← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وصيه إجبار ولده الصغير غير البالغ على النكاح فكذلك له إجبار عبده الصغير والجامع: عدم معرفة المصلحة في كل. [فرع]: المجنونة، والمجنون لا يصح أن يزوجهما وليهما الأب، ولا وصيه وهما في حالة الجنون؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه خطر على من سيتزوج بهما. فإن قلتَ: إن المجنونة يزوجها أبوها، أو وصيه، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لها قلتُ: إن تلك قد تؤذي من يتزوجها، أو أولادها إن أتت بأولاد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين". [فرع ثان]: البنت البكر المكلَّفة لا يزوجها أبوها، ولا وصيه، ولا تجبر على أحد؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" فقالوا: يا رسول الله: فكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" - كما رواه أبو هريرة - ثانيهما: أن ابن عباس قال: "أتت جارية بكر إلى النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيَّرها النبي ﷺ " فهذان الحديثان يدلان على عدم جواز إجبار البكر المكلَّفة على النكاح إلّا إذا أذنت، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الرجل والثيب لا يجبرهما أحد على النكاح فكذلك البكر المكلفة لا يجبرها أحد عليه والجامع: أن كلًّا منهم جائز التصرف في ماله، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك حماية حقوق المرأة من أن تُستغل من هذا الطريق، فإن قلتَ: إن البكر يجبرها أبوها أو وصيه ولو كانت مكلَّفة، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول أكثر العلماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها" - كما رواه ابن عباس - حيث دل مفهوم التقسيم هنا على أن البكر تجبر؛ حيث أثبت الحق للثيب، =

стр. 2312

(صغيرة دون تسع) بحال: بكرًا كانت أو ثيبًا (ولا) يزوج غير الأب ووصيه في النكاح (صغيرًا) إلا الحاكم لحاجة (ولا) يزوج غير الأب ووصيه فيه (كبيرة عاقلة) بكرًا أو ثيبًا (ولا بنت تسع) سنين كذلك (إلا بإذنهما)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت: فهو إذنها، وإن أبت: لم تكره" رواه أحمد، وإذن بنت تسع معتبر؛ لقول عائشة: "إذا بلغت الجارية تسع سنين: فهي امرأة" رواه أحمد، ومعناه: في حكم المرأة (٤٤) (وهو) أي: الإذن (صمات البكر) ولو ضحكت أو = فيُفيد ذلك: نفيه عن الأخرى وهي: البكر، فيُجبرها أبوها؛ حيث إنه أحق منها بها. قلتُ: إن هذا حجة عليهم؛ لأنه أثبت استثمار البكر، والمراد به: استئذانها، بل أولى، وهو مراد حديث أبي هريرة فلا يؤخذ بالمفهوم مع وضوح دلالة المنطوق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مقصد حديث ابن عباس" فعندنا: لا منافاة بينه وبين حديث أبي هريرة، وعندهم: بل يختلف، وأيضًا: "الخلاف في علة الإجبار هل هي الصِّغر، أو البكارة والثيوبة؟ " فعندنا: الصغر، وعندهم: لا. [فرع ثالث]: الثيب البالغة تسع سنوات فما فوق: لا يجبرها أحد على النكاح، أما الثيب الصغيرة التي لها أقل من ذلك فيُجبرها أبوها أو وصيه على النكاح - كما سبق -؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن الثيب الكبيرة - وهي التي لها تسع سنوات فما فوق - لا يجوز لأحد أن يجبرها، ومستند ذلك حديثا أبي هريرة، وابن عباس اللذان سبق ذكرهما في الفرع الثاني، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الصغير - غير البالغ - يجبره أبوه على النكاح فكذلك الثيب الصغيرة، مثله والجامع: الصِّغر في كل، وعدم الخبرة. (٤٤) مسألة: الأب، أو وصيه هما اللذان يُزوِّجان الصغيرة والصغير - وهما من دون تسع سنوات - سواء كانت الصغيرة بكرًا أو ثيبًا - كما سبق في مسألة (٤٣) - =

стр. 2313

بكت (ونطق الثيب) بوطء في القبل؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن = بدون إذنهما، أما غيرهما - أي: غير الأب ووصيه - من الأولياء - كالجد، والأخ، والعم وبنوهما وإن نزلوا - فلا يُزوِّجون الصغير، ولا الصغيرة: ولا الكبيرة سواء كانتا بكرًا أو ثيبًا إلّا إذا أذن كل من الصغير والصغيرة والكبيرة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت: فهو إذنها، وإن أبت فلا تُكره"، وحديث أبي هريرة السابق ذكره - في مسألة (٤٣) - حيث بيَّن الشارع أن اليتيمة - وهي الصغيرة التي لم تبلغ والتي لا أب لها - يُطلب إذنها في النكاح فإن أذنت: زُوجت، وإن لا: فلا، والصغير مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق، من باب مفهوم الموافقة، وكذلك الشأن في الكبيرة؛ كما نصّ عليه حديث أبي هريرة والنص لم يُفرق بين البكر والثيب من التيمة فيكون حكمهما واحد، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البالغة يُشترط إذنها في زواجها فكذلك الصغيرة، والجامع: صلاحية كل منهما للنكاح، وحاجتها إليه، فإن قلتَ: لِمَ كان للأب أو وصيه إجبار الصغيرة - التي هي دون التسع - أو الصغير على النكاح، دون غيرهما من الأولياء؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الأب أشفق على ابنته من غيره، وهذه الشفقة تجعله يختار من يصلح لها أحسن مما لو اختارت هي لنفسها وكذلك وصيهُ يشاركه بذلك؛ لأن الأب في العادة لا يوصي على أبنائه أو بناته إلّا من هو في رتبته في الشفقة أو أحسن منه، أما غيره من الأولياء فلا يكون فيهم ذلك غالبًا، فلذا أبعدهم الشارع. [فرع]: إذا اقتضت المصلحة تزويج الصغير، أو الصغيرة بدون إذنهما، ولم يوجد أبوهما، أو وصيه: فإن الحاكم هو الذي يتولَّى ذلك ولا يتولَّاه الأولياء الآخرون للمصلحة حيث إن الحاكم - وهو القاضي - يكون أنصح لذلك الصغير، أو الصغيرة في الغالب من بعض الأولياء.

стр. 2314

تسكت" متفق عليه، ويُعتبر في استئذانه: تسمية الزوج على وجه تقع به المعرفة (٤٥). (فصل): الشرط (الثالث: الولي)؛ لقوله ﵇: "لا نكاح إلّا بولي" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه أحمد وابن معين (وشروطه) أي: شروط الولي سبعة: (التكليف)؛ لأن غير المكلَّف يحتاج لمن ينظر له، فلا ينظر لغيره (والذكورية)؛ لأن المرأة لا ولاية لها على نفسها، ففى غيرها أولى (والحرية)؛ لأن العبد لا ولاية له على نفسه ففي غيره أولى (والرشد في العقد): بأن يعرف الكفء، ومصالح النكاح، لا حفظ المال، فرشد كل مقام بحسبه (واتفاق الدين) فلا ولاية لكافر على مسلمة، ولا النصراني على مجوسية؛ لعدم التوارث بينهما (سوء ما يذكر) كأم ولد لكافر أسلمت، وأمة كافرة لمسلم، والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة (والعدالة) ولو ظاهرة؛ لأنها ولاية نظرية، فلا يستبد بها الفاسق؛ إلا في سلطان، وسيد يزوج أمته؛ إذا تقرر ذلك (فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها)؛ لما تقدَّم (٤٦) (ويُقدَّم أبو المرأة) الحرَّة (في إنكاحها)؛ لأنه أكمل نظرًا، (٤٥) مسألة: إذا جاء الولي إلى ابنته أو موليته يستأذنها في زواجها، وسمَّى ذلك الشخص الخاطب، وذكر لها نسبه، ومنصبه وشكله أو نحو ذلك مما هو يميزه عن غيره: فإنا نعرف أن البكر قد أذنت وقبلت ورضيت به زوجًا: إذا صمتت، أو بكت، أو ضحكت، أما الثيب: فلا بدَّ أن تنطق بأن تقول: "نعم أُريده" أو نحو تلك العبارة مما يفيد رضاها؛ للسنة القولية: وهما: حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس السابقان في مسألة (٤٣) - فإن قلتَ: لِمَ فرق بينهما؟ قلتُ: لأن البكر عادة تستحي من الكلام في مثل هذه الأمور، والثيب لا تستحي؛ لسابق خبرتها مع الزوج الذي طلَّقها، أو توفي عنها. (٤٦) مسألة: في الثالث - من شروط صحة عقد النكاح - وهو: أن يتولَّى عقد النكاح بين الزوجين ولي للمرأة يجب أن تتوفَّر فيه سبع صفات: الصفة الأولى: أن يكون بالغًا، فلا يصح أن يتولَّى الصغير ولاية النكاح، الصفة الثانية: أن يكون عاقلًا، فلا يصح أن يتولَّى المجنون ولاية النكاح، الصفة الثالثة: أن يكون ذكرًا، فلا يصح =

стр. 2315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن تتولى المرأة ولاية النكاح، الصفة الرابعة: أن يكون راشدًا يُحسن التصرُّف، ويعرف معادن الرجال: بأن يميز الكفء من غيره، ومصالح ومفاسد عقد النكاح، - ولا يكفي أن يكون مستطيعًا على حفظ المال، بل لا بد من تلك الأمور في الرشد، الصفة الخامسة: أن يكون دين الولي والمرأة المراد تزويجها واحدًا، فلا يُزوج كافرًا مسلمة أو بالعكس، وإن كان أبوها، ولا يزوج نصراني مجوسية أو بالعكس، وإن كان أبوها، الصفة السادسة: أن يكون الولي عدلًا فيما يظهر، فلا يصح أن يتولى الفاسق عقد النكاح ولو كان أبوها، الصفة السابعة: أن يكون حرًا، فلا يصح أن يتولَّى العبد، أو المبعَّض ولاية النكاح، فإذا اجتمعت تلك الشروط والصفات في الولي: فإن عقد النكاح يصح، أما إن اختلَّ واحد منها، أو كلها: فلا يصح عقد النكاح، فلا تزوج المرأة نفسها، ولا تزوج غيرها وإذا وقع فسد؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا نكاح إلّا بولي" حيث نفى الشارع صحة عقد النكاح، وأثبت أنه يصح عند وجود الولي؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات والنفي هنا: نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم والفساد، ثانيهما: قوله ﷺ : "أيُّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل" وهو عام الجميع النساء؛ لأن "أيَّ" من صيغ العموم المتفق عليها، ودل بمفهوم الشرط على أنه إذا وُجد الولي فنكاحها صحيح، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل، وولي مرشد" فاشترط في الولي أن يكون مرشدًا عارفًا لمعادن الرجال، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن البالغ، والعاقل، والذكر والراشد والحر، ومن اتّصف بالعدالة يعرفون مصالحهم، ومصالح مَنْ يتولَّون، فلذلك يمكنهم إصلاح أنفسهم وإصلاح غيرهم لكمال حالهم، بخلاف الصغير والمجنون، والمعتوه، والمرأة، والسفيه والعبد والفاسق فكل واحد من هؤلاء ناقص الحال يحتاج مَن يتولَّى =

стр. 2316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عليه، فكيف يتولَّى على غيره؟!، ولأن السفيه، والصغير، والمجنون، والمعتوه، والمرأة سهل خداعهم فقد يزوجون المرأة بمن ليس كفؤًا لها، ولأن الولي الكافر، أو مختلف الدين عن موليته والفاسق: لا يؤمن جانبهما، ومن فسق فسقًا متفقًا عليه في جانب من جوانب الدين فلا يؤمن من الجانب الآخر، الرابعة: التلازم؛ حيث إن عدم التوارث بين الكافر والمسلم والمختلفين في الدين - كما سبق في باب "ميراث أهل الملل" من كتاب الفرائض - يلزم منه: عدم صحة ولاية أحدهما على الآخر - ومنها ولاية النكاح. [فرع]: هناك ثلاث نساء يُزوجهن من يختلف معهم في الدين. "أولاهن: إذا كانت المرأة أم ولد لكافر قد أسلمت: فإن ولدها الكافر يزوجها. ثانيتهن: إذا كانت أمه كافرة تحت مسلم: فإن سيدها المسلم يزوجها، ثالثتهن: إذا كانت امرأة كافرة من أهل الذمة لا ولي لها: فإن السلطان المسلم يزوجها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأولى والثانية مملوكتين: صحة تزويجهما من قبل سيدهما؛ حفاظًا على حقوقه، ويلزم من عموم ولاية السلطان على أهل دار الإسلام: صحة تزويجه للثالثة. [فرع ثان] هناك فاسقان يصح أن يزوّجا المرأة: أولهما: السلطان الفاسق يزوج من لا ولي لها، ثانيهما: السيد الفاسق يزوج أمته؛ للمصلحة: حيث إن الحاجة تدعو إلى تزويج من لا ولي لها والأمة من قبل السلطان والسيد ويقوم بذلك السلطان والسيد ولو كانا فاسقين؛ دفعًا لمفسدة أعظم من فسقهما، فإن قلتَ: إن الفاسق مطلقًا يصح أن يتولى النكاح، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه كما أن الفاسق يتولى نكاح نفسه، فكذلك يتولى نكاح غيره والجامع: الصلاحية في كل قلت هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق لأن الفاسق يتولى نكاح نفسه، ضرورة بخلاف نكاح غيره فليس =

стр. 2317

وأشد شفقة (ثم وصيه فيه) أي: في النكاح؛ لقيامه مقامه (ثم جدها لأب وإن علا) الأقرب فالأقرب؛ لأن له إيلادًا وتعصيبًا، فأشبه الأب (ثم ابنها، ثم بنوه، وإن نزلوا) الأقرب فالأقرب؛ لما روت أم سلمة: "أنها لما انقضت عدتها: أرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها، فقالت: يا رسول الله ليس أحد من أوليائي شاهدًا قال: "ليس من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك" فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله، فزوجه" رواه النسائي (ثم أخوها لأبوين، ثم لأب) كالميراث (ثم بنوهما كذلك) وإن نزلوا، يقدم من لأبوين على من لأب إن استووا في الدرجة الأقرب فالأقرب (ثم عمها لأبوين ثم لأب)؛ لما تقدَّم (ثم بنوهما كذلك) على ما سبق في الميراث (ثم أقرب عصبة نسب كالإرث) فأحق العصبات بعد الأخوة بالميراث أحقهم بالولاية؛ لأن مبنى الولاية على الشفقة والنظر، وذلك معتبر بمظنته، وهو القرابة (ثم المولى المنعم) بالعتق؛ لأنه يرثها، ويعقل عنها (ثم أقرب عصبته نسبًا) على ترتيب الميراث (ثم) إن عدموا: فعصبة (ولاء) على ما تقدَّم (ثم السلطان) وهو الإمام أو نائبه. قال أحمد: والقاضي أحب إلي من الأمير في هذا" فإن عدم الكل: زوجها ذو سلطان في مكانها، فإن تعذر: وكَّلت. وولي أمة سيدها ولو فاسقًا (٤٧)، ولا ولاية لأخ من أم، = بضرورة، ولأن الفاسق عادة يكون أمينًا على نفسه فلا يغشها، ولكنه ليس مأمونًا على غيره. (٤٧) مسألة: الأولياء في النكاح هم مرتبون على حسب ما يلي. أولًا: يقدم أبو المرأة الحرة على غيره؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إنه أشفق عليها وأكثر خبرة وتجربة من ابنها وغيره فهو أصلح لها، وأدفع للمفسدة عنها. الثانية: التلازم؛ حيث إن الأب لو قتل ابنته: فإنه لا يُقتل بها، ولو سرق من مالها: فلا تقطع يده بخلاف غيره، ثانيًا: إن لم يوجد أبوها، فيزوجها وصيه؛ للمصلحة: حيث إن العادة قد جرت أن الأب لا أحدًا في تزويج بناته إلّا إذا كان مساويًا له في الشفقة والخبرة أو أحسن منه فيقوم مقامه في ذلك، ثالثًا: إن لم يوجد أبوها، =

стр. 2318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ولا وصيه فيزوجها جدُّها لأبيها وإن علت درجته؛ للقياس؛ بيانه كما أن الأب يتولى عقد نكاح ابنته فكذلك جدُّها من أبيها وإن علا، والجامع: الولادة، والتعصيب، وأنهما لا يقتلان إذا قتلاها ولا تقطع يدهما إذا سرقاها بخلاف ابنها وأخيها: فإنهما يقتلان إذا قتلاها، وتُقطع يدهما إذا سرقاها، رابعًا: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها ابنها ثم أبناؤه وإن نزلوا الأقرب فالأقرب؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن عمر بن أبي سلمة زوَّج أمَّه: أم سلمة على النبي ﷺ فأقره على ذلك، وابن الابن وإن نزل كالابن في ذلك؛ نظرًا لكونهما كذلك في الميراث، فإن قلتَ: إن عمر كان صغيرًا فلا يصلح لتولي ذلك؟ قلت: نعم لا يصلح لو لم يكن معه رسول الله فإن كان معه رسول الله ﷺ : فإنه يصلح ولي في النكاح وإن كان صغيرًا، وهو أعدل العادلين، وخيرة خلق الله تعالى، فالعلة التي من أجلها منع الصغير من تولّي النكاح غير موجودة في تلك القصة، فلذا صح، خامسًا: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها أخوها الشقيق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه أقرب العصبات إليها: أن يُقدم على غيره. سادسًا: إن لم يوجد من سبقوا: فيزوجها أخوها لأب؛ للتلازم وقد سبق سابعًا: إن لم يوجد من سبقوا: فيزوجها ابن أخيها الشقيق وإن نزل؛ للتلازم؛ - وقد سبق - ثامنًا: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها ابن أخيها لأب وإن نزل؛ للتلازم - وقد سبق - تاسعًا: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها عمها الشقيق؛ قياسًا على الأخ الشقيق، عاشرًا: إن لم يوجد من سبقوا: فيزوجها عمها لأب؛ قياسًا على الأخ لأب، حادي عشر: إن لم يوجد من سبقوا: فيزوجها ابن عمها الشقيق وإن نزل؛ قياسًا على ابن أخيها الشقيق، ثاني عشر: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها ابن عمها لأب وإن نزل؛ قياسًا على ابن أخيها لأب، كالميراث فيما سبق كله ثالث عشر: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها أقرب عصبة كالإرث فيكون أحق العصبات بعد الأخوة =

стр. 2319

ولا خال ونحوه من ذوي الأرحام (٤٨) (فإن عضل) الولي (الأقرب): بأن منعها كفؤًا = بالميراث أحقهم بالولاية؛ للمصلحة: حيث إن الولاية في النكاح مبنية على الشفقة، والخبرة وشدَّة النظر في الأزواج، وهذا تعتبر فيه القرابة، رابع عشر: إن لم يوجد من سبقوا: فيزوجها وليها الذي أنعم عليها بالعتق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه يرثها، ويعقل عنها: أن يتولى نكاحها خامس عشر: إن لم يوجد من سبقوا: فيزوجها أقرب عصبة وليها قياسًا على الوراثة - كما سبق في كتاب الفرائض - سادس عشر: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها السلطان - وهو الإمام أو نائبه وهو القاضي -؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له" ويشمل ذلك التزويج، سابع عشر: إن لم يوجد من سبقوا فيزوجها ذو سلطان في بلدتها، أو مكانها: مثل كبير القرية أو ولي قرية أو أمير قافلة، وهو أصلح شخص يوجد في القرية، أو القافلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تزويج الأيامى فرض كفاية: أن يقوم به من يقدر عليه ثامن عشر إذا لم يوجد من سبقوا: فيزوجها أيُّ رجل عدل ترضى به وكيلًا عنها في ذلك؛ للتلازم؛ - كما سبق في السابع عشر. تنبيه قوله: "وولي أمة سيدها ولو فاسقًا" قد سبق بيانه في الفرع الثاني التابع لمسألة (٤٦) -. (٤٨) مسألة: كل من أدلى بالأم إلى البنت فلا يصح له أن يزوجها بأي حال: كالجد لأم، وإن نزل، والأخ لأم وأبنائه، والخال وأبنائه، والعم لأم وأبنائه؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "إذا بلغ النساء فالعصبة أولى" فيدل بمفهوم الصفة أن غير العصبة لا دخل لهم في الولاية والتزويج، الثانية: المصلحة؛ حيث إن العصبة وهي القبيلة تحرص أشد الحرص على تزويج بناتهم، ومولياتهم الأكفاء أصحاب الأنساب ويفتخرون بهم إذا قيل: إن هؤلاء أخوال أولاد فلان الفلاني، أما الأقرباء من الأم فليسوا من القبيلة، وقد لا يهمهم شيء من =

стр. 2320

رضيته ورغب بما صح مهرًا، ويفسق به إن تكرر (أو لم يكن) الأقرب (أهلًا)؛ لكونه طفلًا، أو كافرًا، أو فاسقًا، أو عبدًا (أو غاب) الأقرب (غيبة منقطعة، لا تقطع إلا بكلفة ومشقة) فوق مسافة قصر، أو جهل مكانه: (زوج) الحرة الولي (الأبعد) لأن الأقرب هنا كالمعدوم (٤٩) (وإن زوَّج الأبعد أو) زوَّج (أجنبي) ولو حاكمًا (من غير = نسب الخاطب؛ لأن تلك الابنة لا تنسب إليهم أصلًا. (٤٩) مسألة: يزوج الأبعد من الأقرباء المرأة مع وجود الأقرب لها في حالات ثلاث: الحالة الأولى: أن يعضل ويمنع الأقرب تزويج ابنته أو موليته بالكفء الذي رغبت فيه ورغب فيها، فهنا يزوجها من يليه من الأولياء كأن يمنع الأب تزويجها من شخص صالح لها: فإن جدَّها لأبيها إن كان موجودًا يزوجها، أو ابنها؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن الأب لو جُنَّ: فإن جدَّها لأبيها يزوجها فكذلك لو منع الأب تزويجها من الكفء: فيزوجها الجد والجامع وجود العذر من جهة الأقرب فانتقل إلى الأبعد. ثانيهما: أن الأب لو كان يشرب الخمر: فإن الجد لأبيها هو الذي يزوجها، فكذلك لو منعها من الكفء يزوجها جدها لأبيها، أو ابنها والجامع الفسق في كل؛ لأن الأب يفسق بالمنع والعضل والمقصد: مصلحة المرأة الحالة الثانية: إذا كان الولي الأقرب لا تتوفر فيه صفات الولي السبع - المذكورة في مسألة (٤٦) - كأن يكون الأقرب صغيرًا، أو مجنونًا، أو كافرًا، أو فاسقًا، أو سفيهًا، أو عبدًا فإن ولاية النكاح تنتقل إلى من يليه فمثلًا: لو كان الأب فاسقًا أو سفيهًا: فإن الولاية تنتقل إلى جدها لأبيها إن وجد، وإلا إلى ابنها وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود هؤلاء: انتقال الولاية إلى من توفرت فيه الصفات السبعة؛ لأن وجود هؤلاء كعدمهم والمقصد: مصلحة المرأة. الحالة الثالثة: إذا غاب الأقرب في بلد بينه وبين المكان الذي وجدت فيه الابنة أو المولية مسافة قصر - وهي (٨٢ كم) -، أو جُهل مكانه، وخيف الضرر فيما لو أخّر النكاح: فإن ولاية النكاح تنتقل إلى من يليه، فمثلًا: =

стр. 2321

عذر) للأقرب: (لم يصح) النكاح؛ لعدم الولاية من العاقد عليها مع وجود مستحقها (٥٠)، فلو كان الأقرب لا يعلم أنه عصبة، أو أنه صار، أو عاد أهلًا بعد مناف: صح النكاح استصحابًا للأصل (٥١)، ووكيل كل ولي يقوم مقامه غائبًا، أو = لو كان الأب مسافرًا تلك المسافة، وخطب ابنته من رضيت به ورضي بها: فإن جدها لأبيها هو الذي يزوجها؛ للمصلحة؛ حيث إن وجود مشقة وكلفة في إتيان الأب، وخوف فوات ذلك الكفء: يجعل الولاية تنتقل إلى من يليه جلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة عنها. (٥٠) مسألة: إذا زوَّج الأبعد المرأة من غير وجود عذر للذي أقرب منه إليها أو زوَّج الأجنبي كالقاضي مثلًا مع وجود قريبها ولو كان بعيدًا: فإن الزواج والنكاح في الصورتين لا يصح ولو أجازه الولي الأقرب؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أعطي الأبعد من الميراث مع وجود الأقرب منه للميت: فلا يصح، ويؤخذ منه، ويُعطى الأقرب، فمثلًا: لو أخذ ابن الابن الميراث مع وجود الابن: فلا يصح، ويؤخذ ويُعطى الابن فكذلك الحال في التزويج والجامع: عدم استحقاق الأبعد مع وجود الأقرب، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه الحث على أن يتولى تزويج المرأة أقرباؤها؛ لأنهم أحرص الناس على جلب المصلحة لها، ودفع المفسدة عنها. (٥١) مسألة: إذا زوَّج الأبعد أو القاضي المرأة مع وجود الأقرب: فإنه يصح في حالتين: الحالة الأولى: إذا كان ذلك الأقرب عند تزويج الأبعد أو القاضي لا يعلم أنه عصبة، ثم عرف الأقرب ذلك بعد العقد: فإنه يصح النكاح والزواج ولا يحتاج إلى إعادة، الحالة الثانية: إذا صار الأقرب أهلًا لتولِّي النكاح، كأن يصلح بعد فسق وذلك بعد تزويج الأبعد لها: فإن النكاح يصح، ولا يحتاج إلى إعادة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأبعد حين ما تولَّى تزويج تلك المرأة كان مستحقًا لذلك، وفعل ما له فعله شرعًا، فيكون هو الأصل، فنستصحب ذلك، ونعمل به ولا =

стр. 2322

حاضرًا بشرط: إذنها للوكيل بعد توكيله إن لم تكن مجبرة، ويُشترط في وكيل ولي ما يُشترط فيه (٥٢)، ويقول الولي، أو وكيله لوكيل الزوج: "زوجت موكلك فلانًا فلانة" ويقول وكيل الزوج: "قبلته لفلان، أو لموكلي فلان (٥٣)، وإن استوى وليان فأكثر: = يُلتفت إلى ما صار من أمر الولي الأقرب؛ لكونه حدث بعد أن تم الأمر الشرعي. (٥٢) مسألة: إذا وكَّل ولي وكيلًا عنه في عقد نكاح موليته: فإن ذلك الوكيل يقوم مقام الولي سواء كان الولي حاضرًا أو غائبًا بشرطين: أولهما: أن تأذن هي للوكيل بعد توكيله من قبل الولي إن لم تكن مجبرة - كالكبيرة والثيب - أما المجبرة - كالصغيرة التي دون تسع سنوات - فلا يُشترط إذنها، ثانيهما: أن تتوفّر في وكيل الولي تلك الصفات السبع - التي ذكرت في مسألة (٤٦) - كما اشترطت في الولي نفسه؛ لقاعدتين الأولى: القياس؛ وهو من: وجهين: أولهما: كما يجوز توكيل الزوج - كما وكَّل ﷺ أبا رافع في تزويج ميمونة، وكما وكَّل عمرو بن أمية في تزويجه أم حبيبة، فكذلك يجوز أن يوكل الولي غيره بعقد نكاح موليته، والجامع: أن كلًّا منهما فيه عقد نكاح، فجاز لكل واحد منهما، ثانيهما: كما أن البائع يوكل من يبيع له فكذلك الولي يوكل في عقد النكاح، والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة الثانية التلازم؛ حيث إن الوكالة ولاية فيلزم أن تشترط تلك الصفات السبع في الوكيل. (٥٣) مسألة: صفة الإيجاب والقبول إذا كان الولي والزوج قد وكَّلا غيرهما في ذلك: أن يقول الولي أو وكيله لوكيل الزوج: "زوَّجتُ موكلك زيدًا فاطمة بنت فلان" ويقول وكيل الزوج: "قبلت هذا الزواج لزيد، أو لموكلي زيد"؛ للتلازم؛ حيث إن من شروط النكاح الإشهاد عليه كما سيأتي فيلزم أن يسمع الشهود كل ما يقال ويُصرَّح به من ولي، أو وكيله، أو زوج، أو وكيله.

стр. 2323

سُنَّ تقديم أفضل، فأسن، وإن تشاحوا أُقرع (٥٤) ويتعيَّن من أذنت له منهم (٥٥)، ومن زوج ابنه ببنت أخيه ونحوه صح أن يتولَّى طرفي العقد ويكفي: "زوجتُ فلانًا فلانة"، وكذا: ولي عاقلة تحل له إذا تزوجها بإذنها: كفى قوله: "تزوجتها" (٥٦). (٥٤) مسألة: إذا وجد وليان - فأكثر - في مرتبة واحدة كأن يوجد أخوان شقيقان لها: فإن الذي يتولَّى عقد نكاحها الأفضل منهما في العلم، والدِّين، فإن استويا في العلم والدين: فإنه يُقدَّم الأكبر سنًا، فإن تساويا في الكبر بأن كانا توأمين، وتشاحّا: كل واحد يريد أن يتولَّى عقد النكاح: فإنه يُقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة فهو الذي يتولى ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "كبِّر كبِّر" أي: يقدَّم الأكبر في الولايات الثانية: المصلحة؛ حيث إن تقديم الأفضل علمًا ودينًا فيه جلب منفعة للمرأة، ودفع مفسدة عنها، إذ قد يكتشف هذا الفاضل في الزوج شيئًا سيئًا لا يكتشفه غيره، والقرعة فيها عدم تفضيل أحدهما على الآخر عند التساوي والتنازع؛ لئلا يحمل أحدهما على الآخر ضغينة. (٥٥) مسألة: إذا تساوى وليان لها، فأذنت لأحدهما بأن يكون وليًا لها في ذلك: فإنه يتعيَّن فيزوجها دون غيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين صاحبة الشأن: أن يكون هو الولى لها؛ لعلمها بمصلحتها. [فرع]: إذا زوج وليان متساويان في الرتبة باعتبارها: فإنها تكون للعاقد السابق منهما، فإن جهل السابق منهما، أو عُلم ثم نُسي أو نحو ذلك: فإن القاضي يفسخها منهما معًا، ثم تُزوج من الأصلح منهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من سبق أحدهما: أن تكون زوجة له، ويلزم من جهل السابق، أو نسيانه: الفسخ من قبل القاضي؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الأخرى. (٥٦) مسألة: يتولى شخص واحد طرفي العقد - الإيجاب والقبول - معًا في حالات: أولها الشخص الذي يُزوِّج ابنه الصغير ببنت أخيه الصغيرة؛ وهو وليهما، ثانيها: =

стр. 2324

(فصل): الشرط (الرابع: الشهادة) لحديث جابر مرفوعًا: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل" رواه البرقاني، وروي معناه عن ابن عباس أيضًا، (فلا يصح) النكاح (إلا بشاهدين عدلين) ولو ظاهرًا؛ لأن الغرض إعلان النكاح (ذكرين، مكلَّفين، سميعين، ناطقين) (٥٧)، = إذا وُكِّل شخص عن البنت، والابن: فإنه يزوجهما معًا، ثالثها: إذا وُجد ولي لعاقلة تحلُّ له كابن عم لها، أو مولى، أو حاكم فإنه يتزوجها، ويكفي في الأولى والثانية أن يقول: "زوجت فلانًا بفلانة" من غير أن يقول: "وقبلت له نكاحها" ويكفي في الثالثة أن يقول: "تزوجتها" من غير قوله: "وقبلت ذلك" لقواعد: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو زوَّج أمته عبده الصغير لجاز ذلك فكذلك إذا كان وليًا عليهما معًا: يجوز ذلك والجامع أنه في كل منهما قد ملك الإيجاب والقبول، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم ابنة قارظ: أتجعلين أمرك إليّ قالت نعم قال: "قد تزوجتك" الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من تضمن إيجابه قبوله: جواز ذلك. (٥٧) مسألة في الرابع - من شروط صحة عقد النكاح - وهو: أن يشهد على عقد النكاح شاهدان: ذكران، بالغان عاقلان عادلان، مسلمان، سميعان، ناطقان؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر وابن عباس وعائشة، وعلي. الثانية: المصلحة؛ حيث إن عقد النكاح يتعلَّق به حق غير المتزوجين، وهو حق الولد، فحفظًا لحق ذلك الولد من أن يجحده أحد الزوجين فيضيع نسبه وجب اشتراط الشاهدين، ثم إن اشتراط توفر تلك الصفات السبع في كل واحد من الشاهدين فيه جلب مصلحة للزوجين، ودفع مفسدة عنهما؛ لأن المقصود إعلان وإشهار النكاح بين رجل وامرأة، ولا يُقبل في ذلك إلا قول العدل والفاسق لا يؤمن جانبه، والكافر مثله والنساء قد يأخذهن الخوف عند أداء الشهادة فيما لو احتيج إليهن وهن قليلات عقل ودين، فلا يؤمن جانبهن، =

стр. 2325

ولو أنهما ضريران (٥٨)، أو عدوا الزوجين (٥٩)، = والصغير، والمجنون لا يدركان المقصود من العقد؛ لذلك أُبعدا من الشهادات أصلًا، والأصم لا يسمع الكلام الذي يدور أثناء العقد، فلا يشهد على شيء، والأخرس لا يُمكنه أداء الشهادة على تمامها إذا احتيج إليه، فحفاظًا لحق الشهادة وحق الزوجين، وحق ذريتهما اشتُرطت تلك الصفات السبع في كل شاهد، فإن قلتُ: إنه لا يُشترط الشاهدان في النكاح، وهو رواية عن أحمد، وهو قول حكي عن مالك وبعض العلماء بشرط أن يُعلنا نكاحهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد تزوج صفية بنت حيي بلا شهود، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عدم اشتراط ذلك عن ابن عمر، والحسن بن علي، وابن الزبير. قلتُ: أما السنة الفعلية: فإن قد حصل، ولكنه من خصائصه، فلا يُلحق به غيره، أما قول الصحابي فيعارضه قول الصحابي الآخر، فيتساقطان، فتبقى المصلحة التي تقتضي اشتراط الشاهدين. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يقاس على النبي ﵇ في زواجه من صفية أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم. تنبيه: حديث جابر الذي ذكره المصنف لا يُحتج به؛ لأن في سنده مقال، لذلك استللت بغيره. (٥٨) مسألة: لا يُشترط في الشاهدين أن يكونا بصيرين، فلو كان الشاهدان ضريرين لا يريان الولي والزوج: فإن شهادتهما تصح بشرط: أن يعرفا صوت كل من الولي والزوج؛ للقياس؛ بيانه: كما تقبل شهادة الضريرين بالاستفاضة، وبما هو مشهور بين الناس، فكذلك تقبل في عقد النكاح والجامع: أن كلًّا منهما شهادة على قول، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ إذ في ذلك توسعة وتيسير على الناس، فإن قلت: لِمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك زيادة في الاستيثاق والاحتياط فيلزم. (٥٩) مسألة: لا يُشترط في الشاهدين: أن لا يكونا عدوَّين للزوجين، أو أحدهما، أو =

стр. 2326

ولا يبطله تواصٍ بكتمانه (٦٠)، ولا تُشترط الشهادة بخلوها من الموانع، أو إذنها، والاحتياط: الإشهاد (٦١)، فإن أنكرت الإذن: صُدِّقت قبله دخول، لا بعده (٦٢) = الولي، بل تصح شهادة العدوَّين لهم، أو لأحدهم إذا توفرت فيه تلك الصفات السبع - المذكورة في مسألة (٥٧) -؛ للمصلحة: حيث إن تلك شهادة تجر نفعًا للمشهود عليه، فلا يضره كونهما عدوَّين لأحدهم. (٦٠) مسألة: لا يُبطل النكاح: كون كل واحد من الزوجين يوصي الشاهدين أو الولي بأن يكتمون هذا النكاح؛ للتلازم؛ حيث إنه ثمَّ بأركانه وشروطه: فيلزم صحته. تنبيه: يشير بذلك إلى ما يُسمَّى في هذه الأيام بزواج المسيار أو نحو ذلك: فهو نكاح صحيح إذا تمّت الشروط والأركان. (٦١) مسألة: لا يُشترط أن يشهد الشاهدان على خلو المرأة من الموانع من النكاح بسبب أو نسب، أي لا يُشترط أن يقول الشاهدان: نشهد أنها ليست أخت الزوج من الرضاع، أو نشهد أنهما مسلمين أو نحو ذلك، ولا يُشترط أيضًا أن يشهدا على أنها أذنت لوليها في تزويجها، فإن شُكَّ في شيء من هذين الأمرين - أي: شك في عدم خلوها من المانع من تزويجها، أو شك في إذنها -: فإن الأولى: أن يتأكَّدا من ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل خلو أيِّ امرأة يُراد تزويجها من الموانع التي تمنعها من الزواج بهذا الشخص، والأصل أنها أذنت لوليها في تزويجها، وقد توجد من عندها بعض الموانع، أو أنها لم تأذن له ولكن هذا نادر، والنادر لا يُعمل به، بل يُعمل بالأصل حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المصلحة تقتضي الاحتياط إذا شُكَّ في هذين الأمرين، فإن قلت: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إنه لو اشتُرط ذلك: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة؛ لصعوبة التأكد من كل شيء. (٦٢) مسألة: إذا تولى الولي عقد النكاح، وادَّعى الولي: أن موليته قد أذنت له بذلك، ولكن تلك المولية أنكرت ذلك الإذن، وقالت: "لم آذن له": فإنها تصدَّق في قولها =

стр. 2327

(وليست الكفاءة وهي) لغة: المساواة وهنا (دين) أي: أداء الفرائض، واجتناب النواهي (ومنصب، وهو النسب والحرية) وصناعة غير رزية، ويسار بحسب ما يجب لها (شرطًا في صحته) أي صحة النكاح؛ لأمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد فنكحها بأمره" متفق عليه بل شرط للزوم (فلو زوج الأب عفيفة بفاجر، أو عربية بعجمي) أو حرة بعبد (فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء) حتى من حدث (الفسخ) فيفسخ أخ مع رضى أب؛ لأن العار عليهم أجمعين، وخيار الفسخ على التراخي، لا يسقط إلّا بإسقاط عصبة، أو بما يدل على رضاها من قول أو فعل (٦٣). = قبل دخول زوجها بها، أما بعد دخوله بها مطاوعة فلا تصدَّق؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الإذن، فيعمل به حتى يرد دليل يغير الحالة؛ الثانية: التلازم؛ حيث إنه يلزم من دخوله بها وهي مطاوعة: عدم تصديقها بأن لم تأذن؛ لأنها فعلت شيئًا يكذب ما ادعته، وهو: تمكينه منها طوعًا. (٦٣) مسألة: لا تُشترط في صحة عقد النكاح كفاءة الرجل للمرأة، وهي: أن يساوي الرجل المرأة في الدِّين والنسب، والحرية، والصناعة، واليسار - فلو تزوج فاسق عفيفة، أو تزوج أعجمي بعربية، أو تزوج عبد بحرة، أو تزوج حجام أو جزار ببنت رئيس قبيلة، أو تزوج فقير بغنية: لصح الزواج شرعًا في تلك الصور الخمس بشرط: أن يكون الزوجان متراضيين: ولا يملك أحد من الأولياء فسخ النكاح؛ إلا أنه من الأولى: أن لا تختار المرأة من يتسبَّب بذلِّ أبيها، أو أخوتها، أو قبيلتها وهو قول الجمهور؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ حيث لم يُفرق بين الناس في أيِّ شيء إلّا بالتقوى، الثانية: السنة القولية؛ حيث أمر ﷺ فاطمة بنت قيس القرشية أن تنكح أسامة بن زيد، وهو مولى. الثالثة: قول الصحابي وفعله؛ حيث قال ابن مسعود: "أنشدك الله أن لا تزوج إلا مسلمًا، وإن كان أحمر روميًا، أو أسود حبشيًا، وزوج أبو =

стр. 2328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حذيفة بن عتبة سالمًا - وهو مولى - ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو قول عمر، وابن مسعود، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من توفر جميع أركان النكاح وشروطه: صحة النكاح بلا اشتراط الكفاءة؛ نظرًا لكون ذلك من حق الزوجين فلم يعتبراها، فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير للناس، وفيه اختلاط أقصى المسلمين بأدناهم، وفيه النجابة والصحة، فإن قلت: ليست الكفاءة بشرط في صحة النكاح، ولكنه شرطًا للزوم، فيتوقف على رضى المرأة والأولياء، فإن لم ترضَ المرأة، أو أحد الأولياء، ولو ولد حديثًا -: فله الفسخ فلو زوج أب عربي ابنته على أعجمي: واعترض أخوها: فله الحق في فسخ ذلك الزواج، وهذا الفسخ ليس على الفور، فيصح ولو تأخر، ولا يسقط إلا إذا أسقطه جميع العصبة، أو تمكنه المرأة مع علمها بعدم التساوي بينهما، أو أي تصرُّف منها يدل على رضاها من قول أو فعل؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون العار بسبب زواج المرأة بشخص ليس بمنزلتها في الكفاءة - يعم جميع القبيلة: أن الواحد من أوليائها يستطيع الفسخ؛ لرفع ذلك العار عنهم، قلتُ: لا شك أن زواج المرأة بشخص ليس بمنزلتها في الكفاءة فيه ذل للأولياء، ولكنه يصح شرعًا، وهذا الذي نتكلَّم فيه هنا؛ نظرًا لتوفر أركان النكاح وشروطه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فإن قلتُ: إن الكفاءة شرط فلو تزوجت المرأة بشخص غير مساو لها بأحد تلك الأمور الخمسة - وهي: الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، واليسار -: لما صح النكاح، ولوجب التفريق بينهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تنكحوهن إلا الأكفاء" فنهى عن زواج المرأة بغير كفئها، وهذا النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "لأمنعنَّ تزويج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء" قلتُ: أما الحديث فلا يصلح للاحتجاج به؛ =

стр. 2329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لأنه ضعيف لا أصل له كما قال ابن عبد البر، أما قول الصحابي - وهو قول عمر - فيعارضه قوله الآخر؛ حيث ثبت عنه: عدم اشتراط الكفاءة، فإذا علمنا أيهما المتأخر، فينسخ المتأخرُ المتقدم، وعند الجهل بذلك: يتساقطان؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الاختلاف في حديث: "لا تنكحوهن إلا الأكفّاء" فعندنا: لا يصح، وعندهم: صح. [فرع]: لا تعتبر كفاءة المرأة في كفاءة الرجل، فللرجل أن يتزوج من هي أقل منه في الحسب والنسب بلا خلاف؛ للسنة الفعلية؛ حيث تزوج النبي ﷺ بصفية اليهودية، وتسرى بالإماء، فإن قلت: لِمَ اختلف في اعتبار الكفاءة في الرجل دون المرأة؟ قلتُ: لأن الولد يشرف بشرف نسب أبيه وصلاحه وعلمه، دون أمه، لذلك قلنا: إن الأولى: أن لا تختار المرأة من يتسبَّب بذل أبيها، أو إخوتها، أو قبيلتها. هذه آخر مسائل: "بيان تعريف النكاح، وحكمه، والنظر إلى المخطوبة والنساء، وبيان عقد النكاح، ووقته وأركانه، وشروطه" ويليه: باب: "المحرمات في النكاح".

стр. 2330

باب المحرمات في النكاح وهن ضربان: أحدهما: من تحرم إلى الأبد، وقد ذكره بقوله: (تحرم أبدًا: الأم، وكل جدة) من قبل الأم أو الأب (وإن علت)؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١) (والبنت وبنت الابن، وبنتاهما) أي: بنت البنت، وبنت بنت الابن (من حلال وحرام، وإن سفلت) وارثة كانت أو لا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٢) (وكل أخت) شقيقة كانت، أو لأب، أو لأم؛ لقوله تعالى: باب المحرمات في النكاح على التأبيد، وإلى أمد وفيه سبع وأربعون مسألة: (١) مسألة في الأولى - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: أمك التي ولدتك حقيقة، وجدتك: سواء كانت جدة من جهة الأم، أو من جهة الأب وإن علت، فيحرم عليك جدتي أبيك، وجدتي أمك، وجدات جداتك، وجدات أجدادك، وسواء كن وارثات أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حيث إن "أمهاتكم" جمع منكر أضيف إلى معرفة وهو من صيغ العموم، فيشمل كل أم ولدتك حقيقة، وهي الأم، أو ولدت من ولدتك وإن علت، وهي الجدة، الثانية: السنة القولية؛ حيث ورد عنه ﷺ أنه قال: "اللهم صل على أبينا آدم، وأمنا حواء" فسمى حواء أمًا. (٢) مسألة: في الثانية - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: بنتك، وهي: كل أنثى قد انتسبت إليك بولادتك، وبنت ابنك، وبنت بنتك، وإن نزلتا: سواء كانت تلك من حلال - أي حصل من زواج أو أمة له تسرَّى بها - أو من حرام - أي: حصل من زنا، أو وطأ بشبهة؛ وسواء كن وارثات؛ أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ حيث إن "بنات" جمع منكر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل كل بنت سواء كانت من =

стр. 2331

﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ (٣) (وبنتها): أي: بنت الأخت مطلقًا، وبنت ابنها (وبنت ابنتها) وإن نزلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (٤) (وبنات كل أخ، وبنتها، وبنت ابنه) أي: ابن الأخ (وبنتها) أي: بنت بنت ابن أخيه (وإن سفلت)؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ (٥) (وكل عمة (٦) وخالة وإن علتا) من جهة الأب، أو الأم؛ لقوله تعالى: = حلال أو حرام، أو بنات صلب، أو بنات غير صلب، أو وارثات أو غير وارثات، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من احتمال كونها خلقت من ماء هذا الزاني أو ذلك الواطئ بشبهة: تحريمها عليه. (٣) مسألة: في الثالثة: - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: أختك، سواء كانت أخت شقيقة، أو أخت لأب، أو أخت لأم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ حيث إن ذلك جمع منكر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل جميع الأخوات من الجهات الثلاث، وهي: كل أنثى شاركتك في مجموع أصليك، أو أحدهما. (٤) مسألة في الرابعة: - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد -: وهي: بنت أختك: سواء كانت بنت أخت شقيقة أو بنت أخت لأب، أو بنت أخت لأم، وكذا: بنت ابن الأخت وإن نزل وبنت بنت الأخت وإن نزلت، سواء كن وارثات أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ حيث إن هذا جمع منكر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل كل من ذكرنا. (٥) مسألة في الخامسة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: بنت أخيك: سواء كان أخ شقيق، أو لأب، أو لأم، وبنت بنت الأخ، وبنت ابن الأخ، وبنت بنت ابن الأخ، وإن نزلت للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ حيث إن ذلك جمع منكر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل كل من ذكرنا. (٦) مسألة: في السادسة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن إلى الأبد - وهي: عمتك: =

стр. 2332

﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (٧) (والملاعنة على الملاعن) ولو أكذب نفسه، فلا تحل له بنكاح ولا ملك يمين (٨) (ويحرم بالرضاع) ولو محرَّمًا (ما يحرم بالنسب) من الأقسام السابقة، لقوله ﵇: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" متفق عليه (٩) = سواء كانت أخت لأبيك شقيقة أو لأب أو لأم، وعمة أبيك، وعمة أمك، وعمة عمك لأبيك، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ حيث إن ذلك جمع منكر أضيف إلى معرفة وهو من صيغ العموم، فيشمل ما ذكرناه. (٧) مسألة في السابعة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: خالتك، سواء كانت أخت لأمك شقيقة، أو لاب أو لأم، وكذا: خالة أبيك، وخالة أمك؛ للكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ حيث إن ذلك جمع منكر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم فيشمل ما ذكرناه. (٨) مسألة في الثامنة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: الملاعنة، أي: أن الملاعنة تحرم على الملاعن علي التأبيد، أي: إذا غلب على ظن زوج أن زوجته قد حملت من الزنا، وأراد نفي هذا الحمل: فإنهما يتلاعنان - وسيأتي بيانه - وبعد هذه الملاعنة تحرم عليه إلى الأبد، فلا تحل له بنكاح، ولا بملك يمين: سواء كذَّب نفسه فيما اتهمها به أو لا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين" وفي رواية: "ثم لا يجتمعان أبدًا" وهذا عام، فيشمل: إذا كذَّب نفسه، أو لا، وسيأتي بيان ذلك في باب "اللعان" إن شاء الله. (٩) مسألة: في التاسعة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: المرأة التي أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتها وأرضعتك امرأة واحدة، أو رضعت هي وأنت من لبن رجل واحد كرجل له زوجتان: فهي رضعت من الزوجة الأولى، وأنت رضعت من الزوجة الأخرى لذلك الرجل، وهذا ينحصر في كونك أنت ابنها أو أخوها وهذا يُسمَّى بالمحرمات بالرضاع، ويحرم به ما =

стр. 2333

(إلا أم أخته) وأم أخيه من رضاع (و) إلا (أخت ابنه) من الرضاع فلا تحرم المرضعة، ولا بنتها على أبي المرتضع، وأخيه من نسب، ولا أم المرتضع وأخته من نسب على أبي المرتضع، وابنه الذي هو أخو المرتضع؛ لأنهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة، لا بالنسب (١٠) (ويحرم) بالمصاهرة (بالعقد) وإن لم يحصل دخول، ولا خلوة (زوجة أبيه) = يحرم من النسب سواء بسواء، فكل امرأة حرمت بالنسب - من السبع المذكورات في مسائل (١ إلى ٧): فإنه يحرم مثلها بالرضاع، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ، وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ حيث دلّ منطوق ذلك على تحريم الأمهات اللاتي أرضعنك، وأخواتك من الرضاعة، وما بقي من المحرمات بالرضاعة يُقاس على الأمهات والأخوات؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" حيث بيّن الشارع أن كل امرأة حرمت من النسب: حرم مثلها من الرضاع: فالمرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على المرتضع لكونه ابنها فيكون كل ما يحرم على الابن من قبل أم النسب يحرم عليه الزواج بها كالعمة، والخالة، والبنت، وبنت الأخ، وبنت الأخت. (١٠) مسألة: التحريم بسبب الرضاع خاص بمن ارتضع فقط، وبمن ارتُضع من لبنها، أو لبنه فمثلًا: لو أن زيدًا بن محمد قد ارتضع من فاطمة زوجة بكر: فلا يجوز لزيد أن يتزوج بجميع قريبات فاطمة من النسب؛ لكون فاطمة هنا صارت: أمه من الرضاعة، فأخوات فاطمة: هن خالات لزيد من الرضاعة وبنات فاطمة -: هن أخوات زيد، وكذلك لا يتزوج من جميع قريبات بكر - وهو: زوج فاطمة؛ لأنه أب لزيد من الرضاعة، وأخوات بكر: من عمات لزيد، وهكذا، أما محمد - وهو أبو زيد - فيجوز له أن يتزوج من فاطمة - وهي: المرضعة - ويجوز له أن يتزوج من بنت فاطمة - وهي أخت ابنه زيد من الرضاعة - ويجوز أن يتزوج أخو بكر من النسب فاطمة تلك وبنتها ويجوز لأخي زيد من =

стр. 2334

ولو من رضاع (و) زوجة (كل جد) وإن علا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١١) (و) تحرم أيضًا بالعقد (زوجة ابنه وإن نزل) ولو من رضاع؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (١٢) (دون بناتهن) أي: بنات حلائل آبائه، وأبنائه (و) دون (أمهاتهن) فتحلُّ له ربية والده، وولده، وأم زوجة والده، وولده؛ لقوله = النسب أن يتزوج من فاطمة، وبنتها ويجوز لبكر أن يتزوج من أم زيد، وأخواته من النسب؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون الإرضاع حصل لزيد فقط أن تكون مختصة به، وبمن رضع منها. (١١) مسألة في العاشرة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: زوجة أبيك، ولو كان هذا الأب هو أبوك من الرضاع، وكذلك من وطئها أبوك وطء شبهة، أو بملك يمين: سواء كان هذا الأب وارثًا أو لا، وكذلك: زوجة جدك: سواء كان جدك لأمك، أو جدك لأبيك، وإن علا، وهذه الحرمة تكون بمجرَّد العقد وإن لم يحصل دخول - وهو الوطء - أو خلوة؛ لقاعدتين: للكتاب حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ حيث إن "آباؤكم" جمع منكر، أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل زوجة أبيك، وزوجة جدك من نسب أو رضاع، والنهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، فإن قلت: لِمَ حرّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احترامًا وإكرامًا للآباء والأجداد أن يطأ زوجاتهم أبناؤهم من بعدهم. (١٢) مسألة في الحادية عشرة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: زوجة ابنك، وزوجة ابن ابنك وإن نزل، وزوجة ابن بنتك، وإن نزل: سواء كان هذا الابن، والإبنة من النسب أو الرضاع، وسواء كن وارثات، أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ فلفظ: "أبنائكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل من ذكرنا جميعًا، وهذا من باب تكريم الابن أن لا تحل زوجته بعد تطليقها أو موته لأبيه.

стр. 2335

تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١٣) (وتحرم) أيضًا (أم زوجته وجداتها) ولو من رضاع (بالعقد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (١٤) (و) وتحرم أيضًا الربائب، وهنَّ (بنتها) أي: بنت الزوجة (وبنات أولادها) الذكور والإناث، وإن نزلن، من نسب أو رضاع (بالدخول)؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١٥) (فإن بانت الزوجة) قبل الدخول، ولو بعد الخلوة (أو ماتت بعد (١٣) مسألة بنات زوجة أبيك من غيره يحل لك الزواج بهن، وبنات زوجة ابنك من غيره يحل لك الزواج بهن، وأم زوجة أبيك وجدتها يحل لك الزواج بهما، وأم زوجة ابنك وجدتها يحل لك الزواج بهما؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فبيَّن تحليل ما عدا المحارم المذكورة في تلك الآيات وهذا عام؛ لأن "ما" موصولة، وهي من صيغ العموم، فيشمل جميع ما عدا ما ذكر، ومنها تلك النساء الست، الثانية: التلازم؛ حيث إن تلك الست نساء - وهنَّ بنت زوجة ابنك وبنت زوجة أبيك، وأم زوجة ابنك وجدتها، وأم زوجة أبيك وجدتها - ليس بينهن وبين من سيتزوج بهن صلة لا من قريب ولا من بعيد، فيلزم جواز الزواج بهن، وهذا من باب التوسعة على المسلمين. (١٤) مسألة في الثانية عشرة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: أم زوجتك، وجداتها، أي: إذا تزوجت امرأة فإنه يحرم عليك كل أم وجدة لها من نسب، أو رضاع، قريبة أو بعيدة، وارثة أو لا، وذلك بمجرَّد العقد على بنتها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فبين أن المعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها وجدتها في عموم الآية؛ لأن "أمهات" جمع منكر مضاف إلى نكرة مضافة إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل من ذكرنا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وجابر، أن ذلك يحرم بمجرد العقد على بنتها وليس بالدخول - وهو الوطء -. (١٥) مسألة: في الثالثة عشرة - من النساء اللاتي يحرم الزواج بهن على التأبيد - وهي: =

стр. 2336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بنت زوجتك من غيرك، غيرك، وهي المسماة بـ "الربيبة"، وكذا: تحرم بنت ابن زوجتك من غيرك، وبنت بنت زوجتك وإن نزلن، سواء كن من نسب، أو رضاع، وسواء كن قريبات، أو بعيدات، وارثات أو لا في حجره تربين أو لا، ولا تحرم هذه النساء عليك إلا إذا وطأت وجامعت أمهن - وهو المراد بالدخول -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فحرَّم جميع بنات زوجتك من غيرك، وبنات أولادها؛ لأن "ربائبكم" جمع منكر أُضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم وشمل هذا جميع من ذكرنا. وخصص هذا التحريم بالدخول - وهو الوطء - دون العقد أو الخلوة فقط، فإن قلت: لِمَ حُرِّمت أم زوجتك بمجرَّد العقد على بنتها، ولا تحرم بنت زوجتك إلّا بالدخول على أمها ووطئها. قلتُ: لأن أم البنت أقل غيرة مما لو ذهب الزوج إلى بنتها وتزوج بها بعد عقده على أمها، وهذا من محبة الأم لبنتها، وإرادتها لها الخير، بخلاف البنت، فإن قلت: إن قيد الشرط الوارد في الآية - وهو قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ يفهم منه بمفهوم الشرط: أن بنت الزوجة التي لم تتربَّ في حجر زوجها: تحلّ له ولو وطأت وجامعت الأم؟ قلتُ: إن تربية بنت زوجتك في حجرك لا تأثير لها في التحريم وقيد الشارع الآية بالحجر؛ لأن الغالب أن تكون بنت زوجتك في حجرك، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ حيث إن هذا الشرط ورد في الخلع، فلا يفهم بمفهوم الشرط أنه عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، بل يجوز؛ لأنه أخرج ذلك مخرج الغالب، فلذلك ذكرنا من شروط مفهوم المخالفة الاثني عشر: أن لا يكون القيد خرج مخرج الغالب المعتاد - وقد فصَّلتُ ذلك في المهذَّب (٤/ ١٨٠٣) - وبسبب عدم ملاحظة ملاحظة بعضهم ذلك غلط في فهم بعض مقاصد الشريعة وأحكامها.

стр. 2337

الخلوة: أُبحن) أي: الربائب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٦)، ومن وطئ امرأة بشبهة (١٧)، أو زنا: حُرِّم عليه أمها، وبنتها، وحُرِّمت على أبيه، وابنه (١٨). (١٦) مسألة: إذا عقد رجل على امرأة وتزوجها، ثم طلَّقها طلاقًا بائنًا، أو ماتت قبل أن يدخل بها - وهو الجماع والوطء -: فإنه يحل له أن يتزوج ببنتها: سواء وقعت خلوة بينه وبين أمها أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ حيث بيَّن أن الرجل إذا لم يجامع زوجته - وهو الدخول - ثم فارقته: فإنه لا جناح بأن يتزوج ابنتها، ودل مفهوم الشرط على أنه إذا دخل بزوجته، ثم فارقته: فلا تحل له ابنتها - وقد سبق -. (١٧) مسألة: إذا وطئ زيد فاطمة وجامعها بسبب شبهة - وهو الوطء في نكاح فاسد: لم يستكمل شروط صحته، أو شراء لأمة فاسد، أو وطئ فاطمة ظنها زوجته، أو ظنها أمته، أو وطيء الأمة فاطمة - وله فيها شراكة: فإنه يحرم على زيد أن يتزوج بأم فاطمة وجدانها، وبناتها، ويحرم على فاطمة أن تتزوج بأبي زيد وأجداده، وأبنائه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوطء المباح ينشر الحرمة في ذلك، فكذلك الوطء بشبهة ينشر الحرمة، والجامع: أن كلًّا منهما وطء يلحق به النسب، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على تأكد الرجل ممن يطأ. (١٨) مسألة: إذا زنا زيد بفاطمة: فإنه يحرم على زيد أن يتزوج بأم فاطمة، وجداتها، وبناتها، ويحرم على فاطمة أن تتزوج بأبي زيد وأجداده، وأبنائه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وهو عام لما ذكرناه؛ والمقصد منه: منع المعاصي، واختلاط الأنساب؛ [فرع]: يحرم على الرجل التزوج بابنته من الزنا، وأخته، وبنت ابنه، وبنت =

стр. 2338

(فصل): في الضرب الثاني من المحرمات (وتحرم إلى أمد أخت معتدته، وأخت زوجته، وبنتاهما) أي: بنت أخت معتدته، وبنت أخت زوجته (وعمتاهما، وخالتاهما) وإن علتا من نسب أو رضاع، وكذا بنت أختيهما، وكذا: أخت مستبرأته، وبنت أخيها، أو أختها، أو عمّتها، أو خالتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وقوله ﵇: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين = أخيه، وأخته من الزنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوطء المباح ينشر الحرمة في ذلك، فكذلك الوطء الحرام ينشر الحرمة، والجامع: أن تلك المرأة مخلوقة من مائه، أو ماء ابنه، أو ماء أخيه، أو ماء أخته. [فرع ثان]: إذا أفسد رجل امرأة على زوجها، فإنه يعزَّر تعزيرًا شديدًا، ولو تزوجها بعدما أفسدها على زوجها الأول: فإن هذا النكاح باطل، يجب أن يفرَّق بينهما؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منع الناس من أن يفسدوا النساء على أزواجهن، معاملة له بنقيض قصده فلو تسامح الشارع بذلك لما بقيت امرأة في بيت زوجها إلا ما ندر. قياسًا على الوارث إذا قتل مورَّثه: فإنه يحرم من الميراث، حيث قال ﷺ : "القاتل لا يرث" فلو تسامح الشارع بذلك لقتل أكثر الناس مورثيهم. [فرع ثالث]: إذا قتل رجل رجلًا آخر ليتزوج امرأته: فإنها لا تحل للقاتل؛ للمصلحة: وقد بيناها في الفرع الثاني، فإن قلت: لِمَ شُرعت تلك الأحكام في تلك الفروع الثلاثة؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيّنا بعضها فيما سبق، وأيضًا: الحث على إيجاد مجتمع إسلامي خال من التحاسد والحقد، والبغضاء والفساد، وأخذ الإنسان حق أخيه بالباطل، والخلاصة: أن من آذى غيره في أي أذية - صغيرة أو كبيرة - فسيسلِّط الله عليه من يؤذيه بشيء أشدّ مما آذى هو غيره به، مع الأمراض والأوجاع التي لا علاج لها، وهذا شيء ثابت شرعًا وعقلًا، وعادة، لكن المسألة مسألة وقت فقط.

стр. 2339

المرأة وخالتها" متفق عليه عن أبي هريرة (١٩) (١٩) مسألة: النساء اللاتي يحرم الزواج بهن إلى أمد: بسبب الجمع، فإذا زال ذلك السبب حلَّ وجاز الزواج بهن، هي: ١ - أخت زوجتك. ٢ - أخت معتدتك - أي: إذا طلَّقت امرأة طلاقًا بائنًا رجعيًا، أو فارقتها بسبب خلع، أو فسخ على عوض، أو نحو ذلك: فلا يجوز أن تتزوج بأخت من فارقتها بطلاق أو غيره ما دامت من فارقتها في العدة. ٣ - بنت أخت زوجتك. ٤ - بنت أخت معتدتك. ٥ - عمة زوجتك وإن علت. ٦ - خالة زوجتك وإن علت. ٧ - عمة عمة زوجتك. ٨ - خالة خالة زوجتك. ٩ - بنت أخ زوجتك. ١٠ - بنت أخ معتدتك. ١١ - أخت مستبرأتك - كأن تطأ أمة فيجب على الموطوءة أن يستبرأ رحمها - فإذا كانت تلك المستبرأة في مدة الاستبراء فيحرم الزواج بأختها. ١٢ - بنت أخت مستبرأتك. ١٣ - بنت أخ مستبرأتك. ١٤ - عمة مستبرأتك. ١٥ - خالة مستبرأتك. تلك هي النساء الخمسة عشر محرمات بسبب الجمع بين امرأتين لا يحل الجمع، فإذا انتهت علاقته بالأولى حلَّت له الثانية وهكذا، وهذا مطلق، أي سواء كانت الأختان، أو الخالة، أو العمة، أو ما ذكر من نسب، أو رضاع، وسواء كن شقيقات، أو لأب، أو لأم، وسواء كن حرائر أو إماء، أو حرة وأمة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وهذا عام في تحريم الجمع بين الأختين داخل عقد الزواج، أو معتدة وأختها، لكون المعتدَّة في حكم الزوجة، وهو عام في تحريم الجمع بين الأختين الحرتين، أو الأمتين أو واحدة حرة، والأخرى أمة، وهو عام للأخوات الشقيقات، ولأب، ولأم، وهو عام للأخوات من نسب أو رضاع؛ لأن لفظ "الأختين" مثنى محلى بأل، وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"؛ حيث حرّم الجمع بين تلك النسوة؛ فإن وجد: فالنكاح فاسد؛ لأن =

стр. 2340

ولا يحرم الجمع بين أخت شخص من أبيه، وأخته من أمه (٢٠)، ولا بين مبانة = النهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد وهو عام لما ذكرناه من العمات والخالات؛ لأن "عمتها" و "خالتها" اسم مفرد منكر مضاف إلى معرفة، وهو الضمير، وهو من صيغ العموم، ولا فرق بين العمة حقيقة أو مجازًا: كعمات آبائها، وخالاتهم، وعمّات أمهاتها، وخالاتهن بنسب أو رضاع؛ لعموم اللفظ السابق، ولا فرق بين كونهما حرتين، أو أمتين، أو إحداهما حرة والأخرى أمة، ثانيهما: قوله ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين" وهذا يدل على تحريم الجمع بين مستبرأته وأختها، أو بنت أخيها، أو بنت أختها، أو عمتها، أو خالتها، فإن قلت: لمَ حرم ذلك الجمع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الجمع بين من ذكرنا يفضي ويؤدي إلى قطع الرحم القريب؛ لما يوجد في الطباع من الغيرة بين الضرائر؛ لما فيه من التنافس، فإن قلت: إنه يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وهو قول بعض الروافض، والخوارج؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ حيث إن الشارع لما ذكر المحرمات ختمها بتلك الآية، فيعم ذلك المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها قلتُ: الآية عامة، ولكن خُصِّصت بالسنة القولية - وهي قوله: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها .. ". [فرع]: يحرم الجمع بين امرأتين: واحدة خالة الأخرى، ويحرم الجمع بين امرأتين: كل واحدة عمة الأخرى، ويحرم الجمع بين امرأتين: إحداهما عمة الأخرى، والثانية خالة الأخرى، ويحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصح له أن يتزوجها؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يؤدي إلى تقاطع ذوي الرحم القريب، فدفعًا لذلك حرّم. (٢٠) مسألة: إذا كان لزيد أخت لأب، وله أخت لأم: فيجوز لعمرو أن يتزوج أخت زيد من أبيه، ويتزوج أخته من أمه، ويجمع بينهما ولو في عقد واحد، للتلازم؛ =

стр. 2341

شخص، وبنته من غيرها، ولو في عقد (٢١) (فإن طُلِّقت) المرأة (وفرغت العدة: أبجن) أي: أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو نحوهن؛ لعدم المانع (٢٢)، ومن وطئ أخت زوجته بشبهة أو زنا: حرمت عليه زوجته حتى تنقضي عدة الموطوءة (٢٣) (فإن = حيث يلزم من كون كل واحدة من الأختين أجنبية من الأخرى: صحة الجمع بينهما، والمقصد: عدم أثر التقاطع إن وجد. (٢١) مسألة: إذا طلَّق زيد امرأته طلاقًا بائنًا، ولزيد هذا بنت من غير تلك المطَّلقة: فيجوز لعمرو أن يتزوج تلك المرأة المبانة، ويتزوج بنت زيد، ويجمع بينهما، ولو كان ذلك في عقد واحد، وهذه الصورة قد استثنيت من قاعدة: "تحريم كل امرأتين كانت إحداهما رجلًا لم يصح له أن يتزوجها" حيث إن بنت زيد لو كانت رجلًا لما جاز له أن يتزوج امرأة زيد؛ لأنها تكون امرأة أبيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون إحداهما بعيدة عن الأخرى: جواز الجمع بينهما والمقصد: عدم وجود التقاطع، أو وجوده ولكن لا يضر كثيرًا. (٢٢) مسألة: إذا طلَّقت امرأتك، وانتهت العدة: فإنه يُباح التزوج بأختها، أو عمتها، أو خالتها ونحو ما ذكرناه في مسألة (١٩)؛ للتلازم؛ حيث إن المانع من النكاح والزواج قد زال بسبب طلاقه لتلك المرأة وفراغها من العدة فيلزم منه إباحة أختها، وعمتها، وخالتها. (٢٣) مسألة: إذا وطأت وجامعت أخت زوجتك أو عمتها أو خالتها بشبهة كأن تحسبها زوجتك فبانت غيرها، أو زنيت بأخت زوجتك، أو عمتها، أو خالتها: فإن زوجتك تحريم عليك مدَّة عدة الموطوءة بشبهة أو زنا - وهي أخت زوجتك، أو عمتها، أو خالتها -، فإذا انقضت عدتها: يصح لك أن تطأ زوجتك، للقياس؛ بيانه: كما أنك لو أردت العقد على أختها، أو عمتها، أو خالتها في الحال لم يجز لك ذلك حتى تنقضي عدَّة الموطوءة، فكذلك الوطء والجماع مثله، والجامع: عدم جمع ماء واحد في رحم أختين، والمقصد منه: أن لا يجمع ماء في =

стр. 2342

تزوجهما) أي: تزوج الأختين ونحوهما (في عقد) واحد: لم يصح (أو) تزوجهما في (عقدين معًا: بطلا)؛ لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما، ولا مزية لإحداهما على الأخرى، وكذا: لو تزوج خمسًا في عقد أو عقود معًا (٢٤) (فإن تأخر أحدهما) أي: أحد العقدين: بطل متأخر فقط؛ لأن الجمع حصل به (أو وقع) العقد الثاني (في عدة الأخرى، وهي بائن، أو رجعية: بطل) الثاني؛ لئلا يجتمع ماؤه في رحم أختين أو نحوهما (٢٥)، وإن جُهل أسبق العقدين: فسخا، ولإحداهما نصف مهرها = رحم أختين، أو امرأة وعمتها، أو امرأة وخالتها. (٢٤) مسألة: إذا جمع رجل بين أختين، أو بين امرأة وخالتها، أو بين امرأة وعمتها في عقد واحد، بأن قال وليهما: "زوجتكهما" فقال ذلك الرجل: "قبلت"، أو عقد عليهما معًا في عقدين منفصلين، ولكن في وقت واحد، أو تزوج خمسًا من النساء في عقد واحد، أو خمسة عقود ولكن في وقت واحد: فإن عقد النكاح والزواج في تلك الصور الثلاث باطل؛ للتلازم؛ حيث إنه يمتنع تصحيح العقد في واحدة منهما - أو من الخمس -؛ لكونه لا مزية لإحداهما - أو لإحدى الخمس - على الأخرى فيصح العقد عليها دون الأخرى - أو الأخريات - فيلزم بطلان العقد في الجميع، ثم إن أراد الزواج بإحداهما: فعليه أن يعقد عليها بعقد جديد، والمقصد منه: نبذ الاشتباه، والاختلاط، والحرص على الاستيثاق من كل شيء. (٢٥) مسألة: إذا عقد على أختين بعقدين، وكان أحد العقدين متأخرًا، أو وقع العقد الثاني على الثانية في حال وجود مانع من موانع النكاح - كأن تكون في عدة من خلع، أو طلاق بائن، أو تزوج خامسة في عدَّة رابعة قد طلقها، أو في عدة مطلَّقة منه طلاقًا رجعيًا -: فإن العقد على الأولى يصح، أما العقد المتأخر والثاني على الثانية فهو باطل في الصورتين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الجمع في عقد واحد، أو في عقدين في وقت واحد: صحة العقد على الأولى، ويلزم من حصول الجمع بالعقد المتأخر أو الثاني: بطلانه؛ لكونه بعقده على الأولى حرمت الثانية، =

стр. 2343

بقرعة (٢٦) ومن ملك أخت زوجته ونحوها: صح، ولا يطؤها حتى يفارق زوجته وتنقضي عدّتها (٢٧)، ومن ملك نحو أختين: صحَّ، وله وطء أيهما شاء، وتحرم به = والمقصد هو: أن لا يجمع ماءه في رحم أختين، أو امرأة وعمتها، أو رحم امرأة وخالتها. (٢٦) مسألة: إذا عقد على أختين، أو امرأة وعمتها، أو امرأة وخالتها بعقدين، وجُهل أيهما الأسبق، أي لم يُعلم أيهما التي عقد عليها أولًا: فإن الزوج يطلقهما معًا، فإن لم يفعل: فإنه يفسخهما القاضي: سواء دخل بهما، أو لم يدخل بهما، أو دخل بواحدة دون الأخرى، وإذا كان دافعًا مهرًا لهما: فإن نصفه يكون لإحداهما فقط بالقرعة، تأخذه من وقعت لها تلك القرعة؛ للتلازم؛ حيث إن إحداهما محرمة عليه، ونكاحها باطل، ولا تعرف تلك المحرمة فيلزم مفارقتهما معًا؛ لأنه لا يمكن ترك الحرام إلا بمفارقتهما، ويلزم من كون نكاح واحدة منهما صحيح، وقد فارقها قبل الدخول: أن يُدفع لها نصف المهر، ويلزم من عدم العلم بتلك الواحدة: أن تستعمل القرعة. [فرع]: إذا دخل بإحداهما، أو بهما معًا فللمدخول بها مهر المثل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الدخول والوطء والمجامعة: مهر المثل. (٢٧) مسألة: إذا كانت أخت زوجتك، أو عمة زوجتك، أو خالة زوجتك أمة، فاشتريتها: فإنه يصح الشراء، ويحرم عليك وطؤها ومجامعتها إلى أن تطلق زوجتك، وتنقضي عدَّة طلاقها، فإذا انقضت تلك العدة: يصح أن تطأ أختها، أو عمتها، أو خالتها كما توطأ الأمة؛ للتلازم؛ حيث إنك لو وطأت ما اشتريته من الأمة - وهي أخت زوجتك، أو عمتها أو خالتها - لجمعت ماءك في رحم أختين، أو في رحم امرأة وعمتها، أو في رحم امرأة وخالتها، وهذا حرام كما قال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين" فلذلك يلزم ما ذكرناه إن أراد مجامعة ما اشتراه، أما إن لم يرد مجامعتها: فلا =

стр. 2344

الأخرى حتى يُحرِّم الموطوءة بإخراج عن ملكه، أو تزويج بعد استبراء (٢٨)، وليس الحر أن يتزوج بأكثر من أربع (٢٩)، = يلزمه ذلك، ولذلك صحَّ عند العلماء شراء أخته من الرضاع. (٢٨) مسألة: إذا اشترى أختين أمتين، أو امرأة وعمتها وهما أمتان، أو امرأة وخالتها وهما أمتان: فإن ذلك يصح: سواء كان ذلك الشراء بعقد واحد، أو بعقدين، فإن شاء أن يطأ ويجامع إحداهما: فله ذلك، فإذا وطأ وجامع الأولى فإنه يحرم عليه أن يطأ الثانية بسبب وطء الأولى، فإن أراد وطء ومجامعة الثانية: فعليه أن يُحرِّم الموطوءة الأولى على نفسه بإخراجها عن ملكه بعتقها، أو ببيعها، أو هبتها، أو تزويجها بغيره - غير ابنه -، فإذا تمّت مدة استبراء رحمها: فإنه يطأ ويُجامع الثانية؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وهو عام؛ لأن "الأختين" مثنى معرف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل: وطء الأختين الحرتين والأمتين؛ الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" وذلك في الوطء، وهو عام في الحرائر والإماء ثانيهما: قوله ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين" فأوجب استبراء رحم الموطوءة الأولى؛ حتى لا يكون جامعًا ماءه في رحم أختين والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كالأختين في ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن علي، وابن عباس، وثبت عن علي وابن عمر: أنه إذا وطئ إحداهما فلا يطأ الأخرى، حتى يحرم الموطوءة على نفسه بإخراجها من ملكه، أو تزويجها. (٢٩) مسألة: يجوز أن يتزوج الحر بأربع نساء حرائر، ويجمع بينها، ولا يجوز أن يجمع أكثر من ذلك منها ويجوز له أن يجمع مئات من الإماء؛ للإجماع، ومستنده السنة القولية؛ حيث قال ﷺ الغيلان الثقفي وكان تحته عشر نسوة: "أمسك أربعًا، =

стр. 2345

ولا لعبد أن يتزوج بأكثر من اثنتين (٣٠) (وتحرم المعتدَّة) من الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (و) كذا (المستبرأة من غيره)؛ لأنه لا يؤمن أن تكون حاملًا، فيفضي إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب (٣١) (و) تحرم = وفارق سائرهن" وقال لنوفل وكان تحته خمس: "فارق واحدة منهن"، فإن قلت: لِمَ حُدِّد ذلك بالأربع فقط، بينما يجوز للحر أن يجمع بين المئات من الإماء؟ قلتَ: للمصلحة؛ حيث إن الشارع قد أذن لبعض من تغلبه الشهوة أو يريد كثرة الأولاد أن يجمع أربعًا تحت عصمته؛ لتحقيق ذلك المقصد، ولكنه سبحانه قد رحم الضرة بأن جعل انقطاعه عن الضرة يصل إلى ثلاثة أيام فقط، وكذلك من الناس من زوجته مريضة نفسيًا، أو جسميًا، وظروفه العائلية وحرصه على تربية أولاده لا يسمحان له أن يفارقها، فأذن له بالزواج بأكثر من واحدة؛ ليجمع بين الاستيلاد والاستمتاع، وهذا من تمام نعم الله على العبد؛ حيث إنه ما من شيء فيه خير للعباد أو البلاد إلا وقد أمر الله تعالى به، وما من شيء فيه مفسدة ومضرة على العباد أو البلاد إلا وقد نهى عنه سبحانه، أما الإماء: فإنها بمنزلة سائر الأموال. (٣٠) مسألة: يجوز أن يتزوج العبد باثنتين فقط، ويجمع بينهما والمبعَّض - وهو الذي نصفه حر، ونصفه عبد - يجوز أن يتزوج بثلاث فقط، ويجمع بينهما، ولا يجوز للعبد أن يجمع أكثر من اثنتين ولا يجوز للمبعض أن يجمع أكثر من ثلاث؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن العبد لو زنى وهو غير محصن: فيجب أن يجلد خمسين جلدة نصف الحر، فكذلك في النكاح، ويُقدَّر ذلك بمن بعضه حر وبعضه الآخر عبد الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت ذلك عن عمر، وعلي. (٣١) مسألة: يحرم عليك أن تعقد عقد النكاح أو الزواج بأي امرأة وهي في حالة عدَّة، وأيضًا: تحرم أي امرأة هي في حالة استبراء رحمها من ولد: سواء كانت =

стр. 2346

(الزانية) على زان وغيره (حتى تتوب، وتنقضي عدتها)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ وتوبتها: أن تُراود فتمتنع (٣٢) (و) تحرم (مطلقته ثلاثًا حتى = العدة عدة وفاة، أو طلاق، أو خلع، أو فسخ، وسواء كانت العدة والاستبراء من وطء مباح، أو محرم، أو بشبهة، أو من غير وطء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ فحرم الشارع أن يُعقد عقد النكاح والزواج والمرأة في عدة من طلاق أو وفاة؛ ولو وقع لكان فاسدًا لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وسُمِّيت العدَّة كتابًا؛ لأنها فرض من الله تعالى، ومفهوم الغاية قد دلَّ على أنه إذا انتهت العدَّة: فيحل عقد النكاح، والوطء أيضًا. الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك لو جاز لاختلطت مياه الواطئ الثاني بماء الواطئ الأول، وأدَّى ذلك إلى اشتباه نسب الواطئ الثاني بنسب الواطئ الأول، ولذلك نهى الشارع عن نكاح المرتابة بالحمل ولو بعد انقضاء العدة. (٣٢) مسألة: يحرم عليك أن تتزوج امرأة زانية - قد ثبت زناها وعلمت ذلك - إلا بشرطين: أولهما: أن تتوب تلك المرأة من الزنا، ومن أيِّ معصية توبة نصوحًا، ويعرف ذلك عنها بندمها، وتركها للزنا، والعزم أن لا تعود، والاستغفار، ويُصدِّق هذا أو يُكذِّبه: أن تراقب مراقبة شديدة في ذلك … ثانيهما: أن تنقضي عدتها بعد وطء الزاني، أو تضع حملها إن حملت منه، فإذا وجد هذان الشرطان: فإنها تحل لأي رجل يجوز أن يتزوجها: سواء كان الزاني أو غيره، أما إن لم تثبت توبتها، أو لم تنقض عدتها فلا تحل؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحرم الشارع على أي رجل أن يتزوج بالبغايا، والزانيات، ومفهوم الصفة قد دل على جواز الزواج بمن زنت وتابت، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" حيث بيَّن أنها إذا تابت توبة نصوحًا، =

стр. 2347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فكأنها لم تذنب أصلًا فأومأ إلى اشتراط التوبة من كل ذنب، ثانيها: قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره" يقصد: أن وطء وجماع الحامل من غيرك محرم؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد وهو يُفيد بأنه لا بد من انقضاء عدة تلك الزانية، ثالثها: قوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع" فحرم عليك وطء الحامل من غيرك؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، والفساد، ودل مفهوم الغاية على أن الحامل من غيرك إذا وضعت حملها وهي مفارقة لزوجها: فإنها تحل لك، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الموطوءة بشبهة تعتد بعد هذا الوطء، فكذلك المزني بها مثلها، والجامع: أنه يُحتمل في كل منهما أن تكون حاملًا، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذان الشرطان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين واحتياط للأنساب، وراحة للبال، فإن قلت: لا يُشترط الشرط الأول - وهو: أن تتوب من الزنا - بل يتزوجها من شاء، ولو لم تظهر توبتها، وهو قول الجمهور؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر أنه جلد رجلًا وامرأة زنيا، وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الرَّجل، وثبت أن رجلًا سأل ابن عباس عن نكاح الزانية فقال: "يجوز، أرأيت لو سرق من كرم ثم ابتاعه أكان يجوز؟ " ولم يبينا شرط التوبة. قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أن ذلك اجتهاد من عمر وابن عباس قد خالف الظاهر من الكتاب والسنة، فلا يؤخذ بقولهما؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، ثانيهما: أن الظاهر أن عمر قد استتابهما؛ لأن عبارة: "وحرص أن يجمع بينهما" وعمر لا يمكن أن يجمع بين زانيين إلّا إذا أظهرا التوبة، أما قول ابن عباس وهو: جواز نكاح الزانية فهو صحيح، ولم يتعرض لشرط التوبة؛ لكون شرط التوبة مشتهر بين الصحابة فلا يُذكر لهذه الشهرة، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "معارضة قول الصحابي لظاهر الكتاب والسنة"، فإن قلتَ: لا يشترط الشرط الثاني - وهو: أن تنقضي =

стр. 2348

يطأها زوج غيره) بنكاح صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣٣) (و) تحرم (المحرمة حتى تحل) من إحرامها؛ لقوله ﵇: = عدتها بعد وطء الزاني فلا يجب عليها العدّة - وهو قول كثير من العلماء ومنهم الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن وطء الصغير لا يوجب العدة فكذلك وطء الزاني، والجامع: أنه في كل منهما لا تصير به فراشًا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الصغير إذا وطأ لا يُحتمل منه الحمل، بخلاف الزاني فيحتمل منه الحمل، ونظرًا لهذا الاختلاف بينهما في الاحتمال: اختلف الحكم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناها بالموطوءة بشبهة، وهم ألحقوها بمن وطأها صغير، تنبيه: قوله: وتوبتها: أن تراود فتمتنع" أي أن يطلب منها رجل ثقة الزنا: فإن أبت: فهي تائبة، وهو قول ابن عمر. قلتُ: هذا بعيد جدًّا - كما ذكره ابن قدامة - فلا يجوز لمسلم أن يطلب الزنا من أي امرأة سواء كان جادًا أو هازلًا، ثم طلبه لذلك يكون عادة في خلوة، ولا تحل الخلوة بأجنبية، ولو كان في تعليمها للقرآن، أو غير ذلك من الطاعات؛ لأنه ما من رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما يزينها في نظره، ويُزينه في نظرها حتى تقع المصيبة العظمى - وهي الزنا - فتكون المهلكة لهما، والقاضية عليهما. (٣٣) مسألة: إذا طلَّقت زوجتك بالثلاث: بأن قلت: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق، طالق، طالق" أو أنك طلقتها، وراجعتها، ثم طلقتها وراجعتها، ثم طلقتها: فإن تلك الزوجة تحرم عليك، حتى تتزوج زوجًا غيرك، ويدخل بها ويُجامعها، فإن طلقها الزوج الثاني: فإنها تحل لك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ حيث حرم الشارع وطء مطلقته ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره؛ لأن لفظ: "فلا تحل" من ألفاظ التحريم الصريحة، ودل مفهوم الغاية من =

стр. 2349

"لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب" رواه الجماعة إلا البخاري، ولم يذكر الترمذي الخطبة (٣٤) (ولا ينكح كافر مسلمة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣٥) (ولا) ينكح (مسلم ولو عبدًا كافرة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا = ذلك على أنها إذا نكحت زوجًا غيرها، وطلقها الثاني: فإنها تحل للأول، ولفظ: "النكاح" شامل للعقد، والوطوء، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن رجلًا طلَّق زوجته ثلاثًا، وتزوجها آخر، ثم طلقها قبل أن يدخل بها ويطأها، فأراد الأول أن يتزوجها فقال النبي ﷺ : "لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته" وهذا إشارة إلى أن المراد بالنكاح بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ هو العقد والمجامعة معًا - وهو تغييب الحشفة في فرج المرأة -، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على عدم الإكثار من الطلاق، وتعريض أحكام الله تعالى إلى العبث والاستهزاء، حيث إن عدم إحلالها له إلّا بعد أن يتزوجها رجل آخر نكاية وعقاب له. (٣٤) مسألة: إذا كانت المرأة محرمة في حج أو عمرة، فإنه يحرم أن تعقد عقد النكاح عليها، وإذا كانت متزوجة يحرم جماعها، ولو وقع ذلك العقد: لكان فاسدًا فإذا حلَّت من إحرامها: فإنها تحل، ويجوز جماعها للسنة القولية: حيث ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" فنهى الشارع عن ذلك، وهذا النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وقد سبق تفصيل ذلك في مسألة (٣١) وما بعدها من باب "محظورات الإحرام" من كتاب: "المناسك: الحج والعمرة" وقد بيّنتُ هناك: المقصد من هذا الحكم. تنبيه: قوله: "ولم يذكر الترمذي الخطبة" يقصد: إن خطبة المرأة وهي محرمة، أو هو محرم، جائزة، ولكن مع الكراهة، وقد ذكرت هذا في مسألة (٣٢) من باب: "محظورات الإحرام" من كتاب: "المناسك". (٣٥) مسألة: يحرم أن تنكح امرأة مسلمة كافرًا، ولو وقع ذلك: لوجب التفريق =

стр. 2350

الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (إلا حرَّة كتابية) أبواها كتابيان؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣٦) (ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة إلّا أن = بينهما، فإذا أسلم فإنه يجوز ذلك؛ للإجماع، ومستنده الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وهذا نهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ حيث إن نفي التحليل وهو من صيغ التحريم الصريحة فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تزويجها بكافر فيه إذلال للمسلمة، فحرم؛ إكرامًا لها. (٣٦) مسألة: يجوز للمسلم - ولو كان عبدًا - أن ينكح ويتزوج نساءً من حرائر أهل الكتاب - اليهود والنصارى - سواء كن من أهل الذمة، أو حربيات، ولا يجوز له نكاح غيرهن من الإماء الكافرات، أو حرائر وإماء المجوس، أو الوثنيات، ولا غيرهن من نساء أجناس الكفار الذين لا كتاب لهم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ حيث حرم أن يتزوج المسلم بالكافرة ولو وقع: لوجب التفريق، لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وهو عام الجميع الكافرات والمشركات: سواء كن من أهل الكتاب أو لا؛ لأن "المشركات" جمع معرف بأل، وهو من صيغ العموم، ثم خصَّص الله تعالى نساء أهل الكتاب بجواز الزواج بهن؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فأباح الزواج بهن، وهو قول عمر وعثمان، فبقيت نساء غير أهل الكتاب على التحريم؛ حيث إن العام حجة فيما بقي بعد التخصيص، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وخُصِّصت نساء أهل الكتاب؛ لكونهن يؤمن بالله تعالى، فيبعد عنهن احتمال عدم نظافتهن، أو فعلهن للزنا، فيغلب على ظنه أن ما في أرحامهن هم أولاده حقيقة فجاز الزواج بهن بخلاف نساء غير أهل الكتاب: فإنه لا يُستبعد عنهن الزنا؛ لعدم خوفهن من الله تعالى فيغلب على الظن أن ما في أرحامهن =
следующие страницы →