Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
مع قبول العبد، وإن لم يقل "فإذا أدَّيت فأنت حر" (٥)، ومتى أدَّى ما عليه، أو أبرأه منه سيده: عتق (٦)، ويملك كسبه ونفعه وكل تصرُّف يصلح ماله كبيع، وإجارة (٧)
= مكاتبة صغير أو مجنون، أو سفيه، أو محجور عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط في البائع أن يكون جائز التصرف، فكذلك يُشترط في المعتق والمكاتب: أن يكون كذلك، والجامع: أنه في كل منهما تخلٍّ عن ملك، أو نقل ملك بعوض، فلا يصح إلا بهذا الشرط.
(٥) مسألة: تنعقد المكاتبة بقول السيد لعبده: "كاتبتك بثمن قدره كذا" فإذا قبل العبد ذلك: تمَّت المكاتبة ولا تنعقد بغير هذا القول، سواء قال السيد مع ذلك: "فإذا أدَّيت ما عليك فأنت حر" أو لم يقل ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما يصح النكاح بقول الولي: "أنكحتك موليتي" فإذا قبل الزوج ذلك: فإنه يتم النكاح فكذلك المكاتبة مثل ذلك، والجامع: أنه في كل منهما قد تلفَّظ بلفظه الموضوع له، فانعقد بمجرَّده، ثانيهما: كما أنه إذا تلفَّظ بلفظ التدبير - كما سبق - فلا يحتاج إلى أن يقول المدبِّر: "فإن متُّ فأنت حر" فكذلك هنا لا يحتاج السيد إلى أن يقول في المكاتبة: "فإذا أدّيت ما عليك فأنت حر" والجامع: أنه في كل منهما عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته.
(٦) مسألة: إذا أدَّى العبد المكاتَب جميع ما عليه من نجوم وأقساط ثمنه أو أبرأه منه سيده: فإن ذلك العبد يعتق؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم" حيث دلّ بمنطوقه على أنه لا يعتق حتى يؤدِّي جميع ما عليه من الكتابة، ودلّ بمفهوم الصفة على أنه إذا أدَّى ما عليه من كتابته: فإنه يعتق.
(٧) مسألة: يملك المكاتَب كل شيء اكتسبه، وانتفع به، وما اشترى وثمن ما باع، وأجرة ما أجره، وأخذ الصدقة، وحرية السفر، والإنفاق على نفسه، وولده، ورفيقه، وكل شيء فيه صلاح ماله؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الكتابة: أن يدفع أقساطها ونجومها، ولا يمكن ذلك إلّا بالاكتساب، والبيع=
стр. 2277
(ويجوز بيع المكاتَب)؛ لقصة بريرة، ولأنه قنٌّ ما بقي عليه درهم (ومشتريه يقوم مقام مكاتبه) - بكسر التاء - (فإن أدَّى) المكاتَب (له) أي: للمشتري ما بقي من مال الكتابة: (عتق وولاؤه له) أي: للمشتري (وإن عجز) المكاتَب عن أداء جميع مال الكتابة، أو بعضه لمن كاتبه أو اشتراه: (عاد قنًّا) (٨)، فإذا حلَّ نجم ولم يؤدِّه المكاتَب:
= والشراء والأسفار، من الاكتساب الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الحر المدين يملك كل شيء اكتسبه بطريق بيع وشراء، وإجارة وسفر فكذلك المكاتَب والجامع: أن كلًّا منهما في يد نفسه وأن السيد والدائن لهما سداد مالهما من الدين، وأن المكاتَب والمدين عليهما ذلك السداد.
(٨) مسألة: يجوز للسيد أن يبيع عبدًا قد كاتبه إذا لم يُسدِّد جميع أو بعض ما عليه ولا تنفسخ كتابته بذلك البيع والمشتري له يكون في مقام سيده الأول الذي كاتبه، فيبقى العبد على مكاتبته عند ذلك المشتري، فإن كمَّل ذلك المكاتَب نجوم الكتابة: عتق، ويكون ولاؤه للمشتري وإذا عجز المكاتَب عن سداد ما عليه من كتابته، أو بعض ذلك: فإنه يعود عبدًا كما كان؛ للسنة القولية، وهي من وجوه: أولها: حديث بريرة؛ حيث قالت لعائشة: كاتبت أهلي في كل عام أوقية فأعينيني، فذكرت عائشة ذلك للنبي ﷺ فقال: "اشتريها" فاشترتها عائشة، وأعتقتها وصار ولاؤها لها، فهذا يدلّ على جواز بيع المكاتَب، ويكون الولاء لمن أعتقها، ثانيها: قوله ﷺ : "المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم" حيث إنه وصف المكاتَب بأنه عبد إذا لم يُسدِّد ما عليه والعبد يُباع، ويُشترى، وهو يدل على أنه إذا عجز عن السداد: فإنه يعود كما كان قنًا وعبدًا. ثالثها قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" حيث حصر الشارع أحقية الولاء لمن أعتق، والمعتق هنا المشتري؛ إذ دفع ثمنه كعبد، وتم سداد الكتابة له فيكون هو المعتق، فيستحق أن يكون الولاء له، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا من باب المحافظة على حقوق السيد؛ إذ قد يتأخر المكاتَب في السداد فيتضرَّر السيد، فدفعًا لذلك: أجاز الشارع بيعه.
стр. 2278
فلسيده الفسخ كما لو أعسر المشتري ببعض الثمن (٩) ويلزم إنظاره ثلاثًا لنحو بيع عرض (١٠)، ويجب على السيد أن يؤدي إلى من وفى كتابته ربعها؛ لما روى أبو بكر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: ربع الكتابة"، وروي موقوفًا على علي (١١).
(٩) مسألة: إذا عجز المكاتَب عن سداد نجم وقسط من كتابته، ولم يؤدِّه إلى سيده في وقته المشترط الذي اتفقا على سداده فيه: فيجوز لسيده أن يفسخ عقد الكتابة بلا حكم حاكم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا اشترى دارًا مثلًا بألف، ثم عجز عن دفع بعضه: فيجوز للبائع أن يفسخ البيع، فكذلك الحال هنا، والجامع: دفع الضرر عن البائع والسيد.
(١٠) مسألة: يجب على السيد أن يُنظر مكاتِبه على حسب الإمكان؛ لأجل أن يبيع هذا المكاتَب عرضًا من التجارة، أو يأخذ دينًا حالًا على مليء، أو مودَع، أو رجوع مال غائب إليه بشرط: أن يغلب على الظن عدم مماطلة المكاتَب، وعدم تضرر السيد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مصلحة للمكاتَب، وعدم ضرر على السيد، فوجب على السيد فعله؛ لإرجاع العبد إلى أصله، وهو: الحرية.
تنبيه قوله: "إنظاره ثلاثًا" لم أجد دليلًا على تحديد ذلك بثلاثة أيام.
(١١) مسألة: ويجب على السيد أن يضع عن المكاتَب ربع قدر الكتابة، فيتسامح عن ربع قدرها، إن شاء وضعه عنه ابتداء، وإن شاء قبضه منه، ثم يدفعه إليه؛ لقاعدتين: الأولى: للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ حيث أمر الشارع بإعطاء المكاتَب شيئًا من مال الله، وهو قول ابن عباس، والأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وقدَّر عليٌّ هذا الشيء بالربع، وتفسير علي، وابن عباس للقرآن مقدم على تفسير غيرهما؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛=
стр. 2279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حيث إن ذلك فيه رفق بالمكاتَب، وإعانته، ومجازاته على الخدمات الطويلة التي فعلها لسيده؛ حيث إن العبد قد شارك بجمع مال ذلك السيد وتعب فيه، فناسب أن يواسى بذلك الشيء الذي يعطيه إياه سيده، ويُسمَّى في هذه الأزمنة: "استحقاق نهاية الخدمة" أو نحو ذلك.
هذه آخر مسائل باب: "الكتابة" ويليه باب: "أحكام أمهات الأولاد".
стр. 2280
باب: أحكام أمهات الأولاد
أصل أم: أُمهة، ولذلك جُمعت على أمهات باعتبار الأصل (إذا أولد حر أمته) ولو مُدَبَّر، أو مكاتبه (أو) أولد (أمة له، ولغيره) ولو كان له جزء يسير منها (أو أمة) لـ (ولده) كلها أو بعضها، ولم يكن الابن وطئها قد (خلق ولده حرًا) بأن حملت به في ملكه: (حيًا وُلد، أو ميتًا قد تبيَّن فيه خلق الإنسان) ولو خفيًا (لا) بإلقاء (مضغة؛ أو جسم بلا تخطيط: صارت أم ولد له تعتق بموته من كل ماله) ولو لم يملك غيرها؛ لحديث ابن عباس يرفعه "من وطيء أمته فولدت فهي معتقة عن دُبُر منه" رواه أحمد وابن ماجه (١)، وإن أصابها في ملك غيره بنكاح أو شبهة، ثم ملكها حاملًا: عتق
باب أحكام أمهات الأولاد
وفيه عشر مسائل:
(١) مسألة: تكون الأمة أم ولد تعتق بموته من كل ماله بشرطين: أولهما: أن تحمل به من حر وهي في ملكه أو يملك بعضها: سواء كانت مدبَّرة، أو مكاتَبة أو غير ذلك، ثانيهما: أن تضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، من رأس، أو يد أو نحو ذلك، أو تخطيط: سواء وضعته حيًا، أو ميتًا، وسواء أسقطته، أو كان تامًّا، وسواء كان ظاهرًا، أو خفيًا؛ فإن ألقت مجرَّد مضغة، أو جسم بلا تخطيط: فلا تكون أم ولد، بل تستمر على كونها أمة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه" أي: تعتق إذا مات: سواء كان له مال غيرها، أو لا الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قال: "إذا ولدت الأمة من سيدها فقد عتقت وإن كان سقطًا" وقال ابنه: "أعتقها ولدها وإن كان سقطًا" والسقط يتبين فيه خلق الإنسان.
[فرع]: إذا كانت الأمة ملكًا لولده، أو بعضها ولم يكن الابن قد وطئها: فيجوز لأبيه أن يطأها، وإذا أتت بولد: فإنها تكون أم ولد، تعتق بمجرَّد=
стр. 2281
الحمل، ولم تصر أم ولد (٢)، ومن ملك أمة حاملًا فوطئها: حرم عليه بيع الولد، ويعتقه (٣) (وأحكام أم الولد) كـ (أحكام الأمة) القن: (من وطء، وخدمة، وإجارة، ونحوه) كإعارة وإيداع؛ لأنها مملوكة له ما دام حيًا (٤) (لا في نقل الملك في رقبتها، ولا بما يُراد له) أي: لنقل الملك: فالأول: (كوقف وبيع) وهبة، وجعلها صداقًا ونحوه (و) الثاني ك (رهن) وكذا: نحوها): أي: نحو المذكورات كالوصية بها؛ لحديث
= موته؛ لما سبق.
(٢) مسألة: إذا كانت الأمة مملوكة لزيد، فجامعها عمرو بسبب أنه تزوجها، أو شبهة نكاح كأن ظنها زوجته، فبانت غيرها، ثم بعد ذلك اشتراها عمرو وهي حامل منه: فإن المحمول به يعتق، ولكنها هي لا تكون أم ولد؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء الرق على الأمة سواء ولدت له ولد أو لا، وإنما خولف هذا الأصل فيما إذا حملت منه وهي تحت ملكه بالسنة القولية - وهي قوله: "من وطى أمته. . ." - وبقول الصحابي - كما سبق ذكرهما - وغير هذه الحالة ليس في معناه، ولم يرد فيه شيء، فيبقى على الأصل - وهو استمرار كونها أمة -.
(٣) مسألة: إذا اشترى شخص أمة حاملًا من غيره، فوطئها قبل أن تضع مولودها: فإنه يحرم عليه بيع ولدها، ولا يلحق هذا الولد بمشتريها، ولكنه يعتقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك الولد ليس بولده: عدم جواز إلحاقه به، ويلزم من كونه قد شرك فيه - لكون الماء وهو الجماع يزيد في الولد - أن يُعتقه.
(٤) مسألة: الأمة إذا حملت من سيدها، وولدت منه يثبت لها حكم الاستيلاد، ويكون حكمها حكم الإماء في حل وطئها لسيدها، واستخدامها، وإجارتها، وملك كسبها، وتزويجها، وعتقها، وتكليفها، وحد عورتها - أنه من السرة إلى الركبة - وإعارتها، وإيداعها، وشهادتها، وحدِّها، وديتها وأرش جراحاتها، للتلازم؛ حيث يلزم من كونها مملوكة في حياة سيدها: أنه يملك الانتفاع بها في جميع أنواع الانتفاعات كالأمة القن.
стр. 2282
ابن عمر عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد" وقال: "لا يبعن، ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حيًا، فإذا مات: فهي حرة" رواه الدارقطني (٥)، وتصح كتابتها: فإن أدَّت في حياته عتقت، وما بقي بيدها لها، وإن مات وعليها شيء: عتقت، وما بيدها للورثة (٦)، ويتبعها ولدها من غير سيدها بعد
(٥) مسألة: لا يصح أن ينقل ملك رقبة أم الولد من ملكية سيدها إلى ملكية غيره بأي طريقة: فلا يصح بيعها، ولا وقفها، ولا هبتها؛ ولا ما يراد للبيع وهو الرهن، ولا إرثها، ولا أي شيء ينقل ملكية رقبتها إلى غير أب ولدها ولو فعل ذلك: لفسد البيع وغيره؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن بيع أمهات الأولاد"، والنهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، ووقفها، وهبتها، وإرثها كالبيع بجامع: نقل الملك في كل، وهذا من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: التلازم؛ حيث إنها استحقَّت أن تعتق بموت سيدها المستولد لها فيلزم: عدم جواز نقل ملكها ببيع أو غيره؛ لأن بيعها يمنع العتق الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر وعثمان وعائشة قد ثبت عنهم: عدم جواز بيعهن، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إزالة ملكها عن سيدها ببيع ونحوه يمنع عتقها، وهذا ضرر عليها، ولأنه يؤدي إلى التفريق بينها وبين، ولدها، وهذا ضرر آخر فدفعًا للضررين: شرع عدم جواز بيعهن.
تنبيه: لقد أطال العلماء في ذكر الخلاف في هذه المسألة، وأرى عدم الإطالة فيها؛ لعدم وجودها الآن.
(٦) مسألة: تصح كتابة أم الولد، فإن دفعت كل ما عليها من الكتابة لسيدها: فإنها تعتق في حياته وإن مات وعليها شيء منها: فإنها تعتق، وما وجد بيدها مما جمعته لأجل الوفاء بالكتابة يكون للورثة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها أمة في حياة سيدها: صحة مكاتبتها، ويلزم من دفعها لقدر الكتابة: أن تعتق في حياته، ويلزم من كون ما جمعته هو ثمنها لسداد ما عليها أن يكون لورثة السيد؛ لأنه=
стр. 2283
إيلادها، فيعتق بموت سيدها (٧)، وإذا جنت فُديت بالأقل من قيمتها الفداء، أو أرش الجناية (٨)، وإن قتلت سيدها عمدًا، أو خطأ عتقت، وللورثة القصاص في العمد، أو الدية، فيلزمها الأقل منها، أو من قيمتها كالخطأ (٩)، وإن أسلمت أم ولد
= يُعتبر من التركة، ولا يتبعها.
(٧) مسألة: إذا مات سيد أم الولد: فإن أم الولد تكون حرة، ويتبعها في هذه الحرية أيُّ ولد لها من غير سيدها ويكون حرًا ويكون حكمه حكمها، ويكون بمنزلتها: سواء عتقت أو ماتت ويجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها، ويمتنع فيه ما يمتنع فيها؛ لقاعدتين الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الولد يتبع أمه في الرق والحرية: أن يتبع الولد أمه هنا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر، وابن عباس.
(٨) مسألة: إذا جنت أم الولد جناية: فإن أرش جنايتها يتعلَّق برقبتها، ويجب على سيدها أن يفديها بأقل من قيمتها يوم ذلك الفداء، أو أن يفديها بأرش الجناية ولا يسلمها للمجني عليه، ولا يبيعها لأجل ذلك، ولا تلزمه زيادة على قيمتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها مملوكة يملك كسبها فقط، دون بيعها أو تسليمها: أن يفعل ذلك، لأنها ليست محلًا للبيع.
(٩) مسألة: إذا قتلت أم الولد سيدها عمدًا، أو خطأ: فإنها تعتق، ولكن من حق ورثة السيد أن يطالبوها بالقصاص في العمد أو الدية في الخطأ، وإذا ثبتت الدية: فيجب عليها الأقل من: ديته، أو من قيمتها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وهذا عام سواء كان القاتل عمدًا أم ولد أو غيرها وقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ وذلك عام في أم الولد وغيرها إذا كان القتل خطأ، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من موت سيدها - بقتل أو غيره - زوال ملك سيدها عنها، وإذا زال ذلك كانت حرة، فيلزم من كون الجناية قد حصلت من أم ولد: أن لا يجب عليها في الدية أكثر من قيمتها، أو دية المقتول؛=
стр. 2284
كافر: منع من غشيانها، وحيل بينه وبينها حتى يسلم وأجبر على نفقتها إن عدم كسبها (١٠).
= نظرًا لحال الجناية، ومراعاة لأحوالها.
(١٠) مسألة: إذا كانت أمة تحت، كافر فجامعها فحملت، فأتت بولد، ثم أسلمت فإن الملك يبقى له، ولكن يمنع من جماعها ولو بالقوة مع القدرة إلى أن يسلم هو، ويُجبر على نفقتها أثناء ذلك إن لم تجد من ينفق عليها أو أنها لا تتكسَّب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز وطء الكافر: للمسلمة: أن يمنع أن يطأها ذلك الكافر، ويلزم من كونها أمته: أن تبقى على ملكيته، ويلزم من عدم وجود من ينفق عليها: أن يلزم بالنفقة عليها، وكسبها له؛ لكونها أمته.
تنبيه: هذه أحكام العتق مختصرة؛ لعدم الحاجة إليها الآن.
هذه آخر مسائل باب: "أحكام أمهات الأولاد" وهو آخر أبواب كتاب "العتق" ويليه كتاب: "النكاح".
стр. 2285
كتاب النكاح
هو لغة: الوطء، والجمع بين الشيئين، وقد يطلق على العقد، فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان: أرادوا تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته: لم يريدوا إلا المجامعة وشرعًا: عقد يُعتبر فيه لفظ "إنكاح" أو "تزويج" في الجملة، والمعقود عليه منفعة الاستمتاع (١) (وهو سنة) لذي شهوة لا يخاف زنا من رجل وامرأة؛ لقوله
كتاب النكاح
- بيان تعريفه، وحكمه، والنظر إلى المخطوبة والنساء، وبيان عقد النكاح وووقته، وأركانه، وشروطه
وفيه ثلاث وستون مسألة:
(١) مسألة: النكاح لغة: الجمع بين الشيئين وضمهما معًا، وتداخلًا يقال: "تناكحت الأشجار": إذا اجتمعت، وانضم بعضها إلى بعض، وتداخلت، ويُطلق النكاح على العقد ومنه قولهم: "نكح زيد فاطمة" أي: عقد عليها، وتزوجها ابتداء، ويطلق على الوطء والجماع ومنه قول الزوج: "نكحت امرأتي" أي: وطأتها وجامعتها، ويُعرف ذلك بالقرينة، والنكاح في الاصطلاح: هو: "عقد التزويج، أو الإنكاح في الجملة" ولا يكون صحيحًا إلا بأركان وشروط وقيود - كما سيأتي بيانه - والمعقود عليه منفعة الاستمتاع، أو حل الاستمتاع، لا الملك.
[فرع]: عند إطلاق لفظ "النكاح" ينصرف حقيقة إلى العقد إلا إذا وجدت قرينة تصرفه عن هذا الأصل؛ لقاعدتين الأولى: الاستعمال؛ حيث اشتهر استعمال لفظ "النكاح" بإزاء العقد في الكتاب والسنة ولسان أهل العرف والفقهاء، ولم يوجد لفظ "النكاح" يراد بها الوطء إلا ما ورد في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ حيث خصَّص الشارع ذلك بالوطء بالسنة القولية؛ حيث=
стр. 2286
﵇: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" رواه الجماعة (٢)،
= قال ﵇: "حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلتك" وسيأتي، وهذه قرينة صرفت ذلك عن الأصل. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من صحة نفي النكاح عن الوطء: أن النكاح لا يطلق على الوطء حقيقة؛ ومنه قوله ﷺ : "ولدت من نكاح لا من سفاح"، [فرع ثان] جعل كتاب النكاح هنا لمناسبته؛ حيث إنه ذكر في آخر كتاب العتق باب أمهات الأولاد، ولا يكون إلا بوطء وجماع، وكذلك لما ذكر البيع والشراء والمعاملات: ذكر باب النكاح، حيث إن الشارع إذا استغنى فإنه يفكر بالزواج والنكاح.
(٢) مسألة: يُستحب النكاح لشخص عنده شهوة، لكنه يأمن من نفسه الوقوع في محرم كالزنا أو اللواط: سواء كان هذا الشخص رجلًا أو امرأة لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" وقال: "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم" حيث أمر الشارع في تلك النصوص بالنكاح والزواج، وهذا الأمر للاستحباب، والذي صرفه من الوجوب إليه: المصلحة: حيث إن في زواج من يأمن من نفسه الوقوع في المعاصي الاحتياط لدينه؛ لأن الزواج أشد غضًا للبصر، وأدفع لنظر المتزوج عن الأجنبية، ونظر المتزوجة عن الأجنبي، وأشد إحصانًا للفرج وحفظًا له من الوقوع في الفاحشة - كما ورد في الحديث - وهذه المصلحة لا ترقى إلى درجة إيجاب الزواج؛ لكون ذلك في درجة الاحتياط للدِّين فقط، وهذه المصلحة هي المقصد من استحباب الزواج.
فائدة: المقصود بـ "الباءة": مؤنة النكاح وتكاليفه، بقرينة قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" أي الذي عنده شهوة ولم يستطع مؤنة وتكاليف=
стр. 2287
ويُباح لمن لا شهوة له كالعنِّين، والكبير (٣) (وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة)؛ لاشتماله على مصالح كثيرة كتحصين فرجه وفرج زوجته، والقيام بها، وتحصيل النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ ، وغير ذلك، ومن لا شهوة له نوافل العبادة أفضل له (٤) (ويجب) النكاح (على من يخاف زنا بتركه) ولو ظنًا من
= الزواج فعليه بالصوم، فإنه يدفع شهوته - كما ورد في المصباح (٦٧) -.
تنبيه: الأحاديث والآثار الواردة في الحث على النكاح كثيرة جدًّا، وليس هذا مقام ذكرها فيكفي ما ذكر عما لم يذكر هنا.
(٣) مسألة: يُباح النكاح لشخصٍ لا شهوة له، وهو الذي لا يجد من نفسه ميلًا إلى النساء، مثل المشغول بأي شيء، أو المريض أو بعض الكبار في السن؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود الشهوة عند هذا الشخص: إباحته له، فإن شاء تزوج فلا أجر له، ولا إثم عليه وإن شاء ترك الزواج فلا أجر له، ولا إثم عليه؛ لوجود الاحتياط لدينه تنبيه: قوله: "كالعنِّين" قلتُ: يقصد بالعنِّين: الذي لا يأتي النساء مطلقًا، وهذا يحرم عليه الزواج؛ كما سيأتي بيانه في مسألة (٧).
(٤) مسألة: يكون الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات كصوم وصلاة وحج وعمرة التطوّع إذا كان عند الشخص شهوة، أما من لا شهوة له: فلاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح؛ للمصلحة: حيث إن النكاح مع الشهوة فيه مصالح كثيرة: أولها: تحصين فرج المتزوج حتى لا يقع في المعاصي، ثانيها: تحصين فرج المتزوج بها حتى لا تقع في المعاصي، ثالثها: الاشتراك في منع المجتمع من الوقوع في المعاصي، رابعها: القيام بامرأة وكفها عن سؤال الناس الرزق وحفظها، خامسها: تحصيل الأولاد، وتكثير الأمة؛ ليكون منهم العالم، والمجاهد، والتاجر، والمزارع، وكل يخدم الثاني؛ إذ لو ترك بعض الناس التزوج لما وجد هؤلاء، وللحق الضرر الأمة الإسلامية، وسادسها: تحقيق المباهاة التي سيفعلها النبي ﷺ لما قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم"، أما=
стр. 2288
رجل وامرأة؛ لأنه طريق إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام ولا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه (٥)، ولا يكتفى بمرة، بل يكون في مجموع العمر (٦)، ويحرم بدار حرب إلا لضرورة، فيباح لغير أسير (٧) (ويُسنُّ نكاح واحدة)؛ لأن الزيادة عليها
= إن لم توجد شهوة عند الشخص: فإن تلك المصالح الست وغيرها لن توجد، فيلزم أن يكون الاشتغال بنوافل العبادات أفضل ويكون النكاح مكروهًا لذلك.
(٥) مسألة: يجب النكاح على شخص عنده شهوة ويعلم، أو يغلب على ظنه أنه سيقع على معصية من زنا أو لواط إذا تركه سواء كان رجلًا أو امرأة، ويُقدَّم هنا على الحج الواجب: سواء قدر على الإنفاق الدائم، أو كان يعجز عنه أحيانًا؛ للتلازم؛ حيث إن النكاح طريق لمنعه من الوقوع في الحرام: فيلزم وجوبه؛ لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، وهو دفع لمفسدة قطعية أو راجحة، وهو المقصد منه.
(٦) مسألة: النكاح مستحب في جميع العمر، أي أن تكون له زوجة تصاحبه في جميع عمره، مع الاستمتاع في الجملة، ولا يُكتفى بأن يتزوج مرة واحدة، ثم يطلق، أو إذا ماتت: لا يتزوج بعدها؛ للتلازم؛ حيث إن مصاحبة الشخص لزوجة أو زوجات طول عمره لا تندفع خشية الوقوع في المعاصي إلا به يلزم منه أن لا يكتفي بمرة واحدة، وهو المقصد منه.
(٧) مسألة: يحرم النكاح على ثلاثة: أولهم: شخص قد دخل دار حرب بأمان كتاجر، ثانيهم: الأم عند الكفار، ثالثهم: العنِّين وهو الذي لا يطأ النساء ولا يأتيهن؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضرر على المولود إذا وطأ في دار حرب، أو إذا وطأ وهو أسير؛ لأن الولد الذي ستحمل به تلك المرأة الموطوءة سيكون غالبًا رقيقًا للكفار والعنِّين إذا لم يطأ زوجته فإن هذا لا يحصنها، وقد تفسد بسبب ذلك؛ فدفعًا لذلك: حرم على هؤلاء الثلاثة النكاح.
[فرع]: عند الضرورة - وهي مخافة الوقوع في الزنا - يُباح لمن دخل دار حرب أن يتزوج صغيرة، أو كبيرة آيسة لا تحملان؛ للمصلحة: حيث إن ذلك=
стр. 2289
تعريض للمحرم قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٨) (دَيِّنة)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها،
= فيه تحقيق عدم الاستيلاد الذي سيضر الولد، وفيه تحقيق المنع من الوقوع في الحرام.
[فرع آخر]: لا يجوز للأسير عند الكفار أن يجامع زوجته وإن أُسرت معه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منع استعباد. الولد. تنبيه: قد اجتمع في النكاح أقسام الأحكام التكليفية الخمسة: الندب - كما في مسألة (٢) - والإباحة - كما في مسألة (٣) - والكراهة - كما في آخر مسألة (٤) - والوجوب - كما في مسألة (٥) - والتحريم - كما في مسألة (٧) -، وهذا من نوادر الفروع.
(٨) مسألة: يُستحب أن يقتصر الرجل على زوجة واحدة بشرط: أن يحصل بها الإعفاف وقطع النظر إلى الأجنبيات؛ للمصلحة: حيث إن تكثير النساء فيه خطر وعرضة لعدم العدل بينهن والميل لإحداهن، وهذا فيه إثم عظيم وبلاء مبين، وهو واقع لا محالة قال تعالى مؤكدًا ذلك: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وقال ﷺ مبينًا ذلك الإثم: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما: جاء يوم القيامة وشقه مائل" فدفعًا لذلك: شرع استحباب الاقتصار على واحدة؛ احتياطًا لدين الشخص.
[فرع]: يُستحب الزيادة على الواحدة بشروط أربعة: أولها: أن لا يحصل الإعفاف الكامل بالزوجة الواحدة، ثانيها: أن يكون قادرًا على الإنفاق على هذا التعدد، ثالثها: أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيعدل بينهن، رابعها: أن تكون نفسه تتوق إلى ذلك التعدد؛ للمصلحة: حيث إن في تلك الشروط احتياط لدين المرء فاشترطت، ولو دقَّقت فيها لوجدتها تجلب المصالح للمسلم، وتدفع المفاسد والأضرار عنه فتدبَّرها.
стр. 2290
ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه (٩) (أجنبية)؛ لأن ولدها يكون أنجب، ولأنه لا يأمن الطلاق فيفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحم (١٠) (بكر)؛
(٩) مسألة: يُستحب أن يتزوج الشخص ذات الدين والتقوى؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" حيث إن الشارع قد أمر بنكاح ذات الدِّين وهذا الأمر للاستحباب، والصارف من الوجوب إلى الاستحباب المصلحة: حيث إن الزوجة المتدينة ستعين زوجها في دينه ودنياه، فإن اعوَّج في دينه نصحته حتى يعتدل، وإن أصابه الفقر أو المرض صبرت عليه وهي التي تسره إن نظر، وتطيعه إذا أمر، وتحفظه في عرضها وماله إن غاب كما قال ﵇: "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة إن أمرها، أطاعته وإن نظر إليها أسرّته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضها" فهذا سبب عزّ الزوج في الدنيا والآخرة بخلاف غير المتدينة: فإنها لا تفعل شيئًا من ذلك إلا إذا رأت أن مصلحتها تقتضي ذلك؛ لذلك قال ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" يقصد: ففز بالمتدينة تعزُّك وترفعك بمشيئة الله تعالى، وإلا: ستكون يداك في التراب لاصقتان به من شدَّة العمل والكدح والذل الذي يكون سببه هو المرأة غير المتدينة، فيكون لفظ "تربت يداك" فيه حث للرجل على البحث عن تلك المرأة المتدينة.
(١٠) مسألة: يستحب أن يتزوج الرجل أجنبية عنه: بأن لا تكون من بنات أعمامه أو عماته، أو بنات أخواله أو خالاته؛ للمصلحة: وهي من وجهين: أولهما: أن الأجنبية أكثر إنجابًا للأولاد عادة، ويكونوا نجباء أذكياء عادة؛ لذلك نُقل عن عمر ﵁ أنه قال: "أغربوا ولا تضووا" يعني تزوجوا الغريبة حتى تكون أكثر إنجابًا؛ لئلا تضووا ويقل عددكم أو لئلا تقل أجسام أولادكم، وقيل: "الغريبة أنجب" يُقصد أن يكون أولادها نجباء، أذكياء ثانيهما: الحرص على صلة الرحم؛ حيث إن الزواج قد لا ينجح ويحصل، طلاق، فإذا حصل ذلك: فإنه =
стр. 2291
لقوله ﷺ لجابر: "فهلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك متفق عليه (١١) (ولود) أي: من نساء يعرفن بكثرة الأولاد؛ لحديث أنس يرفعه: "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" رواه سعيد (١٢) (بلا أم)؛ لأنها ربما أفسدتها عليه (١٣)، ويُسنُّ أن
= سيؤدي إلى قطيعة الرحم غالبًا.
(١١) مسألة: يُستحب أن يتزوج الرجل البكر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن جابرًا قد أخبر النبي ﷺ أنه تزوج فقال له النبي ﷺ : "بكرًا أم ثيبًا؟ " فقال: بل ثيبًا فقال النبي ﷺ : "فهلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟ " حيث إن ذلك الأسلوب فيه حث على تزوج البكر. الثانية: المصلحة: حيث إن البكر قليلة التجربة والخبرة فتقنع بما يقوله لها زوجها، وهذا إذا لم يوجد أحد يُفسدها، هذا في الغالب، وقد يوجد من الثيبات من هن أحق بالزواج من الأبكار؛ نظرًا لتمام عقولهن، ودينهن، واحترامهن لأزواجهن.
(١٢) مسألة: يُستحب أن يتزوج الرجل المرأة الولود الودود؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم" حيث أمر بالزواج من الولود التي تتصف بالودِّ والمحبَّة، والذي صرفه إلى الاستحباب هو: أن أصل الزواج والنكاح مستحب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الزواج بالولود فيه تكثير نسله، وبقاء ذكره، فقد يكون أولاده أو بعضهم عبيدًا صالحين يدعون له بعد وفاته، وينفعون الأمة في شتى المجالات، وفيه تكثير لا تباع محمد ﷺ الذي هو مفرح للنبي ﷺ ، وثوابه في ذلك أكثر، وصفة الود والمحبة في الزوجة من أسباب كثرة الاستيلاء؛ حيث يحصل الالتصاق والجماع المسبب للحمل الكثير، ومن ثمَّ الولادات المتتابعة بخلاف التنافر الذي يحصل بين الزوجين: فإن نتيجته إما الطلاق، أو قلَّة الإنجاب.
(١٣) مسألة: يُستحب أن يتزوج الرجل امرأة صالحة له: سواء كان لها أم، أو لا؛ للمصلحة: حيث إن المقصود هو الزواج بما تصلح له في الدِّين، أما وجود أمها،=
стр. 2292
يتخيَّر الجميلة؛ لأنه أغضُّ البصره (١٤) (و) يباح (له) أي: لمن أراد خطبة امرأة، وغلب على ظنه إجابته (نظر ما يظهر غالبًا) كوجه، ورقبة، ويد، وقدم؛ لقوله ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" رواه أحمد وأبو داود (مرارًا) أي: يكرر النظر (بلا خلوة) إن أمن ثوران الشهوة، ولا يحتاج إلى
= أو عدم ذلك: فلا مصلحة فيه ولا مفسدة إذا كانت الزوجة مقتنعة بزوجها، فإن قلتَ: إنه يُستحب أن يتزوج الشخص امرأة بلا أم، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إنه يحتمل أن تفسدها أمها عليه، فدفعًا لذلك شرع ما ذكر. قلتُ: هذا بعيد، فإن الغالب أن أم الزوجة تصلح بنتها بالنصح والإرشاد، والوصية بالصبر على زوجها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
(١٤) مسألة: يُستحب أن يختار الرجل امرأة جميلة، ومقبولة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تسكن نفسه إليها، ويغض بصره عن النظر إلى الأجنبيات، وفي ذلك تكمل مودَّته، ويكمل بذلك دينه، ولأجل ذلك أبيح نظر الشخص إلى المرأة التي يريدها خطبتها
[فرع]: يُستحب للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بالنساء أو تحدثهن بالهاتف، وأن تنشغل بشؤون بيتها، وتهيئة الراحة لزوجها وأولادها؛ للمصلحة: حيث إن اجتماعها بالنساء الأخريات فيه ضرر عليها وعليه، حيث إنهن يفسدنها غالبًا، فكم زوجة طُلِّقت، فلما بحث عن سبب ذلك اكتشف أن امرأة قد أقنعتها بشيء إما حسدًا تلك المرأة أو غيرة أو حقد أو نحو ذلك من مما يفرق عادة بين الأزواج، فإذا وقع الطلاق والفرقة: ندمت تلك المطلقة، ولات حين مندم، لذلك قال العلماء: "أصلح النساء الجلب التي لا تعرف أحدًا".
стр. 2293
إذنها (١٥)، ويُباح نظر ذلك، ورأس، وساق من أمة (١٦)، وذات محرم (١٧)، ولعبد نظر
(١٥) مسألة: للرجل الذي يريد أن يخطب امرأة: أن ينظر منها ما ليس بعورة: فينظر إلى وجهها، ويديها، ورقبتها، وقدميها، وغير ذلك مما يظهر غالبًا، ويكون ذلك عدَّة مرات: سواء أذنت أو لا، وذلك بشرطين: أولهما: أن يغلب على ظن ذلك الخاطب إجابته وقبوله ثانيهما: أن لا يخلو بها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة فقدر أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" والأمر هنا للإباحة؛ لأنه ورد بعد حظر ونهي عن النظر إلى الأجنبية، وورد ذلك مطلق في الأحوال؛ لأنه أمر بالنظر ولم يُعين أذنها أو عدمه، ولم يرد الشرع بغير النظر، والخلوة محرمة في الأصل، فتبقى الإباحة في النظر فقط، الثانية: المصلحة: حيث إن النظر إليها، وتكرار ذلك فيه تأمُّل محاسنها؛ لأن المقصود لا يتم إلّا بذلك، وفيه مصلحة دوام الزواج؛ حيث إن الخاطب إذا رأى المرأة التي يريد أن يتزوجها ينتج عنه دوام زواجهما، ويعيشان بثبات ونبات، وهذا من أعظم المقاصد الشرعية للنكاح في الإسلام.
(١٦) مسألة: يُباح للرجل الذي يريد أن ينكح أمة: أن ينظر إلى وجهها، ويديها، ورقبتها، وقدميها وأيضًا ينظر إلى رأسها، وساقها للتلازم؛ حيث يلزم من كون عورة الأمة مثل عورة الرجل - من السرة إلى الركبة -: أنه يجوز النظر إلى ذلك.
(١٧) مسألة: يُباح للرجل أن ينظر إلى كل من يحرم عليه نكاحها بنسب كأمه، وأخته، وابنته - أو رضاع، أو تحريم المصاهرة بسبب مباح، فينظر إلى ما يظهر غالبًا، لكن بشرط: أن لا يكون هذا النظر بشهوة، وتلذذ واستمتاع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلخ فأثبت جواز نظر الرجل إلى ذوات المحارم منه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، الثانية: المصلحة؛ حيث إن عدم النظر إلى ذلك يؤدِّي إلى الحرج والضيق والمشقة؛ لأن الرجل يختلط بمحارمه في البيوت والأسفار، ولو كان ذلك محرمًا: لشق على=
стр. 2294
ذلك إلى مولاته (١٨)، ولشاهد ومعامل نظر وجه مشهود عليها، ومن تعامله وكفيها الحاجة (١٩)،
= الناس، والنظر بشهوة يؤدي إلى الوقوع في الحرام، فدفعًا لذلك الخطر اشترط ذلك الشرط.
(١٨) مسألة: إذا ملكت امرأة عبدًا: فإنه يباح له أن ينظر منها ما يظهر غالبًا كالمحرم لها تمامًا، وكذلك إذا ملكن عدَّة نساء عبدًا: فيباح له النظر إلى ما يظهر منهن غالبًا كالمحرم لهن تمامًا؛ القاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يشقُّ تحرز امرأة عن عبدها الذي يخدمها، فدفعًا لتلك المشقة أبيح ذلك.
[فرع]: يُباح لغير أولي الإربة ولمن لا شهوة لهم كالعنين، والكبير والصبي: أن ينظر إلى المرأة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الأمن من الفتنة. ولقوله تعالى: ﴿التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فأثبت جواز النظر لغير أولي الإربة، وهو عام.
[فرع آخر]: يباح للرجل أن ينظر لأي امرأة لا تشتهى كالعجوز، والقبيحة ونحوهما؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ بزينة الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من الأمن من الفتنة عند النظر إليهن: جواز النظر إليهن.
(١٩) مسألة: إذا شهد رجل على امرأة بأي قضية: فله النظر إلى وجهها وكفها وإذا تعامل رجل مع امرأة ببيع أو شراء، أو إجارة: فله النظر إلى وجهها وكفيها؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يؤدِّي إلى وقوع الشهادة على عينها؛ وليعرف المتعامل معها بتجارة ونحوها ليرجع إليها عند اللزوم؛ لئلا تختلط عليه النساء، قال الإمام أحمد: لا يجوز أن يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها.
стр. 2295
ولطبيب ونحوه نظر، ولمس ما دعت إليه حاجة (٢٠)، ولامرأة نظر من امرأة ورجل إلى ما عدا ما بين سورة وركبة (٢١)،
(٢٠) مسألة: يجوز للطبيب، ومن يلي خدمة مريض أو مريضة - احتيج إليه - في وضوء، أو استنجاء، أو تخليصه وتخليصها من غرق، أو حرق، أو حلق عانة لمن يحتاجه: أن ينظر إلى العورة وأن يلمسها عند الضرورة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه لما حكم سعد بن معاذ على بني قريظة بأن يُقتل رجالها، ووافقه ﵇: كان ﵇ يكشف عوارتهم ليرى من بلغ منهم فيُقتل، ومن لا: فلا. الثانية: المصلحة؛ حيث إن المصلحة الضرورية قد تقتضي كشف عورة بعض الناس لعلاج وخدمة ونحوهما فشرعت لفعل ذلك، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن عثمان قد رفع إليه شخص قد سرق وهو صغير فكشف عن عورته: فلما رأوا أن عانته لم تنبت: لم يقطع يده.
(٢١) مسألة: يُباح للمرأة أن تنظر إلى جميع بدن امرأة أخرى ما عدا ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك يجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن رجل آخر ما عدا ما بين السرة إلى الركبة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ إذ الاحتراز من ذلك يشتق.
[فرع]: لا يُباح أن تنظر المرأة من الرجل إلّا إلى مثل ما ينظر إليه منها - كما سبق في مسألة (١٧) -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن أم سلمة قالت: كنتُ قاعدة عند النبي ﷺ أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي ﷺ : "احتجبن منه" فقلتُ: يا رسول الله إنه ضرير لا يُبصر فقال: "أفعمياوان أنتما لا تبصرانه؟ " وهذا استفهام إنكاري؛ حيث أنكر عليهما النظر إليه، الثانية: القياس؛ الأولى: بيانه: كما أنه يحرم على الرجل أن ينظر إلا إلى ما ظهر من المرأة فكذلك المرأة مثله، والجامع: خوف الفتنة، بل إن تحريم ذلك على النساء أعظم؛ لأن النساء أقل عقولًا من الرجال، فتتأثر به أكثر من=
стр. 2296
ويحرم خلوة ذكر غير محرم بامرأة (٢٢) (ويحرم التصريح بخطبة المعتدَّة) كقوله: "أريد أن أتزوجك"؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ وسواء كانت المعتدَّة (من وفاة والمبانة) حال الحياة (دون التعريض) فيُباح؛ لما تقدم (٢٣)،
= تأثر الرجال بالمرأة، والمقصد: هو منع الفتنة.
(٢٢) مسألة: يحرم أن يخلو رجل بامرأة أجنبية عنه: سواء بشهوة أو غير شهوة وسواء في طاعة أو لا؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلّا ومعها ذو محرم" حيث حرّم الخلوة بها؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة والوقوع في الحرام.
[فرع]: تحرم خلوة رجل مع عدد من النساء الأجنبيات، أو خلوة امرأة بعدد من الرجال، ويحرم خلوة النساء بالخصي والمجبوب، والعنين؛ للمصلحة: وقد سبق بيانها في مسألة (٢٢).
[فرع آخر]: يحرم أن تسكن امرأة مع محرمها في بيت واحد إذا كان هذا المحرم فاسقًا؛ للمصلحة: حيث إن هذا لا يؤمن من أن يفعل بها المحرم.
[فرع ثالث]: يحرم أن تتزين امرأة لمحرمها - غير زوج وسيد -؛ للمصلحة: وقد سبق بيانها في مسألة (٢٢).
فرع رابع: يكره أن تُسلِّم امرأة على أحد محارمها بالمعانقة، أو التقبيل بالوجه أو نحو ذلك، وتكفي المصافحة بالأيدي؛ للمصلحة: وقد سبق بيانها في مسألة (٢٢).
(٢٣) مسألة: إذا كانت المرأة في العدَّة بسبب وفاة، أو فسخ بسبب تحريمها على زوجها كالفسخ برضاع، أو لعان، أو طلاق بائن بسبب طلاق بالثلاث: فلا يجوز أن يُصرح رجل بخطبتها كقوله: "إني أريد أن أتزوجك" أو "أنكحك" أو "زوجيني نفسك، فإذا انقضت عدّتك تزوجتك ونحو ذلك من العبارات مما لا يحتمل غير=
стр. 2297
ويحرم التعريض كالتصريح لرجعية (٢٤) (ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث)؛ لأنه يباح له نكاحها في عدَّتها (كرجعيته) فإن له رجعتها في عدتها (٢٥) (ويحرمان) أي:
= النكاح؛ أما التعريض فيجوز وهي في هذه الحال؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ فمنطوق ذلك دلّ على إباحة التعريض لأن عبارة "لا جناح" دالة على الإباحة، ودل مفهوم الصفة على تحريم التصريح، الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد عرَّض لخطبة أم سلمة لما توفي عنها أبو سلمة وهي في العدة - قائلًا: "لقد علمت أني رسول الله ﷺ ، وخيرته من خلقه وموضعي من قومي" وعرض لخطبة فاطمة بنت قيس لما طلِّقت ثلاثًا: قائلًا: "إذا حللت فأذنيني" وفي لفظ: "لا تسبقي بنفسك" وما ذكر من الأحوال كحالة الوفاة، والطلاق البائن، فإن قلتَ: لِمَ حرم التصريح؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التصريح لا يحتمل إلّا النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على ذلك الرجل المصرِّح أن تخبره بانقضاء عدَّتها قبل انقضائها، والتعريض جاز؛ لأنه يحتمل غير النكاح.
(٢٤) مسألة: إذا طُلِّقت امرأة طلاقًا رجعيًا: بأن طلقها زوجها طلقة أو طلقتين ولم تنتهِ عدتها: فلا يجوز لأحد أن يُصرِّح أو يُعرِّض لخطبتها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المرأة إذا كانت متزوجة لا يجوز أن يعرض أحد لخطبتها فكذلك إذا كانت مطلَّقة طلاقًا رجعيًا، والجامع: أن كلًّا منهما تسمَّى زوجة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يجعل زوجها يراجعها، فيجتمع شمله وأولاده.
(٢٥) مسألة: إذا طلَّق زيد امرأته طلاقًا بدون الثلاث - كطلقة أو طلقتين - فيُباح لزيد هذا أن يُصرَّح أو يُعرَّض لخطبتها إن كان ممن يحل له التزوج بها في العدة، أما إن كان ممن لا يحل له إلّا بعد انقضاء العدة كالمزني بها، والموطوءة بشبهة فيحرم عليه أن يصرِّح بخطبتها أو يُعرَّض لخطبتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأولى رجعية لزيد؛ لكونها طليقته رجعيًا -: إباحة التصريح، والتعريض للخطبة=
стр. 2298
التصريح، والتعريض (منها على غير زوجها)، فيحرم على الرجعية: أن تجيب من خطبها في عدّتها: تصريحًا أو تعريضًا (٢٦) وأما البائن فيباح لها إذا خطبت في عدتها التعريض، دون التصريح (٢٧) (والتعريض: إني في مثلك لراغب، وتجيبه) إذا كانت بائنًا: (ما يُرغب عنك، ونحوهما) كقوله: "لا تفوتيني بنفسك" وقولها: "إن قُضي شيء كان" (٢٨) (فإن أجاب ولي مجبرة) ولو تعريضًا لمسلم (أو أجابت غير المجبرة لمسلم:
= لخطبتها، ويلزم من كون الثانية ليست رجعية له - لكونها مزني بها أو موطوءة بشبهة كأن جامعها شخص يحسبها زوجته فبانت غيرها -: تحريم التصريح والتعريض لخطبتها بالنسبة لزيد؛ لكونه كالأجنبي بالنسبة لها.
(٢٦) مسألة: إذا طلق زيد زوجته طلاقًا رجعيًا، أو بدون الثلاث، ثم صرَّح عمرو بخطبتها، أو عرَّض لخطبتها وهي في العدة فيحرم على تلك المرأة الرجعية أن تجيب عمرو على ذلك؛ للقياس؛ بيانه كما أن ذلك يحرم على الرجل - كما سبق في مسألة (٢٤) - فكذلك يحرم على المرأة المعتدة أن تجيبه والجامع: دفع مفسدة التعجيل - كما قلنا في مسألة (٢٣) - وهو المقصد منه.
(٢٧) مسألة: إذا كانت المرأة في العدة بسبب وفاة أو فسخ بسبب تحريمها على زوجها كالفسخ، برضاع، أو لعان أو طلاق بائن: وعرَّض لخطبتها رجل: فيجوز أن تُجيبه، أما إذا صرَّح بخطبتها أحد: فلا يجوز لها أن تُجيبه؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للرجل أن يُعرِّض لخطبة هذه المرأة، ولا يجوز أن يُصرِّح بخطبتها - كما سبق في مسألة (٢٣) - فكذلك يجوز أن تجيب على من عرَّض لخطبتها، دون من صرَّح بذلك، والجامع: دفع مفسدة التصريح - كما سبق في مسألة (٢٣) -؛ لأنه إذا ساغ لها الخطاب، ساغ لها الجواب، وإذا لم يسغ لها الخطاب، لم يسغ لها الجواب.
(٢٨) مسألة: الصريح في الخطبة: هو الذي لا يحتمل غير الزواج أو النكاح كقول رجل لها: زوجيني نفسك" أو كقوله: "إذا انقضت عدّتك تزوجتك"، والتعريض=
стр. 2299
حرم على غيره خطبتها) بلا إذنه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" رواه البخاري والنسائي (وإن رُدَّ) الخاطب الأول (أو أذن أو ترك أو استأذن الثاني الأول فسكت، (أو جُهلت الحال): بأن لم يعلم الثاني إجابة الأول: (جاز) للثاني أن يخطب (٢٩) (ويُسنُّ العقد الجمعة مساء)؛
= بالخطبة هو الذي يحتمل النكاح والزواج وغير ذلك كقوله لها: "إني في مثلك لراغب"، وتجيبه تعريضًا إن كانت بائنًا: "ما يُرغب عنك" وكقوله لها: "لا تفوتيني بنفسك، وتجيبه تعريضًا: "إن قضي شيء كان" وكقوله لها: "ما أحوجني إلى مثلكِ" وكقوله لها: "أنتِ جميلة" أو قوله: "أنتِ مرغوب فيك" أو قوله "إذا حللتِ فأذنيني" أو "لا تسبقيني" أو نحو تلك العبارات؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "التزويج" أو "النكاح" إذا وُجدت في العبارات: أنها تكون صريحة؛ لعدم احتمال غير النكاح، ويلزم من عدم وجود هذين اللفظين في العبارات: أنها تكون تعريضًا وتلميحًا؛ لاحتمال أنه يقصد غير النكاح.
[فرع]: إذا صرَّح بخطبة امرأة، أو عرَّض لخطبتها وهو محرم عليه ثم تزوجها بعد انقضاء عدتها: فزواجه بها صحيح، ولكنه يأثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك المحرم لم يقارن العقد ولم يؤثِّر فيه: صحته، ويلزم من ارتكابه المحرم: تأثيمه.
(٢٩) مسألة: إذا خطب زيد المسلم، امرأة، وأجابت بنفسها - إن كانت غير مجبرة كالثيب الحرة -، أو أجاب وليها - كأبيها أو وصيه - إن كانت مجبرة - كالحرة البكر -: فإنه يحرم على عمرو أن يخطبها، أما إن أذن زيد لعمرو بأن يخطبها في حالة خطبته هو لها، أو ترك زيد الخطبة أو استأذن عمرو زيدًا في خطبتها فسكت زيد، أو كان عمرو لا يعلم أنه قد أُجيب زيد ورغب فيه: ففي تلك الحالات الأربع يجوز لعمرو أن يخطبها؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يذر" حيث حرم على المسلم أن=
стр. 2300
لأن فيه ساعة الإجابة (٣٠)، ويُسن بالمسجد، ذكره ابن القيم (٣١)، ويسن: أن يخطب
= يخطب امرأة في حال كون مسلم آخر قد خطبها؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ويلزم من لفظ "أخيه" أن المحرم هو خطبة المسلم على خطبة المسلم، "ويدل ذلك بمفهوم الغاية على أن الخاطب الأول - وهو زيد - إذا ترك: فإنه يجوز للثاني - وهو عمرو - أن يخطب وأذن الأول بأن يخطب الثاني، أو سكوته عند استئذانه مثل تركه للخطبة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم علم الثاني بالخطبة جواز خطبته؛ لأن الجاهل معذور، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مفسدة على الخاطب الأول، وإيقاع العداوة والبغضاء والشحناء بين الناس.
[فرع]: إذا خطب عمرو امرأة مع علمه بخطبة زيد لها ولم يأذن له في ذلك، ولم يترك، وتزوجها عمرو: فإن هذا الزواج يصح ولكنه يأثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الخطبة لم تقارن العقد ولم يؤثر فيه: صحته، ويلزم من تحريم ذلك: تأثيمه.
[فرع ثان]: إذا خطبت زينب زيدًا مثلًا، أو خطبه وليها، فلا يجوز لفاطمة أو وليها أن يخطباه، ولا يجوز لعمرو أن يخطب زينب تلك؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز الخطبة على خطبة أخيه - كما سبق في مسألة (٢٩) - فكذلك لا يجوز في هذه الحالة، والجامع: دفع المفسدة في كل.
(٣٠) مسألة: يُستحب أن يعقد المسلم عقد النكاح على أيِّ امرأة أراد التزوج بها في يوم الجمعة قبيل المغرب؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ساعة من ساعات إجابة الدعاء، فيكون أقرب لإجابة الدعاء بنجاح هذا الزواج، وتعظم البركة فيه إن شاء الله تعالى.
(٣١) مسألة: يُستحب أن يعقد المسلم عقد النكاح على المرأة في المسجد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه بركة المكان، فيكون ذلك أنجح للنكاح.
стр. 2301
قبله (بخطبة ابن مسعود) وهي: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" (٣٢)، ويُسن أن يقال لمتزوج: "بارك الله لكما، وعليكما، وجمع بينكما في خير وعافية" (٣٣)، فإذا زُفَّت إليه قال: "اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جبلتها عليه،
(٣٢) مسألة: يُستحب أن يخطب العاقد بين الزوجين قبيل عقد النكاح بخطبة الحاجة، وهي ما كان يخطبها ابن مسعود وهي: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية والفعلية؛ حيث إن رجلًا قال للنبي ﷺ زوجنيها فقال ﵇: "زوجتكها بما معك من القرآن" وقال رجل من بني سليم: "خطبت إلى رسول الله ﷺ أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يتشهد" ولم يذكر الراوي خطبة في هذين، وهذا يدل على عدم وجوب تلك الخطبة. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البيع يصح بدون خطبة فكذلك النكاح، والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة الثالثة: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد زوّج مولاة له بدون خطبة فما زاد على قوله للخاطب: "قد أنكحتك على ما أمر الله على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وثبت عن الحسين أنه كان يزوج بعض بنات الحسن، وهو يتعرَّق العرق، ولا يخطب، وكان ابن مسعود يخطب بتلك الخطبة، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النكاح بداية حياة جديدة فالخطبة بمثل تلك الكلمات - وهي خطبة الحاجة - تزيد في بركة المبدوء به من نكاح وغيره.
(٣٣) مسألة: يُستحب أن يُقال لمتزوج - أي بعد عقد الزواج -: "بارك الله لكما، وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية" ويقال بالإفراد فيقال: "بارك الله لك،=
стр. 2302
وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما جبلتها عليه" (٣٤).
(فصل): (وأركانه) أي: أركان النكاح ثلاثة أحدها (الزوجان الخاليان من الموانع) كالمعتدَّة (و) الثاني (الإيجاب) وهو: اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه (و) الثالث (القبول) وهو: اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه (٣٥) (ولا يصح)
= وعليك، وجمع بينكما في خير وعافية"؛ للسنة القولية: حيث قال النبي ﷺ ذلك لبعض الصحابة لما رآه متزوجًا، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء إن قبله الله تعالى: فإنه سيكون سببًا للتوافق بينه وبين أهله، وسببًا لحسن العشرة بينهما، تنبيه: قد شرع الشارع ذلك الدعاء بدلًا من دعاء أهل الجاهلية وهو قولهم للمتزوج: "بالرفاء والبنين".
(٣٤) مسألة: إذا دخل الرجل على امرأته التي تزوج بها فيُستحب أن يقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما جبلتها عليه"، ويُستحب أيضًا؛ إذا دخل عليها أن يصلي ركعتين، ثم يأخذ برأس زوجته ويقول: "بارك الله لي في أهلي، وبارك لأهلي فيَّ، وأرزقهم مني وارزقني منهم"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا تزوج امرأة، أو اشترى خادمًا فليقل: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك" الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن مسعود وحذيفة، وأبي ذر أنهم قالوا: "إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين، ثم خذ رأس أهلك فقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي فيّ، وارزقني منهم، وارزقهم مني"، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو حصول البركة في هذا الزواج إن أجيبت الدعوة.
(٣٥) مسألة: أركان النكاح وهي: التي لا يمكن أن يتم النكاح والعقد إلّا بها - ثلاثة: أولها: وجود زوجين خاليين من الموانع بحيث لا تكون الزوجة معتدَّة، أو ممن=
стр. 2303
النكاح (ممّن يُحسن) اللغة (العربية بغير لفظ: زوجت، أو أنكحت)؛ لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن لأمته: "أعتقتكِ، وجعلت عتقكِ صداقكِ" ونحوه؛ لقصة صفية (و) لا يصح قبول إلا بلفظ (قبلتْ هذا النكاح، أو تزوجتها، أو تزوجتُ، أو قبلتُ) أو رضيتُ ويصح النكاح من هازل، وتلجئة (ومن جهلهما) أي: عجز عن الإيجاب والقبول بالعربية (لم يلزمه تعلُّمهما وكفاه معناهما الخاص بكل لسان)؛ لأن المقصود هنا المعنى، دون اللفظ؛ لأنه غير متعبَّد بتلاوته (٣٦)، وينعقد من أخرس بكتابة
= لا يجوز للرجل أن يتزوجها بنسب، أو سبب، أو مصاهرة - وسيأتي بيانه في باب: "المحرمات في النكاح"، وبحيث لا يكون الرجل على ذمته أربع نساء، أو طلق رابعة وهي في العدَّة - وسيأتي بيانه -، ثانيها: وجود الإيجاب، وهو: اللفظ الصادر من ولي الزوجة بأن يقول: "زوجتك فلانة، أو أنكحتك إياها على مهر كذا" ونحو ذلك مما يفيد تزويجه إياها - كما سيأتي - ويقول ذلك من يقوم مقام الولي، وهو وكيله الشرعي، ثالثها: وجود القبول، وهو: اللفظ الصادر من الزوج بأن يقول: "قبلتُ هذا الزواج" أو "قبلتُ هذا النكاح" ونحو ذلك مما يُفيد قبوله - كما سيأتي - أو يقول ذلك من يقوم مقام الزوج، وهو وكيله الشرعي بأن يقول: "قبلتُ هذا النكاح أو الزواج لموكلي فلان"؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء والتتبع أن النكاح والزواج لا يتم إلّا باجتماع هذه الأركان الثلاثة، فلو وُجد واحد منها دون الآخرين فلا يتم النكاح ويبطل، تنبيه: الركن الأول لم يذكره جمهور الفقهاء لقطعية العلم به، ولأن له بابًا مستقلًا سيأتي تفصيله، واقتصروا على ذكر الركنين: "الثاني والثالث".
(٣٦) مسألة: يصح الإيجاب وعقد النكاح والزواج من الولي أو وكيله، ويصح قبول النكاح من الزوج أو وكيله بكل لفظٍ يدل عليهما أو فعل أو بأي لغةٍ، مما يُعدُّه الناس نكاحًا، ولا يختص الإيجاب بلفظ "أنكحتك" أو "زوجتك" ولا يختص القبول بلفظ: "قبلتُ" أو "تزوجت" أو "رضيتُ": سواء كان الولي والزوج =
стр. 2304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يحسنان العربية أو لا، وهو مذهب الجمهور؛ لقاعدتين الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن سائر العقود لا يُشترط في الإيجاب والقبول لفظ معيَّن، بل يكفي كل ما دلّ عليهما من قول أو فعل بأي لغة فكذلك عقد النكاح، وقبوله مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منها عقد معاوضة، أتى كل أحد بلفظه الخاص فانعقد به كانعقاده بالعربية، الثانية: التلازم؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على العباد، وهو غير خافٍ على أحد، فإن قلتَ: لا يصح الإيجاب والقبول إلّا باللغة العربية ممن يحسنها فلا يصح الإيجاب إلا بلفظ: "أنكحتك" أو "زوجتك"، ولا يصح القبول إلّا بلفظ: "قبلتُ" أو تزوجت" أو "رضيتُ"، أما إذا عجز عنهما بالعربية فلا يلزمه تعلمهما، ويكفي معناهما الخاص بكل لسان وهذا ما ذكره المصنف هنا وهو مذهب كثير من الحنابلة؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ صريحة في النكاح والتزويج وقبول ذلك وردت بالقرآن؛ حيث قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وقال ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ فيلزم من ذلك التقيُّد بها لمن يحسن العربية، ويلزم من كونها غير متعبَّد بها: عدم وجوب تعلمها على من جهلها. قلتُ: إن ورود تلك الألفاظ في القرآن لا يلزم التقيد بها كما زعمتم؛ إذ لو لزم ذلك: لوجب الالتزام بكل لفظ يخص عقد ورد في القرآن، وهذا لم يقله أحد، ولا نُسلِّم أنه يلزم من كونها صريحة في النكاح: لزومها لمن يحسنها؛ لأن غيرها من الألفاظ والأفعال صريحة عند من يُعبِّر بها، أما قولكم: إنه غير متعبَّد بها: فهو مذهبنا، وهو منطلقنا فيما قلناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما ورد من ألفاظ القرآن مما يخص الأحكام هل الأصل التقيُّد بها؟ " فعندنا: الأصل أنه لا يتقيد بها إلّا إذا ورد دليل يوجب ذلك، وعندهم: الأصل: أنه يتقيَّد بها إلا إذا ورد دليل يمنع ذلك.
[فرع]: إذا أراد السيد أن يتزوج أمته: فإنه يقول: "أعتقتكِ، وجعلتُ عتقكِ صداقك" وإن سمى دراهم مع ذلك تكون مهرًا ولو قلَّت: لكان أولى؛ للسنة=
стр. 2305
وإشارة مفهومة (فإن تقدَّم القبول) على الإيجاب: (لم يصح)؛ لأن القبول إنما يكون للإيجاب فمتى وجد قبله لم يكن قبولًا (٣٧) (وإن تأخر) أي: تراخى القبول (عن
= الفعلية؛ حيث إن النبي ﷺ : أعتق صفية بنت حيي بن أخطب اليهودية، وجعل عتقها صداقها.
[فرع آخر]: يصح النكاح من الهازل: وهو الذي يريد بالشيء غير ما وضع له، بغير مناسبة بينهما: كأن يقول زيد لعمرو: زوجتك ابنتي وزيد لم يرد تزويجها لعمرو حقيقة، فإذا قبل عمرو: فإن النكاح يتم ويصح، ويُلزم زيد بهذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثلاثٌ جدُّهن جد، وهزلهن جدٌّ: الطلاق والنكاح والرجعة" قال علي: لا لعب فيهن الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "أربع جائزات إذا تُكلم بهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للناس عن التلاعب أو العبث فيه؛ لئلا يكون الإنسان مهزلة ومذمَّة عند الخلق.
[فرع ثالث]: يصح النكاح من الملجأ - وهو: الذي يزوج ابنته شخصًا هروبًا من تزويجها لشخصٍ آخر يكرهه. مثاله: أن يخطب زيد ابنة من عمرو، وعمرو هذا يكره زيدًا - لأي سبب - ويُريد أن يتخلَّص منه فيقوم فيزوجها لبكر، فيصح نكاح بكر لها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الهزل في لفظ النكاح والزواج: أن يكون تزويج عمرو لبكر ابنته صحيحًا، وقد سبق في الفرع الثاني بيان نصوص عدم جواز الهزل في النكاح.
(٣٧) مسألة: إذا تقدَّم القبول على الإيجاب بأن يقول الرجل: "تزوجت ابنتك" فيقول الولي: "زوجتكها" أو يقول الرجل: "زوجني ابنتك" فيقول الولي: "زوجتكها": فإن النكاح يصح، وهو قول الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تقدَّم الإيجاب على القبول: فإن النكاح يصح، فكذلك إذا تقدَّم القبول على الإيجاب يصح مثله والجامع: وجود ركني النكاح، وهما: الإيجاب والقبول في كل، وإذا وجد =
стр. 2306
الإيجاب: صحَّ ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه) عرفًا، ولو طال الفصل؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد (وإن تفرقا قبله) أي: قبل القبول، أو تشاغلا بما يقطعه عرفًا: (بطل) الإيجاب؛ للإعراض عنه، وكذا: لو جُنَّ، أو أغمي عليه قبل القبول (٣٨)،
= الركنان: فيصح النكاح، فإن قلتَ: لِمَ صح هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على العباد؛ إذ ترتيب ذلك قد يشق على كثير من الناس، فإن قلتَ: لا يصح النكاح إذا تقدم القبول على الإيجاب، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القبول إنما وُجد للإيجاب، فيلزم من تقدم القبول عليه: عدم صحة النكاح؛ لعدم القبول قبله قلتُ: إن الركنين الأساسيين - وهما: القبول والإيجاب - قد وجدا من الولي، والزوج، فكون أحدهما قبل الآخر لم يكن من مقاصد الشريعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل الإيجاب والقبول ركنان بصرف النظر عن ترتيبهما، أو لا بد من كون الإيجاب قبل القبول؟ " فعندنا: الأول، وعندهم: الثاني. [فرع]: يصح الإيجاب والقبول في النكاح من الأخرس بواسطة الكتابة، أو بإشارة مفهومة؛ للقياس، بيانه: كما أنه يصح منه طلاقه وبيعه بذلك فكذلك يصح نكاحه والجامع: إفهام المقصود في كل
(٣٨) مسألة: إذا قال الولي للزوج - وهما مكلفان -: "زوجتك فلانة"، فتأخر الزوج في قبول ذلك، ثم بعد فترة: قال: "قبلتُ هذا الزواج": فإنه يصح هذا النكاح والزواج ولو طال الفصل؛ بشرطين أولهما: أن يكونا في المجلس، ثانيهما: أن لا يتشاغلان عن العقد بما يقطعه عرفًا، أما إذا تفرقا عن مجلس العقد قبل القبول، أو تشاغلا عن العقد بما يقطعه كأن يقول الولي: "زوجتك" ثم يتكلمان بتجارة ونحوها، ثم يقول الزوج: "قبلت هذا الزواج" أو زال تكليف الولي، أو الزوج قبل القبول بأن جُن أحدهما، أو كلاهما، أو أغمي عليهما، أو على أحدهما قبل القبول، أو جُنَّت المرأة المتزوج بها، أو أغمي عليها قبل القبول، أو فسق الولي، أو حضر الأقرب منه: فإن النكاح في تلك الصور لا يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما =
стр. 2307
لا إن نام (٣٩).
(فصل): (وله شروط) أربعة (أحدها: تعيين الزوجين)؛ لأن المقصود في النكاح
= يصح ذلك بالشرطين السابقين في البيع، وسائر العقود فكذلك عقد النكاح مثلها، والجامع: أن كلًّا منها عقد معاوضة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: لأنه لا بد من من استمرار الشرط في الولي والمتزوج حتى يتم العقد.
(٣٩) مسألة: إذا نام الزوج نومًا يسيرًا لا ينتقض الوضوء به - وهو جالس - قبل القبول: فإن النكاح يصح، أما إن نام نومًا كثيرًا عادة قبل القبول: فإن النكاح يبطل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العقود لا يُبطلها نوم المشتري قبل القبول إذا كان يسيرًا، ويبطلها إن كان نومًا كثيرًا فكذلك عقد النكاح مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منها عقد على معاوضة، فلا يؤثر عليه ذلك.
[فرع]: لا يثبت في النكاح خيار المجلس ولا خيار الشرط؛ للمصلحة: وهي من وجهين: أولهما: أن الحاجة لا تدعو إلى الخيار؛ حيث إن النكاح لا يقع إلّا بعد تمحيص وتدقيق قبل القدوم عليه وسؤال كل واحد من الزوجين عن صاحبه، ثانيهما: أن الخيار قد يُفضي ويؤدي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة له، وفي ذلك إلحاق الضرر عليها، ولذلك إذا طلق الزوج قبل الدخول عليها: فإن لها نصف صداقها؛ تعويضًا لها عن هذا الضرر.
[فرع آخر]: لا يصح تعليق النكاح على شرط مستقبل كقول الولي: "زوجتك ما في بطن امرأتي" أو قوله: "زوجتك من في هذه الدار" أو قوله: "إن وضعت زوجتي بنتًا: فقد زوجتكها" بخلاف الشرط الحاضر كقول الولي: "زوجتك ابنتي إن كانت قد انقضت عدّتها" أو قوله: "زوجتك ابنتي إن شئت" ونحو ذلك فهذا يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الشرط المستقبل: الجهالة فلا يصح، ويلزم من الشرط الحاضر: وقرب الوقوع: الصحة، تنبيه: للنكاح شروط أربعة لا يصح إلّا باجتماعها، وإليك بيانها.
стр. 2308
التعيين، فلا يصح بدونه، كزوجتك بنتي، وله غيرها، حتى يميزها، وكذا لو قال: "زوجتها ابنك" وله بنون (فإن أشار الولي إلى الزوجة، أو سمَّاها) باسمها (أو وصفها بما تتميز به) كالطويلة، أو الكبيرة: صحّ النكاح؛ لحصول التمييز (أو قال: زوجتك بنتي، وله) بنت (واحدة، لا أكثر: صح) النكاح؛ لعدم الالتباس، ولو سماها بغير اسمها (٤٠)،
(٤٠) مسألة: في الأول: - من شروط صحة عقد النكاح - وهو: أن يكون الزوجان معيَّنين، متميِّزين، واضحين: كأن يشير الولي إلى ابنته أو موليته الحاضرة ويقول: "زوجتك هذه" أو يقول: "زوجتك ابنتي فاطمة"، أو يصفها بصفة تتميز بها عن غيرها كأن يقول: "زوجتك ابنتي الطويلة" أو "زوجتك ابنتي الكبيرة بالسن"، أو: "زوجتك ابنتي الوسطى" أو "زوجتك ابنتي الصغيرة" أو "زوجتك ابنتي البيضاء" أو "زوجتك ابنتي السوداء" أو "السمراء" وهكذا ففي تلك الصورة: يصح النكاح، أما إن لم يكن للولي إلّا ابنة واحدة فلا داعي لهذا، بل يكفي أن يقول: "زوجتك ابنتي" ويصح النكاح، ولو سمَّاها بغير اسمها أو وصفها بغير صفتها، وكذلك: يشير إلى الابن الذي يريد الزواج فيقول الولي: "زوجتها ابنك هذا" إن كان حاضرًا، أو يقول: "زوجتك لابنك زيد" أو يُعينه بصفة يتميز بها دون غيره، أما إن لم يوجد إلا ابن واحد فيكفي أن يقول: "زوجتها لابنك"، لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المشترى والمباع يُشترط تعيينهما وتمييزهما، فكذلك الزوجان يجب أن يُعينا ويُميزا والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة أي: أن كل عاقد ومعقود عليه يجب تعيينهما، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انفراد الابنة الواحدة، أو الابن الواحد: عدم وجوب التعيين؛ لعدم الالتباس.
[فرع]: إذا قال: "زوجتك ابنتي عائشة هذه" وأشار إلى زينب: فإن عقد النكاح يصح على زينب، ولا يصح على عائشة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الإشارة أقوى من التسمية: أن يصح النكاح على المشار إليها، دون المسماة.
стр. 2309
ومن سُمِّي له في العقد غير مخطوبته، فقبل يظنها إياها: لم يصح (٤١).
(فصل): الشرط (الثاني: رضاهما) فلا يصح إن أكره أحدهما بغير حق
(٤١) مسألة: إذا خطب زيد فاطمة، فزوج بغيرها فقبل، وهو يعتقد أنها فاطمة مخطوبته: فإن النكاح لا يصح، ولا ينعقد أصلًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو ساوم بائع ثياب على ثوب معيَّن، ثم اتفقا عليه، ثم وقع العقد على غير ذلك الثوب بغير علم المشتري: فإنه لا يصح البيع، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن القبول فيهما انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للغش بين الناس.
[فرع]: إذا علم زيد أنه تمّ العقد على غير فاطمة فرضي: فإن ذلك العقد لا يصح أيضًا، ويترك من زُوِّج بها، ثم تعتدُّ، ثم يعقد عليها من جديد بعد انقضاء عدّتها إن كان قد جامعها وهي جاهلة ولها الصداق، وإن ولدت له ولدًا: فإنه يلحق به، أما إن كانت تلك المرأة عالمة أنها ليست زوجته، وأنها محرمة عليه، ومع ذلك مكَّنته من نفسها ليجامعها: فإنها زانية، لا صداق لها، أما إن لم يرض فلا يصح العقد - كما سبق - وتجهز له التي خطبها وهي فاطمة - بالصداق الأول، وهذا يكون بعد انقضاء عدَّة من أصابها إن كانت ممن يحرم الجمع بينهما؛ للقياس على المبيع والمشتري الذي غش بسلعة غير التي تمّت المساومة عليها؛ وقد سبق بيانه، حيث يغرم كل ذلك البائع والعاقد والولي اللذان قد غشا المشتري والمتزوج.
стр. 2310
كالبيع (٤٢) (إلا البالغ المعتوه) فيزوجه أبوه أو وصيه في النكاح (و) إلا (المجنونة والصغير، والبكر، ولو مكلَّفة، لا الثيب) إذا تم لها تسع سنين (فإن الأب، ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم) كثيب دون تسع؛ لعدم اعتبار إذنهم و (كالسيد مع إمائه) فيزوجهن بغير إذنهن؛ لأنه يملك منافع بضعهن (و) كالسيد (عبده الصغير) فيزوجه بغير إذنه كولده الصغير (٤٣)، (ولا يزوج باقي الأولياء) كالجد، والأخ، والعم
(٤٢) مسألة: في الثاني - من شروط صحة عقد النكاح -: وهو: أن يرضى كل واحد من الزوجين بالآخر، فإن أكره أحدهما بغير حق فلا يصح النكاح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط رضى كل من البائع والمشتري، فكذلك يُشترط رضى كل من الزوجين بالآخر والجامع: أن العقد خاص بهما فاعتُبر تراضيهما فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وجود الرضى من الزوجين عن قناعة يتسبَّب =
في دوام زواجهما بمشيئة الله تعالى.
[فرع]: إن أكره أحد الزوجين بحق كأن يزوج الأب ابنته الصغيرة التي هي دون تسع سنوات - بكرًا أو ثيبًا - برجل يغلب على ظن أبيها أنه صالح لها، أو زوَّج الأب ابنه الصغير الذي لم يبلغ بامرأة يغلب على ظن أبيه أن ذلك في مصلحته: فإن ذلك يصح والأب هو الذي يتولى العقد في الصورتين؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر زوَّج ابنه وهو صغير، ووافقه على ذلك زيد بن ثابت، والبنت كالابن في ذلك: لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: المصلحة؛ حيث إن المصلحة تقتضي أحيانًا تزويج الصغيرة من الكفؤ خشية فواته، وتزويج الصغير لحمايته من الفساد.
(٤٣) مسألة: الذين يزوجهم أبوهم أو وصيه وإن لم يرضوا ويأذنوا خمسة: أولهم: المعتوه، وإن كان بالغًا، وهو قليل الفهم قليل التنظيم لنفسه، وإن لم يؤذِ أحدًا، وكذلك المعتوهة مثله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم معرفتهما لمصلحتهما: أن يزوجهما وليهما، ثانيهم: الصغير غير البالغ، وقد سبق بيانه في الفرع التابع لمسألة (٤٢)، ثالثهم: الصغيرة وهي: التي دون تسع سنوات سواء كانت بكرًا أو ثيبًا وقد سبق بيانه في الفرع التابع لمسألة (٤٢) -. رابعهم: جميع الإماء كبارًا وصغارًا يزوجهن سيدهن ولو لم يأذنَّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون سيدهن يملك منافع أبضاعهن: أن يزوجهن؛ لكونهن من أملاكه، خامسهم: العبد الصغير - وهو غير البالغ - فيزوجه سيده بغير إذنه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن للأب؛ أو =
стр. 2311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وصيه إجبار ولده الصغير غير البالغ على النكاح فكذلك له إجبار عبده الصغير والجامع: عدم معرفة المصلحة في كل.
[فرع]: المجنونة، والمجنون لا يصح أن يزوجهما وليهما الأب، ولا وصيه وهما في حالة الجنون؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه خطر على من سيتزوج بهما. فإن قلتَ: إن المجنونة يزوجها أبوها، أو وصيه، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لها قلتُ: إن تلك قد تؤذي من يتزوجها، أو أولادها إن أتت بأولاد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
[فرع ثان]: البنت البكر المكلَّفة لا يزوجها أبوها، ولا وصيه، ولا تجبر على أحد؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" فقالوا: يا رسول الله: فكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" - كما رواه أبو هريرة - ثانيهما: أن ابن عباس قال: "أتت جارية بكر إلى النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيَّرها النبي ﷺ " فهذان الحديثان يدلان على عدم جواز إجبار البكر المكلَّفة على النكاح إلّا إذا أذنت، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الرجل والثيب لا يجبرهما أحد على النكاح فكذلك البكر المكلفة لا يجبرها أحد عليه والجامع: أن كلًّا منهم جائز التصرف في ماله، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك حماية حقوق المرأة من أن تُستغل من هذا الطريق، فإن قلتَ: إن البكر يجبرها أبوها أو وصيه ولو كانت مكلَّفة، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول أكثر العلماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها" - كما رواه ابن عباس - حيث دل مفهوم التقسيم هنا على أن البكر تجبر؛ حيث أثبت الحق للثيب، =
стр. 2312
(صغيرة دون تسع) بحال: بكرًا كانت أو ثيبًا (ولا) يزوج غير الأب ووصيه في النكاح (صغيرًا) إلا الحاكم لحاجة (ولا) يزوج غير الأب ووصيه فيه (كبيرة عاقلة) بكرًا أو ثيبًا (ولا بنت تسع) سنين كذلك (إلا بإذنهما)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت: فهو إذنها، وإن أبت: لم تكره" رواه أحمد، وإذن بنت تسع معتبر؛ لقول عائشة: "إذا بلغت الجارية تسع سنين: فهي امرأة" رواه أحمد، ومعناه: في حكم المرأة (٤٤) (وهو) أي: الإذن (صمات البكر) ولو ضحكت أو
= فيُفيد ذلك: نفيه عن الأخرى وهي: البكر، فيُجبرها أبوها؛ حيث إنه أحق منها بها. قلتُ: إن هذا حجة عليهم؛ لأنه أثبت استثمار البكر، والمراد به: استئذانها، بل أولى، وهو مراد حديث أبي هريرة فلا يؤخذ بالمفهوم مع وضوح دلالة المنطوق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مقصد حديث ابن عباس" فعندنا: لا منافاة بينه وبين حديث أبي هريرة، وعندهم: بل يختلف، وأيضًا: "الخلاف في علة الإجبار هل هي الصِّغر، أو البكارة والثيوبة؟ " فعندنا: الصغر، وعندهم: لا.
[فرع ثالث]: الثيب البالغة تسع سنوات فما فوق: لا يجبرها أحد على النكاح، أما الثيب الصغيرة التي لها أقل من ذلك فيُجبرها أبوها أو وصيه على النكاح - كما سبق -؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن الثيب الكبيرة - وهي التي لها تسع سنوات فما فوق - لا يجوز لأحد أن يجبرها، ومستند ذلك حديثا أبي هريرة، وابن عباس اللذان سبق ذكرهما في الفرع الثاني، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الصغير - غير البالغ - يجبره أبوه على النكاح فكذلك الثيب الصغيرة، مثله والجامع: الصِّغر في كل، وعدم الخبرة.
(٤٤) مسألة: الأب، أو وصيه هما اللذان يُزوِّجان الصغيرة والصغير - وهما من دون تسع سنوات - سواء كانت الصغيرة بكرًا أو ثيبًا - كما سبق في مسألة (٤٣) - =
стр. 2313
بكت (ونطق الثيب) بوطء في القبل؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن
= بدون إذنهما، أما غيرهما - أي: غير الأب ووصيه - من الأولياء - كالجد، والأخ، والعم وبنوهما وإن نزلوا - فلا يُزوِّجون الصغير، ولا الصغيرة: ولا الكبيرة سواء كانتا بكرًا أو ثيبًا إلّا إذا أذن كل من الصغير والصغيرة والكبيرة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت: فهو إذنها، وإن أبت فلا تُكره"، وحديث أبي هريرة السابق ذكره - في مسألة (٤٣) - حيث بيَّن الشارع أن اليتيمة - وهي الصغيرة التي لم تبلغ والتي لا أب لها - يُطلب إذنها في النكاح فإن أذنت: زُوجت، وإن لا: فلا، والصغير مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق، من باب مفهوم الموافقة، وكذلك الشأن في الكبيرة؛ كما نصّ عليه حديث أبي هريرة والنص لم يُفرق بين البكر والثيب من التيمة فيكون حكمهما واحد، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البالغة يُشترط إذنها في زواجها فكذلك الصغيرة، والجامع: صلاحية كل منهما للنكاح، وحاجتها إليه، فإن قلتَ: لِمَ كان للأب أو وصيه إجبار الصغيرة - التي هي دون التسع - أو الصغير على النكاح، دون غيرهما من الأولياء؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الأب أشفق على ابنته من غيره، وهذه الشفقة تجعله يختار من يصلح لها أحسن مما لو اختارت هي لنفسها وكذلك وصيهُ يشاركه بذلك؛ لأن الأب في العادة لا يوصي على أبنائه أو بناته إلّا من هو في رتبته في الشفقة أو أحسن منه، أما غيره من الأولياء فلا يكون فيهم ذلك غالبًا، فلذا أبعدهم الشارع.
[فرع]: إذا اقتضت المصلحة تزويج الصغير، أو الصغيرة بدون إذنهما، ولم يوجد أبوهما، أو وصيه: فإن الحاكم هو الذي يتولَّى ذلك ولا يتولَّاه الأولياء الآخرون للمصلحة حيث إن الحاكم - وهو القاضي - يكون أنصح لذلك الصغير، أو الصغيرة في الغالب من بعض الأولياء.
стр. 2314
تسكت" متفق عليه، ويُعتبر في استئذانه: تسمية الزوج على وجه تقع به المعرفة (٤٥).
(فصل): الشرط (الثالث: الولي)؛ لقوله ﵇: "لا نكاح إلّا بولي" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه أحمد وابن معين (وشروطه) أي: شروط الولي سبعة: (التكليف)؛ لأن غير المكلَّف يحتاج لمن ينظر له، فلا ينظر لغيره (والذكورية)؛ لأن المرأة لا ولاية لها على نفسها، ففى غيرها أولى (والحرية)؛ لأن العبد لا ولاية له على نفسه ففي غيره أولى (والرشد في العقد): بأن يعرف الكفء، ومصالح النكاح، لا حفظ المال، فرشد كل مقام بحسبه (واتفاق الدين) فلا ولاية لكافر على مسلمة، ولا النصراني على مجوسية؛ لعدم التوارث بينهما (سوء ما يذكر) كأم ولد لكافر أسلمت، وأمة كافرة لمسلم، والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة (والعدالة) ولو ظاهرة؛ لأنها ولاية نظرية، فلا يستبد بها الفاسق؛ إلا في سلطان، وسيد يزوج أمته؛ إذا تقرر ذلك (فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها)؛ لما تقدَّم (٤٦) (ويُقدَّم أبو المرأة) الحرَّة (في إنكاحها)؛ لأنه أكمل نظرًا،
(٤٥) مسألة: إذا جاء الولي إلى ابنته أو موليته يستأذنها في زواجها، وسمَّى ذلك الشخص الخاطب، وذكر لها نسبه، ومنصبه وشكله أو نحو ذلك مما هو يميزه عن غيره: فإنا نعرف أن البكر قد أذنت وقبلت ورضيت به زوجًا: إذا صمتت، أو بكت، أو ضحكت، أما الثيب: فلا بدَّ أن تنطق بأن تقول: "نعم أُريده" أو نحو تلك العبارة مما يفيد رضاها؛ للسنة القولية: وهما: حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس السابقان في مسألة (٤٣) - فإن قلتَ: لِمَ فرق بينهما؟ قلتُ: لأن البكر عادة تستحي من الكلام في مثل هذه الأمور، والثيب لا تستحي؛ لسابق خبرتها مع الزوج الذي طلَّقها، أو توفي عنها.
(٤٦) مسألة: في الثالث - من شروط صحة عقد النكاح - وهو: أن يتولَّى عقد النكاح بين الزوجين ولي للمرأة يجب أن تتوفَّر فيه سبع صفات: الصفة الأولى: أن يكون بالغًا، فلا يصح أن يتولَّى الصغير ولاية النكاح، الصفة الثانية: أن يكون عاقلًا، فلا يصح أن يتولَّى المجنون ولاية النكاح، الصفة الثالثة: أن يكون ذكرًا، فلا يصح =
стр. 2315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أن تتولى المرأة ولاية النكاح، الصفة الرابعة: أن يكون راشدًا يُحسن التصرُّف، ويعرف معادن الرجال: بأن يميز الكفء من غيره، ومصالح ومفاسد عقد النكاح، - ولا يكفي أن يكون مستطيعًا على حفظ المال، بل لا بد من تلك الأمور في الرشد، الصفة الخامسة: أن يكون دين الولي والمرأة المراد تزويجها واحدًا، فلا يُزوج كافرًا مسلمة أو بالعكس، وإن كان أبوها، ولا يزوج نصراني مجوسية أو بالعكس، وإن كان أبوها، الصفة السادسة: أن يكون الولي عدلًا فيما يظهر، فلا يصح أن يتولى الفاسق عقد النكاح ولو كان أبوها، الصفة السابعة: أن يكون حرًا، فلا يصح أن يتولَّى العبد، أو المبعَّض ولاية النكاح، فإذا اجتمعت تلك الشروط والصفات في الولي: فإن عقد النكاح يصح، أما إن اختلَّ واحد منها، أو كلها: فلا يصح عقد النكاح، فلا تزوج المرأة نفسها، ولا تزوج غيرها وإذا وقع فسد؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا نكاح إلّا بولي" حيث نفى الشارع صحة عقد النكاح، وأثبت أنه يصح عند وجود الولي؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات والنفي هنا: نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم والفساد، ثانيهما: قوله ﷺ : "أيُّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل" وهو عام الجميع النساء؛ لأن "أيَّ" من صيغ العموم المتفق عليها، ودل بمفهوم الشرط على أنه إذا وُجد الولي فنكاحها صحيح، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل، وولي مرشد" فاشترط في الولي أن يكون مرشدًا عارفًا لمعادن الرجال، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن البالغ، والعاقل، والذكر والراشد والحر، ومن اتّصف بالعدالة يعرفون مصالحهم، ومصالح مَنْ يتولَّون، فلذلك يمكنهم إصلاح أنفسهم وإصلاح غيرهم لكمال حالهم، بخلاف الصغير والمجنون، والمعتوه، والمرأة، والسفيه والعبد والفاسق فكل واحد من هؤلاء ناقص الحال يحتاج مَن يتولَّى =
следующие страницы →