← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنما هو تخمين غير مبني على قواعد، فإن قلتَ: إنه في الحالة الرابعة: يورث كل واحد من الآخر من تلاد ماله - وهو قديم المال - ولكنه لا يرث من جديد ماله - وهو ما ورثه من الآخر - فيُقدَّر أن أحدهما مات أولًا، ويُورَّث الآخر منه، ثم يُضاف ما ورثه إلى ماله، ثم يقسم ذلك كله على الأحياء من ورثته، ثم يقدَّر أن الآخر مات ثانيًا، ويورَّث الأول منه، ثم يضاف ما ورثه إلى ماله، ثم يقسم ذلك كله على الأحياء من ورثته، وهذا ما ذكره المصنف هنا، وهو قول أكثر الحنابلة؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن حياة أحدهما بعد الآخر ثابتة، ولكن نسي الحي بعينه، وهذا لا يُغيِّر الثابت، فنستصحب أن أحدهما كان حيًا بعد الآخر، ونعمل به، فنورِّث أحدهما من الآخر؛ بناء على ذلك الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن ابن مسعود قلتُ: أما الاستصحاب: فقد وجد ما يُغيِّر الحالة وهو: التلازم؛ والقياس وهما دليلان معتبران، فلا يُستصحب ما قالوه بعد ذلك، أما قول الصحابي: فهو معارض بقول الصحابي الآخر - وهو قول زيد، وأبي بكر، وعمر، وعلي، فيتساقطان، مع أن ما قاله زيد يكون عادة أرجح مما قاله مخالفه؛ لكونه أعلم بالفرائض من غيره، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع القياس والتلازم". فإن قلتَ: لِمَ قال أكثر الحنابلة: يرث من تلاد ماله دون جديده؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث يلزم من إرث كل واحد مما ورثه الآخر منه: الدور، فلا ينتهي الأمر، فدفعًا لذلك قالوا ذلك، تنبيه: قول المصنف: "وهذا قول عمر وعلي ﵄" يعني أن عمر وعلي قد قالا كقول أكثر الحنابلة. قلتُ: هذا مخالف لما نقلناه عنهما في طاعون عمواس، وموقعة الجبل وصفين؛ إلا إذا كانا قد رجعا عن مذهبهما، وهذا لم يثبت، فائدة: عمواس: قرية بفلسطين منها ابتدأ الطاعون عام (١٨ هـ) ثم انتشر في بلاد الشام، ومات خلق كثير من المسلمين وكانت القبيلة تموت كلها، وموقعة =

стр. 2242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صفين: وقعت بين علي ومعاوية على شاطئ دجلة - في الرقة -، وموقعة الجمل: وقعت بين علي وعائشة. وإليك مثالان يتبين فيهما المذهبان السابقان. أولهما: مات أخوان - زيد وعمرو - في حادث واحد في وقت واحد، وعلم أن أحدهما مات قبل الآخر، ولكن لم يعلم السابق منهما، أو علم، ولكنه نسي، وترك كل واحد منهما زوجة، وبنتًا، ومولى عتاقة: فعلى مذهب الجمهور - وهو الراجح -: تقسم تركة كل واحد منهما على زوجته، وبنته، ومولاه وتكون من ثمانية: للزوجة الثمن - واحد - وللبنت النصف - أربعة - والباقي للمولى تعصيبًا - وهو ثلاثة - هذا في كل واحد منهما، أما على مذهب أكثر الحنابلة: فإنها تقسم مرتين: مرة على فرض أن زيدًا مات قبل عمرو، ومرة على فرض أن عمرًا مات قبل زيد، ولم تتغير الأنصبة هنا. مثال آخر: مات أب وابنه في حادث واحد في وقت واحد، وعلم أن أحدهما مات قبل الآخر، ولكن لم يعلم السابق منهما، أو علم، ولكنه نسي، وترك الأب زوجة وبنتًا، وأب، وترك الابن هؤلاء أيضًا، فعلى مذهب الجمهور - وهو الراجح - تقسم تركة الأب على ورثته المذكورين فقط، وتكون من ثمانية: للزوجة الثمن - واحد - وللبنت النصف - أربعة - وللأب الباقي - ثلاثة - تعصيبًا، ولا شيء لابنه الذي مات معه في ذلك الحادث، أما تركة الابن فتقسم بناء على أن زوجة الأب هي أمه، فتكون ورثته هم: "أم، وأخت، وجد" فتكون من ثلاثة: للأم الثلث - واحد - وللأخت والجد الباقي على الراجح: من أن الأخوة يرثون مع الجد، فيكون للجد ثلثا الباقي، وللأخت ثلثه فتصح من تسعة: للأم الثلث - ثلاثة - والباقي ستة يكون للجد الثلثان - أربعة - وللأخت الثلث - اثنان -: أما من يرى أن الجد يحجب الأخوة: فإن الباقي كله للجد، ولا =

стр. 2243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شيء للأخت، وعلى مذهب أكثر الحنابلة: فإن تركة الأب تقسم على: زوجته، وأبيه، وبنته، وابنه الذي مات معه في الحادث، فتكون من أربعة وعشرين: للزوجة الثمن - ثلاثة - وللأب السدس - أربعة - والباقي - سبعة عشر - يأخذ الابن الذي مات معه في الحادث وبنته للذكر مثل حظ الأنثيين، أما تركة الابن فتقسم بناء على أن زوجة الأب هي أمه، فتكون ورثته هم: "أم، وأب، وأخت، وجد": فتكون من ثلاثة: للأم الثلث - واحد -، وللأب الباقي - اثنان - والأخت والجد يسقطان بالأب وما أخذه الابن من ميراثه من أبيه يقسم على "أمه، وأخته، وجده" ولا شيء منه لأبيه الذي مات معه، لأنه مال جديد وليس بقديم - وما أخذه الأب من ميراثه من ابنه يقسم على: "زوجته، وبنته، وأبيه" ولا شيء منه لابنه الذي مات معه في ذلك الحادث؛ لأنه مال حادث. هذا آخر الكلام عن باب: "ميراث الغرقى، ومن خفي موتهم، فلا يعلم السابق منهم" ويليه باب: "ميراث أهل الملل".

стр. 2244

باب ميراث أهل المِلَل جمع مِلَّة - بكسر الميم - وهي: الدِّين، والشريعة، من موانع الإرث: اختلاف الدِّين فـ (لا يرث المسلم الكافر إلّا بالولاء)؛ لحديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته" رواه الدارقطني، وإلا إذا أسلم كافر قبل قسم ميراث مورِّثه المسلم فيرث (ولا) يرث (الكافر المسلم إلّا بالولاء)؛ لقوله ﵇: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر" متفق عليه، وخُصَّ بالولاء فيرث به؛ لأنه شعبة من الرق (١) (و) اختلاف الدارين ليس بمانع فـ (يتوارث باب ميراث أهل المِلَل وفيه ثمان مسائل: (١) مسألة: لا يرث الكافر من المسلم شيئًا، ولا يرث المسلم من الكافر شيئًا بأي سبب من أسباب الميراث، أي: سواء كان بسبب القرابة، أو الزوجية، أو الولاء، فلا يرث أحدهما من الآخر بأي سبب، وسواء أسلم الكافر قبل قسمة تركة المسلم، أو بقي على كفره حتى تقسم، فلو مات رجل مسلم وله زوجة كتابية، أو قريب كتابي - أي يهودي أو نصراني -: فإن هذه الزوجة وهذا القريب لا يأخذان شيئًا من تركته، ولو مات مسلم عتيق كافر ولا يوجد من يرثه إلا من أعتقه - وهو ذلك الكافر -: فإن معتقه لا يرثه، وهذا مطلق، أي: سواء أسلمت زوجته، أو قريبه أو معتقه قبل قسمة تركة المسلم أو لا، وهذا مذهب الجمهور؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" - كما رواه أسامة بن زيد - وهذا عام؛ لأن "المسلم" و "الكافر" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل: عدم توريث جميع الكافرين من أموال المسلمين، وعدم توريث جميع المسلمين من أموال الكافرين: سواء كان المسلم قريبًا، أو عتيقًا، وسواء كان الكافر قريبًا، أو زوجة، أو عتيقًا، ولم يخص سببًا =

стр. 2245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . دون سبب، ولا حالة دون حالة، ولا يوجد دليل أو قرينة يدلان على التخصيص فيبقى على عمومه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن التوارث يتعلق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم وغير المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فإن قلتَ: يرث المسلم الكافر ويرث الكافر المسلم بالولاء، أي: أن زيدًا المسلم لو أعتق عمرًا الكافر، فمات عمرو الكافر: الكافر: فإن زيدًا المسلم يرثه، ولو أعتق عمرو الكافر زيدًا المسلم، فمات زيد المسلم: فإن عمرًا الكافر يرثه، وإذا أسلم الكافر القريب قبل قسمة تركة مورِّثه المسلم: فإن هذا يُعطى من التركة، هذا ما ذكره المصنف، وهو رأي أكثر الحنابلة، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يرث المسلم النصراني إلّا أن يكون عبده أو أمته" - وهو ما رواه جابر -، فأثبت أن المعتِق المسلم يرث العتيق الكافر؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وإذا ثبت ذلك، فإن المعتِق الكافر يرث الذي أعتقه المسلم، إذ لا فرق، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن الكافر إذا أسلم قبل قسمة تركة المسلم: فإنه يرث منه ثبت ذلك عن عمر وعثمان، قلتُ: أما ما روي عنه ﵇ فلم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فلا يصح الاحتجاج به، وأما قول الصحابي - عمر وعثمان، فباطل؛ لأنه يُعارض السنة القولية وعمومها - وهو حديث أسامة -، ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة القولية"، فإن قلتَ: المسلم يرث من الكافر بكل سبب من أسباب الإرث: بالزوجية، وبالقرابة، وبالولاء، فلو مات كافر، وله قريب مسلم من ورثته: فإنه يرثه، ولو ماتت زوجة كتابية عن زوجها المسلم: فإنه يرثها، ولو مات عتيق كافر: فإن معتقه المسلم يرثه، وهو مذهب كثير من فقهاء الشيعة الإمامية، وسعيد بن المسيب؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: =

стр. 2246

الحربي، والذمي، والمستأمن) إذا اتحدت أديانهم؛ لعموم النصوص (وأهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اتفاق أديانهم، لا مع اختلافها، وهم ملل شتى)؛ لقوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (٢) (والمرتد لا يرث أحدًا) من المسلمين، ولا "الإسلام يزيد ولا ينقص" ومن زيادة الإسلام: أن يرث المسلم من الكافر، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الإسلام يجيز التزوج بنساء أهل الكتاب، فكذلك يصح أن يرث المسلم الكافر، والجامع: علوّ الإسلام في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت ذلك عن معاذ، ومعاوية. قلتُ: أما السنة القولية التي ذكروها: فإنها لا تصلح للاستدلال بها لأن الحديث فيه راوٍ مجهول، وهذا يضعف من الحديث، فلا يقوى على معارضة عموم حديث أسامة بن زيد، وأما القياس: ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن مبنى الزواج على الرغبة في التوالد، وقضاء الشهوة وهي ممكنة، وأما الإرث فمبناه على الموالاة والمناصرة بين الوارث والمورِّث، وليس بين المسلمين والكفار موالاة، ولأنه قياس مع النص - وهو حديث أسامة - أما قول الصحابي - معاذ، ومعاوية - فباطل؛ لكونه اجتهاد في معارضة السنة القولية وعمومها - وهو حديث أسامة - ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس وقول الصحابي مع النص وهو حديث أسامة". (٢) مسألة: الكفار ملل شتى، فالنصرانية بجميع فرقها ملَّة واحدة، واليهودية بجميع فرقها ملَّة واحدة، والوثنية ملة واحدة، والمجوسية ملَّة واحدة، وأصحاب الملَّة الواحدة يتوارثون وإن اختلفت ديارهم، فالنصراني الذي في ديار الإسلام يرث النصراني الذي في ديار النصارى، أو اليهود، ويرث الحربي من النصارى الذمي، وبالعكس، ويرث المستأمن الحربي وبالعكس، وهكذا في اليهودي، والمجوسي ونحوهما، أما إذا اختلف الدين: فلا يتوارث أهل ملّتين من بعض: أي: لا يرث اليهودي من النصراني، ولا العكس ولا يرث الوثني من المجوسي ولا =

стр. 2247

من الكفار؛ لأنه لا يقرّ على ما هو عليه، فلم يثبت له حكم دين من الأديان (٣). العكس ولا من غيره؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يتوارث أهل ملَّتين شتى" حيث دل هذا بمنطوقه على عدم جواز توريث أهل ملة من أهل ملَّة أخرى؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، ودل بمفهوم العدد على أن أهل الملَّة الواحدة - كالنصارى - يتوارثون، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الكفار لا يرثون المسلمين، ولا العكس، فكذلك لا يرث النصارى اليهود وغيرهم ولا العكس والجامع: عدم الموالاة، وعدم الاتفاق في دين ولا غيره، فإن قلتَ: إن كل ما عدا الإسلام يعتبر ملَّة واحدة، وبناء على ذلك: فإن النصراني يرث اليهودي وغيره، وبالعكس؛ للكتاب؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ حيث بين الشارع أن بعض الكفار ولي للبعض الآخر ونصير له، ويلزم من ذلك توارثهم، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ فجعل الشارع الإسلام هو الحق، والضلال: جميع الكفار على اختلاف مللهم، ويلزم من ذلك: أنهم يتوارثون. قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أنه لا يلزم من هاتين الآيتين: أن الكفار على اختلاف مللهم يتوارثون؛ إذ هذا الفهم بعيد جدًا، ثانيهما: أن حديثنا - وهو قوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملّتين شتّى" مخصِّص عموم الآيتين السابقتين؛ لأن اتفاقهم في التناصر فيما بينهم ضد الإسلام، واتفاقهم على الضلالة قد يفهم منه توارثهم، ولكن الشارع نفى ذلك بالسنة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض عام الكتاب مع خاص السنة". (٣) مسألة: المرتد عن الإسلام لا يرث أحدًا من المسلمين، ولا الكفار؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يرث الكافرُ المسلم، ولا المسلم الكافر" وهذا واضح الدلالة؛ إذ المرتد عن الإسلام كافر، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من مخالفته لدين الكفار، وعدم إقراره بكفره على ما هو عليه: عدم وراثته من =

стр. 2248

(وإن مات) المرتدُّ (على ردَّته: فماله فيء)؛ لأنه لا يُقرُّ على ما هو عليه، فهو مباين لدين أقاربه (٤) (ويرث المجوسي بقرابتين) غير محجوبتين في قول عمر، وعلي، الكافر، ولهذا لا تحل ذبائح المرتدين، ولا نساؤهم وبناء على ذلك: لا توارث بين المرتدين. (٤) مسألة: إذا مات المرتد عن الإسلام في حال ردّته: فإن ورثته من المسلمين يرثونه، وهو رواية عن أحمد، وهو قول كثير من العلماء منهم ابن تيمية، وابن القيم؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن المنافق - وهو الزنديق - يورث؛ حيث إنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا لبيت المال فكذلك المرتد مثله يورث، والجامع: الخروج عن الإسلام في كل، ثانيهما: كما أن المريض مرض الموت قد تعلَّق حق الورثة بماله، فليس له أن يُسقط هذا الحق بتبرّع ونحوه فكذلك المرتد مثله لا يسقط حق الورثة بردّته، والجامع: أن كلًّا منهما صار مقبلًا على الهلاك، فالمريض مرض الموت هالك بموته، والمرتد مستحق للقتل بسبب ردّته، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن زيد بن ثابت قال: "بعثني أبو بكر عند رجوعه إلى أهل الردَّة أن أقسم مالهم بين ورثتهم المسلمين"، وهو لم ينكره زيد بن ثابت، وهو قول علي، وابن مسعود، فإن قلتَ: إن مات المرتد عن الإسلام، فلا يرثه أقاربه من المسلمين، بل يوضع ماله في بيت مال المسلمين - وهو فيء - يصرف في مصالح المسلمين العامة، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" والمرتد عن الإسلام كافر، فيدخل تحت هذا العموم، فيلزم من مباينته ومخالفته لدين أقاربه عدم جواز توريثهم منه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن ابن عباس قلتُ: أما الحديث فهو عام لجميع الكفار بأن لا يرثهم أقاربهم من المسلمين، ويُخصَّص منهم المرتد عن الإسلام فيرثه أقاربه من المسلمين، والمخصِّص له القاعدتان السابقتان وهما: "القياس، =

стр. 2249

وغيرهما (إن أسلموا، أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم) فلو خلَّف أمه، وهي أخته: بأن وطئ أبوه ابنته، فولدت هذا الميت: ورثت الثلث بكونها أمًا، والنصف بكونها أختًا (٥) (وكذا: حكم المسلم يطأ ذات رحم محرم منه بشبهة) نكاح، أو تسرٍّ، ويثبت وقول الصحابي" خاصة وأن معهم زيد بن ثابت الذي بلغ الذروة في معرفة الفرائض؛ لذلك قال ﵇ فيه: "أفرضكم زيد"، أما قول الصحابي: فهو معارض بقول الصحابي الآخر، ولكن الصحابة الذين قالوا بتوريث أقارب المرتد من المسلمين هم أكثر من القائلين بعدم توريثهم منه، ويُرجَّح بالكثرة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع عموم السنة القولية" و "تعارض أقوال الصحابة". (٥) مسألة: المجوس يُباح في دينهم: تزاوج المحارم مع بعض، فيجوز عندهم: أن يتزوج الأب ابنته والأخ أخته وهكذا، فلو تزوج أب ابنته وهو منهم، وأتى بابن، ثم أسلم هذا الأب، ومات ذلك الابن، أو تحاكموا إلى قضاة المسلمين، وهم على كفرهم: فإنهم يُورَّثون بكل القرابتين، فمثلًا: ذلك الابن الميت قد خلَّف أمه - التي هي أخته؛ لأن أباه قد تزوج ابنته -: فإن تلك الأم ترث بقرابتين: ترث بناء على أنها أمه: الثلث، وترث بناء على أنها أخته: النصف، ولو كان مع تلك الأخت أخت أخرى: لم ترث تلك الأخت - التي هي أم - إلا السدس، لكونها انحجبت بنفسها وبالأخرى؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ والقسط والعدل هو ما جاء به الإسلام، وقد جاء الإسلام: أن من أدلى بقرابتين: فإنه يرث بهما معًا كزوجة توفيت عن زوج هو ابن عمها: فإنه يرث فرضًا لكونه زوجًا، ويرث تعصيبًا الباقي إذا لم يوجد معصِّب. الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك هو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وصح عن زيد بن ثابت.

стр. 2250

النسب (٦) (ولا إرث بنكاح ذات رحم محرم) كأمه، وبنته، وبنت أخيه (٧) (ولا) إرث (بعقد) نكاح (لا يقر عليه لو أسلم) كمطلقته ثلاثًا، وأم زوجته، وأخته من الرضاع (٨). (٦) مسألة: إذا وطأ مسلم على ذات رحم محرم منه بشبهة: بأن تزوج زيد أخته زينب من الرضاعة أو من الأب يظنها أجنبية، فولدت منه أولادًا، ثم بان بعد ذلك أنها أخته: فإنه يفارقها، ويُنسب الأولاد إلى ذلك المسلم، ويرث هؤلاء الأولاد من زينب تلك بناء على أنها أمهم، ويرثونها بناء على أنها عمتهم إذا لم يوجد غيرهم، فيورثون من القرابتين؛ ويرثون زيدًا بناء على أنه خالهم إذا لم يوجد غيرهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع ذلك بشبهة: صحة انتسابهم، وإرثهم من القرابتين؛ لأن هذا ليس من فعلهم ولا قصد والدهم ووالدتهم فعله. (٧) مسألة: إذا تزوج مجوسي أو غيره من الكفار أمه، أو ابنته، أو ابنة أخته، بناء على جوازه عندهم: ومات الزوج فلا ترث الزوجة منه بسبب الزوجية، وإذا ماتت الزوجة فلا يرث الزوج منها بسبب تلك الزوجية، وأما بالقرابة فيرث كل واحد منهما الآخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الإقرار عليه بعد إسلامهم: عدم جواز توارثهما. (٨) مسألة: إذا عقد الكافر عقد نكاح لا يقرّ عليه فيما لو أسلم: كأن طلَّق زوجته ثلاث مرات، ثم نكحها قبل أن تنكح زوجًا غيره، أو تزوج خامسة، أو تزوج أم زوجته، أو تزوج أخته من الرضاع ثم أسلم الزوجان: فإن الزوج لا يرث الزوجة لو ماتت، قبله ولا ترث الزوجة زوجها إذا مات قبلها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الإقرار عليه بعد إسلامهم: عدم جواز توارثهما. هذه آخر مسائل باب: "ميراث أهل الملل" ويليه باب: "ميراث المطلقة".

стр. 2251

باب ميراث المطلَّقة رجعيًا، أو بائنًا يتهم فيه بقصد الحرمان (من أبان زوجته في صحته): لم يتوارثا (أو) أبانها في (مرضه غير المخوف، ومات به): لم يتوارثا؛ لعدم التهمة حال الطلاق (أو) أبانها في مرضه (المخوف ولم يمت به: لم يتوارثا)؛ لانقطاع النكاح، وعدم التهمة (١) (بل) يتوارثان (في طلاق رجعي لم تنقض عدّته): سواء كان في المرض، أو باب ميراث المطلَّقة وفيه أربع مسائل: (١) مسألة: إذا طلَّق رجل زوجته ومات أحدهما فلا يرثها، ولا ترثه في أربع حالات: الحالة الأولى: إذا طلقها وهو في حالة الصحة طلاقًا بائنًا - أي: بالثلاث -: أو كانت الطلقة الثالثة منه بعد مراجعته لها مرتين قبلها ثم مات أحدهما فلا ترثه الزوجة ولا يرثها لو ماتت، قبله ولو كانت في عدة الطلاق؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم الزوجية - الذي هو سبب من أسباب الإرث -: عدم إرث أحدهما من الآخر. الحالة الثانية: إذا طلقها طلاقًا بائنًا في مرضه غير المخوف - وهو الذي لا يقع منه الموت عادة - ثم مات أحدهما: فلا يتوارثان - أي: لا يرث هو منها لو ماتت قبله ولا ترث هي منه لو مات قبلها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو مات في حال الصحة: فإنهما لا يتوارثان - كما سبق في الحالة الأولى - فكذلك إذا طلقها في المرض غير المخوف ومات منه مثل ذلك، والجامع: عدم وجود تهمة حرمانها من الميراث. الحالة الثالثة: إذا طلقها طلاقًا رجعيًا - أي طلقها دون الثلاث - وانقضت عدة الطلاق - وهي: ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر على حسب اختلاف أحوال النساء -: فإنهما لا يتوارثان لو ماتا - أي: لا يرث هو منها لو ماتت قبله، ولا ترث هي منه لو مات قبلها؛ للتلازم؛ وهو ما ذكرنا في الحالة الثانية، الحالة الرابعة: إذا طلَّقها طلاقًا بائنًا في مرضه =

стр. 2252

في الصحة؛ لأن الرجعية زوجة (٢) (وإن أبانها في مرض موته المخوف متهما بقصد = المخوف - وهو الذي يقع منه الموت عادة - ثم صحَّ ولم يمت: فإنهما لا يتوارثان أيضًا لو ماتا؛ للقياس وهو من وجهين أولهما: كما أنه لو طلقها طلاقًا بائنًا في الصحة: فإنهما لا يتوارثان فكذلك لو طلقها طلاقًا بائنًا في مرضه المخوف الذي لم يمت فيه: فلا يتوارثان والجامع أن كلًّا منهما طلاق وقع في غير مرض الموت، ثانيهما: أنه لو أعتق شخص عبيده، أو أعطى آخرين من ماله أو أقرّ لأحد بشيء في هذا المرض المخوف الذي لم يمت فيه: فإنه يصح ذلك لأن حكمه حكم الصحة فكذلك الطلاق مثل ذلك والجامع: أن ذلك وقع في مرض لم يمت فيه في كل، فإن قلتَ: لمّ شرع هذا في تلك الحالات الأربع؟ قلتُ: لعدم وجود تهمة للزوج بأنه يُريد حرمان زوجته من الميراث، فإن قلتَ: إنها ترثه في الحالة الرابعة، وهو قول زفر وبعض العلماء للقياس؛ بيانه: كما أنه لو طلقها في مرضه المخوف ولم يصح منه بل مات فإنها ترثه فكذلك لو طلقها في مرضه المخوف وصح منه: فإنها ترثه والجامع: أن كلًّا منهما طلاق قصد به الفرار من الميراث: فعومل بنقيض قصده فورثناها قلت هذا راجع إلى قصده ونيته عند طلاقه لها، وهذا لا يعلم إلا عن طريقه كما لو طلقها في حال الصحة، فيبطل قياسكم به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما هو واضح. (٢) مسألة: إذا طلق الرجل زوجته طلاقًا رجعيًا ولم تنقض عدَّة الطلاق، ومات أحدهما أثناء تلك العدَّة: فإنهما يتوارثان - أي يرثها إن ماتت قبله، وترثه إن مات قبلها -: سواء وقع ذلك الطلاق في مرضه المخوف، أو في الصحة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجود سبب الإرث - وهو الزوجية - أنهما يتوارثان إذا مات أحدهما قبل الآخر؛ لأن المطلقة الرجعية زوجة؛ حيث يملك إمساكها بالرجعة بدون رضاها وبلا شهود ولا ولي، ولا صداق، الثانية:=

стр. 2253

حرمانها) بأن أبانها ابتداء، أو سألته أقل من ثلاث فطلقها ثلاثًا (أو علَّق إبانتها في صحته على مرضه أو) علَّق إبانتها (على فعل له) كدخوله الدار (ففعله في مرضه) المخوف (ونحوه) كما لو وطي عاقل حماته بمرض موته المخوف: (لم يرثها) إن ماتت؛ لقطعه نكاحها (وترثه) هي (في العدة وبعدها)؛ لقضاء عثمان ﵁ (ما لم تتزوَّج، أو ترتد) فيسقط ميراثها، ولو أسلمت بعد؛ لأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الأول (٣)، ويثبت الإرث له دونها: إن فعلت في مرض موتها المخوف ما يفسخ = قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعلي، وابن مسعود. (٣) مسألة: إذا طلَّق الرجل زوجته ومات أحدهما: فإن الزوجة ترثه، إذا مات قبلها، ولا يرثها إن ماتت قبله في حالتين: الحالة الأولى: إذا طلقها طلاقًا بائنًا في مرض موته المخوف، وهو متهم بقصد حرمانها من الميراث: بسبب أنه أبانها ابتداء - أي: من غير سؤالها الطلاق -، أو بسبب أنها سألته أن يطلِّقها أقل من ثلاث تطليقات فطلَّقها ثلاثًا: فإنها ترثه لو مات ولو بعد انقضاء العدة بشرطين: أولهما: عدم زواجها من آخر ثانيهما: عدم إرتدادهما عن الإسلام، أما إن تزوجت بعد انقضاء عدّتها، أو ارتدت عن الإسلام، ثم مات زوجها الأول، أو سألته الطلاق بعوض، أو سألته الطلاق فقط بدون تحديد فإنها لا ترثه ولو أسلمت فيما بعد لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه يلزم من قصده حرمانها من الميراث: أن يُعامل بنقيض قصده: فتورَّث، ويلزم من زواجها بآخر: عدم توريثها من الزوج الأول؛ لعدم اجتماع التوريث من زوجين في الشريعة، ويلزم من ارتدادها عن الإسلام: عدم توريثها؛ لأن الردّة كفر، والكافر لا يرث المسلم، ويلزم من طلبها للطلاق: أنها أسقطت حقها من الميراث، ويلزم من قطعه لنكاحها: عدم توريثه منها، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ورد ذلك عن علي، وعمر، وعثمان، الحالة الثانية: إذا قال لامرأته وهو في صحته: إذا مرضتُ فأنتِ=

стр. 2254

نكاحها ما دامت في العدة إن اتهمت بقصد حرمانه (٤). = طالق طلاقًا بائنًا أو قال: "إذا دخلتُ الدار فأنتِ طالق طلاقًا بائنًا"، فمرض، أو دخل الدار فإنها تطلق، ومات بعد ذلك: فإنها ترثه، أو فعل ما يبطل نكاحه بها كأن يطأ أم زوجته، أو يطأ بنت زوجته بمرض موته: فإن الزوجة تفارقه لكنها ترثه لو مات: سواء خرجت العدة، أو لا بالشرطين السابقين - وهما: "عدم الزواج برجل آخر، وعد الارتداد عن الإسلام"؛ للتلازم؛ حيث إن فعله هذا يُرجِّح أنه قصد الفرار من توريثها فيلزم توريثها معاملة له بنقيض قصده، ويلزم من قطعه نكاحها بفعله هذا: عدم توريثه منها فيما لو ماتت قبله. (٤) مسألة: يرث الزوج زوجته إذا ماتت قبله، ولا ترثه إذا مات قبلها في حالة واحدة وهي: ما إذا فعلت الزوجة فعلًا في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها: كأن ترتد عن الإسلام في ذلك المرض، ثم ماتت: فإنه يرثها؛ بشرط: أن يغلب على الظن أنها قصدت حرمانه من الميراث وهذا، مطلق أي: سواء كانت في العدة أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الرجل إذا فعل ذلك لقصد حرمان زوجته من الميراث: فإنها ترث منه فكذلك الزوجة إذا فعلت بذلك القصد فإنه يرث منها، والجامع: أن كلًّا من الزوجين فرَّ من ميراث الآخر فيعامل بنقيض قصده، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الآخرين من أن تؤكل وتؤخذ بالتحايل. هذه آخر مسائل باب "ميراث المطلَّقة" ويليه باب "الإقرار بمشارك في الميراث".

стр. 2255

باب الإقرار بمشارك في الميراث (إذا أقرَّ كل الورثة) المكلَّفين (ولو أنه) أي: الوارث المقر (واحد) منفرد بالإرث (بوارث للميت) من ابن ونحوه (وصدَّق) المقرُّ به (أو كان) المقر به (صغيرًا أو مجنونًا، والمقرُّ به مجهول النسب: ثبت نسبه) بشرط أن يمكن كون المقرّ به من الميت، وأن لا ينازع المقرّ في نسب المقرّ به (و) ثبت (إرثه)؛ حيث لا مانع؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في بيناته، ودعاويه، وغيرها، فكذلك في النسب، ويُعتبر إقرار زوج ومولى إن ورثا (١) (وإن أقرَّ) به بعض الورثة، ولم يثبت نسبه بشهادة عدلين منهم، أو من باب الإقرار بمشارك في الميراث وفيه مسألتان: (١) مسألة: إذا أقرَّ الورثة المكلَّفون كلهم - بأن زيدًا وارث للميت، وصدَّق المقرُّ به - وهو زيد - ذلك؛ أو كان المقرُّ به صغيرًا أو مجنونًا، ولو لم يصدقه: فإن زيدًا أو ذلك المجنون أو الصغير يثبت نسبه إلى ذلك الميت ويصبح من جملة الورثة: سواء كان الورثة جماعة أو واحدًا يأخذ المال فرضًا أو تعصيبًا، ذكرًا أو أنثى، وسواء كان المقر زوجًا أو مولى وارثًا وسواء كان المقر به مشاركًا في الإرث كابن للميت يقرّ بابن آخر له، أو كان مسقطًا كأخ للميت يقرُّ بابن للميت، وذلك بشروط أربعة: أولها: أن يكون المقرُّ به مجهول النسب فإن كان معروف النسب فلا يصح، ثانيها: أن لا ينازع أحد المقر في نسب المقر به، ثالثها: أن يمكن أن يكون المقرُّ به ينتسب إلى الميت بحيث يمكن أن يولد لمثله أو لأبيه، فلو أقرّ بمن عمره ثلاثون أنه ابن لمن عمره عشرون: فلا يصح أو نحو ذلك، الرابع: أن يُصدِّق المقرّ به ذلك إذا كان مكلفًا، أو يكون ممن لا قول له كالمجنون والصغير؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه إذا توفرت تلك الشروط الأربعة فيلزم ثبوت نسبه إلى الميت وثبوت إرثه منه؛ لعدم وجود المانع، ويلزم من عدمها، أو عدم أحدها:=

стр. 2256

غيرهم: ثبت نسبه من مقر فقط، وأخذ الفاضل بيده أو ما في يده إن أسقطه: فلو أقر (أحد ابنيه بأخ مثله) أي مثل المقرّ: (فله): أي: للمقرّ به (ثلث ما بيده) أي: يد المقر؛ لأن إقراره تضمّن أنه لا يستحق أكثر من ثلث التركة، وفي يده نصفها، فيكون السدس الزائد للمقر به (وإن أقرَّ بأخت: فلها خمسه) أي: خمس ما بيده؛ لأنه لا أكثر من خمسي المال، وذلك أربعة أخماس النصف الذي بيده، يبقى خمسه، فيدفعه لها، وإن أقرّ ابن ابن بابن: دفع له كل ما بيده؛ لأنه يحجبه، وطريق العمل: أن تضرب مسألة الإقرار، أو وفقها في مسألة الإنكار، وتدفع لمقر سهمه من مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، أو وفقها ولمنكر سهمه من مسألة الإنكار في مسألة الإقرار، أو وفقها ولمقر به ما فضل (٢). = عدم صحة انتسابه للميت وإرثه منه؛ لأنه لا يصح قطع نسبه الثابت إلى غيره، ولأنه إذا لم يمكن كون المقرِّ به من الميت: فإنه يبطل ادعاؤه أنه له: لظهور ذلك، ولأنه إذا نازعه أحد، فيبطل انتسابه؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، ولأن المكلف معتبر تصديقه، والمجنون والصغير لا يعتبر ذلك منه؛ لعدم تكليفهما، وعدم اعتبار قولهما في الصدق والكذب؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الوارث يقوم مقام الميت في بيناته ودعاويه من نحو رق، أو قتل، أو ديون له أو عليه فيُصدَّق بذلك فكذلك يقوم مقامه في دعوى انتساب ذلك الشخص إلى ذلك الميت والجامع: أن كلًّا منهما يخص الميت، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب الاحتياط للدين. (٢) مسألة: إذا أقرَّ بعض الورثة بأن شخصًا مثلًا وارث للميت وهو مشارك لهم في الميراث، وأنكر الآخرون أنه وارث ولو أقرّ به عدلان منهم: فإن نسبه لا يثبت، ولا يرث، ولكن يثبت نسبه من مقر فقط فيأخذ هذا المقر به ما فضل من حق المقر، أو أخذ جميعه إن كان يحجبه فمثلًا: مات ميت عن ابنين - زيد، وعمرو - فأقر زيد بأخ له - اسمه بكر مثلًا فإن بكرًا يأخذ ثلث ما أخذه زيد، فتكون=

стр. 2257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المسألة من ستة: للابن المنكر وهو عمرو النصف - ثلاثة - وللابن المقر - وهو زيد - النصف - ثلاثة - يأخذ ثلثها المقر به - وهو بكر - وهو واحد - وهو سدس المسألة كلها؛ لأن عمرًا لو أقرّ ببكر أنه أخوه: لأخذ بكر ثلث التركة، فلما أنكر، وأقرّ زيد به: أخذ بكر ثلث مال من أقرّ به فقط، وهو ما ذكرناه، أما إن أقرّ زيد بأخت له - وهي زينب مثلًا - فإن زينب تأخذ خمس ما أخذه المقرّ - وهو زيد - فتصح المسألة من عشرة: للابن المنكر - وهو عمرو - النصف - وهي خمسة -،. وللابن المقر وهو زيد النصف الآخر - وهو خمسة - تأخذ خمسها لمقر بها - وهي زينب - وهو واحد -؛ لأن عمرًا لو أقرّ بزينب أنها أخته: لأخذت هي خمس التركة؛ حيث تقسم التركة على ابنين وبنت للذكر مثل حظ الأنثيين - أي: تقسم على خمسة رؤوس - لكن لما أنكر عمر و ذلك، وأقر زيد بها: أخذت خمس مال من أقرّ بها وهو زيد، أما إن أقرّ شخص بشخص آخر يحجبه عن الإرث فإنه يأخذ ما بيده، كله فمثلًا لو مات ميت عن ابن ابن وأقرّ ابن الابن بوجود ابن للميت: فإن ذلك الابن يأخذ جميع ما بيد ابن الابن وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون النسب لا يتبعَّض: عدم ثبوت النسب؛ لأنه لا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، ولا إثباته في حقهما، ويلزم من إقرار المقرّ بذلك: ثبوت نسبه إليه فقط وأخذه من حقه؛ لكونه إقرارًا على نفسه كبقية الإقرارات بالحقوق، فيلزمه إعطاؤه من حقه كأنه وارث أصلًا، ولذلك أعطي مثل سهمه من المقرّ كما لو أقرّ به الجميع. هذه آخر مسألتي باب: "الإقرار بمشارك في الميراث" ويليه باب: "ميراث القاتل، والمبعَّض والولاء".

стр. 2258

باب ميراث القاتل، والمبعَّض، والولاء بفتح الواو والمد، أي ولاء العتاقة (من انفرد بقتل مورِّثه، أو شارك فيه مباشرة، أو سببًا) كحفر بئر تعديًا، أو نصب سكين (بلا حق: لم يرثه إن لزمه) أي القاتل (قَوَد، أو دية، أو كفارة) على ما يأتي في الجنايات؛ لحديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس للقاتل شيء" رواه مالك في "موطئه"، وأحمد (والمكلف وغيره) أي: غير المكلف كالصغير، والمجنون في هذا (سواء)؛ لعموم ما سبق (١) (وإن باب ميراث القاتل، والمبعَّض، والولاء وفيه تسع مسائل: (١) مسألة: إذا قتل شخص مورِّثه بلا حق: فإن هذا الشخص لا يرثه: سواء كان القتل عمدًا، أو خطأ، وسواء باشر هذا الشخص القتل بنفسه، أو تسبَّب في قتله كأن يحفر بئرًا ليسقط فيه، أو نصب سكينًا، أو حجرًا في طريقه، وسواء انفرد بقتله، أو شاركه غيره، وسواء كان القاتل صغيرًا، أو كبيرًا، وسواء كان القاتل مجنونًا أو عاقلًا، بشرط أن يلزم القائل قود وقصاص كأن يكون القتل عمدًا، أو لزمته دية كقتل الخطأ، وقتل الوالد ولده ولو عمدًا، أو كفارة بأن يكون القتل خطأ أو نحو ذلك ففي تلك الصور لا يرث القاتل، لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "القاتل لا يرث" وهذا عام لجميع من ذكرنا من الأشخاص والحالات؛ لأن لفظ "القاتل" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن توريث القاتل يؤدي إلى تكثير القتل؛ لأن الوارث ربما استعجل موت مورثه ليأخذ ماله وهذا من باب سد الذرائع، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عدم توريث القاتل مطلقًا ثبت عن عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وابن عباس، فإن قلتَ: إن القاتل خطأ يرث من قتله، ولكنه لا يأخذ من الدية التي دفعها إليه، وهو قول سعيد بن المسيب، وداود الظاهري وبعض =

стр. 2259

قتل بحق قودًا، أو حدًا، أو كفرًا) أي: غير ردَّه (أو ببغي) أي: قطع طريق، لئلا يتكرر مع ما يأتي (أو) بـ (صيالة، أو حرابة، أو شهادة وارثه) بما يوجب القتل (أو قتل العادل الباغي، وعكسه) كقتل الباغي العادل: (ورثه)؛ لأنه فعل مأذون فيه، فلم يمنع الميراث (٢) (ولا يرث الرقيق) ولو مدبَّرًا، أو مكاتبًا، أو أم ولد؛ لأنه لو = العلماء؛ للكتاب؛ حيث إن آيات المواريث كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وغيرها من الآيات عامة للقاتل وغيره، والمقصود بالقاتل الوارد في السنة هو قاتل العمد فقط، وخصَّصه به الإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. قلتُ: إن الحديث - وهو: "القاتل لا يرث" عام فيشمل المتعمد، وغيره ولم يُوجد مخصِّص له، وهذا الحديث مخصِّص لعموم الآية ثم إن من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها كقاتل العمد، والمخالف في الدين، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب السنة". مع تنبيه: المقصود بالولاء هنا: هو ولاء العتاقة، وليس المقصود: ولاء المحبة. (٢) مسألة: إذا قتل شخص مورِّثه بحق: فإن هذا الشخص يرثه: كأن يقتل أبٌ ابنه الذي وجب عليه القصاص؛ لقتله آخر عمدًا، عدونًا، أو يقتله؛ لكونه قد زنا، أو لكونه قد كفر، أو يقتله؛ لكونه من البغاة؛ لأنه قاطع طريق، أو قتله؛ لكونه قد صال عليه ولم يندفع إلا بالقتل، أو قتله حرابة، أو شهد عليه بأي شيء يوجب عليه القتل، أو قتل العادل الباغي أو قتل الباغي العادل، أو قصد إصلاح مورِّثه كمعالجته، أو سقيه دواء أو تأديبه فمات بسبب ذلك ففي تلك الصور يرث القاتل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القاتل في هذه الصور قد فعل ماله فعله شرعًا؛ أن يرث لعدم المانع الحقيقي من الميراث، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الصور وما شابهها قد يضطر إليها المسلم، أو يُحتاج فيها إليه، فلو ترتب على ذلك حرمانه من الميراث: لوقع ظلم على =

стр. 2260

ورث لكان لسيده، وهو أجنبي (ولا يورث)؛ لأنه لا مال له (٣) (ويرث من بعضه حر، ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية)؛ لقول علي، وابن مسعود، وكسبه، وإرثه بحريته لورثته، فابن نصفه حر، وأم وعم حران: للابن نصف ماله لو كان حرًا، وهو ربع وسدس، وللأم ربع، والباقي للعم (٤) (ومن أعتق عبدًا) أو أمة، أو = الآخرين، ولما عالج أحد أحدًا، ولما أدب الأب أولاده أو أقرباءه ولما دافع أحد عن نفسه. (٣) مسألة: لا يرث العبد الرقيق ولا يورث سواء كان مدبِّرًا أو لا، وسواء كان مكاتبًا أو لا، وسواء كانت أم ولد أو لا؛ للتلازم؛ حيث إنه لو وُرِّث لكان لسيده، وهو أجنبي عن مورِّث العبد فيلزم عدم صحة توريثه، ويلزم من كون العبد مالًا، ولا مال له: أنه لا يورث أي: كيف يورث وهو لا مال له؟ ويلزم من كون المدبَّر رقيقًا، والمكاتب رقيقًا ما دام عليه درهم من ثمنه، وأم الولد رقيقة - يجوز لسيدها وطؤها -: أن لا يرث هؤلاء، ولا يورثون، لأن أحكامهم أحكام العبيد. (٤) مسألة: الشخص الذي بعضه حر، وبعضه عبد - وهو المبعَّض - يرث بقدر ما فيه من الحرية، ويورث بقدر ما فيه من الحرية ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، وبيان ذلك: أن يتفق مع سيده بأن يخدمه بقدر بعضه الرقيق، وقدر بعضه الحر من يومه مثلًا يكتسب، فلو اكتسب في أيامه الواقعة في قسم حريته: فإن ورثته يرثون ما اكتسبه ذلك، كذلك لو ورث هو شيئًا، فإن الميراث إنما يستحقه بجزئه الحر فمثلًا: لو مات ميت عن "ابن نصفه حرّ، وأم، وعم حران" فالابن يأخذ نصف نصيب الابن فتكون المسألة إذا فرضنا أنه حر من ستة: للأم السدس - واحد - والباقي للابن - خمسة - ويسقط العم، به وتكون على فرض أن نصفه حر من ستة أيضًا: للأم السدس ونصف السدس؛ لأن الابن الذي نصفه حر يحجبها عن نصف سدس، فيُجمع سدس ونصفه يكون واحدًا ونصف - وهو ربع الستة، =

стр. 2261

أعتق بعضه فسرى إلى الباقي، أو عتق عليه برحم، أو كتابة، أو إيلاء، أو أعتقه في زكاة، أو كفارة (فله عليه الولاء)، لقوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" متفق عليه وله أيضًا الولاء على أولاده، وأولادهم وإن سفلوا من زوجة عتيقة، أو سرية وعلى من له أولهم ولاؤه؛ لأنه ولي نعمتهم وبسببه عتقوا، ولأن الفرع يتبع أصله (٥) ويرث ذو الولاء مولاه (وإن اختلف دينهما)؛ لما تقدم فيرث المعتق عتيقه = ولابن الذي نصفه حر يأخذ نصف الباقي - أن يأخذ اثنين وربعًا، والباقي - وهو اثنان وربع يأخذه العم؛ لقواعد: الأولى: القياس: بيانه؛ كما أنه لو اشترك اثنان في شيء على أن لكل واحد نصف مكسبه، فكل شريك يأخذ حقه من هذا الكسب، وليس له حق في نصيب شريكه فكذلك الحال هنا والجامع: عدم التعدّي على حقوق الآخرين؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي وابن مسعود، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منتهى العدل والإنصاف؛ إذ لا يجوز للسيد أن يأخذ جميع حقوق شخص يملك بعضه؛ لكونه ليس له سلطان إلَّا على بعضه الرقيق فقط، ولا يجوز للمبعَّض أيضًا أن يستولي على جميع حقوق السيد؛ لكونه ليس له سلطان إلا على بعضه الحر فقط، فلكل بعض حكمه فيجب أن يُعطى إياه بكل أمانة وإخلاص، وهذا من باب تأدية الأمانات، وتسليم الحقوق إلى أهلها، وهذا فيه بيان ضعف من قال: "إن المبعَّض لا يرث ولا يورث" وقاسه على العبد، وهو زيد بن ثابت، والإمام مالك، وهذا أيضًا فيه بيان ضعف من قال: "إن المبعَّض يرث ويورث" وقاسه على الحر، وهو ابن عباس، وداود الظاهري، وفيه أيضًا بيان ضعف قول من قال: إن ما كسبه بجزئه الحر فهو لورثته، ولا يرث هو ممّن مات شيئًا" وهو قول الشافعي في الجديد. (٥) مسألة: إذا أعتق زيد عبده - سالمًا مثلًا - أو أمته - زينب مثلًا -، أو أعتق زيد بعض سالم، ثم عتق عليه بعضه الباقي، أو اشترى زيد سالمًا العبد وهو قريب له ذو رحم فعتق عليه كأن يكون ولده، أو كاتب زيد عبده سالمًا بأن اشترى سالم =

стр. 2262

عند عدم عصبة النسب، ثم عصبته بعده الأقرب فالأقرب على ما سبق (٦) (ولا يرث = نفسه من زيد على أقساط فسددها، ولو إلى الورثة وعتق، أو أعتقه من زكاة، أو أعتقه عن كفارة، أو أعتقه من نذر أو نحو ذلك: فإن لمن أعتقه - وهو زيد هنا - الولاء، ولأولاد زيد وأولادهم وإن سفلوا الولاء على سالم - المعتَق - وأولاده وأولاد أولاده وإن سفلوا وللمعتِق - وهو زيد - الولاء على من للعتيق ولاؤه كعتقائه، أو لأولاد العتيق وإن سفلوا ولاؤه كمعتقيه، ومعتقي أولاده، وأولادهم ومعتقهم أبدًا ما تناسلوا؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الولاء لمن أعتق" حيث دلَّ منطوقه على أن الولاء للمعتق، ودل مفهوم حصر المبتدأ في الخبر على: أن الولاء لا يكون لغير المعتق؛ الثانية: التلازم؛ حيث إنه يلزم من كون المعتق ولي نعمة المعتق؛ حيث كان السبب في عتقه: أن يكون ولاء المعتَق، وذريته لمن أعتقهم، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن ولاء نفس المعتَق لمن أعتقه فكذلك ولاء ذريته له ولذريته؛ لكون الفرع يتبع دائمًا الأصل والجامع: عدم التفريق في كل. (٦) مسألة: إذا مات العتيق المسلم، ولم يوجد من أقربائه أحد من أهل الفروض، ولا من العصبات، أو وجد، ولكن بقي من التركة شيء، ولم يوجد من يأخذه من الأقرباء: فإن المعتق المسلم هو الذي يرثه تعصيبًا، وإن لم يوجد ذلك المعتِق بنفسه: فإن عصبته يرثون ذلك العتيق: الأقرب فالأقرب - كما سبق تكرار بيانه -؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما قوله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب" حيث يدل ذلك على أنه كما يورث بالنسب، فإنه يورث بالولاء؛ ثانيهما: قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" حيث إن هذا عام للذكر من الأقرباء وللمعتقين، وقد سبق بيان ذلك. تنبيه: قوله: "ويرث ذو الولاء مولاه، وإن اختلف دينهما" قلتُ: قد بينتُ أن الراجح: أن المسلم لا يرث الكافر، ولا الكافر المسلم: سواء كانا=

стр. 2263

النساء بالولاء إلا من أعتقن) أي: باشرن عتقه، أو عتق عليهن بنحو كتابة (أو أعتقه من أعتقن) أي: عتيق عتيقهن، وأولادهم؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "ميراث الولاء للكُبْر من الذكور"، ولا يرث النساء من الولاء إلّا ولاء من أعتقن، و "الكُبْر" - بضم الكاف وسكون الموحدة -: أقرب عصبة السيد إليه يوم موت عتيقه (٧)، والولاء لا يباع، ولا يوهب، ولا يوقف، ولا يوصى به، ولا يورث (٨)، فلو مات السيد عن ابنين، ثم مات أحدهما عن ابن ثم مات عتيقه، فإرثه = حرين، أو معتَقين، أو حر ومعتق، وهو مذهب الجمهور، وذلك في مسألة (١) من باب "ميراث أهل الملل" وأجبتُ فيها على الرأي المرجوح. (٧) مسألة: النساء اللائي يرثن بالولاء، أربعة: أولهم: من باشرن عتقه إذا مات، أو عتق عليهن بسبب كتابة، أو كفارة أو رحم أو نحو ذلك، ثانيهم: من أعتقه عتيقهن، أي: يرثن عتيق عتيقهن، ثالثهم: أولاد عتيقهن. رابعهم: أولاد عتيق عتيقهن، للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "ميراث الولاء للكُبْر من الذكور" حيث دل هذا بمنطوقه على أنه يرث العتيق إذا مات - ولم يوجد أحد من أقربائه -: أقرب عصبة المعتِق إليه يوم موت العتيق، وهذا يدل على استمرار الإرث إلى طبقات بالنسبة للذكور، ويدل بمفهوم الصفة من "الذكور" أن النساء لا يرثن بالولاء إلا أولاء الأربعة فقط من العتقاء. (٨) مسألة: إذا أعتق زيد عبده سالمًا مثلًا: فإن الولاء يكون لمن أعتق - وهو زيد - وعصبته - كما سبق بيانه - وهذا الولاء لا يجوز لزيد أن يبيعه على أحد، ولا يوهبه أو يعطيه أحدًا، أو يوقفه، أو يوصي به، أو يورِّثه لأحد، وإنما يورَّث به لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب"، والنسب والقريب بالنسب لا يباع ولا يوهب، ولا يوقف، ولا يوصى به، ولا يورث، فالولاء مثله كما صرح به ﵇ ثانيها: قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" فحصر الولاء لمن أعتق فقط، وهذا يدل بمفهوم =

стр. 2264

لابن سيده وحده، ولو مات ابنا السيد، وخلف أحدهما ابنًا، والآخر تسعة، ثم مات العتيق: فإرثه على عددهم كالنسب، ولو اشترى أخ وأخته أباهما، فعتق عليهما، ثم ملك قنًا فأعتقه، ثم مات الأب، ثم العتيق: ورثه الابن بالنسب، دون أخته بالولاء، وتسمَّى "مسألة القضاة" يروى عن مالك أنه قال: "سألت سبعين قاضيًا من قضاة العراق عنها فأخطؤوا فيها (٩) ". = الحصر: عدم جواز بيع الولاء أو هبته، أو وقفه أو توريثه للغير، ثالثها: قوله ﷺ : "لعن الله من تولى غير مواليه" وهم معتقوه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن كثير من الصحابة منهم، عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس وابن مسعود، وابن عمر. (٩) مسألة: الميراث بالولاء يكون لأقرب عصبة المعتق إليه من الذكور يوم موت العتيق. فمثلًا: لو مات زيد عن ابنين، ثم مات أحدهما عن ابن، ثم مات عتيق زيد - سالم مثلًا -: فإن إرث سالم يكون كله لابن زيد الحي لأنه أقرب الورثة لزيد، مثال آخر: لو مات لزيد ابنان وخلَّف أحدهما ابنًا، والآخر خلَّف تسعة أبناء، ثم مات سالم عتيق زيد: فإن إرث سالم العتيق يكون للابن الواحد وللتسعة، يقسم على عشرة؛ لكونهم في مرتبة واحد بالنسبة لزيد، مثال ثالث: لو أن زيدًا وفاطمة أخوان فاشترى أباهما - عمرًا -، فعتق عليهما - كما سبق -، ثم ملك الأب - وهو عمرو - عبدًا - وهو سالم - فأعتقه، ثم مات الأب - وهو عمرو - ثم مات العتيق - وهو سالم -: فإن الميراث يكون لزيد وفاطمة: لزيد الثلثان، ولفاطمة الثلث، أي: للذكر مثل حظ الأنثيين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون زيدًا وفاطمة في مرتبة واحدة بالنسبة للمعتق - وهو الأب -: أن يرثاه معًا، فإن قلتَ: إن الذي يرثه هو الذكر - وهو زيد - فقط، دون أخته فاطمة، وهو الذي ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، والإنصاف والعدل يؤيده ما قلناه.

стр. 2265

كتاب العِتْق وهو لغة: الخلوص، وشرعًا: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق (١) (وهو أفضل القُرَب)؛ لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل والوطء في نهار رمضان، والأيمان، وجعله النبي ﷺ فكاكًا لمعتقه من النار (٢) وأفضل الرقاب: أنفسها عند كتاب العِتْق بيان تعريفه، وحكمه، ومن يستحق عتقه، وصريح العتق وكنايته، وسرايته، وحكم التدبير وفيه ثمان عشرة مسألة: (١) مسألة: العتق لغة: مأخوذ من عتق: إذا خلص من أي رابط، أو عائق، ومنه سمي البيت الحرام: البيت العتيق، وذلك لخلوصه من أيدي الجبابرة، والعتق - اصطلاحًا: تحرير الرقبة وتخليصها من العبودية والرِّق، وهو واضح، فإن قلتَ: لِمَ أتي بكتاب العتق هنا وأكثر الفقهاء يذكرونه في آخر مباحث الفقه؟ قلتُ: للمصلحةَ؛ حيث إنه لما ذكر أحكام الهبة والعطية - وهو تمليك الغير بلا عوض - وذكر أسباب تكثير أجر المسلم بعد موته كالوقف والوصية، وذكر ما يؤخذ عنه بعد موته - وهو الإرث - وذكر إرث المبعَّض، والإرث بالولاء ناسب ذكر أحكام العتق؛ لمشاركته لما سبق في بقاء أثر للميت، وفي عظيم الأجر فيه. (٢) مسألة: العتق مستحب، وهو يعتبر أفضل ما يتقرَّب به إلى الله تعالى وأفضل التطوّع، لذلك جعله كفارة لقتل الخطأ، وكفارة للظهار، وكفارة للجماع في نهار رمضان وكفارة للأيمان؛ القاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ فعتاقها فداء من النار وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وقال ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وقال في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، الثانية: السنة القولية: حيث=

стр. 2266

أهلها (٣)، وذكر (٤)، وتعدُّد أفضل (٥) (ويستحب عتق من له كسب)؛ لانتفاعه به (٦) = قال ﵇: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتقه الله من النار" وقال: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل والفرج بالفرج"، فإن قلتَ: لِمَ كان أفضل أعمال التطوع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في العتق تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق، وأن لا يتسلَّط عليه أحد، بحيث يملك نفسه، ومنافعه، وأن يكمِّل منافعه على حسب اختياره وإراداته. (٣) مسألة: أفضل الرقاب وأكثرها أجرًا: أنفسها وأكثرها ثمنًا وأعزّها في نفوس أهلها؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ لما سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا" كما قلنا في الأضحية ونحوها من القربات فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأجر على قدر المشقّة. (٤) مسألة: إعتاق الذكر من الأرقاء أفضل من إعتاق الإماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "أيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا كان فكاكه منه النار يُجزئ بكل عظم عظامه عظمًا من عظامه، وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ بكل عظم من عظامهما عظمًا من عظامه، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجزئ بكل عظم من عظامها عظمًا من عظامها" وهو يدل بمفهوم العدد على أن إعتاق الذكر أفضل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الانتفاع بالذكر - من حيث الصناعات، والجهاد - أعظم من الانتفاع بالمرأة. (٥) مسألة: إذا كان ما معه من النقود يستطيع به أن يعتق أكثر من رقيق فهو أفضل من أن يدفعه ليعتق به واحدًا فقط، إذا كانوا متساوين في الفضل والعلم، أما إن كان ثمن ذلك الواحد الفاضل بالعلم والعمل يساوي جماعة لا فضل لهم، فالاولى أن؛ يعتق ذلك الواحد؛ للمصلحة: حيث ينظر المعتق لما تقتضيه المصلحة في ذلك. (٦) مسألة: الأفضل عتق العبد الذي له كسب، ودين، وعلم، وعمل؛ للمصلحة:=

стр. 2267

(وعكسه بعكسه) فيكره عتق من لا كسب له (٧)، وكذا من يخاف منه زنا أو فساد (٨)، وإن علم ذلك منه، أو ظن حرم أو ظن: حرم (٩)، وصريحه نحو: "أنت حر، أو محرَّر، أو عتيق، = حيث إن ذلك العبد سينفع نفسه بذلك، وسينفع غيره من المسلمين. (٧) مسألة: العبد الذي لا قوة عنده، ولا يكسب رزقه بعمله: فإنه يكره عتقه أو كتابته؛ للمصلحة: حيث إن هذا إذا أعتق، فإن نفقته ستسقط عن سيده، فيؤدي إلى ضياعه، أو يكون كلًّا على الناس، ويسألهم النفقة عليه فدفعًا لذلك: كره إعتاقه. (٨) مسألة: إذا شُكَّ في عبد بأنه إذا أُعتق سيرتد عن الإسلام، أو أنه سيفسد بزنا، أو قطع طريق أو سرقة، أو نحو ذلك من أنواع المعاصي: فإنه يكره إعتاقه، أو كتابته؛ للمصلحة: حيث إن الإعتاق قد شرع لمنفعة المعتق، وهذا قد يؤدي إلى ضرره، فكره من أجل الحفاظ على دينه. (٩) مسألة: إذا قُطع في عبد، أو غلب على الظن: أنه إذا أُعتق سيفعل نوعًا من أنواع المعاصي: فإنه يحرم إعتاقه أو كتابته؛ للمصلحة: حيث إن هذا سيؤدي إلى الحرام، والوسيلة إلى الحرام حرام، فدفعًا لذلك حرم. [فرع]: إذا قطع في عبد، أو غلب على الظن أنه إذا أعتق سيفعل المعاصي: فإن عتقه لا يصح ولا يقع؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فنهى الشارع عن التعاون على الإثم والعدوان والنهي مطلق فيقتضي التحريم، والفساد إذا وقع النهي عنه، وهذا عام؛ لأن لفظ "الإثم والعدوان" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن إعتاقه مع العلم أو الظن أنه سيفعل المعاصي من باب التعاون على الإثم والعدوان وأي عدوان وإثم أكثر من ذلك؟!، فإن قلتَ: إن العتق يصح ويقع في هذه الحالة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن من أعتق عبدًا لا نعلم ولا نظن أنه سيفسد أو يُفسد فإنه يصح هذا الإعتاق=

стр. 2268

أو معتَق أو حررتك، أو أعتقتك" وكنايته: نحو "خلَّيتك، والحق بأهلك، ولا سبيل أو لا سلطان لي عليك، وأنت لله، أو مولاي وملَّكتك نفسك" (١٠)، ومن = فكذلك ويقع يصح ويقع إعتاق من نعلم أو نظن أنه سيفسد ويُفسد والجامع: أن كلًّا منهما قد صدر من أهله في محله قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن عتق من لا نعلم أو نظن أنه سيفسد أو يُفسد بنيناه على الأصل، وهو أن الأصل في المعتَق الصلاح، والنفع للإسلام والمسلمين فهذا الذي وافق محلَّه، أما إعتاق من نعلم أنه سيفسد أو يُفسد فقد خالفنا ذلك الأصل، وغشَّينا المسلمين فيه، فلم يوافق محلَّه وهذا باطل؛ لقوله ﷺ : "من غشَّنا فليس منا"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض عموم الكتاب، مع القياس". (١٠) مسألة لا يصح العتق من السيد إلّا ممن يصح تصرفه ووصيته بتلفظ وقول، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: صريح، وهو لفظ العتق، أو الحرية كيف صُرِفا، مثل قول السيد لعبده: "أنت عتيق" أو "معتَق" أو "أعتقتك" أو "حرارتك" أو "أنت حر" أو "أنت محرر": فهذه الألفاظ إذا نطق بها السيد: فإن عبده المقصود يعتق: سواء كان السيد أراد عتقه ونواه أو لا، وسواء كان جادًّا أو هازلًا ولا يحصل بالنية المجردة؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والعتاق" الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن للطلاق لفظًا صريحًا، وكناية فكذلك العتق، والجامع: أنه في كل منهما تخليص من تسلُّط الغير، الثالثة: التلازم؛ حيث إن العتق إزالة ملك فيلزم عدم إزالته بمجرَّد النية فقط كما سيأتي في الطلاق القسم الثاني: كناية، وهو: مثل قول السيد لعبده: "خلَّيتك" أو "الحق بأهلك" أو "أطلقتك" أو "لا سبيل لي عليك" أو "لا سلطان لي عليك" أو: أنت لله" أو "أنت مولاي" أو "ملَّكتك نفسك" أو "حبلك على غاربك" أو "اذهب حيث شئت" أو "فككت رقبتك":=

стр. 2269

أعتق جزءًا من رقيقه سرى إلى باقيه (١١). ومن أعتق نصيبه من مشترك: سرى إلى = فإن قال السيد واحدة من تلك الألفاظ مع نيته بها العتق: فإن عبده يعتق، وإن لم ينو بها العتق فلا يعتق؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ تحتمل العتق وتحتمل غير العتق بصورة متساوية فيلزم منه أن يُرجَّح العتق بالنية والإرادة من السيد، فيُسأل عن مراده ونيته فإن كانت نيته وإرادته العتق عتق، وإن لم يرد ولم ينو العتق: فلا يعتق. [فرع]: إن قال سيد لأمته: "أنتِ طالق" أو "أنتِ عليّ حرام" أو قال سيده لعبده الذي هو أكبر منه: "أنت ابني" فهذا من باب الكناية: فإن نوى العتق: وقع العتق، ولم ينوه فلا يقع؛ للتلازم؛ وهو ما ذكرناه في القسم الثاني السابق. (١١) مسألة: إذا أعتق سيد جزءًا وبعضًا من رقيقه معينًا كراسه ورجله أو مشاعًا: فإن العتق يسري ويعم، باقيه فيعتق كله؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أعتق شركًا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمنه قوم عليه قيمة عدل، وعتق عليه جميع العبد" فيدل هذا بمفهوم الموافقة على أن الشخص إذا أعتق بعض عبده: فإنه يعتق عليه جميعه؛ لأن العبد ملك له الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو طلق بعض امرأته: فإنها تطلق كلها، فكذلك إذا أعتق بعض عبده أو أمته: فإنه يعتق جميعه، والجامع أنه في كل منهما إزالة ملك عن بعض ما ملكه من الآدمي فزال عنه جميعه، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت ذلك عن عمر، وابنه: عبد الله، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على إعتاق العبيد، ووقف تسلُّط الأسياد عليهم، فإن قلتَ: إنه إذا أعتق بعضه، فلا يعتق كله، بل يكون بعضه حرًا، والبعض الآخر عبدًا - وهو المبعَّض -، وهو قول أبي حنيفة، وهو رأي لمالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو باع نصف دار معينًا، أو مشاعًا: فإن البيع يقع على نصفها فقط، ويبقى الآخر غير مباع، =

стр. 2270

الباقي إن كان موسرًا مضمونًا بقيمته (١٢). ومن ملك ذا رحم محرم: عتق عليه = فكذلك العبد مثل ذلك والجامع: أنه في كل منهما تصرُّف في بعض ما يملك. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق لأن البيع لا يحتاج إلى السعاية، ولا يبنى على التغليب والسراية، ويمكن الانتفاع ببعضه دون الآخر، بخلاف العبد في ذلك، ومع هذا الفرق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم الموافقة من السنة" و "تعارض القياسين". [فرع]: ذلك الحكم السابق يكون: سواء أعتق بعضًا كثيرًا كثلثيه، ونصفه، وثلثه أو أعتق بعضًا قليلًا كربعه وعشره أو عشر عشره؛ للسنة القولية: وهي ما ذكرناها؛ لأن هذا لازم من لفظ "شرك" الوارد في الحديث: لكونه يصدق على الكثير والقليل. (١٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية عبد، فأعتق زيد نصيبه منه: فإن العتق يسري إلى باقيه فيعتق كله بشرط: أن يكون زيد موسرًا، فيضمن ثمن باقيه ويعطيه لعمرو بدون اختياره ويكون الولاء لزيد دون عمرو؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "من أعتق شركًا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمنه قوم عليه قيمة عدل وعتق عليه جميع العبد" وهو واضح الدلالة ويلزم من عبارة: "فكان معه ما يبلغ ثمنه" اشتراط كون المعتق موسرًا، ويلزم من عبارة: "قوِّم عليه. . ." عدم جعل الخيرة له ولا لغيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا حثٌّ على إعتاق العبيد وبيان أن الأَصل الحرية وكان الولاء لزيد، لأن الولاء لمن أعتق كما قال النبي ﷺ . فإن قلتَ: إنه إذا أعتق نصيبه فإن العتق يختص بنصيبه فقط، أما نصيب شريكه فيبقى على ما هو عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن رجلًا أعتق شقصًا له في عبد فلم يضمنه النبي ﵇، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو باع نصيبه من دار فإن البيع يختص بنصيبه، دون نصيب شريكه، فكذلك العبد، قلتُ: أما الحديث: فإنه يحمل على أن الرجل الذي أعتق =

стр. 2271

بالملك (١٣) ويصح معلَّقًا بشرط، فيعتق إذا وجد (١٤) (ويصح تعليق العتق بموت، = شقصًا له في عبد: كان معسرًا، وهذا نقول به، وهو جمع بين حديثنا. وحديثهم، أما القياس، فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله، له والعتق يسري: فلو باع نصف عبده: فإنه لا يسري، ولو أعتق بعضه لعتق كله، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" و "تعارض القياس مع السنة القولية". (١٣) مسألة: إذا اشترى شخص ذا الرحم القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلًا والآخر امرأة كالوالدين وإن علوا من قبل الأب والأم والولد وإن سفل: من ولد البنين والبنات والأخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا دون أولادهم: فلو ملك هذا الشخص واحدًا من هؤلاء بالشراء: فإنه يعتق عليه وإن لم يرضَ؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم: فهو حر" وهو واضح الدلالة الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن عمر وابن مسعود فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام الأقرباء، وتوثيق الصلة بينهم. (١٤) مسألة: يصح العتق معلَّقًا على شرط: كأن يقول السيد لعبده: "إذا قدم الحاج فأنت حر" أو: "إن فعلت كذا فأنت حر" أو نحو ذلك، فإذا قدم أول حاج من مكة، أو فعل العبد المطلوب منه بتمامه: فإنه يكون حرًا ولا يملك إبطاله؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "المسلمون على شروطهم" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما يصح الطلاق المعلِّق على شرط، فكذلك يصح العتق المعلَّق على شرط والجامع: أنه تعليق فك شيء على صفة.

стр. 2272

وهو: التدبير) سمِّي بذلك؛ لأن الموت دبر الحياة (١٥)، ولا يبطل بإبطال ولا رجوع (١٦)، ويصح وقف المدبر، وهبته، وبيعه، ورهنه (١٧)، وإن مات السيد قبل بيعه: عتق إن خرج من ثلثه وإلا فبقدره (١٨). (١٥) مسألة: يصح التدبير، وهو تعليق العتق بالموت: فيقول سيد مالك غير محجور عليه وغير مدين لعبده: "أنت مدبر" أو يقول: "أنت حر عن دبر مني" وهو لفظ التدبير، فإذا مات السيد: كان ذلك العبد المدبَّر حرًا ولو لم يرضَ الورثة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن من دبَّر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات: فإنه يعتق، فإن قلتَ: لِمَ سمِّي بذلك الاسم؟ قلتُ: لكونه مشتق من دبر الحياة والدنيا، وهو آخرها، وهو الموت. (١٦) مسألة: لا يبطل التدبير بإبطال، ولا رجوع، أي: إذا قال السيد: قد رجعتُ في تدبيري، أو أبطلته: فلا يبطل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشرط لا يبطل بإبطاله بأن يقول السيد لعبده: "إن دخلتَ الدار فأنتَ حر": فلا يبطل ذلك الشرط بإبطاله في الحياة، فكذلك التدبير لا يبطل بالإبطال، والجامع: أن كلًّا منهما فيه تعليق بصفة فلا يملك إبطاله. (١٧) مسألة: يصح أن يوقف السيد المدبَّر، ويهبه لغيره، ويبيعه على غيره، ويرهنه: ويبطل بذلك التدبير؛ للسنة القولية؛ حيث إن رجلًا أعتق مملوكًا له عن دبر، فاحتاج فقال النبي ﷺ : "من يشتريه مني" فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: "أنت أحوج منه" والوقف، والهبة، والرهن كالبيع، لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة". (١٨) مسألة: إذا مات السيد المدبَّر قبل بيع المدبَّر، أو وقفه، أو هبته، أو رهنه: فإن المدبَّر يكون حرًا بشرط: أن يخرج ذلك المدبَّر من ثلث مال المدبِّر، أو يجيزه الورثة، فإن لم يخرج: فإنه يعتق من المدبِّر بقدر الثلث؛ لقاعدتين؛ الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الوصية لا تزيد عن الثلث، فكذلك المدبَّر والجامع: أن كلًّا منهما=

стр. 2273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تبرُّع بعد الموت الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت هذا عن علي، وابن عمر. [فرع]: إن قتل المدبَّر سيده الذي دبَّره: بطل تدبيره؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوارث إذا قتل مورِّثه: فإنه لا يرث وكما أن الموصى له إذا قتل الموصي: فلا يعطى الوصية فكذلك الحال هنا مثل تلك الحالتين والجامع: أن كلًّا منهما قد استعجل أمرًا قبل أوانه فعوقب بحرمانه، وهو نقيض قصده. هذه آخر مسائل: "بيان تعريف العتق، وحكمه، ومن يستحق العتق، وصريح العتق وكنايته، وسرايته، وحكم التدبير" ويليه باب: "الكتابة".

стр. 2274

باب الكتابة (وهي مشتقة من "الكتب" وهو الجمع؛ لأنها تجمع نجومًا، وشرعًا: (بيع) سيد (عبده نفسه بمال) معلوم يصح السَّلم فيه (مؤجَّل في ذمته) بأجلين فأكثر (١) (وتسن) الكتابة (مع أمانة العبد وكسبه)؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ باب الكتابة وفيه إحدى عشرة مسألة: (١) مسألة: الكتابة لغة: من "الكَتْب"، وهو: الجمع، والضم؛ لأن الكتابة تجمع نجومًا وأقساطًا تؤدى إلى السيد، ومنه سُمِّي الكتاب كتابًا؛ لأنه يجمع حروفًا وكلمات، ومسائل، ونحو ذلك، ومنه سُمِّيت: "الكتيبة" وهي: مجموعة من الجنود، وهي في الاصطلاح: "أن يبيع السيد عبده على نفسه بمال مباح معلوم مؤجَّل في ذمة العبد بأجلين فأكثر" وأتي بلفظ "أن يبيع" للاحتراز عن العتق، فلا يُسمَّى بيعًا، وأتي بعبارة: "على نفسه بمال" للاحتراز عن بيعه على الغير؛ لأنه لا يسمَّى كتابة، وأتي بلفظ: "مباح" للاحتراز عن البيع بمال محرم: نحو خمر، أو خنزير، أو آنية ذهب وفضة، وأتي بلفظ: "معلوم" للاحتراز عن البيع بمال مجهول قدره: فلا يصح؛ لأن من شروط البيع: أن يكون الثمن معلومًا قدره وأتي بلفظ: "مؤجَّل في ذمته" للاحتراز عن المال المعجَّل: فلا يكون كتابة ولو وقع لا يصح، وذلك لعجزه عن أدائه في الحال، ولو دفع له شخص آخر ثمنه وقال له: "اشتر نفسك من سيدك" فاشتراها من سيده: لكان ذلك عتقًا من ذلك الشخص، لا كتابة، بل تكون الكتابة بأجلين فأكثر يسعى العبد في جمع ثمنه، ويؤدّيه فإن قلتَ: لِمَ جعل باب الكتابة هنا؟ قلتُ: لمناسبته لما سبقه لأنه لما ذكر عتق العبد وأنه أفضل التطوّع وكان الشارع يحثّ على العتق والحرية؛ لكونه هو الأصل، ذكر ذلك الباب كطريق آخر للعتق يؤجر عليه السيد إذا فعله.

стр. 2275

خَيْرًا﴾ (٢) (وتكره) الكتابة (مع عدمه) أي: عدم الكسب؛ لئلا يصير كلًّا على الناس (٣) ولا يصح عتق وكتابة إلا من جائز التصرُّف (٤)، وتنعقد بكاتبتك على كذا (٢) مسألة: يُستحب أن يُكاتب السيد عبده إذا سأل العبد ذلك، أو قبله بشرط: أن يكون العبد قويًا على الكسب، وأمينًا، وصالحًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ حيث إن الشارع قد أمر بالكتابة عندما يريد العبد ذلك بالشرط المذكور وقد صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب قاعدتان: أولاهما: فعل الصحابي؛ حيث إن أنسًا كان له عبد - وهو سيرين، والد محمد بن سيرين - فسأله سيرين أن يُكاتبه فأبى أنس، فلو كان واجبًا لما امتنع عن مكاتبته، ثانيتهما: التلازم؛ حيث يلزم من كون المكاتبة إعتاق بعوض: عدم وجوبه؛ لكونه حقًّا من حقوق السيد، فلا يرغم على التنازل عن حقه، فإن قلتَ: لمَ كان مستحبًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع العبد إلى أصله، وهو الحرية، فإن قلتَ: إن المكاتبة واجبة وهي رواية عن أحمد؛ للكتاب؛ حيث إن الأمر في الآية السابقة مطلق فيقتضي الوجوب؛ لذلك لما امتنع أنس عن مكاتبة سيرين، ذهب سيرين إلى عمر فأخبره فرفع عمر الدَّرة على أنس قلتُ: إن الأمر الوارد في الآية قد صرف من الوجوب إلى الاستحباب بما سبق ذكره، وفعل عمر يخالفه فعل أنس فيتساقطان فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القاعدتان السابقتان يقويان على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب أو لا؟ " فعندنا نعم، وعندهم: لا. (٣) مسألة: تكره مكاتبة العبد الذي لا يقوى على التكسُّب، ويُخاف عليه الضياع؛ للمصلحة: حيث إن مكاتبته تؤدي إلى ضياعه وجعله كلًّا على الناس، يسألهم الإنفاق عليه، فدفعًا لذلك كرهت مكاتبته. (٤) مسألة: يُشترط في المكاتبة والعتق: أن يكون السيد المكاتب والمعتق جائز التصرُّف، أي أن يكون مكلَّفًا، رشيدًا، غير محجور عليه، فلا يصح عتق ولا=

стр. 2276

مع قبول العبد، وإن لم يقل "فإذا أدَّيت فأنت حر" (٥)، ومتى أدَّى ما عليه، أو أبرأه منه سيده: عتق (٦)، ويملك كسبه ونفعه وكل تصرُّف يصلح ماله كبيع، وإجارة (٧) = مكاتبة صغير أو مجنون، أو سفيه، أو محجور عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط في البائع أن يكون جائز التصرف، فكذلك يُشترط في المعتق والمكاتب: أن يكون كذلك، والجامع: أنه في كل منهما تخلٍّ عن ملك، أو نقل ملك بعوض، فلا يصح إلا بهذا الشرط. (٥) مسألة: تنعقد المكاتبة بقول السيد لعبده: "كاتبتك بثمن قدره كذا" فإذا قبل العبد ذلك: تمَّت المكاتبة ولا تنعقد بغير هذا القول، سواء قال السيد مع ذلك: "فإذا أدَّيت ما عليك فأنت حر" أو لم يقل ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما يصح النكاح بقول الولي: "أنكحتك موليتي" فإذا قبل الزوج ذلك: فإنه يتم النكاح فكذلك المكاتبة مثل ذلك، والجامع: أنه في كل منهما قد تلفَّظ بلفظه الموضوع له، فانعقد بمجرَّده، ثانيهما: كما أنه إذا تلفَّظ بلفظ التدبير - كما سبق - فلا يحتاج إلى أن يقول المدبِّر: "فإن متُّ فأنت حر" فكذلك هنا لا يحتاج السيد إلى أن يقول في المكاتبة: "فإذا أدّيت ما عليك فأنت حر" والجامع: أنه في كل منهما عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته. (٦) مسألة: إذا أدَّى العبد المكاتَب جميع ما عليه من نجوم وأقساط ثمنه أو أبرأه منه سيده: فإن ذلك العبد يعتق؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم" حيث دلّ بمنطوقه على أنه لا يعتق حتى يؤدِّي جميع ما عليه من الكتابة، ودلّ بمفهوم الصفة على أنه إذا أدَّى ما عليه من كتابته: فإنه يعتق. (٧) مسألة: يملك المكاتَب كل شيء اكتسبه، وانتفع به، وما اشترى وثمن ما باع، وأجرة ما أجره، وأخذ الصدقة، وحرية السفر، والإنفاق على نفسه، وولده، ورفيقه، وكل شيء فيه صلاح ماله؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الكتابة: أن يدفع أقساطها ونجومها، ولا يمكن ذلك إلّا بالاكتساب، والبيع=

стр. 2277

(ويجوز بيع المكاتَب)؛ لقصة بريرة، ولأنه قنٌّ ما بقي عليه درهم (ومشتريه يقوم مقام مكاتبه) - بكسر التاء - (فإن أدَّى) المكاتَب (له) أي: للمشتري ما بقي من مال الكتابة: (عتق وولاؤه له) أي: للمشتري (وإن عجز) المكاتَب عن أداء جميع مال الكتابة، أو بعضه لمن كاتبه أو اشتراه: (عاد قنًّا) (٨)، فإذا حلَّ نجم ولم يؤدِّه المكاتَب: = والشراء والأسفار، من الاكتساب الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الحر المدين يملك كل شيء اكتسبه بطريق بيع وشراء، وإجارة وسفر فكذلك المكاتَب والجامع: أن كلًّا منهما في يد نفسه وأن السيد والدائن لهما سداد مالهما من الدين، وأن المكاتَب والمدين عليهما ذلك السداد. (٨) مسألة: يجوز للسيد أن يبيع عبدًا قد كاتبه إذا لم يُسدِّد جميع أو بعض ما عليه ولا تنفسخ كتابته بذلك البيع والمشتري له يكون في مقام سيده الأول الذي كاتبه، فيبقى العبد على مكاتبته عند ذلك المشتري، فإن كمَّل ذلك المكاتَب نجوم الكتابة: عتق، ويكون ولاؤه للمشتري وإذا عجز المكاتَب عن سداد ما عليه من كتابته، أو بعض ذلك: فإنه يعود عبدًا كما كان؛ للسنة القولية، وهي من وجوه: أولها: حديث بريرة؛ حيث قالت لعائشة: كاتبت أهلي في كل عام أوقية فأعينيني، فذكرت عائشة ذلك للنبي ﷺ فقال: "اشتريها" فاشترتها عائشة، وأعتقتها وصار ولاؤها لها، فهذا يدلّ على جواز بيع المكاتَب، ويكون الولاء لمن أعتقها، ثانيها: قوله ﷺ : "المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم" حيث إنه وصف المكاتَب بأنه عبد إذا لم يُسدِّد ما عليه والعبد يُباع، ويُشترى، وهو يدل على أنه إذا عجز عن السداد: فإنه يعود كما كان قنًا وعبدًا. ثالثها قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" حيث حصر الشارع أحقية الولاء لمن أعتق، والمعتق هنا المشتري؛ إذ دفع ثمنه كعبد، وتم سداد الكتابة له فيكون هو المعتق، فيستحق أن يكون الولاء له، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا من باب المحافظة على حقوق السيد؛ إذ قد يتأخر المكاتَب في السداد فيتضرَّر السيد، فدفعًا لذلك: أجاز الشارع بيعه.

стр. 2278

فلسيده الفسخ كما لو أعسر المشتري ببعض الثمن (٩) ويلزم إنظاره ثلاثًا لنحو بيع عرض (١٠)، ويجب على السيد أن يؤدي إلى من وفى كتابته ربعها؛ لما روى أبو بكر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: ربع الكتابة"، وروي موقوفًا على علي (١١). (٩) مسألة: إذا عجز المكاتَب عن سداد نجم وقسط من كتابته، ولم يؤدِّه إلى سيده في وقته المشترط الذي اتفقا على سداده فيه: فيجوز لسيده أن يفسخ عقد الكتابة بلا حكم حاكم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا اشترى دارًا مثلًا بألف، ثم عجز عن دفع بعضه: فيجوز للبائع أن يفسخ البيع، فكذلك الحال هنا، والجامع: دفع الضرر عن البائع والسيد. (١٠) مسألة: يجب على السيد أن يُنظر مكاتِبه على حسب الإمكان؛ لأجل أن يبيع هذا المكاتَب عرضًا من التجارة، أو يأخذ دينًا حالًا على مليء، أو مودَع، أو رجوع مال غائب إليه بشرط: أن يغلب على الظن عدم مماطلة المكاتَب، وعدم تضرر السيد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مصلحة للمكاتَب، وعدم ضرر على السيد، فوجب على السيد فعله؛ لإرجاع العبد إلى أصله، وهو: الحرية. تنبيه قوله: "إنظاره ثلاثًا" لم أجد دليلًا على تحديد ذلك بثلاثة أيام. (١١) مسألة: ويجب على السيد أن يضع عن المكاتَب ربع قدر الكتابة، فيتسامح عن ربع قدرها، إن شاء وضعه عنه ابتداء، وإن شاء قبضه منه، ثم يدفعه إليه؛ لقاعدتين: الأولى: للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ حيث أمر الشارع بإعطاء المكاتَب شيئًا من مال الله، وهو قول ابن عباس، والأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وقدَّر عليٌّ هذا الشيء بالربع، وتفسير علي، وابن عباس للقرآن مقدم على تفسير غيرهما؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛=

стр. 2279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حيث إن ذلك فيه رفق بالمكاتَب، وإعانته، ومجازاته على الخدمات الطويلة التي فعلها لسيده؛ حيث إن العبد قد شارك بجمع مال ذلك السيد وتعب فيه، فناسب أن يواسى بذلك الشيء الذي يعطيه إياه سيده، ويُسمَّى في هذه الأزمنة: "استحقاق نهاية الخدمة" أو نحو ذلك. هذه آخر مسائل باب: "الكتابة" ويليه باب: "أحكام أمهات الأولاد".

стр. 2280

باب: أحكام أمهات الأولاد أصل أم: أُمهة، ولذلك جُمعت على أمهات باعتبار الأصل (إذا أولد حر أمته) ولو مُدَبَّر، أو مكاتبه (أو) أولد (أمة له، ولغيره) ولو كان له جزء يسير منها (أو أمة) لـ (ولده) كلها أو بعضها، ولم يكن الابن وطئها قد (خلق ولده حرًا) بأن حملت به في ملكه: (حيًا وُلد، أو ميتًا قد تبيَّن فيه خلق الإنسان) ولو خفيًا (لا) بإلقاء (مضغة؛ أو جسم بلا تخطيط: صارت أم ولد له تعتق بموته من كل ماله) ولو لم يملك غيرها؛ لحديث ابن عباس يرفعه "من وطيء أمته فولدت فهي معتقة عن دُبُر منه" رواه أحمد وابن ماجه (١)، وإن أصابها في ملك غيره بنكاح أو شبهة، ثم ملكها حاملًا: عتق باب أحكام أمهات الأولاد وفيه عشر مسائل: (١) مسألة: تكون الأمة أم ولد تعتق بموته من كل ماله بشرطين: أولهما: أن تحمل به من حر وهي في ملكه أو يملك بعضها: سواء كانت مدبَّرة، أو مكاتَبة أو غير ذلك، ثانيهما: أن تضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، من رأس، أو يد أو نحو ذلك، أو تخطيط: سواء وضعته حيًا، أو ميتًا، وسواء أسقطته، أو كان تامًّا، وسواء كان ظاهرًا، أو خفيًا؛ فإن ألقت مجرَّد مضغة، أو جسم بلا تخطيط: فلا تكون أم ولد، بل تستمر على كونها أمة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه" أي: تعتق إذا مات: سواء كان له مال غيرها، أو لا الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قال: "إذا ولدت الأمة من سيدها فقد عتقت وإن كان سقطًا" وقال ابنه: "أعتقها ولدها وإن كان سقطًا" والسقط يتبين فيه خلق الإنسان. [فرع]: إذا كانت الأمة ملكًا لولده، أو بعضها ولم يكن الابن قد وطئها: فيجوز لأبيه أن يطأها، وإذا أتت بولد: فإنها تكون أم ولد، تعتق بمجرَّد=
следующие страницы →