Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
افترقا (بعد أحدهما) أي: الدخول، أو الخلوة، أو ما يقرر الصداق مما تقدَّم: (يجب المسمَّى) لها في العقد؛ قياسًا على الصحيح، وفي بعض ألفاظ حديث عائشة: "ولها الذي أعطاها بما أصاب منها" (٥٧) (ويجب مهر المثل لمن وُطئت) في نكاح باطل مجمع على بطلانه كالخامسة والمعتدَّة، أو وُطئت (بشبهة، أو زنا كرهًا)؛ لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها" أي: نال منه وهو الوطء، ولأنه إتلاف للبضع بغير رضى مالكه، فأوجب القيمة وهي: المهر (ولا يجب معه) أي: مع المهر (أرش بكارة) لدخوله في مهر مثلها؛ لأنه يُعتبر ببكر، مثلها، فلا يجب مرة ثانية، ولا فرق فيما ذكر بين ذات المحرم وغيرها (٥٨)، .........................
= وكان النكاح فاسدًا عند بعض العلماء، دون بعض، ولكن يترتب عليه آثاره، وكان وقوع هذه المفارقة قبل الدخول والخلوة فلا تستحق المرأة مهرًا، ولا متعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العقد الفاسد وجوده كعدمه: عدم استحقاق المرأة لشيء من المهر أو المتعة.
(٥٧) مسألة: إذا افترق الزوجان بطلاق، أو موت، أو اختلاف دين في نكاح فاسد بعد الدخول، أو الخلوة أو قبل ما يتقرر الصداق بكامله كلمسها وتقبيلها بشهوة - كما سبق في مسألة (٥٢) -: فإنه يجب المسمَّى من المهر في العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن لها المسمَّى من المهر في العقد في النكاح الصحيح إذا حصلت المفارقة بعد الدخول، أو الخلوة فكذلك الحال هنا والجامع: أنه حصل الاتفاق بينهما على أن المسمى هو المهر، واستقرار ذلك بالخلوة أو الدخول.
(٥٨) مسألة: إذا وطأ وجامع رجل امرأة في نكاح باطل إجماعًا كأن يتزوج خامسة، أو معتدة، أو وطأها بشبهة كأن يظنها زوجته فبانت غيرها، أو زنا بها كرهًا: فيجب على ذلك الرجل أن يدفع لتلك الموطوءة مهر المثل، ولا يجب مع ذلك المهر أرش بكارة، وهذا بشرط أن تكون تلك الموطوءة جاهلة للتحريم لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها =
стр. 2417
والزانية المطاوعة لا شيء لها إن كانت حرَّة (٥٩)، ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد قبل طلاق أو فسخ، فإن أباهما زوج: فسخه حاكم (٦٠) (وللمرأة) قبل دخول (منع
= حيث أوجب الشارع للمرأة الموطوءة كامل مهر مثيلاتها بسبب ذلك الوطء، الثانية القياس؛ بيانه كما أن الشخص لو أتلف شيئًا بغير رضى مالكه فيجب عليه أن يدفع قيمة المتلف مرة واحدة دون أن يدفعه مرة ثانية، سواء كان صاحب المال المتلف قريبًا أو لا، فكذلك الحال هنا يجب على هذا الواطئ أن يدفع قيمة البضع الذي أتلفه بغير إذن المرأة - وهو المهر سواء كانت ذات محرم أو لا، ولا يدفع أرشًا لإفساد بكارتها؛ لدخوله فيما دفعه من مهر المثل والجامع: أن كلًّا منهما إتلاف لشيء من غير رضى مالكه، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المهر بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، ويدخل فيه الأرش.
(٥٩) مسألة: إذا وطأ رجل امرأة حرّة، وهي خامسة، أو معتدَّة، أو يظنها زوجته فبانت غيرها، أو زنا بها وهي عالمة مطاوعة موافقة له في ذلك: فلا شيء لها، أما إن كانت تلك المرأة أمة: فلسيدها الحق في مطالبة الواطئ بالمهر؛ القاعدتين: الأولى: القياس بيانه: كما أن الشخص لو أتلف شيئًا برضى صاحبه: فلا يجب على المتلف أن يدفع قيمة المتلف، فكذلك هذه المرأة الموطوءة برضاها وطوعها: لا يجب على الواطئ أن يدفع شيئًا لها، والجامع: أن كلًّا منهما قد رضي بهذا الإتلاف، الثانية التلازم؛ حيث يلزم من كون الأمة مالًا لسيدها: أن يكون له الحق في مطالبة الواطئ لها بالمهر، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن هذا يُعتبر زنا يوجب الحد عليها وعليه.
(٦٠) مسألة: إذا حصل نكاح فاسد بين زيد وامرأة كأن يتزوج امرأة وهي في العدّة، أو بلا ولي: فيجب على ذلك الرجل أن يطلقها، أو يفسخ ذلك النكاح، ولا يجوز تزويجها لعمرو قبل أن يطلقها، أو يفسخها زيد، فإن امتنع زيد من طلاقها أو فسخها، فإن الحاكم - وهو القاضي - يفسخها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =
стр. 2418
نفسها حتى تقبض صداقها الحال) مفوضة كانت، أو غيرها؛ لأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذَّر استيفاء المهر عليها: لم يمكنها استرجاع عوضها، ولها النفقة زمنه (٦١) (فإن كان) الصداق (مؤجلًا) ولم يحل (أو حلَّ قبل التسليم): لم تملك منع نفسها؛ لأنها رضيت بتأخيره (أو سلمت نفسها تبرعًا) أي: قبل الطلب بالحال: (فليس لها) بعد ذلك (منعها) أي: منع نفسها؛ لرضاها بالتسليم، واستقرار الصداق (٦٢)، ولو أبى الزوج تسليم الصداق حتى تسلِّم نفسها، وأبت تسليم نفسها
= تزويجها قبل أن يطلقها زيد: أن يجتمع لها زوجان كل واحد يعتقد صحة نكاحه وهذا لا يجوز بالإجماع، ويلزم من كون الحاكم هو القائم مقام الممتنع مما وجب عليه: أن يفسخ نكاحها من زيد.
(٦١) مسألة: من حق المرأة أن تمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض صداقها الحالّ، ويجب على الزوج أن ينفق عليها زمن هذا الامتناع: سواء كانت مفوضة، أو ليست كذلك؛ للتلازم؛ حيث إن بضعها هو: المنفعة المعقود عليها، وهذه تتلف بالاستيفاء؛ فإذا تعذَّر استيفاء المهر عليها بعد الوطء: لم يمكنها استرجاع عوض تلك المنفعة - وهو الاستمتاع - فيلزم أن لها الحق في منع نفسها حتى تستلم مهرها، ويلزم من كون حبس الصداق والمهر وقع من قبله زمن الامتناع: أن ينفق عليها في ذلك الزمن؛ لأنها طالبت حقًّا شرعيًا لها، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو حفظ حق المرأة من تحايل بعض الأزواج الظالمين.
(٦٢) مسألة: لا يحق للمرأة أن تمنع نفسها من أن يطأها الزوج في حالات ثلاث: أولها: إذا اتفقا على أن الصداق يكون مؤجَّلًا، ولم يحل وقته، فلا تمنع نفسها للتلازم؛ حيث يلزم من عدم حقها بطلبه عدم جواز منع نفسها، ثانيًا: إذا رضيت بتأخير الصداق، وحل قبل تسليمها نفسها فلا تمنع نفسها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رضاها بتأخيره: رضاها بتسليم نفسها قبل قبضه فلا يجوز منعها لنفسها، ثالثها: إذا سلَّمت نفسها تبرعًا منها قبل الطلب بالصداق الحال: فلا =
стр. 2419
حتى يُسلِّم الصداق: أجبر زوج، ثم زوجة (٦٣)، ولو أقبضه لها، وامتنعت بلا عذر: فله استرجاعه (٦٤) (فإن أعسر) الزوج (بالمهر الحالِّ فلها الفسخ) إن كانت حرة مكلَّفة (ولو بعد الدخول)؛ لتعذر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوض كما لو أفلس المشتري ما لم تكن تزوجته عالمة، بعسرته ويُخيِّر سيد الأمة؛ لأن الحق له،
= يحق لها أن تمنع نفسها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رضاها بتسليم نفسها، واستقرار الصداق عدم جواز منعها لنفسها.
[فرع]: إذا جامعها مكرهة: فإن لها الحق في الامتناع بعد ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المبيع إذا أخذه المشتري كرهًا فمن حق البائع أن يأخذه منه، ويمنعه منه فكذلك الحال هنا، والجامع: حصول ذلك بغير رضى الطرفين.
(٦٣) مسألة: إذا قال الزوج: "لن أسلِّمك صداقكِ إلا إذا سلَّمتِ لي نفسكِ" وقالت الزوجة: "لن أسلِّمك نفسي إلا إذا سلَّمتني صداقي ومهري": فإنه يُجبر الزوج بأن يسلِّم لها الصداق والمهر، ثم تُجبر الزوجة بأن تسلِّم نفسها له؛ للمصلحة: حيث إن تسليمها لنفسها قبل أن يُسلّمها الزوج صداقها فيه ضرر عليها؛ إذ قد يجامعها ويتلف البضع، ويمتنع من تسليم الصداق، وحينئذٍ لا يمكنها الرجوع ببضع سليم، بخلاف ما لو استلمت منه الصداق وامتنعت تسليم نفسها: فإنه يمكن للزوج استرجاع صداقه بدون ضرر.
[فرع]: إذا بادر أحدهما بتسليم ما وجب عليه: فإنه يُجبر الآخر على تسليم ما عنده بدلًا عنه؛ للقياس بيانه كما أن ذلك يُفعل بين البائع والمشتري فكذلك يُفعل بين الزوجين، والجامع: إرجاع الحق إلى أهله في كل.
(٦٤) مسألة: إذا سلَّم الزوج الصداق للزوجة، وامتنعت تسليم نفسها: فمن حقه أن يسترجع ذلك الصداق ويأخذه منها؛ للقياس بيانه: كما أن البائع لو استلم الثمن من المشتري ولم يسلم السلعة المباعة من المشتري: فمن حق المشتري أن يأخذ ذلك الثمن، والجامع إرجاع الحق إلى أهله في كل.
стр. 2420
بخلاف ولي صغيرة ومجنونة (٦٥) (ولا يفسخه) أي: النكاح لعسرته بحالِّ مهر (إلا حاكم) كالفسخ؛ لعنَّة، ونحوها؛ للاختلاف فيه (٦٦)، ومن اعترف لامرأة أن هذا ابنه
(٦٥) مسألة: إذا أعسر الزوج وافتقر، وعجز عن تسليم الزوجة المهر الحال: فمن حقها أن تفسخ النكاح: سواء كان ذلك وقع قبل الدخول أو بعده بشرطين: أولهما: أن تكون تلك الزوجة حرة بالغة عاقلة فإن كانت أمة: فيخير السيد بين الفسخ، وعدمه، وإن كانت صغيرة، أو مجنونة: فليس لها الفسخ إلا بعد أن تبلغ، أو تعقل، ثانيهما: أن تكون قد تزوجته وهي جاهلة لعسره وفقره حال العقد، أما إن كانت عالمة بعسره عند العقد: فلا يحق لها أن تطلب الفسخ؛ لقاعدتين: الأولى القياس بيانه كما أنه لو أفلس المشتري: فإنه من حق البائع أن يفسخ البيع، فكذلك لو أفلس وافتقر الزوج عن دفع المهر الحال: فإنه من حق الزوجة فسخ النكاح، والجامع: تعذَّر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوَّض في كل. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الزوجة بالغة مكلَّفة: فسخها النكاح؛ نظرًا لدرايتها بمصلحتها، ويلزم من كون الأمة من مال سيدها: تخييره في الفسخ وعدمه؛ لكونه مالكًا لنفعها، دونها، ويلزم من كون الصغيرة والمجنونة لا يعلمان مصلحتهما: عدم صلاحيتهما لطلب الفسخ، ولا يملك وليهما مهرهما، ويُصبر حتى تبلغ الصغيرة، وتعقل المجنونة فقد ترضيان بتأخيره، ويلزم من رضى الزوجة بعسر الزوج عند العقد ومقامها عنده: امتناع الفسخ منها، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من أن تؤكل أموالهم بغير حق.
(٦٦) مسألة: إذا أعسر الزوج وافتقر وعجز عن تسليم الزوجة المهر الحال، وأرادت الزوجة أن تفسخ النكاح: فلا يفسخه إلا الحاكم وهو القاضي -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحاكم هو الذي يفسخ النكاح بسبب عنَّة ونحوها من العيوب في الزوج فكذلك هو الذي يتولَّى فسخ نكاحها بسبب عسر زوج عن دفع مهر حال، =
стр. 2421
منها: لزمه لها مهر مثلها؛ لأنه الظاهر قاله في "الترغيب" (٦٧).
* * *
= والجامع: دفع مفسدة الاختلاف؛ إذ كل واحد من الزوجين قد يزعم أن الحق معه، وإذا فسخه حاكم مجتهد: انقطع ذلك النزاع، وهو المقصد منه.
(٦٧) مسألة: إذا اعترف عمرو بأن زيدًا هذا ابنه من فاطمة تلك: فيجب عليه أن يدفع مهر المثل لفاطمة للتلازم؛ حيث يلزم من ظاهر هذا الإقرار: صحته، ويلزم من ذلك: دفع مهر مثيلاتها؛ لعدم وجود وطء بدون مهر.
هذه آخر مسائل باب "الصداق والمهر" ويليه باب "وليمة العرس، وآداب الأكل والشرب".
стр. 2422
باب وليمة العرس
أصل "الوليمة": تمام الشيء واجتماعه، ثم نقلت لطعام العرس خاصة؛ لاجتماع الرجل والمرأة (١) (تسنُّ) الوليمة بعقد ولو (بشاة فأقل) من شاة؛ لقوله ﵇ لعبد الرحمن بن عوف - حيث قال له: تزوجتُ: "أولم ولو بشاة" و "أولم النبي ﷺ على صفية بحيس وضعه على نطع صغير" كما في "الصحيحين" عن أنس، لكن قال جمع: يُستحب أن لا تنقص عن شاة (٢) (وتجب في أول مرَّة) أي: في اليوم
باب وليمة العرس، وآداب الأكل والشرب
وفيه ست وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: الوليمة: مأخوذة من "ولم" أي: اجتمع، ومنه قولهم للقيد: "وِلْم"؛ لأنه: يجمع الرجلين معًا، ولذلك أطلق اسم "الوليمة" لدعوة العرس، وطعامه ولا ينقدح في الذهن غير ذلك؛ نظرًا لأن سببها هو: اجتماع الرجل والمرأة بعد افتراق، واسم الوليمة يطلق على كل طعام السرور حادث إلا أن الغالب إطلاقه في طعام العرس.
(٢) مسألة: يُستحب أن يضع المسلم وليمة لعرسه يُدعى لها جمع من الناس، ويكون بعد العقد وقبل الدخول أو بعده بقليل: سواء كانت تلك الوليمة كثيرة كذبح شاة فما فوقها، أو أقل كأي شيء يُطلق عليه طعام محبوب عند بعض الناس؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن عبد الرحمن بن عوف لما أخبر النبي ﷺ أنه تزوج قال له ﵇: "أولم ولو بشاة" حيث أمر بوضع وليمة للعرس، وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، القياس؛ بيانه: كما أن وضع سائر الأطعمة بمناسبة السرور مستحبة فكذلك وضع وليمة العرس مثلها والجامع: السرور. الثانية السنة الفعلية: حيث إنه ﷺ قد اصطفى صفية لنفسه، فخرج بها حتى بلغ بها ثنية الصهباء فبنى بها ثم صنع حيسًا - وهو التمر مع =
стр. 2423
الأول (إجابة مسلم يحرم هجره) بخلاف نحو رافضي ومتجاهر بمعصية إن دعاه (إليها) أي: إلى الوليمة (إن عيّنه) الداعي (ولم يكن ثم) أي: في محل الوليمة (منكر)؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب فقد عصى الله ورسوله" رواه مسلم (٣) (فإن دعاه الجَفَلَى) - بفتح الفاء -
= الدقيق - ثم قال لأنس: "اِئذن لمن حولك"، وأولم على بعض نسائه بمدَّين شعير فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار الزواج، وفيه تيسير على الناس، وعدم تقييده بكونه بعد العقد فيه توسيع وتيسير على الناس، فإن قلتَ: إنها تُسنُّ بعد العقد، أو بعد الدخول، وهو قول المصنف هنا وبعض الحنابلة، قلتُ: إن حديث عبد الرحمن بن عوف ورد مطلقًا في وقت وضع الوليمة فلم يحدِّد وقته - فإن قلتَ: إن الوليمة يُستحب أن لا تنقص عن شاة والزيادة عليها وهو لبعض العلماء؛ للسنة القولية: وهو حديث عبد الرحمن بن عوف السابق؛ حيث دل مفهوم العدد منه على استحباب وضع وليمة تكون لا تنقص عن شاة، أو تكون أكثر. قلتُ: هذا المفهوم يخالف السنة الفعلية؛ حيث أولم النبي ﵇ على بعض نسائه بحيس، ومدين شعير، فلا يُعمل بمفهوم نص مخالف لفعله ﵇ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المفهوم مع السنة الفعلية"، فإن قلتَ: إن وليمة العرس واجبة وهو قول بعض الشافعية للسنة القولية: وهو حديث عبد الرحمن بن عوف السابق؛ حيث إن الأمر بوضع الوليمة أمر مطلق، فيقتضي الوجوب قلتُ: إن الأمر قد صرفه من الوجوب إلى الاستحباب القياس، وهو قياس وليمة العرس على سائر الأطعمة، وقد سبق بيانه.
(٣) مسألة: تجب إجابة الدعوة لوليمة العرس بشروط خمسة: أولها: أن تكون الدعوة في أول مرة في اليوم الأول، ثانيها: أن يكون الداعي لها مسلم، ولم يكن من أهل المعاصي العقائدية أو الفرعية، ثالثها: أن يُعيِّن الداعي لها المدعو - ويخصه بتلك الدعوة، أو يخص جماعة هو منهم، رابعها: أن لا توجد في موضع الوليمة =
стр. 2424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منكرات، خامسها: أن لا يكون المدعو مريضًا، أو ممرضًا لغيره، أو مشغولًا بما هو أهم من إجابة الدعوة كطلب علم، أو حفظ، مال، أو يتضرر إذا حضرها بسبب زحام، أو حر، أو برد، أو سفر، أو مطر، أو وحل، أو حضور من يتضايق منه، أو نفسه تكره حضور مثل تلك المجتمعات أو نحو ذلك من الأسباب، أما إن تخلَّف شرط من تلك الشروط، أو جميعها: فلا تجب إجابة الدعوة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب: فقد عصى الله ورسوله حيث إنه توعد من لا يجب الدعوة - من غير عذر - بالعصيان وهذا عقاب ولا يُتوعد بذلك إلا من ترك واجبًا، ثانيها: قوله ﵇: "الوليمة أول يوم حق، والثاني، معروف والثالث رياء وسمعة" حيث بيّن أن وجوب الإجابة تكون في أول مرة، وهو أول يوم فقط؛ نظرًا لأحقيته، ثالثها: قوله ﵇: "إذا دُعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها حيث أوجب إجابة الدعوة إلى الوليمة؛ لأن الأمر في قوله "فليأتها" مطلق، وهو يقتضي الوجوب الثانية المصلحة؛ حيث إن الداعي إذا عيَّن المدعو ولم يجبه: فإن ذلك فيه كسر لقلب الداعي، وقد يضره، فدفعًا لذلك وجبت إجابة الدعوة، وإن إجابة دعوات أهل المعاصي أو حضور ما فيه منكرات فيه تعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الشارع عن ذلك، وأن مراعاة ظروف وأحوال الناس من المقاصد الأصلية للإسلام، فلا يُكلَّف المسلم ما لا يطيق في الأركان والفروض والشروط؛ لقوله ﵇: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فكيف بمثل ذلك، ومن كانت ظروفه البدنية أو النفسية أو العائلية أو أحواله العامة أو الخاصة لا تسمح بحضور تلك الاجتماعات أو من هو مشغول بما هو أهم من إجابة دعوة طعام كطلب علم أو تعليمه فلا تجب عليه إجابة تلك =
стр. 2425
كقوله: "يا أيها الناس هلمُّوا إلى الطعام": لم تجب الإجابة (أو) دعاه (في اليوم الثالث): كرهت إجابته؛ لقوله ﵇: "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة" رواه أبو داود وغيره، وتسن في ثاني يوم: لذلك الخبر (أو دعاه ذمِّي) أو من في ماله حرام: (كُرهت الإجابة)؛ لأن المطلوب: إذلال أهل الذمة، والتباعد عن الشبهة أو ما فيه حرام؛ لئلا يواقعه (٤) وسائر الدعوات مباحة، غير
= الدعوة، لكون الإجابة تلحق الضرر به إما عاجلًا أو آجلًا وكلٌّ أعلم بحاله، فلا يُلام أحد في ذلك.
(٤) مسألة: تكره إجابة الدعوة لوليمة العرس في حالتين: أولهما: أن يشك في وجود بعض المنكرات، أو ما يضايقه، ثانيهما: أن يدعوه كافر ذمي؛ للمصلحة: حيث إن المصلحة تقتضي التباعد عن إكرام أهل الذمة، وفي إجابة دعوتهم: إكرام لهم، وتقتضي اجتناب كل موضع يُشك في وجود بعض المنكرات فيه.
[فرع]: يحرم إجابة الدعوة لوليمة العرس في حالات ثلاث: أولها: أن تكون الدعوة في اليوم الثالث للعرس ثانيها: أن يغلب على ظن المدعو: أن في مال الداعي شيئًا من الحرام، من من الحرام من معاملاته بالحرام، أو حرصه على دعوة أصحاب المراكز في الدولة؛ وهذا ظاهر في إرادته إشغال منصب مثلهم، ثالثها: أن يغلب على ظن المدعو أن الداعي يفعل تلك الولائم، ويكثرها، ويضعها في قصور، أو فنادق؛ لأجل المباهاة والشهرة والرياء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث: رياء وسمعة فيحرم حضور اليوم الثالث لكونه وضع فيه الوليمة رياء وسمعة، ويحرم حضور مثل ذلك الثانية المصلحة؛ حيث إن في ترك حضور من في ماله، حرام أو من المباهين أو المنافقين فيه هجره وتركه، وهذا واجب من باب التعاون على البر والتقوى وقد أمر به الله، وحضور ولائم مثل ذلك فيه التعاون على الإثم والعدوان وقد نهى الله عنه؛ حيث قال تعالى: =
стр. 2426
عقيقة: فتسن، ومأتم فتكره، والإجابة إلى غير الوليمة مستحبة غير مأتم فتكره (٥) (ومن
= ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم فإن قلتَ: إن الحالتين الأوليين يكره فيهما حضور الوليمة، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهة، ولم يوجد صارف يصرف النهي عن حضورهما من التحريم إلى الكراهة كما سبق.
[فرع ثان] تستحب إجابة الدعوة لوليمة العرس في حالة ما إذا دعاه دعوة خاصة في اليوم الثاني من العرس؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "الوليمة أول يوم حق والثاني معروف، ووضع المعروف مستحب.
[فرع ثالث] تباح إجابة الدعوة لوليمة العرس في ما إذا دعاه دعوة عامة - وهي "دعوة الجَفَلَى" - كقوله: "أيها الناس تعالوا إلى الطعام" ولم تكن في موضع الوليمة منكرات؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ للمنادي لدعوة وليمة: "ادع فلانًا، وفلانًا، ومن لقيت"؛ فلو لم تكن إجابة الدعوة هنا مباحة: لما أمر بذلك النبي ﷺ ، فإن قلتَ: إن الإجابة في هذه الحالة مكروهة، وهو ما قاله المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على الكراهة، وهذا يخالف السنة القولية - كما سبق -؛ إذ لو كانت الإجابة مكروهة هنا: لما أمر بها ﵇؛ إذ لا يأمر بالمكروهات. تنبيه: اجتمعت في هذه المسألة الأحكام التكليفية الخمسة بالاعتبارات السابقة الذكر وهي من نوادر المسائل.
(٥) مسألة تُستحب الإجابة إلى دعوات الولائم عامة - سوى دعوة وليمة العرس -: سواء كانت وليمة عقيقة أو لا، بشرط أن لا توضع تلك الوليمة للمأتم وهو الطعام الذي يُصنع للمجتمعين بعد موت ميت -؛ للمصلحة: حيث إن الإجابة فيها جبر قلب الداعي، وتطييب خاطره، وتفريحه والمأتم بدعة وما يوضع فيه من الأطعمة من البدع والمنكرات التي لم تكن تُفعل في عهده ﷺ ، ولا عهد =
стр. 2427
صومه واجب) كنذر، وقضاء رمضان إذا دُعي للوليمة حضر وجوبًا، و (دعا) استحبابًا (وانصرف)؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليدع، وإن كان مفطرًا فليطعم" رواه أبو داود (و) الصائم (المتنفل) إذا دُعي: أجاب، (ويفطر إن جبر) قلب أخيه المسلم، وأدخل عليه السرور؛ لقوله ﷺ الرجل اعتزل عن القوم ناحية وقال: إني صائم: دعاكم أخوكم، وتكلف لكم، كل ثم صم يومًا مكانه إن شئت" (٦)
= أصحابه، وحضورها يُعتبر مشاركة في تلك البدع، وهو حرام. تنبيه: قوله: "وسائر الدعوات مباحة" قلت: تستحب الإجابة وهي درجة فوق الإباحة.
(٦) مسألة: إذا دُعي شخص لوليمة عرس، وكان هذا الشخص صائمًا صوم واجب كنذر، أو قضاء رمضان: فيجب عليه أن يحضر - إذا توفرت فيه شروط وجوب الإجابة الخمسة السابقة في مسألة (٣)، ولا يأكل، ويُستحب أن يدعو لأصحاب الوليمة، بقوله: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده، ثم ينصرف، أما إن كان ذلك المدعو صائمًا صوم تطوع: فإنه يجب عليه إجابة الدعوة بالشروط السابقة ويُفطر إن كان ذلك فيه جبر لقلب الداعي له ويصوم يومًا مكانه إن شاء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين أولهما: قوله ﷺ : "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلِّ" حيث أوجب إجابة الدعوة؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، واستحب الدعاء لهم. ثانيهما: أنه ﷺ رأى رجلًا معتزلًا في وليمة فسأله عن ذلك فقال الرجل: إني صائم، فقال النبي ﷺ : "دعاكم أخوكم، وتكلَّف لكم، كل، ثم صم يومًا مكانه إن شئت" فأمره بالإفطار ليأكل من وليمة أخيه المسلم، وقوله: "إن شئت" يدل على أن صومه كان تطوعًا الثانية: المصلحة؛ حيث إن في إجابة الصائم للدعوة جبرانًا لقلب الداعي، وتفريحًا له، وإن رأى الصائم المتطوع أن أكله من وليمة أخيه سيسرُّه ويُفرحه فإنه يأكل، وقد يكون هذا أكثر أجرًا من صيامه المتطوع به.
стр. 2428
(ولا يجب) على من حضر (الأكل) ولو مفطرًا؛ لقوله ﵇: "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن شاء أكل، وإن شاء ترك" قال في "شرح المقنع" حديث صحيح ويستحب الأكل؛ لما تقدم (٧) (وإباحته) أي: إباحة الأكل (متوقفة على صريح إذن، أو قرينة) ولو من بيت قريب، أو صديق لم يحرزه عنه؛ لحديث ابن عمر: "من دخل على غير دعوة: دخل سارقًا، وخرج مغيرًا" والدعاء إلى الوليمة، وتقديم الطعام إذن فيه (٨)، ولا يملكه
(٧) مسألة: إذا دُعي شخص إلى وليمة عرس فأجاب: فلا يجب عليه الأكل سواء كان صائمًا أو مفطرًا ولكن يستحب الأكل؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "إذا دُعي أحدكم فليجب: فإن شاء أكل، وإن شاء ترك" فأوجب هنا الإجابة للدعوة؛ لأن "فليُجب" أمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ثم أباح له الأكل، ثانيهما: قوله ﷺ : للرجل الذي اعتزل في وليمة وقال: إني صائم: "كل، ثم صم يومًا مكانه" كما سبق في مسألة (٦) - فأمره بالأكل وهو صائم صوم تطوع، فإذا استحب لهذا أن يأكل فمن باب أولى أن يُستحب للمفطر أن يأكل، فإن قلتَ: لِمَ استحب الأكل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكمال السرور، للداعي، فإن قلتَ: يجب الأكل إذا أجاب الدعوة وهو قول أكثر الشافعية؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من الدعوة الأكل فيلزم ذلك وجوبه، قلتُ: ليس المقصود من الدعوة الأكل، وإنما المقصود إجابة الدعوة والحضور، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المقصود من الدعوة".
(٨) مسألة: يحرم أكل طعام الآخرين إلا بإذن من صاحب الأكل، أو قرينة دلَّت على هذا الإذن: سواء كان صاحب الطعام قريبًا، أو صديقًا، أو غيرهما، ومن القرائن الدالّة على إذن صاحب الطعام بأن يؤكل طعامه: أن يدعوك شخص إلى الأكل من وليمته، أو أن تأتيه فجأة ويُقدِّم لك طعامه للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ : "من دخل على غير دعوة دخل سارقًا، وخرج مغيرًا" فحرم أكل مال الآخرين من غير إذنهم؛ وهذا التحريم لزم من تشبيه هذا الداخل بغير دعوة على =
стр. 2429
من قُدِّم إليه، بل يهلك على ملك صاحبه (٩) (وإن علم المدعو (أن ثمَّ) أي: في الوليمة (منكرًا) كزمر، وخمر وآلات لهو، وفرش حرير، ونحوها: فإن كان (يقدر على تغييره: حضر وغيَّره)؛ لأنه يؤدي بذلك فرضين: إجابة الدعوة" و "إزالة المنكر" (وألا) يقدر على تغييره: (أبى) الحضور؛ لحديث عمر مرفوعًا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُدار عليها الخمر" رواه الترمذي (١٠) (وإن حضر)
= السارق، والمغير والناهب؛ وهذه أقبح صفات من يفعل ذلك؛ فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الآخرين: من أقرباء، وأصدقاء، وجيران وغيرهم من أن تنهب وتسرق عن طريق الأكل، فدفعًا لذلك حرم الأكل.
(٩) مسألة: إذا حضرت وليمة غيرك وأذن لك في الأكل منها: فيحرم عليك أن تطعمه غيرك، أو تأخذ منه لمنزلك إلا بإذن من صاحب الطعام؛ للتلازم؛ حيث إن صاحب الطعام قد أباحه إباحة محضة لك فقط، فيلزم منه: تحريم إطعامه لغيرك، أو الأخذ منه إلّا بإذنه؛ لأنه قد يأذن لك في أكل طعامه، ولكنه لا يأذن لغيرك في ذلك، فكل بحسبه، وقد يُكرمك، ولكنه لا يريد إكرام غيرك من أعدائه ونحوهم.
(١٠) مسألة: إذا دعاك شخص إلى وليمته، وعلمت بوجود منكر - كمزامير، وخمر، وفرش حرير، وآنية ذهب وفضة ونحوها - ففيه تفصيل: أولًا: إن غلب على ظنك قدرتك على تغيير ذلك المنكر: فيجب عليك أن تحضر تلك الوليمة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مصلحتان: "إجابة الدعوة وتفريح صاحب الوليمة بذلك" و"إزالة ذلك المنكر وتغييره" ثانيًا: إن غلب على ظنك عدم قدرتك على تغيير المنكر: فإنه يحرم عليك الحضور للسنة القولية حيث قال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعد على مائدة يُدار عليها الخمر" وهذا نهي، والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم وغير الخمر من المنكرات والمحرمات مثل الخمر؛ =
стр. 2430
من غير علم بالمنكر (ثم علم به: أزاله)؛ لوجوبه عليه، ويجلس بعد ذلك (فإن دام) المنكر؛ (لعجزه) أي: المدعو (عنه: انصرف)؛ لئلا يكون قاصدًا لرؤيته، أو سماعه (وإن علم) المدعو (به) أي بالمنكر (ولم يره ولم يسمعه: خُيِّر) بين الجلوس، والأكل، والانصراف؛ لعدم وجوب الإنكار حينئذٍ (١١) (وكره النثار والتقاطه)؛ لما يحصل فيه
= لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حضوره مع وجود تلك المنكرات من باب التعاون على الإثم والعدوان الذي حرمه الشارع؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، ولنفي أن يكون قاصدًا لرؤية المنكر، أو سماعه.
(١١) مسألة: إذا حضرت وليمة، ثم علمت بوجود منكرات بعد حضورك: فيجب عليك أن تنكرها إن قدرت على ذلك، ثم تجلس إن شئت في الوليمة، وإن عجزت عن ذلك فيجب عليك الانصراف ويحرم عليك الجلوس: سواء كنت قد رأيت تلك المنكرات وسمعتها، أو لم ترها، ولم تسمعها، وهو ما قرره ابن تيمية وغيره من المحققين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ والثانية: المصلحة؛ وقد ذكرناهما بالتفصيل في مسألة (١٠)، والمقصد من ذلك هو نفس المقصد من مسألة (١٠)، فإن قلتَ: إن لم تر المنكرات ولم تسمعها: فإنك بالخيار: إن شئت جلست وأكلت وإن شئت انصرفت وخرجت وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم رؤية المنكر وسماعه: إباحة الجلوس والانصراف قلتُ: المقصود هو: إزالة المنكر عنك وعن غيرك فلا يلزم ما ذكر؛ حيث إن الواجب إزالة المنكر عن غيرك أيضًا عند المقدرة، وعند عدمها: يلزمك ترك المكان كله؛ لئلا تكون متعاونًا مع غيرك في نشر المنكرات، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المقصود من إزالة المنكر هل هو لئلا يسمعها ويراها المزيل، أو هو لأجل نفسه وغيره؟ " فعندنا: لأجل الجميع وعندهم: لأجل نفسه فقط.
стр. 2431
من النهبة، والتزاحم، وأخذه على هذا الوجه فيه دناءة وسخف (ومن أخذه) أي: أخذ شيئًا من النثار (أو وقع في حجره) منه شيء: (ف) هو (له): قصد تملكه أو لا؛ لأنه قد حازه ومالكه قصد تمليكه لمن حازه (١٢) (ويسن إعلان النكاح)؛ لقوله ﵇: "أعلنوا النكاح" وفي لفظ: "أظهروا النكاح" رواه ابن ماجه (١٣) (و) يسن (الدف) أي: الضرب به إذا كان لا حلق به، ولا صنوج (فيه) أي: في النكاح (للنساء) وكذا: ختان، وقدوم غائب، وولادةً، وإملاك؛ لقوله ﵇: "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت، والدف في النكاح" رواه النسائي، وتحرم كل ملهاة
(١٢) مسألة: يكره أن يطرح شيء من الدراهم، والجوز واللوز، والسكر ونحو ذلك في أيام التزويج - وهو المسمى بـ "النثار"، ويكره لأي شخص أن يلتقطه إذا طُرح ونُثر، ومن أخذه والتقطه، أو وقع في حجره: فهو له: سواء قصد تملُّكه أو لا؛ لقاعدتين الأولى المصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى أن يتزاحم الناس ويتقاتلون لأجل أخذ ما نُثر وطُرح، وهذا مخالف لما أمر به الشارع من أن المسلم يجب عليه أن يحرص على معالي الأمور، وترك، سفاسفها، ويترك كل ما فيه دناءة، وسخف، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من أخذ ما طُرح ونثر، أو وقع في حجر شخص: أن يملكه؛ لحيازته له، وهو حرز لا سيما وأن مالكه أراد وقصد تمليكه لمن حازه وأخذه.
(١٣) مسألة: يستحب إظهار النكاح والزواج، وإشاعته؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "أعلنوا النكاح" والإعلان هو الإظهار، والذي صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب هي السنة التقريرية حيث إنه ﵇ لم ينكر على بعض الصحابة الذين تزوجوا بالسر مثل عبد الرحمن بن عوف وغيره، وهذا يدل على أن إعلان النكاح ليس بواجب فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعلام الآخرين بزواج فلان على فلانة؛ حتى لو كان بينهما رضاع ونحوه مما يحرم النكاح يعلم قبل الدخول.
стр. 2432
سوى الدف كمزمار، وطنبور، وجنك، وعود قال في المستوعب" و "الترغيب": "سواء استعمل الحزن أو سرور" (١٤).
تتمَّة في جمل من آداب الأكل والشرب: تسنُّ التسمية جهرًا على أكل وشرب، والحمد إذا فرغ، وأكله مما يليه بيمينه (١٥)، .........................
(١٤) مسألة: يُستحب أن يضرب على الدف في الاحتفال بالعرس والنكاح للرجال والنساء، وكذا: في الاحتفال بولادة، مولود، وختان وقدوم غائب، وعقد النكاح - وهو الإملاك، ويحرم ويحرم استعمال غير الدف من الملهيات كمزامير، وعود، وموسيقى ونحوها سواء في سرور أو حزن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت، والدف في النكاح" فيلزم من ذلك: استحباب الضرب بالدف؛ لفصله عن استعمال الحرام، الثانية المصلحة؛ حيث إن في استعمال الدف فصل بين النكاح الحلال والسفاح الحرام، وليس فيه طرب يُلهي القلب عن ذكر الله، أما استعمال المزامير والعود ونحوها: ففيها إشغال القلب عن ذكر الله تعالى، فائدة: الدفُّ هو: شيء كغربال، لا توجد فيه حِلَق، ولا قطع نحاس مدور - وهو: "الصنوج" - فإن قلتَ: إن الضرب بالدف خاص بالنساء، وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: هذا مخالف لقول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال" والواو في قوله: "واضربوا" من صيغ العموم الشاملة للرجال والنساء.
(١٥) مسألة: يُستحب إذا أراد المسلم أن يأكل من أي طعام أو يشرب: أن يقول: "بسم الله" وأن يأكل مما يليه وأن يكون ذلك باليد اليمنى، وإذا فرغ: أن يحمد الله؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما قوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة وقد رأى يده تطيش في الصحفة -: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" حيث إن الذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: أنه ورد في =
стр. 2433
بثلاث أصابع (١٦)، وتخليل ما علق بأسنانه (١٧)، ومسح الصحفة (١٨) وأكل ما تناثر (١٩)،
= الآداب التي الأصل فيها: أن تكون مستحبة ثانيهما: قوله ﷺ : "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها حيث يلزم من رضا الله عن من حمد الله: استحباب حمد الله بعد الفراغ، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في البسملة في أول كل شيء بركة، وأن أكله مما يليه فيه إكرام الآخرين وعدم كراهيتهم لنواحيهم من الصحفة، وفي الأكل باليمين التبرك بها، وأن لا يأكل بشماله التي هي آلة أكل الشيطان؛ حيث قال ﷺ : فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله "وأن الحمد بعد الفراغ من الأكل والشرب فيه البركة، والزيادة؛ حيث قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
(١٦) مسألة: يُستحب أن يأكل المسلم بالأصابع الثلاثة، وأن لا يمسح يده حتى يلعقها؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأكل بثلاث أصابع فيه تصغير للقمة، واللَّعق فيه البركة، كما ورد.
(١٧) مسألة: يُستحب أن يُخلِّل ويخرج ما علق بأسنانه من الأطعمة، مما لا يقدر اللسان على أخذه ولا يبتلعه للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تنظيف الأسنان، وإبعاد الرائحة النتنة عنها، وشرع عدم ابتلاع ما أخرجه من بين الأسنان؛ لكونه طعامًا فاسدًا، فقد يؤثِّر على المعدة.
(١٨) مسألة: يُستحب أن يمسح الصحفة التي أكل فيها، ويلعق الجانب الذي أكل منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : من أكل في قصعة فلحسها: استغفرت له القصعة" والمقصد من ذلك واضح.
(١٩) مسألة: يستحب أن يأكل ما تناثر من الطعام للسنة القولية: حيث قال ﷺ : =
стр. 2434
وغض طرفه عن جليسه (٢٠)، وشربه ثلاثًا مصًّا (٢١)، ويتنفَّس خارج الإناء (٢٢)، وكره شربه من فم السقاء (٢٣)،
= " إذا وقعت اللقمة من يد أحدكم فليمسح ما عليها من الأرض وليأكلها" فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي إكرام النعمة وشكر الله عليها؛ طمعًا في الزيادة.
(٢٠) مسألة: يُستحب أن يغض البصر عن جليسه أثناء الأكل، أي: لا ينظر إلى الناس وهم يأكلون للمصلحة حيث إن النظر إلى الآكلين معه يضايقهم ويُحرجهم، ويوجد الحياء لديهم، وحكي عن بعض أصحاب المروءات والكرم أنه إذا كان عنده بعض الآكلين من الفقراء أطفأ النور حتى أن كل واحد منهم يأخذ راحته بالأكل.
(٢١) مسألة: يُستحب أن يمص المسلم الماء مصًّا ثلاث مرات، ولا يُعبئ الماء في بطنه تعبئة؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "مصُّوا الماء مصًّا، ولا تعبوه عبًّا؛ فإن الكباد من العب" فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إدخال الماء إلى المعدة على مهل، وهذا يفيدها.
(٢٢) مسألة إذا أراد أن يتنفَّس وهو يشرب ماء: يُستحب أن يتنفَّس خارج الإناء ويكره تنفسه داخله؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "لا يتنفَّس في الإناء" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: وروده في الآداب، وهي في الأصل مستحبات، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النفس يخرج كرب القلب، وكدر البدن، فلو تنفَّس وسط الإناء لجعل ذلك فيه، ثم يؤذيه ذلك، ويؤذي غيره.
(٢٣) مسألة: يكره أن يشرب من فم السقاء؛ للمصلحة: حيث إنه قد يُوجد داخل السقاء شيء متعكِّر أو فيه بعض الحشرات، فإذا شرب من فم السقاء فقد يدخل هذا المعكِّر، أو تلك الحشرات في معدته وتؤذيه، فدفعًا لذلك: كره الشارع شربه =
стр. 2435
وفي أثناء طعام بلا عادة (٢٤)، وإذا شرب ناوله الأيمن (٢٥)، ويُسن غسل يديه قبل طعام (٢٦)،
= بهذه الطريقة؛ حماية له.
(٢٤) مسألة: يُكره أن يشرب في أثناء الأكل والأولى أن يشرب بعد الفراغ من الطعام بمدَّة يسيرة؛ للمصلحة: حيث إن الشرب أثناء الطعام يؤدي إلى ظهور انتفاخ في البطن، وعدم هضم الطعام هضمًا طبيعيًا، فدفعًا لذلك: كره الشارع؛ حماية له من الأذى.
(٢٥) مسألة: إذا فرغ من الشرب يستحب أن يناول الإناء من على يمينه: سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، فاضلًا، أو مفضولًا؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ كان يحب التيامن في شأنه كله، وهذا من ذلك، والمقصد من ذلك: حصول البركة، كما سبق مرارًا.
(٢٦) مسألة: يُستحب لمريد الأكل أن يغسل يديه قبل تناوله له، وبعد الأكل، ويكره ترك ذلك؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما قوله ﷺ : "من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع والمراد بـ "الوضوء" هنا: غسل اليدين والمضمضة فقط؛ لذلك قلنا: إن أكل اللحم مطلقًا لا ينقض الوضوء، وأجبنا عن حديث: توضأوا من لحوم الإبل بأنه منسوخ، وأن المراد بالوضوء: هو غسل اليدين بعد الأكل والمضمضة، وذلك في مسألة (١٨) من باب: "نواقض الوضوء" من كتاب الطهارة ثانيهما: قوله ﷺ : "من نام وفي يده ريح غمر فأصابه شيء: فلا يلومنَّ إلا نفسه" حيث إن احتمال المضرة بسبب عدم غسل يديه بعد الأكل يجعل غسلهما مستحبًا، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو الحث على النظافة؛ إذ الأكل الذي فيه بعض الدسم يعلق بعضه على اليد، فإذا لم يُغسل ويُزال فسيعلق بها بعض الأتربة والأقذار فيكون بذلك حاملًا لتلك الأقذار، فإذا أكل بها مرة ثانية فستذهب تلك الأقذار إلى معدته، =
стр. 2436
متقدمًا به ربه، وبعده متأخرًا به ربه (٢٧)، وكره ردُّ شيء من فمه إلى الإناء (٢٨)، وأكله حارًّا (٢٩)، أو من وسط الصحفة، أو أعلاها (٣٠)، وفعله ما يستقذره من غيره (٣١)، ومدح طعامه وتقويمه (٣٢)،
= وسيتضرر غالبًا، فدفعًا لذلك: استحب غسل اليد قبل وبعد الأكل.
(٢٧) مسألة: يُستحب أن يغسل صاحب الطعام يديه قبل ضيفه قبل الأكل، وبعد الأكل يُستحب أن يغسل الضيف يديه قبل صاحب الطعام؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إكرام الضيف، وتذكيره بأن غسل اليدين قبل الطعام مستحب.
(٢٨) مسألة: يكره أن يُخرج طعامًا من فمه ويجعله في الصحفة التي يأكل منها، ويكره أيضًا: أن يخلط طعامًا بطعام أمام الآخرين للمصلحة: حيث إن ذلك يستقذره الآخرون، فيعافون الأكل كله من أجل ذلك، فدفعًا لذلك: كره.
(٢٩) مسألة: يكره أن يأكل الطعام وهو حار عند عدم الحاجة، وكره نفخه ليبرد، أو نفخ الشراب؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إلحاق الضرر عليه، وهو واضح والنفخ كره: لكونه يُقذِّر على الآخرين طعامهم.
(٣٠) مسألة: يكره أن يأكل المسلم من وسط الصحفة، أو من أعلاها؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ لعمر بن أبي سلمة: كل مما يليك" وقال: "إذا أكل أحدكم طعامًا، فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن من أسفلها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها" فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أكله من ذلك يُقذِّر الطعام على من أكله معه، ودفعًا لذلك: كره.
(٣١) مسألة: يكره أن يفعل أو يقول أيَّ شيء وهو يأكل يستقذره من غيره فيما لو فعلوه أمامه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُقذِّر الأكل على غيره، مما يؤدي إلى تركه، ويجب على الإنسان أن يفعل ويقول للآخرين مثل ما يحب أن يفعل ويُقال له؛ حيث قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه".
(٣٢) مسألة: يكره للشخص أن يمدح طعامًا قد قدَّمه لضيف، ويُكره: أن يقيمه ويُثمِّنه =
стр. 2437
وعيب الطعام (٣٣)، وقرانه بتمر مطلقًا (٣٤)، وأن يفجأ قومًا عند وضع طعامهم تعمُّدًا (٣٥)، وأكله كثيرًا: بحيث يؤذيه، أو قليلًا، بحيث يضُّره (٣٦).
= عنده كأن يقول: "هذا طعام نادر الوجود، وأنا اشتريته بكذا"؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منٌّ على الضيف، فينحرج بذلك، فدفعًا لذلك: كره.
(٣٣) مسألة: يكره أن يعيب الضيف الطعام المقدَّم، واحتقاره، بل إن كان يشتهيه أكله، وإلا تركه للمصلحة حيث إن احتقار الطعام يكسر قلب صاحب الطعام الذي قد لا يجد إلّا هذا الطعام.
(٣٤) مسألة: إذا كان الطعام مما يؤكل منفردًا فيكره أن يُجعل معه تمر ونحوه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه علامة على الشره والطمع ونحو ذلك من الصفات الرديئة، فدفعًا لذلك كره.
(٣٥) مسألة: يكره أن يزور شخص شخصًا آخر في وقت وضع الطعام عادة، وهو متعمد لذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُحرج صاحب الطعام، ويُضايقه؛ لكونه لم يُعد إلا طعامه أو طعام من يعول، فدفعًا لذلك كره.
(٣٦) مسألة: يكره للشخص أن يأكل كثيرًا، فيبلغ به حدَّ التخمة، ويُستحب أن يُقسِّم المعدة أثلاثًا: ثلث للأكل، وثلث للشرب، وثلث للنفس، ويكره أن يأكل أكلًا قليلًا جدًّا، فيبلغ حد عدم القوة على الحركة ونحوها، أو أداء واجباته؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه "ثانيهما: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث لزم من ذلك: أن يكون المسلم وسطًا في أكله وشربه، وشأنه كله، فإن قلتَ: لِمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الصحة إن شاء الله تعالى؛ إذ من مشى في أموره على أوسط الأمور: سينجو إن شاء الله؛ لأن خير الأمور أوسطها.
[فرع]: يُستحب أن يقدم رأسه عند وضع اللقمة في فمه؛ للمصلحة: حيث إن =
стр. 2438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ذلك يقيه من أن يقع على ثوبه شيء من الطعام.
[فرع ثان]: يُستحب أن يلتفت عند السعال والعطاس عن الطعام، أو يبعد عنه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إبعاده عن أن يقع في الطعام ما يخرج من فمه.
[فرع ثالث]: يكره أن يأكل ما يشتهيه من المأكولات؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه إسراف، وتعجيل الطيبات في الحياة الدنيا، فيلزم كراهيته.
[فرع رابع]: يُستحب أن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار؛ للمصلحة: حيث إن ذلك من باب إكمال إكرام الضيف.
[فرع خامس]: يُستحب للإنسان إذا جلس مع غيره أن يحترمه، ويوقِّره، ويتواضع، له ويأتي بكل شيء يُسره، وأن لا يسمعه كلامًا يجرحه، أو يغضبه، أو يثير قصصًا قديمة تُعكِّر صفوه، أو يشتغل بالمكالمات الهاتفية، أو يحترم شخصًا ويوجه له الكلام دون الآخر، فإن وجد من يبغضه في المجلس، فليترك المجلس كله، ويخرج وأن يجلس الضيف في المكان الذي عينه له صاحب البيت. للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تقدير للضيوف على اختلافهم، وقد يكون هذا الشخص الذي تحتقره أنقى وأصفى قلبًا، وأحنُّ عليك من هذا الذي قدمته عليه، فلا يدري المسلم أيَّ الناس أقرب إليه نفعًا، وحدَّثني من أثق به: أنه كان يُقدِّر أناسًا ويحترمهم، ويكرمهم، ومضى على ذلك سنوات، وبعدها علم أنهم هم وراء ذُلِّه بين الناس، فلذلك لا تحتقر أحدًا ولا تكرم أحدًا على حساب آخر، وجلوس الضيف في المكان الذي عينه له صاحب البيت فيه الاحتياط من أن هذا المكان مأمون من اطّلاع الضيف على محارم صاحب البيت.
هذه آخر مسائل باب: "وليمة العرس، وآداب الأكل والشرب" ويليه باب: "عشرة النساء وأحكام المبيت والجماع، والقسم والنشوز".
стр. 2439
باب عشرة النساء
"العِشْرة" بكسر العين: الاجتماع يقال لكل جماعة: "عشرة، ومعشر" وهي هنا: ما يكون بين الزوجين من الألفة، والانضمام (١) (يلزم) كلًّا من (الزوجين العشرة) أي: معاشرة الآخر (بالمعروف) فلا يمطله بحقه، ولا يتكره لبذله، ولا يتبعه أذى ومنَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وينبغي إمساكها مع كراهته لها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: "ربما رُزق منها ولدًا فجعل الله فيه خيرًا كثيرا (ويحرم مطل كل واحد) من الزوجين (بما يلزمه لـ) الزوج (الآخر، والتكره لبذله) أي: بذل الواجب؛ لما تقدَّم (٢) (وإذا تم العقد: لزم تسليم).
باب عشرة النساء وأحكام المبيت والجماع وآدابه، والقسم بين الزوجات، والنشوز
وفيه ثمان وخمسون مسألة:
(١) مسألة: العشرة لغة: الاجتماع، ومنه قوله ﷺ : "يا معشر قريش" والمراد: جماعتهم، وكل اثنين - أو جماعة - اجتمعا وتخالطا يُقال: إنهما تعاشرا، والمراد بـ "عشرة النساء" هنا ما يكون بين الزوجين من الائتلاف، والاجتماع، والانضمام، وأحكام معاملة كل واحد منهما للآخر، والمقصود: أحكام عشرة الزوجة لزوجها ومعاملتها، له وعشرة الزوج لزوجته ومعاملته لها وكيفية ذلك.
(٢) مسألة: يجب على كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف، فلا يماطله إذا كان له حق ولا يُظهر له الكراهة إن كره منه شيئًا، وعليه أن يحسن إلى زوجته إذا كبرت، وعليها أن تحسن إلى زوجها إذا كبر، وينفق الزوج عليها على حسب قدرته، وعلى كل واحد منهما أن يجلس مع الآخر ببشر وطلاقة، ولا يُتبع كل واحد منهما الآخر منًّا ولا أذى فيما يفعله له، وعلى كل واحد منهما الرفق =
стр. 2440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بالآخر بقدر المستطاع، واحتمال أذاه، والصبر عليه، والتغاضي عن السقطات والصفح عن السيئات وإعلان المسرات بينهما، وإخفاء المخزيات، وأن يتزين كل واحد لصاحبه لقواعد الأولى الكتاب؛ وهو من وجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأوجب على الأزواج معاشرتهن على حسب عادة وعرف المجتمع الذي يعيشان فيه، لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال بعض المفسرين لذلك: "يتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيهم" وقال آخر: أوجب التماثل هنا في تأدية كل واحد منهما ما عليه من الحق لصاحبه بالمعروف من جميع الاعتبارات، ثالثها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ حيث بين أن الصبر في إمساك المرأة مع كراهته لها فيه خير كثير، وقد تنقلب تلك الكراهة إلى محبة - وقد وقع - وربما ترزق منها ولدًا يسرك في علمه وفقهه كما قال ابن عباس في تفسير هذه الآية، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" فأوجب الإحسان إلى الزوجات هنا؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ثانيها: قوله ﷺ : "لا يترك مؤمن مؤمنة؛ إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر" وكذلك الزوجة مثل الزوج لا ترفضه: فإن سخطت منه خلقًا رضيت منه، آخر، وبهذا يحصل الاجتماع والألفة، والاستيلاد، والاستقرار، ثالثها: قوله ﷺ : "خياركم خياركم لنسائهم" فوصف من أحسن إلى زوجته: بأنه من الأخيار رابعها: قوله: "إن المرأة خُلقت من ضلع أعوج لن تستقيم على طريقة فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج" وهذا يدل على عدم وجود امرأة كاملة من جميع الجوانب، بل لا بدَّ لكل امرأة من وجود سلبيات وسيئات، ووجود =
стр. 2441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إيجابيات وحسنات فإن طمع رجل بأن يجد زوجة كاملة: فهو أحمق، وكذلك الرجل لا يوجد كامل، بل لا بد من وجود ما ذكرناه في المرأة، فإن طمعت امرأة بأن تجد رجلًا كاملًا: فهي حمقى الثالثة قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي" واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إدامة العشرة، والحياة وكثرة الاستيلاد، وتربية الأولاد تربية شرعية، وفيه استقرار وهذا يؤدي إلى استقرار المجتمع كله.
[فرع]: حق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه؛ حيث لا يجوز لها أن تنظر لغيره لا بالسر ولا بالعلن، ولا تهجره، ولا تعكِّر صفو حياته في أي قول أو فعل، ولا تُدخل بيته من لا يُحب سواء كان من أقربائها، أو غيرهم، وسواء كان من الرجال أو النساء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم عليهن من الحق" وقال: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع" وقال لامرأة "أذات زوج أنت؟ قالت: نعم قال: "فإنه جنتك ونارك" وهذا يبين عظم حق الزوج على زوجته؛ حيث إنه سبب في دخولها الجنة أو النار فإن أسرته ورضي عنها دخلت الجنة، وإن أغضبته بسبب عصيانها، ونظرتها لغيره أو نحو ذلك: دخلت النار، وعلى ذلك فقس، وقال ﷺ : "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلّا بإذنه فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اقتصار المرأة على زوجها بأن تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، وتحفظه في ماله وفي عرضها إذا غاب، بدون أن تنظر إلى غيره، أو نحو ذلك: فإن هذا سيجمع لها خير الدنيا والآخرة، وهذا ثبت بالتجربة، أما إن نظرت إلى غيره، أو لا تسره بأي =
стр. 2442
الزوجة (الحرة التي يوطأ مثلها) وهي بنت تسع، ولو كانت نضوة الخلقة، ويستمتع بمن يخشى عليها كحائض (في بيت الزوج) متعلق بتسليم (إن طلبه) أي: طلب الزوج تسليمها (ولم تشترط) في العقد (دارها، أو بلدها) فإن اشترطت عمل بالشرط؛ لما تقدَّم (٣) ولا يلزم ابتداءً تسليم محرمة، ومريضة، وصغيرة، وحائض، ولو قال: "لا أطأ" (٤) وإن أنكر
= فعل أو قول: ففي ذلك شر الدنيا والآخرة ومنها المصائب والأمراض الجسدية والنفسية - وهذا ثبت بالتجربة -.
[فرع ثان]: يُستحب أن لا يعلم الرجل زوجته ما عنده من مال: سواء كان قليلًا أو كثيرًا، ولا يُفشي لها سرًا؛ للمصلحة: حيث إن بعض النساء إن علمت أن زوجها فقير: احتقرته، وإن علمت أنه غني طمعت فيه، وكلاهما يؤدي إلى الإفساد، ومعروف أن المرأة لا تستطيع كتمان السر - غالبًا -.
(٣) مسألة: إذا تمّ عقد الزواج والنكاح: وجب تسليم الزوجة الحرة التي يوطأ مثلها، ويُستمتع بها في بيت الزوج إذا طلب ذلك الزوج تسليمها له، ولم تكن قد اشترطت في العقد دارها أو بلدها: سواء كانت هزيلة الجسم أو لا؛ للقياس؛ بيانه كما أنه إذا تم عقد الإجارة واستلام الأجرة فللمستأجر الطلب بتسليم العين المستأجرة، فكذلك الحال هنا يستحق الزوج بالعقد تسليم المعوض كما تستحق المرأة تسليم العوض والجامع أن كلًّا منهما فيه عين، وعوض، ومنفعة. تنبيه إن اشترطت المرأة أن تبقى في دارها أو بلدها: صح الشرط - كما سبق في باب "الشروط في النكاح" تنبيه آخر: قوله: "وهي بنت تسع" قلتُ: اعتمد في ذلك على السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ وقد بني بعائشة وعمرها تسع سنوات، ولكن في هذه الأزمنة لا يمكن ذلك فالأولى أن يُقيَّد بمن يوطأ ويُستمتع بمثلها.
(٤) مسألة: لا يجب ابتداءً أن تُسلَّم زوجة يحرم وطؤها كحائض، أو مريضة، أو صغيرة يضرها الوطء سواء قال: "أنا لن أطأها وهي في تلك الحالة" أو لا؛ =
стр. 2443
أن وطأه يؤذيها: فعليها البيِّنة (٥) (وإذا استمهل أحدهما) أي: طلب المهلة؛ ليصلح أمره: (أمهل العادة وجوبًا)؛ طلبًا لليسر والسهولة (لا لعمل جهاز) - بفتح الجيم وكسرها - فلا تجب المهلة له لكن في الغنية": تستحب الإجابة لذلك (٦) (ويجب تسليم الأمة) مع الإطلاق (ليلًا فقط)؛ لأنه زمان الاستمتاع للزوج، وللسيد استخدامها نهارًا؛ لأنه زمن الخدمة، وإن شرط تسليمها نهارًا، أو بذله سيد: وجب على الزوج تسلُّمها نهارًا أيضًا (٧) (ويُباشرها) أي: للزوج الاستمتاع بزوجته في قُبُل،
= للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الأعذار مانعة له عن الاستمتاع بها، ويُرجى زوالها عدم وجوب تسليمها حتى تزول تلك الأعذار؛ محافظة على صحة هؤلاء.
(٥) مسألة: إذا قالت الزوجة: إن وطء الزوج لها يؤذيها ويتسبَّب في كثير من الآلام، فأنكر ذلك الزوج: فيجب على الزوجة أن تثبت ما ادَّعته بالبيِّنة والدليل؛ ويُصدَّق في قوله مع يمينه؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "البيِّنة على المدّعي واليمين على من أنكر؛ وهذا كباقي الدعاوي، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل عدم ما ادَّعته الزوجة، فيعمل بهذا الأصل، ويستصحب حتى يرد ما يغير الحالة.
(٦) مسألة: إذا تم عقد الزواج وطلب أحد الزوجين أن يُمهله الآخر؛ ليصلح من شأنه، ويُدبِّر أموره، وينظم نفسه: فإنه يمهل وجوبًا مدَّة تكفي لذلك على حسب عادة وعرف المجتمع الذي يعيشان فيه: سواء كانت تلك المهلة المطلوبة لعمل جهاز، وتزين أو لا؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه قضاء حاجتهما، وفيه التيسير والتسهيل لذلك، فإن قلتَ: إذا طلب أحدهما المهلة لعمل جهاز: فلا تجب، وهو ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(٧) مسألة: إذا تم عقد الزواج على أمة - إذا لم يجد الزوج الطول، وخشي على نفسه العنت - وأُطلق العقد، ولم يُحدَّد تسليمها للزوج: فيجب تسليمها له في الليل =
стр. 2444
ولو من جهة العجيزة (ما لم يضر) بها أو يشغلها عن (فرض) باستمتاعه، ولو على تنور، أو ظهر قَتَب (٨) (وله) أي: للزوج (السفر بالحرة) مع الأمن؛ لأنه ﵇
= فقط، أما إن شرط تسليمها له نهارًا، أو أسقط السيد حقه في استخدامها لها نهارًا للزوج: فيجب على الزوج تسلُّمها نهارًا وليلًا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون عقد الزواج يقتضي الاستمتاع: وجوب تسليمها لمن يستمتع - وهو الزوج - في وقت الاستمتاع وهو الليل غالبًا ويلزم من كون السيد قد اشتراها للخدمة: أن تكون في النهار عنده لخدمته؛ لأن النهار هو وقت الخدمة، ويلزم من إسقاط السيد حقه من الخدمة: أن يقبل الزوج تسلُّمها في النهار؛ لأنه أوفى حقه وزيادة، وعاد الأمر إلى الأصل في الزوجية.
(٨) مسألة: يُباح للزوج أن يستمتع بزوجته في قبلها، ولو أدخل ذكره في قبلها من جهة عجيزتها، ومؤخرتها، سواء: كانت مشغولة في طبخ خبز في تنور، أو هي راكبة على قتب، ولكن يُشترط لذلك شرطان: أولهما: أن يغلب على ظنه عدم إلحاق الضرر بها، ثانيهما: عدم إشغالها عن أداء فرض كصوم، وصلاة ونحوهما؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ وهو من وجهين أولهما قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ حيث بين جواز الاستمتاع بالمرأة في جميع جسمها إلا الدبر فيحرم، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والإضرار بها بسبب الاستمتاع، أو إشغالها عن فرض بسببه ليس من المعاشرة بالمعروف، فلذلك اشتُرط هذان الشرطان، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث نفى الضرر بين المسلمين، والنفي هنا نهي والنهي مطلق فيقتضي التحريم، وهذا عام؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم وما نحن فيه يدخل في هذا العموم، ثانيهما: قوله ﷺ : "ائتها مقبلة ومُدبرة إذا كان ذلك في الفرج" وفي رواية: "ولو كانت على "تنور و "أو كانت على ظهر قتب".
стр. 2445
وأصحابه كانوا يُسافرون بنسائهم (ما لم تشترط ضده) أي: أن لا يُسافر بها، فيوفي لها بالشرط، وإلا: فلها الفسخ كما تقدَّم (٩)، والأمة المزوجة ليس لزوجها، ولا سيدها سفر بها بلا إذن الآخر (١٠)، ولا يلزم الزوج لو بوأها سيدها مسكنًا أن يأتيها فيه (١١)،
(٩) مسألة: يُباح للزوج أن يُسافر بزوجته الحرة بشرطين: أولهما: أن يغلب على ظن زوجها أن الطريق آمن غير مخوف فإن كان مخوفًا: فلا يسافر بها. ثانيهما: أن لا تكون قد اشترطت عليه بالعقد: أن لا يسافر بها، فإن كانت مشترطة ذلك: فيجب عليه أن يوفي بالشرط، وإن لم يوف، وأصرت على شرطها: فلها أن تفسخ عقد النكاح - كما سبق في الشروط في النكاح - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فيدخل ما نحن فيه في هذا العموم، فالطريق الذي فيه ضرر يحرم؛ لأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، والنفي هنا نهي، وهو مطلق، وهو يقتضي التحريم، الثانية: قوله ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" وفيه اشتراط الشرط الثاني الثانية: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء أسفار النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يسافرون بزوجاتهم؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الألفة والتعاون، ونبذ العزوبة والوحدة.
(١٠) مسألة: إذا تزوج رجل حر أمة: فلا يجوز لزوجها هذا، أن يسافر بها بدون إذن سيدها، ولا يجوز لسيدها أن يسافر بها بلا إذن زوجها؛ للمصلحة: حيث إن الزوج إذا سافر فقد فوَّت مصلحة خدمتها على سيدها وهو مضرّ به وإذا سافر بها سيدها: فقد فوَّت مصلحة الاستمتاع بها على زوجها وهو مضرّ به فدفعًا لذلك شرع هذا.
(١١) مسألة: إذا تزوج رجل حر أمة، وجعلها سيدها في منزل خاص بها: فلا يلزم الزوج أن يأتيها فيه؛ للتلازم؛ حيث إن السكنى على الزوج، وليس عليها، فيلزم: =
стр. 2446
ولسيد سفر بعبده المزوَّج، واستخدامه نهارًا (١٢) (ويحرم وطؤها في الحيض)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الآية، وكذا بعده قبل الغسل (١٣) (و) في (الدبر)؛ لقوله ﷺ : "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن" رواه ابن ماجه، (١٤)
= عدم إجباره على إتيانها في بيتها.
(١٢) مسألة: إذا تزوَّج عبد: فلسيده الحق بأن يسافر به، ويستخدمه نهارًا؛ للمصلحة: حيث إن عدم السفر به فيه تفويت الخدمة على سيده، وهو يُعتبر من أمواله وهذا مضر بالسيد، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم.
(١٣) مسألة: يحرم أن يطأ الرجل زوجته وهي في حالة حيض أو نفاس، أو انقطع الدم، ولم تغتسل ولم تتيمم، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حيث أمر باعتزال النساء حال خروج دم الحيض منها، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، وأمر بعدم قربانهن حتى يطهرن بالاغتسال أو بالتيمم ومفهوم الغاية منه قد دلّ على تحريم الاقتراب منهن حتى يطهرن بالماء، أو ما في حكمه، وهو التيمم، والنفاس كالحائض في هذا؛ لعدم الفارق، من باب مفهوم الموافقة، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مسألة (١١) و ١٤ و ١٥) من باب الحيض والنفاس والاستحاضة" من كتاب "الطهارة" وقد سبق ذكر المقصد من هذا الحكم في تلك المسائل.
(١٤) مسألة: يحرم أن يطأ الرجل زوجته في دبرها؛ للسنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن" والنهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، ثانيها: قوله الله ﷺ : "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها" وعدم نظر الله إلى الرجل عقاب، ولا يعاقب إلّا على فعل محرم، ثالثها: قول جابر: كان اليهود يقولون: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها جاء الولد أحول فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا =
стр. 2447
ويحرم عزل بلا إذن حرَّة، أو سيد أمة (١٥) (وله إجبارها) أي: للزوج إجبار زوجته (على غسل حيض) ونفاس، وجنابة إذا كانت مكلَّفة (و) غسل (نجاسة) واجتناب محرمات، وإزالة وسخ، ودرن (وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره) كظفر، ومنعها من أكل ما له من رائحة كريهة كبصل، وكراث؛ لأنه يمنع كمال الاستمتاع، وسواء كانت مسلمة أو ذمية (١٦) ولا تجبر على عجن، أو خبز، أو طبخ، أو نحوه (ولا تجبر
= حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من بين يديها ومن خلفها غير أن لا يأتيها إلّا في المأتي. والمأتي هو المأتي عادة وعرفًا وشرعًا وهو: قُبُلها، وفي رواية: "ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج" فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إتيان الزوجة في قبلها فيه، متعة لهما معًا، وفيه الاستيلاد، بخلاف إتيانها من عجيزتها واللواط بها: ففيه الأمراض له، ولها ويورث البغضاء بينهما.
(١٥) مسألة: يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته الحرة إلّا بإذنها، ويحرم أن يعزل عن الأمة إلّا بإذن سيدها - والعزل: أن يُجامع فإذا قرب إنزال المني أخرج ذكره وأنزل خارج الفرج"؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منع للولد وقد تكون المرأة لم تتزوج إلا لأجل إنجاب الولد فيفوِّت الزوج عليها هذا المقصد، ومن مقاصد النكاح الشرعي هو الاستيلاد؛ لذلك قال ﷺ : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" وقال: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم"، وكذا: السيد قد يكون قصده من تزويج أمته هو: إنجاب الأولاد فإذا عزل: لحقهما ضرر، فلذا حرم، أما إذا أسقطت الحرة حقها والسيد حقه وأذنا بالعزل فيجوز أن يعزل الزوج عن زوجته؛ لعدم الضرر عليهما.
(١٦) مسألة: من حق الزوج أن يُجبر زوجته أو سريته على الغسل من حيض، ونفاس، وجنابة؛ إذا كانت بالغة عاقلة، وإجبارها على غسل جميع النجاسات، والأوساخ، والقاذورات، وإزالة كل ما يثير روائح كريهة كإزالة أظفار، وشعر، وله الحق في منعها من أكل ما له رائحة كريهة كالبصل والثوم، والكراث: سواء =
стр. 2448
الذمية على غسل الجنابة) في رواية والصحيح من المذهب: له إجبارها عليه كما في "الإنصاف" وغيره (١٧)، وله منع ذمية من دخول بيعه، وكنيسة، وشرب ما يسكرها، لا ما دونه (١٨)
= كانت هذه الزوجة مسلمة أو ذمية؛ للتلازم؛ حيث إنه تزوجها للاستمتاع بها، وهذه الأشياء تمنع كماله، وهو حق له فيلزم أن يكون من حقه أن يطلب ما يكمل له ذلك، وهو إزالة تلك الأشياء، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحرص على أن الزوج لا يشم منها إلّا رائحة طيبة وعلى أن الزوجة لا تشم منه إلا رائحة طيبة فيه كمال الاستمتاع والانضمام، والجماع، والاستيلاد والمحبة والمودَّة وهذه مصالح عظيمة لو اجتمعت.
(١٧) مسألة: يجب على الزوجة أن تخدم زوجها بالمعروف من تجهيز طعام، ومجلس، وفراش يحبها، وتُجبر على تلك الخدمة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يتمم المعاشرة بالمعروف التي أمر الشارع بها فتلزمها فإن قلتَ: لا تجبر على تلك الخدمة، ولا تجب عليها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن عقد النكاح يقتضي حل الوطء فقط، ولا يشمل الخدمة فيلزم عدم وجوبها. قلتُ: هذا مسلَّم، لكن حسن المعاشرة مأمور بها بين الزوجين ولا يتم ذلك إلّا بخدمتها له بما يليق به وبها، فلذا: وجبت فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" تنبيه: قوله ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة .. " إلخ، قلتُ: قد سبق: أن الزوجة تُجبر على غسل الجنابة وغير ذلك مما يتقزز منه الزوج وتعافه نفسه في مسألة (١٦).
(١٨) مسألة: إذا تزوج مسلم ذمية فمن حقه أن يمنعها عن دخول بيع، وصوامع، وكنائس، وأن يمنعها من شرب ما يسكرها أما شرب ما ليس بمسكر فلا يمنعها منه؛ للتلازم؛ حيث إن حقه في منعها من الخروج إلّا بإذنه يلزم منه: منعها من الخروج إلى تلك الأماكن، ومنعها من شربها المسكر؛ لأنه يخرجها عن طورها =
стр. 2449
ولا تكره على إفساد صومها، أو صلاتها، أو سبتها (١٩).
(فصل): (ويلزمه) أي: الزوج (أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع) ليال إذا طلبت؛ لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاثًا مثلها، وهذا قضاء كعب بن سوار عند عمر بن الخطاب واشتهر، ولم ينكر (٢٠)، وعند الأمة ليلة من سبع؛ لأن أكثر ما يجمع معها ثلاث حرائر، وهي على النصف (٢١) (و) له أن (ينفرد إذا أراد) الانفراد
= وعقلها، ويلزم من عدم سكرها بشرب ما لا يسكر: عدم منعها منه، لعدم ضرره عليه والمقصد من ذلك: الحرص على مصلحته.
(١٩) مسألة: إذا تزوج مسلم ذمية: فليس من حقه أن يفسد بالوطء والجماع صومها، أو صلاتها، أو عبادتها في يوم السبت، أو الأحد؛ للتلازم؛ حيث إنها بذلت الذمة على إقرارها على دينها فيلزم عدم التعرض لما تعتقده صحيحًا.
(٢٠) مسألة: إذا تزوج رجل زوجة حرة: فيجب عليه أن يبيت عندها ليلة من كل أربع ليال إذا طلبت المبيت عندها؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث يجوز التزوج بأربع نساء، وهذا يقتضي أن يكون لكل زوجة ليلة فيلزم أن من حق المرأة ليلة من أربع ليال الثانية: تقرير الصحابي؛ حيث جاءت امرأة إلى مجلس عمر فقالت: إن زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار فأثنى عليه، عمر فقال كعب بن سوار: يا أمير المؤمنين إنها جاءت شاكية لزوجها تطلب حقها، لا مادحة له؛ حيث إنه لم يكن يبيت عندها فقال عمر: اقض بينهما فقال كعب: إني أرى أن يبيت عندها ليلة من أربع ليال، لأنه فرض أن يكون لهذا الزوج أربع نساء، فأعجب فيه، عمر وأقرَّه، ولم ينكره أحد من الصحابة الموجودين في مجلس عمر، فإن قلتُ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ وهي: الحفاظ على حق المرأة وحمايتها.
(٢١) مسألة: إذا تزوج حر أمة - لعدم وجدان الطول، وخشية العنت - فيجب عليه أن يبيت عندها ليلة من سبع ليال إذا طلبت المبيت عندها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر، وأن لها النصف من الزوجة =
стр. 2450
(في الباقي) إذا لم يستغرق زوجاته جميع الليالي، فمن تحته حرَّة له الانفراد في ثلاث ليال من كل أربع ومن تحته حرتان له أن ينفرد في ليلتين، وهكذا (٢٢) (ويلزمه الوطء إن قدر) عليه (كل ثلث سنة مرَّة) بطلب الزوجة حرة كانت أو أمة، مسلمة أو ذمية؛ لأن الله تعالى قدر ذلك في أربعة أشهر في حق المولي، فكذلك في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه، فدل على أن الوطء واجب بدونها (٢٣) (وإن
= الحرة: أن يكون لها الليلة السابعة، فمثلًا لو كان عنده حرة، وأمة: فللحرة ليلتان، وللأمة ليلة. تنبيه: هذا إذا تزوج الأمة، أما إذا كانت الأمة ملكه - وتسمَّى سريته - فليس لها ليلة أصلًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ التي ذكرناها في مسألة (٢٠).
(٢٢) مسألة: إذا كان المسلم له زوجة واحدة: فمن حقه أن ينفرد بثلاث ليال يُمضيها بطلب العلم، أو العبادة أو غير ذلك من المباحات، وإذا كان له زوجتان فمن حقه أن ينفرد بليلتين، وإذا كان له ثلاث زوجات فمن حقه أن ينفرد بليلة، ومن له أربع: فلا ينفرد بأي ليلة؛ للقياس؛ بيانه: كما لو وفاهن حقهن من النفقة والسكنى والكسوة فلا تجب عليه زيادة، فكذلك إذا وفى كل واحدة ليلتها التي طالبته فيها فلم تجب عليه زيادة، والجامع: أنه في كل منهما قد قام بما وجب عليه شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقه وحقهن.
(٢٣) مسألة: يجب على الزوج أن يطأ زوجته كل أربعة أشهر مرة واحدة بشرطين: أولهما: أن لا يكون عنده عذر من مرض أو كبر، ثانيهما: أن تطلب منه أن يطأها: سواء كانت حرة أو أمة، وسواء كانت مسلمة أو ذمية؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الوطء حق واجب يجب بالاتفاق إذا حلف على تركه فيلزم وجوبه قبل أن يحلف كسائر الحقوق، يؤيده: أنه لو لم يكن الوطء واجبًا لم يصر باليمين على تركه واجبًا كسائر ما لا يجب كما سيأتي بالإيلاء، الثانية: القياس؛ بيانه: كما قدَّر الله تعالى ذلك في أربعة أشهر في حق المولى؛ وهو: أن يحلف =
стр. 2451
سافر فوق نصفها) أي نصف سنة في غير حج، أو غزو واجبين، أو طلب رزق يحتاجه (وطلبت قدومه، وقدر: لزمه) القدوم (٢٤) (فإن أبى أحدهما) أي الوطء في
= زوج يمكنه الوطء بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أبدًا أو أكثر من أربعة أشهر - حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فكذلك في حق غير المولي يُقدَّر بأربعة أشهر، والجامع: أن النكاح شرع لمصلحتهما ودفع الضرر عنهما، واليمين لا توجب ما حلف على تركه، فيدل على أنه واجب بدونها، فإن قلتَ: لا يجب على الزوج الوطء مطلقًا وهو قول الشافعي؛ للتلازم؛ حيث إن الوطء حق له، وللمكلف أن يسقط حقه فيلزم عدم وجوبه عليه قلتُ: لا يُسلَّم أن الوطء حق له وحده، بل إنه حق لهما معًا لجلب المصلحة لهما، ودفع الضرر عنهما، فلزمه ذلك - كما قلنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه تعارض التلازمين".
(٢٤) مسألة: إذا سافر الزوج عن زوجته أكثر من ستة أشهر، وطلبت زوجته قدومه: ففيه ثلاث حالات: الحالة الأولى: إن كان مشغولًا بشيء واجب كحج، أو غزو للعدو، أو طلب رزق يحتاجه فلا يجب عليه القدوم ولو قدر عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب تلك الأمور وهي أهم من الوطء: عدم وجوب قدومه إذا طلبته؛ نظرًا لتعارض الأهم مع المهم من الواجبات، الحالة الثانية: إن كان مشغولًا بشيء غير واجب - وكان لا يقدر على القدوم لمشقة القدوم من حيث التعب الجسماني والتكاليف المادية، أو أي عذر فلا يجب عليه القدوم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مشقة عظيمة عليه، فدفعًا لذلك: سقط عنه وجوب القدوم، الحالة الثالثة: إن كان مشغولًا بشيء غير واجب، وكان يقدر على القدوم بلا مشقة فيجب عليه القدوم؛ للتلازم؛ حيث إن كون شغله غير واجب، وقدرته على القدوم وكون الوطء واجب عليه: يلزم منها وجوب القدوم عليه، فإن قلتَ: لم شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الزوج =
стр. 2452
كل ثلث سنة مرة أو القدوم إذا سافر فوق نصف سنة وطلبته: (فرق بينهما بطلبها)، وكذا: إن ترك المبيت كالمولي، ولا يجوز الفسخ في ذلك كله إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه (٢٥) (وتسن التسمية عند الوطء، وقول الوارد)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا متفق عليه (٢٦)
= والزوجة ولظروفهما.
(٢٥) مسألة: إذا امتنع الزوج من وطء زوجته كل أربعة أشهر مرة، أو لم يقدم لما طلبته إذا سافر أكثر من ستة أشهر، أو ترك المبيت عندها ليلة من بين أربع ليال - مع عدم العذر، أو لم تمكنه زوجته من الوطء كل أربعة أشهر: فإن الحاكم - وهو القاضي - يُفرق بينهما، ويفسخ النكاح إذا طلب منه أحد الزوجين ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المولي، يُجبر على الوطء فإن امتنع بعد المدة: فإنه يُفرق بينهما، ويُفسخ النكاح، فكذلك الحال هنا، والجامع: ترك كل واحد منهما حق الآخر في كل الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الاختلاف في ترك الوطء بين وجوده، وعدمه، وتحقق القدوم وعدمه، وتحقق المبيت وعدمه: الحاجة إلى حاكم يفصل في ذلك بسبب بلوغه درجة الاجتهاد، ونظره الفاحص في المصالح والمفاسد اللاحقة بالطرفين.
(٢٦) مسألة: إذا أراد المسلم أن يجامع زوجته: فإنه يستحب أن يقول: "بسم الله اللَّهمَّ جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني"، وكذا: تقوله زوجته؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد: لم يضره الشيطان أبدًا"، وزوجته مثله في ذلك؛ لعدم الفارق في المشاركة في ذلك، فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي إبعاد الشيطان عن المولود إن كتب الله حملًا في هذا الجماع.
стр. 2453
(ويكره) الوطء متجرِّدين؛ لنهيه ﷺ عنه في حديث عتبة بن عبد الله، عند ابن ماجه (٢٧)، وتكره (كثرة الكلام) حالته؛ لقوله ﷺ : "لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء؛ فإن منه يكون الخرس، والفأفأة" (٢٨) (و) يكره (النزع قبل فراغها)؛ لقوله ﷺ : "ثم إذا قضى حاجته: فلا يُعجلها حتى تقضي حاجتها" (٢٩) (و) يكره الوطء
[فرع]: يُستحب أن يلاعبها وتلاعبه قبل الجماع؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تهيئة كل واحد منهما للجماع.
(٢٧) مسألة: يكره للمسلم أن يجامع زوجته في حال تجرُّدهما من ثيابهما؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرَّدان تجرُّد العيرين" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: ورود ذلك مورد الآداب في الجماع، والأصل في الآداب أن تكون مستحبة، ومخالفتها: مكروهة. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم، وإبعاده عن فعل البهائم إذا أراد الذكر منها أن ينكح الأنثى.
(٢٨) مسألة: يكره للمسلم أن يكثر الكلام حال جماعه لزوجته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يكره الكلام حال البول فكذلك يكره حال الجماع، والجامع: أن كلًّا منهما مستقذر، وقد يكون في الكلام ذكر الله وينزّه الله عن ذلك، وهذ هو المقصد منه. تنبيه: ما روي من قوله ﷺ : "لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء؛ فإن منه الخرس والفأفأة": لم أجده إلّا في بعض كتب الحنابلة كالمغني (١٠/ ٢٣٢) والشرح الكبير (٤/ ٣٥٦) نقلًا عن المغني، ولم أجده في كتب الحديث المعتمدة.
(٢٩) مسألة: يكره أن ينزع الرجل ذكره من فرج زوجته قبل أن تفرغ هي منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "ثم إذا قضى حاجته فلا يُعجلها حتى تقضي حاجتها" والذي صرف النهي من التحريم إلى الكراهة: كون ذلك ورد في آداب الجماع، الذي الأصل فيه الاستحباب، فتكون مخالفته مكروهة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرضاء لها، وإشباع لشهوتها إن =
стр. 2454
بمرأى أحد) أو مسمعه، أي بحيث يراه أحد أو يسمعه غير طفل لا يعقل، ولو رضيا (٣٠) (و) يكره (التحدُّث به) أي: بما جرى بينهما؛ لنهيه ﵇ عنه، رواه أبو داود وغيره (٣١) وله الجمع بين وطء نسائه، أو مع إمائه بغسل واحد؛ لقول أنس: "سكبتُ لرسول الله ﷺ من نسائه غسلًا واحدًا "في ليلة واحدة" (٣٢) (ويحرم
= كانت تحس في ذلك.
(٣٠) مسألة: يكره للرجل أن يجامع امرأته وعندهما أو حولهما أحد يراهما، أو يسمعها - غير طفل لا يعقل -: وهذا مكروه: سواء رضيا بأن يراهما أو يسمعهما أحد، أو لم يتراضيا وكذا: لا يقبِّلها، أو يلمسها بحضور أحد، أو سماعه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه كشف ما بينهما، فحرم للستر، ولأن فعل ذلك مع رؤية غيرهما لهما أو سماعه فيه دناءة وخسَّة، وابتذال لا يرضى به الشارع.
(٣١) مسألة: يحرم التحدُّث، وإخبار الآخرين بما حصل أثناء الجماع من أفعال وأقوال؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد نهى عن ذلك، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﷺ : "شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، فينشر سرَّها، وتنشر سره" حيث وصف من فعل ذلك بكونه أشر الناس، وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا من فعل محرمًا، أو ترك واجبًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كشف ما بينهما من ستر، وإطلاع الآخرين عليه وهذا يفضحهما، والله أمر بالستر في كل شيء، وهذا من أولى ما يُستر، فإن قلتَ: إن هذا مكروه، وهو قول المصنف هنا قلتُ: لم أجد قرينة صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، فيبقى على التحريم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في اقتضاء النهى المطلِّق" فعندنا: أنه للتحريم، وعندهم: أنه للكراهة.
(٣٢) مسألة: يُباح أن يُجامع الرجل جميع نسائه وإمائه في ليلة واحدة، أو يوم واحد، =
стр. 2455
جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضاهما)؛ لأن عليهما ضررًا في ذلك؛ لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما يثير الخصومة (٣٣) (وله منعها) أي: منع زوجته (من الخروج من منزله) ولو لزيارة أبويها أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما، ويحرم عليها الخروج بلا إذنه لغير ضرورة (٣٤) (ويُستحب إذنه) أي: إذن الزوج لها بالخروج (إن تمرّض
= ويغتسل عن ذلك غسلًا واحدًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد طاف على نسائه وجامعهن في ليلة واحدة بغسل واحد، كما رواه أنس، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي التيسير والتسهيل والتوسعة على الناس.
(٣٣) مسألة: يحرم أن يجمع الرجل زوجتيه - فأكثر - في مسكن واحد بغير رضاهما: سواء كان ذلك المسكن كبيرًا أو صغيرًا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضرر عليهما؛ لما بينهما من العداوة والغيرة، فاجتماعهما يُثير الخصومة، إذ تحصل بسبب ذلك المقابلة، وتسمع كل واحدة صوته عند الأخرى، فدفعًا لذلك حرم الجمع.
[فرع]: إذا رضت كل واحدة منهما بأن يسكنا في مسكن واحد: جاز له جمعهما؛ للتلازم؛ حيث إن كل واحدة أسقطت حقها فيلزم جوازه.
[فرع ثان]: إن رضيا بنوم الزوج بينهما في لحاف واحد جاز ذلك؛ للتلازم؛ وقد بيناه في الفرع الأول.
[فرع ثالث]: إذا رضيا بأن يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى: لم يجز ذلك وكذا: لا يحدثها بما حصل مع الأخرى؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه دناءة وسخف، وسقوط مروءة فيلزم عدم جوازه.
(٣٤) مسألة: للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من منزله: سواء كان خروجها لعيادة أقرب أقربائها كأمها وأبيها المريضين أو خروجها لحضور جنازة أحدهما، أو لغير ذلك، ويحرم عليها أن تخرج بغير إذنه إلّا للضرورة القصوى - كأن تخشى على نفسها من الهلاك فتخرج لتأتي لنفسها بأكل أو شرب -؛ لقاعدتين: الأولى: =
следующие страницы →