Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
(الزانية) على زان وغيره (حتى تتوب، وتنقضي عدتها)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ وتوبتها: أن تُراود فتمتنع (٣٢) (و) تحرم (مطلقته ثلاثًا حتى
= العدة عدة وفاة، أو طلاق، أو خلع، أو فسخ، وسواء كانت العدة والاستبراء من وطء مباح، أو محرم، أو بشبهة، أو من غير وطء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ فحرم الشارع أن يُعقد عقد النكاح والزواج والمرأة في عدة من طلاق أو وفاة؛ ولو وقع لكان فاسدًا لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وسُمِّيت العدَّة كتابًا؛ لأنها فرض من الله تعالى، ومفهوم الغاية قد دلَّ على أنه إذا انتهت العدَّة: فيحل عقد النكاح، والوطء أيضًا. الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك لو جاز لاختلطت مياه الواطئ الثاني بماء الواطئ الأول، وأدَّى ذلك إلى اشتباه نسب الواطئ الثاني بنسب الواطئ الأول، ولذلك نهى الشارع عن نكاح المرتابة بالحمل ولو بعد انقضاء العدة.
(٣٢) مسألة: يحرم عليك أن تتزوج امرأة زانية - قد ثبت زناها وعلمت ذلك - إلا بشرطين: أولهما: أن تتوب تلك المرأة من الزنا، ومن أيِّ معصية توبة نصوحًا، ويعرف ذلك عنها بندمها، وتركها للزنا، والعزم أن لا تعود، والاستغفار، ويُصدِّق هذا أو يُكذِّبه: أن تراقب مراقبة شديدة في ذلك … ثانيهما: أن تنقضي عدتها بعد وطء الزاني، أو تضع حملها إن حملت منه، فإذا وجد هذان الشرطان: فإنها تحل لأي رجل يجوز أن يتزوجها: سواء كان الزاني أو غيره، أما إن لم تثبت توبتها، أو لم تنقض عدتها فلا تحل؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحرم الشارع على أي رجل أن يتزوج بالبغايا، والزانيات، ومفهوم الصفة قد دل على جواز الزواج بمن زنت وتابت، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" حيث بيَّن أنها إذا تابت توبة نصوحًا، =
стр. 2347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فكأنها لم تذنب أصلًا فأومأ إلى اشتراط التوبة من كل ذنب، ثانيها: قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره" يقصد: أن وطء وجماع الحامل من غيرك محرم؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد وهو يُفيد بأنه لا بد من انقضاء عدة تلك الزانية، ثالثها: قوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع" فحرم عليك وطء الحامل من غيرك؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، والفساد، ودل مفهوم الغاية على أن الحامل من غيرك إذا وضعت حملها وهي مفارقة لزوجها: فإنها تحل لك، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الموطوءة بشبهة تعتد بعد هذا الوطء، فكذلك المزني بها مثلها، والجامع: أنه يُحتمل في كل منهما أن تكون حاملًا، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذان الشرطان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين واحتياط للأنساب، وراحة للبال، فإن قلت: لا يُشترط الشرط الأول - وهو: أن تتوب من الزنا - بل يتزوجها من شاء، ولو لم تظهر توبتها، وهو قول الجمهور؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر أنه جلد رجلًا وامرأة زنيا، وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الرَّجل، وثبت أن رجلًا سأل ابن عباس عن نكاح الزانية فقال: "يجوز، أرأيت لو سرق من كرم ثم ابتاعه أكان يجوز؟ " ولم يبينا شرط التوبة. قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أن ذلك اجتهاد من عمر وابن عباس قد خالف الظاهر من الكتاب والسنة، فلا يؤخذ بقولهما؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، ثانيهما: أن الظاهر أن عمر قد استتابهما؛ لأن عبارة: "وحرص أن يجمع بينهما" وعمر لا يمكن أن يجمع بين زانيين إلّا إذا أظهرا التوبة، أما قول ابن عباس وهو: جواز نكاح الزانية فهو صحيح، ولم يتعرض لشرط التوبة؛ لكون شرط التوبة مشتهر بين الصحابة فلا يُذكر لهذه الشهرة، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "معارضة قول الصحابي لظاهر الكتاب والسنة"، فإن قلتَ: لا يشترط الشرط الثاني - وهو: أن تنقضي =
стр. 2348
يطأها زوج غيره) بنكاح صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣٣) (و) تحرم (المحرمة حتى تحل) من إحرامها؛ لقوله ﵇:
= عدتها بعد وطء الزاني فلا يجب عليها العدّة - وهو قول كثير من العلماء ومنهم الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن وطء الصغير لا يوجب العدة فكذلك وطء الزاني، والجامع: أنه في كل منهما لا تصير به فراشًا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الصغير إذا وطأ لا يُحتمل منه الحمل، بخلاف الزاني فيحتمل منه الحمل، ونظرًا لهذا الاختلاف بينهما في الاحتمال: اختلف الحكم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناها بالموطوءة بشبهة، وهم ألحقوها بمن وطأها صغير، تنبيه: قوله: وتوبتها: أن تراود فتمتنع" أي أن يطلب منها رجل ثقة الزنا: فإن أبت: فهي تائبة، وهو قول ابن عمر. قلتُ: هذا بعيد جدًّا - كما ذكره ابن قدامة - فلا يجوز لمسلم أن يطلب الزنا من أي امرأة سواء كان جادًا أو هازلًا، ثم طلبه لذلك يكون عادة في خلوة، ولا تحل الخلوة بأجنبية، ولو كان في تعليمها للقرآن، أو غير ذلك من الطاعات؛ لأنه ما من رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما يزينها في نظره، ويُزينه في نظرها حتى تقع المصيبة العظمى - وهي الزنا - فتكون المهلكة لهما، والقاضية عليهما.
(٣٣) مسألة: إذا طلَّقت زوجتك بالثلاث: بأن قلت: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق، طالق، طالق" أو أنك طلقتها، وراجعتها، ثم طلقتها وراجعتها، ثم طلقتها: فإن تلك الزوجة تحرم عليك، حتى تتزوج زوجًا غيرك، ويدخل بها ويُجامعها، فإن طلقها الزوج الثاني: فإنها تحل لك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ حيث حرم الشارع وطء مطلقته ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره؛ لأن لفظ: "فلا تحل" من ألفاظ التحريم الصريحة، ودل مفهوم الغاية من =
стр. 2349
"لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب" رواه الجماعة إلا البخاري، ولم يذكر الترمذي الخطبة (٣٤) (ولا ينكح كافر مسلمة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣٥) (ولا) ينكح (مسلم ولو عبدًا كافرة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا
= ذلك على أنها إذا نكحت زوجًا غيرها، وطلقها الثاني: فإنها تحل للأول، ولفظ: "النكاح" شامل للعقد، والوطوء، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن رجلًا طلَّق زوجته ثلاثًا، وتزوجها آخر، ثم طلقها قبل أن يدخل بها ويطأها، فأراد الأول أن يتزوجها فقال النبي ﷺ : "لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته" وهذا إشارة إلى أن المراد بالنكاح بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ هو العقد والمجامعة معًا - وهو تغييب الحشفة في فرج المرأة -، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على عدم الإكثار من الطلاق، وتعريض أحكام الله تعالى إلى العبث والاستهزاء، حيث إن عدم إحلالها له إلّا بعد أن يتزوجها رجل آخر نكاية وعقاب له.
(٣٤) مسألة: إذا كانت المرأة محرمة في حج أو عمرة، فإنه يحرم أن تعقد عقد النكاح عليها، وإذا كانت متزوجة يحرم جماعها، ولو وقع ذلك العقد: لكان فاسدًا فإذا حلَّت من إحرامها: فإنها تحل، ويجوز جماعها للسنة القولية: حيث ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" فنهى الشارع عن ذلك، وهذا النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وقد سبق تفصيل ذلك في مسألة (٣١) وما بعدها من باب "محظورات الإحرام" من كتاب: "المناسك: الحج والعمرة" وقد بيّنتُ هناك: المقصد من هذا الحكم. تنبيه: قوله: "ولم يذكر الترمذي الخطبة" يقصد: إن خطبة المرأة وهي محرمة، أو هو محرم، جائزة، ولكن مع الكراهة، وقد ذكرت هذا في مسألة (٣٢) من باب: "محظورات الإحرام" من كتاب: "المناسك".
(٣٥) مسألة: يحرم أن تنكح امرأة مسلمة كافرًا، ولو وقع ذلك: لوجب التفريق =
стр. 2350
الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (إلا حرَّة كتابية) أبواها كتابيان؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣٦) (ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة إلّا أن
= بينهما، فإذا أسلم فإنه يجوز ذلك؛ للإجماع، ومستنده الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وهذا نهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ حيث إن نفي التحليل وهو من صيغ التحريم الصريحة فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تزويجها بكافر فيه إذلال للمسلمة، فحرم؛ إكرامًا لها.
(٣٦) مسألة: يجوز للمسلم - ولو كان عبدًا - أن ينكح ويتزوج نساءً من حرائر أهل الكتاب - اليهود والنصارى - سواء كن من أهل الذمة، أو حربيات، ولا يجوز له نكاح غيرهن من الإماء الكافرات، أو حرائر وإماء المجوس، أو الوثنيات، ولا غيرهن من نساء أجناس الكفار الذين لا كتاب لهم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ حيث حرم أن يتزوج المسلم بالكافرة ولو وقع: لوجب التفريق، لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وهو عام الجميع الكافرات والمشركات: سواء كن من أهل الكتاب أو لا؛ لأن "المشركات" جمع معرف بأل، وهو من صيغ العموم، ثم خصَّص الله تعالى نساء أهل الكتاب بجواز الزواج بهن؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فأباح الزواج بهن، وهو قول عمر وعثمان، فبقيت نساء غير أهل الكتاب على التحريم؛ حيث إن العام حجة فيما بقي بعد التخصيص، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وخُصِّصت نساء أهل الكتاب؛ لكونهن يؤمن بالله تعالى، فيبعد عنهن احتمال عدم نظافتهن، أو فعلهن للزنا، فيغلب على ظنه أن ما في أرحامهن هم أولاده حقيقة فجاز الزواج بهن بخلاف نساء غير أهل الكتاب: فإنه لا يُستبعد عنهن الزنا؛ لعدم خوفهن من الله تعالى فيغلب على الظن أن ما في أرحامهن =
стр. 2351
يخاف عنت العزوبة؛ لحاجة المتعة، أو الخدمة)؛ لكونه كبيرًا أو مريضًا أو نحوهما، ولو مع صغر زوجته الحرة، أو غيبتها، أو مرضها (ويعجز عن طول) أي: مهر (حرَّة، أو ثمن أمة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية، واشتراط العجز عن ثمن الأمة: اختاره جمع كثير قال في "التنقيح": "وهو أظهر" وقدم: أنه لا يُشترط، وتبعه في "المنتهى" (٣٧) (ولا ينكح عبد سيدته) قال ابن المنذر: "أجمع أهل
= ليسوا بأولاده وحده فحُرِّمن.
[فرع]: الكتابية هي: التي أبواها معًا كتابيان، فلو كان أحد أبويها كتابيًا والآخر ليس بذلك: فلا يحل الزواج بها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون أحد أبويها كتابيًا فقط: أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ لكون المراد الكتابية المحصنة، وإذا لم تدخل: فلا تحل.
(٣٧) مسألة: يجوز للمسلم الحر: أن ينكح ويتزوج الأمة المسلمة بشرطين: أولهما: أن يخاف عنت العزوبة وشدَّتها عليه، فهو يتزوجها إما لأجل حاجته للمتعة مخافة أن يقع في الحرام، أو يتزوجها لأجل حاجته إلى خدمتها بسبب مرضه، أو كبره، وهذا يجوز ولو كان عنده زوجة حرة ولكنها إما صغيرة أو مريضة، أو غائبة، بحيث لا يمكنها خدمته، أو إشباع رغبته، ثانيهما: أن لا يجد ذلك المسلم المال الذي يستطيع به أن يتزوج حرة، أو يشتري به أمة، ولو كتابية، وهو المقصود بـ "الطول"، فإذا وجد هذان الشرطان: جاز له الزواج بالأمة المسلمة، وإن عدم الشرطان، أو أحدهما: فلا يجوز له أن يتزوج تلك الأمة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾، فصرح باشتراط هذين الشرطين، الثانية: المصلحة؛ حيث إن مفسدة نكاح الأمة والتسبب في إرقاق ولده، أو تأثره بذلك عارضتها مفسدة وقوعه في الحرام من زنا ولواط، فترجّح أخف المفسدتين عند الشارع، وهي: نكاح الأمة
стр. 2352
العلم عليه" (٣٨) (ولا ينكح (سيد أمته)؛ لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة، وإباحة
= المسلمة وإن كان فيه رق للولد؛ حيث إن ذلك أخف بكثير من مفسدة الزنا أو اللواط، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك هو قول ابن عباس وجابر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الشرطان؟ قلتُ: للمصلحة الآجلة؛ حيث إنه لو أطلق في الزواج من الإماء بدون شروط: لكان ذلك سببًا في إرقاق الولد الآتي منهما مع الغنى عنه، فاشتُرط ذلك؛ ليكون في حدود ضيقة؛ لمنع الضرر الآجل كما قلنا، فإن قلتَ: لا يُشترط العجز عن ثمن أمة، فيجوز لمن قدر على ثمن أمة: أن يتزوج أمة مسلمة، وهو قول كثير من الحنابلة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ والمراد بالمحصنات: الحرائر، وهذا يلزم منه: جواز نكاح الأمة مع قدرته على شراء أمة، وعدم جواز نكاح الأمة مع قدرته على مهر حرة. قلتُ: إن المصلحة هي التي جعلت جمهور العلماء يقولون: إن القادر على ثمن أمة لا يجوز له أن يتزوج أمة، وذلك لأنه إذا اشترى أمة وجامعها وأتت بولد: فإن الولد يكون حرًا، وتكون الأمة أم ولد وقد سبق أن ولدها هذا يتسبب في حريتها بعد وفاة سيدها، أما إذا تزوج أمة - بدون شرائها -: فإن ولده منها يكون رقيقًا؛ تبعًا لأمه، وتستمر أمه في ذلك الرق، فلا يجوز له أن يتسبَّب في رق ولده مع استطاعته على صيانته من الرق فلذلك قال العلماء ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الآية مع المقصد" فنحن أخذنا بظاهرها ومقصدها، وهم أخذوا بظاهرها ويحتمل: أن يكون السبب: عدم تفريقهم بين شراء الأمة والزواج بها من حيث مصير الولد".
(٣٨) مسألة: يحرم أن يتزوج وينكح عبدٌ سيدته؛ للتلازم؛ حيث إن أحكام ملكها لعبدها، ونكاحه إياها نكاحًا شرعيًا متناقضان؛ لأن ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها، وسفره بسفرها، وطاعته إياها، أما نكاحه إياها يوجب عكس ذلك =
стр. 2353
البضع، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه (٣٩) (وللحر نكاح أمة أبيه)؛ لأنه لا ملك للابن فيها، ولا شبهة ملك (٤٠) (دون) نكاح (أمة ابنه) فلا يصح نكاح أمة ابنه؛ لأن الأب له التملك من مال ولده كما تقدَّم (٤١) (وليس للحرة نكاح عبد ولدها)؛ لأنه لو ملك زوجها أو بعضه لانفسخ النكاح (٤٢)، وعلم مما تقدَّم أن للعبد نكاح أمة، ولو لابنه، وللأمة نكاح عبد ولو لابنها (٤٣)، (وإن اشترى أحد الزوجين) الزوج
= فيحصل تناقض فيلزم: بطلان هذا النكاح؛ لتعارض المصالح، واستحالة استمرار الحياة بسبب ذلك.
(٣٩) مسألة: يحرم أن يتزوج وينكح سيدٌ أمته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من شراء السيد لتلك الأمة تضمن إباحة منفعتها، وإباحة بضعها، وهو أقوى من عقد النكاح عليها؛ لشموله لكل نفع، فلا يجتمع معه عقد - وهو عقد النكاح - أضعف وأخص منه.
(٤٠) مسألة: يجوز أن يتزوج وينكح شخص أمة أبيه، وأخيه، وجده، وعمه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأجنبي يجوز أن ينكح تلك الأمة، فكذلك الابن يجوز له أن ينكح أمة أبيه والجامع أنه في كل منهما لا ملك له فيها، ولا شبهة ملك، فلا مانع منه.
(٤١) مسألة: يحرم على الشخص الحر أن يتزوج وينكح أمة ابنه أو أمة ابنته؛ للتلازم؛ حيث إن كون الأب يتملك من مال ولده؛ حيث قال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" يلزم منه تحريم نكاح أمة ذلك الولد؛ لأن له فيها شبهة، وقد تقدم ذلك في باب "الهبة والعطية".
(٤٢) مسألة: يحرم على المسلمة الحرة أن تتزوج وتنكح عبد ولدها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ولدها يملك زوجها، أو يملك بعضه: انفساخ النكاح بين أمه، وعبده.
(٤٣) مسألة: يجوز للعبد أن يتزوج وينكح أمة، وكذا: يجوز للمدبَّر والمكاتب، والمبعَّض نكاح أمة: سواء كانت أمة لابنه أو أمة لابنته أو أمة لغيرهما، وكذا: =
стр. 2354
الآخر، أو ملكه بإرث أو غيره (أو) ملك (ولده الحر أو) ملك (مكاتبه) أي: مكاتب أحد الزوجين، أو مكاتب ولده (الزوج الآخر، أو بعضه: انفسخ نكاحهما) ولا ينقص بهذا الفسخ عدد الطلاق (٤٤) (ومن حرم وطؤها بعقد) كالمعتدَّة، والمحرَّمة، والزانية، والمطلَّقة ثلاثًا: (حرم) وطؤها (بملك يمين)؛ لأن النكاح إذا حرم؛ لكونه طريقًا إلى الوطء فلأن يحرم الوطء بطريق الأولى (إلا أمة كتابية) فتحل؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤٥) (ومن جمع بين محلَّلة ومحرَّمة في عقد:
= يجوز للأمة أن تتزوج، وتنكح عبدًا: سواء كان عبدًا لابنها، أو لبنتها، أو لغيرهما؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأجنبي له ذلك، فكذلك العبد، والأمة؛ والجامع: أن الرَّق في كل منهما قطع ولايته عن ولده وماله؛ حيث إنه لا يلي أحدهما مال الآخر، ولا يتوارثان، فلا علاقة لأحدهما على الآخر.
(٤٤) مسألة: إذا كان زيد زوجًا لفاطمة فاشترى زيد فاطمة، أو اشترت فاطمة زيدًا، أو ملك زيد فاطمة بإرث، أو هبة، أو ملكت فاطمة زيدًا بإرث أو هبة، أو ملك زيد ولد فاطمة الحر بميراث، أو ملكت فاطمة ولد زيد الحر بميراث أو هبة، أو ملك زيد مكاتب فاطمة بميراث أو هبة، أو ملكت فاطمة مكاتب زيد بميراث أو هبة، أو ملك بعض ذلك: فإنه ينفسخ النكاح والزواج في تلك الصور كلها، وهذا الفسخ لا يُحسب طلاقًا، ولا يُعدُّ منها، فلو أعتقها ثم تزوجها، أو بالعكس: فإن لهما التطليقات كاملة؛ للتلازم؛ حيث إن كون ملك اليمين أقوى من النكاح - حيث إنه يعم الخدمة، وحلَّ البضع كما تقدم - يلزم منه: أن لا يجمع معه عقد أضعف منه، ويلزم من تناقض الحرية مع الرق في الأعمال: عدم اتفاقهما، ويلزم من عدم تلفظ الزوج بالطلاق صراحة، ولا كناية: عدم حسبان ذلك الفسخ من عدد الطلاق.
(٤٥) مسألة: كل من حرم نكاحها ووطؤها بعقد نكاح مثل: المعتدَّة، والمحرَّم نكاحها كأمهات النساء، وبناتهن، ومثل الزانية، والمطلَّقة ثلاثًا: فإنه يحرم وطؤها =
стр. 2355
صحَّ فيمن تحل) وبطل فيمن تحرم، فلو تزوج أيِّمًا ومزوجة في عقد: صح في الأيِّم؛ لأنها محل النكاح (٤٦) (ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبيّن أمره)؛ لعدم تحقق مبيح النكاح (٤٧).
= وجماعها بسبب ملك اليمين إلا الأمة الكتابية: فإنها تحل، ومن حرم نكاح حرائرهن من غير أهل الكتاب: فلا يُباح وطء الإماء منهن؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ حيث أباح التسري بملك اليمين من الإماء، ووطئهن. وهذا عام فتدخل فيه الكتابيات، الثانية: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه إذا حرم عقد النكاح؛ لكونه طريقًا إلى الوطء: فإنه يحرم الوطء المباشر للأمة من باب أولى، والجامع: حفظ المياه من الاختلاط في كل، ثانيهما: كما أن الأمة المسلمة يجوز التسري بها، فكذلك الأمة الكتابية، والجامع: أنهن ممن يحلُّ نكاح حرائرهن في كل.
[فرع]: نكاح الأمة الكتابية حرام؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه التسبُّب في إرقاق الولد، وإبقاؤه مع كافرة بخلاف التسري فإن الولد يكون حرًا، وهي تكون أم ولد كما سبق.
(٤٦) مسألة: إذا تزوج ونكح زيد على امرأتين بعقد واحد: فالأولى هي التي يحلُّ له نكاحها والثانية لا يحلُّ نكاحها حال العقد - كأن تكون الأولى مطلَّقة، أو متوفى عنها زوجها، أو أجنبية، والثانية تحت زوج حي، أو أخته -: فإنه يصح نكاح الأولى في ذلك العقد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأولى محلًا قابلًا للنكاح: صحته، ويلزم من كون الثانية محلًا غير قابل للنكاح: عدم صحته.
(٤٧) مسألة: الخنثى المشكل - وهو من له آلة ذكر وآلة أنثى - لا يصح تزوجه بامرأة، ولا يصح تزوجه برجل إلى أن يتّضح أمره، أما إن قال: "أنا ذكر": لم يتزوج إلا امرأة، وإن قال: "أنا امرأة": لم يتزوج إلّا رجلًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن =
стр. 2356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الشخص لو اشتبهت أخته من الرضاع بعدد قليل من الأجنبيات: لما صح نكاحهن جميعًا، فكذلك لو كان خنثى مشكل لا يصح تزوجه برجل ولا بامرأة والجامع: أنه في كل منهما لم يتحقَّق له وجود ما يبيح النكاح والزواج.
[فرع]: إن تزوج الخنثى المشكل امرأة ثم بعد ذلك قال: "أنا امرأة": فإن زواجه ينفسخ، ويلزمه المهر كاملًا إن كان بعد الدخول، ونصف المهر إن كان قبله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره ذلك: بطلان نكاحه، ويلزم من الدخول وعدمه: ما يستحقه من المهر كالرجل العادي.
[فرع ثان]: إن تزوج الخنثى المشكل رجلًا، ثم بعد ذلك قال: "أنا رجل": لم يقبل قوله، بل لا بد من قول من تزوج، ولا مهر له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قوله هذا إزالة نكاحه وزواجه هذا.
هذه آخر مسائل باب: "المحرمات في النكاح على التأبيد، وإلى أمد"، ويليه باب: "حكم ما يشترطه أحد الزوجين في عقد النكاح على الآخر، والعيوب التي تفسخ النكاح والتي لا تفسخه".
стр. 2357
باب الشروط والعيوب في النكاح
والمعتبر من الشروط: ما كان في صلب العقد، أو اتفقا عليه قبله، وهي قسمان: "صحيح" وإليه أشار بقوله: (إذا شرطت طلاق ضرتها، أو أن لا يتسرَّى، أو أن لا يتزوج عليها أو) أن (لا يخرجها من دارها أو بلدها) أو أن لا يفرق بينها وبين أولادها أو أبويها، أو أن ترضع ولدها الصغير (أو شرطت نقدًا معينًا) تأخذ منه مهرها (أو) شرطت (زيادة في مهرها: صحَّ) الشرط، وكان لازمًا: فليس للزوج فكُّه بدون إبانتها، ويسن وفاؤه به (فإن خالفه: فلها الفسخ) على التراخي؛ لقول عمر - للذي قضى عليه بلزوم الشرط حين قال: إذًا يُطلقننا -: "مقاطع الحقوق عند الشروط" (١)، وإن شرط: أن لا يُخرجها من منزل أبويها، فمات أحدهما بطل
باب حكم ما يشترطه أحد الزوجين في صلب عقد النكاح على الآخر أو قبله والعيوب التي تفسخ النكاح والتي لا تفسخه
وفيه: ثلاثون مسألة:
(١) مسألة: إذا اشترطت المرأة شروطًا في صلب العقد أو قبله لا تخالف الشرع: كأن تشترط أن يطلق ضرتها؛ أو تشترط: أن لا يتسرَّى عليها، أو تشترط: أن لا ينزوج عليها، أو تشترط: أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو أن لا يسافر بها، أو تشترط: أن لا يُفرِّق بينها وبين أولادها، أو أبويها، أو تشترط: أن ترضع ولدها الصغير، أو تشترط نفقة ولدها وكسوته عليه أو تشترط زيادة في مهرها، أو تشترط نقدًا معينًا كالذهب، أو الدولار، أو الريال تأخذ منه مهرها أو تشترط أن لا يسافر عنها، أو تشترط أثاثًا ومتاعًا معينًا، ونحو ذلك من الشروط وقبل الزوج هذه الشروط: فإنها تصح. ويجب على الزوج الوفاء بأي شرط اشترطته عليه، فإن خالف أيَّ شرطٍ اشترطته عليه عند العقد مما سبق: فلها الحق في فسخ النكاح، إلّا إذا وُجد من المرأة المشترطة ما يدلُّ على الرضى =
стр. 2358
الشرط (٢)، القسم الثاني فاسد، وهو: أنواع: أحدها: نكاح الشغار، وقد ذكره بقوله: (وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا) أي: زوج كل منهما
= من قول، أو فعل أو نحو ذلك، وهذا الفسخ يكون على التراخي؛ للتأكد، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: "المسلمون على شروطهم" فبيَّن الشارع أن المسلم الحق هو الذي يفي بما التزمه من شروط إذا لم تخالف الشرع، ويدل بمفهوم الحصر على أن من لم يفِ بالشروط التي التزم بها فليس بمسلم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم وفاء الزوج بما اشترطته المرأة عليه: أن يكون عقد النكاح على غير تراضٍ، وهذا يبطل النكاح؛ لتخلُّف شرط من شروط النكاح - كما سبق بيانه - فلذلك وجب الوفاء به ولها حق فسخه؛ لأنه من حقها؛ الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر وكثير من الصحابة قد أجازوا هذه الشروط، الرابعة: المصلحة؛ حيث إن فسخ المرأة للنكاح بسبب عدم وفاء الزوج بشرطها هو لدفع الضرر عن نفسها، وهذا يكون على التراخي والتأني؛ لأجل أن تتأكد من كونه لم يف به، أو تحاول إقناعه.
[فرع]: إذا طلَّق الرجل المشروط عليه تلك المرأة المشترطة: فإن ما اشترطته عليه يسقط، فلو تزوجها مرة ثانية: لم تعد تلك الشروط؛ ولكن يُستحب أن يلتزم بالشروط ولا يُطلِّقها؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من زوال عقد النكاح بالطلاق: زوال ما تعلَّق به من شروط، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الوفاء بالشروط أليق بالمسلم من التهرّب منها بالطلاق، فلذا كان الوفاء بها دون طلاق المرأة مستحبًا.
(٢) مسألة: إذا اشترطت المرأة على الزوج: أن لا يخرجها من منزل والديها، وقبل ذلك الزوج، فمات أحد والديها: فإن الشرط يبطل، ويُسكنها بأي مكان أراد؛ للتلازم؛ حيث إن المنزل آل إلى أحدهما؛ فلم يوجد الشرط بكامله: فكان له الحق في إخراجها منه؛ لفقدان كامل الشرط.
стр. 2359
الآخر وليته (ولا مهر) بينهما: (بطل النكاحان)؛ لحديث ابن عمر: أن النبي ﷺ : نهى عن الشِّغار، والشغار: "أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق" متفق عليه (٣)، وكذا: لو جعلا بضع كل واحدة مع دراهم معلومة
(٣) مسألة: نكاح الشغار باطل، وصفته: أن يشترط زيد ولي فاطمة على عمرو ولي عائشة بأنه لن يزوجه فاطمة إلّا إذا زوّجه عائشة فإذا حصل ذلك بأن تزوج كل منهما مولية الآخر، بدون مهر مسمَّى بينهما: فإن الشرط فاسد، ويبطل النكاحان: سواء سكتا عن تسمية مهر لكل واحدة، أو نفيا المهر صراحة، فيكون بضع هذه ببضع هذه فيفرق بينهما - وهذا الذي يسمَّى بـ "نكاح الشِّغار"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الشِّغار، والشِّغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد والبطلان، وفي رواية لمسلم: "والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك، وأزوجك ابنتي، وزوجني أختك، وأزوجك أختي" - كما رواه أبو هريرة - الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر وزيد، ومعاوية قد فرقا فيه بين الزوجين لما وقع مثله؛ فإن قلتَ: لِمَ فسد ذلك ويبطل النكاحان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشارع لما حثَّ على النكاح والزواج كان ذلك لمصلحة الزوجين فقط، لأجل أن يُحصنا أنفسهما، ويرزقا بأولاد - وغير ذلك من الحِكَم السابق ذكرها - فإذا جاءت صفة نكاح الشغار السابق ذكرها: كان النكاح لمصلحة الأولياء فقط، وهذا لم يرد به الشرع، ولم يلتفت إليه، ولذلك جعل الشارع المهر حقًّا لها، فلا يجوز للولي أن يسقطه، فإن قلتَ: لِمَ سمي بنكاح الشغار؟ قلتُ: نظرًا لقبحه؛ حيث شبهه برفع الكلب رجله ليبول، فكأن كل واحد من الوليين رفع رجله للآخر عمّا يريد.
[فرع]: لا فرق بين أن يقول أحد الوليين للآخر: "أزوجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك" أو يقول: "أزوجك ابنتي على أن تزوجني أختك" أو نحو =
стр. 2360
مهرًا للأخرى (فإن سمِّي لهما) أي: لكل واحدة منهما (مهر) مستقل غير قليل بلا حيلة: (صح) النكاحان، ولو كان المسمى دون مهر المثل، وإن سمي لإحداهما دون الأخرى: صح نكاح من سمي لها فقط (٤) والثاني: نكاح المحلِّل، وإليه أشار بقوله:
= ذلك مما يدل على أن المقصد مصلحة الوليين.
(٤) مسألة: إذا قال وليا المرأتين صفة الشِّغار - السابق ذكرها في مسألة (٣) - وسَمَّيا مهرًا لكل واحدة، أو لإحداهما دون الأخرى: فإن النكاحان لا يصحان، ويُفرَّق بينهما؛ لقواعد: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن العباس بن عبد الله بن العباس قد أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا قد جعلا صداقًا فكتب معاوية إلى مروان فأمره أن يفرق بينهما، وقال في كتابه: "هذا هو الشغار الذي نهى عنه ﷺ " فهذا تفسير لنهي النبي عن الشغار، وهو من صحابي فيكون حجة؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنهما لو لم يُسمِّيا مهرًا: فإنه لا يصح ويفرق بينهما فكذلك إذا سمَّيا، والجامع: أنه في كل منهما قد شرط نكاح إحداهما لنكاح الأخرى، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من اشتراط أحد الوليين على الآخر تزويجه موليته: فساد، النكاح، وعدم التسمية ليس بمفسد للعقد، يؤيده: أن المفوضة تسمَّى زوجة وهي لم يُسمَّ لها مهرًا - والمفوضة هي التي عقد عليها فمات زوجها قبل الدخول عليها وقبل تسمية المهر - فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك، ويفرق بينهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك التسمية للمهر فيها حيلة إلى نكاح الشغار لأن الولي بطريقته هذه - سواء سمَّى مهرًا أو لا - قد رغب في الخطاب هذا لغرض أن يتزوج هو موليته، ولم يرغب به لمصلحتها، وقد يكون هناك خاطب أصلح منه، فسدًا للذرائع والحيل الفاسدة: حرّم ذلك، وفرِّق بينهما، فإن قلت: إن سُمِّي لكل واحدة منهما مهر مستقل غير قليل بلا حيلة: فإنه يصح النكاحان وإن كان ذلك المهر دون مهر المثل، وإن سُمِّي لإحداهما دون الأخرى: صح فيمن سُمِّي لها، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رواية عن أحمد، وهو قول =
стр. 2361
(وإن تزوجها بشرط: أنه متى حلَّلها للأول: طلَّقها، أو نواه) أي: التحليل (بلا شرط) يذكر في العقد، أو اتفقا عليه، قبله ولم يرجع بطل النكاح؛ لقوله ﵇: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال: "هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل، والمحلَّل له" رواه ابن ماجه (٥) (أو قال) ولي (زوَّجتك إذا جاء رأس
= الشافعي؛ للسنة القولية: حيث قال ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة منهما مهرًا في الأخرى" حيث إن هذه صفة الشغار، فإذا سُمِّي لكل واحدة مهر: فلا شغارًا فتُلزم صحته. قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أن معاوية قد فسَّر هذا الحديث بأن الشغار هو تلك الصفة وإن سُمِّي لكل واحدة مهر - كما سبق - وتفسير الصحابي حجة على تفسير غيره، ثانيهما: أن الحيل محرمة صغيرها وكبيرها، لا سيما إذا لم نعلم الحقيقة؛ لكون هذا بين العبد وربه، ولكن ما يظهر هو: أنه لو لم يزوجه الأول ابنته: فإن الثاني لا يزوجه ابنته؛ وتسمية المهر مجرد تغطية على ذلك المقصد فقط، وما هذا شأنه لا يأتي به الشرع، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض لفظ حديث النهي عن الشغار ومقصده" وأيضًا: "الاختلاف في تفسير حديث النهي عن الشغار".
(٥) مسألة: نكاح المحلِّل باطل، وصفته: أن يطلق زوج امرأته ثلاثًا، فلا تحل له إلا بعد أن تتزوج زوجًا آخر زواجًا شرعيًا فيه جماع ووطء، فإذا طلَّقها الثاني: حلَّت للأول، لكن إن تزوجها الثاني على نيّة أنه سيُحلِّلها للأول، فإذا تزوّجها ذلك الزواج الثاني: طلَّقها أي نوى الثاني التحليل للأول: فإن النكاح الثاني باطل، ويفرق بينهما: سواء ذكر في عقد نكاح الزوج الثاني: أن مقصده تحليلها للأول واتفق على ذلك أو لم يذكر، وسواء طلَّقها الثاني، أو لم يطلِّقها: فإنه يبطل ويفرق بينهما كما قلنا، وسواء قال الولي: "زوجتكها إلى أن تطأها" أو شرط: أنه إذا أحلّها فلا نكاح بينهما، أو إذا أحلَّها للأول: طلَّقها، أو لم يذكر ذلك، =
стр. 2362
الشهر، أو إن رضيت أمها) أو نحوه، مما علق فيه النكاح على شرط مستقبل، فلا ينعقد النكاح - غير "زوجت، أو قبلت إن شاء الله" فيصح كقوله: "زوَّجتكها إذا كانت بنتي" أو "إن انقضت عدتها" وهما يعلمان ذلك، أو: "إن شئت" فقال: "شئت
= وهذا المسمَّى بـ "نكاح المحلِّل"؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" واللَّعن عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام، ولا يُقرُّ فعل الحرام، بل ينكر بالتفريق بينهما، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن نكاح المتعة حرام، ويفرق بينهما - كما سيأتي - فكذلك نكاح المحلِّل مثله والجامع: أن كلًّا منهما نكاح إلى مدَّة وبشرط، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر، وابنه، وعثمان، وعلي، وابن مسعود وابن عباس، وقال عمر - وهو يخطب الناس -: "والله لا أوتي بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما" فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك، ويُفرق بينهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصد من مشروعية النكاح هو: إعفاف كل من الزوجين، والاستيلاد، والاستمرار على ذلك ونكاح المحلِّل: لم يقصد به ذلك، ولم ينوِ به إلا مصلحة المحلِّل والمحلَّل له، فبطل؛ لكونه غير شرعي.
[فرع]: إن شرط الولي على الزوج الثاني أن يُحلَّها لزوجها الأول قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرط عليه، وقصد نكاح رغبة واستمرار: فإن عقد ونكاح الثاني صحيح؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو لم يذكر شرط التحليل ولم ينو: فإنه يصح النكاح، فكذلك إذا نوى وقصد الثاني نكاح رغبة واستمرار والجامع: خلوّ العقد عن نية التحليل وشرطه، الثانية: التلازم؛ حيث إن العقد يبطل بنية الزوج الثاني فقط؛ وحيث إنه هو الذي بيده المفارقة والإمساك، أما المرأة فلا تملك رفع العقد فوجود نيتها وعدمها سواء، والزوج الأول لا يملك شيئًا من العقد ولا من رفعه فهو أجنبي كسائر الأجانب فيلزم من ذلك أن المرجع هو الزوج الثاني: فإن نوى نكاح رغبة واستمرار صح، وإن نوى تحليلًا لم يصح.
стр. 2363
وقبلتُ" ونحوه: فإنه صحيح - (أو) قال ولي: "زوَّجتك و (إذا جاء غدٍ) أو وقت كذا (فطلقها، أو وقَّته بمدَّة) بأن قال: "زوجتكهما شهرًا، أو سنة" أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا رجع: (بطل الكل) وهذا النوع هو: نكاح المتعة قال سبرة: "أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها" رواه مسلم (٦).
(٦) مسألة نكاح المتعة باطل، وصفته: أن يتزوج رجل امرأة مدَّة معيّنة فقط، وينوي ذلك: كأن يقول ولي له: "زوجتك ابنتي شهرًا" أو يقول: "زوجتك إن رضيت أمها" أو يقول: "زوجتك إن رضي فلان" أو يقول: "زوجتك فإذا جاء غد فطلِّقها" أو يقول: "زوجتك فإذا مضى أسبوع فطلقها" أو أن يؤقت الزواج بمدة معينة معلومة، كأن يقول: "زوجتك شهرًا" أو "زوجتك إلى انقضاء الموسم" أو "زوجتك إلى قدوم الحاج" أو مدة مجهولة كأن يقول: "زوجتك إلى أن تهب الرياح، أو يأتي المطر" فإذا جاء آخر الوقت: فطِّلقها، أو أن يتزوج رجل بنية طلاق من تزوجها إذا رجع إلى بلاده، أو إذا قدم الحاج، أو إذا انتهى الموسم، أو نحو ذلك مما ينوى بالنكاح مدَّة طويلة أو قصيرة: فكل ذلك نكاح باطل، يجب أن يفرق بينهما، لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهذا ورد عنه بروايات مختلفة الأمكنة والأزمنة، فورد ذلك في حجة الوداع بمكة، وورد ذلك النهي في يوم خيبر، وكلها تؤيد ذلك النهي، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن تحريم نكاح المتعة قد ثبت عن عمر وعلي، وابن مسعود وابن الزبير، وقال ذلك ابن عباس في آخر فتاويه، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك، ووجب التفريق فيه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصد من مشروعية النكاح هو: الإعفاف، والاستيلاد، والاستمرار على ذلك، ونكاح المتعة لم يقصد به إلا الاستمتاع فقط، وهذا لم ينظر إليه الشارع إلا تبعًا، فبطل؛ لكونه لم يرد به الشرع، فإن قلتَ: إنه روي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، وهو ما أخذ وهو به بعض الطوائف، قلتُ: إن ابن عباس قد رجع عن قوله هذا فيما =
стр. 2364
(فصل): (وإن شرط: أن لا مهر لها أو) أن (لا نفقة) لها (أو) شرط (أن يقسم لها أقل من ضرتها، أو أكثر) منها (أو شرط فيه) أي: في النكاح (خيارًا أو) شرط (إن جاء بالمهر في وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما)، أو شرطت: أن يسافر بها، أو أن تستدعيه لوطء عند إرادتها، أو أن لا تسلِّم نفسها إلى مدَّة كذا، ونحوه: (بطل الشرط)؛ لمنافاته مقتضى العقد، وتضمنه إسقاط حق يجب به قبل انعقاده (وصح النكاح)؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يُشترط ذكره، ولا يضر الجهل به فيه (٧). (وإن شرطها مسلمة) أو قال وليها: "زوجتك هذه المسلمة" أو ظنها
= ثبت عنه. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ابن عباس هل رجع عن قوله بالمتعة أو لا؟ فعندنا: رجع وعندهم: لا.
[فرع]: إذا شرط الولي قائلًا: "زوجتك إن شاء الله" أو قال: "قبلتُ إن شاء الله"، أو قال الولي: "زوجتكها إذا كانت بنتي" أو قال: "زوجتكها إن انقضت عدّتها" والعاقدان يعلمان أنها بنته، وأنها انقضت عدّتها أو قال الولي: "زوجتك إن شئت" فقال الزوج: "شئتُ وقبلت" ونحو ذلك من الشروط: فإن العقد والنكاح يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بتعليق حقيقة، بل تأكيد وتقوية صحة العقد والنكاح.
(٧) مسألة: إذا شرط الزوج عند عقد النكاح: "أن لا مهر لها" أو "أن لا نفقة لها" أو "أن يقسم لها أقل من ضرتها" أو "أن يقسم لها أكثر من ضرّتها" أو: "إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما" أو شرطت هي: "أن يُسافر بها" أو "أن تدعوه لوطئها عندما تريد" أو "أن تسلِّم نفسها له مدَّة كذا": فإن الشرط يبطل في تلك الصور، ويصح النكاح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من منافاة تلك الشروط لما يقتضيه عقد النكاح من الوفاء بما اشتُرط إسقاطه: عدم صحتها ويلزم من كون تلك الشروط ترجع إلى معنى زائد عمّا اقتضاه العقد ولا يضر الجهل به فيه: صحة النكاح.
стр. 2365
مسلمة، ولم تعرف بتقدُّم كفر: (فبانت كتابية): فله الفسخ؛ لفوات شرطه (أو شرطها بكرًا، أو جميلة، أو نسيبة، أو) شرط (نفي عيب لا ينفسخ به النكاح): بأن شرطها سميعة، أو بصيرة، (فبانت بخلافه: فله الفسخ)؛ لما تقدَّم (٨)، وإن شرط صفة فبانت أعلى منها: فلا فسخ (٩)، ومن تزوج امرأة وشرط أو ظنَّ أنها حرَّة، ثم تبيَّن أنها أمة:
(٨) مسألة: إذا شرط الزوج عند عقد النكاح: "كونها مسلمة" أو صرَّح الولي قائلًا: "زوَّجتك هذه المسلمة" وأشار إليها، أو أن الزوج نفسه غلب على ظنه: أنها مسلمة؛ حيث لم تعرف بكفر، فبانت كتابية، أو شرط: "كونها جميلة" فبانت قبيحة، أو شرط: "أن تكون نسيبة" فبانت وضيعة، أو شرط: كونها طويلة، فبانت قصيرة، أو شرط: كونها بيضاء، فبانت: سمراء أو سوداء، أو شرط: كونها بكرًا فبانت ثيبًا، أو شرط: كونها سميعة فبانت صماء، أو لا تسمع إلا بأذن واحدة، أو شرط: كونها بصيرة فبانت عمياء أو عوراء: فللزوج فسخ النكاح في تلك الصور إن شاء، ويأخذ المهر الذي دفعه سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من فوات المتفق عليه: استحقاقه لفسخ النكاح وأخذ ما دفعه من مهر؛ لكونه قد غُرِّر به، فيتحمل الذي غرَّه ذلك وسيأتي بيانه؛ فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الغش والغرر، وأكل مال الناس بالباطل.
(٩) مسألة: إذا شرط الزوج صفة في المرأة التي يريد أن يتزوجها فبانت بأحسن من تلك الصفة كأن يشترط: كونها قصيرة فبانت طويلة، أو اشترط: كونها سمراء فبانت بيضاء: فله الفسخ أيضًا ويرد عليه ما دفعه من مهر؛ للتلازم؛ وقد ذكرناه في مسألة (١٠)، فإن قلتَ: ليس له الفسخ في هذه الصورة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه زيادة خير فيها، فجاءه ما اشترطه وزيادة. قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن الزوج لم يشترط ذلك الشرط - وهو كونها قصيرة، أو سمراء، أو نحو ذلك - إلا لأن مصلحته قد اقتضت ذلك، فقد يناسب شخصًا ما =
стр. 2366
فإن كان ممن يحل له نكاح الإماء: فله الخيار، وإلا: فرق بينهما وما ولدته قبل العلم حر يفديه بقيمته يوم ولادته، وإن كان المغرور عبدًا فولده حر أيضًا يفديه إذا عتق، ويرجع زوج بالفداء والمهر على من غرَّه (١٠)، ومن تزوجت رجلًا على أنه حر أو تظنه حرًا، فبان عبدًا: فلها الخيار (١١) (وإن عتقت) أمة (تحت حر: فلا خيار
= لا يناسب الآخر، ولولا ذلك: لما ارتزق الخلق، "وللناس فيما يعشقون مذاهب" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "اختلاف المصلحتين".
(١٠) مسألة: إذا تزوج الحر امرأة وشرط: "كونها حرَّة"، أو غلب على ظنه أنها حرَّة: فبانت أنها أمة: فله الخيار: إن شاء فسخ هذا النكاح وإن شاء أمسك إن كان ممن يحل له أن ينكح الإماء - وهو من لم يجد طولًا، وخاف العنت على نفسه كما سبق - أما إن كان ممن لا يحل له أن ينكح الإماء - وهو الذي يجد الطول، أو لم يخف على نفسه العنت -: فالنكاح باطل، ويفرق بينهما، أما ما تلده تلك المرأة: فإنه يكون حرًا إن كان قبل علم الزوج الحر بكونها أمة، يفديه بقيمته عند ولادته، وإن تزوج عبد امرأة بناء على أنها حرة، فبانت أمة: فإن ولده حر أيضًا، يفديه يوم ولادته إذا عتق، ويأخذ المغرور من زوج وعبد قيمة ولده ممن غرَّه - وكذلك يأخذ منه المهر إن فسخ النكاح؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجود عقد قد غُرَّ فيه: ثبوت الخيار للمغرور كالبيع، ويلزم من كون ذلك الرجل لا يصح زواجه بالأمة: وجوب التفريق بينهما، ويلزم من وقوع الغرر والتضليل: أن يكون ولده حرًا، يأخذ ثمن حريته ممّن غرَّه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر، وعلي، وابن عباس: أنه يُفدى ما ولد حيًا بقيمته، ويكون حرًا؛ لكونه قد قصد بالنكاح حرية الأولاد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق المسلم من أن يؤخذ ماله بغير حق.
(١١) مسألة: إذا تزوجت الحرة رجلًا وشرطت: "كونه حرًا" أو غلب على ظنها أنه حر: فبان عبدًا: فلها الخيار، إن شاءت فسخت هذا النكاح، وإن شاءت =
стр. 2367
لها)؛ لأنها كافأت زوجها في الكمال، كما لو أسلمت كتابية تحت مسلم (بل) يثبت لها الخيار إن عتقت كلها (تحت عبد) كله؛ لحديث بريرة وكان زوجها عبدًا أسود، رواه البخاري وغيره عن ابن عباس، وعائشة ﵃ (١٢)، فتقول: "فسخت
= أمضته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود عقد قد غُرَّ فيه: ثبوت الخيار للمغرور كالبيع - كما قلنا في الرجل إذا غر في مسألة (١٠) -، والمقصد منه: نفس المقصد من مسألة (١٠).
(١٢) مسألة: إذا تزوج حر أمة - وكان يجوز له نكاحها بأن كان لا يجد طولًا، وخشي العنت -، ثم عتقت تلك الأمة بأي طريق، أو تزوج عبد أمة، ثم عتقت الأمة - بأي طريق -: فلها الخيار في الصورتين فإن شاءت فسخت النكاح، وإن شاءت أمضته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن بريرة كانت تحت عبد يُقال له مغيث، فلما أعتقتها عائشة، تركت مغيثًا، ولم ترده، وعلم النبي ﷺ بذلك، وأراد أن يشفع بردها، فقالت: يا رسول الله: أتأمرني؟ فقال النبي ﷺ : "لا إنما أنا شافع" فأقرّها ﷺ على فسخها النكاح، ولم تقبل شفاعته فيه، فلو لم يكن لها حق الخيار: لما أقرها عليه؛ وبيَّن تحريمه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو كان زوجها عبدًا لكان لها الخيار - كما في خبر بريرة - فكذلك يكون لها الخيار إذا كان زوجها حرًا، والجامع: أنها في كل قد كملت بالحرية، أي ملكت رقبتها وبضعها، فلا يملك ذلك عليها إلا باختيارها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يعطيها حقها من الحرية واختياراتها، فإن قلتَ: إن عتقت أمة تحت حر فلا خيار لها - وهي الصورة الأولى - وهذا ما ذكره المصنف هنا، وهو مذهب الجمهور، لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الكتابية لو أسلمت وهي تحت مسلم: لا خيار لها، فكذلك الأمة لو أعتقت وهي تحت حر لا خيار لها، والجامع: أن كلًّا منهما قد كافأت وساوت زوجها في الكمال، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن =
стр. 2368
نكاحي" أو "اخترت نفسي" ولو متراخيًا (١٣)، ما لم يوجد منها دليل رضى: كتمكين من وطء، أو قبلة، ونحوها ولو جاهلة (١٤)،
= ابن عمر، وابن عباس قلتُ: أما القياس: فلا يُسلَّم الأصل فيه؛ حيث إن الكتابية لو أسلمت فلها الخيار، والفرع يكون مثل ذلك، أما قول الصحابي - ابن عمر وابن عباس -: فهو اجتهاد منهما قياسنا أقوى منه، فإن قلت: ما منه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" و "تعارض القياس وقول الصحابي".
(١٣) مسألة: إذا اختارت المرأة فراق زوجها - في مسألتي (١١ و ١٢) قائلة: "اخترت نفسي" أو "فسخت نكاحي": فإن هذا يكون فسخًا، ولا يسمَّى طلاقًا، ويصح فسخها مطلقًا: أي: سواء كان فورًا، أو على التأخر والتراخي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة: القولية؛ حيث قال: "الطلاق لمن أخذ بالساق" فخصَّص الطلاق بالزوج فقط، دون المرأة فلا يكون فسخها طلاقًا، ولو سمته بلفظ "الطلاق"، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لو كفر الزوج: فإنه يفرق بينهما ويُسمَّى ذلك فسخًا، لا طلاقًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما فرقة من قبل الزوجة، ثانيهما: كما أن فسخ البيع في خيار العيب يثبت ولو تأخر اكتشاف العيب، فكذلك خيار فسخ النكاح يثبت ولو تأخر، والجامع: جلب المصلحة، ودفع المفسدة، وهو المقصد منه.
(١٤) مسألة: إذا علمت المرأة بعتقها وهي تحت حر، أو عبد - كما سبق في مسألة (١٢) - ووجد دليل منها يدل على رضاها بزوجها، وأنها لا تريد فسخ نكاحها مثل: أن تمكّنه من وطئها، أو تقبيلها أو نحو ذلك بعد علمها بالعتق فلا تفسخ النكاح بعد ذلك؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث إن ذلك التمكين دليل ظاهر على عزمها على عدم فسخ نكاحها. الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن ابن عمر وأخته حفصة.
[فرع]: إذا علم الزوج أن امرأته قد عتقت ولكنها هي جاهلة بعتقها، =
стр. 2369
ولا يحتاج فسخها لحاكم (١٥)، فإن فسخت قبل دخول: فلا مهر، وبعده: هو لسيدها (١٦).
(فصل): في العيوب في النكاح، وأقسامها ثلاثة: قسم يختص بالرجال، وقد ذكره بقوله: (ومن وجدت زوجها محبوبًا) قطع ذكره كله (أو) بعضه و (بقي له ما لا يطأ به: فلها الفسخ (١٧)، وإن ثبتت عنَّته بإقراره أو) ثبتت (ببيّنة على إقراره: أُجِّل
= ومكّنته من وطئها أو تقبيلها: فهذا لا يدل على رضاها، وعدم فسخها؛ للتلازم؛ حيث إن تمكينها له من نفسها مع جهلها بالعتق يلزم منه: عدم رضاها بالزوج فيما لو علمت بعتقها، فإن قلتَ: إن هذا يدل على رضاها، وإن كانت جاهلة، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لا دليل على ذلك، بل الدليل على خلافه؛ لكونه يُعذر بالجهل.
(١٥) مسألة: إذا أرادت المرأة أن تفسخ نكاحها لما علمت بأن زوجها عبد، أو أنها أعتقت - كما في مسألتي (١٢) و (١٣) -: فإن لها الحق في الفسخ بنفسها بدون إذن حاكم وقاضي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن فسخ البيع بسبب عيب أو نحو ذلك لا يحتاج إلى إذن حاكم فكذلك فسخ النكاح مثله، والجامع: أن هذا من حق المتضرر في كل.
(١٦) مسألة: إذا أرادت المرأة أن تفسخ نكاحها لما علمت بعتقها، ووقع هذا الفسخ قبل الدخول والوطء: فإنها لا تستحق مهرًا، وإن وقع هذا الفسخ بعد الدخول والوطء: فإن المهر لسيدها الذي عقد نكاحها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع الفرقة من قبلها قبل الدخول: عدم استحقاقها لمهرها، ويلزم من وقوع الفرقة من قبلها بعد الدخول: استحقاقها للمهر، ولكن يكون لسيدها المتولي العقد؛ لكونها أثناء العقد هي ملكه.
(١٧) مسألة: إذا وجدت المرأة زوجها مقطوع الذكر أو بعضه، ولم يبق إلّا شيء لا يستطيع الجماع به - وهو "المجبوب" -: أو مقطوع الخصيتين، أو وجد أيُّ مرض يمنع الجماع كسل لهما، أو وجاء فيجوز لها فسخ النكاح في الحال؛ للتلازم؛ =
стр. 2370
سنة) هلالية (منذ تحاكمه) روي عن عمر، عثمان وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة؛ لأنه إذا مضت الفصول الأربعة، ولم يزل علم أنه خِلْقة (فإن وطئ فيها) أي: في السنة (وإلا فلها الفسخ) ولا يُحتسب عليه منها ما اعتزلته فقط (وإن اعترفت أنه وطئها) في القبل في النكاح الذي ترافعا فيه، ولو مرَّة: (فليس بعنِّين)؛ لاعترافها بما ينافي العنَّة، وإن كان ذلك بعد ثبوت العنة: فقد زالت (١٨) ولو قالت في وقت:
= حيث إن المقصود من عقد النكاح هو الوطء والاستمتاع والاستيلاد فيلزم من وجوده عند الذكر: أن تفسخ النكاح إن شاءت؛ لكون ذلك يمنع المقصد.
(١٨) مسألة: إذا لم يقدر الزوج - حرًا أو عبدًا - على إيلاج ذكره في قبل المرأة - وهي: العنَّة -، أو ثبتت تلك العنة بإقراره، أو ببينة على إقراره: فإنهما يتحاكمان إلى القاضي، أو إلى أي عالم، ثم يؤجَّل سنة كاملة منذ وقت تحاكمهما فإن استطاع إيلاج ذكره في قبلها وثبت ذلك باعتراف الزوجة، ولو مرة في تلك السنة: فليس بعنِّين، بل عادي، وإن كان هذا الإيلاج بعد ثبوت العنَّة: فإنه يُحكم بزوال تلك العِنَّة، أما إن لم يستطع الإيلاج طوال السنة كلها: فإنها تستحق أن تفسخ نكاحها إن شاءت؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن مضي الفصول الأربعة للسنة - وهي الصيف، والخريف، والشتاء، والربيع - وهو لم يزل على حاله - لم يستطع الإيلاج - فيلزم منه أن العنة خِلْقَة، لا من مرض ويلزم منه: استحقاقها لفسخ نكاحها؛ لمخالفة ذلك لمقتضى عقد النكاح، ويلزم من قدرته على الإيلاج ولو مرة واحدة في تلك السنة باعتراف زوجته: نفي العنة عنه، وشفائه منها، ويلزم من إقرارها بوطئها مرة واحدة: سقوط حقها في فسخ النكاح، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن تأجيله سنة كاملة قد ثبت عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، والمغيرة، فإن قلتَ: لم يؤجَّل سنة كاملة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العنة قد تكون حصلت بسبب اختلاف الأمزجة، والجو؛ فإن كانت العنة بسبب يبوسة: زال في فصل الرطوبة، وإن كان بسبب رطوبة: زال في فصل اليبوسة، وإن كان بسبب =
стр. 2371
رضيتُ به عِنِّينًا: سقط خيارها أبدًا)؛ لرضاها به كما لو تزوجته عالمة عنَّته (١٩).
(فصل): (و) القسم الثاني يختص بالمرأة، وهو (الرَّتق): بأن يكون فرجها مسدودًا، لا يسلكه ذكر بأصل الخِلْقة (والقرن): لحم زائد ينبت في الفرج فيسدُّه (والعفل): ورم في اللحمة التي بين مسلكي المرأة، فيضيق منها فرجها، فلا ينفذ فيه الذكر (والفتق): انخراق ما بين سبيليها، أو ما بين مخرج بول ومني (واستطلاق بول ونجو) أي: غائط منها، أو منه (وقروح سيَّالة في فرج) واستحاضة (٢٠) (و) من القسم
= برد: زال في فصل الصيف، وإن كان بسبب حر: زال في الشتاء وإن كان بسبب عدم الاعتدال: زال في فصل الاعتدال.
[فرع]: إذا اعتزلته المرأة بنشوز أو مرض فلا يحسب وقت اعتزالها من السنة، وإذا اعتزلها هو، أو سافر، فإنه يحسب من السنة؛ للتلازم؛ حيث إن من حقه وقت اعتزالها فيلزم عدم احتسابه من السنة.
(١٩) مسألة إذا قالت المرأة: "إني رضيت بهذا وإن كان عنينًا" أو "أسقط حقي من الفسخ": فإنه لا خيار لها، فلا يجوز لها الفسخ أبدًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها لو تزوجته وهي عالمة بأنه عنِّين: فلا خيار لها فكذلك لو ثبتت عنته بعد زواجها منه، ثم رضيت به بقولها: فلا خيار لها، والجامع إعلان رضاها به، ودخولها على بصيرة.
(٢٠) مسألة: يثبت الخيار للزوج - في فسخ النكاح أو عدمه - بأي عيب في زوجته يُنفر عن الاستمتاع بالجماع أو عن كماله مثل: ١ - "الرَّتق" وهو: التصاق الشفرين بأصل الخلقة، فيتسبَّب بسدِّ فرجها، فلا يسلكه الذكر، ٢ - "القَرْن" وهو قطعة لحم تنبت في الفرج فتسدُّه، فتمنع دخول الذكر، ٣ - "العَفَل" وهو: ورم في اللحمة الموجودة بين مسلكي المرأة، فيتسبَّب في ضيق فرجها، فيصعب إدخال الذكر فيه وقيل: إن العفل: رطوبة تخرج من فرجها باستمرار تمنع من اللذة - شبيهة بالاستحاضة - وهذا أولى؛ لأن تفسير العفل بالأول هو القرن، ٤ - =
стр. 2372
الثالث وهو: المشترك (باسور، وناصور) وهما داآن بالمقعدة (و) من القسم الأول (خصاء) أي: قطع الخصيتين (وسل) لهما (ووجاء) لهما؛ لأن ذلك يمنع الوطء، أو يُضعفه، (و) من المشترك: (كون أحدهما خنثى واضحًا) أما المشكل: فلا يصح نكاحه - كما تقدم - (وجنون ولو ساعة، وبرص، وجذام) وقرع رأس له ريح منكرة، وبخر فم: (يثبت لكل واحد منهما الفسخ)؛ لما فيه من النفرة، (ولو حدث بعد العقد) والدخول كالإجارة (٢١) (أو كان بالآخر عيب مثله) أو مغاير له؛ لأن الإنسان يأنف
= " الفَتْق" وهو: انخراق ما بين السبيلين - وهما: القبل والدبر - وقيل: انخراق ما بين مخرج البول، ومخرج المني منها، وهو مانع من الاستمتاع، ٥ - قروح سيَّالة في فرجها: يمنع لذَّة الجماع. ٦ - استحاضة - وهو: دم يخرج من فرج المرأة على استمرار - وقد سبق بيانه - وهو يمنع لذة الجماع، فهذه العيوب وأمثالها تجيز للزوج فسخ نكاحه، ويأخذ كامل المهر الذي دفعه من الذي غرَّه، لا من الزوجة - وسيأتي -؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من عقد النكاح هو: الوطء؛ للاستمتاع والاستيلاد، والإعفاف وهذه العيوب تمنع ذلك فيلزم استحقاقه للخيار، فإن شاء فسخ النكاح، وإن شاء أمسك،
تنبيه: استطلاق بول أو غائط من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة وسيأتي في مسألة (٢١).
(٢١) مسألة: يثبت الخيار للزوج والزوجة - من فسخ النكاح أو عدمه - بأي عيبٍ وُجد في أحدهما من العيوب المشتركة التالية: ١ - إذا استطلق بول أحدهما أو غائطه واستمر خروجه: فإن للسليم منهما فسخ النكاح إن شاء. ٢ - إذا اتضح أن أحد الزوجين خنثى واضح غير مشكل، فإن للصحيح منهما فسخ النكاح إن شاء. ٣ - إذا وجد جنون أحدهما ولو ساعة، أو وجد برص بأحدهما أو وجد بأحدهما جذام - وهو مرض يتسبَّب في تناثر اللحم -، فإن للسليم منهما فسخ النكاح إن شاء. ٤ - إذا ظهرت ريح منكرة من رأس أحدهما أو إبطه أو فمه =
стр. 2373
من عيب غيره، ولا يأنف من عيب نفسه (٢٢) (ومن رضي بالعيب): بأن قال: "رضيتُ به" (أو وجدت منه دلالته) من وطء، أو تمكين منه (مع علمه) بالعيب: (فلا خيار له) ولو جهل الحكم، أو ظنّه يسيرًا فبان كثيرًا؛ من جنس ما رضي به (٢٣) (ولا
= واستمرّ ذلك وآذى الآخر: فللسليم منهما فسخ النكاح إن شاء، فهذه العيوب من أحدهما تجيز الخيار للآخر، ولو حدثت بعد عقد النكاح أو الدخول؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الشخص إذا اشترى سلعة أو استأجرها فوجد فيها عيبًا: فإن له الخيار في رد تلك السلعة، أو إمضاء البيع فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما عقد على عوض ومنفعة، قال ابن القيم: "كل عيب يُنفِّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح: فإنه يوجب الخيار، وإنه أولى من البيع" الثانية: التلازم؛ وقد ذكرناه في مسألة (٢٠).
تنبيه: قوله: "ومن القسم الأول: خصاء أي قطع الخصيتين، وسل لهما، ووجاء لهما؛ لأن ذلك يمنع الوطء أو يُضعفه" قد سبق بيانه في مسألة (١٧)؛ لكون مكانه هناك أنسب.
(٢٢) مسألة: يثبت الخيار لأحد الزوجين - من فسخ وعدمه - إذا وجد في الآخر عيبًا مما سبق، وإن كان بالأول عيب مثله كأن يكون كل واحد من الزوجين فيه استطلاق بول أو غائط، أو كل واحد منهما فيه برص مثلًا، أو كان بأحدهما عيب غير عيب الآخر كأن يكون الزوج فيه استطلاق بول، والزوجة فيها برص، ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون طبيعة الإنسان يكره عيب غيره، ولا يكره عيب نفسه: أن يكون لهما الخيار، فإن شاء أحدهما فسخ، وإن شاء أمسك.
(٢٣) مسألة: إذا كان في أحد الزوجين عيب، ورضي به الآخر بصريح قوله: بأن قال: "رضيتُ به" أو ظهر دليل منه يدل على رضاه من كون الزوج قد وطأ الزوجة المعيبة، أو مكَّنت الزوجة زوجها المعيب من وطئها: فإنه لا خيار لمن =
стр. 2374
يتم) أي: لا يصح (فسخ أحدهما إلا بحاكم) فيفسخه الحاكم بطلب من ثبت له الخيار، أو يرده إليه فيفسخه (٢٤) (فإن كان) الفسخ (قبل الدخول: فلا مهر) لها سواء
= رضي بهذا الطريق بشرطين: أولهما: أن يكون السليم منهما عالمًا بعيب الآخر قبل العقد أو بعده ثانيهما: أن يكون السليم عالمًا بحكم ذلك العيب وأن له الحق في فسخ النكاح إن شاء، أما إن كان جاهلًا بالعيب، أو جاهلًا بحكم ذلك من فسخ ونحوه: فله الخيار، للتلازم؛ حيث يلزم من رضى أحد الزوجين بالعيب مع علمه به، وبحكمه: سقوط خياره؛ لكونه أسقط حقًّا له قد علم به، فإن قلتَ: لا يُشترط الشرط الثاني: فلا خيار له ولو جهل الحكم، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلت: لم أجد دليلًا على ذلك؛ بل الحكم على خلافه، لذلك اشترطناه؛ لأن الجهل يُعذر به.
[فرع]: إذا غلب على ظن أحد الزوجين أن العيب الذي في الآخر قليلًا فرضي به، فبان كثيرًا: فإن له الخيار، كمن ظن أن البرص ونحوه قليل في جسد، فبان أن كل الجسد فيه ذلك ونحو ذلك: فإن له الخيار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تغيُّر ظنه: تغيُّر الحكم، فإن قلتَ: إنه لا خيار له: سواء كان العيب قليلًا أو كثيرًا إذا علم به ورضي به، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن الكثير من جنس القليل المرضي عنه فيلزم عدم التفريق قلتُ: إن الراضي بالقليل من العيوب قد لا يرضى بالكثير منها؛ لاختلاف الكثير عن القليل بالتأثير.
(٢٤) مسألة: إذا أراد أحد الزوجين فسخ النكاح بسبب عيب في الآخر: فإن الذي يقوم بالفسخ هو الحاكم - وهو القاضي - بطلب ممّن ثبت له الخيار، أو يجعل الفسخ إلى من ثبت له الخيار؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا أعسر الزوج عن الإنفاق على زوجته وطلبت زوجته فسخ النكاح بسبب ذلك الإعسار فإن الذي يفسخه هو القاضي فكذلك الحال هنا والجامع: أنه فسخ مجتهد يعرف حدود الإعسار =
стр. 2375
كان الفسخ منه أو منها؛ لأن الفسخ إن كان منها: فقد جاءت الفرقة من قبلها، وإن كان منه: فإنما فسخ لعيبها الذي دلَّسته عليه، فكأنه منها (و) إن كان الفسخ (بعده) أي: بعد الدخول، أو الخلوة: فـ (لها) المهر (المسمَّى) في العقد؛ لأنه وجب بالعقد، واستقرّ بالدخول فلا يسقط (ويرجع به على الغار إن وجد)؛ لأنه غرَّه، وهو قول عمر و"الغار": من علم بالعيب وكتمه: من زوجة عاقلة، وولي، ووكيل (٢٥) وإن
= والعيوب وما يتعلق بذلك من الأحكام لئلا يتدخل بعض من لا علم عنده فيجعل من ليس معسرًا بمعسر والمعسر ليس معسرًا، ويجعل من لا عيب عنده بمعيب، ومن عنده عيب لا عيب عنده فيخلطون بسبب جهلهم بين حقائق الأمور.
(٢٥) مسألة: إذا اختار أحد الزوجين فسخ النكاح بسبب وجود عيب بالآخر وكان هذا الفسخ قبل الدخول: فإنه لا مهر للزوجة: سواء كان الفسخ قد حصل من الزوج بعيبها، أو من الزوجة بعيبه، أما إن وقع الفسخ بعد الدخول أو الخلوة أو الوطء: فإنها تستحق المهر المسمَّى عند العقد؛ ويأخذ الزوج هذا المهر ممن غرَّه - وزوَّجه تلك المرأة المعيبة إن وُجد؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الفسخ فيها قبل الدخول: سقوط المهر عنه؛ لأن المفارقة جاءت قبلها ويلزم من وجود الفسخ منه قبل الدخول: سقوط المهر عنه أيضًا؛ لكون الفسخ حصل بسبب تدليسها عليه، فلم تستحق شيئًا عليه؛ عقابًا لها ولوليها، ويلزم من وجود الفسخ بعد الدخول: ثبوت المهر لها؛ لكونه ثابتًا بسبب العقد، ومستقرًا بسبب الدخول، ويلزم من كون الزوج قد غُرِّر به أن يُطالب من غرَّه بذلك المهر الذي دفعه؛ لكونه دفعه من غير مقابل، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر أنه قال: "أيما رجل تزوج امرأة بها جنون، أو جذام، أو برص فمسّها: فلها صداقها، وذلك لزوجها على وليها".
[فرع]: المقصود بالغارِّ: من علم العيب فكتمه: سواء كان زوجًا، أو =
стр. 2376
طُلِّقت قبل دخول، أو مات أحدهما قبل الفسخ: فلا رجوع على غار (٢٦) (والصغيرة، والمجنونة، والأمة لا تُزوج واحدة منهن بمعيب) يُردُّ به النكاح، لأن وليهن لا ينظر لهن إلّا بما فيه الحظ والمصلحة، فإن فعل: لم يصح إن علم، وإلا: صحَّ، ويفسخ إذا علم، وكذا ولي صغير، أو مجنون ليس له تزويجهما بمعيبة تُردُّ في النكاح، فإن فعل: فكما تقدَّم (٢٧) (فإن رضيت) العاقلة الكبيرة محبوبًا، أو عنينًا: لم
= زوجة عاقلة، أو ولي، أو وكيل، فأي واحد من هؤلاء غرَّ الآخر: فإنه يضمن؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ حق المغرور من أحد الزوجين.
(٢٦) مسألة: إذا طلَّق الزوج زوجته المعيبة، أو مات الزوج، أو ماتت الزوجة المعيبة قبل أن يفسخ الزوج المغرور بتلك الزوجة المعيبة ذلك النكاح: فلا يجوز له أن يرجع ويأخذ ما دفعه من المهر من الغارِّ له، ولها المهر كاملًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود الفسخ المسبِّب للرجوع على من غرَّه: عدم استحقاق الزوج أخذ ما دفعه من مهر، ويلزم من تقرر المهر بالموت: استحقاقها للمهر كاملًا بسبب الموت.
(٢٧) مسألة: لا يجوز لولي صغيرة، ومجنونة، وأمة أن يزوجهن برجل معيب يرد في النكاح، ولا يجوز لولي صغير، ومجنون، وعبد أن يزوجهم بامرأة معيبة تُردُّ في النكاح، فإن فعل ذلك الولي: فإنه لا يصح النكاح إن كان عالمًا بذلك العيب فيهما، وإن لم يعلم فإنه يصح، ويجب عليه أن يفسخ هذا النكاح بعد العلم؛ للمصلحة: حيث إن الولي يجب عليه أن يختار لمن تولى عليها الزوج الصالح لها، ويختار لمن تولى عليه الزوجة الصالحة، وتزويجه لهما بغير ذلك أو عدم فسخه حين العلم به خيانة للأمانة، وتغريرًا بهما، وقد يكون فيه فساد للمجتمع كله؛ إذ قد يُنجبوا أولادًا غير أسوياء، فتكثر العاهات في المجتمع، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
стр. 2377
تُمنع)؛ لأن الحق في الوطء لها، دون غيرها (٢٨) (بل) يمنعها وليها العاقد (من) تزوج (مجنون، ومجذوم، وأبرص)؛ لأن في ذلك عارًا عليها، وعلى أهلها، وضررًا يخشى تعدِّيه إلى الولد (٢٩) (ومتى) تزوجت معيبًا لم تعلمه، ثم (علمت العيب) بعد عقد: لم تجبر على الفسخ (أو) كان الزوج غير معيب حال العقد، ثم (حدث به) العيب بعده: (لم يجبرها وليها على الفسخ) إذا رضيت به؛ لأن حق الولي في ابتداء العقد، لا في دوامه (٣٠).
(٢٨) مسألة: إذا رضيت امرأة كبيرة عاقلة أن تتزوج مجبوبًا - وهو مقطوع الذكر أو بعضه - أو عنينًا: فلا يجوز لوليها أن يمنعها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون الوطء والجماع من حقها دون غيرها: عدم جواز منعها من التزوج بمن لا يمكنه ذلك؛ لأنه حق لها قد أسقطته، والمقصد منه: مراعاة من عنده مثل هذه الأمراض.
(٢٩) مسألة: إذا رضيت امرأة كبيرة عاقلة أن تتزوج مجنونًا، أو مجذومًا، أو أبرصًا: فإنه يجوز لوليها أن يمنعها من ذلك؛ للمصلحة: حيث إن الزواج بمن عندهم تلك الأمراض قد يكون سببًا في تعدِّيها إلى أولادهم، فتنتشر الأمراض في المجتمع، تنبيه: قوله: "لأن في ذلك عارًا عليها وعلى أهلها" قلتُ: لا يوجد عار في ذلك، بل يمكن أن يكون ذلك مفخرة لهم؛ حيث إن تلك المرأة قد قبلت بأحد هؤلاء بسبب هذا شدِّة دينها مريدة خدمتهم، بدلًا من الوحدة التي يعيشون فيها، إذا لم يكن بينهم أولاد.
(٣٠) مسألة: إذا كان الزوج معيبًا قبل العقد، والزوجة لم تعلم به إلا بعد العقد، أو كان الزوج سليمًا قبل العقد، وحدث به عيب بعد العقد، ورضيت الزوجة بذلك في الصورتين: فلا يجوز لوليها أن يجبرها على فسخ هذا النكاح، وتركها لزوجها؛ للتلازم؛ حيث إن رضاها بذلك، وإن حق الولي في الاعتراض وعدمه في ابتداء العقد فقط، دون دوامه واستمراره يلزم منه عدم جواز إجبارها على فسخ هذا النكاح.
стр. 2378
باب نكاح الكفار
من أهل الكتاب وغيرهم (حكمه كنكاح المسلمين) في الصحة، ووقوع الطلاق، والظهار، والإيلاء، ووجوب المهر، والنفقة والقسم، والإحصان، وغيرها، ويحرم عليهم من النساء من تحرم علينا (١) (ويقرون على فاسده) أي: فاسد النكاح (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم) بخلاف ما لا يعتقدون حلَّه، فلا يقرون عليه؛
باب نكاح الكفار، وما يُقرون عليه لو ترافعوا إلى حكّام المسلمين أو أسلموا
وفيه: إحدى وعشرون مسألة:
(١) مسألة: حكم أنكحة الكفار مع بعضهم كحكم أنكحة المسلمين مع بعضهم فيما يجب، وفيما يحرم، وفيما يكره، وفيما يصح، وفيما يفسد: فيحرم عليهم ما يحرم على المسلمين، ويقع طلاقهم، وتحصل المفارقة بسببه، ولو طلق ثلاثًا: فلا تصح مراجعتها إلّا بعد زوج آخر كالمسلمين، ويقع ظهارهم، وإيلاؤهم كالمسلمين ويجب المهر على الزوج، والنفقة كوجوبه على المسلمين، ويجب القسم إذا عدَّد أحدهم، والإحصان، ويلزمهم ما يلزمنا من الشروط والفسوخ، وأيضًا: يحرم عليهم من النساء من تحرم علينا: سواء كان تحرم علينا سواء كان بنسب، أو سبب ومصاهرة، أو رضاع؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء والتتبّع لنصوص الكتاب والسنة إضافة المرأة للكافر؛ حيث قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ وقال: "وامرأته حمّالة الحطب" وهذه الإضافة يلزم منها زوجية صحيحة، وأطلق النبي ﷺ لفظ "النكاح" على زواج الكافر؛ حيث قال: "ولدتُ من نكاح لا من سفاح"، وأقر النبي ﷺ كل كافر على نكاحه وزواجه لما أسلم، فلم يطلب ممن أسلم أن يعقد عقدًا جديدًا، وكل ذلك يدل على أن حكم أنكحة الكفار كأنكحة المسلمين.
стр. 2379
لأنه ليس من دينهم (ولم يرتفعوا إلينا)؛ لأنه ﵇ أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يعترض عليهم في أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم (٢) (فإن أتونا قبل عقده: عقدناه على حكمنا) بإيجاب، وقبول، وولي وشاهدي عدل منا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) (وإن أتونا بعده) أي: بعد العقد
(٢) مسألة: يُقرُّ الكفار على أنكحتهم وإن كانت فاسدة ومحرَّمة أو خالفت أنكحة المسلمين بشرطين: أولهما: أن يعتقد هؤلاء الكفار صحة تلك الأنكحة في شرعهم ودينهم، ثانيهما: أن لا يترافعوا إلينا، فإذا توفَّر هذان الشرطان: فإنهم يُقرون على أنكحتهم الفاسدة، أما إن اختلَّ هذان الشرطان أو أحدهما: بأن لم يعتقدوا صحتها وحلَّها كالزنا، أو ترافعوا إلينا بسبب خلاف جرى بينهم: فإنا لا نقرّهم على تلك الأنكحة الفاسدة، بل تُجري شرعنا عليهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ حيث يلزم من عبارة: "وإن تعرض عنهم فلن يضروك": أنهم يتركون وأحكامهم إذا لم يجيئوا إلينا، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أخذ الجزية من مجوس هجر، وأقرهم على أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم، وكذا: أسلم الجم الكثير على يديه ﷺ فأقرهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيتها. الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الصلح معهم: إقرارهم على دينهم، فإذا لم يرتفعوا إلينا لم نتعرض لهم، ويلزم من عدم اعتقادهم صحة وحل أنكحة كالزنا في دينهم: أن لا يقرون عليها: لكونهم هم لا يقرونها في دينهم أصلًا.
(٣) مسألة: إذا أراد رجل كافر أن يتزوج بامرأة كافرة مثله، وجاءا إلى أيِّ عاقد أنكحة مسلم ليعقد عقد الزواج بينهما: فيجب على هذا العاقد أن يعقده كما يعقده لو كان المتزوجان مسلمين، بإيجاب، وقبول وصيغة وولي المرأة، وحضور شاهدي عدل - كما سبق في أركان وشروط النكاح -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: =
стр. 2380
فيما بينهم (أو أسلم الزوجان) على نكاح: لم نتعرَّض لكيفية صدوره من وجود صيغة، أو ولي، أو غير ذلك (و) إذا تقرَّر ذلك: فإن كانت المرأة تباح إذًا) أي: وقت الترافع إلينا، أو الإسلام كعقد في عدَّة فرغت، أو على أخت زوجة ماتت، أو كان وقع العقد بلا صيغة، أو ولي، أو شهود: (أقرّا) على نكاحهما؛ لأن ابتداء النكاح حينئذٍ لا مانع منه، فلا مانع من استدامته (٤) (وإن كانت) الزوجة (ممّن لا
= ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ فأوجب الشارع أن يحكم القاضي والعاقد المسلم بين الكفار بالأحكام الإسلامية، ويُطبِّقها عليه، ولا يُوجد على وجه الأرض أقسط وأعدل وأيسر من أحكام الإسلام لمن عرفها ودقَّق فيها، وكان وسطًا في أحكامه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرشاده لما فيه مصلحة في دنياه وآخرته.
(٤) مسألة: إذا عقد الكافر نكاحه على تلك الكافرة، وعلم الحاكم أو القاضي بذلك العقد بعد وقوعه، أو أسلم هذا الكافر وتلك المرأة الكافرة على أنهما زوجان: فلا يجوز أن نتعرَّض لكيفية وقوع ذلك النكاح: من وجود صيغة، أو ولي، أو إيجاب، أو قبول، أو شاهدي عدل، ونحو ذلك، بل نتركهما على ما هما عليه بشرط: كون الزوجة مباحة له في شرعنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث أسلم خلق كثير عند النبي ﷺ مع نسائهم فأقرّهم على أنكحتهم، ولم يعترض على شيء منها، ولا يقر ﵇ على باطل فلزم كونها مباحة له، وإلا لما أقرّه عليه. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون ابتداء العقد غير ممنوع في شرعنا: عدم المنع من استدامته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن الكافر لو غلب على ظنه أنه سيُسأل عما فعله حال كفره من أنكحته ونحوها: لنفر كثير منهم عن الإسلام، لكنه إذا علم بأنه لن يُسأل عن شيء: لسهل دخوله في الإسلام، ولأخبر أصحابه وقبيلته عن ذلك وهذا يؤدي غالبًا إلى إسلام القبيلة كلها أو البلد كله، وهذا فيه مصالح عظمى قد لا يدركها من لم يعرف مقاصد =
стр. 2381
يجوز ابتداءً نكاحها) حال الترافع، أو الإسلام: كذات محرم، أو معتدَّة لم تفرغ عدَّتها، أو مطلقة ثلاثًا قبل أن تنكح زوجًا غيره: (فُرِّق بينهما)؛ لأن ما منع ابتداء العقد منع استدامته (٥) (وإن وطئ حربي حربية، فأسلما) أو ترافعا إلينا (وقد اعتقداه نكاحًا: أقرا) عليه؛ لأنا لا نتعرَّض لكيفية النكاح بينهم (وإلا) يعتقداه نكاحًا: (فُسخ) أي: فرّق بينهما؛ لأنه سفاح، فيجب إنكاره (٦) (ومتى كان المهر صحيحًا:
= الشريعة.
(٥) مسألة: إذا ترافع زوجان كافران إلى حاكم المسلمين، أو أسلما، وكانت الزوجة ممن لا يجوز للزوج أن يتزوجها في شرع الإسلام كأن تكون ذات محرم - أي: أخته أو خالته أو نحو ذلك - أو أن ذلك الكافر قد تزوج تلك المرأة وهي في حال العدَّة، أو تزوجها وهي حامل من غيره، أو طلَّقها ثلاثًا ثم جامعها قبل أن تنكح زوجًا غيره أو نحو ذلك مما يحرم في الإسلام: فإنهما لا يقرّان على ذلك، بل يُفرّق بينهما؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد كتب: "أن فرقوا بين كل ذي رحم من المجوس" ولم يخالفه أحد من الصحابة الذين سمعوا ذلك منه، وغير ذلك من المحرمات في الإسلام كالجمع بين ذي رحم يفرق بينهما من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون العقد ممنوع منه ابتداء - وهو الزواج بذوات المحارم مثلًا -: أن يمنع استدامته فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى.
(٦) مسألة: إذا قهر كافر حربي كافرةً حربية فوطئها، أو طاوعته، ثم ترافعا إلينا أو أسلما ففيه حالتان: الحالة الأولى: إن اعتقدا ذلك نكاحًا عندهم: فإنهما يُقران على ذلك، ولا يُفرَّق بينهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مشروعية عدم التعرض لكيفية أنكحتهم: أن نقرّهما على ما اعتقداه إذا لم يخالف شرعنا، الحالة الثانية: إن لم يعتقدا ذلك نكاحًا عندهم فإنهما لا يُقران عليه، بل يُفسخ هذا النكاح، ويفرّق بينهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ما وقع من ذلك القهر هو سفاح وليس من =
стр. 2382
أخذته)؛ لأنه الواجب (٧) (وإن كان (فاسدًا) كخمر، أو خنزير (وقبضته: استقر): فلا شيء لها غيره؛ لأنهما تقابضا بحكم الشرك (٨) (وإن تقبضه) ولا شيئًا منه: فرض لها مهر المثل؛ لأن الخمر ونحوه لا يكون مهرًا لمسلمة فيبطل، وإن قبضت البعض: مهر المثل؛ وجب قسط الباقي من (و) إن (لم يسمَّ) لها مهر: (فرض لها مهر المثل): لخلو النكاح عن التسمية (٩).
= أنكحتهمك وجوب إنكاره، وتغييره، وفسخه.
[فرع]: إن قهر ذمي ذمية فجامعها وترافعا إلينا، أو أسلما: فإنهما لا يُقران على ذلك، ويفرق بينهما مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الذمية معصومة بسبب عقد الذمة: أن لا يُقرُّ شيء من ذلك.
(٧) مسألة: إذا ترافع زوجان كافران إلينا، أو أسلما، وكان المهر الذي قبضته الزوجة صحيحًا في شرعنا: فإنها تأخذه؛ للتلازم؛ حيث إنه وجب بالعقد، ولا يخالف شرعنا: فيلزم أخذه.
(٨) مسألة: إذا أسلم زوجان كافران، وكان المهر الذي قبضته الزوجة فاسدًا كأن يكون خمرًا، أو خنزيرًا: فإنه ينفذ ويستقر، وليس لها غيره؛ لقواعد الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كونهما قد تقابضا حال الكفر قبل علمنا بهما: عدم التعرّض لكيفية ما وقع العقد عليه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إبطال المقبوض فيه مشقة؛ نظرًا لتطاول الزمان وكثرة تصرفاتهم في الحرام، وفيه تنفيرهم عن الإسلام، فعفي عنه لذلك كما عفي عما تركوه من الفرائض والواجبات الثالثة القياس؛ بيانه: كما لو تقابضا في بيع فاسد، وأسلما: فإنه لا يتعرض لذلك، فكذلك الحال هنا والجامع: وقوع ذلك في الشرك في كل.
(٩) مسألة: إذا أسلم زوجان كافران، وسُمِّي لها مهر فاسد كخمر وخنزير ولم تقبضه كله: فإنه يُفرض لها مهر المثل، وإن قبضت بعضه: فإنه يُفرض الباقي من مهر المثل، وأما إن لم يُسمَّ المهر: فإنه يُفرض لها مهر المثل الشرعي؛ للتلازم؛ حيث إن =
стр. 2383
(فصل): (وإن أسلم الزوجان معًا): بأن تلفّظا بالإسلام دفعة واحدة: فعلى نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلاف دين (١٠) (أو) أسلم (زوج كتابية) كتابيًا كان أو غير كتابي: (فعلى نكاحهما)؛ لأن للمسلم ابتداءً نكاح الكتابية (١١) (فإن أسلمت هي) أي: الزوجة الكتابية تحت كافر قبل دخول: انفسخ النكاح؛ لأن المسلمة لا تحل لكافر (١٢) (أو) أسلم (أحد الزوجين غير الكتابيين) كالمجوسيين يسلم أحدهما
= المهور الفاسدة - كالخمر والخنزير - لا تكون مهورًا للمسلمة، ولا قيمة لعبد مسلم: فلزم أن يُدفع لها مهرًا يُناسبها كمسلمة، وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، ويلزم من خلو النكاح عن تسمية مهر: أن يُفرض لها مهر.
(١٠) مسألة: إذا أسلم الزوجان في وقت واحد في مجلس واحد: بأن تلفَّظا بالشهادتين معًا، أو شرع الثاني بهما بعد فراغ الأول منهما: فإنهما يتركان على نكاحهما، ولا يفرق بينهما قبل الدخول أو بعده؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية حيث إن ابن عباس قال: جاء رجل فأسلم، ثم جاءت امرأته بعده، فقال يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردَّها عليه؛ الثانية التلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود اختلاف دين بينهما: عدم التفريق بينهما.
(١١) مسألة: إذا أسلم زوج كتابية - يهودية أو نصرانية - فإنهما يتركان على نكاحهما، ولا يفرق بينهما: سواء كان ذلك قبل الدخول، أو بعده، وسواء كان ذلك الزوج كتابيًا أو غير كتابي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز تزوج المسلم بالكتابية ابتداءً: ترك هذين على نكاحهما.
(١٢) مسألة: إذا أسلمت الزوجة الكتابية فقط وهي تحت كافر - كتابي أو غيره - قبل الدخول - وهو الوطء والجماع -: فإن النكاح يُفسخ، ويُفرَّق بينهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم المسلمة على الكافر: وجوب التفريق بينهما فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة: وهي: إكرام وإعزاز تلك المسلمة من تسلُّط الكافر؛ لعدم =
стр. 2384
(قبل الدخول: بطل) النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١٣) (فإن سبقته) بالإسلام: (فلا مهر) لها؛ لمجيء الفرقة من قبلها (١٤) (وإن سبقها) بالإسلام: (فلها نصفه) أي: نصف المهر، لمجيء الفرقة من قبله (١٥)، وكذا: إن أسلما وادَّعت سبقه، أو قالا: سبق أحدنا، ولا نعلم (١٦)
= التوافق بين المسلمة والكافر.
(١٣) مسألة إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين مثل المجوسيين قبل الدخول: فإن نكاحهما يبطل، ويفرق بينهما؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ حيث صرَّح بتحريم المسلمة على الكافر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد سبق بيانها.
(١٤) مسألة: إذا أسلمت الزوجة قبل زوجها وقبل الدخول: فلا مهر لها؛ للقياس؛ بيانه: كما لو أن الزوجة ارتدت عن الإسلام وزوجها مسلم: فلا مهر لها فكذلك إذا أسلمت قبل زوجها لا مهر لها والجامع: مجيء الفرقة من قبلها في كل.
(١٥) مسألة: إذا أسلم الزوج قبل زوجته وقبل الدخول: فللزوجة نصف المهر؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو طلَّقها قبل الدخول فلها نصف المهر فكذلك إذا أسلم قبل زوجته وقبل الدخول فلها ذلك، والجامع: مجيء الفرقة من قبله في كل.
(١٦) مسألة: إذا أسلم الزوجان قبل الدخول، وادَّعت أنه أسلم قبلها، وأنكر الزوج ذلك قائلًا: هي السابقة، فتحلف أنه سبقها بالإسلام، أو قالا: أسلم أحدنا قبل الآخر، ولا نعلم عين ذلك السابق: فإن الزوجة تأخذ نصف المهر في الصورتين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء هذا النصف في ذمة الزوج، فنستصحب ذلك ونعمل به ما لم يرد ما يغير الحالة.
стр. 2385
(وإن أسلم أحدهما) (١٧) أي: أحد الزوجين غير الكتابيين، أو أسلمت كافرة تحت كافر (بعد الدخول: وقف الأمر على انقضاء العدة)، لما روي مالك في "موطئه" عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافر، ثم أسلم، ولم يفرق النبي ﷺ بينهما، واستقرّت عنده امرأته بذلك النكاح قال ابن عبد البر: "شهرة هذا الحديث أقوى من إسناده" وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء العدة فهي امرأته، فإن أسلم بعد العدة: فلا نكاح بينهما (فإن أسلم الآخر فيها) أي: في العدة: (دام النكاح) بينهما؛ لما سبق (وإلا) يسلم الآخر حتى انقضت: (بان فسخه): أي: فسخ النكاح (منذ أسلم الأول) من الزوج أو
(١٧) مسألة: إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين - كالمجوسيين - أو أسلمت كافرة تحت كافر بعد الدخول - وهو الوطء والمجامعة -: فإن هذا يوقف على العدَّة: فإن أسلم الآخر - في الصورة الأولى - أو أسلم الزوج قبل انقضاء العدة في الصورة الثانية بثلاث حيض - فإن الزواج يدوم، ولا يُفرق بينهما من غير تجديد عقد نكاح، أما إن انقضت العدَّة ولم يسلم الآخر، أو الزوج: فإن نكاحهما يفسخ منذ أسلم الأول من الزوج أو الزوجة؛ لقواعد: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن النبي ﷺ لم يفرق بين صفوان بن أمية وامرأته - بنت الوليد بن المغيرة - أنها أسلمت قبله بشهر وهذا يلزم منه: ما ذكرناه منطوقًا ومفهومًا، الثانية: التلازم؛ حيث إن سبب الفرقة اختلاف الدين: فيلزم أن تحسب الفرقة منه، الثالثة: الاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد الاستقراء والتتبع أنه لم يُجدِّد أحد بعد إسلامه نكاحه مطلقًا بعقد جديد، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العادة أن الزوجين بعد الدخول يكون بينهما عشرة، وأولاد، فيشق عليهما الافتراق بعد إسلام أحدهما مباشرة، فجعلت العدَّة تلك لمدارسة الموضوع فلعل الذي لم يسلم يرجع إلى نفسه فيسلم إما إذا لم تنفعه تلك المدَّة: فلا يراعي، فيفرق بينهما =
следующие страницы →