← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

يجوز ابتداءً نكاحها) حال الترافع، أو الإسلام: كذات محرم، أو معتدَّة لم تفرغ عدَّتها، أو مطلقة ثلاثًا قبل أن تنكح زوجًا غيره: (فُرِّق بينهما)؛ لأن ما منع ابتداء العقد منع استدامته (٥) (وإن وطئ حربي حربية، فأسلما) أو ترافعا إلينا (وقد اعتقداه نكاحًا: أقرا) عليه؛ لأنا لا نتعرَّض لكيفية النكاح بينهم (وإلا) يعتقداه نكاحًا: (فُسخ) أي: فرّق بينهما؛ لأنه سفاح، فيجب إنكاره (٦) (ومتى كان المهر صحيحًا: = الشريعة. (٥) مسألة: إذا ترافع زوجان كافران إلى حاكم المسلمين، أو أسلما، وكانت الزوجة ممن لا يجوز للزوج أن يتزوجها في شرع الإسلام كأن تكون ذات محرم - أي: أخته أو خالته أو نحو ذلك - أو أن ذلك الكافر قد تزوج تلك المرأة وهي في حال العدَّة، أو تزوجها وهي حامل من غيره، أو طلَّقها ثلاثًا ثم جامعها قبل أن تنكح زوجًا غيره أو نحو ذلك مما يحرم في الإسلام: فإنهما لا يقرّان على ذلك، بل يُفرّق بينهما؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد كتب: "أن فرقوا بين كل ذي رحم من المجوس" ولم يخالفه أحد من الصحابة الذين سمعوا ذلك منه، وغير ذلك من المحرمات في الإسلام كالجمع بين ذي رحم يفرق بينهما من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون العقد ممنوع منه ابتداء - وهو الزواج بذوات المحارم مثلًا -: أن يمنع استدامته فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى. (٦) مسألة: إذا قهر كافر حربي كافرةً حربية فوطئها، أو طاوعته، ثم ترافعا إلينا أو أسلما ففيه حالتان: الحالة الأولى: إن اعتقدا ذلك نكاحًا عندهم: فإنهما يُقران على ذلك، ولا يُفرَّق بينهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مشروعية عدم التعرض لكيفية أنكحتهم: أن نقرّهما على ما اعتقداه إذا لم يخالف شرعنا، الحالة الثانية: إن لم يعتقدا ذلك نكاحًا عندهم فإنهما لا يُقران عليه، بل يُفسخ هذا النكاح، ويفرّق بينهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ما وقع من ذلك القهر هو سفاح وليس من =

стр. 2382

أخذته)؛ لأنه الواجب (٧) (وإن كان (فاسدًا) كخمر، أو خنزير (وقبضته: استقر): فلا شيء لها غيره؛ لأنهما تقابضا بحكم الشرك (٨) (وإن تقبضه) ولا شيئًا منه: فرض لها مهر المثل؛ لأن الخمر ونحوه لا يكون مهرًا لمسلمة فيبطل، وإن قبضت البعض: مهر المثل؛ وجب قسط الباقي من (و) إن (لم يسمَّ) لها مهر: (فرض لها مهر المثل): لخلو النكاح عن التسمية (٩). = أنكحتهمك وجوب إنكاره، وتغييره، وفسخه. [فرع]: إن قهر ذمي ذمية فجامعها وترافعا إلينا، أو أسلما: فإنهما لا يُقران على ذلك، ويفرق بينهما مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الذمية معصومة بسبب عقد الذمة: أن لا يُقرُّ شيء من ذلك. (٧) مسألة: إذا ترافع زوجان كافران إلينا، أو أسلما، وكان المهر الذي قبضته الزوجة صحيحًا في شرعنا: فإنها تأخذه؛ للتلازم؛ حيث إنه وجب بالعقد، ولا يخالف شرعنا: فيلزم أخذه. (٨) مسألة: إذا أسلم زوجان كافران، وكان المهر الذي قبضته الزوجة فاسدًا كأن يكون خمرًا، أو خنزيرًا: فإنه ينفذ ويستقر، وليس لها غيره؛ لقواعد الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كونهما قد تقابضا حال الكفر قبل علمنا بهما: عدم التعرّض لكيفية ما وقع العقد عليه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إبطال المقبوض فيه مشقة؛ نظرًا لتطاول الزمان وكثرة تصرفاتهم في الحرام، وفيه تنفيرهم عن الإسلام، فعفي عنه لذلك كما عفي عما تركوه من الفرائض والواجبات الثالثة القياس؛ بيانه: كما لو تقابضا في بيع فاسد، وأسلما: فإنه لا يتعرض لذلك، فكذلك الحال هنا والجامع: وقوع ذلك في الشرك في كل. (٩) مسألة: إذا أسلم زوجان كافران، وسُمِّي لها مهر فاسد كخمر وخنزير ولم تقبضه كله: فإنه يُفرض لها مهر المثل، وإن قبضت بعضه: فإنه يُفرض الباقي من مهر المثل، وأما إن لم يُسمَّ المهر: فإنه يُفرض لها مهر المثل الشرعي؛ للتلازم؛ حيث إن =

стр. 2383

(فصل): (وإن أسلم الزوجان معًا): بأن تلفّظا بالإسلام دفعة واحدة: فعلى نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلاف دين (١٠) (أو) أسلم (زوج كتابية) كتابيًا كان أو غير كتابي: (فعلى نكاحهما)؛ لأن للمسلم ابتداءً نكاح الكتابية (١١) (فإن أسلمت هي) أي: الزوجة الكتابية تحت كافر قبل دخول: انفسخ النكاح؛ لأن المسلمة لا تحل لكافر (١٢) (أو) أسلم (أحد الزوجين غير الكتابيين) كالمجوسيين يسلم أحدهما = المهور الفاسدة - كالخمر والخنزير - لا تكون مهورًا للمسلمة، ولا قيمة لعبد مسلم: فلزم أن يُدفع لها مهرًا يُناسبها كمسلمة، وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، ويلزم من خلو النكاح عن تسمية مهر: أن يُفرض لها مهر. (١٠) مسألة: إذا أسلم الزوجان في وقت واحد في مجلس واحد: بأن تلفَّظا بالشهادتين معًا، أو شرع الثاني بهما بعد فراغ الأول منهما: فإنهما يتركان على نكاحهما، ولا يفرق بينهما قبل الدخول أو بعده؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية حيث إن ابن عباس قال: جاء رجل فأسلم، ثم جاءت امرأته بعده، فقال يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردَّها عليه؛ الثانية التلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود اختلاف دين بينهما: عدم التفريق بينهما. (١١) مسألة: إذا أسلم زوج كتابية - يهودية أو نصرانية - فإنهما يتركان على نكاحهما، ولا يفرق بينهما: سواء كان ذلك قبل الدخول، أو بعده، وسواء كان ذلك الزوج كتابيًا أو غير كتابي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز تزوج المسلم بالكتابية ابتداءً: ترك هذين على نكاحهما. (١٢) مسألة: إذا أسلمت الزوجة الكتابية فقط وهي تحت كافر - كتابي أو غيره - قبل الدخول - وهو الوطء والجماع -: فإن النكاح يُفسخ، ويُفرَّق بينهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم المسلمة على الكافر: وجوب التفريق بينهما فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة: وهي: إكرام وإعزاز تلك المسلمة من تسلُّط الكافر؛ لعدم =

стр. 2384

(قبل الدخول: بطل) النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١٣) (فإن سبقته) بالإسلام: (فلا مهر) لها؛ لمجيء الفرقة من قبلها (١٤) (وإن سبقها) بالإسلام: (فلها نصفه) أي: نصف المهر، لمجيء الفرقة من قبله (١٥)، وكذا: إن أسلما وادَّعت سبقه، أو قالا: سبق أحدنا، ولا نعلم (١٦) = التوافق بين المسلمة والكافر. (١٣) مسألة إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين مثل المجوسيين قبل الدخول: فإن نكاحهما يبطل، ويفرق بينهما؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ حيث صرَّح بتحريم المسلمة على الكافر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد سبق بيانها. (١٤) مسألة: إذا أسلمت الزوجة قبل زوجها وقبل الدخول: فلا مهر لها؛ للقياس؛ بيانه: كما لو أن الزوجة ارتدت عن الإسلام وزوجها مسلم: فلا مهر لها فكذلك إذا أسلمت قبل زوجها لا مهر لها والجامع: مجيء الفرقة من قبلها في كل. (١٥) مسألة: إذا أسلم الزوج قبل زوجته وقبل الدخول: فللزوجة نصف المهر؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو طلَّقها قبل الدخول فلها نصف المهر فكذلك إذا أسلم قبل زوجته وقبل الدخول فلها ذلك، والجامع: مجيء الفرقة من قبله في كل. (١٦) مسألة: إذا أسلم الزوجان قبل الدخول، وادَّعت أنه أسلم قبلها، وأنكر الزوج ذلك قائلًا: هي السابقة، فتحلف أنه سبقها بالإسلام، أو قالا: أسلم أحدنا قبل الآخر، ولا نعلم عين ذلك السابق: فإن الزوجة تأخذ نصف المهر في الصورتين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء هذا النصف في ذمة الزوج، فنستصحب ذلك ونعمل به ما لم يرد ما يغير الحالة.

стр. 2385

(وإن أسلم أحدهما) (١٧) أي: أحد الزوجين غير الكتابيين، أو أسلمت كافرة تحت كافر (بعد الدخول: وقف الأمر على انقضاء العدة)، لما روي مالك في "موطئه" عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافر، ثم أسلم، ولم يفرق النبي ﷺ بينهما، واستقرّت عنده امرأته بذلك النكاح قال ابن عبد البر: "شهرة هذا الحديث أقوى من إسناده" وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء العدة فهي امرأته، فإن أسلم بعد العدة: فلا نكاح بينهما (فإن أسلم الآخر فيها) أي: في العدة: (دام النكاح) بينهما؛ لما سبق (وإلا) يسلم الآخر حتى انقضت: (بان فسخه): أي: فسخ النكاح (منذ أسلم الأول) من الزوج أو (١٧) مسألة: إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين - كالمجوسيين - أو أسلمت كافرة تحت كافر بعد الدخول - وهو الوطء والمجامعة -: فإن هذا يوقف على العدَّة: فإن أسلم الآخر - في الصورة الأولى - أو أسلم الزوج قبل انقضاء العدة في الصورة الثانية بثلاث حيض - فإن الزواج يدوم، ولا يُفرق بينهما من غير تجديد عقد نكاح، أما إن انقضت العدَّة ولم يسلم الآخر، أو الزوج: فإن نكاحهما يفسخ منذ أسلم الأول من الزوج أو الزوجة؛ لقواعد: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن النبي ﷺ لم يفرق بين صفوان بن أمية وامرأته - بنت الوليد بن المغيرة - أنها أسلمت قبله بشهر وهذا يلزم منه: ما ذكرناه منطوقًا ومفهومًا، الثانية: التلازم؛ حيث إن سبب الفرقة اختلاف الدين: فيلزم أن تحسب الفرقة منه، الثالثة: الاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد الاستقراء والتتبع أنه لم يُجدِّد أحد بعد إسلامه نكاحه مطلقًا بعقد جديد، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العادة أن الزوجين بعد الدخول يكون بينهما عشرة، وأولاد، فيشق عليهما الافتراق بعد إسلام أحدهما مباشرة، فجعلت العدَّة تلك لمدارسة الموضوع فلعل الذي لم يسلم يرجع إلى نفسه فيسلم إما إذا لم تنفعه تلك المدَّة: فلا يراعي، فيفرق بينهما =

стр. 2386

الزوجة (١٧)، ولها نفقة العدة إن أسلمت قبله ولو لم يسلم (١٨) (وإن كفرا) أي: ارتدَّا (أو) ارتدَّ (أحدهما بعد الدخول: وقف الأمر على انقضاء العدَّة) كما لو أسلم أحدهما: فإن تاب من ارتدَّ قبل انقضائها: فعلى نكاحهما، وإلا: تبيّنا فسخه منذ ارتدَّ (١٩) (و) إن ارتَّدا، أو أحدهما (قبله) أي: قبل الدخول: (بطل) النكاح؛ لاختلاف الدِّين (٢٠)، ومن أسلم وتحته أكثر من أربع فأسلمن، أو كنَّ كتابيات: اختار منهن أربعًا إن كان مكلَّفًا، وإلا: وقف الأمر حتى يُكلَّف، وإن أبى الاختيار: أجبر بحبس، ثم تعزير، وإن أسلم وتحته أختان: اختار منهما واحدة (٢١). = كالطلاق بين المسلمين. (١٨) مسألة: إذا أسلمت الزوجة قبل الزوج بعد الدخول وانتظرت العدة - وهي: ثلاث حيض -: فإن نفقة تلك العدة واجبة على الزوج وإن لم يسلم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن نفقة المطلقة طلاقًا رجعيًا واجبة على زوجها، فكذلك الحال هنا. والجامع: التمكّن من الاستمتاع بها في كل. (١٩) مسألة: إذا ارتدَّ زوجان مسلمان عن الإسلام، أو ارتدَّ أحدهما بعد الدخول: فإن هذا يوقف على انقضاء العدة: فإن تاب من ارتدَّ قبل انقضاء العدة: فهما على نكاحهما ولا يفرق بينهما، وإن لم يتب من ارتدَّ وانقضت العدَّة: فإن نكاحهما يُفسخ منذ ارتدَّ، وتخرج بذلك عن عصمته؛ للقياس على ما لو أسلم أحدهما وتفصيله قد سبق في مسألة (١٧). (٢٠) مسألة: إذا ارتد زوجان مسلمان عن الإسلام، أو ارتدَّ أحدهما قبل الدخول: فإن النكاح يبطل؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من ارتدادهما قبل الدخول: بطلان نكاحهما؛ لعدم صحته في الكفر، ويلزم من اختلاف الدين: بطلان نكاحهما كما لو أسلمت تحت كافر - كما سبق في مسألة (١٢) -. (٢١) مسألة: إذا أسلم كافر وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، أو كن كتابيات: فإنه يُجبر على اختيار أربع منهن فقط - ولو بالقوة إن كان مكلَّفًا - وإن لم يفعل: =

стр. 2387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فإنه يعاقب بما يناسب من حبس أو جلد أو نحو ذلك، وكذا: إن أسلم وتحته أختان، أو تحته امرأة وعمّتها، أو امرأة وخالتها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ الغيلان وقد أسلم وتحته عشر نسوة: "اختر أربعًا وفارق سائرهن" فأوجب عليه الاختيار للأربع، ومفارقة الباقي؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ومن يترك الواجب يُعاقب من قبل الإمام أو نائبه، ثانيهما: قوله ﷺ الفيروز وقد أسلم وتحته أختان: "طلق إحداهما" ويقال كما قلنا في الحديث الأول، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الشخص لو اعتدى على غيره: فإن الإمام يعاقبه فكذلك الحال هنا، والجامع: الإلزام بالخروج من الباطل عند الامتناع. هذه آخر مسائل باب: "نكاح الكفار، وما يقرون عليه لو ترافعوا إلى حكام المسلمين أو أسلموا" ويليه باب "الصداق".

стр. 2388

باب الصداق يقال: أصدقت المرأة، ومهرتها، وأمهرتها، وهو عوض يُسمَّى في النكاح أو بعده (١) (يسن تخفيفه)؛ لحديث عائشة مرفوعًا: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة" باب الصداق والمهر وفيه سبع وستون مسألة: (١) مسألة: الصداق أو المهر: عوض في النكاح سواء سُمِّي في العقد، أو فرض بعده بتراضي المتزوجين، أو الحاكم، وله عشرة أسماء: "صداق، أو صدقة" و "مهر" و "نِخْلَة" و "أجر" و "فريضة" و "حِبَاء" و "عُقْر" و "علائق" و "طَوْل" و "نكاح"؛ للاستقراء؛ حيث إن تلك الأسماء قد ثبتت بعد استقراء وتتبع النصوص الشرعية والعادات الإسلامية المقرَّرة، فإن قلتَ: لمَ اشتهرت تسميته بالصداق؟ قلتُ: اشتقاقًا من الصِّدق؛ نظرًا لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة. [فرع]: الصداق والمهر واجب على الزوج دون الزوجة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهو من وجهين أولهما قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ حيث أوجب الشارع على الأزواج إعطاء النساء صداق ومهر عند إرادتهم التزوج بهن؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ويقال فيه كما قلنا في الآية السابقة؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ لمريد التزوج: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فأوجب الصداق ولو قلَّ، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد تزوج كثيرًا وكان يدفع فيها صداقًا ومهرًا، الرابعة: الإجماع: حيث أجمع العلماء على وجوب الصداق، ومستنده ما سبق من القواعد، فإن قلتَ: لِمَ وجب الصداق والمهر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المرأة وإعزازها، وإظهار صدق النية على معاشرتها بالمعروف ودوام الزوج، وفيه =

стр. 2389

رواه أبو حفص بإسناده (٢) (و) تسن (تسميته في العقد)؛ لقطع النزاع (٣)، وليست = تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بلباس ومظهر حسن، فإن قلتَ: لِمَ وجب الصداق على الرجل دون المرأة؟ قلتُ: الرجل مكلف شرعًا دائمًا بالإنفاق سواء كان مهرًا أو نفقة مستمرة؛ لكونه أقدر على التكسب، وطلب الرزق، لذلك جعل الله القوامة له؛ حيث قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ بخلاف المرأة فإنها كُلِّفت بتكاليف تناسبها كأعمال البيت، والحمل، والولادة، وتربية الأولاد، فلو كُلِّفت أيضًا بشيء من المهر أو النفقة: للحقها ضيق وحرج، وامتهان لكرامتها وعزّتها، وعورتها. (٢) مسألة: يُستحب تخفيف الصداق والمهر، وأن يرضى الولي بالأقل منه؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر: "ألا لا تغلوا صداق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا، وتقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ولا أصدقت امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وأن الرجل ليغلو بصداق امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول: كُلِّفت لكم علق القرابة" فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من مقاصد الزواج: المحبة والألفة والعشرة الطيبة بين الزوجين، والمغالاة في الصداق والمهور قد يورث البغضاء في نفس الزوج - كما أشار إلى ذلك عمر - وأيضًا في تيسير المهور: حثّ للشباب على الزواج، حتى لا يتركوه فتكون فتنة للنساء والرجال، فيفسد الجميع، وبالتالي يفسد المجتمع كله. تنبيه: لا يصح الاستدلال بما ذكره المصنف من حديث عائشة؛ نظرًا لضعفه - كما في الإرواء (٨/ ٣٤٨). (٣) مسألة: يُستحب أن يُسمَّى الصداق والمهر عند عقد النكاح؛ للمصلحة: حيث إن تسميته في وقت العقد: أقطع للنزاع والخلاف فيه؛ لأن الولي قد يظن أن الزوج سيدفع أكثر، والزوج يظن أن الولي سيقبل أقلّ المهور، فيقع الاختلاف وقد =

стр. 2390

شرطًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٤)، ويُسنُّ: أن يكون (من أربعمائة درهم) من الفضة، وهي صداق بنات النبي ﷺ (إلى خمسمائة) درهم وهي صداق أزواجه ﷺ (٥)، وإن زاد: فلا بأس (٦) = يصل الأمر إلى المحاكم، وكونه يُسمَّى أثناء العقد ذلك كله. (٤) مسألة: تسمية المهر والصداق ليس ركنًا ولا شرطًا في صحة العقد، فيصح العقد بدونه، ولكنه يجب بسبب النكاح؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ حيث أباح الشارع الطلاق قبل الدخول وقبل فرض الصداق والمهر فيلزم من ذلك: صحة العقد بدون تسمية المهر، وأنه ليس بركن أو شرط في العقد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المقصود من النكاح: الاستمتاع، والإحصان، والاستيلاد، وليس المقصود منه التمليك كالبيع والشراء، فالنكاح يخالف سائر العقود في ذلك. (٥) مسألة: يُستحب أن يكون الصداق والمهر لا ينقص عن أربعمائة درهم من الفضة، ولا يزيد عن خمسمائة درهم للأغنياء؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن الأربعمائة هي صداق بناته والخمسمائة هي صداق زوجاته ﷺ ، والتأسي به ﷺ من مقاصد الشريعة. (٦) مسألة إذا قدر الزوج على دفع صداق ومهر أكثر من الخمسمائة درهم: فله ذلك، دون كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا في الصداق، حيث لزم من ذلك: عدم تحديد الصداق والمهر بحد أعلى، وقد ردَّت امرأة على عمر بهذه الآية حينما خطب الناس ونهى أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم، وقال: فمن زاد عليها: جعلت الزيادة في بيت المال، فقامت تلك المرأة فتلت عليه تلك الآية، فعدل عن رأيه فرجع إلى المنبر قائلًا: "أيها الناس إني كنتُ =

стр. 2391

(و) لا يتقدَّر الصداق، بل (كل ما صح) أن يكون (ثمنًا، أو أجرة: صح) أن يكون (مهرًا، وإن قلَّ)؛ لقوله ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد" متفق عليه (٧) (وإن أصدقها تعليم القرآن: لم يصح) الإصداق؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وروى النجَّاد: أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا على سورة من القرآن ثم قال: "لا تكون لأحد بعدك مهر مهرًا" (٨) (بل) يصح أن يصدقها = نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يُعطي من ماله ما أحب" الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن النبي ﷺ لما خطب أم حبيبة وهي في الحبشة، وعلم النجاشي بذلك أصدقها عنه أربعة آلاف درهم، ولم ينكر النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس قد توجد عنده بعض العيوب فيزين نفسه بكثرة المهر والصداق، الجذب بعض النساء إليه بالحلال. (٧) مسألة: لا حدَّ لأقل الصداق والمهر، فيصح بمال قليل جدًّا ولكن بشرط: أن يكون هذا المال متمولًا وثمنًا أي: يصح أن يُباع هذا المال، ويُشترى به، ويؤجَّر، ويُستأجر به، أما ما لا يتمول كالنواة: فلا يصح؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد" حيث لزم من ذلك: صحة المهر بكل ما يُطلق عليه اسم المال وإن قل، وأجاز زواج من تزوج امرأة بنعلين، وأجاز زواج من تزوج بملء يده طعامًا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير الزواج للإحصان، وإصلاح المجتمعات كما سبق. (٨) مسألة: يصح أن يكون المهر والصداق شيئًا من القرآن: آيات أو سورة معينة يُعلِّمها الزوجة إذا لم يوجد مال عنده؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول ﷺ لرجل: "زوجتكها بما معك من القرآن" - لما عجز ذلك الرجل أن يجد خاتمًا من حديد، ثانيهما قوله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" والمهر والصداق أجرة، الثانية: القياس الأولى كما يجوز أن يكون الفقه =

стр. 2392

تعليم معين من (فقه، وأدب) كنحو وصرف، وبيان، ولغة، ونحوها (وشعر مباح معلوم) ولو لم يعرفه، ويتعلَّمه، ثم يُعلِّمها، وكذا: لو أصدقها تعليم صنعة، أو كتابة، أو خياطة ثوبها، أو ردَّ قنِّها من محل معين؛ لأنها منفعة يجوز أخذ العوض عليها، فهي مال (٩) (وإن أصدقها طلاق ضرتها: لم يصح)؛ لحديث: "لا يحل لرجل = يعلمهما الزوج الزوجة مهرًا فمن باب أولى أن تكون السورة من القرآن يعلمها الزوج الزوجة مهرًا؛ والجامع: منفعة التعلُّم، بل منفعة القرآن أعظم؛ لأنه فقه وزيادة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على الإكثار من الزواج، لإحصان الرجال والنساء وإصلاح المجتمع، وتكثير نسل المسلمين، فإن قلتَ: لا يصح أن يكون الصداق من القرآن، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ حيث دل هذا على أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال والقرآن ليس بمال، الثانية السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما زوج رجلًا على سورة من القرآن قال له: "لا تكون لأحد بعدك مهرًا" قلتُ: أما الآية فهي عامة، وخصَّصتها السنة القولية، والقياس، والمصلحة التي ذكرتها، أما قوله: "لا تكون لأحد بعدك مهرًا" فلم تثبت تلك الزيادة في "الصحيحين" وذكر كثير من أئمة الحديث أن هذه الزيادة منكرة - كما في الإرواء (٦/ ٣٥٠)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "معارضة الآية للسنة القولية والقياس والمصلحة" فعندنا: أن تلك الأدلة مخصِّصة للآية، وعندهم: لا، وأيضًا: "الخلاف في صحة ما روي عنه ﵇ أنه قال: "لا تكون لأحد بعدك مهرًا" فعندنا: منكر، وعندهم: يصح. تنبيه: يكثر الخلط بين "النجاد" و "البخاري" عند الكاتبين والطابعين، لجهلهم بأصحاب الأحاديث، و "النجاد" هو: أحمد بن سليمان الحنبلي، والبخاري هو المشهور. (٩) مسألة: يصح للزوج أن يصدق ويمهر الزوجة تعليم معيَّن من فقه، وأصول فقه، =

стр. 2393

ينكح امرأة بطلاق أخرى" (ولها مهر مثلها)؛ لفساد التسمية (١٠) (ومتى بطل = وتفسير، وحديث وأدب، وعروض، ونحو وصرف، وبيان، وبديع، ولغة، وشعر مباح بشرط: أن يكون المراد تعليمه معلومًا كباب معيَّن أو نحو ذلك، ولا يُشترط أن يكون الزوج عارفًا ذلك العلم من قبل، فيُمكنه أن يتعلمه، ثم يعلمها إياه أو يُعلِّمها إياه غيره لأجله، ويصح أيضًا: أن يصدقها ويمهرها: تعليم صنعة كخياطة، أو كتابة سواء علَّمها هي، أو علم أخاها، أو ابنها، أو أجنبيًا، أو حتى عبدها أو أمتها، ويصح أيضًا: أن يكون ردّ وإرجاع عبدها الهارب إليها مكان معلوم مهرًا لها، أو رعاية غنمها مدة معلومة، أو أي منفعة معلومة من تصلح لذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المال يصلح أن يكون صداقًا ومهرًا فكذلك ما ذكر هنا يصلح أن يكون مهرًا وصداقًا والجامع: أن كلًّا منها منافع قد وجدت عوضًا عن شيء آخر. والمقصد منه: تيسير النكاح؛ لإصلاح النساء والرجال. [فرع]: إن تزوجها على أن يحج بها ويكون صداقًا لها: فإن ذلك يصح؛ للتلازم؛ حيث إن الحج منفعة يجوز أخذ العوض عليه فلزم صحته. (١٠) مسألة: إذا أصدق الزوج زوجته طلاق ضُرَّتها: فإن ذلك لا يصح أن يكون صداقًا أو مهرًا، ويكون لها مهر مثيلاتها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو سمَّى لها مهرًا وصداقًا من خمر: فإن ذلك لا يصح مهرًا وصداقًا، ويجب عليه مهر المثل، فكذلك لو سمَّى لها طلاق ضرتها مهرًا وصداقًا، والجامع: أن كلًّا منهما لا يصح أن يكون ثمنًا في بيع ولا إجارة وهذا يقال في جميع المنافع المحرمة، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك ويكون لها مهر المثل، قلتُ: لأن طلاق ضرتها من المنافع لها وهو محرم، يقطع رزق الضرة، ويكون لها مهر المثل؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفي ما في صحيفتها، ولتنكح؛ فإن لها ما قُدِّر لها" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، تنبيه: لا الاستدلال بما ذكره المصنف من حديث: "لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" نظرًا =

стр. 2394

المسمَّى) ككونه مجهولًا كعبد أو ثوب، أو خمر، أو نحوه: (وجب مهر المثل) بالعقد؛ لأن المرأة لا تُسلَّم إلّا ببدل، ولم يُسلَّم، وتعذَّر ردُّ العوض: فوجب بدله (١١)، ولا يضرُّ جهل يسير: فلو أصدقها عبدًا من عبيده أو فرسًا من خيله ونحوه: فلها أحدهم بقرعة، وقنطارًا من نحو زيت، أو قفيزًا من نحو بر: لها الوسط (١٢). = لضعفه - كما في الإرواء (٦/ ٣٥١) -. (١١) مسألة: إذا سمَّى الزوج مهرًا وصداقًا باطلًا كعبد مجهول، أو دار مجهولة، أو ثوب مجهول، أو مال مجهول المقدار، أو سمَّى محرمًا كخمر أو خنزير، أو تعليم شيء محرم كشعر غزل، وهجاء ونحو ذلك: فإن كل ذلك يبطل، ويجب على الزوج أن يدفع للزوجة مهر مثيلاتها مراعيًا في ذلك وقت العقد؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون المرأة لا تُسلَّم إلا ببدل، ولم يقع ذلك التسليم؛ لكونه باطلًا: فيلزم بدله الشرعي لها وهو مهر المثل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الجهالة في مقدار المهر والصداق يؤدي إلى الغرر وكثرة الاختلاف؛ لأن العبيد تختلف أثمانهم؛ نظرًا لاختلاف قوتهم، والدور كذلك والثياب ونحو ذلك، فالزوجة تطمع بالأحسن؛ وقد لا يوافقها الزوج، فتحصل الخلافات والنزاعات التي تؤدي إلى التباغض عادة فدفعًا لذلك وجب تعيين المهر بكونه مهر مثيلاتها عند وقت العقد. (١٢) مسألة: إذا سمَّى الزوج مهرًا وصداقًا مجهولًا جهلًا يسيرًا لا يصعب تعيينه، كأن يصدقها فرسًا من خيله، أو جملًا من جماله، أو بقرة من بقره، أو ثوبًا من تلك الثياب، فيصح ذلك ويستعمل القرعة، فأي شيء أصابت تلك القرعة فهو مهرها، وكذا: لو سمَّى قنطارًا من سمن، أو قفيزًا من بر: فيصح ذلك، ويؤخذ الوسط من ذلك ويكون مهرًا لها؛ للتلازم؛ حيث إن الجهالة هنا يسيرة، لا تؤدِّي إلى الاختلاف بينهما عادة فيلزم صحة ذلك، والمقصد منه: التيسير على الناس.

стр. 2395

(فصل): (وإن أصدقها ألفًا إن كان أبوها حيًا وألفين إن كان ميتًا: وجب مهر المثل)؛ لفساد التسمية، للجهالة إذا كانت حالة الأب غير معلومة، ولأنه ليس لها في موت أبيها غرض صحيح (١٣) (و) إن تزوجها (على: إن كانت لي زوجة بألفين، أو لم تكن) لي زوجة (بألف: يصح) النكاح (بالمسمى)؛ لأن خلو المرأة من ضرة من أكبر أغراضها المقصودة لها، وكذا: إن تزوجها على ألفين إن أخرجها من بلدها، أو دارها، وألف إن لم يخرجها (١٤) (وإذا أجلَّ الصداق أو بعضه) كنصفه، أو ثلثه: (صحَّ) التأجيل (فإن عيَّن أجلًا) أنيط به (وإلا) يُعيِّنا أجلًا، بل أطلقا: (فمحله الفرقة) البائنة بموت أو غيره؛ عملًا بالعرف والعادة (١٥) (وإن أصدقها مالًا مغصوبًا) (١٣) مسألة: إذا أصدق الزوج الزوجة ألفًا إن كان أبوها حيًا، وألفين إن كان ميتًا، وحالة الأب غير معلومة من حياة أو موت: فإن هذا المسمى باطل، ويجب عليه مهر مثيلاتها عند وقت العقد؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جهالة تؤدي إلى الغرر والاختلاف، فدفعًا لذلك أفسد الشارع مثل ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث إن حالة موت أبيها لا تستفيد المرأة منها شيئًا فيلزم: عدم صحة هذا المسمى، ويلزم من فساده: وجوب مهر المثل لها. (١٤) مسألة: إن قال الزوج سأدفع لك ألفين كصداق لكِ إن كانت لي زوجة أخرى غيرك أو سرية، أو أخرجتكِ من بلدكِ أو داركِ، وسأدفع لك ألفًا إن لم تكن لي زوجة أخرى غيرك أو سرية، أو لم أخرجك من بلدك أو دارك: فإن النكاح يصح بذلك المسمى، وذلك الشرط؛ للمصلحة: حيث إن للمرأة نفعًا في خلو الزوج من زوجة أخرى أو سرية، وفي عدم خروجها من بلدها أو دارها، وعدم ذلك فتخفف من المهر، وعليها ضرر إن كان له زوجة أخرى أو سرية، أو خروجها من بلدها أو دارها: فيزاد في المهر عوضًا عن ذلك وتسلية. (١٥) مسألة: يصح تأجيل الصداق والمهر أو بعضه - كنصفه أو ثلثه أو ربعه - ويصح النكاح بدون دفعه معجَّلًا، وإنما يكون في الذمة، ويدفعه الزوج في الوقت الذي =

стр. 2396

يعلمانه كذلك (أو) أصدقها (خنزيرًا ونحوه) كخمر: صح النكاح، كما لو لم يسمِّ لها مهرًا و (وجب) لها (مهر المثل)؛ لما تقدَّم (١٦)، وإن تزوجها على عبد فخرج مغصوبًا أو حرًا: فلها قيمته يوم عقد؛ لأنها رضيت به، إذ ظنَّته مملوكًا (١٧) (وإن وجدت) المهر = اتفقا عليه كأن يكون بعد سنة من زواجهما ونحو ذلك، وإن اتفقا على تأجيله، ولكن لم يُحدِّد وقتًا لدفعه واستلام الزوجة له: فإنه يجب دفعه عند الفرقة بينهما بسبب الفرقة البائنة بطلاق، أو فسخ أو خلع، أو موت تأخذه من التركة على حسب عرف الناس وما جرت عليه عادتهم؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يصح تعجيل المثمن، وتأجيل الثمن في البيوع فكذلك يصح النكاح النكاح مع تأجيل استلام الزوجة للصداق والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إطلاق ذلك وعدم تحديده شرعًا: أن يُحمل ويُصرف إلى العرف والعادة التي جرى عليها المجتمع الذي يعيش فيه المتعاقدان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك تيسير وتسهيل على الناس، وحثّ على الإكثار من النكاح. (١٦) مسألة: إذا أصدق الزوج الزوجة مالًا مغصوبًا، وهما يعلمان بذلك، أو علمته هي وحدها، أو أصدقها خنزيرًا، أو خمرًا: فإن النكاح يصح، ويجب لها مهر مثيلاتها؛ لقاعدتين: الأولى القياس؛ بيانه: كما أنه لو لم يسمِّ لها مهرًا عند العقد: فإنه يصح النكاح فكذلك لو سمَّى لها مهرًا محرمًا كالمغصوب والخنزير والخمر والجامع: عدم المهر في كل؛ لأن وجود المحرم كعدمه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من فساد المسمَّى: وجوب مهر المثل؛ لوجوب المهر في الأصل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على التعاون على البر والتقوى ونبذ التعاون على الإثم والعدوان كما ورد في الآية. (١٧) مسألة: إذا أصدق الزوج المرأة عبدًا، فبان أن العبد هذا مغصوب، أو بان أنه حر: فيجب على الزوج أن يدفع قيمته كمهر وصداق لها وتحسب قيمته في وقت =

стр. 2397

(المباح معيبًا) كعبد به نحو عرج: (خيرت بين) إمساكه مع (أرشه و) بين ردِّه وأخذ (قيمته) إن كان متقومًا، وإلا فمثله (١٨) وإن أصدقها ثوبًا، وعيَّن ذرعه فبان أقل: خُيِّرت بين أخذه مع قيمة ما نقص، وبين ردِّه وأخذ قيمة الجميع (١٩)، والمتزوجة على عصير بان خمرًا مثل العصير (٢٠) (وإن تزوجها على ألف لها، وألف لأبيها) أو على أن = العقد عليها للتلازم؛ حيث يلزم من رضاها به وهو مملوك مباح: أن يدفع لها قيمته عند بيان أنه حرام، أو حر. (١٨) مسألة: إذا أصدق الزوج الزوجة صداقًا مباحًا لكن فيه عيب كأن يصدقها عبدًا فوجدته أعرجًا، أو أعورًا، أو نحو ذلك: فإن الزوجة تُخيَّر بين أن تمسكه مع عيبه، أو أن يدفع لها الزوج أرش النقص فمثلًا: إن كان العبد بدون عرج يساوي ألفًا، وهو يساوي بالعرج ثمانمائة: فإنها تمسكه ويدفع لها الزوج مائتين، وأما أن تردَّه كله، وتأخذ من الزوج قيمة عبد صحيح هذا إن كان متقومًا، أما إن لم يكن متقومًا، وله مثيل كمكيل وموزون وردته: فإنها تأخذ مثله من الزوج كمهر لها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترى سلعة فبانت معيبة فهو بالخيار كما قلنا، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة، وجد فيه عيب، فإن قلتَ: لِمَ تأخذ في المثيل مثله؟ قلتُ: لأنه أقرب إليه. (١٩) مسألة: إذا أصدق الزوج الزوجة ثوبًا قدره عشرون ذراعًا، فبان بعد ذلك: أنه خمسة عشر ذراعًا فقط: فإنها تخير بين أن تأخذه، وتأخذ قيمة الخمسة الناقصة، وبين أن ترد الثوب كله، وتأخذ قيمة العشرين ذراعًا؛ للقياس، وقد سبق بيانه في مسألة (١٨). (٢٠) مسألة: إذا أصدق الزوج الزوجة عصيرًا معينًا، فبان بعد ذلك أنه خمر: فيجب على الزوج أن يصدقها مثل العصير المسمَّى؛ للقياس، وقد سبق بيانه في مسألة (١٨)، فإن قلت: لِمَ وجب مثله؟ قلتُ: لوجود مثله، وإذا تمكّنا من إيجاد مثل المسمَّى في البيع أو المهر أو نحوهما: فيجب دفعه؛ لكونه أقرب إليه من القيمة، =

стр. 2398

الكل للأب: (صحت التسمية)؛ لأن للوالد الأخذ من مال ولده؛ لما تقدَّم، ويملكه الأب بالقبض مع النية (٢١) (فلو طلَّق) الزوج (قبل الدخول وبعد القبض) أي: قبض = ولا يُلجأ إلى القيمة إلا إذا صعب المثل. (٢١) مسألة: إذا تزوج رجلٌ امرأة بشرط: أن يدفع ألفًا لها، وألفًا لأبيها، أو يدفع كل الصداق للأب: فإن التسمية تصح، ويقدر أن البنت قد استلمته، ثم أخذه الأب منها، ويملكه الأب بعد القبض بنية التملك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ حيث إن شعيبًا لما أراد تزويج موسى ﵉ ابنته شرط أن يرعى غنمه ثمان سنوات، وهو شرط لنفسه، فلزم منه: أنه يجوز أن يأخذ الأب جميع مهر ابنته،، وإذا جاز أخذه كله: جاز أخذ بعضه من باب أولى، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا. الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أنت ومالك. لأبيك" وقال: "إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم" فإذا أخذ الأب من مهر ابنته فكأنه أخذ مالها: تنبيه: لقد بينت جواز أخذ الأب من مال ولده بشروط سبعة في مسألة (٣٦) من باب: "الهبة والعطية والهدية"، وهي مشترطة هنا؛ لأن شعيبًا كان بحاجة ماسة إلى موسى ليحميه ويحمي غنمه وهذا لازم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، فإن قلتَ: إن هذا الشرط فاسد، ولذلك يجب لها مهر المثل، وتفسد التسمية، وهو قول الشافعي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المهر هو عوض عن بضعها: أن يكون كله من حقها هي فقط، وما نقص منه - وهو ما أخذه الأب - يلزم منه: أن يكون المهر مجهولًا، فيفسد بسبب هذه الحالة، قلتُ لا توجد جهالة، ولا يفسد الشرط مع النصوص التي ذكرناها من أن الأب له حق الأخذ، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في هذا الشرط هل توجد فيه جهالة أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.

стр. 2399

الزوجة للألف، وأبيها الألف: (رجع) عليها (بالألف) دون أبيها، وكذا: إذا شرط الكل له، وقبضه بالنية، ثم طلق قبل الدخول: رجع عليها بقدر نصفه (ولا شيء على الأب لهما) أي: للمطلق والمطلَّقة؛ لأنا قدَّرنا: أن الجميع صار لها، ثم أخذه الأب منها، فتصير كأنها قبضته ثم أخذه منها (٢٢) (ولو شرط ذلك) أي: الصداق، أو بعضه (لغير الأب) كالجد، والأخ (فكل المسمَّى لها) أي: للزوجة؛ لأنه عوض (٢٢) مسألة: إذا دفع الرجل مهر امرأة، وأخذت ألفًا، وأخذ أبوها ألفًا، أو أخذ الأب الجميع، ثم طلَّق ذلك الرجل تلك المرأة قبل الدخول: فإن الرجل يأخذ نصف ما دفعه عند العقد: سواء تقاسم الأب وابنته ذلك المهر، أو أخذه الأب جميعًا:؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وهذا ورد مطلقًا: أي: سواء كان آخذ المهر كله الأب، أو تقاسمه مع ابنته؛ لأن الزوج هو الذي فرضه لها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك هو غاية العدل والإنصاف؛ إذ الزوج دفع ما دفعه مهرًا لتلك الزوجة، فمن حقه أخذ نصفه إذا طلَّق قبل الدخول ولا يمكن أن يأخذ ذلك من البنت وحدها، فإن قلتَ: إنه في هذه الحالة يأخذ الألف الذي استلمته الزوجة فقط، وإن لم تستلم شيئًا يرجع إليها بقدر نصفه، ولا شيء على الأب؛ للتلازم؛ حيث إن المهر للبنت فقبضته، فأخذه الأب منها، ويلزم: أن لا يرجع الولد فيما أعطاه لأبيه، قلتُ: بل يرجع، ويأخذ الولد ما أخذه منه والده عند الضرورة، وهذه الحالة من الضرورة؛ حيث إن المطلِّق سيُطالب البنت بنصف ما دفعه من المهر وهذا ضرر لاحق بها، فلا دفع له إلا بأن يأخذ المطلِّق نصف ما دفعه من الأب أو من غيره، فإذا كان الأب قد أخذه أو أخذ بعضه: فإنه يُشارك في إزالة هذا الضرر بأن يدفع نصف ما استلمه، و "الغرم بالغنم" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة".

стр. 2400

بضعها، والشرط باطل (٢٣) (ومن زوج بنته ولو ثيبًا بدون مهر مثلها: صح) ولو كرهت؛ لأنه ليس المقصود من النكاح العوض (٢٤)، ولا يلزم أحدًا تتمة المهر (٢٥) (وإن زوَّجها به) أي: بدون مهر مثلها (ولي غيره) أي: غير الأب (بإذنها: صح) مع (٢٣) مسألة: إذا شرط أن الصداق أو بعضه لغير الأب كالجد، أو الأخ، أو غيرهما الأولياء: فإن جميع الصداق المسمى للزوجة، ولا شيء لذلك الولي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الصداق عوضًا عن بضعها: أن يكون الصداق من حقها وحدها، ويكون الشرط باطلًا، فإن قلتَ: لم فُرِّق في هذا بين الأب، وبقية الأولياء؟ قلتُ: لأن من حق الأب أن يأخذ من مال ولده سواء كانت بنتًا أو ابنًا - بشروط سبعة قد ذكرتها في مسألة (٣٦) من باب: "الهبة والعطية، والهدية" - بخلاف غير الأب: فليس من حقه أن يأخذ شيئًا من مال غيره. (٢٤) مسألة: إذا زوَّج الأب ابنته بدون صداق ومهر مثيلاتها: بأن رضي بأن يُسمَّى مهرًا وصداقًا ولو قل: فإن ذلك يصح: سواء كانت البنت بكرًا أو ثيبًا، صغيرة أو كبيرة راضية أو كارهة؛ لقاعدتين الأولى قول الصحابي؛ حيث إن عمر نهى الناس وهو على المنبر يوم الجمعة أن يغالوا في المهور، وهذا يلزم منه جواز تزويج الأب لابنته بأقل المهور، الثانية التلازم؛ حيث إن المقصد من النكاح السكن، والاستيلاد، والإحصان وإكمال الدين، ووضع المرأة عند من يحصنها، ويصونها، ويحميها، ويُعزُّها ويحسن معاشرتها بما يرضى الله، وليس المقصود: العوض فيلزم من ذلك: عدم النظر إلى العوض، وتزويج الأب لها بأي مهر شرعي وإن قلَّ. (٢٥) مسألة إذا كان مهر تلك المرأة أقل من مهر مثيلاتها: فهو الواجب لها، ولا يجب على أحد من زوج أو أحد الأولياء أو الأقرباء - أن يُتمِّم ذلك المهر حتى يبلغ مهر مثيلاتها؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يصح تسميته مهرًا فيلزم: عدم وجوب إتمامه من قبل أحد.

стр. 2401

رشدها؛ لأن الحق، لها، وقد أسقطته (وإن لم تأذن) في تزويجها بدون مهر مثلها لغير الأب (فـ) لها (مهر المثل) على الزوج؛ لفساد التسمية بعدم الإذن فيها (٢٦) (وإن زوَّج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح) لازمًا؛ لأن المرأة لم ترض بدونه، وقد تكون مصلحة الابن في بذل الزيادة، ويكون الصداق (في ذمَّة الزوج) إذا لم يُعيَّن في العقد (وإن كان) الزوج (معسرًا: لم يضمنه الأب؛ لأن الأب نائب عنه في التزويج، والنائب لا يلزمه ما لم يلتزمه كالوكيل فإن ضمنه غرمه غرمه (٢٧) ولأب قبض صداق (٢٦) مسألة: إذا زوَّج ولي غير الأب امرأةً بدون مهر مثيلاتها، وأذنت وهي رشيدة: فإن ذلك يصح، أما إن لم تأذن بذلك فيجب على الزوج أن يدفع لها مهر مثيلاتها، بدون نقصان للقياس؛ بيانه كما أن المرأة الرشيدة لو أذنت ببيع سلعتها بدون قيمتها: لصح ذلك ولو لم تأذن بذلك لوجب على المشتري دفع ثمن مثل تلك السلعة لها، فكذلك الحال هنا والجامع: أن الحق لها فإن أسقطته: سقط، وإن لم تسقطه: فلها مهر مثيلاتها؛ لكون التسمية فاسدة أصلًا. (٢٧) مسألة: إذا زوج رجل ابنه الصغير بمهر المثل، أو بأكثر من مهر المثل: فإن ذلك يصح، ويلزمه هذا المهر وإن كثر، ويضمنه الزوج - وهو ذلك الابن الصغير - في ذمته، ولا يضمنه الأب، وإن كان الزوج - وهو ابنه الصغير معسرًا؛ فإن ضمنه الأب: فإنه يغرمه؛ لقاعدتين الأولى التلازم؛ حيث إن المرأة لم ترض بدون ذلك المهر الكثير فلزم الزوج ويلزم من ضمان الأب ما على الابن من مهر: ضمانه عنه، ومطالبته به دون ابنه الثانية: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن هذا الابن لو اشترى سلعة لكان ثمن تلك السلعة عليه وإن كان معسرًا فكذلك لو عقد الزواج على امرأة فإن صداقها عليه وإن كان معسرًا، والجامع: أن العقد له في الأمرين ثانيهما كما أن الوكيل إذا اشترى للموكِّل سلعة: فإنه لا يضمن ثمنها للبائع بل يكون للموكل، فكذلك الأب إذا زوج ابنه الصغير: فإنه لا يضمن المهر، بل يكون على المتزوج والجامع: أن الوكيل نائب عن =

стр. 2402

محجور عليها (٢٨)، لا رشيدة، ولو بكرًا إلّا بإذنها (٢٩)، وإن تزوج عبد بإذن سيده: صح، وتعلَّق صداق، ونفقة وكسوة ومسكن بذمة سيده، وبلا إذنه: لا يصح، فإن وطئ تعلق مهر المثل برقبته (٣٠) = الموكل، والأب نائب عن الزوج - وهو: ابنه - والنائب لا يلزمه ما لم يلتزمه. (٢٨) مسألة: يجوز للأب أن يقبض صداق ابنته المحجور عليها؛ بسبب صغر، أو سفه، أو جنون؛ للقياس؛ بيانه كما أنه يقبض أثمان مبيعاتها فكذلك يقبض صداقها والجامع: دفع الضرر عنها في كل، وحمايتها في كل، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقها من الضياع. (٢٩) مسألة لا يجوز للأب أن يقبض صداق ابنته الرشيدة: سواء كانت بكرًا، أو ثيبًا إلّا بعد أن تأذن له في ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن لها الحرية في التصرف في مالها من قبض مبيعاتها ونحو ذلك، فكذلك لها قبض مهرها والجامع: حسن التصرف في كل ثانيهما كما أن لها أن توكَّل في البيع والشراء فكذلك لها أن توكل أباها أو أخاها أو أي واحدٍ في قبض مهرها، والجامع: الرشد وحسن التصرف في كل. فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقها، من تسلُّط الآباء أو غيرهم عليه. (٣٠) مسألة: إذا تزوج عبد بعد أن أذن له سيده: فإن الزواج يصح، ويضمن سيده الصداق، والنفقة والكسوة والمسكن، أما إن تزوج ذلك العبد بدون إذن سيده: فلا يصح ذلك الزواج، فإن وطئ العبد من تزوجها: فيجب عليه مهر المثل ويتعلَّق برقبته. بأن يُباع: فإن كانت قيمته تساوي مهر المثل: فإنه يُدفع للمرأة الموطوءة، وإن كان مهر المثل أقلّ من قيمته: فإنه يدفع مهر المثل للمرأة والباقي يرد إلى سيده وإن كان مهر المثل أكثر من قيمته: تعطى المرأة قيمته، ويسقط الباقي؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث إن إذن سيده له: يلزم منه أنه ضامن لتبعات الزواج؛ لأن العبد لا يملك شيئًا، بل هو مملوك لسيده. الثانية: =

стр. 2403

(فصل): (وتملك المرأة) جميع (صداقها بالعقد) كالبيع، وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد (٣١) (ولها) أي: للمرأة (نماء) المهر (المعيَّن) من كسب، وثمرة، وولد، ونحوها، ولو حصل (قبل قبضها)؛ لأنه نماء ملكها (وضدُّه بضدِّه) أي ضد المعيَّن كقفير من صبرة، ورطل من زبرة بضد المعيَّن في الحكم: فنماؤه له، وضمانه عليه (٣٢) = القياس؛ بيانه كما أن العبد لو جنى على أحد فإن أرش الجناية تتعلق برقبته، فكذلك إذا تزوج بدون إذن سيده فإن مهر المثل يتعلَّق برقبته والجامع: إتلاف حق الغير بلا إذن في كل. (٣١) مسألة تملك المرأة الحرة جميع صداقها ومهرها بعقد النكاح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال الرجل الذي لم يجد صداقًا: "لا أملك إلّا إزاري" فقال ﷺ : إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك" حيث يلزم منه: أن الصداق كله للمرأة لا يبقى للرجل منه شيء وتملكه حين عقد النكاح، الثانية: القياس؛ بيانه كما أنها لو باعت تلك المرأة دارًا بألف فإنها تملك الألف كله بعقد البيع؛؛ فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما عقد يملك به العوض كله حالًا، أو مؤجلًا، فإن قلتَ: لا تملك بعقد النكاح إلّا نصف الصداق، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من سقوط نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول: أن لا تملك بالعقد إلا نصفه ويتقرر كله بالدخول قلتُ: إن هذا لا يلزم أي إن سقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد، يؤيده أنها لو ارتدَّت: فإن جميع الصداق يسقط عن الزوج، وإن كانت قد ملكت نصفه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض التلازم مع السنة والقياس". (٣٢) مسألة إذا عيَّن الزوج الصداق والمهر وميَّزه للمرأة: كأن يُعين لها ناقة مهرًا: فإن جميع كسب تلك الناقة وولدها، وكل نمائها يكون للمرأة: سواء قبضت =

стр. 2404

ولا تملك تصرفًا فيه قبل قبضه كمبيع (٣٣) (وإن تلف) المهر المعيَّن قبل قبضه (فمن ضمانها) فيفوت عليها (إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه)؛ لأنه بمنزلة الغاصب إذًا (٣٤) (ولها التصرُّف فيه) أي: في المهر المعيَّن؛ لأنه ملكها إلّا أن يحتاج لكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع فلا يصح تصرفها فيه قبل قبضه كمبيع بذلك بذلك (٣٥) (وعليها = تلك المرأة تلك الناقة أو لا، أما إن لم يُعيِّن الزوج الصداق كأن يقول: " أصدقتك ناقة من تلك الإبل" ونحو ذلك: فإن جميع نمائها لا يكون لها، بل يكون للزوج وضمانه إن تلف عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها لو اشترت شيئًا معينًا: فإن: فإن جميع نمائه لها، وإن لم يعين فإن النماء يكون للبائع فكذلك الحال هنا والجامع: أن المعيَّن يكون من أملاكها فنماؤه، لها، وغير المعيَّن: لا يكون من أملاكها، فنماؤه ليس لها. (٣٣) مسألة: إذا عين الزوج الصداق للمرأة: فإنه يكون ملكها، لكن لا تتصرَّف فيه ببيع ونحوه إذا احتاج لكيل أو وزن أو عد إلّا بعد قبضه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها لا تملك التصرف في الشيء الذي اشترته مما يحتاج إلى كيل أو وزن أو عد قبل قبضه فكذلك الصداق قبل قبضه لا تتصرف فيه والجامع: الاحتياط في كل. (٣٤) مسألة: إذا عيَّن الزوج الصداق للمرأة، وتلف ذلك الصداق المعيَّن قبل قبضه: فإنها تضمنه، فيفوت عليها، ولا يدفع زوجها عوضًا عنه، إلّا إذا منعها زوجها من قبض صداقها: فإنه هو الذي يضمنه؛ لقاعدتين الأولى التلازم؛ حيث يلزم من كونها تملك صداقها بعقد النكاح: أن تضمنه إذا تلف؛ لكونها قد تأخرت هي في قبضه، الثانية القياس بيانه كما أن الغاصب يضمن ما غصبه إذا تلف فكذلك الزوج إذا منع زوجته من قبض صداقها فتلف يضمنه، والجامع: الاعتداء في كل. (٣٥) مسألة: إذا عين الزوج الصداق للمرأة، فمن حقها التصرف فيه ببيع ونحوه إذا لم يحتج إلى كيل أو وزن أو عد وذلك مثل الدار أو أي عقار ولو لم تقبضه؛ =

стр. 2405

زكاته) أي: زكاة المعيَّن إذا حال عليه الحول من العقد، وحول المبهم من تعيين (٣٦). (وإن طلَّق) من أقبضها الصداق (قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه) أي نصف الصداق (حكمًا) أي قهرًا كالميراث؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣٧) (دون نمائه) أي: نماء المهر = للتلازم؛ حيث يلزم من امتلاكها له بالعقد: صحة تصرفها فيه ولو لم تقبضه، تنبيه قوله: "إلا أن يحتاج. ." قلتُ: قد سبق بيانه في مسألة (٣٣)، فإن قلتَ: لَمِ فُرِّق بين المكيل والموزون والمعدود فلا يجوز التصرُّف فيه قبل قبضه - كما في مسألة (٣٣) - وبين غير المكيل والموزون والمعدود فيجوز التصرُّف فيه قبل القبض؟ قلتُ: لأن المكيل والموزون والمعدود تختلف فيه أنظار الناس وتكثر الاختلافات في كميتها وقيمتها عادة بخلاف غير ذلك؛ فلا يقع ذلك فيها، فاختلف الحكم نظرًا لذلك الاختلاف بينها. (٣٦) مسألة: تجب على المرأة زكاة صداقها المعيَّن بشرط: بلوغه النصاب، وحولان الحول عليه من وقت العقد، ويُحسب حول الصداق المبهم من وقت تعيينه: سواء قبضته أو لا؛ للقياس؛ بيانه كما أن زكاة مال قد ملكته بالبيع تجب عليها بالشرطين السابقين فكذلك الصداق المعيَّن مثله، والجامع: الملكية في كل. (٣٧) مسألة: إذا قبضت الزوجة صداقها، ثم طلَّقها قبل الدخول أو الخلوة فيستحق أن يأخذ نصف ذلك الصداق، يكون له حكمًا وقهرًا أي: يكون له النصف، ولو لم يختر تملكه كحقه من الميراث؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ حيث يلزم من ذلك: أنه يتقرر أن النصف، له والنصف الباقي لها بمجرد ما يقع الطلاق قبل المس وهو الدخول الثانية القياس؛ بيانه كما أن الموت سبب في انتقال الملك من الميت إلى الوارث بدون إرادة الوارث أو اختياره فكذلك الطلاق هنا مثل الموت في ذلك والجامع: أن كلًّا منهما سبب يُملك به بغير عوض فإن =

стр. 2406

(المنفصل) قبل الطلاق فتختص به؛ لأنه نماء ملكها، والنماء بعد الطلاق لهما (وفي) النماء (المتصل) كسمن عبد أمهرها إياه، وتعلُّم صنعة إذا طلَّق قبل الدخول والخلوة (له نصف قيمته) أي قيمة العبد (بدون نمائه) المتصل؛ لأنه نماء ملكها، فلا حقَّ له فيه وإن اختارت رشيدة دفع نصفه زائدًا: لزمه قبوله (٣٨)، وإن نقص بنحو هزال: = قلتُ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصداق مدفوع لكمال النكاح، فإذا طلَّق قبل الدخول فلم يكمل ذلك، فاستحق نصفه. (٣٨) مسألة: إذا قبضت الزوجة صداقها، ثم طلَّقها قبل الدخول، وكان ذلك الصداق قد زاد قبل الطلاق زيادة منفصلة: فإنه يكون لها وحدها وإن كان قد نمى وزاد ذلك بعد الطلاق فالنماء والزيادة يكون بينهما نصفين، أما إن كان النماء والزيادة متصلة مثل: أن يُصدقها عبدًا معينًا، ثم يسمن ذلك العبد، ثم يطلقها قبل الدخول: فإن للمطلِّق نصف قيمته عند العقد بدون نمائه المتصل، وإن شاءت دفعت إليه نصفه زائدًا، فيلزمه قبوله للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزيادة قد وجدت قبل الطلاق أن يكون النماء والزياة المنفصلة لها؛ لكونه حصل في ملكها الكامل، ويلزم من كون الزيادة قد حصلت بعد الطلاق أن يكون النماء والزيادة بينهما نصفين كالشريكين في تجارة، مال ويلزم من كون النماء والزيادة المتصلة قد حصلت بعد الطلاق أن يكون له نصف قيمته عند عقد النكاح، بدون نمائه وزيادته المتصلة فهي للزوجة؛ لكونها قد حصلت في حال كون العبد في ملكها، فلا يستحق الزوج المطلق شيئًا منه، وقد لجأنا إلى نصف القيمة؛ لأنها لا يمكن أن تدفع له العبد بدون زيادته، ويلزم من دفعها له حقه وزيادة لا تضر ولا تتميز: قبوله ذلك، هذا إن كانت، رشيدة أما إن كانت محجورًا عليها: فلا يجوز لوليها الرجوع إلّا في نصف القيمة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزيادة وهي ليست رشيدة، ووليها ليس من حقه أن يتنازل عن حق غيره فيلزم أن لا يأخذ الزوج إلا نصف القيمة عند العقد.

стр. 2407

خُيِّر رشيد بين أخذ نصفه بلا أرش وبين نصف قيمته (٣٩)، وإن باعته، أو وهبته، وأقبضته أو، رهنته أو أعتقته تعيَّن له نصف القيمة (٤٠)، وأيُّهما عفا لصاحبه عما وجب له، وهو جائز التصرُّف صح عفوه وليس لولي العفو عمّا وجب لمولاه: ذكرًا كان أو أنثى (٤١) (وإن اختلف الزوجان أو ولياهما (أو ورثتهما) أو أحدهما، وولي (٣٩) مسألة: إذا قبضت الزوجة صداقها ثم طلَّقها قبل الدخول، وكان ذلك الصداق قد نقص: كأن يصدقها عبدًا فيهزل، أو يعمى: فإن الزوج المطلِّق يُخيَّر بين أخذ نصف العبد بدون أن يُعطى أرشًا عن ذلك النقص وبين أن يأخذ نصف قيمة العبد عند عقد الزواج؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه يستحق نصف الصداق عند الطلاق قبل الدخول ذلك الخيار لكون الزوجة لا تضمن له ما نقص من غير فعلها. (٤٠) مسألة: إذا قبضت الزوجة صداقها، ثم طلَّقها قبل الدخول، وكانت قد باعت ذلك الصداق: كأن يكون عبدًا أو جملًا فباعته أو وهبته وأعطته لآخرين، وقبضوه منها، أو رهنته رهنًا، مقبوضًا، أو أعتقته فيجب عليها أن تدفع للزوج نصف قيمته عند عقد الزواج للتلازم؛ حيث يلزم من استحقاق الزوج نصف الصداق إذا طلَّق قبل الدخول: أن يأخذ نصف قيمته إذا هي تصرَّفت فيه. (٤١) مسألة: إذا قبضت الزوجة صداقها، ثم طلَّقها قبل الدخول: فإنه يستحق نصف ذلك الصداق، ولكن لو عفا الزوج عن ذلك، أو الزوجة عمّا وجب: لصحّ ذلك العفو، ولا يُطالب به الآخر في العاجل ولا في الآجل بشرط أن يكون كل واحد منهما جائز التصرُّف، والولي لا ينظر إلى عفوه وعدم ذلك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ والذي بيده عقدة النكاح بعد العقد هو الزوج؛ حيث إنه يتمكن من قطعه، وفسخه، وإمساكه، ولا يملك الولي من ذلك شيئًا، فإذا عفى ذلك الزوج وهو جائز التصرُّف سقط عنها، وإذا عفت وهي كذلك - سقط عنه عاجلًا وآجلًا، فإن =

стр. 2408

الآخر، أو ورثته (في قدر الصداق، أو عينه، أو فيما يستقر به) من دخول، أو خلوة، أو نحوهما: (فقوله) أي: قول الزوج أو وليه أو وارثه بيمينه؛ لأنه منكر، والأصل: براءة ذمته، وكذا: لو اختلفا في جنس الصداق، أو صفته (٤٢) (و) إن اختلفا (في قبضه: فـ) القول (قولها)، أو قول وليها، أو وارثها مع اليمين؛ حيث لا بينة له؛ لأن الأصل: = قلت: إن عفو الزوج لا يُعتبر، بل المعتبر هو عفو الولي إذا كان أبًا لصغير وهو قول كثير من العلماء، للكتاب؛ وهي الآية السابقة؛ حيث إن المراد بـ: الذي بيده عقدة النكاح هو: الولي وليس الزوج بعد طلاق الزوج لها، وخروجها عن يده قلتُ: هذا بعيد؛ لأن أصل المهر للزوجة، فلا يملك الولي هبته وإسقاطه؛ قياسًا على غير ذلك من أموالها وحقوقها كسائر الأولياء، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد بالذي بيده عقدة النكاح الوارد في الآية نظرًا لأن اللفظ يحتمل الأمرين حيث إنه لفظ "مشترك"" فعندنا: الزوج، وعندهم: الولي. (٤٢) مسألة: إذا قبضت الزوجة صداقها، ثم طلَّقها قبل الدخول، ثم اختلف الزوجان في قدر الصداق: بأن قال: "تزوجتك على عشرين درهمًا" فقالت: "بل على ثلاثين"، أو اختلفا في عين الصداق بأن قال: تزوجتك على هذا العبد" فقالت: "بل على تلك الأمة" أو اختلفا في دخول أو عدمه كأن يقول: "لم أدخل بك ولم ألمسك" ونحو ذلك، فتقول: "بل حصل ذلك" أو اختلفا في جنس الصداق: كأن يقول: "تزوجتك على فضة" فتقول: "بل على ذهب" أو اختلفا في صفة الصداق: كأن يقول: " تزوجتك على عبد أسود" فتقول: "بل على أبيض" ولا بيّنة: فإنه يُقبل قول الزوج مع يمينه أو وليه إن كان له ولي، أو وارثه إن مات؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل براءة ذمته من الزيادة التي تدّعيها الزوجة، وهو منكر له فيستصحب ذلك، ويعمل عليه ما لم يرد ما يُغيِّر، وعليه اليمين؛ للاحتياط.

стр. 2409

عدم القبض (٤٣)، وإن تزوجها على صداقين: "سر" و "علانية": أخذ بالزائد مطلقًا (٤٤)، وهدية زوج ليست من المهر، فما قبل عقد إن وعدوه ولم يفوا: رجع بها (٤٥). (٤٣) مسألة: إذا أصدق الزوج زوجته، ثم طلَّقها قبل الدخول، فاختلفا في قبض ذلك الصداق فهو يدّعي أنها قبضته وهي تدّعي: "عدم القبض" ولا بيّنة: فإنه يُقبل قول الزوجة مع يمينها؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم القبض، فيُستصحب ذلك، ويُعمل به، ويلزم بإقباضها الصداق المسمَّى بينهما، وعليها اليمين؛ للاحتياط. (٤٤) مسألة إذا تزوَّجها على صداقين ومهرين: "صداق في العلانية وهو مائة درهم" و"صداق في السرِّ وهو مائة وعشرين": فإنه يُعمل بالزائد: سواء كان الصداق المعلن أو السري، وهو هنا: السري، فلو طلَّقها قبل الدخول هنا: فله نصف السري - وهو ستون -، للتلازم؛ حيث يلزم من الاتفاق بين الزوجين على هذا الزائد: أن يكون هو المعتبر بصرف النظر عن كونه معلنًا أو سريًا، لأن المقصود هو اعتبار ما اتفقا عليه وقصداه: سواء أعلناه وكتباه أو لا؛ لكون اعتبار المقاصد في العقود مقدم على اعتبار الألفاظ - كما كان ابن القيم يكرر ذلك في كتبه. (٤٥) مسألة: إذا خطب رجل امرأة وَوُعِد بأن تُزوج له، وأهدى إليها هدايا قبل أن يعقد عليها، ولكنها أو وليها لم يفيا بالوعد فلم يُزوِّجها إياه: فليست من المهر، وله الحق أن يطالبهم بتلك الهدايا، فإن تلفت فله الحق أن يطالبهم بقيمتها - عند وقت الإهداء -؛ ولكن لو ماتت أو هو أعرض عن تلك الهدايا: فليس له الحق في استرجاع تلك الهدايا، أو أثمانها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مكرهًا وعدم وفائها أو وفاء وليها بالوعد إرجاع حقه من الهدايا، ويلزم من موتها، أو إعراضه هو عنها: عدم إرجاعها إليه، والمقصد من ذلك: إرجاع كل حق إلى أصحابه.

стр. 2410

(فصل): (يصح تفويض البضع: بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة) بلا مهر (أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر) فيصح العقد، ولها مهر المثل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (و) يصح أيضًا (تفويض المهر: بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما) أي: أحد الزوجين (أو) يشاء (أجنبي: فـ) يصح العقد، و (لها مهر المثل بالعقد)؛ لسقوط التسمية بالجهالة، ولها طلب فرضه (٤٦) (ويفرضه): أي: مهر المثل (الحاكم بقدره) بطلبها؛ لأن الزيادة عليه ميل على الزوج، والنقص منه ميل على الزوجة (٤٧) (وإن تراضيا) قبله أي: قبل فرض الحاكم، ولو على (٤٦) مسألة: تفويض المرأة لغيرها في أمر بضعها، وعقدها، وأمر مهرها نوعان: "أولهما: تفويض البضع وحقيقته: أن يزوج الرجل ابنته المجبرة - وهي: الصغيرة البكر -، أو يزوج غير المجبرة بإذنها بلا مهر، ثانيهما: تفويض المهر، وحقيقته: أن يزوجها على رأي أحد الزوجين، أو ما يشاء أجنبي أو نحو ذلك: فإن العقد والنكاح يصح في هذين النوعين، ويجب للزوجة المفوِّضة مهر مثيلاتها؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فبيّن أن عقد النكاح بلا مهر يصح. الثانية: السنة القولية؛ حيث إن ابن مسعود قد سئل عن امرأة قد تزوجها رجل، لم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فقال لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدَّة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: "أشهد أن النبي ﷺ قد قضى ببروع بنت واشق الأشجعية من جماعتنا بمثل ما قضيت" ففرح ابن مسعود، ففرض لها صداق مثيلاتها؛ قياسًا على الزوجة المدخول بها بجامع: الزوجية في كل الثالثة التلازم؛ حيث يلزم من إذنها بتزويجها: وجوب مهر مثيلاتها، بسبب العقد لأنها لا يمكن أن تزوج نفسها بدون صداق. (٤٧) مسألة: الذي يفرض المهر في مسألة المفوّضة السابقة الذكر في مسألة (٤٦) - هو الحاكم - وهو القاضي - وذلك بسبب طلبها بقدره الحقيقي، وهو مهر =

стр. 2411

قليل: (جاز)؛ لأن الحق لا يعدوهما (ويصح) أيضًا (إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه)؛ لأنه حق لها، فهي مخيرة بين إبقائه وإسقاطه (٤٨)، (ومن مات منهما) أي: من الزوجين (قبل الإصابة) والخلوة (والفرض) لمهر المثل (ورثه الآخر)؛ لأن ترك تسمية الصداق لا يقدح في صحة النكاح (٤٩) (ولها مهر) مثلها من (نسائها) أي: قراباتها كأم، وخالة، = مثيلاتها من نساء مجتمعها؛ لقاعدتين الأولى السنة القولية؛ وهو قضاء النبي ﷺ في بروع بنت واشق - كما سبق في مسألة (٤٦) - الثانية: المصلحة؛ حيث إن مهر مثيلاتها إذا فرض فيه السلامة من ظلم الزوج إذا فرض عليه زيادة، أو ظلم الزوجة إذا فرض على الزوج شيء ناقص، فالعدالة والإنصاف تقتضي ذلك. (٤٨) مسألة: إذا تراضى الزوج والزوجة في مسألة المفوضة - كما سبق في مسألة (٤٦) - على قدر مهر قبل فرض الحاكم: فإن ذلك يجوز: سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وأيضًا: يصح أن تبرئه من مهرها قبل فرضه: سواء كان المهر الذي تراضيا عليه قليلًا، أو كثيرًا، وسواء كان أبرأته عن قليل أو كثير منه، وسواء كان ذلك قبل الدخول، أو بعده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحق لا يتعدَّاهما: جواز تراضيهما على قدر منه، ويلزم من كون الحق لها وحدها: أن تخير بين إبقائه وإسقاطه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. (٤٩) مسألة: إذا مات أحد الزوجين قبل الخلوة والإصابة وفرض مهر المثل كما سبق في مسألة المفوِّضة وهي (٤٦) -: فإن الآخر يرثه ولو لم يدخل بها؛ للسنة القولية: حيث قضى رسول الله ﷺ بأن لها الميراث في قضية بروع بنت واشِق - كما سبق في رواية معقل في مجلس ابن مسعود - كما سبق في مسألة (٤٦)، وقد ثبت ذلك بقياس الزوجة المفوضة - وهي التي لم يُدخل بها - على الزوجة المدخول بها بجامع الزوجية في كل؛ إذ نكاح المفوضة صحيح، ولو تركت تسمية الصداق والمهر.

стр. 2412

وعمة، فيعتبره الحاكم بمن تساويها منهن: القربى فالقربي في مال وجمال، وعقل وأدب، وسن، وبكارة، أو ثيوبة فإن لم يكن لها أقارب: فيمن تشابهها من نساء بلدها (٥٠) (وإن طلَّقها) أي: المفوضة، أو من سُمِّي لها مهر فاسد (قبل الدخول) والخلوة: (فلها المتعة بقدر يُسر زوجها وعسره)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: فأعلاها، خادم، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها (٥١) (ويستقر مهر المثل) (٥٠) مسألة: إذا مات أحد الزوجين قبل الخلوة والدخول، والإصابة وفرض مهر المثل - كما سبق في مسألة (٤٦) -: فإنها تستحق مهر مثيلاتها من نسائها القريبات منها فيقدِّر الحاكم مهرها كما قُذِّر مهر أمها، وخالتها، وعمتها، ويُنظر في ذلك بمن تساويها في الشبه في الجمال، والعقل، والأدب، والسن، والبكارة، أو الثيوبة فمثلًا: إذا كانت تشبه عمتها في تلك الصفات: فإنه يُقدَّر لها من المهر مثل ما قُدِّر لعمتها وهكذا، فإن لم يوجد أحد من قريباتها: فإنه يُقدَّر لها من المهر كما قُدِّر لمن يشابهها من نساء بلدها بالصفات السابقة، فإن لم يوجد من أحد من نساء بلدها: فيقدَّر لها من المهر كما قُدِّر لمن يشابهها من نساء البلد المجاور لبلدها وتعتبر تلك الصفات؛ للسنة القولية حيث قضى رسول الله ﷺ بأن لها مهر بأن نسائها في قضية بروع بنت واشق - كما سبق في رواية معقل في مجلس ابن مسعود وذلك في مسألة (٤٦)، وقد ثبت ذلك بالقياس - كما سبق بيانه في مسألة (٤٩) -. (٥١) مسألة: إذا طلَّق الزوج زوجته مفوضة البضع قبل الدخول والخلوة: فتجب لها المتعة، وتقدَّر تلك المتعة على حسب يسر الزوج وعسره، فإن كان موسرًا وغنيًا: قدِّر عليه متعة عالية كخادم، وإن كان معسرًا وفقيرًا: قُدِّر عليه متعة قليلة ككسوة تجزئها في صلاتها كدرع وخمار ونحوهما، ومن كان وسطًا قُدِّر عليه متعة متوسطة، والذي يُقدِّر ذلك المجتهد من قاضي أو غيره من باب تحقيق المناط، =

стр. 2413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ والأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: القياس؛ بيانه كما أنه لو سمى صداقًا وطلقها قبل الدخول فلها نصفه، عوضًا لها، فكذلك إذا لم يُسمَّ صداق يجب لها عوض وهو المتعة، والجامع: أنه طلاق في نكاح يقتضي عوضًا الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن ابن عباس، وابن عمر، وثبت أيضًا عن ابن عباس أنه قال: "أعلى المتعة خادم، ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة"، فإن قلتَ: إن المتعة مستحبة وليست واجبة، وهو قول مالك، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ حيث يلزم من لفظ "المحسنين": أن المتعة على سبيل الإحسان، والتفضل، فلو كانت واجبة لما خصَّ بها المحسنين فقط دون غيرهم، وعلى ذلك: إن دفعها الزوج المطلق: فله أجر، وإن تركها فلا إثم عليه ولا يُطالب بها. قلتُ: إنه لا تعارض بين ما ذكرناه من وجوب المتعة، وبين الآية؛ لأن أداء الواجب يُعتبر من الإحسان، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في الواجب هل يُعتبر من الإحسان؟، فعندنا نعم، وعندهم: لا، فإن قلتَ: إن الزوج إذا طلق المفوضة قبل الدخول: فإن لها نصف مهر المثل، وهو رواية عن أحمد وعليه أكثر الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه كما أنه لو سمى لها مهرًا محرمًا كأن يصدقها خمرًا، فطلقها بعد الدخول: فلها مهر المثل كاملًا، وإن طلَّقها قبل الدخول فلها نصف مهر المثل، فكذلك الحال هنا إذا طلَّقها قبل الدخول، وقبل تسمية المهر وفرضه: فإن لها نصف مهر المثل والجامع: أن كلًّا منهما طلاق في نكاح صحيح. قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الحالة المقاس عليها تخص ما فرض فيها المهر؛ حيث =

стр. 2414

للمفوضة ونحوها (بالدخول) والخلوة، ولمسها، ونظره إلى فرجها بشهوة، وتقبيلها بحضرة الناس، وكذا: المسمَّى يتقرر بذلك (٥٢)، وينتصف المسمى بفرقة من قبله: كطلاقه، وخلعه وإسلامه (٥٣) ويسقط كله بفرقة من قبلها كردَّتها، وفسخها = قال تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، بخلاف ما نحن فيه فلم يُفرض ويُسمَّى مهر أصلًا لا محرمًا ولا حلالًا، ومع الفرق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "معارضة القياس الذي ذكروه للكتاب، والقياس وقول الصحابي وهي الأدلة التي ذكرناها". (٥٢) مسألة: يستقر مهر المثل كاملًا لكل زوجة - مفوضة أو غير مفوضة - ويتقرر المسمَّى من المهر بأحد أمور خمسة: أولها: إذا دخل بها. ثانيها: إذا خلى بها، فلا يكون عندهما أحد ثالثها إذا لمسها بشهوة، رابعها: إذا نظر إلى فرجها بشهوة، خامسها إذا قبَّلها بحضرة الناس؛ لقاعدتين الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن الخلفاء الراشدين قضوا على أن من أغلق بابًا وأرخى سترًا: "فقد وجب المهر" الثانية: المصلحة؛ حيث إن طلاقها بعد الدخول والخلوة بها، ولمسها والنظر إلى فرجها بشهوة، وتقبيلها بحضرة بعض الناس ابتذال لها وكسر لقلبها فوجب جبره بالمهر الكامل. (٥٣) مسألة: يستقر نصف المهر المسمى للزوجة بأحد أمور خمسة، أولها: إذا فارقها زوجها بسبب طلاقه لها، ثانيها: مخالعته لها، ثالثها: إسلامه دونها، رابعها: ردّته عن الإسلام، خامسها: ثبوت الفرقة بسبب خارجي كثبوت رضاع أو نسب بين الزوجين، وذلك بشرط: أن تكون تلك المفارقة في الخمسة قبل الدخول؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ حيث إن ذلك ثبت بالطلاق قبل الدخول، وما ذكر من أنواع المفارقة من قبل الزوج مثل المفارقة بالطلاق إذا كان قبل الدخول، من باب "مفهوم الموافقة"؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لَمِ كان لها نصف المهر هنا؟ =

стр. 2415

لعيبه، واختيارها لنفسها بجعله لها بسؤالها (٥٤) (وإن طلَّقها) أي: الزوجة: مفوضة كانت أو غيرها (بعده) أي: بعد الدخول: فلا متعة لها، بل لها المهر كما تقدَّم (٥٥) (وإذا افترقا في) النكاح (الفاسد) المختلف فيه (قبل الدخول والخلوة: فلا مهر) ولا متعة: سواء طلَّقها، أو مات عنها؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه (٥٦) (و) إن = قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جبران لخاطرها؛ إذا انكسرت نفسيتها في ذلك. (٥٤) مسألة: يسقط كل المهر عن الزوج بأحد أمور خمسة: أولها: إذا ارتدت عن الإسلام ثانيها: إذا فسخت النكاح بسبب عيب شرعي فيه، أو عيب شرعي فيها ثالثها إذا أسلمت رابعها إذا أرضعت من يتسبَّب بفسخ النكاح برضاعه، أو ثبوت أنهما أخوين من الرضاعة، أو من النسب، خامسها: إذا طلبت طلاق نفسها فجعله الزوج، لها، فطلَّقت نفسها، بشرط أن تكون تلك المفارقة في هذه الخمسة قبل الدخول؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المفارقة جاءت من قبلها، أو بسبب ليس راجعًا إلى الزوج كثبوت رضاع بينهما ونحوه: سقوط المهر كله عن الزوج؛ ليس هذا من فعل الزوج. (٥٥) مسألة: إذا طلَّق الزوج زوجته بعد الدخول، فلا تجب لها متعة، بل يجب لها كل المهر؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ حيث دل منطوق هذه الآيات على أن المتعة تجب على الزوج إذا طلّق زوجته المفوضة - وهي التي لم يسم لها مهرًا ولم يدخل بها كما سبق في مسألة (٥١) - ودلت بمفهوم الشرط على عدم وجوب متعة على زوج طلق زوجته بعد الدخول، وإنما الواجب كامل المهر لها، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المتعة تعتبر بديلًا عن مهر المثل، أو نصفه؛ جبرانًا لخاطر تلك المرأة المفارقة قبل الدخول. (٥٦) مسألة: إذا افترق الزوجان بطلاق، أو موت أو اختلاف دين، أو رضاع، =

стр. 2416

افترقا (بعد أحدهما) أي: الدخول، أو الخلوة، أو ما يقرر الصداق مما تقدَّم: (يجب المسمَّى) لها في العقد؛ قياسًا على الصحيح، وفي بعض ألفاظ حديث عائشة: "ولها الذي أعطاها بما أصاب منها" (٥٧) (ويجب مهر المثل لمن وُطئت) في نكاح باطل مجمع على بطلانه كالخامسة والمعتدَّة، أو وُطئت (بشبهة، أو زنا كرهًا)؛ لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها" أي: نال منه وهو الوطء، ولأنه إتلاف للبضع بغير رضى مالكه، فأوجب القيمة وهي: المهر (ولا يجب معه) أي: مع المهر (أرش بكارة) لدخوله في مهر مثلها؛ لأنه يُعتبر ببكر، مثلها، فلا يجب مرة ثانية، ولا فرق فيما ذكر بين ذات المحرم وغيرها (٥٨)، ......................... = وكان النكاح فاسدًا عند بعض العلماء، دون بعض، ولكن يترتب عليه آثاره، وكان وقوع هذه المفارقة قبل الدخول والخلوة فلا تستحق المرأة مهرًا، ولا متعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العقد الفاسد وجوده كعدمه: عدم استحقاق المرأة لشيء من المهر أو المتعة. (٥٧) مسألة: إذا افترق الزوجان بطلاق، أو موت، أو اختلاف دين في نكاح فاسد بعد الدخول، أو الخلوة أو قبل ما يتقرر الصداق بكامله كلمسها وتقبيلها بشهوة - كما سبق في مسألة (٥٢) -: فإنه يجب المسمَّى من المهر في العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن لها المسمَّى من المهر في العقد في النكاح الصحيح إذا حصلت المفارقة بعد الدخول، أو الخلوة فكذلك الحال هنا والجامع: أنه حصل الاتفاق بينهما على أن المسمى هو المهر، واستقرار ذلك بالخلوة أو الدخول. (٥٨) مسألة: إذا وطأ وجامع رجل امرأة في نكاح باطل إجماعًا كأن يتزوج خامسة، أو معتدة، أو وطأها بشبهة كأن يظنها زوجته فبانت غيرها، أو زنا بها كرهًا: فيجب على ذلك الرجل أن يدفع لتلك الموطوءة مهر المثل، ولا يجب مع ذلك المهر أرش بكارة، وهذا بشرط أن تكون تلك الموطوءة جاهلة للتحريم لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها =

стр. 2417

والزانية المطاوعة لا شيء لها إن كانت حرَّة (٥٩)، ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد قبل طلاق أو فسخ، فإن أباهما زوج: فسخه حاكم (٦٠) (وللمرأة) قبل دخول (منع = حيث أوجب الشارع للمرأة الموطوءة كامل مهر مثيلاتها بسبب ذلك الوطء، الثانية القياس؛ بيانه كما أن الشخص لو أتلف شيئًا بغير رضى مالكه فيجب عليه أن يدفع قيمة المتلف مرة واحدة دون أن يدفعه مرة ثانية، سواء كان صاحب المال المتلف قريبًا أو لا، فكذلك الحال هنا يجب على هذا الواطئ أن يدفع قيمة البضع الذي أتلفه بغير إذن المرأة - وهو المهر سواء كانت ذات محرم أو لا، ولا يدفع أرشًا لإفساد بكارتها؛ لدخوله فيما دفعه من مهر المثل والجامع: أن كلًّا منهما إتلاف لشيء من غير رضى مالكه، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المهر بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، ويدخل فيه الأرش. (٥٩) مسألة: إذا وطأ رجل امرأة حرّة، وهي خامسة، أو معتدَّة، أو يظنها زوجته فبانت غيرها، أو زنا بها وهي عالمة مطاوعة موافقة له في ذلك: فلا شيء لها، أما إن كانت تلك المرأة أمة: فلسيدها الحق في مطالبة الواطئ بالمهر؛ القاعدتين: الأولى: القياس بيانه: كما أن الشخص لو أتلف شيئًا برضى صاحبه: فلا يجب على المتلف أن يدفع قيمة المتلف، فكذلك هذه المرأة الموطوءة برضاها وطوعها: لا يجب على الواطئ أن يدفع شيئًا لها، والجامع: أن كلًّا منهما قد رضي بهذا الإتلاف، الثانية التلازم؛ حيث يلزم من كون الأمة مالًا لسيدها: أن يكون له الحق في مطالبة الواطئ لها بالمهر، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن هذا يُعتبر زنا يوجب الحد عليها وعليه. (٦٠) مسألة: إذا حصل نكاح فاسد بين زيد وامرأة كأن يتزوج امرأة وهي في العدّة، أو بلا ولي: فيجب على ذلك الرجل أن يطلقها، أو يفسخ ذلك النكاح، ولا يجوز تزويجها لعمرو قبل أن يطلقها، أو يفسخها زيد، فإن امتنع زيد من طلاقها أو فسخها، فإن الحاكم - وهو القاضي - يفسخها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =

стр. 2418

نفسها حتى تقبض صداقها الحال) مفوضة كانت، أو غيرها؛ لأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذَّر استيفاء المهر عليها: لم يمكنها استرجاع عوضها، ولها النفقة زمنه (٦١) (فإن كان) الصداق (مؤجلًا) ولم يحل (أو حلَّ قبل التسليم): لم تملك منع نفسها؛ لأنها رضيت بتأخيره (أو سلمت نفسها تبرعًا) أي: قبل الطلب بالحال: (فليس لها) بعد ذلك (منعها) أي: منع نفسها؛ لرضاها بالتسليم، واستقرار الصداق (٦٢)، ولو أبى الزوج تسليم الصداق حتى تسلِّم نفسها، وأبت تسليم نفسها = تزويجها قبل أن يطلقها زيد: أن يجتمع لها زوجان كل واحد يعتقد صحة نكاحه وهذا لا يجوز بالإجماع، ويلزم من كون الحاكم هو القائم مقام الممتنع مما وجب عليه: أن يفسخ نكاحها من زيد. (٦١) مسألة: من حق المرأة أن تمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض صداقها الحالّ، ويجب على الزوج أن ينفق عليها زمن هذا الامتناع: سواء كانت مفوضة، أو ليست كذلك؛ للتلازم؛ حيث إن بضعها هو: المنفعة المعقود عليها، وهذه تتلف بالاستيفاء؛ فإذا تعذَّر استيفاء المهر عليها بعد الوطء: لم يمكنها استرجاع عوض تلك المنفعة - وهو الاستمتاع - فيلزم أن لها الحق في منع نفسها حتى تستلم مهرها، ويلزم من كون حبس الصداق والمهر وقع من قبله زمن الامتناع: أن ينفق عليها في ذلك الزمن؛ لأنها طالبت حقًّا شرعيًا لها، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو حفظ حق المرأة من تحايل بعض الأزواج الظالمين. (٦٢) مسألة: لا يحق للمرأة أن تمنع نفسها من أن يطأها الزوج في حالات ثلاث: أولها: إذا اتفقا على أن الصداق يكون مؤجَّلًا، ولم يحل وقته، فلا تمنع نفسها للتلازم؛ حيث يلزم من عدم حقها بطلبه عدم جواز منع نفسها، ثانيًا: إذا رضيت بتأخير الصداق، وحل قبل تسليمها نفسها فلا تمنع نفسها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رضاها بتأخيره: رضاها بتسليم نفسها قبل قبضه فلا يجوز منعها لنفسها، ثالثها: إذا سلَّمت نفسها تبرعًا منها قبل الطلب بالصداق الحال: فلا =

стр. 2419

حتى يُسلِّم الصداق: أجبر زوج، ثم زوجة (٦٣)، ولو أقبضه لها، وامتنعت بلا عذر: فله استرجاعه (٦٤) (فإن أعسر) الزوج (بالمهر الحالِّ فلها الفسخ) إن كانت حرة مكلَّفة (ولو بعد الدخول)؛ لتعذر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوض كما لو أفلس المشتري ما لم تكن تزوجته عالمة، بعسرته ويُخيِّر سيد الأمة؛ لأن الحق له، = يحق لها أن تمنع نفسها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رضاها بتسليم نفسها، واستقرار الصداق عدم جواز منعها لنفسها. [فرع]: إذا جامعها مكرهة: فإن لها الحق في الامتناع بعد ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المبيع إذا أخذه المشتري كرهًا فمن حق البائع أن يأخذه منه، ويمنعه منه فكذلك الحال هنا، والجامع: حصول ذلك بغير رضى الطرفين. (٦٣) مسألة: إذا قال الزوج: "لن أسلِّمك صداقكِ إلا إذا سلَّمتِ لي نفسكِ" وقالت الزوجة: "لن أسلِّمك نفسي إلا إذا سلَّمتني صداقي ومهري": فإنه يُجبر الزوج بأن يسلِّم لها الصداق والمهر، ثم تُجبر الزوجة بأن تسلِّم نفسها له؛ للمصلحة: حيث إن تسليمها لنفسها قبل أن يُسلّمها الزوج صداقها فيه ضرر عليها؛ إذ قد يجامعها ويتلف البضع، ويمتنع من تسليم الصداق، وحينئذٍ لا يمكنها الرجوع ببضع سليم، بخلاف ما لو استلمت منه الصداق وامتنعت تسليم نفسها: فإنه يمكن للزوج استرجاع صداقه بدون ضرر. [فرع]: إذا بادر أحدهما بتسليم ما وجب عليه: فإنه يُجبر الآخر على تسليم ما عنده بدلًا عنه؛ للقياس بيانه كما أن ذلك يُفعل بين البائع والمشتري فكذلك يُفعل بين الزوجين، والجامع: إرجاع الحق إلى أهله في كل. (٦٤) مسألة: إذا سلَّم الزوج الصداق للزوجة، وامتنعت تسليم نفسها: فمن حقه أن يسترجع ذلك الصداق ويأخذه منها؛ للقياس بيانه: كما أن البائع لو استلم الثمن من المشتري ولم يسلم السلعة المباعة من المشتري: فمن حق المشتري أن يأخذ ذلك الثمن، والجامع إرجاع الحق إلى أهله في كل.

стр. 2420

بخلاف ولي صغيرة ومجنونة (٦٥) (ولا يفسخه) أي: النكاح لعسرته بحالِّ مهر (إلا حاكم) كالفسخ؛ لعنَّة، ونحوها؛ للاختلاف فيه (٦٦)، ومن اعترف لامرأة أن هذا ابنه (٦٥) مسألة: إذا أعسر الزوج وافتقر، وعجز عن تسليم الزوجة المهر الحال: فمن حقها أن تفسخ النكاح: سواء كان ذلك وقع قبل الدخول أو بعده بشرطين: أولهما: أن تكون تلك الزوجة حرة بالغة عاقلة فإن كانت أمة: فيخير السيد بين الفسخ، وعدمه، وإن كانت صغيرة، أو مجنونة: فليس لها الفسخ إلا بعد أن تبلغ، أو تعقل، ثانيهما: أن تكون قد تزوجته وهي جاهلة لعسره وفقره حال العقد، أما إن كانت عالمة بعسره عند العقد: فلا يحق لها أن تطلب الفسخ؛ لقاعدتين: الأولى القياس بيانه كما أنه لو أفلس المشتري: فإنه من حق البائع أن يفسخ البيع، فكذلك لو أفلس وافتقر الزوج عن دفع المهر الحال: فإنه من حق الزوجة فسخ النكاح، والجامع: تعذَّر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوَّض في كل. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الزوجة بالغة مكلَّفة: فسخها النكاح؛ نظرًا لدرايتها بمصلحتها، ويلزم من كون الأمة من مال سيدها: تخييره في الفسخ وعدمه؛ لكونه مالكًا لنفعها، دونها، ويلزم من كون الصغيرة والمجنونة لا يعلمان مصلحتهما: عدم صلاحيتهما لطلب الفسخ، ولا يملك وليهما مهرهما، ويُصبر حتى تبلغ الصغيرة، وتعقل المجنونة فقد ترضيان بتأخيره، ويلزم من رضى الزوجة بعسر الزوج عند العقد ومقامها عنده: امتناع الفسخ منها، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من أن تؤكل أموالهم بغير حق. (٦٦) مسألة: إذا أعسر الزوج وافتقر وعجز عن تسليم الزوجة المهر الحال، وأرادت الزوجة أن تفسخ النكاح: فلا يفسخه إلا الحاكم وهو القاضي -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحاكم هو الذي يفسخ النكاح بسبب عنَّة ونحوها من العيوب في الزوج فكذلك هو الذي يتولَّى فسخ نكاحها بسبب عسر زوج عن دفع مهر حال، =
следующие страницы →