Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
أعطيتني هذا العبد: فأنتِ طالق" فأعطته إياه: طلقت، ولا شيء له إن خرج معيبًا (٢٨)، وإن بان مستحق الدم فقبل: فأرش عيبه (٢٩) ومغصوبًا، أو حرًا هو أو بعضه: لم تطلق؛ لعدم صحة الإعطاء (٣٠)، وإن قال: "أنتِ طالق، وعليك ألف، أو بألف" ونحوه: فقبلت بالمجلس: بانت، واستحقه، وإلا: وقع رجعيًا، ولا ينقلب
(٢٨) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني هذا العبد: فأنت طالق" فأعطته إياه: فإنها تطلق فور تسلُّمه إياه: سواء كان ذلك العبد سليمًا أو معيبًا ظاهرًا كأعمى، أو أعرج أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين الزوج للعبد بالإشارة، وإعطاء الزوجة للزوج إياه: أن تطلق إذا استلمه الزوج، وتبرأ ذمة الزوجة وإن كان العبد الذي أعطته إياه معيبًا؛ لكونه قد عيّنه بالإشارة.
(٢٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني هذا العبد: فأنتِ طالق" فأعطته إياه، فبان أن العبد قد جنى على غيره: فقبله الزوج على ما هو عليه فطلقها، فإنها تطلق، ويجب عليه أن تدفع لزوجها أرش ذلك العيب: فإن كانت قيمته وهو مستحق الدم ألف درهم، وقيمته وهو غير مستحق الدم ألفًا ومائتين: فإن الزوجة تدفع للزوج العبد هذا، ومائتي درهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خفاء كونه مستحقًا لدم: أن تُلزم الزوجة بوضع أرش ذلك العيب؛ لأن الشرط أن يكون عبدًا سليمًا فبان غير ذلك، فلا يتم وفاؤها بالشرط إلا بدفع ذلك الأرش، فلزم من باب: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
(٣٠) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "إن أعطيتيني هذا العبد فأنتِ طالق" فأعطته إياه، فبان أن العبد مغصوب، أو أنه حر وليس بعبد، أو مبعَّض - أي: بعضه حر، وبعضه عبد -: فإن الزوجة لا تطلق، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة الإعطاء منها -؛ حيث أعطته مغصوبًا، أو حرًا أو مبعَّضًا -: عدم الشرط - وهو عدم صحة الإعطاء حيث إن الذي أعطته لا تملكه -: عدم المشروط، وهو وقوع الطلاق، فلا يقع لذلك.
стр. 2487
بائنًا لو بذلته بعدُ (٣١) (وإن قالت: اخلعني على ألف أو) اخلعني (بألف، أو) اخلعني (ولك ألف: ففعل) أي: خلعها، ولو لم يذكر الألف: (بانت، واستحقها) من غالب نقد البلد، إن أجابها على الفور؛ لأن الجواب كالمعاد في الجواب (٣٢) (و) إن قالت
(٣١) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق وعليك ألف" أو قال: "أنتِ طالق بألف" أو قال: "أنتِ طالق على ألف" فقالت وهي في المجلس: "قبلت": فإنه يكون طلاق بائن لا يملك رجعتها ويستحق الزوج الألف، أما إن لم تقبل في المجلس: فإن الطلاق يقع عليها رجعيًا، يحسب من عدد الطلاق، وله الرجوع قبل قبولها ولا يستحق الألف، ولو أعطته الألف بعد ذلك المجلس لا ينقلب خلعًا فلا تكون بائنًا، للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أنها لو سألت طلاقها بعوض: ثم أجابها: فإنه يكون بائنًا، ويستحق الزوج الألف، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما طلاق وقع على عوض، ثانيهما: كما أنها لو أعطته الألف بعد المجلس: فإنه يقع طلاقًا رجعيًا، فكذلك الحال فيما لو لم تقبله في المجلس، ولا يستحق الألف عليه والجامع: وقوع القبول منها في غير المجلس الذي طلبته منه.
(٣٢) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "اخلعني على ألف" أو قالت له: "اخلعني بألف" أو قالت: "اخلعني ولك ألف" فأجابها الزوج وخلعها قائلًا: "خلعتكِ" على الفور ومباشرة: فإنها تكون مختلعة، وتكون بائنًا، ويستحق الزوج الألف من غالب ما يتعامل به بلدهما من نقود، ولو لم يذكر الزوج الألف للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال المشتري: "بعني عبدك بألف" فقال البائع: "بعتك إياه": فإن البائع يستحق الألف ولو لم يذكرها، ويكون من نقد البلد الغالب فكذلك الحال هنا: فإن الزوج يستحق الألف، وتحصل الفرقة لزوجته، وهذا كله من فروع قاعدة: "السؤال كالمعاد في الجواب" فالزوج إذا قال: "خلعتك" فكأنه قال: "خلعتكِ بألف".
стр. 2488
(طلقني واحدة بألف، فطلَّقها ثلاثًا: استحقها)؛ لأنه أوقع ما استدعته وزيادة (٣٣) (وعكسه بعكسه) فلو قالت: "طلقني ثلاثًا بألف" فطلَّق أقلَّ منها: لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يجبها لما بذلت العوض في مقابلته (٣٤) (إلا في واحدة بقيت) من الثلاث، فيستحق الألف، ولو لم تعلم ذلك؛ لأنها كملت، وحصَّلت ما يحصل بالثلاث: من
(٣٣) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "طلقني طلقة واحدة بألف" فطلَّقها ثلاث طلقات: فإنها تطلق، ويستحق الألف ويكون طلاقًا بائنًا لا يملك رجعتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تطليقه إياها بالثلاث: طلاقها، واستحقاقه الألف؛ لكونه قد أوقع لها ما طلبته وزيادة؛ لأن الثلاث واحدة واثنتان.
(٣٤) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "طلقني ثلاثًا بألف" فطلَّق أقلَّ منها: واحدة، أو اثنتان: فإن الزوج لا يستحق شيئًا، ووقع الطلاق رجعيًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال في مسابقة الرمي مثلًا: من أصاب الهدف خمس مرات فله ألف، فأصاب زيد أقل من الخمس: فإنه لا يستحق الألف، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد بُذل عوض في مقابلة شيء لم يحصل، فلا يحصل العوض، فإن قلتَ: إن طلبت بالألف أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة: فإن الزوج يأخذ ثلث الألف، وإن طلقها اثنتين: فإنه يستحق أخذ ثلثي الألف، وهذا قول الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السيد لو قال: من وجد عبيدي فله ألف، فوجد زيد ثلثهم: فإنه يستحق ثلث الألف، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد استدعي منه فعلًا بعوض، فإذا فعل بعضه استحق بقسطه قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأنه قد يكون مقصد الزوجة في طلبها لطلاقها ثلاثًا: أن تكون بائنًا، وتحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره فإذا أخذ الزوج بعض الألف: أخذه بدون مقابل الشيء الذي قصدته الزوجة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
стр. 2489
البينونة، والتحريم حتى تنكح زوجًا غيره (٣٥) (وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير) والمجنون (ولا طلاقها)؛ لحديث: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" رواه ابن ماجه، والدارقطني (٣٦) (ولا) للأب (خلع ابنته بشيء من مالها)؛ لأنه لا حظَّ لها في ذلك، وهو: بذل للمال في غير مقابلة عوض مالي، فهو كالتبرُّع، وإن بذل العوض من ماله: صح كالأجنبي (٣٧)، ...............................
(٣٥) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "طلقني ثلاثًا بألف" ولم يكن قد بقي من طلاقها إلا واحدة، فطلَّقها تلك الطلقة الواحدة الباقية: فإنه يتم طلاقها ثلاثًا، ويستحق الألف: سواء كانت عالمة أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو طلَّقها ثلاثًا على طلبها: فإنه يستحق الألف فكذلك لو لم يبق لها إلا طلقة واحدة - عالمة أو لا - فطلقها واحدة وهي الباقية: فإنه يستحق الألف، والجامع: أن مقصدها من طلبها أن يطلقها ثلاثًا قد تحقق في كل؛ حيث كملت الثلاث، وبانت، ولا يصح أن ينكحها إلّا بعد زوج غيره.
(٣٦) مسألة: لا يصح ان يخلع الأب زوجة ابنه الصغير والمجنون، والسفيه، ولا أن يطلقها منه، والسيد لا يطلق ولا يخلع زوجة عبده الصغير؛ للسنة القولية: حيث قال تعالى: "الطلاق لمن أخذ بالساق"، فجعل الطلاق للزوج فقط، والخلع كالطلاق؛ لعدم الفارق، من باب: "مفهوم الموافقة"، وهذا يدل بمفهوم الصفة على أن غير الزوج - من أب، أو وصيه، أو ولي أو سيد عبد - لا يملكون الطلاق والخلع.
(٣٧) مسألة: لا يصح أن يخلع الأب ابنته بشيء من مالها الخاص بها بدون إذنها، ولا يصح أيضًا طلاقها بشيء من مالها أما إذا بذل العوض من ماله: فيصح؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لا يصح للأب أن يتبرع من مال ابنته، فكذلك لا يصح أن يخلع ابنته أو يطلقها بشيء من مالها، والجامع: أنه في كل منهما لا نصيب ولا حظ لها، وهو في كل منهما بذل للمال في غير مقابلة =
стр. 2490
ويحرم خلع الحيلة ولا يصح (٣٨) (ولا يُسقط الخلع غيره من الحقوق) فلو خالعته على شيء: لم يسقط مالها من حقوق زوجية وغيرها بسكوت عنها وكذا: لو خالعته ببعض ما عليه: لم يسقط الباقي كسائر الحقوق (٣٩) (وإن علَّق طلاقها بصفة) كدخول الدار
عوض مالي منها، ثانيهما: كما يصح الخلع إذا طلب رجل أجنبي من رجل آخر أن يخلع زوجته بعوض بذله له، فكذلك يصح للأب أن يخلع ابنته بعوض يدفعه الأب للزوج من ماله، والجامع: عدم التعدّي على حقوق الآخرين في كل.
(٣٨) مسألة: يحرم خلع الحيلة ولا يصح، وصورته: أن يقول الزوج في رجب مثلًا: "أنتِ طالق ثلاثًا عند دخول رمضان مثلًا" ثم يخلعها قبل دخول رمضان على عوض؛ حذرًا من وقوع الطلاق، فإذا خرج رمضان: عقد عليها؛ فهذا كله لا يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح نكاح المحلل - وهو أن يطلق زوج زوجته ثلاثًا، ثم يندمان، فيؤتى بشخص يتفق معه على أن يتزوجها ثم يطلقها فورًا، لتحل للزوج الأول وقد سبق بيانه - ولا تحل للزوج الأول بعد ذلك المحلل فكذلك لا يصح خلع الحيلة والجامع: أن كلًّا منهما لم يُقصد منه حكمه حقيقة، وإنما قصد به بقاء المرأة مع زوجها مع أخذه للعوض، كما قصد بنكاح المحلل أن يطلقها؛ لتعود إلى الأول؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي قطع التحايل لظلم بعض الناس لبعض.
(٣٩) مسألة: إذا وقع الخلع بين الزوجين بشروطه السابقة: فإنه لا يسقط الحقوق التي تكون عادة بين الزوجين كمهر، ونفقة، وقرض، ولو خالعته ببعض ما عليه لها فإنه يبقى الباقي في ذمته لها: سواء، سكتا عن بيان ذلك أو بيّناه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الحقوق بينهما لا تسقط بفرقة الطلاق، فكذلك لا تسقط بفرقة الخلع والفسخ، والجامع: أن تلك الحقوق ثابتة في الذمة قبل الطلاق والخلع.
стр. 2491
(ثم أبانها، فوجدت) الصفة حال بينونتها (ثم نكحها) أي: عقد عليها بعد وجود الصفة (فوجدت) الصفة (بعده) أي: بعد النكاح: (طلقت)، وكذا: لو حلف بالطلاق، ثم بانت، ثم عادت الزوجية، ووجد المحلوف عليه فتطلق؛ لوجود الصفة، ولا تنحل بفعلها حال البينونة، ولو كانت الأداة لا تقتضي التكرار؛ لأنها لا تنحل إلّا على وجه يحنث به؛ لأن اليمين حل وعقد، والعقد يفتقر إلى الملك، فكذا الحل، والحنث لا يحصل بفعل الصفة حال البينونة، فلا تنحل اليمين به (كعتق): فلو علَّق عتق قنِّه على صفة، ثم باعه، فوجدت، ثم ملكه، ثم وجدت: عتق؛ لما سبق، (وإلا) توجد الصفة بعد النكاح والملك: (فلا) طلاق، ولا عتق بالصفة حال البينونة، وزوال الملك؛ لأنهما إذًا ليسا محلًا للوقوع (٤٠).
(٤٠) مسألة: إذا علَّق الزوج طلاق امرأته بصفة، ثم أبانها بفسخ، فوجدت تلك الصفة حال البينونة، ثم عقد عليها بعد وجود تلك الصفة، أو نكحها، ثم وجدت الصفة: فإنها لا تطلق: فمثلًا: لو قال زوج لزوجته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" ثم أبانها بخلع وفسخ بعد ذلك، ثم دخلت الدار بعد البينونة تلك، وعقد نكاحها: فإنها لا تطلق، أو لما عقد نكاحها دخلت الدار: فإنها لا تطلق، وهذا مذهب الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال لأجنبية: قبل أن يتزوج بها: "أنتِ طالق إن دخلتِ الدار" ثم تزوجها ودخلت الدار: فإنها لا تطلق، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قد وجد الإيقاع قبل النكاح الجديد فلم يقع، فلا تعود الصفة التي أوقعها قبل أن يعقد عليها، ويكون وجودها كعدمها، فإن قلتَ: بل إنها تطلق في تلك الصورة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال لعبد من عبيده: "أنت حر إن دخلت الدار" فباعه بعد ذلك، فوجدت تلك الصفة، وهي: أن العبد دخل الدار، ثم اشتراه سيده السابق، ثم دخل الدار: فإن العبد يكون حرًا، فكذلك الحال هنا، قلتُ: إن الأصل المقاس عليه لا يُسلَّم، حيث إن العبد أيضًا لا يعتق في تلك الصورة؛ =
стр. 2492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد نصّ الإمام أحمد على ذلك، وكل ذلك لأجل أن الصفة لا تعود، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
هذه آخر مسائل باب "الخلع" ويليه كتاب: "الطلاق".
стр. 2493
كتاب الطلاق
وهو في اللغة: التخلية، يقال: طلقت الناقة: إذا سرحت حيث شاءت، والإطلاق: الإرسال، وشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه (١) (يباح) الطلاق؛ (للحاجة) كسوء خلق المرأة، والتضرر بها مع عدم حصول الغرض (٢) (ويكره) الطلاق؛ (لعدمها) أي: عند عدم الحاجة؛ لحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، ولاشتماله على إزالة النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها (٣)
كتاب الطلاق
بيان تعريفه وحكمه ومن يصح طلاقه ومن لا يصح طلاقه، والتوكيل فيه، والطلاق السني والبدعي وصريح الطلاق وكنايته، وما ليس منهما
وفيه: ثمان وخمسون مسألة:
(١) مسألة: الطلاق لغة: التخلية، والتسريح، والإرسال، يقال: "طلقت الناقة فانطلقت" إذا خُلِّي سبيلها، وإذا سرحت تذهب حيث شاءت، وهو في الاصطلاح الشرعي: أن يحل الزوج قيد نكاحه بامرأة بإيقاع نهاية عدده - وهي: ثلاث طلقات - أو يحل بعض قيده بإيقاع ما دون نهاية عدد الطلقات كطلقة، أو اثنتين فقط.
(٢) مسألة: يُباح الطلاق؛ لاقتضاء حاجة الزوج إليه كأن يسوء خلق المرأة، أو تسوء عشرتها، وعدم القدرة على الصبر عليها، مع عدم حصول المقصد من الزواج؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية الزوج من الأذى.
(٣) مسألة: يكره الطلاق إذا كانت حال الزوجين مستقيمة، لا تعكير فيها، ولم توجد حاجة ماسَّة إليه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" =
стр. 2494
(ويُستحب؛ للضرر) أي: لتضررها باستدامة النكاح في حال الشقاق، وحال تحوج المرأة إلى المخالعة؛ ليزول عنها الضرر، وكذا: لو تركت صلاة، أو عفَّة، أو نحوها، وهي كالرَّجل، فيسن أن تختلع إن ترك حقًا لله تعالى (٤) (ويجب) الطلاق (للإيلاء) على
حيث يلزم من بغض الله له، ولفظ "الحلال": كراهيته في هذه الحالة، فإن قلتَ: لِمَ كُرِه هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إزالة للنكاح المشتمل على مصالح، ودرء مفاسد قد سبق بيانه. تنبيه: بعض علماء الحديث قد ضعَّف الحديث السابق - كما في الإرواء (٧/ ١٠٦) -.
(٤) مسألة: يُستحب الطلاق في حالات: أولها: إذا كان الشقاق، والاختلاف بين الزوجين مستديمة. ثانيها: إذا كانت الزوجة دائمة الترك لنوافل ومستحبات الإسلام، ثالثها: إذا كانت تبغضه لذاته، واحتاجت الافتراق عنه؛ نظرًا لتضررها بالبقاء عنده، مما أدَّى بها إلى طلب المخالعة منه، فيُستحب أن يطلقها؛ لئلا يضطرها إلى مخالعته، رابعها: إذا كانت الزوجة ليست عفيفة، لا تستحي، تنظر إلى الرجال الأجانب أو تكلمهم في الهاتف أو نحو ذلك مما يجعل زوجها في ريبة منها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث سأل رجل رسول الله ﵇ قائلًا: إن زوجتي لا ترد يد لامس فقال له النبي ﷺ : "طلِّقها" فأمره بطلاقها؛ نظرًا لخفَّة عفَّتها، وعدم تسترها من الأجانب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الاختلافات بينهما الدائمة قد تورث الأمراض، وبغضها له وتركها لنوافل الإسلام الدائم، وعدم عفتها: قد يؤدي بها إلى فسادها، وإفسادها فراشه، وزناها وإلحاقها به ولدًا من غيره قال الإمام أحمد: لا ينبغي له إمساكها؛ لكونه لو أمسكها والحالة تلك لكان ذلك نقص في دينه ويكون ديوثًا. تنبيه: قوله: "وكذا لو تركت صلاة" سيأتي بيانه في المسألة الآتية.
[فرع]: يُستحب أن تختلع منه إذا كان الزوج تاركًا حقًا لله تعالى كأن يكون غير عفيف أو نحو ذلك.
стр. 2495
الزوج المولي إذا أبى الفيئة (ويحرم للبدعة) ويأتي بيانه (٥) (ويصح من زوج مكلَّف و) زوج (مميز يعقله) أي: الطلاق بأن يعلم أن النكاح يزول به؛ لعموم حديث: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" وتقدَّم (٦) (ومن زال عقله معذورًا) كمجنون، ومغمى عليه،
(٥) مسألة: يجب الطلاق في حالات: أولها: إذا تركت واجبًا من واجبات الله تعالى عمدًا كالصلاة، والزكاة، والصوم ونحو ذلك، ثانيها: إذا غلب على ظنه أنها تزني، ثالثها: إذا آلى الزوج منها، ولم يرجع ولم يطأ بعد الأربعة الأشهر، رابعها: إذا رأى الحكمان من أهله، ومن أهلها: أن افتراق الزوجين أصلح لهما: فيجب أن يفترقا بالطلاق؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: إذا لم يجامع الجماع الشرعي بعد الأربعة الأشهر: فإن الحاكم يأمره بالطلاق وسيأتي بيانه في كتاب "الإيلاء" الثانية: المصلحة؛ حيث إن الزوجة إذا تركت واجبًا من واجبات الله عمدًا فهي كافرة، وإذا غلب على ظن زوجها أنها تزني، أو آلى منها ولم يجامعها بعد الأربعة الأشهر أو رأى الحكمان أن افتراقهما أصلح لهما: ففي هذه الأحوال: فراقها وتركها ضروري؛ ليسلم على دينه، ولئلا يكون ديوثًا: فوجب.
[فرع]: يجوز للزوج أن يعضل زوجته إذا كانت فاسدة أو غلب على ظنه فسادها، والتضييق عليها لتفتدي منه، وتعطيه ما أخذته من مهر ونحوه وقد سبق بيان ذلك. [فرع ثان]: يحرم الطلاق إذا كانت زوجته حائضًا، أو في طهر جامعها فيه، ويُسمَّى طلاق البدعة، وسيأتي بيانه بالتفصيل إن شاء الله.
(٦) مسألة: يصح طلاق مكلَّف - بالغ عاقل -، مختارُ ويقع؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح بيعه، فكذلك يصح طلاقه، والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة صادر من جائز التصرف.
[فرع]: لا يصح طلاق صبي لم يبلغ: سواء كان مميزًا أو لا؛ لقاعدتين: =
стр. 2496
ومن به برسام، أو نشاف، ونائم، ومن شرب مسكرًا كرهًا، أو أكل بنجًا ونحوه؛ لتداو أو غيره: (لم يقع طلاقه)؛ لقول علي ﵁: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه" ذكره البخاري في "صحيحه" (٧) (وعكسه الآثم) فيقع طلاق السكران
الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ" فبين عدم جواز تصرفه في جميع الأمور وهو صبي، ودلّ مفهوم الغاية منه على أنه إذا بلغ: صحت تصرفاته ومنها الطلاق، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن المجنون لا يصح طلاقه ولا يقع فكذلك الصبي مثله، والجامع: أن كلًّا منهما غير مكلَّف، فإن قلتَ: إن الصبي الذي يعقل الطلاق، أي: يعرف أن الطلاق سيفرق بينه وبين زوجته، ويحرمها عليه: فإنه يصح طلاقه ويقع، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رواية عن أحمد؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" حيث إن الصبي ما دام أنه أخذ بساق المرأة في وطئها فمن حقه أن يطلقها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البالغ العاقل يصح طلاقه فكذلك الصبي الذي يعقل الطلاق يصح طلاقه والجامع: وقوع طلاق من عاقل صادف محله في كل قلتُ: أما الحديث: فليس المراد منه ما قلتم، وإنما المراد منه: أن الطلاق لا يصح إلّا من الزوج فقط - وهو البالغ العاقل المختار - فلا يصح أن يُطلق عنه أبوه، أو سيده، ويدل على هذا التأويل: أن الحديث ورد في سيد أراد أن يطلق زوجة عبده، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن البالغ العاقل يدرك المقصود من الطلاق ويعرف أثره، أما الصبي - ولو كان عاقلًا - فلا يدرك ذلك غالبًا، ونظرًا لهذه الغلبة، وعدم علمنا بوقت عقل ذلك الصبي وتمييزه: حكم بأن تصرفه لا يجوز، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين" و"تعارض القياسين" كما سبق.
(٧) مسألة: لا يصح طلاق من زال عقله بعذر كمن جُنَّ، أو أُغمي عليه، أو من =
стр. 2497
طوعًا، ولو خلط في كلامه، أو سقط تمييزه بين الأعيان، ويؤاخذ بسائر أقواله، وكل فعل يُعتبر له العقل كإقرار، وقذف، وقتل، وسرقة (٨) (ومن أكره عليه) أي: على
أصابه مرض جعله لا يدرك من حوله ولا يفرق بينهم كمن ألمَّ به برسام، أو النائم، أو السكران المكره على شرب المسكر، أو من أكل أي دواء جعله يفقد توازنه أو الذاكرة، أو المعتوه وهو من اختلطت عليه حقائق الأمور، ونحو هؤلاء؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" حيث دل أن من زال عقله، أو له عقل ولكن لا يدرك به حقائق الأمور كالمجنون، والنائم، والصبي: لا يُكلَّف بالتكاليف الشرعية، فلا تصح تصرفاته، ومن لا تصح تصرفاته: فلا تؤثر في شيء، ومنها الطلاق، وكل ما ذكرنا من الأمثلة السابقة تلحق بالمجنون، والنائم، ونحوهما بجامع: زوال العقل وهو آلة التمييز لعذر من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط في البائع أن يكون تام العقل فكذلك في المطلِّق يُشترط له ذلك، والجامع: أنه في كل منهما إزالة للملك، فلا بدَّ من عقل يدرك ذلك، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال بذلك عثمان وقال علي: "كل الطلاق جائز إلّا طلاق المعتوه" فلا يصح طلاق المعتوه؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي حماية الرجل من أن تفارقه زوجته بكلمة الطلاق التي قد يقولها وهو لا يدرك مرادها ومقصدها.
(٨) مسألة: يصح ويقع طلاق السكران - وهو الذي يشرب ما يسكره مختارًا لغير عذر فيجعله يخلط في كلامه، ولا يفرق بين ردائه ورداء غيره، أو متاعه ومتاع غيره، ويتكلم ويفضح أسراره - ويؤاخذ ويُعاقب بسائر أقواله: من حق أو باطل، وما يؤاخذ به العاقل يؤاخذ به هذا السكران كإقراراته، وعتقه، ونذره وبيعه، وقذفه، وقتله، وسرقته، وزناه، وظهاره، ووقفه، وعاريته، وقبضه وهو مذهب =
стр. 2498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمهور؛ لقواعد: الأولى: القياس؛ وهو من وجوه: أولها: كما أن القاذف الصاحي يعاقب بالحد وهو جلده ثمانون جلدة، فكذلك السكران يُعاقب على سكره بجلده، وإذا كان يُعاقب بذلك: فهو يُعامل معاملة الصاحي؛ حيث إن خالدًا قد أرسل إلى عمر قائلًا: إن الناس قد احتقروا حد شرب الخمر، فقال عمر للمرسَل: اسأل هؤلاء - وكان عنده عثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير - فقال علي: "نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى أن عليه حد المفترين" فقال عمر للمرسَل "أبلغ ما قالوه لصاحبك" فجعلوه كالصاحي ثانيها: أنه كما يقع طلاق الصاحي، فكذلك يقع طلاق السكران والجامع: أن كلًّا منهما طلاق من مكلَّف غير مكره صادف ملكه فوقع، ثالثها: أنه كما أن السكران يقتل بالقتل، وتقطع يده إذا سرق فكذلك يقع طلاقه والجامع: أن كلًّا منهما فيه عقوبة، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" والسكران المختار يدخل في عموم "كل"، وقال ابن عباس: "طلاق السكران جائز إن ركب معصية من معاصي الله نفعه ذلك" حيث إنه يشير إلى أنه يقع طلاقه إن شرب المسكر وهو مختار، وقد روي ذلك عن معاوية أيضًا، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الشخص إذا علم أن جميع تصرفاته في حال سكره ستكون عليه، وسيُعاقب عليها من طلاق وقتل، وسرقة: فإنه سيمتنع عن شرب أيِّ مسكر، وبهذا سيصلح المجتمع الإسلامي، وفي هذا جلب مصالح ودفع مفاسد لا تحصى، فإن قلتَ: لا يقع طلاق السكران المختار - وهو رواية عن أحمد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المجنون، والنائم، والمكره لا يقع طلاقهم فكذلك السكران المختار لا يقع طلاقه، والجامع: أن كلًّا منهم قد زال عقله الذي هو شرط التكليف، أو مفقود الإرادة كالمكره الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عثمان قلتُ: أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس =
стр. 2499
الطلاق (ظلمًا) أي: بغير حق، بخلاف مول أبي الفيئة فأجبره الحاكم (بإيلام) أي: بعقوبة من ضرب، أو خنق، أو نحوهما (له) أي: للزوج (أو لولده، أو أخذ مال يضره، أو هدَّده بأحدهما) أي: أحد المذكورات من إيلام له، أو لولده، أو أخذ مال يضرّه (قادر) على ما هدَّده به بسلطة، أو تغلب كلص ونحوه (يظن) الزوج (إيقاعه) أي: إيقاع ما هدَّده (به، فطلَّق تبعًا لقوله: لم يقع) الطلاق، حيث لم يرفع عنه ذلك حتى يطلق؛ لحديث عائشة مرفوعًا: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، و"الإغلاق": الإكراه (٩)، ومن قصد إيقاع الطلاق، دون دفع
مع الفارق؛ حيث إن المجنون والنائم قد زال عقلهما بعذر شرعي، وهو أن ذلك قد غلبهما بدون تدخل منهما، والمكره قد سلب الإرادة بإكراهه ظلمًا؛ بخلاف السكران فإنه قد تعمَّد زوال عقله بنفسه مريدًا لذلك؛ نظرًا لقصده تناول المسكر، فكأنه لما أراد أن يشرب المسكر كان قاصدًا أنه سيتحمَّل كل ما صدر منه من أفعال وأقوال، بخلاف المجنون، والنائم، والمكره فلم يقصدوا ذلك، أما قول الصحابي: وهو عثمان: فهو معارض بقول صحابي آخر في المسألة، وهو قول علي وابن عباس، فتساقطا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" و"تعارض أقوال الصحابة".
(٩) مسألة: إذا أكره زوج على أن يُطلق زوجته: فلا يصح ولا يقع طلاقه بشروط: أولها: أن يكون الإكراه ظلمًا أي: أن يكون الطلاق بغير حق، ثانيها: أن يكون الإكراه مؤلمًا للزوج كعقوبة الضرب الشديد، أو الخنق، أو عصر ساق، أو غط في ماء، أو حبس، أو قيد طويل، أو إخراج من ديار أو نحو ذلك، أو أخذ مال يضره، أو بسبب إيلام لولده، أو هدَّده بذلك بحيث لا يتحمله، ثالثها: أن يكون ذلك المكره قادرًا على تنفيذ ما هدَّده وخوفه به بسبب سلطة، أو غلبة، وقوة كقاطع طريق، أو لص ونحو ذلك. ويغلب على ظن الزوج عجزه عن دفعه والهرب منه، فإذا توفرت تلك الشروط، ثم طلق الزوج، تبعًا لقول المكره: فإن =
стр. 2500
الإكراه: وقع طلاقه (١٠)، كمن أكره على طلقة، فطلَّق أكثر (١١) (ويقع الطلاق) بائنًا،
الطلاق لا يقع؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" حيث إن الشارع نفى صحة الطلاق والإعتاق إذا أكره الزوج عليه، أو أكره السيد عليه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو أكره على كلمة الكفر فلا يكفر فكذلك إذا أكره على الطلاق لا يقع والجامع: أنه في كل منهما قول حمل عليه بغير حق فلم يثبت له، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عدم طلاق المكره قد ثبت عن عمر، وابنه، وعلي، وابن عباس، وابن الزبير. فائدة: سُمِّي الإكراه إغلاقًا؛ لأنه إذا أكره: انغلق عليه رأيه، فإن قلتَ: لِمَ لا يقع طلاق المكره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الأزواج من أن تُطلَّق زوجاتهم بدون اختيارهم.
[فرع]: إن كان الإكراه بحق كأن يأبى مول من زوجته أن يرجع ويفي، بعد أربعة أشهر: فإن القاضي يكرهه على الطلاق، أو أن يزوج وليان لامرأة واحدة بزوجين: فإن القاضي يكره المتأخر منهما على الطلاق، أما إن لم يعلم أسبقهما: أكرههما معًا على طلاقها، أو أن يرى الحكمان: أن الأصلح أن يُطلق الزوج زوجته عند الشقاق بينهما: فهذا كله إكراه على الطلاق بحق، أو كان الإكراه غير مؤلم، أو يغلب على ظن الزوج أن المكره لا يقدر على تنفيذ ما هدَّد به، أو يغلب على ظنه قدرته على الدفاع عن نفسه: فإن طلاق الزوج في تلك الصور يصح ويقع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد نطق بلفظ الطلاق بدون إكراه حقيقي: صحة الطلاق ووقوعه.
(١٠) مسألة: إذا أكره على الطلاق، ولكنه طلق قاصدًا إيقاع الطلاق، ولم يقصد دفع الإكراه: فإن طلاقه يقع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفظه بالطلاق، وقصده إياه: وقوعه.
(١١) مسألة: إذا أكره على طلقة فطلَّق ثلاثًا: فإنه يقع طلاقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =
стр. 2501
لا الخلع (في نكاح مختلف فيه) كبلا ولي، ولو لم يره مطلق، ولا يستحق عوضًا سئل عليه، ولا يكون بدعيًا في حيض (١٢) (و) يقع الطلاق (من الغضبان) ما لم يغم عليه
عدم إكراهه على الثلاث وطلاقه بها: وقوعه؛ لكون ذلك دليلًا على قصده إياها.
[فرع]: إذا طلق المكره ونوى بقلبه غير امرأته وتأوّل في يمينه: فله تأويله، ويُقبل قوله في نيته، فلا يقع طلاقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الإكراه صحة التأويل، ويلزم من صحة التأويل: عدم وقوع طلاقه على امرأته.
[فرع آخر]: إذا لم يتأول، وقصد السلامة من عقاب المكره وقصد أيضًا طلاق امرأته: فإن الطلاق لا يقع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود عذر بالإكراه، واحتمال فوات التأويل في تلك الحال: عدم وقوع طلاقه.
(١٢) مسألة: إذا تزوج شخص زواجًا مختلفًا فيه كأن يكون الزواج بلا ولي، أو كان بولاية فاسق، أو بشهادة فاسقين: وطلَّق هذا الشخص: فإن الطلاق يصح ويقع بائنًا ولا يستحق العوض في الخلع - إن سألت المرأة فراقه - ولو طلَّق هذا الشخص في حيض، أو في طهر جامعها فيه، أو نفاس: فلا يكون هذا الطلاق بدعيًا ولو لم ير هذا الشخص المطلِّق صحة هذا النكاح، وإن كان ذلك الشخص المطلق يعتقد صحة ذلك النكاح: فإن الطلاق يقع رجعيًا، ويستحق العوض في الخلع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن النكاح المتفق على صحته يصح طلاق الزوج زوجته بعد ذلك ويقع فكذلك النكاح المختلف فيه مثله والجامع: أن كلًّا منهما عقد يُسقط الحد، ويُثبت النسب، والعدَّة، والمهر، فيثبت الطلاق؛ لكونه من جملة أحكام النكاح، فإن قلتَ: إن طلاق هذا الشخص لا يقع حتى يعتقد صحة النكاح، وهو قول كثير من العلماء، اختاره أبو الخطاب؛ للقياس؛ بيانه: كما أن النكاح المتفق على بطلانه: لا يصح ولا يقع طلاق الزوج فيه، فكذلك الحال هنا والجامع: أن هذا النكاح لم يكن بعقد صحيح، ولم يثبت به النكاح، فلا صحة لطلاقه؛ لعدم وجود نكاح شرعي أصلًا. قلتُ: إن الطلاق تابع للأحكام المتعلِّقة =
стр. 2502
كغيره (١٣) .....................................................
للنكاح الفاسد فكما أن النكاح الفاسد يُسقط الحد، ويثبت النسب، والعدة، والمهر فكذلك الطلاق تابع لها كما قلنا ولا فرق فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
[فرع]: يُستحب للزوج أن لا يطلق أكثر من طلقة واحدة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تمكنه من مراجعتها بعد ما تتحسن الحال.
[فرع آخر]: إذا قال زوج: "إني طلَّقت زوجتي": فإنه يُحمل على طلقة واحدة فقط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة، وأقل ما يُحمل عليه ذلك: أن يحمل على المرة الواحدة فقط.
(١٣) مسألة: يصح طلاق الغضبان ويقع بشرطين: أولهما: أن لا يُصاب بالإغماء بسبب الغضب، ثانيهما: أن لا يزول عقله بحيث يدري ما يقول، فإن أصابه إغماء بسببه، أو زال عقله بحيث لا يدري عمّا يقول، ولم يفرق - بسبب الغضب - بين امرأته، وامرأة أخرى، أو متاعه ومتاع غيره: فلا يصح طلاقه ولا يقع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن غير الغضبان يصح طلاقه ويقع، فكذلك الغضبان الذي توفر فيه هذان الشرطان: يصح ويقع طلاقه والجامع: أن كلًّا منهما قد نطق بكلمة الطلاق، وقصده فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من توفر فيه هذان الشرطان يُحمل على أنه قصد الطلاق، فيتحمل تبعاته، أما من أصابه الإغماء، أو زال عقله: فلا يقع طلاقه؛ لكونه لم يقصد، فالمدار هو قصد الطلاق وعدم قصده.
[فرع]: طلاق الهازل واللاعب صحيح: وواقع، وإن لم يقصد إيقاعه؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثلاث هزلهن جِدٌّ، وجدهن جد: "الطلاق، والنكاح، والرجعة" فجعل الطلاق الصادر من الهازل كالطلاق الصادر من الجاد والقاصد، ولا فرق بينهما، الثانية: قول الصحابي؛ =
стр. 2503
(ووكيله) أي: الزوج في الطلاق (كهو) فيصح توكيل مكلَّف (١٤)، ومميز يعقله (١٥) (ويطلق) الوكيل (واحدة) فقط (و) يطلق في غير وقت بدعة (متى شاء (١٦) إلا أن يُعيِّن له
حيث إن عمر قال: "أربع جائزات إذا تكلَّم بهن: الطلاق، والنكاح، والعتاق، والنذر" حيث صحّح الطلاق من أي متكلِّم به من غير إكراه، وقال علي: "أربع لا لعب فيهن: الطلاق، والنكاح، والعتاق، والنذر" فنفى اللعب والهزل بالطلاق؛ لكونه يقع موقعه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الناس من التلاعب بمثل تلك المهمات من العقود والمواثيق؛ لكونهم قد أعطوا فيهن عهد الله تعالى، ومواثيقه، ولا تلاعب ولا هزل ولا عبث في هذه الأمور.
(١٤) مسألة: يصح أن يوكِّل الزوج وكيلًا يُطلِّق عنه زوجته ويكون الوكيل كالزوج تمامًا بشرط: أن يكون الوكيل بالغًا عاقلًا: سواء كان مسلمًا، أو كافرًا وسواء كانت امرأة أو ذكر؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما يصح أن يوكل مكلَّفًا لعتق عبده ولو كافرًا أو أنثى فكذلك يصح أن يوكل شخصًا مكلفًا يطلق زوجته عنه ولو كان كافرًا، أو أنثى والجامع: أن كلًّا منهما إزالة ملك فيصح ذلك فيه.
(١٥) مسألة: لا يصح أن يكون الصبي وكيلًا في طلاق امرأة غيره: سواء كان يعقل الطلاق، أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح أن يطلِّق كما سبق في الفرع التابع لمسألة (٦) فكذلك لا يصح أن يكون وكيلًا له بالطلاق، والجامع: عدم التصرُّف في كل، فإن قلتَ: يصح أن يكون الصبي وكيلًا في طلاق امرأة غيره إذا كان يعقل الطلاق، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح طلاقه فكذلك يصح أن يكون وكيلًا في الطلاق، والجامع: التمييز والعقل وإدراك المقصد من الطلاق قلتُ: قد أجبتُ عن هذا في الفرع التابع لمسألة (٦) فارجع إليه إن شئت.
(١٦) مسألة: إذا وكَّل زوج زيدًا ليُطلِّق زوجته قائلًا: "طلِّق زوجتي": فليس للوكيل =
стр. 2504
وقتًا وعددًا) فلا يتعدَّاهما، ولا يملك تعليقًا إلّا بجعله له (١٧) (وامرأته) إذا قال لها: "طلِّقي نفسك" (كوكيله في طلاق نفسها) فلها أن تُطلِّق نفسها طلقة متى شاءت (١٨)، ويبطل
أن يطلق إلا طلقة واحدة، في أي وقت شاء، ولا يُطلق في وقت بدعة - كأن يطلقها وكيله في حيض، أو في طهر قد جامعها فيه -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأمر المطلق يتناول ما يقع عليه الاسم: أن لا يملك الوكيل إلا طلقة واحدة، ويلزم من توكيله توكيلًا مطلقًا في الأزمان: أن يطلق الوكيل متى شاء، ويلزم من كون الطلاق بدعة في وقت الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه: أن لا يطلق في هذا الوقت؛ لئلا يقع في الإثم بسبب ظلم المرأة المطلقة.
(١٧) مسألة: إذا وكَّل زوج زيدًا ليُطلق زوجته، وعيَّن الزوج للوكيل - وهو زيد - وقتًا كيوم الجمعة مثلًا، أو حدَّد عددًا من الطلقات كأن قال له: "طلق زوجتي طلقتين، أو ثلاثًا": فيجب على الوكيل - وهو زيد - أن لا يتعدَّى ذلك الوقت، والعدد المحدَّدين ولا يملك الوكيل تعليق الطلاق بأن يقول: "إن دخلت الدار فأنت طالق" إلّا إذا أذن له الزوج وهو موكله؛ للتلازم؛ حيث إن الحق للزوج - وهو الموكِّل - في ذلك فيلزم أن يمتثل الوكيل ما أمر به الموكِّل من الوقت، أو العدد أو تعليق أو عدمه؛ لأن الوكيل قد يكون له قصد في تحديد الوقت، والعدد والتعليق وعدمه لا يعلمه الوكيل.
[فرع]: إذا حدَّد الزوج للوكيل بأن يطلق زوجته في وقت البدعة - كوقت الحيض، أو طهر قد جامعها فيه - فلا يمتثل الوكيل ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وهذا عام؛ حيث إن "طاعة" نكرة في سياق نفي، فنهى عن أي طاعة لأي مخلوق فيها أي معصية للخالق ، ويشمل هذا ما نحن فيه، فيحرم أن يطيع الوكيل الزوج ويطلق زوجته في وقت بدعة؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد.
(١٨) مسألة: إذا وكَّل زوج زوجته بطلاق نفسها: بأن قال لها: "طلّقي نفسك": فلها =
стр. 2505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن تطلِّق نفسها طلقة واحدة في أي وقت شاءت، قائلة: "طلقتُ نفسي"؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج إذا وكّل ذكرًا مكلفًا في طلاق زوجته: فإنه يصح ويطلق طلقة واحدة كما سبق في مسألة (١٦) فكذلك يصح أن تطلق المرأة نفسها: إذا وكَّلها في ذلك طلقة واحدة والجامع: أن كلًّا منهما مكلَّف يدرك المقصد من الطلاق وأن الطلقة الواحدة أقلّ ما يطلق عليه الاسم فلزمت كما قلنا في مسألة (١٦).
[فرع]: إذا وكّل الزوج الزوجة في طلاق نفسها، وحدَّد لها وقتًا، وعددًا، وصفة: فيجب على الزوجة أن تتقيد بذلك؛ للتلازم؛ وقد ذكرناه في مسألة (١٧) بالتفصيل.
[فرع آخر]: إذا طلقت المرأة نفسها - كما جعل لها زوجها - في وقت بدعة كوقت حيضها، أو طهر قد جامعها فيه: فإنه يصح ويقع الطلاق؛ للتلازم؛ حيث إن منع الزوج من طلاق زوجته في هذا الوقت كان لأجل مصلحة الزوجة؛ لئلا تطول عليها عدّتها، ويلزم من إسقاطها لحقها هنا: صحة الطلاق.
[فرع ثالث]: لو وكَّل وكيله بأن يطلق زوجته ثلاث طلقات فطلقها الوكيل طلقة واحدة، أو وكَّله في أن يطلقها طلقة واحدة فطلَّقها ثلاثًا: فلا تقع إلا طلقة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نطق الوكيل بواحدة، ومن نطق الموكِّل بواحدة: أن لا تقع إلّا طلقة واحدة.
[فرع رابع]: إذا قال الزوج لزوجته: "طلقي نفسكِ طلقة واحدة" فطلَّقت نفسها ثلاثًا، أو قال لها: "طلقي نفسكِ ثلاثًا" فطلَّقت نفسها واحدة: فلا تقع إلّا طلقة واحدة؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لو قال لها: "طلقي نفسكِ" فطلَّقت نفسها وضرائرها فإنه يقع طلاقها فقط، فكذلك إذا قال لها: =
стр. 2506
برجوع (١٩).
(فصل): (إذا طلقها مرَّة) أي: طلقة واحدة (في طهر لم يجامع فيه، وتركها حتى تنقضي عدَّتها: فهو سنة) أي: فهذا الطلاق موافق للسنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال ابن مسعود: طاهرات من غير جماع (٢٠)، لكن يُستثنى
"طلقي نفسكِ واحدة فطلَّقت نفسها ثلاثًا: لا تقع إلّا واحدة والجامع: أنها أوقعت طلاقًا مأذونًا فيه وغير مأذون فيه فوقع المأذون فيه فقط ثانيهما: كما أن الشخص لو قال لآخر: "وهبتك هؤلاء العبيد الثلاثة" فقال قبلتُ واحدًا فقط: فإنه يصح فكذلك لو قال لها: "طلقي نفسك ثلاثًا" فطلقت نفسها واحدة: وقعت واحدة والجامع: أنه في كل قد ملك إيقاع ثلاث، فملك إيقاع واحدة.
(١٩) مسألة: يبطل توكيل زوج في الطلاق برجوعه عنه ببينة وقرينة يثبتها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الوكالات لا تبطل بالرجوع عنها إلّا ببيّنة وقرينة يثبتها فكذلك الحال هنا، والجامع: الوكالة في كل، فإن قلتَ: يبطل ذلك التوكيل بمجرد رجوعه عنه، ويصدق في ذلك بدون بيّنة، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل إن هذا فيه إلحاق ضرر بالوكيل لا يخفى.
(٢٠) مسألة: الطلاق السنِّي هو ما توفر فيه شرطان: أولهما: أن يطلق طلقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي عدَّتها بثلاث حيض. ثانيهما: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حيث بيَّن أن الطلاق الشرعي هو طلاق في طهرها من غير جماع كما فسَّره بذلك ابن مسعود، وابن عباس، وتفسير الصحابي مقدَّم على غيره، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر إذا أُتي برجل قد طلَّق زوجته ثلاثًا أوجعه ضربًا، ولا ينكر عليه أحد من الصحابة، وهذا يدل على أن عقاب من طلَّق أكثر من واحدة - بدون عذر - منتشر بين الصحابة، ويلزم منه: أن الطلاق السني واحدة فقط وقال ابن مسعود: "طلاق السنة: أن يطلقها وهي طاهر، ثم يدعها =
стр. 2507
من ذلك: لو طلقها في طهر متعقِّب لرجعة من طلاق في حيض فبدعة (٢١) (فتحرم الثلاث إذًا) أي: يحرم إيقاع الثلاث، ولو بكلمات في طهر لم يصبها فيه (٢٢) لا بعد
حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء" فهذا يلزم منه أن طلاق السنة: هو طلاقها واحدة فقط، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طلاقًا سنيًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للزوج والزوجة؛ حيث إن الزوج يمكنه أن يُراجعها، بخلاف ما لو طلقها ثلاثًا، والزوجة إذا طُلقت في طهر لم يجامعها فيه: لا تطول عدّتها؛ لعدم احتمال حملها.
(٢١) مسألة: إذا طلق زوج زوجته في حيض، ثم راجعها، ثم طلقها في طهر قبل أن يجامعها بعد المراجعة وقبل أن تحيض: فإن هذا طلاق بدعي؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ في حديث ابن عمر: "مره أن يراجعها، فإذا طهرت مسَّها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها" حيث إنه قد دل ذلك على وجوب مراجعتها، ووجوب إمساكها، حتى تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء -؛ لكونه هو المقصود من النكاح -، وهذا الوطء لا يحصل إلّا في زمن الطهر، فإذا وطئها في زمن الطهر حرم طلاقها فيه حتى تحيض، ثم تطهر.
(٢٢) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته بالثلاث في طهر لم يجامعها فيه: فإن هذا حرام، وهو طلاق بدعي؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث حرم الشارع أن يضر المسلم بنفسه أو بغيره؛ لأن النفي هنا نهي، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، وهو عام لجميع أنواع الضرر، لأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن الطلاق بالثلاث ضرر عليه فلا يستطيع أن ينكحها إلّا بعد زوج آخر، وهو أيضًا ضرر على زوجته من غير حاجة، وربما كان ذلك وسيلة إلى عوده إليها حرامًا، أو بجيلة لا تزيل التحريم، وغالبًا يندم من طلَّق بالثلاث في =
стр. 2508
رجعة، أو عقد، روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر (٢٣)، فمن طلق زوجته ثلاثًا بكلمة واحدة وقع الثلاث، وحرمت عليه، حتى تنكح زوجًا غيره قبل الدخول كان ذلك، أو بعده (٢٤) (وإن طلَّق من دخل بها في
طهر لم يصبها فيه، ووقوع الندم خسارة في الدنيا والآخرة، فكان ضرر الطلاق بالثلاث في طهر لم يصبها فيه أعظم من ضرر الطلاق في الحيض الذي يكون ضرره زيادة بقائها في العدة، وأعظم ضررًا من الطلاق في طهر أصابها فيه؛ لاحتمال الندم بظهور الحمل، وهذا هو المقصد من التحريم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قول عمر وابنه، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وورد عن عمر أنه إذا أتي له برجل قد طلق ثلاثًا أوجعه ضربًا وجاء رجل إلى ابن عباس قائلًا: إن ابن عمي قد طلَّق امرأته ثلاثًا فقال - أي: ابن عباس -: "إن ابن عمك عصى الله، وأطاع الشيطان، فلم يجعل الله له مخرجًا" وهذه العبارات لزم منها أن الطلاق بالثلاث في طهر لم يمسها فيه حرام، وهو بدعة بدليل أنه ذمه على فعله ذلك، ولا يذم إلا على فعل حرام، أو ترك واجب.
(٢٣) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته، ثم راجعها، ثم طلَّقها، ثم راجعها، ثم طلقها: أو طلقها ثم عقد عليها، ثم طلقها، ثم عقد عليها، ثم طلقها: فهذا كله لا يحرم، وليس ببدعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الضرر على الزوجين: صحته، وعدم بدعيته.
(٢٤) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته ثلاثًا في طهر لم يصبها فيه بكلمة واحدة بأن قال: "أنتِ طالق بالثلاث" أو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا" أو بكلمات فقال: "أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق": فإنه تقع ثلاث طلقات، وتحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره: سواء وقع ذلك الطلاق قبل الدخول، أو بعده وهذا مذهب الجمهور؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال عبادة بن الصامت: طلَّق بعض آبائي امرأته ألفًا، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا له: إن أبانا قد طلَّق أمنا =
стр. 2509
حيض، أو طهر وطئ فيه) ولم يستبن حملها، وكذا: لو علَّق طلاقها على نحو أكلها مما يتحقق وقوعه حالتيهما: (فبدعة) أي: فذلك الطلاق بدعة محرم، و (يقع)؛ لحديث ابن عمر: "أنه طلَّق امرأته، وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها" رواه
ألفًا فهل له مخرج؟ فقال: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجًا بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه" حيث بيّن أن الطلاق بالثلاث إذا جاء في كلمة أو كلمات: فإنه يقع ثلاثًا الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن سائر الأملاك تصح إزالته متفرقًا فصح مجتمعًا فكذلك النكاح، والجامع: أن كلًّا منها ملك، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، فإن قلتَ: إن ذلك يقع طلقة واحدة فقط، فيحل له مراجعتها بلا زوج غيره، وهو قول بعض العلماء من شتى المذاهب؛ للسنة التقريرية؛ حيث قال ابن عباس: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث بواحدة قلتُ: إن راوي هذا وهو ابن عباس قد ثبت عنه خلاف ما رواه هنا، وكذا: ثبت عنه أنه أفتى بخلاف ما رواه وهو وقوع ذلك ثلاثًا، وهو ما رواه الناس عن ابن عباس - كما نص على ذلك الإمام أحمد، وإن صحَّ ذلك: فإن الناس كانوا يُطلِّقون واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ثم إن المصلحة تقتضي جعلها ثلاثًا؛ عقوبة لمن يُطلق لسانه في الطلاق، وإذا تعارضت السنة القولية مع التقريرية: قدمت القولية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في السنة التقريرية" فعندنا: لا يؤخذ بها؛ لكونها مخالفة للسنة القولية، ولرواية ابن عباس ما يخالفها، ولفتواه بما يخالفها، وأن العادة أن الناس كانوا لا يطلِّقون إلّا واحدة في عهده ﷺ وأبي بكر، وعندهم: لم يثبت شيء من ذلك، فصححوا السنة التقريرية، وقدموها على غيرها مما قلناه.
стр. 2510
الجماعة إلا الترمذي (٢٥) (وتسنُّ رجعتها) إذا طُلِّقت زمن البدعة؛ لحديث ابن عمر (٢٦) (ولا سنة ولا بدعة) في زمن، أو عدد (لصغيرة، وآيسة، وغير مدخول بها،
(٢٥) مسألة: الطلاق البدعي للمدخول بها يكون في ثلاث حالات: أولها: أن يطلقها أثناء الحيض أو النفاس، ثانيها: أن يطلقها في حال طهر قد جامعها فيه، ولم يتبين هل حملت منه أو لا، ثالثها: أن يُعلِّق طلاقها بشيء يتحقق وقوعه في حالة الحيض، وحالة الطهر الذي جامعها فيه كأن يقول لها وهي حائض: "إن أكلتِ أو شربتِ فأنت طالق" ونحو ذلك مما لا غنى عنها منه فإذا طلَّقها في أحد تلك الحالات: فإنه يحرم، وهو بدعة، ويقع؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث إن ابن عمر قد طلَّق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر" ويلزم من أمره بذلك: أن طلاقه لها وهي حائض قد وقع؛ إذ لو لم يقع: لما أمره بمراجعتها، ويلزم منه أيضًا: أن طلاقه أثناء الحيض: بدعة وحرام؛ لكونه أمره بتصحيح ذلك وهي المراجعة والنفاس كالحيض؛ لعدم الفارق، ويلزم من قوله: "حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلَّق": أن طلاقها في طهر قد جامعها فيه بدعة وحرام؛ لاحتمال الحمل؛ لأن علامة المراجعة غالبًا الجماع والوطء، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تعليق طلاقها بما يتحقق وقوعه كأكل أو شرب في حالة الحيض والنفاس والطهر: وقوع ذلك في تلك الحالات.
(٢٦) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته طلاقًا بدعيًا - أي: طلقها زمن حيضها، أو في طهر جامعها فيه -: فإنه يجب أن يُراجعها وهو رواية عن أحمد وقول مالك؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قد أمر ابن عمر بمراجعة امرأته لما طلَّقها وهي حائض، والأمر هذا مطلق، فيقتضي الوجوب، وطلاقها في طهر جامعها فيه كطلاقه في حيضها، فإن قلتَ: إن مراجعتها هنا مستحبة، وليست واجبة، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول كثير من العلماء؛ للسنة القولية: وهي أمره ﷺ =
стр. 2511
ومن بان) أي: ظهر (حملها) فإذا قال لإحداهن: "أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة: وقعتا في الحال إلّا أن يريد في غير الآيسة إذا صارت من أهل ذلك (٢٧)، وإن
لابن عمر بمراجعة امرأته لما طلقها وهي حائض، والأمر هنا للاستحباب قلتُ: لم أجد قرينة صرفت هذا الأمر من الوجوب إلى الندب والاستحباب، فيبقى الأمر على مقتضاه الأصلي وهو الوجوب، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في أمر النبي ﵇ لابن عمر بمراجعتها هل هو للوجوب، أو للاستحباب" فعندنا: للوجوب؛ لأن الأمر المطلق يقتضيه، وعندهم للاستحباب؛ لأن الأمر المطلق يقتضيه؛ لكونه أقل أحوال الأمر، وقد خالفوا هنا أصلهم؛ إذ الأصل عند جمهور العلماء: أن الأمر المطلق للوجوب.
(٢٧) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته الصغيرة التي لا يحمل مثلها؛ أو طلَّق زوجته الآيسة من الحمل، أو طلَّق زوجته غير المدخول بها، أو طلَّق زوجته التي ظهر حملها: فإنه يجوز ذلك الطلاق في أي وقت، فلا سنة ولا بدعة في طلاق تلك النساء الأربع: فمثلًا لو قال لواحدة منهن: "أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة" فإن هاتين الطلقتين تقعان حال نطقه بهما، إلا إذا أراد بهذا القول إذا صارت الصغيرة، أو الحامل أو غير المدخول بها أهلًا للحيض فيما بعد: فإنه يوجد طلاق سني، وبدعي لهن على حسب مراد الزوج القائل؛ للتلازم؛ حيث إن الصغيرة والآيسة لا تعتد بالحيض والأطهار بالأشهر وغير المدخول بها لا يخاف حملها، وعدَّة الحامل بوضع حملها يلزم منه: أن لا طلاق لها سنِّي ولا بدعي، بل يقع الطلاق متى ما طلَّق الزوج، ويلزم من ذكره الطلاق السني والبدعي وقوعهما في الحال؛ لكون تلك النساء لا تقبل تلك الصفة فتحذف تلك الصفة، ويبقى الطلاق، ويلزم من إرادته وقصده أنها إذا صارت فيما بعد من أهل ذلك الوصف - وهو قبولها للبدعي والسني -: فيقع عليها هذان الوصفان؛ عملًا بمقصده ونيته، وكون ذلك محتملًا من تلك النساء الثلاث؛ لذلك استبعدت =
стр. 2512
قاله لمن لها سنة وبدعة: فواحدة في الحال والأخرى في ضد حالها إذًا (٢٨) (وصريحه) أي: صريح الطلاق، وهو: ما وضع له (لفظ الطلاق، وما تصرَّف منه) كطلَّقتك، وطالق، ومطلَّقة: اسم مفعول (٢٩) (غير أمر) كـ "اِطلقي" (و) غير (مضارع) كـ:
الآيسة من الحيض ولو قصدها ونواها؛ لعدم إمكان ذلك فيها.
(٢٨) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته القابلة للطلاق السنِّي والبدعي - وهي التي تحيض -: "أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة": فإن طلقة واحدة تقع في حال صدورها من الزوج والطلقة الأخرى تقع إذا وجدت الحالة الأخرى؛ للتلازم؛ حيث إن حال تلك الزوجة لا تخلو من حالين: أولهما: أن تكون في زمن السنة فتقع طلقة السنة، ثانيهما: أن تكون في زمن البدعة، فتقع طلقة البدعة فيلزم ما قلناه.
(٢٩) مسألة: الصريح في الطلاق هو: لفظ "الطلاق" وما تصرف منه مما وضع له، ولا يحتمل غيره كقول الزوج لزوجته: "طلَّقتكِ" أو "أنتِ طالق" أو "أنتِ مطلَّقة" بتشديد اللام مع فتحها وهو اسم المفعول؛ للتلازم؛ حيث إن كون تلك الألفاظ موضوعة للطلاق بخصوصه على حسب الشرع والعرف والاستعمال، دون احتمال غيره إلّا احتمالًا بعيدًا لا يُعوَّل عليه: يلزم منه: أن تكون تلك الألفاظ صريحة فيه، فإن قلتَ: إن صريح الطلاق ألفاظ "الطلاق"، وأيضًا ألفاظ "الفراق" و"السراح" وما تصرَّف منهن، وهو مذهب الشافعي؛ للتلازم؛ حيث إن كون تلك الألفاظ قد ورد بها الكتاب في الفرقة بين الزوجين: حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يلزم منه أن يكونا صريحين فيه قلتُ: إن لفظ "الفراق" و"السراح" ليسا صريحين في الطلاق؛ حيث إنهما يُستعملان في الطلاق وغيره، وإن وردا في القرآن بمعنى الفرقة بين الزوجين فقد وردا فيه لغير ذلك حيث قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وغير ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف =
стр. 2513
"تطلقين" (و) غير (مطلِّقة اسم فاعل) فلا يقع بهذه الألفاظ الثلاثة طلاق (٣٠) (فيقع) الطلاق (به) أي: بالصريح (وإن لم ينوه: جاد، أو هازل)؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" رواه الخمسة إلا النسائي (٣١) (فإن نوى بطالق) طالقًا (من وثاق) - بفتح الواو - أي: قيد (أو) نوى
هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الفراق، والسراح هل يستعملان في غير الطلاق كثيرًا أو لا" فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٣٠) مسألة: إذا عبَّر الزوج بتعبير لا يدل على إرادته الطلاق ظاهرًا كأن يُعبِّر بالأمر كقوله لزوجته: "اطلقي" أو عبَّر بفعل المضارع كقوله: "أنتِ تطلقين" أو عبَّر باسم الفاعل كقوله لها: "أنتِ مطلِّقة" بتشديد اللام وكسرها، وهو اسم الفاعل: فلا يقع بهذه الألفاظ المجردة طلاق؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك غير صريح في الطلاق فيلزم عدم وقوعه؛ إلّا إذا نوى بذلك الطلاق، فتكون تلك الألفاظ من كنايات الطلاق عندنا، لا يقع الطلاق بها إلا بنية.
(٣١) مسألة: إذا تلفظ الزوج بصريح الطلاق - كقوله: طلقتكِ، أو أنتِ طالق، أو مطلَّقة - كما سبق في مسألة (٢٩) -: فإن الطلاق يقع: سواء كان قد نواه، أو لا، وسواء كان جادًّا قاصدًا للطلاق، أو كان هازلًا لاعبًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" حيث جعل جد الطلاق وهزله سواء في الحكم، وهو وقوعه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو قال: "قد بعتك هذه الدار" فقال المشتري: "قد قبلتُ": فإن البيع يتم: سواء كان جادًا أو هازلًا نواه أو لا، فكذلك الطلاق هنا، والجامع: أنه يُعتبر في كل منهما القول، ويُكتفى فيه به من غير نية إن كان صريحًا فيه، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر، وابن مسعود قد ثبت عنهما ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على الامتناع عن التلاعب بالمواثيق والعهود التي يجعلها المسلم على نفسه، فلا يتساهل فيها =
стр. 2514
طالقًا (في نكاح سابق منه، أو من غيره، أو أراد) أن يقول (طاهرًا فغلط) أي: سبق لسانه: (لم يُقبل) منه ذلك (حكمًا)؛ لأنه خلاف ما يقتضيه الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أعلم بنيته (٣٢) (ولو سئل أطلقتَ امرأتك؟ فقال: نعم: وقع)
بالتلاعب بها، وقد سبق.
(٣٢) مسألة: إذا عبَّر الزوج بلفظ الصريح في الطلاق - كقوله: "أنتِ طالق مطلَّقة أو طلقتكِ" كما سبق في مسألة (٢٩) - ونوى بذلك: أنها طالق من وثاق وقيد، أو نوى: أنها طالق في نكاح سابق منه، أو من غيره، أو قال: أردتُ أن أقول: "طلبتكِ" فسبق لساني فقلت: "طلَّقتكِ"، أو قال: أردت أن أقول: "أنتِ طاهر" فسبق لساني فقلت: "أنتِ طالق" ففي ذلك حالتان: الحالة الأولى: إن كان ذلك الزوج في حال غضب، أو كانت هي قد سألته الطلاق: فإن قوله هنا غير مقبول حكمًا، فيقع الطلاق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفظه بلفظ "الطلاق" ووجود تلك الحال: وقوع طلاقه؛ لأن دعواه مخالفة للظاهر من حاله، الحالة الثانية: إن لم يكن في حالة غضب، أو سألته طلاقها: فإنه يُقبل قوله، ولا يقع طلاقه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال الزوج: "أنتِ طالق، أنتِ طالق" وقال: "أردتُ بالطلقة الثانية إفهامها، وتأكيد الأولى: فإنه يُقبل قوله ولا تقع إلا طلقة واحدة، فكذلك الحال هنا تقبل دعواه أنه نوى غير الطلاق، فلا يقع طلاقه والجامع: أنه في كل منهما قد فسَّر كلامه بما يحتمله احتمالًا غير بعيد، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة الحال الذي كان فيه ذلك الزوج، ومراعاة الأحوال حين الحكم على الأشخاص من أهم المهمات في الشريعة، وهو من باب: "تحقيق المناط الخاص"، فإن قلتَ: إنه لا يقبل منه قوله، بل يقع طلاقه فيما سبق كله ويدين الله في ذلك؛ لأنه أعلم بنيته وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو قال: "أقر لعمرو بعشرة" ثم قال - أي: زيد - أردتُ عشر كلمات أو نحو ذلك: فإنه لا =
стр. 2515
الطلاق، ولو أراد الكذب، أو لم ينوه؛ لأن "نعم" صريح في الجواب، والجواب الصريح للفظ صريح صريح (٣٣) (أو) سئل الزوج (ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذب) أو لم ينو به الطلاق: (فلا) تطلق؛ لأنه كناية، تفتقر إلى نية الطلاق، ولم توجد (٣٤)، وإن أخرج زوجته من دارها، أو لطمها، أو أطعمها، ونحوه، وقال:
تقبل دعواه تلك، بل يُعامل على أنه أقرّ له بعشرة دراهم، فكذلك الحال هنا لا تقبل دعواه حكمًا، بل يقع طلاقه، والجامع: أنه في كل منهما قد خالف ما يقتضيه الظاهر في العرف، فلم يقبل في الحكم. قلتُ: إن القياس الذي ذكرتموه غير مسلَّم؛ لأنا نخالف في الأصل؛ لأنه إذا قال: "أقر له بعشرة" ثم فسَّره ذلك بغير الدراهم: فإنه يقبل دعواه؛ لأن هذا التفسير والبيان منه محتمل احتمالًا قويًا وراجحًا فيجب أن يُعمل به؛ لوجوب العمل بالراجح من الأدلة وهذا لا يخالف الظاهر كما زعمتم، فكذلك إذا فسَّر قصده بأنه لم يرد الطلاق: فإنه يُقبل دعواه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
(٣٣) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أطلقتَ امرأتك؟ " فقال عمرو: "نعم"، أو قال له: "امرأتك طالق؟ " فقال عمرو: "نعم": فإنه يقع الطلاق على امرأة عمرو: سواء كان عمرو أراد بالجواب بـ "نعم" الكذب، أو لا، وسواء نوى الطلاق أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو قال لعمرو: لفلان عليك ألف درهم، فقال عمرو: "نعم": فإن هذا إقرار من عمرو بالألف، يُطالَب به، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن لفظ "نعم" صريح في الجواب عن لفظ صريح في الطلاق، أو الإقرار، والصريح للفظ الصريح صريح.
(٣٤) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "ألك امرأة؟ " فقال عمرو: "لا"، وأراد بالنفي هنا الكذب، أو لم يقصد بالنفي هنا الطلاق: فإنه لا يقع الطلاق على امرأة عمرو وكذا: قوله: "ليس لي امرأة" أو "لا إمرأة لي" لا يقع الطلاق؛ للتلازم؛ حيث إن =
стр. 2516
"هذا طلاقك": طلقت، وكان صريحًا (٣٥)، ومن طلَّق واحدة من زوجاته، ثم قال
هذا ليس بصريح في الطلاق فيكون كناية عنه والكناية تحتاج إلى نية، ولا توجد نية هنا؛ لكونه نوى الكذب، فيلزم عدم وقوع الطلاق هنا.
(٣٥) مسألة: إذا أخرج رجل زوجته من دارها، أو لطمها وضربها، أو أطعمها، أو ألبسها ثوبًا، أو قبَّلها، أو سقاها وقال بعد ذلك مباشرة: "هذا طلاقكِ": فإنها تطلق بشرط: أن ينويه، أو يدلُّ حال على إرادته للطلاق؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يحتمل أن يكون طلاقًا إذا قدرنا أن يكون قصد الزوج: "أوقعتُ عليكِ طلاقًا هذا الإخراج من الدار أو الضرب من أجله" ويحتمل: أن يكون هذا الإخراج من الدار أو الضرب سببًا للطلاق؛ لكون الطلاق معلَّقًا عليه، ويُحتمل أن يكون قد علَّق طلاقها فلما فعله: قال: "هذا طلاقك" إخبارًا لها، فلزمه ذلك مثل قوله لها: "اعتدِّي" ومع وجود تلك الاحتمالات فلا بد من نيّة أو دلالة حال تدل على أنه أراد الطلاق: ويلزم من ذلك: أن يكون كناية عن الطلاق؛ لكون حقيقتها قد وُجدت، فإن قلتَ: إن هذا القول من الزوج صريح في الطلاق، فلا يحتاج إلى نية، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تقديره: "أوقعتُ عليكِ طلاقًا هذا الضرب من أجله" أن يكون صريحًا في الطلاق قلتُ: إنه احتاج إلى التقدير، وكل شيء يحتاج إلى التقدير، فليس بصريح، فيكون كناية - كما قلنا -، فإن قلتَ: إن هذا القول من الزوج ليس بصريح في الطلاق، ولا بكناية ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهو مذهب أكثر الفقهاء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أخرج زوجته من داره وقال لها: "غفر الله لكِ" فلا تطلق زوجته وإن نوى به الطلاق، فكذلك لو أخرجها وقال لها: "هذا طلاقك" فلا تطلق ولو نوى الطلاق والجامع: أن هذا لا يؤدي إلى معنى الطلاق، ولا هو سبب له، ولا حكم فيه، فلم يصح التعبير به عنه قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن إخراجها مع قوله "هذا طلاقك" فيه احتمال أنه أراد طلاقها نظرًا =
стр. 2517
عقبه لضرتها: "أنتِ شريكتها" أو "مثلها": فصريح فيهما (٣٦)، وإن كتب صريح طلاق امرأته بما يبين: وقع وإن لم ينوه؛ لأنها صريحة فيه (٣٧)، فإن قال: لم أرد إلا
لتلفظه بلفظ الطلاق، لكن لم يكن صريحًا؛ نظرًا لاحتمال أنه أراد بهذا اللفظ غير الطلاق، فكان لا بد من النية تبين مقصده، بخلاف إخراجها مع قوله لها: "غفر الله لكِ" فلم يوجد أيّ احتمال إرادته للطلاق بهذا الفعل، أو القول، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(٣٦) مسألة: إذا قال الزوج لواحدة من زوجتيه: "أنتِ طالق" ثم قال لزوجته الثانية بعد ذلك مباشرة: "أنتِ شريكتها" أو "أنتِ مثلها": فإن هذا يُعتبر صريح في طلاقهما معًا، فتطلقان معًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظة "الشراكة" أو "المماثلة" التي ذكرها بعد طلاق الأولى مباشرة: أن يكون الحكم فيهما واحدًا؛ لعدم احتمال غير ما نطق به فيكون كأنه أعاد على الثانية طلاقها.
(٣٧) مسألة: إذا كتب الزوج اللفظ الصريح في الطلاق كأن يكتب: "زوجتي طالق" كتابة واضحة: فإن هذا كناية عن الطلاق، وليس بصريح، فإن نوى بذلك طلاق امرأته: فإنها تطلق، وإن لم ينوه: فلا تطلق وهو مذهب الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الكنايات محتملة للطلاق وغيره فلا بد من نيته فكذلك الكتابة محتملة لا يفهم منها الطلاق الصريح، والجامع: الاحتمال في كل، أما إذا لم ينوه: فلا يقع الطلاق؛ لاحتمال أن يكون قصده غير الطلاق - كتجربة القلم، أو تجويد الخط أو نحو ذلك -، فإن قلتَ: إنه إذا كتب ذلك: فهو صريح في الطلاق فيقع وإن لم ينوه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج إذا تلفّظ بلسانه بالطلاق: فإنه يقع، فكذلك إذا كتب ذلك، والجامع: فهم الطلاق في كل قلتُ: لا يُفهم الطلاق من الكتابة كما يفهم من التلفظ؛ حيث إن الكتابة محتملة كما قلنا، ومع الفرق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: =
стр. 2518
تجويد خطي، أو غمَّ أهلي: قُبل (٣٨) وكذا: لو قرأ ما كتبه، وقال: لم أقصد إلا القراءة (٣٩)، وإن أتى بصريح الطلاق من لا يعرف معناه: لم يقع (٤٠).
(فصل): (وكنايته) نوعان: ظاهرة، وخفية فـ (الظاهرة) هي: الألفاظ الموضوعة
"تعارض القياسين".
(٣٨) مسألة: إذا كتب الزوج اللفظ الصريح في الطلاق: كأن يكتب: "أنتِ طالق" أو "زوجتي طالق" ثم قال: إنما أردتُ ذلك تجويد خطِّي، أو تجربة قلمي، أو غمَّ أهلي: فإن ذلك يُقبل منه، ولا يقع الطلاق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته غير الطلاق: قبول قوله، وعدم وقوع الطلاق.
(٣٩) مسألة: إذا كتب الزوج اللفظ الصريح في الطلاق كأن كتب: "أنتِ طالق" أو "زوجتي طالق" ثم قرأ ما كتبه، وقال: "لم أقصد إلا القراءة فقط": فإنه يُقبل منه ولا يقع الطلاق؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تلفَّظ بلفظ "الطلاق" وقصد به الحكاية عن غيره، أو التعليم، أو ضرب المثال أو نحو ذلك: فإنه يُقبل منه، ولا يقع طلاق امرأته، فكذلك الحال هنا، والجامع: عدم قصد الطلاق في كل.
(٤٠) مسألة: إذا تلفَّظ الزوج باللفظ الصريح في الطلاق - كقوله: "طلقتكِ" أو "أنتِ طالق" - وهو لا يعرف معناه، ولا يدرك أنه يتسبَّب في مفارقة زوجته: فإن الطلاق لا يقع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأعجمي لو نطق بلفظ "الطلاق" باللغة العربية، وهو لا يدرك ولا يفهم مقصده عند العرب: فإنه لا يقع طلاقه لزوجته، فكذلك الحال هنا، والجامع: عدم قصد الطلاق في كل.
[فرع]: لا يقع الطلاق بغير لفظ إلا في حالتين: أولهما: إذا كتبه، ونواه - كما سبق في مسألة (٢٧) - ثانيهما: إذا كان الزوج لا يقدر على الكلام مثل الأخرس، فإن زوجته تطلق بالإشارة التي فُهم منها أن قصده الطلاق؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتلفظ بالطلاق تطلق زوجته فكذلك الأخرس تطلق زوجته بالإشارة التي فُهم منها أن قصده الطلاق، والجامع: فهم الطلاق في كل.
стр. 2519
للبينونة (نحو: أنتِ خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة) أي: مقطوعة الوصلة (وأنتِ حرَّة، وأنتِ الحرج) وحبلك على غاربك، وتزوجي من شئت، وحللتِ للأزواج، ولا سبيل لي، أو لا سلطان لي عليكِ، وأعتقتكِ، وغطي شعركِ، وتقنَّعي (و) الكناية (الخفية) موضوعة للطلقة الواحدة (نحو: اخرجي، واذهبي، وذوقي، وتجرَّعي، واعتدي) ولو غير مدخول بها (واستبرئي، واعتزلي، وليست لي بامرأة، والحقي بأهلك، وما أشبهه) كلا حاجة لي فيكِ، وما بقي شيء، وأغناك الله، وإن الله قد طلَّقك، والله قد أراحكِ مني، وجرى القلم، ولفظ: فراق وسراح، وما تصرَّف منهما، غير ما تقدَّم (٤١) (ولا يقع بكناية ولو) كانت (ظاهرة طلاق إلا بنية مقارنة
(٤١) مسألة: الكناية في الطلاق هو: كل لفظ فيه يفهم منه التخلية، أو الفراق بين الزوجين، ويحتمل غيره، وهو قسمان: القسم الأول: الألفاظ الظاهرة، وهي التي تكون الدلالة على الطلاق فيها أظهر وأوضح، وهي التي وُضعت للطلاق البائن عادة مثل قول الزوج لزوجته: "أنت خلية" و"برية" - من البراءة من الزواج - و"بائن" - من البين، وهو الفراق والانفصال - و"بتة" - من البتر، وهو قطع الزوجية - و"بتلة" - من البتل، وهو قطع الوصلة والنكاح - و"أنتِ حرَّة" - أي: خلصتِ من رق الزوجية -، و"أنتِ الحَرَج" - أي: أنت الحرام والإثم علي - و"حبلك على غاربكِ"، - أي: غير مشدودة ولا ممسكة بعقد زواج - و"تزوجي من شئتِ" و"حللت للأزواج" - أي: بنتِ مني - و"لا سبيل لي عليكِ" و"لا سلطان لي عليك" - أي: أنتِ طالق لا رجعة لي عليك" - و"أعتقتكِ" - أي: تخلصتِ من رق الزوجية" - و"غطِّي شعركِ عني" و"تقنَّعي" - أي: حرمتِ علي - فهذه الألفاظ ظاهرة في معنى الطلاق والبينونة، ولا يقع الطلاق البائن بها إلا أن ينوي بها الطلاق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذه الألفاظ: ظهور الطلاق، والبينونة بها، ويلزم من وجود الاحتمال فيها: وجوب نيته للطلاق فيها وسيأتي زيادة له في مسألة (٤٤)، القسم الثاني: الألفاظ الخفية، وهي التي تكون الدلالة =
стр. 2520
للفظ)؛ لأنه موضوع لما يشابهه، ويجانسه، فيتعيَّن لذلك، لإرادته له، فإن لم ينو: لم يقع (٤٢) (إلا حال خصومة أو) حال (غضب أو) حال (جواب سؤالها) فيقع الطلاق
على الطلاق فيها أخفى، وهي التي وُضعت للطلقة الواحدة فقط عادة ما لم ينو المتلفِّظ أكثر منها مثل قول الزوج لزوجته: "اُخرجي من داري" و"اذهبي" و"ذوقي" و"تجرَّعي" و"اعتدِّي" - ولو كانت تلك المرأة غير مدخول بها - و"استبرئي" - أي: استبرئي رحمك - و"اعتزلي" - أي: كوني وحدك بلا زوج و"لستِ لي بامرأة" و"الحقي بأهلكِ" و"لا حاجة لي فيكِ" و"ما بقي شيء لي عندكِ"، و"أغناكِ الله" - أي: بالطلاق، و"اختاري" و"إن الله قد أطلقكِ" و"الله قد أراحكِ مني" و"فرَّق الله بيني وبينك في الدنيا والآخرة" و"جرى القلم" - أي: جرى بطلاقها - و"فارقتكِ" و"سرَّحتك" و"هذا فراق بيني وبينك" وما تصرَّف من لفظتي "فراق" و"سراح" - كما سبق في مسألة (٢٩) - وقوله: "اطلقي" وقوله لها: "أنتِ تطلقين" وقوله: "أنتِ مطلِّقة - بكسر اللام، كما سبق في مسألة (٣٠) - أو أخرج زوجته من دارها، أو ضربها ثم قال لها بعد ذلك مباشرة: "هذا طلاقكِ" - كما سبق في مسألة (٣٥) -، أو كتب الزوج على ورقة: "أنتِ طالق" - كما سبق في مسألة (٣٧) - ونحو ذلك: فإن هذا كله من كنايات الطلاق الخفية، تقع فيه طلقة واحدة؛ إن نواها واحدة، أو أطلق، أما إن نواها ثلاثًا فتقع ثلاث طلقات، وإن نوى ذلك اثنتين: فتقع طلقتين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إطلاق تلك الألفاظ الخفية: أنها لا تحتمل إلا وقوع طلقة واحدة، ويلزم من وجود الاحتمال فيها: وجوب نيته للطلاق فيها.
(٤٢) مسألة: يُشترط لوقوع الطلاق بالكنايات - السابق ذكرها في مسألة (٤١) -: أن يتلفظ بها، في حين أنه نوى بها الطلاق: سواء كانت تلك الكنايات ألفاظًا ظاهرة، أو ألفاظًا خفية، أما إن تلفظ بتلك الكنايات ولم ينو بها الطلاق: أو تلفظ بها وهو لم ينو الطلاق حينها، ثم نواه بعد ذلك: فلا يقع الطلاق؛ =
стр. 2521
في هذه الأحوال بالكناية، ولو لم ينوه؛ للقرينة (فلو لم يرده) في هذه الأحوال (أو أراد غيره في هذه الأحوال: لم يقبل) منه (حكمًا)؛ لأنه خلاف الظاهر من دلالة الحال، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى (٤٣) (ويقع مع النية بـ) الكناية (الظاهرة ثلاث،
لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من أن تلك الكنايات يحتمل فيها الطلاق وغيره: وجوب مصاحبتها بنية الطلاق؛ تقوية لإرادته، وتعيينًا لمقصوده وهذا يستوفيه الظاهرة والخفية، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن المسلم لو تطهر، ثم بعد فراغه نوى أن هذا التطهر لرفع حدثه: لا يصح تطهره، فكذلك الحال هنا، لو ذكر تلك الكنايات عن الطلاق، ولم ينو بها الطلاق، ثم بعد ذلك نواه: لم يقع الطلاق، والجامع: عدم مصاحبة النية للعمل، فلا تكون له، فإن قلتَ: إن الطلاق يقع بالكنايات الظاهرة - وهي القسم الأول في مسألة (٤١) - من غير نية الطلاق، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تلفظ بصريح لفظ الطلاق كقوله: "أنتِ طالق" - فإنه يقع الطلاق، بدون نيته - كما سبق في مسألة (٣١) - فكذلك الحال في الكنايات الظاهرة والجامع: اشتهار استعمال الطلاق في تلك الألفاظ في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن اللفظ الصريح بالطلاق لا يحتمل غير الطلاق، بخلاف الكنايات الظاهرة: فإنها تحتمل الطلاق وغيره فلذا اشترطت النية فيه، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" وأيضًا: "الخلاف في الكنايات الظاهرة هل تحتمل غير الطلاق أو لا؟ " فعندنا: تحتمل، وعندهم: لا.
(٤٣) مسألة: إذا تلفظ الزوج بلفظ من ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة أو الخفية - كما سبق بيانها في مسألة (٤١) - وهو في حال خصومة بينه وبين زوجته، ومنافرة، أو هو في حال غضب، أو هو في حال طلبها منه بأن يطلقها: فإن الطلاق يقع، ولو لم ينوه، فلو ادَّعى الزوج بأنه لم يرد الطلاق بذلك التعبير في تلك الأحوال: =
стр. 2522
وإن نوى واحدة)؛ لقول علماء الصحابة: منهم ابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة ﵃ (٤٤) (و) يقع (بالخفية ما نواه) من واحدة أو أكثر، فإن نوى الطلاق
فإنه لا يُقبل منه حكمًا، أي: يقع الطلاق وإن ادَّعى ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو تلفظ بتلك الكنايات مع مصاحبتها بنية الطلاق: فإن الطلاق يقع، فكذلك لو تلفَّظ بتلك الكنايات مع مصاحبتها لتلك الأحوال الثلاثة - حال الخصومة بينهما، وحال الغضب منه، وحال طلبها طلاقها منه: فإنه يقع الطلاق، والجامع: أن كلًّا من النية، والأحوال الثلاثة تلك أدلة على قصده وإرادته الطلاق، الثانية: التلازم؛ حيث إن دعواه: "إنه لم يرد بذلك الطلاق" فيه مخالفة للظاهر من دلالة الأحوال الثلاثة يلزم منه: عدم قبول تلك الدعوى، وإيقاع الطلاق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه يُستدل بالأحوال الظاهرة والباطنة في إثبات الأحكام على الأفراد، كأحكام الصلاة، والشهادات، والتصرفات، ونحوها، فيكون الطلاق من ضمنها، وهذا ظاهر، فإن قلتَ: إنها لا تطلق في تلك الكنايات إلّا إذا نوى بها الطلاق: سواء كان في حال غضب، أو خصومة، أو طلبها الطلاق، أو لا، وهو مذهب الجمهور؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الكنايات مع تلك الأحوال الثلاثة ليست بصريحة في الطلاق، ولم ينوه فيلزم عدم وقوع الطلاق بها، فإن نواه: فإنه يقع، قلتُ: إن قرينة الحال ودلالته تقوم مقام النية في معرفة مقصد الشخص فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في دلالة الحال هل هي تقوم مقام النية أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٤٤) مسألة: إذا تلفَّظ الزوج بلفظ من ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة - كما سبق ذكرها في مسألة (٤١) - ونوى بها الطلاق: فإنه يقع بها ثلاث طلقات: سواء كانت الزوجة مدخولًا بها أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه لفظ يقتضي البينونة في الطلاق فيلزم: أن يقع ثلاث طلقات، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن =
стр. 2523
فواحدة (٤٥)، وقول: أنا طالق، أو بائن، أو كلى، أو اشربي، أو اقعدي، أو بارك الله عليك ونحوه لغو، ولو نواه طلاقًا (٤٦).
(فصل): (وإن قال) لزوجته (أنتِ علي حرام، أو كظهر أمي: فهو ظهار ولو نوى به الطلاق)؛ لأنه صريح في تحريمها (وكذلك: ما أَحلَّ الله علي حرام) أو الحل علي حرام (٤٧)، .............................................
ذلك ثبت عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وعائشة.
(٤٥) مسألة: إذا تلفَّظ الزوج بلفظ من ألفاظ كنايات الطلاق الخفية - كما سبق ذكرها في مسألة (٤١) - ونوى بها واحدة: فإنها تقع طلقة واحدة، وإذا نوى بها اثنتين: فإنها تقع طلقتين، وإذا نوى بها ثلاثًا: فإنها تقع ثلاث طلقات، وإذا نوى الطلاق فقط: فإنها تقع طلقة واحدة رجعية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته للعدد: وقوع ما نواه، ويلزم من كون اللفظ لا دلالة له على العدد، ويصدق بأقل ما يطلق عليه الاسم: أن لا يقع إلا طلقة واحدة إن لم ينو عددًا.
(٤٦) مسألة: إذا تلفظ الزوج بلفظ ليس من صريح الطلاق - كما سبق في مسألة (٢٩) - ولا من كناياته - كما في مسألة (٤١) - كقوله لزوجته: "أنا طالق" أو "أنا منكِ طالق" أو "أنا بائن" أو "أنا منكِ بائن" أو "أنا حرام" أو "أنا بريء" أو يقول لها: "كلي" أو "اشربي" أو "اقعدي" أو "قومي" أو "بارك الله فيكِ وعليك" أو "أنتِ مليحة وجميلة" أو "أنتِ قذرة وقبيحة": فلا يقع بذلك طلاق ويكون لغوًا من الكلام: سواء نوى الطلاق به، أو لم ينوه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الألفاظ ليست من صريح الطلاق، ولا كنايته: أن لا يقع بها طلاق مطلقًا؛ لعدم احتمال الطلاق فيه.
(٤٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ علي حرام" أو قال لها: "أنتِ علي كظهر أمي" أو قال لها: "ما أحلَّ الله علي حرام" أو قال لها: "الحلُّ علي حرام": فإن =
стр. 2524
وإن قاله لمحرَّمة بحيض أو نحوه، ونوى أنها محرَّمة به: فلغو (٤٨) (وإن قال: ما أحلَّ الله علي حرام، أعني به الطلاق: طلقت ثلاثًا)؛ لأن الألف واللام للاستغراق؛ لعدم معهود يُحمل عليه (٤٩) (وإن قال: أعني به طلاقًا: فواحدة)؛ لعدم ما يدل على الاستغراق (٥٠) (وإن قال) زوجته (كالميتة، والدم، والخنزير: وقع ما نواه من طلاق،
كل ذلك يكون ظهارًا: سواء نوى بهذا القول طلاق زوجته أو لم ينو به ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن كون هذه الألفاظ تقتضي تحريمها على التأبيد، والطلاق هو تحريم غير مؤبَّد يلزم منه: أن تكون تلك الألفاظ ظهارًا، ولا تكون طلاقًا، ويلزم من كون تلك الألفاظ صريحة في الظهار: عدم صلاحية نيتها للطلاق.
(٤٨) مسألة: إذا كانت الزوجة يحرم وطؤها وجماعها بسبب حيض، أو نفاس، أو صيام، أو إحرام بحج أو عمرة، ثم قال لها زوجها: "أنتِ علي حرام" أو "كظهر أمي" أو "ما أحل الله علي حرام" أو "الحل علي حرام" ونوى أنها محرَّمة عليه بذلك الحيض والنفاس ونحوه: فإن هذا لغو من الكلام، لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا؛ للتلازم؛ حيث إن مطابقة قوله هذا للواقع من زوجته - وهو: أنها محرمة حقيقة - بالحيض أو غيره من الأسباب - يلزم منه: أنه كلام لغو، لا يُعتبر، فلا يكون ظهارًا ولا طلاقًا.
(٤٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "ما أحلَّ الله علي حرام: أعني به الطلاق": فإن زوجته تطلق ثلاث طلقات، لا تحل له إلا بعد زوج آخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة اللفظية - وهي قوله: "أعني به الطلاق": صرف اللفظ عن كونه ظهارًا، إلى كونه طلاقًا، ويلزم من لفظ "الطلاق" وقوع جميع عدد الطلاق الثلاث؛ لأن "الطلاق" اسم محلى بأل الاستغراقية، وهي من صيغ العموم، فتعم جميع عدد الطلقات؛ لعدم وجود معهود لفظي أو ذهني تعود إليه "أل" هنا.
(٥٠) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "ما أحلَّ الله علي حرام: أعني به طلاقًا": فإن زوجته تطلق طلقة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة اللفظية - وهي قوله: =
стр. 2525
وظهار، ويمين): بأن يريد ترك وطئها، لا تحريمها، ولا طلاقها، فتكون يمينًا، فيها الكفارة بالحنث (وإن لم ينو شيئًا) من هذه الثلاثة: (فظهار)؛ لأن معناه: أنتِ علي حرام كالميتة، والدم (٥١) (وإن قال: حلفتُ بالطلاق، وكذب)؛ لكونه لم يكن حلف
"أعني به طلاقًا": صرف اللفظ عن كونه ظهارًا إلى كونه طلاقًا، ويلزم من لفظ "طلاق": وقوع طلقة واحدة فقط؛ لأنه نكرة في سياق إثبات، فلا يفيد عموم الطلقات، فيكون طلقة واحدة؛ لعدم وجود ما يدل على الاستغراق والشمول.
(٥١) مسألة: إذا قال زوج: "إن زوجتي كالميتة" أو "إنها كالدم" أو "إنها كالخنزير": ففي ذلك حالتان: الحالة الأولى: إن كان قد نوى عند قوله ذلك طلاقًا: فإنه يقع ما نواه، وهو: أن تطلق زوجته، وإن كان قد نوى: ظهارًا: فإنه يقع ظهارًا، وتفارقه زوجته، وإن كان قد نوى: يمينًا: بأن كان يريد ترك جماعها فقط، ولم يقصد طلاقها، ولا تحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا: فإن ذلك يكون يمينًا، وتجب على ذلك الزوج كفارة اليمين - إما عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام -؛ للتلازم؛ حيث إن النية مخصِّصة لقصده وإرادته فيلزم العمل على تلك النية الحالة الثانية: إن لم ينو الزوج عند قوله ذلك طلاقًا، ولا ظهارًا، ولا يمينًا: فإنه يكون ظهارًا؛ للتلازم؛ حيث إنه قد شبَّه زوجته بالميتة أو الدم، أو الخنزير المحرمات على المسلم على التأبيد، وهذا يلزم منه كونه ظهارًا؛ لكون الظهار تحريمًا على التأبيد، فإن قلتَ: إن ذلك لا يكون ظهارًا، بل يكون يمينًا؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل براءة الذمة، فإذا نطق بلفظ محتمل: فإنه يُحمل على أقل الأحكام - وهو هنا اليمين -، لأنه هو اليقين، وما فوقه مشكوك فيه قلتُ: إن ما قاله الزوج ليس بلفظ محتمل، بل يغلب على الظن أنه أراد التحريم المؤبَّد؛ لدلالة تشبيهها بالميتة، والدم، والخنزير، وهذه محرمة على التأبيد، فيكون ما قصده من الفرقة مثل ذلك، وهو الظهار فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف فيما قاله الزوج هنا هل هو لفظ محتمل، أو =
следующие страницы →