا محاربين، وعلى فرض ذلك: فإنه اجتهاد من صحابة لا يلزمنا؛ لكونه معارضاً للنص، ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض القياس وفعل الصحابي مع النص". (٢) مسألة: تصح الوصية لمكاتب الموصى - وهو: عبده الذي اشترى نفسه على أقساط ويُسدَّد له، فإذا أكمل سداد قيمته: عتق ذلك العبد -؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الوصية للأجنبي عن الموصى فكذلك تصح الوصية لعبده المكاتب له، والجامع: أن كلًّا منهما أجنبي عن الموصى في المعاملات، وأيضًا لا يملك الورثة المكاتب ولا، ماله فلو قال: "ضعوا عن مكاتبي بعض أقساطه أو بقيتها": فإنهم يفعلون ذلك من الثلث. (٣) مسألة: تصح الوصية لأم ولد الموصى -وهي الأمة التي تلد من سيدها وهو الموصى فإنها تكون حرة بعد موت ذلك السيد - وتصح الوصية لمدبر الموصى - وهو العبد الذي يقول له سيده - الموصى -: "أنت حر بعد موتي"؛ لقواعد؛ الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون أم الولد حرَّة حين لزوم الوصية: صحة الوصية لها، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن أم الولد تصح الوصية لها فكذلك المدبَّر=

стр. 2101

العتق بثلث ماله (ويعتق منه بقدره) أي بقدر، الثلث فإن كان ثلثه مائة، وقيمة العبد مائة فأقل: عتق كله؛ لأنَّه يملك من كل جزء من المال ثلثه المال ثلثه مشاعًا، ومن جملته نفسه فيملك ثلثها، فيعتق ويسري إلى بقيته (ويأخذ الفاضل) من الثلث؛ لأنَّه صار حرًا، وإن لم يخرج من الثلث: عتق منه بقدر الثلث (٤) (و) إن أوصى (بمائة أو بمعيَّن) كدار وثوب (لا تصح) هذه الوصية (له) أي: لعبده؛ لأنَّه يصير ملكًا للورثة، فما وصَّى له به فهو لهم، فكأنه وصَّى لورثته بما يرثونه، فلا فائدة فيه (٥)، مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما يصير حرًا حين لزوم الوصية - وهو - بعد موت الموصى -. [فرع]: إذا كان ثلث مال السيد لا يكفي لإخراج وصيته وعتق المدبَّر: فإنه يُقدَّم عتقه على وصيته؛ للمصلحة: حيث إن عتقه أنفع له مما يحصل له من مال الوصية. (٤) مسألة تصح وصية السيد لعبده أو أمته بمشاع: كثلث ماله أو ربعه. فإن كان هذا الثلث - أو الربع - موافقًا لقيمة العبد: عتق العبد كله، وإن كان أزيد من قيمته عتق كله، وأعطي العبد - الذي عتق - الزيادة، وإن كان أنقص من قيمته عتق بقدره منه فمثلًا: لو كان ثلث مال السيد يساوي مائة، وقيمة العبد مائة: فإن العبد يعتق كله ولا يُعطى شيئًا، ولو كانت قيمة العبد سبعين: عتق كله وأُعطي الثلاثين الباقية، ولو كانت قيمة العبد مائة وخمسين: فيعتق ثلثا العبد وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إن الجزء الشائع يتناول نفسه، أو بعضها؛ نظرًا لكون العبد من جملة الثلث الشائع فيلزم صحة الوصية له بذلك، فيعتق لأنها وصية تضمّنت العتق بثلث ماله فكأنه قال: "اعتقوا عبدي من ثلثي" ويلزم من صيرورته حرًا: تملُّكه للوصية، وما بقي منها. (٥) مسألة: إذا أوصى السيد لعبده بمائة، أو دار، أو ثوب أو فرس وعينها: فإن هذه الوصية لا تصح للعبد؛ للقياس؛ بيانه كما أن الشخص لو أوصى للورثة بما =

стр. 2102

ولا تصح لعبد غيره (٦) (وتصح) الوصية (بحمل) تحقق وجوده قبلها: لجريانها مجرى يرثونه: فلا يصح؛ لعدم الفائدة، فكذلك لو أوصى لعبده بشيء معين لا يصح والجامع: أن كلًّا من ذلك سيصير ملكًا للورثة؛ إذ ما أوصى للعبد: فسيكون للورثة؛ لأن العبد موروث كغيره من الأموال، فما أوصي له به فهو تابع له، فإن قلتَ: تصح الوصية للعبد هنا وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح وصية السيد لعبده بمشاع كثلث أو ربع ماله - كما سبق في مسألة (٤) - فكذلك تصح إذا أوصى له بمعيَّن ويفعل بذلك كما فعل في مسألة (٤) قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن الوصية بمعين لا يتناول شيئًا من العبد، بخلاف مسألة (٤)؛ حيث إن الجزء المشاع يتناول شيئًا من العبد، أو كله ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح مما سبق. (٦) مسألة: تصح الوصية لعبد غيره، ويصح قبوله لها، ولا يحتاج إلى إذن سيد في هذا القبول، ويملكها سيده؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح هبة الشخص لعبد غيره فكذلك تصح وصيته له والجامع: أنه في كل منهما تمليك للغير، فإن قلتَ: لَمِ صح قبوله لها؟ قلتُ: لأن العقد مضاف إليه كالهبة، فإن قلتَ: لَمِ يملكها سيده؟ قلتُ: لأن العبد وما كسبه لسيده، فإن قلتَ: لَمِ لا يحتاج إلى إذن سيده في ذلك؟ قلتُ: لأنَّه تحصيل مال بغير عوض، فلم يفتقر إلى إذنه كتحصيل المباحات، فإن قلتَ: لا تصح الوصية لعبد غيره وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ملكية تلك الوصية ستؤول إلى سيد العبد: عدم صحتها، قلتُ: هذا غير مسلَّم؛ لكون مجرَّد الوصية صحيحة، وأما كون ملكيتها للسيد لا يؤثِّر في صحة الوصية؛ إذ يعرف الموصى أن العبد لا يملك شيئًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس".

стр. 2103

الإرث (٧) (و) تصح أيضًا (الحمل تحقق وجوده قبلها) أي: قبل الوصية: بأن تضعه لأقل من ستة أشهر من الوصية إن كانت فراشًا، أو لأقل من أربع سنين إن لم تكن كذلك (٨)، ولا تصح لمن تحمل به هذه المرأة (٩) (وإذا أوصى من لا حج عليه: أن يُحج (٧) مسألة: إذا قال الموصى: "أوصي بأن ما تحمله هذه الدابة لزيد": فإن الوصية تصح بشرط: تحقق وجود هذا الحمل قبل الوصية للقياس؛ بيانه كما أن ما تحمله تلك الدابة يورث بعد موت الموصى فكذلك يصح أن يوصى به، والجامع: أن كلًّا منهما فيه انتقال المال من إنسان بعد موته إلى آخر بغير عوض. (٨) مسألة: إذا قال الموصى: "أوصي بأن ثلث مالي، أو ربعه، أو خمسه، لحمل فاطمة من زيد مثلًا": فإن ذلك يصح بشرط: أن يعلم وجود ذلك قبل الوصية بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر إن كانت المرأة الحامل فراشًا لزوج أو سيد يطؤها؛ أو تأتي لأقل من أربع سنين إن لم تكن فراشًا، ويُعتبر ذلك من حين الوصية، فإن أتت به لأكثر من ستة أشهر أو أكثر من أربع سنين: لم تصح الوصية؛ للقياس؛ بيانه كما أن الحمل يرث فكذلك يوصى له والجامع: أنه يملك المال بالقوة في كل. [فرع] إن انفصل الحمل ميتًا: بطلت الوصية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الحمل إذا انفصل ميتًا لا يرث، فكذلك تبطل الوصية له إذا انفصل ميتًا والجامع: أن الميت لا يملك شيئًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من احتمال كونه حيًا واحتمال موته حين الوصية عدم ثبوت الوصية له؛ لأن الوصية لا تثبت بالشك، فإن قلتَ: لِمَ لَمْ تصح الوصية إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر أو لأكثر من أربع سنين؟ قلتُ: لاحتمال حدوثه بعد الوصية. (٩) مسألة: إذا قال الموصى: "أوصي لما تحمل به هذه المرأة" ولم يتحقق من وجود هذا الحمل قبل الوصية: فلا تصح تلك الوصية؛ للتلازم؛ حيث إن الوصية تمليك، وما يغلب على الظن عدمه لا يصح أن يُملَّك شيئًا فيلزم عدم صحتها.

стр. 2104

عنه بألف صرف من ثلثه مؤنة حجة بعد أخرى حتى ينفذ) الألف: راكبًا أو راجلًا؛ لأنَّه وصى في جهة قربة، فوجب صرفها فيها، فلو لم يكف الألف، أو البقية: حج به من حيث يبلغ (١٠)، وإن قال: "حجة بألف": دفع لمن يحج به واحدة؛ عملًا بالوصية؛ حيث خرج من الثلث وإلا فبقدره، وما فضل منها: فهو لمن يحج؛ لأنَّه قصد إرفاقه (١١) (ولا تصح) الوصية (لملك) وجني (وبهيمة وميت) كالهبة لهم؛ لعدم (١٠) مسألة: إذا أوصى شخص بأن يُحج عنه بألف دينار: فإن ذلك يُصرف من ثلث ماله، ويحج عنه عدَّة مرات حتى ينتهي ذلك الألف، وإن لم يكف الألف لحجة واحدة، أو حج عنه واحدة وبقي من الألف شيئًا لا يكفي لحجة أخرى: فإنه يحج عنه بما بقي من حيث يبلغ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين الموصى صرف ذلك في الحج، وهو قربة إلى الله تعالى: أن يُصرف ذلك فيما عيَّنه على حسب الإمكان؛ تنفيذًا لقول الموصى، وتحقيقًا لمقصده. (١١) مسألة إذا أوصى شخص بأن يُحج عنه حجةً بألف، أو قال: "حجوا عني بألف" فإنه يُدفع لمن يحج عنه حجة واحدة فقط إذا لم يزد عن الثلث، وإلا: يكون الحج على قدر الثلث فقط أما إن فضل من الثلث: فإنه يكون للورثة، الألف أما إن فضل من شيء: فإنه يكون للشخص الذي قام بالحج عنه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة فقط: أن لا يحج له إلّا مرة واحدة؛ لأنَّه يحصل بها تنفيذ الأمر ويلزم من عدم جواز الوصية بأكثر من الثلث أن يكون الحج على قدر الثلث، والفاضل يكون للورثة بعد تنفيذ أمر الموصى، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لو قال: "حجوا عني حجة واحدة بألف، وما فضل منها: فهو لمن يحج": فإن باقي الألف يكون للحاج عنه، فكذلك إذا أوصى بأن يحج عنه حجة بألف، أو قال: "حجّوا عني بألف" مثل ذلك والجامع: أنه في كل منها قصد إرفاق الحاج عنه ومنفعته بذلك.

стр. 2105

صحة تمليكهم (١٢) (فإن وصَّى لحي وميت يعلم موته فالكل للحي)؛ لأنَّه لما أوصى بذلك مع علمه بموته فكأنه قصد الوصية للحي وحده، (وإن جهل) موته (ف) ـللحي (النصف) من الموصى به، لأنَّه أضاف الوصية إليهما، ولا قرينة تدل على عدم إرادة الآخر (١٣)، ولا تصح الوصية لكنيسة وبيت نار، أو عمارتهما، ولا لكتب التوراة والإنجيل ونحوهما (١٤)، (وإن أوصى بماله لابنيه وأجنبي فردا) وصيته: (فله التسع)؛ (١٢) مسألة: لا تصح الوصية لملَك، وجني، وبهيمة، وميت؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تصح الهبة لهؤلاء فكذلك لا تصح الوصية لهم والجامع: أن كلًّا منهم لا يصح تمليكهم، ولا يقع القبول منهم. (١٣) مسألة: إذا أوصى شخص بمائة لحي وميت يعلم هذا الشخص موته: فإن الكل - وهو المائة - للحي، أما إن كان هذا الموصى جاهلًا لموت الميت: فإن الحي يستحق النصف فقط - وهو خمسون -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علم الموصى بأن أحدهما ميت ومع ذلك أوصى لهما معًا: استحقاق الحي كامل الموصى به - وهو المائة-، لكونه قاصدًا بالوصية الحي وحده، ويلزم من جهل الموصى بأن أحدهما ميت: استحقاق الحي نصف الموصى به - وهو خمسون -؛ لكونه قصد بالوصية الاثنين معًا لإضافة الوصية إليهما معًا، فيُعمل على ذلك ويستصحب حتى يرد دليل يدل على كونه لم يرد الآخر، ولم يدل شيء على ذلك، فنبقى على الأصل. (١٤) مسألة: لا تصح الوصية لكنيسة - وهو معبد النصارى-، ولا لبيت نار - وهو معبد المجوس-، ولا لبيع، ولا لصوامع ولا لدير، ولا لشيء فيه إعانة أو عمارة لتلك الأماكن، ولا لشراء خمر، أو خنزير، للكفار، ولا لكتب التوراة والإنجيل والزبور ولا لصحف إبراهيم أو نحو ذلك؛ لقاعدتين الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث حرّم التعاون على الإثم والعدوان؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، والوصية لهذه الأمور من باب التعاون على الإثم والعدوان فيشمله عموم هذه الآية؛ لأن الإثم=
следующие страницы →