← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

سافر فوق نصفها) أي نصف سنة في غير حج، أو غزو واجبين، أو طلب رزق يحتاجه (وطلبت قدومه، وقدر: لزمه) القدوم (٢٤) (فإن أبى أحدهما) أي الوطء في = زوج يمكنه الوطء بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أبدًا أو أكثر من أربعة أشهر - حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فكذلك في حق غير المولي يُقدَّر بأربعة أشهر، والجامع: أن النكاح شرع لمصلحتهما ودفع الضرر عنهما، واليمين لا توجب ما حلف على تركه، فيدل على أنه واجب بدونها، فإن قلتَ: لا يجب على الزوج الوطء مطلقًا وهو قول الشافعي؛ للتلازم؛ حيث إن الوطء حق له، وللمكلف أن يسقط حقه فيلزم عدم وجوبه عليه قلتُ: لا يُسلَّم أن الوطء حق له وحده، بل إنه حق لهما معًا لجلب المصلحة لهما، ودفع الضرر عنهما، فلزمه ذلك - كما قلنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه تعارض التلازمين". (٢٤) مسألة: إذا سافر الزوج عن زوجته أكثر من ستة أشهر، وطلبت زوجته قدومه: ففيه ثلاث حالات: الحالة الأولى: إن كان مشغولًا بشيء واجب كحج، أو غزو للعدو، أو طلب رزق يحتاجه فلا يجب عليه القدوم ولو قدر عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب تلك الأمور وهي أهم من الوطء: عدم وجوب قدومه إذا طلبته؛ نظرًا لتعارض الأهم مع المهم من الواجبات، الحالة الثانية: إن كان مشغولًا بشيء غير واجب - وكان لا يقدر على القدوم لمشقة القدوم من حيث التعب الجسماني والتكاليف المادية، أو أي عذر فلا يجب عليه القدوم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مشقة عظيمة عليه، فدفعًا لذلك: سقط عنه وجوب القدوم، الحالة الثالثة: إن كان مشغولًا بشيء غير واجب، وكان يقدر على القدوم بلا مشقة فيجب عليه القدوم؛ للتلازم؛ حيث إن كون شغله غير واجب، وقدرته على القدوم وكون الوطء واجب عليه: يلزم منها وجوب القدوم عليه، فإن قلتَ: لم شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الزوج =

стр. 2452

كل ثلث سنة مرة أو القدوم إذا سافر فوق نصف سنة وطلبته: (فرق بينهما بطلبها)، وكذا: إن ترك المبيت كالمولي، ولا يجوز الفسخ في ذلك كله إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه (٢٥) (وتسن التسمية عند الوطء، وقول الوارد)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا متفق عليه (٢٦) = والزوجة ولظروفهما. (٢٥) مسألة: إذا امتنع الزوج من وطء زوجته كل أربعة أشهر مرة، أو لم يقدم لما طلبته إذا سافر أكثر من ستة أشهر، أو ترك المبيت عندها ليلة من بين أربع ليال - مع عدم العذر، أو لم تمكنه زوجته من الوطء كل أربعة أشهر: فإن الحاكم - وهو القاضي - يُفرق بينهما، ويفسخ النكاح إذا طلب منه أحد الزوجين ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المولي، يُجبر على الوطء فإن امتنع بعد المدة: فإنه يُفرق بينهما، ويُفسخ النكاح، فكذلك الحال هنا، والجامع: ترك كل واحد منهما حق الآخر في كل الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الاختلاف في ترك الوطء بين وجوده، وعدمه، وتحقق القدوم وعدمه، وتحقق المبيت وعدمه: الحاجة إلى حاكم يفصل في ذلك بسبب بلوغه درجة الاجتهاد، ونظره الفاحص في المصالح والمفاسد اللاحقة بالطرفين. (٢٦) مسألة: إذا أراد المسلم أن يجامع زوجته: فإنه يستحب أن يقول: "بسم الله اللَّهمَّ جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني"، وكذا: تقوله زوجته؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد: لم يضره الشيطان أبدًا"، وزوجته مثله في ذلك؛ لعدم الفارق في المشاركة في ذلك، فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي إبعاد الشيطان عن المولود إن كتب الله حملًا في هذا الجماع.

стр. 2453

(ويكره) الوطء متجرِّدين؛ لنهيه ﷺ عنه في حديث عتبة بن عبد الله، عند ابن ماجه (٢٧)، وتكره (كثرة الكلام) حالته؛ لقوله ﷺ : "لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء؛ فإن منه يكون الخرس، والفأفأة" (٢٨) (و) يكره (النزع قبل فراغها)؛ لقوله ﷺ : "ثم إذا قضى حاجته: فلا يُعجلها حتى تقضي حاجتها" (٢٩) (و) يكره الوطء [فرع]: يُستحب أن يلاعبها وتلاعبه قبل الجماع؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تهيئة كل واحد منهما للجماع. (٢٧) مسألة: يكره للمسلم أن يجامع زوجته في حال تجرُّدهما من ثيابهما؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرَّدان تجرُّد العيرين" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: ورود ذلك مورد الآداب في الجماع، والأصل في الآداب أن تكون مستحبة، ومخالفتها: مكروهة. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم، وإبعاده عن فعل البهائم إذا أراد الذكر منها أن ينكح الأنثى. (٢٨) مسألة: يكره للمسلم أن يكثر الكلام حال جماعه لزوجته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يكره الكلام حال البول فكذلك يكره حال الجماع، والجامع: أن كلًّا منهما مستقذر، وقد يكون في الكلام ذكر الله وينزّه الله عن ذلك، وهذ هو المقصد منه. تنبيه: ما روي من قوله ﷺ : "لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء؛ فإن منه الخرس والفأفأة": لم أجده إلّا في بعض كتب الحنابلة كالمغني (١٠/ ٢٣٢) والشرح الكبير (٤/ ٣٥٦) نقلًا عن المغني، ولم أجده في كتب الحديث المعتمدة. (٢٩) مسألة: يكره أن ينزع الرجل ذكره من فرج زوجته قبل أن تفرغ هي منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "ثم إذا قضى حاجته فلا يُعجلها حتى تقضي حاجتها" والذي صرف النهي من التحريم إلى الكراهة: كون ذلك ورد في آداب الجماع، الذي الأصل فيه الاستحباب، فتكون مخالفته مكروهة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرضاء لها، وإشباع لشهوتها إن =

стр. 2454

بمرأى أحد) أو مسمعه، أي بحيث يراه أحد أو يسمعه غير طفل لا يعقل، ولو رضيا (٣٠) (و) يكره (التحدُّث به) أي: بما جرى بينهما؛ لنهيه ﵇ عنه، رواه أبو داود وغيره (٣١) وله الجمع بين وطء نسائه، أو مع إمائه بغسل واحد؛ لقول أنس: "سكبتُ لرسول الله ﷺ من نسائه غسلًا واحدًا "في ليلة واحدة" (٣٢) (ويحرم = كانت تحس في ذلك. (٣٠) مسألة: يكره للرجل أن يجامع امرأته وعندهما أو حولهما أحد يراهما، أو يسمعها - غير طفل لا يعقل -: وهذا مكروه: سواء رضيا بأن يراهما أو يسمعهما أحد، أو لم يتراضيا وكذا: لا يقبِّلها، أو يلمسها بحضور أحد، أو سماعه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه كشف ما بينهما، فحرم للستر، ولأن فعل ذلك مع رؤية غيرهما لهما أو سماعه فيه دناءة وخسَّة، وابتذال لا يرضى به الشارع. (٣١) مسألة: يحرم التحدُّث، وإخبار الآخرين بما حصل أثناء الجماع من أفعال وأقوال؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد نهى عن ذلك، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﷺ : "شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، فينشر سرَّها، وتنشر سره" حيث وصف من فعل ذلك بكونه أشر الناس، وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا من فعل محرمًا، أو ترك واجبًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كشف ما بينهما من ستر، وإطلاع الآخرين عليه وهذا يفضحهما، والله أمر بالستر في كل شيء، وهذا من أولى ما يُستر، فإن قلتَ: إن هذا مكروه، وهو قول المصنف هنا قلتُ: لم أجد قرينة صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، فيبقى على التحريم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في اقتضاء النهى المطلِّق" فعندنا: أنه للتحريم، وعندهم: أنه للكراهة. (٣٢) مسألة: يُباح أن يُجامع الرجل جميع نسائه وإمائه في ليلة واحدة، أو يوم واحد، =

стр. 2455

جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضاهما)؛ لأن عليهما ضررًا في ذلك؛ لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما يثير الخصومة (٣٣) (وله منعها) أي: منع زوجته (من الخروج من منزله) ولو لزيارة أبويها أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما، ويحرم عليها الخروج بلا إذنه لغير ضرورة (٣٤) (ويُستحب إذنه) أي: إذن الزوج لها بالخروج (إن تمرّض = ويغتسل عن ذلك غسلًا واحدًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد طاف على نسائه وجامعهن في ليلة واحدة بغسل واحد، كما رواه أنس، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي التيسير والتسهيل والتوسعة على الناس. (٣٣) مسألة: يحرم أن يجمع الرجل زوجتيه - فأكثر - في مسكن واحد بغير رضاهما: سواء كان ذلك المسكن كبيرًا أو صغيرًا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضرر عليهما؛ لما بينهما من العداوة والغيرة، فاجتماعهما يُثير الخصومة، إذ تحصل بسبب ذلك المقابلة، وتسمع كل واحدة صوته عند الأخرى، فدفعًا لذلك حرم الجمع. [فرع]: إذا رضت كل واحدة منهما بأن يسكنا في مسكن واحد: جاز له جمعهما؛ للتلازم؛ حيث إن كل واحدة أسقطت حقها فيلزم جوازه. [فرع ثان]: إن رضيا بنوم الزوج بينهما في لحاف واحد جاز ذلك؛ للتلازم؛ وقد بيناه في الفرع الأول. [فرع ثالث]: إذا رضيا بأن يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى: لم يجز ذلك وكذا: لا يحدثها بما حصل مع الأخرى؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه دناءة وسخف، وسقوط مروءة فيلزم عدم جوازه. (٣٤) مسألة: للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من منزله: سواء كان خروجها لعيادة أقرب أقربائها كأمها وأبيها المريضين أو خروجها لحضور جنازة أحدهما، أو لغير ذلك، ويحرم عليها أن تخرج بغير إذنه إلّا للضرورة القصوى - كأن تخشى على نفسها من الهلاك فتخرج لتأتي لنفسها بأكل أو شرب -؛ لقاعدتين: الأولى: =

стр. 2456

محارمها) كأخيها، وعمها، أو مات؛ لتعوده (وتشهد جنازته)؛ لما في ذلك صلة من الرحم، وعدم إذنه يكون حاملًا لها على مخالفته، وليس له منعها من كلام أبويها، ولا منعهما من زيارتها (٣٥) (وله منعها من إجارة نفسها)؛ لأنه يفوت بها حقه، فلا تصح = التلازم؛ حيث إن حق الزوج واجب، وطاعته واجبة، وخروجها، وعيادة المريض غير واجبة: فلزم من ذلك جواز منع الزوج زوجته من الخروج، وتحريم الخروج عليها بغير إذنه. الثانية: المصلحة؛ حيث إن خشية الهلاك عذر لها في الخروج بغير إذنه فجاز؛ حفاظًا للمهجة، وهي النفس. [فرع]: يجب على المسلم أن يغار على زوجته، وأن يحافظ عليها، ويمنعها من الخروج إلّا للضرورة القصوى وكذا جميع محارمه؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني" حيث يلزم من ذلك: أن غيرة المسلم على زوجته وعوراته هي صفة كاملي الإيمان والإسلام، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج - وهم: الرجال السمان - في الأسواق، أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار" فوصف الرجل الذي لا يغار على نسائه بأنه لا خير فيه، وروي عن محمد بن علي بن الحسين أنه قال: كان إبراهيم ﵇ غيورًا، وما من امرئ لا يغار إلّا منكوس القلب". (٣٥) مسألة: يُستحب للزوج أن يأذن لزوجته: بأن تعود من مرض من أبويها، أو أقربائها من محارمها كأخيها وعمها، وأختها، وعمتها، وتشهد جنازة كل واحد منهم، ولا يمنع زيارة والديها لها في منزلها بشرط: أن تكون هذه الزوجة مأمونة الجانب من أن تنظر إلى رجال غيره أو تعجب بهم، وأن يأمن والديها من أن يفسداها عليه؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه العمل بصلة الرحم، وهو فيه خير كثير، أما إن خاف ضررًا عليها أو منها، أو من أبويها فيجب عليه أن يمنعها مهما كانت الظروف والأحوال؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 2457

إجارتها نفسها إلّا بإذنه، وإن أجَّرت نفسها قبل النكاح: صحَّت ولزمت (٣٦). (و) له منعها (من إرضاع ولدها من غيره إلّا لضرورة) أي: ضرورة الولد: بأن لم يقبل ثدي غيرها، فليس له منعها إذًا؛ لما فيه من إهلاك نفس معصومة (٣٧)، وللزوج الوطء مطلقًا، ولو أضر بمستأجر، أو مرتضع (٣٨). (فصل): في القسم (و) يجب (عليه) أي: على الزوج: (أن يساوي بين زوجاته في القسم): لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ وتمييز إحداهما ميل، (٣٦) مسألة: للزوج أن يمنع زوجته من إجارة نفسها لخدمة الآخرين، أو تربية أطفالهم أو نحو ذلك أما إن كانت قد أجرت نفسها قبل الزواج، والزوج قد علم عند العقد بذلك ولم يعترض: فإن هذه الإجارة تصح وتلزمها، ولا يملك الزوج فسخ تلك الإجارة؛ للمصلحة: حيث إن تأجير نفسها فيه تفويت حق الزوج من الاستمتاع ووقته عليه أما إن أذن بذلك: فيجوز؛ لكون الحق له وأسقطه عنها. (٣٧) مسألة: للزوج أن يمنع زوجته من إرضاع ولدها من غيره؛ إلا في حالة الضرورة: بأن يُخشى من هلاك ذلك الولد إن لم يرضع منها: فيجب عليه أن يأذن بذلك؛ للمصلحة: حيث إن انشغالها بإرضاع ولد غيره فيه تفويت لكمال الاستمتاع، وأخذ وقته بدون مقابل، أما إن خيف على الولد الهلاك فيجب أن يأذن؛ لأن فيه حفظ نفسه وهو من الضروريات الخمس المعروفة، وهو أهم من وجوب طاعته، ويقدم في الشرع الأهم على المهم. (٣٨) مسألة: للزوج وطء وجماع زوجته بعد عقد النكاح متى ما شاء: أي: سواء أضرَّ بمستأجر لها لخدمته أو لا، أو أضرَّ بمرتضع أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك الوطء يستحقه بعقد النكاح فيلزم أن يفعله متى ما شاء، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إحصان نفسه وهو مقدم على أيِّ شيء آخر: لأن استكمال الدين يكمن فيه.

стр. 2458

ويكون ليلة وليلة إلّا أن يرضين بأكثر، ولزوجةٍ أمةٍ مع حرة ليلة من ثلاث (٣٩) (٣٩) مسألة: إذا تزوج رجل زوجتين - فأكثر - فيجب عليه أن يُقسِّم الزمن بينهن بالتساوي والعدل بأن يبيت عند الأولى ليلة وعند الثانية الليلة الأخرى وهكذا، ويتبع كل ليلة يومها - فلا بد أن يكمل عند كل واحدة أربعًا وعشرين ساعة -، ويخرج لطلب رزقه ولأعماله في النهار على حسب المعتاد، ثم يعود إليها، حتى تنتهي الأربع والعشرين ساعة، ثم يذهب إلى الأخرى، فيفعل نفس ما فعله في الأولى، وهكذا، وإن ميَّز الأولى على الثانية، أو بالعكس: فهو ميل لها، وهو محرَّم؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ حيث يلزم من ذلك: وجوب العدل؛ لكونه هو المعروف المأمور به؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ودل بمفهوم الصفة على أن الميل إلى إحداهما دون الأخرى حرام؛ لمخالفته للمعروف المأمور به ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ حيث نهى عن الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى، والنهي هذا مطلق فيقتضي التحريم الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : من كانت له امرأتان فمال إلى إحديهما جاء يوم القيامة وشقه مائل"، حيث حرم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى هنا؛ لأن الوعيد على الميل عقاب، ولا يُعاقب إلّا على فعل حرام، أو ترك واجب، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من كون النهار تابعًا لليل: أن يكون للزوجة الليلة ويومها الذي بعدها، لذلك قالت عائشة: "قبض رسول الله ﷺ في بيتي في يومي"، فإن قلتَ: لَمَ وجب القسم بين الزوجات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه غاية الإنصاف والعدل، والتآلف، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونبذ الظلم؛ حيث أشار إلى ذلك الله لما =

стр. 2459

(وعماده) أي: القسم (الليل لمن معاشه النهار والعكس بالعكس). فمن معيشته بليل كحارس، يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون النهار في حقه كالليل في حق غيره (٤٠) وله أن يأتيهن وأن يدعوهن إلى محلِّه، وأن يأتي بعضًا، ويدعو بعضًا إذا = قال: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: أن الزوجة التي يميل عنها تكون ليست ذا زوج، وليست مطلقة، فيأتيها من ترضى به - كما قال ابن عباس -، وهذا منتهى الظلم، والتعسف. [فرع]: إذا رضيت كل زوجة بأن يجعل لها ليلتين، والأخرى كذلك أو يجعل لها ثلاث، والأخرى كذلك: فيجوز ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك حقًّا لهن: جوازه. [فرع ثان]: إذا تزوج حر زوجة حرة وتزوج أمة أيضًا: فإنه يبيت عند الحرة ليلتين مع يوميهما، ويبيت عند الأمة ليلة واحدة فتكون للأمة ليلة من ثلاث؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأمة على النصف من الحرة: أن يكون لها - أي للأمة - ليلة واحدة من ثلاث ليال. [فرع ثالث]: لا يجوز أن يخرج في وقت إحدى زوجاته خروجًا غير معتاد إلّا للضرورة، بينما يحرص أن يمضي كل الوقت عند أخرى؛ للمصلحة؛ وهي واضحة. (٤٠) مسألة: العمدة في القسم بين الزوجات هو: أن يبيت عند كل واحدة ليلة لمن معاشه وقضاء شؤونه يقع في النهار وأما من معاشه وقضاء شؤونه في الليل كالحراس، أو بعض من يشتغل بالعسكرية، أو المباحث، أو بعض المناوبين من الأطباء والصيادلة: فإنه يقسم بينهن في النهار، ويكون الليل تبعًا للنهار في حقه، ويكون النهار في حق هؤلاء، كالليل في حق غيره؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث إن الله جعل الليل للسكن والإيواء يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه عادة، وجعل النهار وقتًا للخروج والمعاش، والكسب يلزم منه: أن يكون ذلك الليل هو العمدة في القسم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ =

стр. 2460

كان مسكن مثلها (٤١) (ويقسم) وجوبًا (الحائض ونفساء ومريضة، ومعيبة) بنحو جذام (مجنونة مأمونة، وغيرها) كمن ألى، أو ظاهر منها، ورتقاء، ومحرمة، ومميزة؛ لأن القصد: السكن والأنس، وهو حاصل بالمبيت عندها (٤٢)، وليس له = سَكَنًا﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن العمدة في القسم بين الزوجات هو: الليل لمن معاشه في النهار، فكذلك يكون العمدة في القسم هو النهار لمن معاشه في الليل والجامع: مراعاة أحوال الأزواج وظروف معاشاتهم في كل، وهذا هو المقصد منه. [فرع]: إذا انشغل الزوج عن المقام عند زوجة من زوجاته ليلًا، في وقتها لأي عذر: فيجب عليه أن يقضيه لها، ويعوضها عنه؛ للتلازم؛ حيث إن هذا من الواجبات اللازمة فيلزم إذا فات أن يُقضى، ولا يسقط بفوات وقته إلا إذا أسقطته هي: فلها ذلك! لكونه من حقها. (٤١) مسألة: يُباح للزوج أن يأتي زوجاته في مساكنهن ومحالهن، ويُباح له أن يدعوهن إلى مسكنه إن اتخذ مسكنًا غير مساكن زوجاته، ويباح له أن يأتي بعضهن في مساكنهن، وبعضهن يدعوهن على حسب ما يراه مناسبًا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك لم يرد فيه شيء من الشارع، فيتصرف فيه على حسب ما تقتضيه مصلحة الزوج إذا لم يوجد ضرر على تلك الزوجات. [فرع]: يُستحب أن يجعل لكل زوجة مسكنًا تنفرد فيه يأتيها فيه عند حلول وقتها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ فعل ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك أستر لزوجاته، وأكثر صيانة، لئلا يخرجن من بيوتهن، فيتعرضن للفتنة، أو للابتذال، أو لكشف سر من أسراره. (٤٢) مسألة: يجب أن يقسم الجميع زوجاته كل واحدة يبيت عندها ليلة، دون أن يميز أو يفرق بين الطاهرة والحائض والنفساء، والسليمة والمريضة، والصحيحة والمعيبة، والعاقلة والمجنونة المأمونة، وكذلك التي آل منها، أو ظاهر منها، كل =

стр. 2461

بداءة في قسم، ولا سفر بإحداهن بلا قرعة، إلّا برضاهن (٤٣) (وإن سافرت) زوجته (بلا إذنه، أو بإذنه في حاجتها، أو أبت السفر أو) أبت (المبيت عنده في فراشه: = هذه الزوجات سواء في المبيت وإن لم يُجامع، وكذلك الزوج لو كان مريضًا، أو مجنونًا يؤمن جانبه، والعنين، والخصي والكبير ونحو ذلك يجب عليه أن يقسم بين زوجاته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أين أنا غدا؟ " لما اشتد عليه الوجع؛ حيث إنه يسأل: عند مَنْ من زوجاته المبيت غدًا؟ فهذا يدل على أن الزوج يقسمُ لو كان فيه مرض ونحوه، الثانية المصلحة؛ حيث إن المقصود من المبيت ليس الوطء والجماع، وإنما المقصود هو الإيواء، والسكن، والأنس، وهذه المصالح حاصلة لمن بات عندها. (٤٣) مسألة: إذا كان للرجل عدَّة زوجات: فلا يبتدئ القسم بينهن إلّا بالقرعة بينهن، فمن خرجت لها القرعة جعل لها الليلة الأولى مع يومها، وهكذا، وكذلك لا يُسافر بإحداهن معه إلّا بالقرعة، أما إن حصل تراض بينهن، وأذنت بقية الزوجات لواحدة أن يبتدئ الزوج بها، أو أن تسافر معه: فيجوز ذلك بلا قرعة؛ لقواعد؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت لها القرعة خرج بها معه الثانية القياس؛ بيانه: كما أنه لا يسافر بإحداهن إلّا بقرعة، فكذلك لا يبتدئ بإحداهن إلّا بقرعة والجامع: أنهن متساويات في الحق، والبدائة بإحداهن والسفر بها تفضيل لها، فوجبت القرعة في كل. الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من رضاهن بالابتداء بإحداهن، والسفر بها: جوازه؛ لأنهن أسقطن حقهن. [فرع]: إن ابتدأ بإحداهن، أو سافر بها بلا قرعة: فإنه يأثم، ويقضي: بأن يُسافر بالأخرى؛ للمصلحة: حيث إن التسوية بينهن واجبة، وتفضيل إحداهن بالسفر بها: ظلم للأخريات، والظلم يأثم عليه بل إن الظلم ظلمات يوم القيامة.

стр. 2462

فلا قسم لها ولا نفقة)؛ لأنها عاصية كالناشز، وأما من سافرت لحاجتها ولو بإذنه فلتعذر الاستمتاع من جهتها (٤٤)، ويحرم أن يدخل إلى غير ذات ليلة فيها إلا للضرورة (٤٥)، وفي نهارها إلّا لحاجة (٤٦)، (٤٤) مسألة: يسقط القسم والنفقة عن الزوج في حالات: الحالة الأولى: إذا سافرت زوجته بلا إذنه سواء كان لحاجتها أو لا، الحالة الثانية إذا سافرت بإذنه لحاجتها كتجارة، أو حج أو عمرة تطوع، الحالة الثالثة: إذا امتنعت عن السفر معه، الحالة الرابعة: إذا امتنعت عن المبيت عنده في فراشه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه كما أن الناشز - وهي الزوجة التي تعصي زوجها فيما يجب عليها - يسقط عن الزوج قسمها، ونفقتها فكذلك الزوجة الممتنعة عن السفر معه، أو المبيت معه، أو المسافرة بلا إذنه مثل الناشز والجامع: العصيان في كل، الثانية: التلازم؛ حيث إن النفقة والقسم للتمكين من الاستمتاع والأنس والسكن، وسفرها لحاجتها يمنع ذلك فلزم سقوط القسم والنفقة عليها عن الزوج، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحفاظ على حق الزوج، من أن تتحايل على ظلمه بعض الزوجات الماكرات اللواتي يردن أن يستمتعن بالإنفاق عليهن، ولا ينظرن إليه ولا إلى تنفيذ طلباته وما أكثرهن في هذه العصور، لذلك أكثر أهل جهنم من النساء كما ورد ذلك عن النبي ﷺ . (٤٥) مسألة: إذا دخل وقت وزمن زوجته الأولى: فيحرم أن يدخل على زوجته الثانية - أو العكس - ليلًا: إلّا للضرورة كأن تخاف السراق ليلًا، أو شديدة المرض وخشيت على نفسها ونحو ذلك: فيجوز أن يدخل عليها ليلًا ولو في وقت وزمن الأخرى؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن تلك الزوجة، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. (٤٦) مسألة: يجوز أن يدخل الزوج على زوجته في يوم غيرها في النهار للحاجة كأن يدفع لها نفقتها، أو يعودها، أو يسأل عن أمر يحتاجه، أو يزورها نظرًا لبعد =

стр. 2463

فإن لبث أو جامع: لزمه القضاء (٤٧) (ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه) أي: بإذن الزوج: جاز (أو) وهبته (له فجعله لـ) زوجة أخرى: جاز)؛ لأن الحق في ذلك للزوج والواهبة وقد رضيا (٤٨) (فإن رجعت) الواهبة: (قسم لها مستقبلًا)؛ لصحة رجوعها فيه؛ لأنها هبة لم تقبض، بخلاف الماضي: فقد استقر حكمه (٤٩) ولزوجة = عهده بها ولا يطيل المكث؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يدخل علي في يوم غيري الثانية: المصلحة؛ حيث إن قضاء حاجات زوجاته في النهار من المطالب الشرعية، فجاز؛ لئلا تحتاج إلى أن يقضيها غيره. (٤٧) مسألة: إذا دخل على زوجته الأولى في زمن ووقت زوجته الثانية - أو بالعكس - ليلًا أو نهارًا فلبث - أي أطال الجلوس عندها عرفًا - أو جامع: فيجب عليه أن يقضي ذلك للزوجة الثانية - وهي المظلومة - بأن يدخل على الثانية ويلبث عندها ويُجامعها؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه تحقيق العدل والتسوية، وإعطاء كل صاحب حق حقه. [فرع]: إذا كان للرجل زوجتان، كل زوجة في بلد، ولم يمكنه الجمع بينهما في بلد واحد؛ لأسباب شرعية، أو تراضيا على ذلك: فيقسم بينهما بالأزمان الطويلة كأن يجعل لواحدة منهما شهرًا يجلس عندها والأخرى شهرًا آخر، أو أكثر من ذلك أو أقل على حسب الظروف، ولكن لا يجلس عند إحداهما أكثر من الأخرى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب القسم بالتساوي: ذلك. (٤٨) مسألة: يجوز أن تهب زوجة من زوجات رجل قسمها إلى ضرتها بإذن ذلك الزوج، ويجوز أن تهبه إلى زوجها فيجعله لزوجة أخرى: سواء قبلت الموهوب لها أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن الحق للواهبة وللزوج فإذا ثبت الرضى بينهما: فإنه يلزم جوازه؛ لكون الواهبة أسقطت حقها. (٤٩) مسألة: إذا وهبت زوجة قسمها لضرتها، أو لزوجها: فإنه يجوز كما سبق في =

стр. 2464

بذل قسم ونفقة لزوج؛ ليمسكها، ويعود حقها برجوعها (٥٠) وتسن تسوية زوج في وطء بين نسائه، وفي قسم بين إمائه (٥١) (ولا قسم) واجب على سيد (لإمائه، = مسألة (٤٨) - فإن رجعت في الهبة، وطلبت أن يُعاد قسمها: فإنه يجب أن يعيده لها الزوج في المستقبل دون ما مضى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون قسمها المستقبل هبة لم تقبض أن يُعاد إليها، ويلزم من كون قسمها الماضي هبة قد تم قبضها: عدم جواز إعادته إليها؛ حيث استقر حكمه للموهوب لها. (٥٠) مسألة: يُباح للزوجة أن تسقط قسمها ونفقتها عن زوجها؛ لأجل أن لا يتخلى عنها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني وأنت في حل من نفقتي وقسمي، لقاعدتين: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ حيث إن من أنواع الصلح: إسقاط بعض الحقوق؛ ليتم الاتفاق على حسب ما تقتضيه المصلحة وهنا يشرع الصلح، قالت عائشة: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها، تقول: أمسكني، ولا تطلقني، وأنت في حل من النفقة عليّ والقسم، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن سودة حين أسنَّت وخشيت أن يفارقها رسول الله ﷺ قالت: يومي لعائشة ﵄، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على الاجتماع والتآلف، وعدم التفرّق بين الأسر. [فرع]: يعود حقها إذا رجعت عن قولها وطالبت به؛ للتلازم؛ كما سبق بيانه في مسألة (٤٩). (٥١) مسألة: لا تجب التسوية بين نسائه في الوطء والجماع، أي: إذا جامع واحدة فلا يجب عليه أن يجامع الأخرى مثلها، وكذلك لا تجب التسوية بين إمائه في القسم، ولكن إن أمكنت التسوية في وطء وجماع نسائه، وقسمه بين إمائه فهذا مستحب؛ للمصلحة: حيث إن التسوية بين نسائه في الوطء والجماع يشق على =

стр. 2465

وأمهات أولاده)، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (بل يطأ) السيد (من شاء) منهن (متى شاء) (٥٢)، وعليه: أن لا يعضلهن إن لم يرد استمتاعًا بهن (٥٣) (وإن تزوج بكرًا) ومعه غيرها: (أقام عندها سبعًا) ولو أمة = الزوج؛ حيث إن الجماع يكون من الشهوة والميل القلبي، وهذا لا يملكه الإنسان؛ حيث إنه قد يميل إلى إحداهن دون الأخرى، بلا إرادة منه قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فإلزامه بالتسوية في ذلك مع عدم قدرته فيه مشقة عظيمة، فدفعًا لذلك: لم يجب، ولكن إن أمكنه التسوية بين نسائه في الجماع، وبين إمائه في القسم: فهو مستحب؛ لكونه يحقق العدالة، وتطيب نفوسهن، وفي ذلك مودّة، وأُلفة، ومحبة، وحسن عشرة. (٥٢) مسألة: لا يجب على السيد أن يقسم بين إمائه اللواتي اشتراهن: سواء كن أمهات أولاد، أو لا، بل يُجامع السيد من شاء منهن، في أي وقت شاء، وله تفضيل بعضهن دون البعض الآخر في ذلك، وله مساواتهن في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ حيث يلزم من ذلك: أن لا قسم لملك اليمين؛ حيث إنه إذا خاف المسلم من عدم العدل بين الزوجات: فإنه يقتصر على زوجة حرة واحدة، أو يشتري ما شاء من الإماء؛ إذ هو في هاتين الحالتين لا قسم له، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان للنبي ﷺ مارية القبطية، وريحانة فلم يقسم لهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي التوسعة والتيسير على المسلمين في ذلك. (٥٣) مسألة: إذا احتاجت الواحدة من الإماء إلى زوج، والسيد لا يريدها للاستمتاع بها: فإنه يجب عليه أن يعفها إما بجماعها ووطئها أو تزويجها، أو بيعها؛ للتلازم؛ حيث إن من تحتاج إلى الزواج يحتمل أن تقع في الفساد من زنا ونحوه فيلزم منعها عن ذلك بإحدى الأمور الثلاثة - وهي أن يطأها أو يزوجها، أو يبيعها من باب: "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب" فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ =

стр. 2466

(ثم دار) على نسائه (و) إن تزوج (ثيبًا): أقام عندها (ثلاثًا) ثم دار؛ لحديث أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب: أقام عندها سبعًا، وقسم، وإذا تزوج الثيب: أقام عندها ثلاثًا ثم قسم قال أبو قلابة: "لو شئت لقلتُ: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ " رواه الشيخان (وإن أحبَّت) الثيب أن يقيم عندها (سبعًا: فعل وقضى مثلهن) أي: مثل السبع (للبواقي) من ضراتها؛ لحديث أم سلمة أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: "إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ: سبعتُ لنسائي" رواه أحمد ومسلم وغيرهما (٥٤). = قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة ودفع للفساد، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة. (٥٤) مسألة: إذا كان عند الزوج زوجة، ثم تزوج عليها بكرًا: فإنه يقيم عند الزوجة الثانية - وهي البكر - سبع ليالي مع أيامها ثم يذهب إلى الأولى ويبدأ القسم منها أما إن تزوج على زوجته الأولى ثيبًا: فإنه يقيم عند الثانية - وهي تلك الثيب - ثلاث ليال مع أيامها، ثم يذهب إلى الأولى، ويبدأ القسم منها: سواء كانت الزوجة الثانية حرة أو أمة وإن سبع للثيب: فإنه يُسبع للبواقي من نسائه، للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ لما تزوج أم سلمة وكانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا وقال: "ليس بك على أهلك هوان، وإن شئتِ سبَّعت لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ: سبَّعت لنسائي" فلزم أن يكون للثيب ثلاث، ومن أرادت سبعًا سبع للبواقي. الثانية: أن أنسًا قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم ولفظ "البكر، والثيب" عام للحرة والأمة، فيكون الحكم فيهما واحد في ذلك، حيث إن "البكر" و "الثيب" مفرد محل بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ كان للبكر سبع، وللثيب ثلاث؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن البكر عادة تستحي كثيرًا؛ لأنها أول مرَّة تتزوج، فتحتاج إلى وقت أطول لإزالة هذا الحياء والاحتشام بينها وبين =

стр. 2467

(فصل): في النشوز وهو: (معصيتها إياه فيما يجب عليها) مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض فكأنها ارتفعت وتعالت عما فرض عليها من المعاشرة بالمعروف (٥٥) (فإذا ظهر منها أماراته: بأن لا تُجيبه إلى الاستمتاع، أو تُجيبه متبرِّمة) متثاقلة (أو متكرهة وعظها) أي: خوّفها من الله تعالى، وذكَّرها ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، (فإن أصرَّت) على النشوز بعد وعظها: (هجرها في المضجع) أي: ترك مضاجعتها (ما شاء و) هجرها (في الكلام ثلاثة أيام) فقط؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" (فإن أصرَّت) بعد الهجر المذكور: (ضربها) ضربًا (غير مبرّح) أي: شديد؛ لقوله ﵇: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يُضاجعها في آخر اليوم" ولا يزيد على عشرة أسواط؛ لقوله ﵇: "لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" متفق عليه، ويجتنب الوجه، والمواضع المخوّفة (٥٦)، وله = زوجها، وتستأنس به، فقُدِّر بسبع ليال مع أيامها، وهذا يكفي في إزالة ذلك، وروعي في هذا حاله مع زوجاته الأخريات؛ حيث لم تُطل المدَّة أكثر ذلك؛ لئلا يُطيل الغيبة عن البواقي بخلاف الثيب - وهي التي قد تزوجت من قبل - فعندها بعض الخبرة في ذلك فلا تحتاج أكثر من ثلاث ليال مع أيامها؛ للاستئناس بزوجها الجديد. (٥٥) مسألة: النشوز لغة: مأخوذ من "النَّشز" والنشز: هو المكان المرتفع من الأرض، ومنه قولهم: "هذه أرض ناشز" أي مرتفعة، وهو في الاصطلاح: أن تعصي الزوجة زوجها فيما يجب عليها من المعاشرة بالمعروف أي: ترفَّعت وتعالت عليه عمّا وجب عليها من طاعته. (٥٦) مسألة: إذا ظهرت علامات وأمارات النشوز والعصيان من الزوجة لزوجها: بأن تمتنع أن يستمتع بها، أو تطيعه ولكنها كارهة متثاقلة، أو تسمعه بعض العبارات الجارحة، أو يكتشف أنها تكلِّم بعض الرجال الأجانب عنها: فإن =

стр. 2468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الزوج يعظها، وينصحها، ويُرشدها، ويبين لها أن الله تعالى أوجب عليها طاعة زوجها، وأنه مثل ما أنها تستمتع بحنان، وعطف، ورزق ومال ومسكن الزوج وأنه هو السبب في عزّها وكرامتها: فإن الزوج يريد كامل حقه بأن تطيعه، وتحترمه، وتكرمه، وأن لا تنظر إلى رجل غيره مهما كانت الظروف والأحوال، وأن الله سيُعاقبها عقابًا شديدًا إذا خالفت ذلك ظاهرًا أو باطنًا وأنه هو سيعاقبها من قطع النفقة والكسوة، وطردها من بيته ويذكرها بما يباح له من هجرها وضربها: فإن أصرَّت على عصيانها ونشزها مع ذلك: فإنه يهجرها، ويترك مضاجعتها والمنام معها ما شاء من الزمان، ويهجرها ويترك مكالمتها ومحادثتها ثلاثة أيام، فإن أصرَّت على عصيانها ونشوزها مع ذلك: فإنه يضربها ضربًا غير شديد ومبرح، وإنما هو مؤدِّ لمثلها، ولا يزيد في هذا الضرب عن عشرة أسواط، ولا يضربها في هذه الحالة على وجهها، ولا المواضع التي يخاف منها اختلال العقل، أو الموت فيما لو ضربها؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: وهذا فيه إضمار تقديره: واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن، فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، فإن أصررن فاضربوهن - كما قال كثير من محققي المفسرين - الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها قوله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" وهذا يلزم منه تحريم هجران الكلام مع زوجته الناشز فوق ثلاثة أيام؛ لأن لفظ "لا يحل" من صيغ التحريم، وزوجته: أخته في الإسلام ثانيها: قوله ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم" حيث حرّم الشارع جلد الزوجة الناشز جلدًا شديدًا كما يجلد العبد لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، ثالثها: قوله ﵇: "لا تضرب ضعينتك ضرب أمتك" و "الضعينة" هي: الزوجة، ويُقال فيه كما قلنا في الحديث =

стр. 2469

تأديبها على ترك الفرائض (٥٧)، وإن ادَّعى كل ظلم صاحبه: أسكنهما حاكم قرب ثقة يشرف عليهما، ويلزمهما الحق، فإن تعذَّر وتشاقا: بعث الحاكم عدلين، يعرفان = السابق، رابعها: قوله ﵇ "لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله" حيث حرم أن يُجلد إنسان فوق عشرة أسواط إلّا إذا ارتكب حدًا من حدود الله كالقذف وشرب الخمر - فيُجلد ثمانين - أو الزنا لغير المحصن - فيجلد مائة -؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، خامسها: قوله ﵇: "ثلاثة لا تصعد لهم إلى السماء حسنة منهم المرأة الساخط عليها زوجها" وقوله: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" حيث يدل ذلك على جواز عقابها بتلك العقوبات الثلاث، وأن الزوج ينصحها ويعظها بها الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد هجر نساءه ولم يدخل بهن شهرًا الرابعة: المصلحة؛ حيث إن ضرب المستحسن كالوجه، والمواضع المخوفة فيه إلحاق الضرر عليها من تشويهها، وتقبيحها، أو هلاكها، فدفعًا لذلك حرم ضربها في تلك المواضع. فإن قلتَ: لِمَ وضعت تلك العقوبات الثلاث مرتبة؟ قلتُ: لأن المقصود هو: التأديب، لا الإتلاف، فإن قلتَ: لِمَ يضربها ضربًا غير شديد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المضروب ضربًا شديدًا غالبًا ما ينفر عمّن جلده - مهما كان، فإذا ضربها ضربًا شديدًا فإنها ستنفر منه عند مجامعته ومضاجعته لها، ولا تميل نفسها إليه ولا تنساه، بخلاف التأديب المستحسن: فإنه لا ينفر الطباع، وقد تنساه. (٥٧) مسألة: يُباح للزوج أن يؤدِّب زوجته إذا تركت أيَّ واجب من الواجبات الشرعية كالصلاة والصوم ونحو ذلك بتلك الأمور الثلاثة السابق ذكرها في مسألة (٥٦)؛ للقياس؛ بيانه كما يُباح للزوج أن يؤدب زوجته بتلك العقوبات المذكورة في مسألة (٥٦) فكذلك الحال هنا والجامع: إصلاحها في إقامة ما عليها من واجبات.

стр. 2470

الجمع والتفريق، والأولى من أهلهما، يوكلانهما في فعل الأصلح: من جمع وتفريق، بعوض، أو دونه (٥٨). (٥٨) مسألة: إذا حصل اختلاف بين الزوجين، وادَّعت هي بأنها نشزت؛ لكونه لم يُعطها حقها الواجب لها عليه، وادَّعى زوجها بأنها لم تعطه حقه الواجب له عليها، فكل واحد منهما يدَّعي أن الآخر قد ظلمه: فإن الحاكم - وهو القاضي - يبعث حكمين مسلمين حرين مكلفين، عدلين، ذكرين، عارفين لأحكام الصلح بين الزوجين من جمع أو تفريق بينهما، والأولى أن يكون أحدهما من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة، فإن لم يمكن ذلك: فإنه يبعث حكمين من غير أهل الزوجين، فيقوم الزوج بتوكيل أحدهما عنه، وتقوم الزوجة بتوكيل الآخر عنها، ثم يجتمع هذان الحكمان مع الزوجين المتخاصمين، ويسمعان تفاصيل المشكلة الحادثة بينهما سواء كانت هذه التفاصيل سرية أو لا، ثم يحاول الحكمان أن يُلطِّفا القول مع الزوجين، وينصفا بينهما، ولا يميلا إلى أحدهما دون الآخر، ويخوفاهما من الله تعالى، ويبيّنا أن الفرقة بينهما سيتسبَّب في تشتيت أولادهما - إن كان لهما أولاد -، ويُحاولا أن يُصلحا بينهما بشتى الطرق إن رأيا أن المصلحة تقتضي الصلح بينهما، وإن رأيا أن المصلحة تقتضي التفريق بينهما: فإنهما يفرقان بينهما بعوض وهو الخلع، أو بدون ذلك؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ حيث قرر الشارع هذه الطريقة للصلح بين الزوجين المتخاصمين، وأن الحكمين يفعلان ما يريانه صالحًا من الجمع أو التفريق؛ وهذا من لوازم لفظ "الحكمين"، الثانية: التلازم؛ حيث إن الزوجين راشدان فيلزم عدم جواز التصرُّف فيما يختصان فيه إلا بوكالة منهما، أو ولاية عليهما، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن مصلحتهما تقتضي أن يكون الحكمان، مسلمين، حرين، مكلفين، عدلين، ذكرين، عارفين لأحكام الصلح بين =

стр. 2471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الزوجين؛ لأن من يتّصف بذلك لا يصدر عنه إلّا قرار منصف للطرفين فتكون في ذلك مصلحة لهما، من حيث الاجتماع، أو الافتراق، تنبيه: قوله: "أسكنهما حاكم قرب ثقة يُشرف عليهما، ويلزمهما الحق": قلتُ: هذا مخالف للآية السابق ذكرها؛ حيث بدأ بالحكمين ولم يشر إلى هذا المشرف، وكذا: مخالف لفعل الصحابة؛ حيث إنه لما حصل خلاف بين عقيل وزوجته فاطمة بنت عقبة: بعث عثمان حكمًا أهله وهو عبد من الله بن عباس - وحكمًا من أهلها - وهو معاوية بن أبي سفيان - ولم يرسل مشرفًا، وكذلك علي لما تخاصم عنده رجل وزوجته بعث حكمين مباشرة، ولم يرسل مشرفًا، وكذا: لم أجد إرسال ذلك المشرف في أكثر كتب الفقهاء على اختلاف مذاهبهم. وهذا كله يُبطل ما ذكره المصنف وغيره ممن وافقه من الحنابلة. هذه آخر مسائل باب: "عشرة النساء، وأحكام المبيت والجماع وآدابه، والقسم بين الزوجات، والنشوز"، ويليه باب: "الخُلْع".

стр. 2472

باب الخُلْع وهو: فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة، سُمِّي بذلك؛ لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١) (من صحَّ تبرُّعه) وهو الحر، الرشيد، غير المحجور عليه (من زوجة، وأجنبي: صحّ بذله لعوضه) ومن لا: فلا؛ لأنه بذل مال في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة باب الخُلْع وفيه أربعون مسألة: (١) مسألة: الخُلْع لغة: النزع، ومنه قولهم: "خلعت الثوب" أي: نزعته من على جسدي - كما في المصباح (١٧٨) - ويُطلق على الخروج، ومنه قوله ﷺ : "من خلع يدًا من طاعة لقي الله لا حجة له" أي: من خرج من طاعة سلطانه - كما جاء في اللسان (٨/ ٧٦) والاسم "الخُلْع" بضم الخاء، وتسكين اللام والمصدر "الخَلْع" بفتح الخاء، وتسكين اللام، والخلع في الاصطلاح: أن تطلب الزوجة فراقها من زوجها فلا يقبل إلّا بأن تعطيه عوضًا وثمنًا لذلك، فتبذل له ما أراد ثم يفارقها بألفاظ مخصوصة - سيأتي بيانها -، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك الفراق بالخلع؟ قلتُ: لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع ثوبها ولباسها، فالله تعالى قد جعل النساء لباسًا للرجال، والرجال لباسًا للنساء فقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فإن قلتَ: لِمَ جعل كل واحد منهما لباسًا للآخر؟ قلتُ: لأن كل واحد من الزوجين يشتمل على الآخر ويستره، كاشتمال اللباس والثوب على البدن وستره له، فإن قلتَ: ما فائدة الخلع؟ قلتُ: فائدته إبطال الرجعة ولو في العدَّة إلا بعد عقد جديد وعدم نقص عدد الطلاق، تنبيه: سيأتي بيان: متى يكون الخلع طلاقًا ومتى يكون فسخًا؟.

стр. 2473

فصار كالتبرُّع (٢) (فإذا كرهت) الزوجة (خُلُق زوجها، أو خَلْقه): أبيح الخلع - و"الخَلْق - بفتح الخاء - صورته الظاهرة وبضمها صورته الباطنة (أو) كرهت (نقص دينه، أو خافت إثمًا بترك حقه: أبيح الخلع)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣) (٢) مسألة: يصح الخلع من كل زوجة وأجنبي يصح تبرعهما، وهما: الحران، الرشيدان، غير المحجور عليهما، ويصح بذلهما لعوض أراداه، أما إن لم يصح تبرعه: فلا يصح بذله لعوض في الخلع؛ للقياس، وهو من وجوه: أولها: كما أن الزوجة إذا احتاجت إلى متاع ولا تصل إليه إلّا ببذل عوض - وهو ثمنه - فلا بد لها من دفعه ثمنًا لذلك المتاع، فكذلك حاجتها داعية إلى فراقه، ولا تصل إلى ذلك إلّا ببذل العوض، فيجوز أن تدفعه والجامع: دفع الحاجة في كل، ثانيهما: كما أن التبرّع من الحر، الرشيد، غير المحجور عليه يصح، فكذلك ما دفعه للحاجة يصح، والجامع: حصول المصلحة من شخص يملك ماله بالقوة والفعل، ثالثها: كما أن الأجنبي لو قال لك: اعتق عبدك وعليّ ثمنه، وارمي متاعك في البحر وعليّ ثمنه: صح ولزمه ثمنه، فكذلك يصح أن يقول الأجنبي لزوج امرأة: طلِّق زوجتك بألف هي علي والجامع تحمله لهذا العوض في كل، فإن قلتَ: لَمَ كان من لم يصح تبرعه من زوجة وأجنبي: لم يصح بذله لعوض؟ قلتُ: لأنه بذل مالًا في مقابلة ما ليس بمال، ولا منفعة؛ لعدم صحة قصده. (٣) مسألة: يجوز أن تخلع الزوجة زوجها، وأن تطلب فراقه على عوض تدفعه له في إحدى الحالات التالية: أولها: إذا كرهته لسوء خُلُقه - بضم الخاء - وهي صفاته الباطنة - ثانيها: إذا كرهته لسوء خَلْقه - بفتح الخاء - وهي صفاته الظاهرة، ثالثها: إذا كرهته بسبب نقص في دينه، رابعها: إذا كرهته بسبب كبره، أو مرضه، أو ضعفه. خامسها: إذا خافت أن تأثم بترك حق من حقوقه؛ لأي سبب من الأسباب الظاهرة أو الباطنة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ =

стр. 2474

وتسنُّ إجابتها إذًا (٤) إلّا مع محبته لها، فيسن صبرها، وعدم افتدائها (٥) (وإلا) يكن = خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ حيث أباح للزوجة التي تخاف الإثم بسبب عدم إقامتها بحق زوجها: أن تطلب مخالعته وفراقه بعوض تفتدي به نفسها منه؛ لأن "لا جناح" من صيغ الإباحة، ودلَّ مفهوم الشرط على أنها إذا لم يخافا ذلك: فلا يباح الخلع، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: ما أعيب عليه من دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمرها بردِّها، وأمره بفراقها، ومعنى: "أكره الكفر في الإسلام "أي: أخشى أن أكفر العشير المنهي عنه، والتقصير بحقه الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن الخلع ثبت عن عمر وعثمان، وعلي، فإن قلتَ: لِمَ أبيح الخلع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض النساء قد لا يلائمها الرجل الذي تزوجته، وهو متمسك بها، فجعل الله لها سبيلًا ومخرجًا من هذا المأزق بطلب الخلع، وهذا وإن كان نادرًا ما يقع إلا أن الإسلام قد عالجه. (٤) مسألة: إذا طلبت الزوجة مخالعة زوجها - لما سبق من الأحوال والأسباب في مسألة (٣) - فيُستحب للزوج أن يجيب طلبها، ويُفارقها؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه راحة لها وله، وقد تفعل به شيئًا بسبب بغضها له وقديمًا قيل: إن مجالسة من يكرهك هو سبب لأكثر الأمراض، ولذلك أمر الرسول ﷺ ثابت بن قيس بأن يفارق زوجته التي طلبت مخالعته. (٥) مسألة: إذا طلبت الزوجة مفارقة زوجها - عن طريق الخلع - وهو يحبها، ويكن لها كل مودة: فإنه يُستحب لها أن تصبر عليه، وستجد في ذلك سعادة الدنيا والآخرة؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه راحة له في الدنيا والآخرة، ولها راحة في الآخرة، وقد تحصل في الدنيا، وإن كرهت منه خُلُقًا أو خَلْقًا: فإنها تنظر إلى أمور أخرى قد تعجب فيه من ناحيتها.

стр. 2475

حاجة إلى الخلع، بل بينهما الاستقامة (كره، ووقع)؛ لحديث ثوبان مرفوعًا: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس: فحرام عليها رائحة الجنة" رواه الخمسة إلا النسائي (٦) (فإن عضلها ظلمًا؛ للافتداء) أي: لتفتدي منه (ولم يكن) ذلك (٦) مسألة: إذا لم توجد حاجة إلى الخلع، ولم يوجد بغض منها له، ولم توجد أي حالة من الحالات الخمس السابقة الذكر في مسألة (٣) - بل بينهما استقامة الحال والتراضي: فلا يصح الخلع؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: السنة القولية: وهي مخالفة زوجة ثابت بن قيس؛ حيث إن النبي ﷺ أمرها برد حديقته إليه، وأمره بفراقها لما علم ببغضها له، فيكون الحكم معلَّقًا بسببه؛ حيث إن الخلع يكون لفك المرأة من حالتها السيئة التي تعيشها كفك الأسير، وهو ما صرَّح به ابن تيمية فلا يصح بدون حاجة، ثانيها: قوله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس: فحرام عليها رائحة الجنة" حيث إن الوعيد بتحريم رائحة الجنة على من طلبت فراق زوجها من غير وجود كراهية أو خوف: عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل محرم، أو ترك واجب، وهذا يلزم منه عدم صحته بلا حاجة، ثالثها: قوله ﷺ : "المختلعات هنَّ المنافقات" يعني: اللاتي يطلبن الخلع والطلاق من أزواجهن بغير عذر: هن المنافقات ينافقن زوجًا إلى حين، ثم يُعجبن برجل آخر، فيطلبن الطلاق من الأول لأجل أن تتزوج الآخر، ثم يعجبن بثالث ويفعلن بالثاني كما فعلن بالأول وهكذا، وقد لا يُصرِّحن بذلك، ولكن هذه هي الحقيقة، فلو لم يكن في ذهنها رجل آخر لما رفضت زوجها، ولكن من المؤكد أن من تركت زوجها لتتزوج رجلًا آخر كان قد أفسدها على زوجها الأول: أن زواجها بالثاني ومن بعده لا ينجح دائمًا، وهذا بسبب لعن الرسول ﷺ لمن فعل ذلك حيث قال فيما معناه: "لعن الله من أفسد زوجة على زوجها، ولعن الله من أفسدت زوجًا على زوجته، ولعن الله من أفسد عبدًا على سيده، ومن أفسد سيدًا على عبده" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون =

стр. 2476

(لزناها، أو نشوزها أو تركها فرضًا ففعلت) أي: افتدت منه: حرم، ولم يصح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فإن كان لزناها، أو نشوزها، أو تركها فرضًا: جاز وصح؛ لأنه ضرَّها بحق (٧) (أو الخلع قد شرّع لحاجة الزوجة: عدم مشروعيته إذا لم توجد تلك الحاجة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنه لو فُتح باب الخلع لحاجة أو لغير حاجة لأفضى ذلك إلى أن تتخلَّى أكثر الزوجات عن أزواجهن ويطلبن فراقهم؛ لأن النساء ناقصات عقل ودين كما هو مقرر في الشريعة، فقد يخدعهن أي فاسق وماكر، ثم يكون ذلك سببًا في فراقها مع زوجها، ثم ذاك الفاسق والماكر قد يخدع أخرى وهكذا؛ فسدًا لذلك: شرع عدم صحة الخلع بلا عذر وحاجة، فإن قلتَ: إنه يكره في هذه الحالة ويقع، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، بل الأدلة من السنة، والتلازم، والمصلحة على أنه لا يصح مطلقًا، ولا يقع. (٧) مسألة: إن أضرَّ الزوج بزوجته بالضرب، أو الهجر، أو التضييق عليها، أو منعها حقوقها من القسم أو النفقة، من غير عذر، لأجل أن تفتدي نفسها منه، وتعطيه عوضًا لأجل أن تفارقه وتنجو بنفسها من ظلمه لها وهو كاره لها، وفعلت وأخذ الزوج ذلك العوض وفارقها خلعًا: فإن ما أخذه حرام ويجب أن يرده إليها، ولا يصح الخلع هنا، أما إن فعل زوجها بها ذلك لعذر شرعي كأن تزني وهي على ذمته، أو لا تستحي من الرجال الأجانب وتجالسهم أو تُكلمهم بالهاتف ونحو ذلك، أو نشزت وعصت زوجها بأي مما سبق ذكره في مسألتي (٥٥ و ٥٦) من باب: "عشرة النساء وأحكام المبيت والجماع وآدابه والقسم، والنشوز"، أو تركت فرضًا أو واجبًا فكرهها لتلك الأسباب، وعضلها، وظلمها وضارها لأجل أن تفتدي نفسها منه، أو يسترجع مهره الذي دفعه لها أو بعضه: وفعلت وأعطته ذلك: فإن ذلك يجوز، ويصح الخلع؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ حيث حرم =

стр. 2477

خالعت الصغيرة، والمجنونة، والسفيهة) ولو بإذن ولي (أو) خالعت (الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع)؛ لخلوّه عن بذل عوض ممّن يصح تبرّعه (ووقع الطلاق رجعيًا إن) لم يكن تمَّ عدده و (كان) الخلع المذكور (بلفظ الطلاق، أو نيّته)؛ لأنه لم يستحق به عوضًا؛ فإن تجرَّد عن لفظ الطلاق ونيته: فلغو (٨) ويقبض عوض الخلع زوج رشيد، على الزوج عضل ومنع الزوجة ظلمًا - أي بدون عذر شرعي - لأجل أن يأخذ الزوج عوضًا وثمنًا عن خلعها وفراقها؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد فيحرم ما أخذه، ولا يصح الخلع، وأثبت جواز عضل الزوج لزوجته والإضرار بها إذا فعلت فاحشة ومنكرًا كأن تزني، أو تعصي زوجها، أو تترك فرضًا أو واجبًا من الأمور الشرعية، وأنها إذا دفعت له ما يطلبه، وفارقها: فإن ذلك جائز، ويصح الخلع - لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الزوجة ومنع الزوج من ظلمها، وحماية لحق الزوج ومنع الزوجة من ظلمه، وجاز في الحالة الثانية؛ لكونه قد انتصر لنفسه بحق. (٨) مسألة: لا تصح مخالعة الزوجة الصغيرة، ولا المجنونة، ولا السفيهة: سواء أذن وليها أو لم يأذن، ولا تصح مخالعة الأمة إلا إذا أذن وليها، فإن طلبت تلك النسوة الخلع، وفعل الزوج وفارقهن: فإنه يقع طلاقًا رجعيًا إن لم يتم عدد الطلاق ثلاثًا بشرط: أن يكون الخلع بلفظ الطلاق، أو بلفظ الكناية ونواه، أما إن تجرَّد عن لفظ الطلاق، وكنايته ونيته: فإنه يكون لغوًا، وتستمر الزوجية على ما هي عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من التصرُّف في المال ممن ليس بأهل للتصرف، والتبرّع: أن لا يصح الخلع لعدم وجود العوض، ويلزم من عدم صلاحيته لأن يكون خلعًا: أن يكون طلاقًا إن تلفظ به، أو نواه، ويلزم من عدم تلفظه بالطلاق، أو نيته: أن يكون لغوًا؛ لخلوّه عن العوض.

стр. 2478

ولو - مكاتبًا، أو محجورًا عليه؛ لفلس، وولي الصغير ونحوه (٩)، ويصح الخلع ممن يصح طلاقه (١٠). (فصل): (والخلع بلفظ صريح الطلاق، أو كنايته) أي: كناية الطلاق (وقصده) به الطلاق (طلاق بائن)؛ لأنها بذلت العوض؛ لتملك نفسها، وأجابها لسؤالها (١١) (وإن وقع) الخلع (بلفظ الخلع، أو الفسخ، أو الفداء): بأن قال: "خلعتُ" أو "فسختُ" أو "فاديتُ" (ولم ينوه طلاقًا: كان فسخًا، لا يُنقص عدد الطلاق) روي عن ابن عباس، واحتج بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا (٩) مسألة: يصح أن يقبض عوض الخلع من الزوجة، أو الأجنبي: زوج رشيد: سواء كان مكاتبًا، أو لا، وسواء كان محجورًا عليه لفلس أو لا، وكذا: يقبض عن زوج صغير، وسفيه، وعبد، ومحجور عليه لغير فلس: للتلازم؛ حيث يلزم من عدم أهليتهم لقبض المال: أن يقبض مالهم أولياؤهم؛ لمصلحة حفظها لهم، وهو المقصد منه. (١٠) مسألة: يصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه: سواء كان مسلمًا أو ذميًا؛ للقياس الأولى؛ حيث إنه إذا كان يملك الطلاق، وهو مجرَّد إسقاط من غير تحصيل شيء فلأن يملكه وهو محصل للعوض أولى. (١١) مسألة: إذا طلبت الزوجة فراق زوجها عن طريق الخلع، ثم فارقها بلفظ صريح الطلاق بأن قال: "طلقتك" أو بلفظ كنايته مع نيته وقصده به الطلاق كأن يقول: "الباب يسع جملًا" أو "الحقي بأهلك" ونواه الطلاق: فإن هذا يكون طلاقًا بائنًا ينقص من عدد الطلاق، لا يملك رجعتها، لكن له أن يعقد عليها بعقد جديد، ولو لم تنكح زوجًا غيره ما لم يوقع عليها ثلاث تطليقات، وله أن يتزوجها وهي في العدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بذلها العوض، وإجابتها لسؤالها: أن تملك نفسها، وأن تخرج من عصمته وقبضته، فلو لم تكن بائنًا لملك الرجعة.

стр. 2479

فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فذكر تطليقتين والخلع، وتطليقة بعدهما، فلو كان الخلع طلاقًا: لكان رابعًا، وكنايات الخلع: "باريتك" و"أبرأتك" و"أبنتك" لا يقع بها إلا بنية، أو قرينة كسؤال، وبذل عوض (١٢)، ويصح بكل لغة من أهلها (١٣)، لا معلقًا (١٤) (ولا يقع بمعتدَّة من (١٢) مسألة: إذا وقع الخلع بألفاظه الصريحة وهي قول الزوج لمن طلبت منه مفارقته بعوض: "خلعتُ النِّكاح الذي بيني وبينك" أو "فسخته" أو "فاديته" ولم ينوه طلاقًا، أو بألفاظه غير الصريحة - وهي كناياته - كقول الزوج لها: "باريتك" أو "أبرأتك" أو "أبنتك" ونوى فيه الخلع، أو وجدت قرينة تدل على إرادته الخلع كسؤالها الفراق وبذل العوض له: فإن هذا كله يُعتبر فسخًا، لا طلاقًا، لا ينقص به عدد الطلاق؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث إن الله ذكر تطليقتين بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم ذكر الخلع والفداء بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم ذكر تطليقه بعد ذلك فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فيلزم من ذلك: أن الطلاق المذكور ثلاث، فلو كان الخلع والفداء طلاقًا: لكان رابعًا، ويلزم من دلالة الحال من دفع عوض وطلبها: الاغتناء عن النية حيث ثبت ذلك عن ابن عباس وهو المبين لما سبق، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن للطلاق لفظ صريح، ولفظ كناية لا يتم إلا بنية فكذلك للخلع لفظ صريح، ولفظ كناية لا يتم إلا بنية، أو دلالة الحال، والجامع: أن كلًّا منهما فرقة. (١٣) مسألة: يصح الخلع بكل لغة فهم أهلها أنها سألت فراق زوجها بعوض، أو أنها تبرأه على أن يطلقها، ولا يُقيَّد ذلك بلغة معيّنة؛ للتلازم؛ حيث لم يقيد الشارع ذلك بلغة معينة فيلزم إجزاء أيِّ لغة يُفهم منها المقصود. (١٤) مسألة: لا يصح الخلع المعلَّق على شرط كأن تسأل الزوجة فراق زوجها على عوض فيقول: "إن بذلت لي كذا: فقد خالعتك" أو يقول: "إن جاء فلان من =

стр. 2480

خلع طلاق، ولو واجهها) الزوج (به) روي عن ابن عباس، وابن الزبير، ولأنه لا يملك بضعها، فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية (١٥) (ولا يصح شرط الرجعة فيه) أي: في الخلع، ولا شرط خيار، ويصح الخلع فيهما (١٦) (وإن خالعها بغير عوض): لم يصح؛ لأنه لا يملك فسخ النكاح لغير مقتضٍ يبيحه (١٧)، (أو) خالعها (بمحرم) السفر فقد خالعتك" بل إنها إذا بذلت له العوض: يتم الخلع مباشرة بألفاظه السابقة الذكر؛ للتلازم؛ حيث إن الزوج إذا قبل منها العوض: فهو مقر بالخلع، فيلزم أن يخلعها مباشرة؛ لوجود موجبه، وهو قبول وقبض العوض. (١٥) مسألة: إذا تم الخلع والفراق بين الزوج وزوجته: فلا يلحق المعتدة بسبب الخلع - وهي المختلعة تلك - طلاق بأي حال: سواء كان قد واجهها به بأن قال "أنت طالق" أو لا بأن قال: "فلانة طالق"؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المطلقة المنقضية عدتها لا يلحقها طلاقه، فكذلك المختلعة مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما لا تحل له إلا بنكاح جديد، ثانيهما: كما أن الأجنبية لا يلحقها طلاقه، فكذلك المختلعة مثلها والجامع: في كل منهما لا يملك بضعها، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير. (١٦) مسألة: إذا قبل الزوج الخلع، ولكن شرط الرجعة فيه، أو شرط الخيار فيه: فلا يصح ذلك الشرط، أي: يبطل الشرط، ويصح الخلع؛ للقياس؛ بيانه: كما لو طلق امرأته ثلاثًا وشرط الرجعة أو الخيار، فيتم الطلاق ولا يصح الشرط، فكذلك لو خالعها وشرط الرجعة أو الخيار، فإن الرجعة تتم، ولا يصح الشرط، والجامع: أن كلًّا من الطلاق بالثلاث والخلع لفظان يقتضيان: البينونة، فلا يجتمع ذلك مع شرط الرجعة والخيار. (١٧) مسألة: لا يصح الخلع بغير عوض؛ للتلازم؛ حيث إن الخلع فسخ لا يُحسب من عدد الطلاق بشرط: طلبها فراقه، وبذل العوض لأجل ذلك، ولا يملك الزوج فسخ النكاح بهذه الصفة من غير حاجة تبيح ذلك فيلزم: عدم صحة الخلع بغير طلبها ذلك =

стр. 2481

يعلمانه كخمر، وخنزير، ومغصوب: (لم يصح) الخلع، ويكون لغوًا؛ لخلوه عن العوض (١٨) (ويقع الطلاق) المسؤول على ذلك (رجعيًا إن كان بلفظ الطلاق، أو العوض الذي يُعتبر من علامات كون الفراق بين الزوجين وقع خُلْعًا، فإن قلتَ: يصح الخلع بغير عوض بأن تطلب المرأة فراق زوجها، فيجيبها من غير أن يسأل عن العوض وهي رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح قطع النكاح بالطلاق من غير عوض، فكذلك يصح قطعه بالخلع من غير عوض والجامع: عدم العوض في كل. قلتُ: هذا يكون طلاقًا، ولا يكون خُلْعًا؛ لأن بذلها للعوض دليل على رغبتها الشديدة في فراقه مع تمسكه بها، فهذا هو الخلع المقصود شرعًا، أما مجرد طلبها للافتراق عنه فقط، ثم يجيبها: فليس فيه علامة الخلع وميزته فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الخلع هل يكفي طلب المرأة للافتراق عن زوجها فقط أم يضاف إليه بذل العوض فيه؟ " فعندنا: لا بد من اجتماع الأمرين: "طلبها" و"بذل العوض" وعندهم: يكفي طلبها فقط. (١٨) مسألة: إذا خالعها على أن تدفع له شيئًا محرَّمًا كعوض عن الخلع كخمر، أو خنزير، أو مغصوب، أو مسروق: فلا يصح الخلع، ويكون لغوًا، أي: لا يُعتبر؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو خالعها بدون عوض لا يصح، فكذلك إذا خالعها على شيء لا يصح أن يكون عوضًا كالمحرمات والجامع: عدم وجود العوض الشرعي؛ لكون وجود العوض المحرم كعدمه، فإن قلتَ: يصح الخلع، وله عليها عوض المثل وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أمهرها محرمًا فإن لها مهر المثل فكذلك لو خالعها على محرم: فإن له عليها عوض المثل، والجامع: أن كلًّا منهما معاوضة عن البضع قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن دخول البضع في ملك الزوج متقوم بمثله، بخلاف مخالعتها فغير متقوم؛ لأن كل زوج يخالف الآخر في قدر العوض الذي يأخذه من زوجته لأجل مخالعتها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".

стр. 2482

نيته)؛ لخلوه عن العوض (١٩)، وإن خالعها على عبد فبان حرًا، أو مستَحقًا: صحَّ الخلع، وله قيمته (٢٠)، ويصح على رضاع ولده، ولو أطلقا، وينصرف إلى حولين، أو تتمتهما، فإن مات: رجع ببقية المدَّة: يومًا فيومًا (٢١) (وما صحَّ مهرًا) من عين مالية، (١٩) مسألة: إذا خالعها زوجها بلا عوض، أو دفعت له عوضًا محرمًا: فإنه يقع طلاقًا يحسب من عدد الطلقات، وله الرجعة فيه إذا وقع الخلع بلفظ "الطلاق" أو كنايته مع نية الطلاق، أما إن لم يكن بلفظ الطلاق، ولا كنايته فليس بشيء، أي: تستمر الزوجية على ما هي عليه بدون تغيير؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود عوض شرعي - وهو شرط من شروط الخلع -: عدم تحقق الخلع، ويلزم من وجود لفظ "الطلاق" أو كنايته مع نيته: تحقق الطلاق وأحكامه، ويلزم من عدم وجود العوض، وعدم لفظ الطلاق وكنايته مع النية: عدم وجود خلع، ولا طلاق، واستمرار الزوجية على ما هي عليه. (٢٠) مسألة: إذا خالعها زوجها على أن تعطيه عبدًا فبان حرًا، أو بان أنه ليس ملكًا لها أو مغصوبًا أو مسروقًا: فإن الخلع يصح ويستحق الزوج قيمته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أعطاها عبدًا كمهر لها فبان أن العبد المسمَّى حرًا، أو ليس ملكًا له: فإنه يصح المهر والنكاح، فكذلك الحال هنا مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما معاوضة بالبضع فلا يفسد بفساد العوض فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي حماية حق المخالع وهو الزوج. (٢١) مسألة: يصح الخلع على رضاع ولده: سواء كان منها، أو من غيرها مدَّة معلومة، وإن اشترط الزوج ذلك الرضاع لمخالعته لها وأطلق: فإنها ترضعه حولين كاملين إن وقع الخلع بعد الوضع، أو قبله وإن وقع في أثناء الحولين: فإنها تتمهما، وإن مات الولد قبل تمام الحولين: فإن الزوج يأخذ قيمة الرضاع المشروط كل يوم يأخذ قيمة رضاعه حتى ينتهي الحولان؛ للتلازم؛ حيث إن الرضاع يصح أن يكون عوضًا فيلزم أن يصح الخلع عليه، ويلزم من كون =

стр. 2483

ومنفعة مباحة: (صح الخلع به)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢٢) (ويكره) خلعها (بأكثر مما أعطاها)؛ لقوله ﷺ وفي حديث جميلة: "ولا يزداد" ويصح الخلع إذًا: لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢٣) (وإن خالعت الرضاع لا يزيد عن حولين: أن يُحمل عليهما إذا أطلق الزوج والزوجة ذلك الشرط، ويلزم من كون الرضاع يتم يومًا فيومًا: أن يأخذ الزوج قيمة كل يوم بحسبه حتى تنتهي السنتان من حين موت الولد؛ لكونه ثبت منجمًا ومقسمًا على أيام، فلا يستحقه كله معجَّلًا. (٢٢) مسألة: كل شيء قد صح دفعه مهرًا وصداقًا للمرأة من عين مال كدراهم، وذهب، وفضة، ودار، وعبد وفرش، أو منفعة مباحة كتعليم قرآن، أو فقه، أو أصول فقه، أو أي علم شرعي، أو صناعة مباحة: فإنه يصح أن تدفعه المرأة عوضًا لمخالعتها من زوجها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ حيث إن "ما" موصولة، وهي من صيغ العموم، فيشمل كل مال، أو منفعة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المرأة في خلع نفسها بأي شيء حتى تتخلص من ذلك الزوج. (٢٣) مسألة: يجوز أن تخلع نفسها بعوض أكثر مما دفعه لها وأعطاها إياه كمهر بدون كراهة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ حيث إن "ما" موصولة، وهي من صيغ العموم، فدل على أن كل ما تدفعه المرأة له يصلح أن يكون عوضًا: سواء كان أكثر من صداقها ومهرها أو أقل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المرأة، فإن قلتَ: يكره أن تدفع المرأة أكثر مما أعطاها كمهر لها لأجل الخلع وإن وقع فيصح الخلع، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لمن خالع زوجته بعد طلبها": "ولا تزداد" أي: خذ عوضًا منها، لكن لا تزد عن صداقك الذي دفعته لها وحملوا النهي هنا على الكراهة. قلتُ: إن هذا الحديث معارض لعموم الكتاب، =

стр. 2484

حامل بنفقة عدَّتها: صح) ولو قلنا: النفقة للحمل؛ لأنها في التحقيق في حكم المالكة لها مدَّة الحمل (٢٤) (ويصح) الخلع (بالمجهول) كالوصية، ولأنه إسقاط لحقه من البضع، وليس بتمليك شيء، ولإسقاط يدخله المسامحة (٢٥) (فإن خالعته على حمل شجرتها، أو) حمل (أمتها، أو ما في يدها، أو بيتها من دراهم أو متاع، أو على عبد) مطلق، ونحوه: (صح) الخلع وله ما يحصِّل، وما في بيتها أو يدها (وله مع عدم الحمل) فيما إذا خالعها على نحو حمل شجرتها (و) مع عدم (المتاع) فيما إذا خالعها على ما في بيتها من المتاع (و) مع عدم (العبد) لو خالعها على ما في بيتها من عبد (أقل مسماه) أي: أقل ما يطلق عليه الاسم من هذه الأشياء لصدق الاسم به، وكذا: لو خالعها على عبد مبهم أو نحوه، له أقل ما يتناوله الاسم (و) له (مع عدم الدراهم) فيما إذا خالعها على ما بيدها من الدراهم (ثلاثة) دراهم، لأنها أقل الجمع (٢٦). وإذا حصل ذلك: فإنه يقدم الكتاب على السنة هنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة". تنبيه: إن أخذ أكثر من صداقها: فإن هذا ليس من مكارم الأخلاق قاله مالك. (٢٤) مسألة: إذا خالعت زوجة حامل زوجها، واشترطت: أن يكون العوض: هو نفقة عدّتها: فإن ذلك يصح؛ للتلازم؛ حيث إن النفقة تصلح أن تكون عوضًا: فيلزم أن يصح الخلع بها، والنفقة هي ملك للحامل مدَّة حملها. (٢٥) مسألة: يصح أن تخالعه بعوض مجهول أو بمعدوم ينتظر وجوده كعبد من عبيدها، أو دار من دورها، أو ما تحمل به هذه الناقة: فإن ذلك يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوصية تصح بالمجهول وبالمعدوم الذي ينتظر وجوده فكذلك العوض في الخلع يصح أن يكون مجهولًا والجامع: أن كلًّا منهما إسقاط لحق؛ رجاء دفع مفسدة أو جلب مصلحة، وهذا يدخله المسامحة بين الناس عادة فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على النساء. (٢٦) مسألة: إذا خالعته بعوض مجهول المقدار كأن تقول: "سأدفع لك ما تحمله نخلتي =

стр. 2485

(فصل): (وإذا قال) الزوج لزوجته أو غيرها (متى) أعطيتني ألفًا (أو إذا) أعطيتني ألفًا (أو إن أعطيتني ألفًا: فأنتِ طالق: طلقت) بائنًا (بعطيته) الألف (وإن تراخى) الإعطاء؛ لوجود المعلَّق عليه، ويملك الألف بالإعطاء (٢٧)، وإن قال: "إن هذه من تمر" أو "ما تحمل به أمتي من ولد" أو "ما تحمله هذه البقرة" أو "ما في داري من دراهم" أو ما في داري من متاع وأثاث" أو "سأدفع لك عبدًا" وأطلقت: فإن الخلع يصح، ويستحق ما قالته من تلك الصور ويأخذه ويكون عوضًا له عن فراقها، فإن لم تحمل النخلة، أو الأمة، أو البقرة، أو لم يكن في بيتها متاع، أو لم يكن عندها عبد، أو كان العبد مطلقًا مبهمًا: فإنه يستحق أقل ما يطلق عليه اسم التمر، وأقل ما يطلق عليه اسم الحمل من أمة أو بقرة، وله أقل ما يطلق عليه اسم المتاع، وأقل ما يطلق عليه اسم العبد، وإن لم يكن عندها دراهم: فإنه يأخذ ثلاثة دراهم؛ للتلازم؛ حيث إن أقل ما يطلق عليه الاسم هو المستحق عادة؛ لتناول الاسم له ولصدق الاسم عليه، فيلزم ذلك، ويلزم من كون أقل الجمع ثلاثة: أن يأخذ ثلاثة دراهم، كما لو أوصت له بمتاع، أو حمل، أو دراهم: فإنه يأخذ أقل ما يطلق عليه اسم المتاع والحمل، والدراهم كما فصَّلته في كتابي: "أقل الجمع عند الأصوليين". (٢٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني ألفًا أو: إذا أعطيتيني ألفًا، أو: متى أعطيتيني ألفًا: فأنتِ طالق" أو قال الزوج لزيد: "إذا أعطتني زوجتي ألفًا فهي طالق": فإنها إذا أعطته ألفًا: فإنها تطلق طلاقًا بائنًا: سواء كان ذلك الإعطاء منها ناجزًا، أو متراخيًا أو متأخرًا عن قوله بمدة، وإذا أعطته الألف: فإنه يملكه بالقبض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود المعلق عليه وهو الشرط، وهو: إعطاؤها إياه ألفًا: وجود المعلَّق، وهو المشروط، وهو الطلاق، ويلزم من إعطائها إياه الألف وقبضه له: ملكه إياه -.

стр. 2486

أعطيتني هذا العبد: فأنتِ طالق" فأعطته إياه: طلقت، ولا شيء له إن خرج معيبًا (٢٨)، وإن بان مستحق الدم فقبل: فأرش عيبه (٢٩) ومغصوبًا، أو حرًا هو أو بعضه: لم تطلق؛ لعدم صحة الإعطاء (٣٠)، وإن قال: "أنتِ طالق، وعليك ألف، أو بألف" ونحوه: فقبلت بالمجلس: بانت، واستحقه، وإلا: وقع رجعيًا، ولا ينقلب (٢٨) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني هذا العبد: فأنت طالق" فأعطته إياه: فإنها تطلق فور تسلُّمه إياه: سواء كان ذلك العبد سليمًا أو معيبًا ظاهرًا كأعمى، أو أعرج أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين الزوج للعبد بالإشارة، وإعطاء الزوجة للزوج إياه: أن تطلق إذا استلمه الزوج، وتبرأ ذمة الزوجة وإن كان العبد الذي أعطته إياه معيبًا؛ لكونه قد عيّنه بالإشارة. (٢٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني هذا العبد: فأنتِ طالق" فأعطته إياه، فبان أن العبد قد جنى على غيره: فقبله الزوج على ما هو عليه فطلقها، فإنها تطلق، ويجب عليه أن تدفع لزوجها أرش ذلك العيب: فإن كانت قيمته وهو مستحق الدم ألف درهم، وقيمته وهو غير مستحق الدم ألفًا ومائتين: فإن الزوجة تدفع للزوج العبد هذا، ومائتي درهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خفاء كونه مستحقًا لدم: أن تُلزم الزوجة بوضع أرش ذلك العيب؛ لأن الشرط أن يكون عبدًا سليمًا فبان غير ذلك، فلا يتم وفاؤها بالشرط إلا بدفع ذلك الأرش، فلزم من باب: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". (٣٠) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني هذا العبد فأنتِ طالق" فأعطته إياه، فبان أن العبد مغصوب، أو أنه حر وليس بعبد، أو مبعَّض - أي: بعضه حر، وبعضه عبد -: فإن الزوجة لا تطلق، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة الإعطاء منها -؛ حيث أعطته مغصوبًا، أو حرًا أو مبعَّضًا -: عدم الشرط - وهو عدم صحة الإعطاء حيث إن الذي أعطته لا تملكه -: عدم المشروط، وهو وقوع الطلاق، فلا يقع لذلك.

стр. 2487

بائنًا لو بذلته بعدُ (٣١) (وإن قالت: اخلعني على ألف أو) اخلعني (بألف، أو) اخلعني (ولك ألف: ففعل) أي: خلعها، ولو لم يذكر الألف: (بانت، واستحقها) من غالب نقد البلد، إن أجابها على الفور؛ لأن الجواب كالمعاد في الجواب (٣٢) (و) إن قالت (٣١) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق وعليك ألف" أو قال: "أنتِ طالق بألف" أو قال: "أنتِ طالق على ألف" فقالت وهي في المجلس: "قبلت": فإنه يكون طلاق بائن لا يملك رجعتها ويستحق الزوج الألف، أما إن لم تقبل في المجلس: فإن الطلاق يقع عليها رجعيًا، يحسب من عدد الطلاق، وله الرجوع قبل قبولها ولا يستحق الألف، ولو أعطته الألف بعد ذلك المجلس لا ينقلب خلعًا فلا تكون بائنًا، للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أنها لو سألت طلاقها بعوض: ثم أجابها: فإنه يكون بائنًا، ويستحق الزوج الألف، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما طلاق وقع على عوض، ثانيهما: كما أنها لو أعطته الألف بعد المجلس: فإنه يقع طلاقًا رجعيًا، فكذلك الحال فيما لو لم تقبله في المجلس، ولا يستحق الألف عليه والجامع: وقوع القبول منها في غير المجلس الذي طلبته منه. (٣٢) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "اخلعني على ألف" أو قالت له: "اخلعني بألف" أو قالت: "اخلعني ولك ألف" فأجابها الزوج وخلعها قائلًا: "خلعتكِ" على الفور ومباشرة: فإنها تكون مختلعة، وتكون بائنًا، ويستحق الزوج الألف من غالب ما يتعامل به بلدهما من نقود، ولو لم يذكر الزوج الألف للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال المشتري: "بعني عبدك بألف" فقال البائع: "بعتك إياه": فإن البائع يستحق الألف ولو لم يذكرها، ويكون من نقد البلد الغالب فكذلك الحال هنا: فإن الزوج يستحق الألف، وتحصل الفرقة لزوجته، وهذا كله من فروع قاعدة: "السؤال كالمعاد في الجواب" فالزوج إذا قال: "خلعتك" فكأنه قال: "خلعتكِ بألف".

стр. 2488

(طلقني واحدة بألف، فطلَّقها ثلاثًا: استحقها)؛ لأنه أوقع ما استدعته وزيادة (٣٣) (وعكسه بعكسه) فلو قالت: "طلقني ثلاثًا بألف" فطلَّق أقلَّ منها: لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يجبها لما بذلت العوض في مقابلته (٣٤) (إلا في واحدة بقيت) من الثلاث، فيستحق الألف، ولو لم تعلم ذلك؛ لأنها كملت، وحصَّلت ما يحصل بالثلاث: من (٣٣) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "طلقني طلقة واحدة بألف" فطلَّقها ثلاث طلقات: فإنها تطلق، ويستحق الألف ويكون طلاقًا بائنًا لا يملك رجعتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تطليقه إياها بالثلاث: طلاقها، واستحقاقه الألف؛ لكونه قد أوقع لها ما طلبته وزيادة؛ لأن الثلاث واحدة واثنتان. (٣٤) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "طلقني ثلاثًا بألف" فطلَّق أقلَّ منها: واحدة، أو اثنتان: فإن الزوج لا يستحق شيئًا، ووقع الطلاق رجعيًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال في مسابقة الرمي مثلًا: من أصاب الهدف خمس مرات فله ألف، فأصاب زيد أقل من الخمس: فإنه لا يستحق الألف، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد بُذل عوض في مقابلة شيء لم يحصل، فلا يحصل العوض، فإن قلتَ: إن طلبت بالألف أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة: فإن الزوج يأخذ ثلث الألف، وإن طلقها اثنتين: فإنه يستحق أخذ ثلثي الألف، وهذا قول الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السيد لو قال: من وجد عبيدي فله ألف، فوجد زيد ثلثهم: فإنه يستحق ثلث الألف، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد استدعي منه فعلًا بعوض، فإذا فعل بعضه استحق بقسطه قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأنه قد يكون مقصد الزوجة في طلبها لطلاقها ثلاثًا: أن تكون بائنًا، وتحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره فإذا أخذ الزوج بعض الألف: أخذه بدون مقابل الشيء الذي قصدته الزوجة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".

стр. 2489

البينونة، والتحريم حتى تنكح زوجًا غيره (٣٥) (وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير) والمجنون (ولا طلاقها)؛ لحديث: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" رواه ابن ماجه، والدارقطني (٣٦) (ولا) للأب (خلع ابنته بشيء من مالها)؛ لأنه لا حظَّ لها في ذلك، وهو: بذل للمال في غير مقابلة عوض مالي، فهو كالتبرُّع، وإن بذل العوض من ماله: صح كالأجنبي (٣٧)، ............................... (٣٥) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "طلقني ثلاثًا بألف" ولم يكن قد بقي من طلاقها إلا واحدة، فطلَّقها تلك الطلقة الواحدة الباقية: فإنه يتم طلاقها ثلاثًا، ويستحق الألف: سواء كانت عالمة أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو طلَّقها ثلاثًا على طلبها: فإنه يستحق الألف فكذلك لو لم يبق لها إلا طلقة واحدة - عالمة أو لا - فطلقها واحدة وهي الباقية: فإنه يستحق الألف، والجامع: أن مقصدها من طلبها أن يطلقها ثلاثًا قد تحقق في كل؛ حيث كملت الثلاث، وبانت، ولا يصح أن ينكحها إلّا بعد زوج غيره. (٣٦) مسألة: لا يصح ان يخلع الأب زوجة ابنه الصغير والمجنون، والسفيه، ولا أن يطلقها منه، والسيد لا يطلق ولا يخلع زوجة عبده الصغير؛ للسنة القولية: حيث قال تعالى: "الطلاق لمن أخذ بالساق"، فجعل الطلاق للزوج فقط، والخلع كالطلاق؛ لعدم الفارق، من باب: "مفهوم الموافقة"، وهذا يدل بمفهوم الصفة على أن غير الزوج - من أب، أو وصيه، أو ولي أو سيد عبد - لا يملكون الطلاق والخلع. (٣٧) مسألة: لا يصح أن يخلع الأب ابنته بشيء من مالها الخاص بها بدون إذنها، ولا يصح أيضًا طلاقها بشيء من مالها أما إذا بذل العوض من ماله: فيصح؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لا يصح للأب أن يتبرع من مال ابنته، فكذلك لا يصح أن يخلع ابنته أو يطلقها بشيء من مالها، والجامع: أنه في كل منهما لا نصيب ولا حظ لها، وهو في كل منهما بذل للمال في غير مقابلة =

стр. 2490

ويحرم خلع الحيلة ولا يصح (٣٨) (ولا يُسقط الخلع غيره من الحقوق) فلو خالعته على شيء: لم يسقط مالها من حقوق زوجية وغيرها بسكوت عنها وكذا: لو خالعته ببعض ما عليه: لم يسقط الباقي كسائر الحقوق (٣٩) (وإن علَّق طلاقها بصفة) كدخول الدار عوض مالي منها، ثانيهما: كما يصح الخلع إذا طلب رجل أجنبي من رجل آخر أن يخلع زوجته بعوض بذله له، فكذلك يصح للأب أن يخلع ابنته بعوض يدفعه الأب للزوج من ماله، والجامع: عدم التعدّي على حقوق الآخرين في كل. (٣٨) مسألة: يحرم خلع الحيلة ولا يصح، وصورته: أن يقول الزوج في رجب مثلًا: "أنتِ طالق ثلاثًا عند دخول رمضان مثلًا" ثم يخلعها قبل دخول رمضان على عوض؛ حذرًا من وقوع الطلاق، فإذا خرج رمضان: عقد عليها؛ فهذا كله لا يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح نكاح المحلل - وهو أن يطلق زوج زوجته ثلاثًا، ثم يندمان، فيؤتى بشخص يتفق معه على أن يتزوجها ثم يطلقها فورًا، لتحل للزوج الأول وقد سبق بيانه - ولا تحل للزوج الأول بعد ذلك المحلل فكذلك لا يصح خلع الحيلة والجامع: أن كلًّا منهما لم يُقصد منه حكمه حقيقة، وإنما قصد به بقاء المرأة مع زوجها مع أخذه للعوض، كما قصد بنكاح المحلل أن يطلقها؛ لتعود إلى الأول؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي قطع التحايل لظلم بعض الناس لبعض. (٣٩) مسألة: إذا وقع الخلع بين الزوجين بشروطه السابقة: فإنه لا يسقط الحقوق التي تكون عادة بين الزوجين كمهر، ونفقة، وقرض، ولو خالعته ببعض ما عليه لها فإنه يبقى الباقي في ذمته لها: سواء، سكتا عن بيان ذلك أو بيّناه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الحقوق بينهما لا تسقط بفرقة الطلاق، فكذلك لا تسقط بفرقة الخلع والفسخ، والجامع: أن تلك الحقوق ثابتة في الذمة قبل الطلاق والخلع.
следующие страницы →