Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
في هذه الأحوال بالكناية، ولو لم ينوه؛ للقرينة (فلو لم يرده) في هذه الأحوال (أو أراد غيره في هذه الأحوال: لم يقبل) منه (حكمًا)؛ لأنه خلاف الظاهر من دلالة الحال، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى (٤٣) (ويقع مع النية بـ) الكناية (الظاهرة ثلاث،
لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من أن تلك الكنايات يحتمل فيها الطلاق وغيره: وجوب مصاحبتها بنية الطلاق؛ تقوية لإرادته، وتعيينًا لمقصوده وهذا يستوفيه الظاهرة والخفية، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن المسلم لو تطهر، ثم بعد فراغه نوى أن هذا التطهر لرفع حدثه: لا يصح تطهره، فكذلك الحال هنا، لو ذكر تلك الكنايات عن الطلاق، ولم ينو بها الطلاق، ثم بعد ذلك نواه: لم يقع الطلاق، والجامع: عدم مصاحبة النية للعمل، فلا تكون له، فإن قلتَ: إن الطلاق يقع بالكنايات الظاهرة - وهي القسم الأول في مسألة (٤١) - من غير نية الطلاق، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تلفظ بصريح لفظ الطلاق كقوله: "أنتِ طالق" - فإنه يقع الطلاق، بدون نيته - كما سبق في مسألة (٣١) - فكذلك الحال في الكنايات الظاهرة والجامع: اشتهار استعمال الطلاق في تلك الألفاظ في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن اللفظ الصريح بالطلاق لا يحتمل غير الطلاق، بخلاف الكنايات الظاهرة: فإنها تحتمل الطلاق وغيره فلذا اشترطت النية فيه، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" وأيضًا: "الخلاف في الكنايات الظاهرة هل تحتمل غير الطلاق أو لا؟ " فعندنا: تحتمل، وعندهم: لا.
(٤٣) مسألة: إذا تلفظ الزوج بلفظ من ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة أو الخفية - كما سبق بيانها في مسألة (٤١) - وهو في حال خصومة بينه وبين زوجته، ومنافرة، أو هو في حال غضب، أو هو في حال طلبها منه بأن يطلقها: فإن الطلاق يقع، ولو لم ينوه، فلو ادَّعى الزوج بأنه لم يرد الطلاق بذلك التعبير في تلك الأحوال: =
стр. 2522
وإن نوى واحدة)؛ لقول علماء الصحابة: منهم ابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة ﵃ (٤٤) (و) يقع (بالخفية ما نواه) من واحدة أو أكثر، فإن نوى الطلاق
فإنه لا يُقبل منه حكمًا، أي: يقع الطلاق وإن ادَّعى ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو تلفظ بتلك الكنايات مع مصاحبتها بنية الطلاق: فإن الطلاق يقع، فكذلك لو تلفَّظ بتلك الكنايات مع مصاحبتها لتلك الأحوال الثلاثة - حال الخصومة بينهما، وحال الغضب منه، وحال طلبها طلاقها منه: فإنه يقع الطلاق، والجامع: أن كلًّا من النية، والأحوال الثلاثة تلك أدلة على قصده وإرادته الطلاق، الثانية: التلازم؛ حيث إن دعواه: "إنه لم يرد بذلك الطلاق" فيه مخالفة للظاهر من دلالة الأحوال الثلاثة يلزم منه: عدم قبول تلك الدعوى، وإيقاع الطلاق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه يُستدل بالأحوال الظاهرة والباطنة في إثبات الأحكام على الأفراد، كأحكام الصلاة، والشهادات، والتصرفات، ونحوها، فيكون الطلاق من ضمنها، وهذا ظاهر، فإن قلتَ: إنها لا تطلق في تلك الكنايات إلّا إذا نوى بها الطلاق: سواء كان في حال غضب، أو خصومة، أو طلبها الطلاق، أو لا، وهو مذهب الجمهور؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الكنايات مع تلك الأحوال الثلاثة ليست بصريحة في الطلاق، ولم ينوه فيلزم عدم وقوع الطلاق بها، فإن نواه: فإنه يقع، قلتُ: إن قرينة الحال ودلالته تقوم مقام النية في معرفة مقصد الشخص فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في دلالة الحال هل هي تقوم مقام النية أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٤٤) مسألة: إذا تلفَّظ الزوج بلفظ من ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة - كما سبق ذكرها في مسألة (٤١) - ونوى بها الطلاق: فإنه يقع بها ثلاث طلقات: سواء كانت الزوجة مدخولًا بها أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه لفظ يقتضي البينونة في الطلاق فيلزم: أن يقع ثلاث طلقات، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن =
стр. 2523
فواحدة (٤٥)، وقول: أنا طالق، أو بائن، أو كلى، أو اشربي، أو اقعدي، أو بارك الله عليك ونحوه لغو، ولو نواه طلاقًا (٤٦).
(فصل): (وإن قال) لزوجته (أنتِ علي حرام، أو كظهر أمي: فهو ظهار ولو نوى به الطلاق)؛ لأنه صريح في تحريمها (وكذلك: ما أَحلَّ الله علي حرام) أو الحل علي حرام (٤٧)، .............................................
ذلك ثبت عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وعائشة.
(٤٥) مسألة: إذا تلفَّظ الزوج بلفظ من ألفاظ كنايات الطلاق الخفية - كما سبق ذكرها في مسألة (٤١) - ونوى بها واحدة: فإنها تقع طلقة واحدة، وإذا نوى بها اثنتين: فإنها تقع طلقتين، وإذا نوى بها ثلاثًا: فإنها تقع ثلاث طلقات، وإذا نوى الطلاق فقط: فإنها تقع طلقة واحدة رجعية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته للعدد: وقوع ما نواه، ويلزم من كون اللفظ لا دلالة له على العدد، ويصدق بأقل ما يطلق عليه الاسم: أن لا يقع إلا طلقة واحدة إن لم ينو عددًا.
(٤٦) مسألة: إذا تلفظ الزوج بلفظ ليس من صريح الطلاق - كما سبق في مسألة (٢٩) - ولا من كناياته - كما في مسألة (٤١) - كقوله لزوجته: "أنا طالق" أو "أنا منكِ طالق" أو "أنا بائن" أو "أنا منكِ بائن" أو "أنا حرام" أو "أنا بريء" أو يقول لها: "كلي" أو "اشربي" أو "اقعدي" أو "قومي" أو "بارك الله فيكِ وعليك" أو "أنتِ مليحة وجميلة" أو "أنتِ قذرة وقبيحة": فلا يقع بذلك طلاق ويكون لغوًا من الكلام: سواء نوى الطلاق به، أو لم ينوه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الألفاظ ليست من صريح الطلاق، ولا كنايته: أن لا يقع بها طلاق مطلقًا؛ لعدم احتمال الطلاق فيه.
(٤٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ علي حرام" أو قال لها: "أنتِ علي كظهر أمي" أو قال لها: "ما أحلَّ الله علي حرام" أو قال لها: "الحلُّ علي حرام": فإن =
стр. 2524
وإن قاله لمحرَّمة بحيض أو نحوه، ونوى أنها محرَّمة به: فلغو (٤٨) (وإن قال: ما أحلَّ الله علي حرام، أعني به الطلاق: طلقت ثلاثًا)؛ لأن الألف واللام للاستغراق؛ لعدم معهود يُحمل عليه (٤٩) (وإن قال: أعني به طلاقًا: فواحدة)؛ لعدم ما يدل على الاستغراق (٥٠) (وإن قال) زوجته (كالميتة، والدم، والخنزير: وقع ما نواه من طلاق،
كل ذلك يكون ظهارًا: سواء نوى بهذا القول طلاق زوجته أو لم ينو به ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن كون هذه الألفاظ تقتضي تحريمها على التأبيد، والطلاق هو تحريم غير مؤبَّد يلزم منه: أن تكون تلك الألفاظ ظهارًا، ولا تكون طلاقًا، ويلزم من كون تلك الألفاظ صريحة في الظهار: عدم صلاحية نيتها للطلاق.
(٤٨) مسألة: إذا كانت الزوجة يحرم وطؤها وجماعها بسبب حيض، أو نفاس، أو صيام، أو إحرام بحج أو عمرة، ثم قال لها زوجها: "أنتِ علي حرام" أو "كظهر أمي" أو "ما أحل الله علي حرام" أو "الحل علي حرام" ونوى أنها محرَّمة عليه بذلك الحيض والنفاس ونحوه: فإن هذا لغو من الكلام، لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا؛ للتلازم؛ حيث إن مطابقة قوله هذا للواقع من زوجته - وهو: أنها محرمة حقيقة - بالحيض أو غيره من الأسباب - يلزم منه: أنه كلام لغو، لا يُعتبر، فلا يكون ظهارًا ولا طلاقًا.
(٤٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "ما أحلَّ الله علي حرام: أعني به الطلاق": فإن زوجته تطلق ثلاث طلقات، لا تحل له إلا بعد زوج آخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة اللفظية - وهي قوله: "أعني به الطلاق": صرف اللفظ عن كونه ظهارًا، إلى كونه طلاقًا، ويلزم من لفظ "الطلاق" وقوع جميع عدد الطلاق الثلاث؛ لأن "الطلاق" اسم محلى بأل الاستغراقية، وهي من صيغ العموم، فتعم جميع عدد الطلقات؛ لعدم وجود معهود لفظي أو ذهني تعود إليه "أل" هنا.
(٥٠) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "ما أحلَّ الله علي حرام: أعني به طلاقًا": فإن زوجته تطلق طلقة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة اللفظية - وهي قوله: =
стр. 2525
وظهار، ويمين): بأن يريد ترك وطئها، لا تحريمها، ولا طلاقها، فتكون يمينًا، فيها الكفارة بالحنث (وإن لم ينو شيئًا) من هذه الثلاثة: (فظهار)؛ لأن معناه: أنتِ علي حرام كالميتة، والدم (٥١) (وإن قال: حلفتُ بالطلاق، وكذب)؛ لكونه لم يكن حلف
"أعني به طلاقًا": صرف اللفظ عن كونه ظهارًا إلى كونه طلاقًا، ويلزم من لفظ "طلاق": وقوع طلقة واحدة فقط؛ لأنه نكرة في سياق إثبات، فلا يفيد عموم الطلقات، فيكون طلقة واحدة؛ لعدم وجود ما يدل على الاستغراق والشمول.
(٥١) مسألة: إذا قال زوج: "إن زوجتي كالميتة" أو "إنها كالدم" أو "إنها كالخنزير": ففي ذلك حالتان: الحالة الأولى: إن كان قد نوى عند قوله ذلك طلاقًا: فإنه يقع ما نواه، وهو: أن تطلق زوجته، وإن كان قد نوى: ظهارًا: فإنه يقع ظهارًا، وتفارقه زوجته، وإن كان قد نوى: يمينًا: بأن كان يريد ترك جماعها فقط، ولم يقصد طلاقها، ولا تحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا: فإن ذلك يكون يمينًا، وتجب على ذلك الزوج كفارة اليمين - إما عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام -؛ للتلازم؛ حيث إن النية مخصِّصة لقصده وإرادته فيلزم العمل على تلك النية الحالة الثانية: إن لم ينو الزوج عند قوله ذلك طلاقًا، ولا ظهارًا، ولا يمينًا: فإنه يكون ظهارًا؛ للتلازم؛ حيث إنه قد شبَّه زوجته بالميتة أو الدم، أو الخنزير المحرمات على المسلم على التأبيد، وهذا يلزم منه كونه ظهارًا؛ لكون الظهار تحريمًا على التأبيد، فإن قلتَ: إن ذلك لا يكون ظهارًا، بل يكون يمينًا؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل براءة الذمة، فإذا نطق بلفظ محتمل: فإنه يُحمل على أقل الأحكام - وهو هنا اليمين -، لأنه هو اليقين، وما فوقه مشكوك فيه قلتُ: إن ما قاله الزوج ليس بلفظ محتمل، بل يغلب على الظن أنه أراد التحريم المؤبَّد؛ لدلالة تشبيهها بالميتة، والدم، والخنزير، وهذه محرمة على التأبيد، فيكون ما قصده من الفرقة مثل ذلك، وهو الظهار فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف فيما قاله الزوج هنا هل هو لفظ محتمل، أو =
стр. 2526
به: (لزمه) الطلاق (حكمًا) مؤاخذة له بإقراره، ويدين فيما بينه وبين الله (٥٢) (وإن قال) لزوجته: (أمرك بيدك: ملكت ثلاثًا، ولو نوى واحدة)؛ لأنه كناية ظاهرة. وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس (٥٣) (ويتراخى) فلها أن تطلِّق نفسها متى شاءت ما لم يحد لها حدًّا أو (ما لم يطأ، أو يطلِّق، أو يفسخ) ما جعله لها، أو ترد هي؛ لأن ذلك يُبطل الوكالة (٥٤) (ويختص)
لا؟ فعندنا: غير محتمل، وعندهم محتمل.
(٥٢) مسألة: إذا قال الزوج: "حلفتُ بالطلاق" ولكنه كذب في هذا الحلف؛ لكونه لم يحلف به أصلًا: فإنه يُحكم بطلاق زوجته؛ للتلازم؛ حيث إنه أقرَّ بالطلاق بسبب هذا القول فيلزم إيقاعه؛ مؤاخذة له بذلك الإقرار، هذا على حسب الظاهر، أما ما نواه: فإنه يوكل إلى دينه فيما بينه وبين الله.
[فرع]: إذا قال: "حلفتُ بالطلاق الثلاث" ثم قال: لم أحلف إلا بواحدة: فإنه يُقبل قوله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه أعلم من غيره بحاله: أن يُقبل قوله.
(٥٣) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أمركِ بيدكِ" ونوى به الطلاق: فإنها تملك أن تُطلِّق نفسها ثلاث طلقات: سواء نوى الزوج طلقة واحدة، أو لم ينو شيئًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما لو قال لها: "طلقي نفسك ما شئتِ": فإنها تملك أن تطلِّق نفسها ثلاث طلقات، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها توكيل لها بأن تطلق نفسها، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس.
(٥٤) مسألة: إذا قال زوج لزوجته: "أمركِ بيدكِ" ونوى به الطلاق: فإنها تطلق نفسها في أيِّ وقتٍ شاءت بشرط: أن لا يُحدِّد لها وقتًا، أو يطأها ويجامعها، أو يُطلِّقها بنفسها، أو يفسخ ما جعله لها، أو يفسخها بخلع، أو ترد هي ما جعله لها فإن حصل واحد من تلك الأمور فلا تراخي في ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوكيل =
стр. 2527
قوله لها (اختاري نفسك بواحدة، وبالمجلس المتصل ما لم يزدها فيهما) بأن يقول لها: "اختاري نفسك متى شئتِ" أو "أي عدد شئتِ" فيكون على ما قال؛ لأن الحق له، وقد وكَّلها فيه، ووكيل كل إنسان يقوم مقامه، واحترز بالمتصل عما لو تشاغلا بقاطع قبل اختيارها، فيبطل به (٥٥)، وصفة اختيارها: "اخترت نفسي" أو "أبوي" أو
يجوز أن يعمل على التوكيل متى ما شاء: فورًا وعلى التراخي إذا أُطلق له وقت الوكالة، وتبطل تلك الوكالة إذا انتهى وقت الوكالة المحدَّد، أو يبطلها الموكِّل، أو يرفضها الوكيل، أو يحصل شيء يفسخ الوكالة كموت الوكيل، أو الموكِّل، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا من المقاس، والمقاس عليه قد وُجدت فيهما حقيقة التوكيل.
(٥٥) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "اختاري نفسكِ" ونوى به الطلاق: فإن الزوجة تملك طلقة واحدة فقط بشرطين: أولهما: أن تختار في المجلس المتصل بذلك القول منه، فإن تشاغل الزوجان بقاطع من الكلام غير الطلاق، أو قاما أو أحدهما قبل اختيارها: فإن هذا القول يبطل، وليس لها أن تختار لنفسها فلا تملك شيئًا من الطلاق، ثانيهما: أن لا يزيد على ذلك القول شيئًا، فإن زاد فيه كأن يقول لها: "اختاري نفسك متى شئتِ" أو قال: "اختاري نفسك أيَّ عدد شئتِ": أو نوى وقتًا، أو عددًا: فإنه يُعمل على ما قال من الزيادة، أو نواه؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من لفظ "اختاري" بدون زيادة تفويضها تفويضًا معينًا فإذا اختارت تناول أقل ما يطلق عليه الاسم، وهو طلقة واحدة رجعية، ويلزم من كون ذلك بلا عوض: أن لا تكون بائنًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قضى عمر وعثمان وابن عمر، وابن مسعود في الرجل يخير امرأته بدون زيادة أن لها الخيار ما لم يتفرقا، ما داما في المجلس، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط في خيار القبول للمبيع الفورية، فكذلك ما نحن فيه، والجامع: أن كلًّا منهما خيار تمليك.
стр. 2528
"الأزواج" فإن قالت: "اخترتُ زوجي" أو "اخترت" فقط: لم يقع شيء (٥٦) (فإن ردَّت) الزوجة (أو وطئـ) ـها (أو طلقـ) ـها (أو فسخ) خيارها قبله: (بطل خيارها) كسائر الوكالات (٥٧)، ومن طلَّق في قلبه: لم يقع، وإن تلفظ به، أو حرَّك لسانه: وقع، ومميز، ومميزة يعقلانه كبالغين فيما تقدم (٥٨).
(٥٦) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "اختاري نفسكِ" ونوى به الطلاق: فصفة اختيارها: أن تقول: "اخترت نفسي" أو تقول: "اخترتُ أبوي" أو تقول: "اخترت الأزواج" فحينئذٍ تطلق طلقة واحدة رجعية، أما إن قالت: "اخترتُ زوجي" أو قالت: "اخترتُ" فقط: فلا يقع شيء، ويكون لغوًا من الكلام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة: "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، ولم يعد ذلك طلاقًا" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تفويض الطلاق إليها: أن توقعه بهذه الصفة؛ لدلالتها اختيارها غير زوجها، ويلزم من اختيارها لزوجها، أو اختيارها بدون إضافة: أن لا يقع شيء.
(٥٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "اختاري نفسكِ" فردَّت الزوجة ذلك، أو جامعها ووطئها، أو طلقها، أو فسخ نكاحها بخلع قبل اختيارها: فإنه يبطل اختيارها ويسقط، للقياس؛ بيانه: كما أن الوكالة تبطل، برد الوكيل لها، وفسخ الموكِّل لها بقول أو فعل فكذلك تخيير الزوج لزوجته يبطل بتلك الأمور، والجامع: أن كلًّا منها توكيل له حكم الوكالات.
(٥٨) مسألة: إذا طلق زوج زوجته في قلبه ولم يتلفَّظ به بلسانه: فإنها لا تطلق، أما إن تلفَّظ بالطلاق، أو حرَّك لسانه به: فإنه يقع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلَّم" فدل منطوق ذلك على أن ما يُحدِّث به الإنسان نفسه: قد تجاوز الشارع عنه، فلا يترتب عليه آثاره، وهذا عام؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، فيشمل الطلاق وغيره، ودل بمفهوم الشرط على أن الذي يتكلَّم به المسلم المكلَّف لا =
стр. 2529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يتجاوز الشارع عنه؛ حيث إنه مؤاخذ به، وهذا عام، من باب: "عموم المفهوم" فيدخل الطلاق في هذا العموم وغيره، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من النطق بالطلاق: وقوعه؛ لتوفر شرطه، وهو التلفُّظ فيه، ويلزم من عدم هذا الشرط - وهو التلفُّظ به - عدم وقوعه، ولو فكَّر فيه في قلبه. تنبيه: قوله: "ومميز ومميزة يعقلانه كبالغين فيما تقدم" قلتُ: هذا مذهب المصنف؛ حيث إنه يقع عنده طلاق الصبي المميز الذي يعقل معنى الطلاق، وقد بينتُ: أن طلاق الصبي لا يصح ولا يقع وذلك في الفرع التابع لمسألة (٦). تنبيه آخر: يقع الطلاق بغير لفظ في حالتين: وهما: إذا كتب صريح الطلاق، ونواه، وإذا طلَّق الأخرس، وقد سبق بيان ذلك في الفرع التابع لمسألة (٤٠).
هذه آخر مسائل: "بيان تعريف الطلاق، وحكمه، ومن يصح طلاقه، ومن لا يصح طلاقه، والتوكيل فيه، والطلاق السني والبدعي، وصريح الطلاق وكنايته وما ليس منهما" ويليه باب: "ما يختلف به عدد الطلاق والاستثناء في الطلاق".
стр. 2530
باب ما يختلف به عدد الطلاق
وهو معتبر بالرجال، روي عن عمر، وعثمان، وزيد، وابن عباس، فـ (يملك من كله حر، أو بعضه) حر (ثلاثًا و) يملك (العبد اثنتين: حرة كانت زوجتاهما أو أمة)؛ لأن الطلاق خالص حق الزوج فاعتبر به (١) (فإذا قال) حر: (أنتِ الطلاق أو)
باب ما يختلف به عدد الطلاق، والاستثناء في الطلاق
وفيه ثلاث وعشرون مسألة:
(١) مسألة: كثرة عدد التطليقات، وقلتها معتبر بالزوج فقط، أي: ينظر فيه إلى الزوج: فإن كان الزوج حرًا: فإنه يملك ثلاث تطليقات: سواء كانت زوجته حرَّة، أو أمة، وإن كان الزوج عبدًا: فإنه يملك تطليقتين فقط: سواء كانت زوجته حرَّة أو أمة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "طلاق العبد اثنتان، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقروء الأمة حيضتان" - كما روته عائشة - حيث دلّ منطوقه على أن العبد لا يملك إلا طلقتين فقط، وهذا مطلق: أي: سواء كانت التي تحته حرة أو أمة، ويدلّ على أن المالك للطلاق هو الزوج، فإذا ثبت هذا في العبد فمن باب أولى أن يثبت بالحر من باب "مفهوم الموافقة الأولى" فيكون الطلاق معتبرًا بالزوج فقط، ودلّ مفهوم الصفة والعدد على أن الحر يملك أكمل العدد في الطلاق وهو: ثلاث تطليقات؛ ثانيهما: قوله ﵇: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" فجعله للزوج؛ لأنه هو الذي يأخذ بالساق، الثانية: التلازم؛ حيث إن الله تعالى قد خاطب الرجال بالطلاق قائلًا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وجعلهم يملكون النكاح في قوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾ يلزم منه: أن يكون الطلاق حق خالص لهم، فيعتبر بهم، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، =
стр. 2531
أنتِ (طالق أو) قال (علي) الطلاق (أو) قال (يلزمني) الطلاق: (وقع ثلاثًا بنيتها)؛ لأن لفظه يحتمل ذلك (وإلا) ينو بذلك ثلاثًا (فواحدة)؛ عملًا بالعرف، وكذا: قوله:
وابن عباس فإن قلتَ: إن الطلاق معتبر بالنساء: فيملك زوج الحرة ثلاثًا: سواء كان عبدًا أو حرًا، ويملك زوج الأمة طلقتين: سواء كان عبدًا أو حرًا، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "طلاق الأمة تطليقتان" - كما روته عائشة -، وهذا مطلق في الزوج، أي: سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن العدَّة يعتبر بها المرأة، فكذلك الطلاق، والجامع: أن كلًّا منهما هي محله. الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي، وابن مسعود، قلتُ: أما الحديث: فهو ضعيف؛ لما قاله أبو داود: إن من رواته مظاهر بن أسلم، وهو منكر الحديث، وقد خالفه ما رويناه عن عائشة أنه ﵇ قال: "طلاق العبد اثنتان" وقد سبق، وهو أصح منه فيقدَّم عليه، أما القياس فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الحر يملك أن يتزوج أربعًا، فلزم أن يملك من الطلقات ثلاثًا، فيكون الطلاق خاصًا بالرجل، بخلاف المرأة؛ حيث تختص بالعدة: أما قول الصحابي: فهو معارض بقول صحابي آخر فيتساقطان، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في حديث: "طلاق الأمة تطليقات" فعندنا: ضعيف، وعندهم: صحيح، وأيضًا: "تعارض القياس مع السنة القولية".
[فرع]: إذا كان الزوج مبعَّضًا، أي: بعضه حر، وبعضه الآخر عبد: فإنه يتزوج ثلاثًا - كما سبق - ويطلق ثلاث تطليقات؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن يملك كل مطلق ثلاث تطليقات، وإنما خولف في العبد الكامل الرق - بأن كان له تطليقتان فقط -؛ لحديث عائشة: "طلاق العبد اثنتان"، فيبقى فيما عداه على الأصل، ويُعمل به.
стр. 2532
"الطلاق لازم لي" أو "علي": فهو صريح: منجزًا، أو معلَّقًا، ومحلوفًا به (٢)، وإذا قاله من معه عدد: وقع بكل واحدة طلقة، ما لم تكن نية، أو سبب يخصِّصه بإحداهن (٣)، وإن قال: "أنتِ طالق" ونوى ثلاثًا: وقعت (٤)، بخلاف: "أنتِ طالق
(٢) مسألة: إذا قال زوج حر لزوجته: "أنتِ الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق" أو قال: "علي الطلاق" أو قال: "يلزمني الطلاق" أو قال: "الطلاق لازم لي" أو قال: "الطلاق لازم علي": فإن الطلاق يقع ثلاثًا على زوجته إذا نوى أنها ثلاث تطليقات، أما إذا لم ينو ذلك: فإن الطلاق عليها يقع واحدة، وهذا مطلق، أي: سواء كان ذلك الطلاق منجزًا كقوله: "أنتِ طالق" أو معلَّقًا بشرط كقوله: "أنتِ طالق إن دخلتِ الدار" أو كان محلوفًا به كقوله: "أنتِ طالق لأقومن"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الألفاظ صريحة في الطلاق: أن يقع الطلاق بها واحدة، ويلزم من احتمال قصده واحدة أو ثلاثًا: أن يُعلَّق ذلك على نيته بهذا اللفظ: فإن نوى بها ثلاثًا: وقعت كلها، وإن لم ينوِ به ذلك: وقعت واحدة.
(٣) مسألة: إذا قال زوج لعدد من زوجاته: "علي الطلاق" أو قال: "الطلاق لازم لي" أو "الطلاق لازم علي": فإنه تقع على كل واحدة من زوجاته طلقة واحدة بشرطين: أولهما: أن لا ينوي بذلك القول وقوع أكثر من طلقة، فإن نوى بأن تقع أكثر من طلقة على كل واحدة منهن: فإنه يقع ما نواه ثانيهما: أن لا يوجد سبب يخصِّص الطلاق بإحدى الزوجات كالمشاجرة مع إحداهن، فإن وجد ذلك السبب كالمشاجرة والمخاصمة مع إحداهن: فإن ذلك الطلاق يقع على المتشاجر والمتخاصم معها فقط، دون غيرها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم نيته لأكثر من طلقة: أن تقع واحدة، ويلزم من نيته لأكثر منها: أن يقع ما نواه من التطليقات، ويلزم من عدم السبب المخصِّص لإحداهن: تعميم الطلاق بواحدة لجميعهن، ويلزم من وجود المخصص: وقوع الطلاق على المخصَّصة بالمشاجرة معها.
(٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق" ونوى بذلك أنها ثلاث: فإنها تقع =
стр. 2533
واحدة": فلا يقع به ثلاثًا، وإن نواها (٥) (ويقع بلفظ) أنتِ طالق (كل الطلاق، أو
ثلاث طلقات؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه إذا قال: "أنت طالق ثلاثًا" لوقع ثلاثًا، فكذلك إذا قال: "أنتِ طالق" ونوى ثلاثًا: فإنها تطلق ثلاثًا كالكنايات والجامع: أنه قصد في كلٍ وقوع الثلاث عليها الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون "طالق" اسم فاعل اقتضاؤه للمصدر وهو "طلاق" والمصدر يقع على القليل والكثير، فإن قلتَ: إنه يقع واحدة فقط وهو رواية عن أحمد، وهو قول الحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما لو قال: "أنتِ طالق واحدة" فلا يقع إلا واحدة فكذلك إذا قال: "أنتِ طالق" ولو نوى ثلاثًا والجامع: أن هذا اللفظ لا يتضمن عددًا ولا بينونة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن النية عندنا تفيد ما يفيده اللفظ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
[فرع]: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق طلاقًا" ونوى ثلاثًا فإن زوجته تطلق ثلاثًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المصدر يصدق على القليل والكثير، أن يكون ذلك ثلاث طلقات إذا نواها.
(٥) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق واحدة" ونوى بها ثلاثًا: فلا يقع بها إلا واحدة، وكذلك لو طلق طلقة واحدة، ثم قال: "جعلتها ثلاثًا" لا يقع إلا واحدة؛ للتلازم؛ حيث إن لفظه لا يحتمل أكثر من واحدة، ونيته ثلاثًا هي نية لما لا يحتمله لفظه فلزم أن لا يقع إلا واحدة؛ عملًا بلفظه.
[فرع]: إن قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق هكذا" وأشار بأصابعه الثلاث: فإنها تطلق ثلاثًا، أما إن قال "أنتِ طالق" وأشار بأصابعه الثلاث ولم يقل: "هكذا": فلا تطلق إلا طلقة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "هكذا": بيان ما أراده من عدد التطليقات فكان صريحًا بالتشبيه، مثل قوله ﵇: "الشهر هكذا وهكذا" وأشار بيده مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين، ويلزم من عدم لفظ "هكذا": عدم وقوع الطلاق إلا مرة واحدة؛ لكون الإشارة قاصرة =
стр. 2534
أكثره، أو عدد الحصى، أو الريح، أو نحو ذلك ثلاث ولو نوى واحدة)؛ لأنها لا يحتملها لفظه كقوله: يا مائة طالق (٦)، وإن قال: "أنتِ طالق أغلظ الطلاق، أو أطوله، أو أعرضه، أو ملء الدنيا، أو عظم الجبل: فطلقه، إن لم ينو أكثر (٧) (وإن
عن بيان عدد التطليقات.
(٦) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق كل الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق أكثر الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق عدد الحصى" أو قال: "أنتِ طالق عدد الريح" أو قال: "أنتِ طالق جميع الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق منتهى الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق غاية الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق عدد القطر" أو قال: "أنتِ طالق عدد الرَّمل، أو عدد التراب" أو قال: "يا مائة طالق": فإنه زوجته تطلق ثلاث تطليقات: سواء نوى ذلك واحدة، أو لم ينو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ تقتضي العدد، ولا تحتمل الواحدة: فلزم أن تكون ثلاثًا، فإن قلتَ: إن قال: "أنتِ طالق كعدد التراب، أو عدد الماء" فلا تقع إلا واحدة وهو قول أبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون "الماء" والتراب "من أسماء الأجناس: أن لا يكون له عدد قلتُ: إن الماء تتعدَّد أنواعه وقطراته، والتراب تتعدَّد أجزاؤه وأنواعه، فيكون كالحصى، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الماء والتراب هل لهما أعداد أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق أشد الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق أغلظ الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق أطول الطلاق، أو قال: "أنتِ طالق أعرض الطلاق" أو قال: "أنتِ طالق ملء السماء" أو قال: "أنتِ طالق ملء الدار" أو قال: "أنتِ طالق عظم الجبل": فإن زوجته تطلق طلقة واحدة بشرط: أن لا ينوي أكثر منها، فإن نوى أكثر من واحدة: فإنه يقع ما نواه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الألفاظ لا تقتضي عددًا وأنها ترجع إلى الكيف، ولا =
стр. 2535
طلَّق) من زوجته (عضوًا) كيد، أو إصبع (أو) طلَّق منها (جزءًا مشاعًا) كنصف وسدس (أو) جزءًا (معينًا) كنصفها الفوقاني (أو) جزءًا (مبهمًا): بأن قال لها: "جزؤك طالق" (أو قال) لزوجته: "أنتِ طالق" (نصف طلقة، أو جزءًا من طلقة: طلقت)؛ لأن الطلاق لا يتبعَّض (٨) (وعكسه: الروح، والسن، والشعر، والظفر ونحوه) فإذا قال لها: "روحكِ، أو سنكِ، أو شعركِ، أو ظفركِ، أو سمعكِ، أو بصركِ، أو ريقكِ طالق": لم تطلق (٩)، ..............................
ترجع إلى الكم: أن لا يقع إلا طلقة واحدة، ويلزم من نيته أكثر منها: وقوع ما نواه، فإن قلتَ: إنه يقع بذلك ثلاثًا، وهو قول أبي حنيفة وكثير من أصحابه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وصفه الطلاق بصفة زائدة: أن يقع بذلك الثلاث، وهي البينونة، قلتُ: إن هذه الألفاظ قد جاءت من الزوج بدون التعرض للعدد، ولا يوجد عوض: فكان رجعيًا كما لو قال: "أنتِ طالق" وسكت، وهذا كله لا يقتضي زيادة عدد عليه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(٨) مسألة: إذا طلَّق الزوج عضوًا من أعضاء زوجته كأن يقول لها: "يدك، أو إصبعك طالق" أو طلَّق جزءًا مشاعًا منها كقوله لها: "نصفك، أو سدسك طالق" أو طلق جزءًا معينًا كقوله لها: "نصفك الفوقاني طالق"، أو طلَّق جزءًا مبهمًا كقوله لها: "جزؤك طالق"، أو قال لها: "أنتِ طالق نصف طلقة" أو قال: "أنتِ طالق جزءًا من طلقة: فإن تلك الزوجة تطلق طلقة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الطلاق لا يتبعَّض: وقوع طلقة واحدة كاملة؛ حيث إن ذكر ما لا يتبعَّض في الطلاق مثل ذكر جميعه، ويلزم من إضافة الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح: أن تطلق جميع أجزائها.
(٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "روحكِ طالق" أو قال: "سنكِ طالق" أو قال: "شعركِ طالق" أو قال: "ظفركِ طالق" أو قال: "سمعكِ طالق" أو قال: "بصركِ =
стр. 2536
وعتق في ذلك كطلاق (١٠) (وإذا قال لـ) زوجة (مدخول بها: أنتِ طالق، وكرره) مرتين، أو ثلاثًا: (وقع العدد) أي: وقع الطلاق بعدد التكرار: فإن كرره مرتين: وقع اثنتان، وإن كرره ثلاثًا، وقع ثلاث؛ لأنه أتى بصريح الطلاق (إلا أن ينوي) بتكراره (تأكيدًا: يصح) بأن يكون متصلًا (أو) ينوي (إفهامًا) فيقع واحدة؛ لانصراف ما زاد عليها عن الوقوع بنية التأكيد المتصل، فإن انفصل التأكيد وقع
طالق" أو قال: "ريقكِ طالق": فإن زوجته لا تطلق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الأشياء تنفصل عنها في حال السلامة، ولا يستمتع بها عادة: عدم وقوع الطلاق بسببها، فإن قلتَ: إن قال: "شعركِ، أو ظفركِ أو سنك طالق": فإنها تطلق بذلك، وهو قول مالك والشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال: "إصبعكِ طالق": فإنها تطلق، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منها جزء قد استبيح بنكاحها فطلق بطلاقها، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشعر، والسن، والظفر تنفصل في حال السلامة، بخلاف الإصبع فلا ينفصل إلا في حالة غير سليمة، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: "تعارض القياس مع التلازم" فإن قلت: إذا قال الزوج: "روحك طالق"؛ فإنها تطلق، وهي رواية عن أحمد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزوجة لا تبقى بدون روحها: أن تطلق إذا طلَّق روحها قلتُ: إن الروح ليست عضوًا، ولا شيئًا يستمتع به: فلا تطلق المرأة بطلاق روحها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٠) مسألة: إذا أعتق سيد عضوًا من أعضاء عبده لا ينفصل إلا بضرر كقوله: "يدك حرة" ونحو ذلك: فإنه يعتق، وإذا أعتق جزءًا ينفصل بدون ضرر كقوله: "شعرك أو ظفرك، أو بصرك حر" ونحوه: فإنه لا يعتق؛ للقياس على الزوجة في مسألتي (٨ و ٩) وقد سبق بيان ذلك.
стр. 2537
أيضًا؛ لفوات شرطه (١١) (وإن كرره ببل) بأن قال: "أنتِ طالق، بل طالق (أو بثم) بأن قال: أنتِ طالق، ثم طالق (أو بالفاء) بأن قال: أنتِ طالق، فطالق (أو قال) طالق طلقة (بعدها) طلقة (أو) طلقة (قبلها) طلقة (أو) طلقة (معها طلقة: وقع اثنتان) في مدخول بها؛ لأن للرجعية حكم الزوجات في لحوق الطلاق (١٢) (وإن لم
(١١) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته المدخول بها - بوطء، أو خلوة -: "أنتِ طالق" وكرَّر هذا القول مرتين أو ثلاثًا: فله حالتان: الحالة الأولى: إن كرَّر لفظ الطلاق بأن قال: "أنتِ طالق، أنت طالق، أنتِ طالق" ولم ينو في ذلك تأكيد الطلاق، ولا إفهامها أنه أوقع عليها الطلاق: فإنه يقع عليها عدد ما كرره: فإن كرره مرتين: وقعت طلقتان، وإن كرره ثلاث مرات: وقع ثلاث طلقات؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد أتى بصريح الطلاق ولم ينو تأكيده ولا إفهامها: أن يقع عدد الطلاق الذي تلفَّظ به الحالة الثانية: إن كرر لفظ الطلاق: بأن قال: "أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق" ونوى بهذا التكرار تأكيد الطلاق، أو نوى به إفهامها بأنه طلَّقها: فإنها تطلق طلقة واحدة فقط بشرط: أن يكون هذا التأكيد، أو إفهامها متصلًا مباشرة بتلفُّظه، بأن يقول: "أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق" ثم يقول بعدها: نويت بالثانية والثالثة التأكيد، أو نويت بهما إفهامها، أما إن انفصلت تلك النية عن القول: فإنها تطلق ثلاثًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود تلك النية متصلة بتلفظه بتلك الألفاظ: أن يُعمل بنيته وقصده، ويلزم من انفصال تلك النية عن قوله ذلك: عدم اعتبار نيته، ووقوع عدد ما تلفَّظ به؛ لعدم وجود شرط الاتصال. تنبيه: خُصِّصت هذه المسألة بالزوجة المدخول بها لأن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة - كما سيأتي بيانه -.
(١٢) مسألة: إذا كرر الزوج الطلاق لزوجته المدخول بها بـ "بل" أو بـ "ثم" أو بـ "الفاء"، أو كرره بجعل واحدة بعد الأخرى، أو قبلها: فإنه يقع الطلاق بعدد ما كرره، فمثلًا: لو قال: "أنتِ طالق، بل طالق" أو قال: "أنتِ طالق ثم طالق" =
стр. 2538
يدخل بها: بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها)؛ لأن البائن لا يلحقها طلاق (١٣).
بخلاف: أنتِ طالق طلقة معها طلقة، أو فوق طلقة، أو تحت طلقة، أو فوقها، أو تحتها طلقة: فثنتان، ولو غير مدخول بها (١٤) (والمعلَّق) من الطلاق
أو قال: "أنتِ طالق فطالق" أو قال: "أنتِ طالق طلقة بعدها طلقة" أو قال: "أنت طالق طلقة بعد طلقة" أو قال: "أنتِ طالق طلقة قبلها طلقة" أو قال: "أنتِ طالق طلقة معها طلقة": فإن زوجته تلك تطلق طلقتين؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال: "أنتِ طالق طلقتين" فكذلك الحال في تلك الصور والجامع: أن كلًّا منها لفظ يقتضي وقوع طلقتين؛ لكونها حروف عطف؛ لأن "طلقتين" هي: "طلقة وطلقة"، فإن قلتَ: كيف تطلق المطلقة؟ قلتُ: لأن المدخول بها إذا طلقت طلقة واحدة، أو اثنتين: فإنها تكون رجعية، وحكم الرجعية حكم الزوجات في لحوق الطلاق، فتأتي الطلقة الثانية فتصادفها محل نكاح فتقع، وكذلك الطلقة الثالثة مثل ذلك.
(١٣) مسألة: إذا كرر لفظ الطلاق - كما في مسألة (١١) - أو كرر الطلاق ببل أو بثم، أو بالفاء - كما في مسألة (١٢) - لزوجته غير المدخول بها: فإنها تكون بائنًا بالطلقة الأولى، ولا يلزمه ما بعدها من الطلقات؛ للتلازم؛ حيث إن غير المدخول بها إذا طلقها واحدة تكون بائنًا، والبائن غير زوجة ولا رجعية، فيلزم عدم وقوع الطلاق مرة ثانية بها؛ لكون تلك الحروف - وهي بل، وثم والفاء - تقتضي الترتيب فتقع بها الأولى فتبينها، وتأتي الثانية فتصادفها غير زوجة، فلا تقع بها.
(١٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق طلقة معها طلقة" أو "أنتِ طالق طلقة فوق طلقة" أو "أنتِ طالق طلقة تحت طلقة" أو "أنتِ طالق طلقة تحتها طلقة" أو "أنتِ طالق طلقة فوقها طلقة": فإن زوجته تطلق طلقتين: سواء كانت مدخولًا بها، أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ ليست مرتبة فالمعية، والفوقية، والتحتية لا يُقدم إحداها على الأخرى، فهي متساوية فيلزم وقوعها =
стр. 2539
(كالمنجز في هذا) الذي تقدم ذكره، فإن قال: "إن قمتِ فأنتِ طالق، وطالق، وطالق" فقامت: وقع الثلاث ولد غير مدخول بها (١٥)، و"إن قمتِ فأنتِ طالق فطالق، أو ثم طالق" وقامت: وقع ثنتان في مدخول بها (١٦) وتبين غيرها بالأولى (١٧).
وقوع ما تلفَّظ به من الطلقتين معًا: بخلاف "بل، وثم، والفاء" فهي تفيد الترتيب - كما سبق بيانه -.
(١٥) مسألة: إذا علَّق الزوج طلاق زوجته على شرط: فإنه يكون كالطلاق المنجز فيما إذا كرَّر لفظه، أو كرره بـ "بل أو ثم، أو الفاء" - كما سبق في مسألتي (١١ و ١٢) - فمثلًا: لو قال الزوج لزوجته: "إن قمتِ فأنتِ طالق، وطالق، وطالق" فقامت: فإنها تطلق ثلاث تطليقات: سواء كانت مدخولًا بها أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن كون "الواو" تقتضي الجمع، ولا تقتضي الترتيب يلزم منه وقوع ثلاث تطليقات معًا، كما لو قال: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، وكرر ذلك ثلاثًا، فدخلت: فإنها تطلق ثلاثًا ولم تتقدَّم طلقة على أخرى هنا حتى تقول: إن غير المدخول بها قد بانت بها، بل اجتمعت معًا.
(١٦) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته المدخول بها: "إن قمتِ فأنتِ طالق فطالق" أو قال: "إن قمتِ فأنتِ طالق ثم طالق": فقامت: فإن زوجته تلك تطلق طلقتين، أو قال لها: "إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، إن دخلت الدار فأنتِ طالق": فإنها تطلق طلقتين، وإن كرر ذلك ثلاثًا: فإنها تطلق ثلاثًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من العطف بالفاء أو "ثم"، أو تكرار الصفة: أن يقع الطلاق بعدد المعطوف والمعطوف عليه، وحيثما وُجدت الصفة وتكررت؛ لكونها للترتيب.
(١٧) مسألة: كل طلاق مرتَّب في الوقوع بحيث يأتي بعضه بعد بعض: يقع بغير المدخول بها طلقة واحدة فقط فمثلًا: إذا قال لزوجته غير المدخول بها: "إن قمتِ فأنتِ طالق فطالق" أو قال: "إن قمتِ فأنتِ طالق ثم طالق": فإن تلك الزوجة لا تطلق إلا طلقة واحدة وتبين منها، وهي الطلقة الأولى؛ للتلازم؛ حيث يلزم =
стр. 2540
(فصل): في الاستثناء في الطلاق (ويصح منه) أي: من الزوج (استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق و) عدد (المطلقات) فلا يصح استثناء الكل، ولا أكثر من النصف (فإذا قال: أنتِ طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة)؛ لأنه كلام متصل أبان به أن المستثنى غير مراد بالأول، قال تعالى - حكاية عن إبراهيم -: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يريد به البراءة من غير الله (وإن قال): أنتِ طالق (ثلاثًا إلا واحدة: فطلقتان)؛ لما سبق (١٨)، وإن قال: "إلا طلقتين إلا
من كون "ثم، والفاء" تفيد الترتيب: وقوع الطلاق بالأولى فقط، وتأتي الطلقة الثانية فتصادفها غير زوجة ولا رجعية: فلا تقع بها.
(١٨) مسألة: إذا طلق الزوج عددًا من الطلقات، واستثنى أقل من النصف، أو طلَّق عددًا من زوجاته، واستثنى أقل من نصفهن: فإن الاستثناء يصح، فمثلًا: لو قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة" فإنها تطلق طلقتين، أو قال لثلاث: "نسائي طوالق إلا فلانة" فإن الاثنتين من زوجاته تلك تطلقان؛ لقاعدتين: الأولى: الاستقراء؛ حيث إنه قد ثبت من استقراء وتتبع كلام أهل اللغة - وهم المرجع في ذلك كابن جني، وابن قتيبة، وأبي إسحاق الزجاج، وابن درستويه - أن الاستثناء في كلام العرب لم يأت إلا في القليل من الكثير، الثانية: المصلحة؛ حيث إن كون الاستثناء قد جرى في كلام العرب على خلاف الأصل؛ لكونه إنكار بعد إقرار، والأصل عدم الإنكار، لكن لما كان الإنسان قد يغفل عن القليل مما أقرّ به: فإنه أجيز استثناء القليل لدفع الضرر عنه، أما الأكثر أو النصف فلا يعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز وقد بينتُ ذلك في كتابي: "المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٦٨٤) - تنبيه: قوله: "ويصح استثناء النصف" وقوله: "أنتِ طالق طلقتين إلا واحدة" قلتُ: سيأتي بيانه، فإن قلتَ: لا يصح الاستثناء في الطلاق ولكنه يجوز في المطلقات، وهو قول بعض العلماء فلو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة": فإنها تطلق ثلاثًا؛ ولو قال: "نسائي طوالق إلا =
стр. 2541
واحدة": فكذلك؛ لأنه استثنى ثنتين إلا واحدة من ثلاث، فيقع ثنتان (١٩)، وإن قال: "ثلاثًا إلا ثلاثًا" أو "إلا ثنتين": وقع الثلاث (٢٠)
فلانة" فإن المستثناة لا تطلق؛ للتلازم؛ حيث إن الطلاق لا يمكن رفعه بعد إيقاعه فيلزم: عدم صحة الاستثناء في الطلاق، لعدم قدرته على رفعه قلتُ: إن الاستثناء ليس برفع لما وقع، وإنما هو مبين أن المستثنى غير مراد في الكلام؛ حيث إنه يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، يؤيده قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ حيث أراد أنه بريء من كل المعبودين، واستثنى منهم الله تعالى، فهو لا يبرأ منه، فهو أخرجه بواسطة الاستثناء، فكذلك قوله: "أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة" يريد أن يبين بهذا الاستثناء أن تلك الواحدة المستثناة غير مرادة في الكلام؛ حيث منع الاستثناء دخولها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل الاستثناء رافع، أو هو مبين للمراد؟ " فعندنا: الثاني، وعندهم: الأول.
(١٩) مسألة: يصح الاستثناء من الاستثناء في الطلاق ويكون الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فمثلًا: لو قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثنتين إلا واحدة": فإن امرأته تطلق طلقتين؛ للتلازم؛ حيث استثنى من الثلاث المثبتة طلقتين ونفاهما؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، فبقيت طلقة واحدة مثبتة، ثم استثنى من الطلقتين المنفيتين واحدة فأثبتها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات: ومجموع طلقة مثبتة مع الطلقة الأخرى المثبتة: تساوي طلقتين. تنبيه: هذه المسألة مبنية على رأي من يقول: يجوز استثناء النصف، وهم بعض الحنابلة - كما بينته في "المهذب في أصول الفقه" (٤/ ١٦٩١) - وسيأتي الرد عليه.
(٢٠) مسألة: لا يصح استثناء النصف، ولا الأكثر، ولا الكل في الطلاق: فمثلًا: لو قال الزوج لزوجته: "أنت طالق طلقتين إلا واحدة": فإن ذلك لا يصح ولا ينفعه استثناؤه وتطلق زوجته طلقتين ولو قال لزوجتيه: "أنتما طالقتان إلا فلانة" =
стр. 2542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا يصح، وتطلقان، ولو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا إلا اثنتين": فلا يصح وتطلق ثلاثًا أو قال لزوجاته الثلاث: أنتن طوالق إلا فلانة وفلانة": فلا يصح، وتطلق جميعًا، أو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا" فلا يصح وتطلق ثلاثًا، ولو قال لنسائه الثلاث: "أنتن طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة": فلا يصح: فإنهن يطلقن جميعًا؛ لقواعد: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن استثناء الكل لا يجوز في الأحكام كلها، ومنها الطلاق - وقد بينت ذلك في كتابي: "المهذَّب في أصول الفقه (٤/ ١٦٨٣) الثانية: الاستقراء؛ الثالثة: المصلحة؛ وقد سبق تفصيل الكلام عنهما في مسألة (١٨)، فإن قلت: إن استثناء النصف يصح، فإذا قال الزوج: "أنتِ طالق طلقتين إلا واحدة" فإنها تطلق واحدة، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو مذهب بعض الحنابلة وبعض النحاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ حيث إن الشارع قد استثنى النصف هنا، مما يدل على جوازه الثانية: التلازم؛ حيث إن الاستثناء كلام متصل قد أبان به أن طلقة غير مرادة قلتُ: إن الآية لا تصلح للاستدلال هنا؛ لأنه يجاب عنها بجوابين: أولهما: إن لفظ "نصفه" كلام مبتدأ به، وليس باستثناء، وإنما الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، ثانيهما: أن نصفه ظرف للقيام فيه، وهو بدل من الليل، وتقديره: "قم نصف الليل إلا قليلًا" أما التلازم؛ فلا يصح؛ لكونه ورد على غير اللغة العربية فلا يلزم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في لفظ "نصفه" الوارد في الآية هل هو مبتدأ به وظرف، أو مستثنى؟ فعندنا: الأول، وعندهم الثاني، فإن قلتَ: لِمَ يحكي العلماء الإجماع على عدم جواز استثناء الكل مع أنه نقل عن عبد الله بن طلحة البابري الإشبيلي المالكي: أنه قال في كتابه: "المدخل في الفقه": إنه إذا قال الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا": ففيه قولان: أولهما: أنه استثناء ينفعه: فلا تطلق، ثانيهما: أنه لا =
стр. 2543
(وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات) (٢١) بأن قال: "نساؤه طوالق" ونوى إلا فلانة: (صح) الاستثناء، فلا تطلق؛ لأن قوله: "نسائي طوالق" عام، يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له؛ لأن استعمال اللفظ العام في المخصوص سائغ في الكلام (دون عدد الطلقات) فإذا قال: "هي طالق ثلاثًا" ونوى إلا واحدة: وقعت الثلاث؛ لأن العدد نص فيما يتناوله فلا يرتفع بالنية؛ لأن اللفظ أقوى من النية، وكذا لو قال: "نسائي الأربع طوالق" واستثنى
ينفعه، ويلزمه الثلاث قلتُ: إن العلماء قد حكموا على ذلك بأنه شاذ وغريب؛ لذلك لا يخرق الإجماع، تنبيه: لقد ذهب كثير من العلماء إلى جواز استثناء الأكثر في الطلاق وغيره، فلو قال: "أنتِ طالق إلا طلقتين": فإنها تطلق واحدة، واستدلوا بأربعة أدلة، وقد أجبت عليها بالتفصيل في كتابي: "المهذب في أصول الفقه" (٤/ ١٦٨٦) -.
(٢١) مسألة: إذا استثنى بقلبه ونيّته بعض المطلَّقات، أو الطلقات: ففي ذلك حالات ثلاث: الحالة الأولى: إن استثنى بقلبه ونيته من المطلقات من غير ذكر عددهن: فإنه يصح الاستثناء بشرط: أن تكون النية مقارنة للفظ فمثلًا: لو قال: "نسائي طوالق" ونوى بقلبه إلا فلانة حال قوله ذلك: فإن المستثناة لا تطلق؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون ذلك القول - وهو: "نسائي طوالق" - عامًا يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له: صحة هذا الاستثناء؛ لأن استعمال اللفظ العام ويراد به الخصوص ورد كثيرًا في النصوص، من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ والمراد: نعيم بن مسعود الأشجعي الحالة الثانية: إن استثنى بقلبه من المطلقات مع ذكر عددهن: فإنه لا يصح الاستثناء كقوله: "نسائي الأربع طوالق" ونوى أن فلانة ليست معهن: فإنهن يطلقن جميعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذكر عددهن - وهو قوله: "الأربع" - أن يطلقن جميعًا، دون استثناء، ولو نوى أن إحداهن لا تطلق؛ لكون اللفظ فيه تخصيص ونص فلا تقوى النية على صرف الطلاق عن أية واحدة، الحالة الثالثة: إن استثنى بقلبه من =
стр. 2544
واحدة بقلبه، فتطلق الأربع (٢١) (وإن قال) لزوجاته (أربعكن إلا فلانة طوالق: صح الاستثناء) فلا تطلق المستثناة؛ لخروجها منهن بالاستثناء (٢٢) (ولا يصح استثناء لم يتصل عادة)؛ لأن غير المتصل يقتضي رفع ما وقع بالأول، والطلاق إذا وقع لا يمكن رفعه، بخلاف المتصل؛ فإن الاتصال يجعل اللفظ جملة واحدة، فلا يقع الطلاق قبل تمامها، ويكفي اتصاله لفظًا، أو حكمًا كانقطاعه بتنفس، أو سعال، ونحوه (فلو انفصل) الاستثناء (وأمكن الكلام دونه: بطل) الاستثناء؛ لما تقدم (وشرطه) أي: شرط صحة الاستثناء: (النية) أي: نية الاستثناء (قبل كمال ما استثني منه)، فإن قال: "أنتِ طالق ثلاثًا" غير ناو للاستثناء، ثم عرض له الاستثناء فقال: "إلا واحدة": لم ينفعه الاستثناء، ووقعت الثلاث، وكذا: شرط متأخر ونحوه؛ لأنها
عدد الطلقات: فلا يصح ذلك الاستثناء فمثلًا لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا" ونوي: إلا واحدة: فلا يصح هذا الاستثناء فلا ينفعه، وتطلق ثلاثًا؛ للتلازم؛ حيث إن العدد نص فيما تناوله لا يحتمل غيره فيلزم عدم صحة استثنائه، وتقع ثلاث، لكون النية لا تقوى على صرف اللفظ هذا عن ظاهره.
(٢٢) مسألة: إذا قال لزوجاته الأربع: "أربعكن إلا فلانة طوالق": فإنه يصح الاستثناء، وينفعه فلا تطلق المستثناة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خروج المستثناة بالاستثناء: عدم طلاقها؛ لكون الاستثناء: إخراج ما لولاه لوجب دخوله مع المستثنى منه.
[فرع]: إذا قالت واحدة من نسائه: "طلق نساءك" فقال: "نسائي طوالق" أو قالت له: "طلقني" فقال: "نسائي طوالق" فإن الجميع يطلقن: الطالبة للطلاق، والطالبة لطلاق ضراتها أو غيرها - إذا لم يستثنيها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عموم لفظه - وهو الجمع المنكر المضاف إلى معرفة وهو: "نسائي" -: أن يعم حكم الطلاق جميع الطلاق: سواء كانت طالبة للطلاق أو غيرها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
стр. 2545
صوارف اللفظ عن مقتضاه فوجب مقارنتها لفظًا ونية (٢٣).
(٢٣) مسألة: يُشترط لصحة الاستثناء في الطلاق وغيره: أن يكون ذلك الاستثناء متصلًا لفظًا بالمستثنى منه بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل: بأن يقطعه قطعًا يسيرًا بشيء ضروري أو حاجي كأن يسكت عن الاستثناء بسبب انقطاع نفسه، أو سعاله، أو عطاس أو نحو ذلك، فهذا الانقطاع لا يؤثر، وهذا يحققه كمال نيته للاستثناء أثناء الكلام، فلو قال: "أنت طالق ثلاثًا" ثم تنفَّس، أو سعل وكان ناويًا للاستثناء ثم قال: "إلا واحدة": فإنه ينفعه ذلك، وتطلق طلقتين، وإن قال ذلك، وهو حين قوله لم ينو الاستثناء، ثم طرأ عليه طارئ فاستثنى قائلًا: "إلا واحدة": فإنه لا ينفعه، وتطلق ثلاثًا، وكذا: لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا" ثم اشتغل بأمر بأن يُسقى ماء، أو ببيع أو شراء: ثم استثنى قائلًا: "إلا واحدة" فإن هذا الاستثناء لا ينفعه، وتطلق ثلاثًا؛ لقاعدتين: الأولى: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع كلام أهل اللغة: أن الاستثناء المنفصل يقبح، ويُعدُّ لغوًا عندهم، فلو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا" ثم بعد مدة طويلة قال: "إلا واحدة" فهو لغو لا يفيد شيئًا. لأن الكلام في المستثنى والمستثنى منه كالجملة الواحدة، فلا يقع الطلاق قبل تمامها؛ إذ الكلام يورد لإفهام الغير وإفادته، وقوله: "إلا واحدة" بعد مدَّة طويلة لا يفيد شيئًا، لأنه لم يرتبط بالمستثنى منه كالخبر مع المبتدأ، لا بد من اتصالهما، الثانية: التلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أن الاستثناء يصرف اللفظ عن كونه عامًا إلى كونه خاصًا فيلزم أن يقترن به لفظًا ونية، ثانيهما: أن كون الطلاق بالثلاث قد وقع لما سكت عن الاستثناء بأن قال: "أنتِ طالق ثلاثًا" ثم فصل، وسكت عنه، فيلزم من وقوعه: عدم صحة الاستثناء فيما بعد؛ لأن الطلاق إذا وقع لا يمكن رفعه، فإن قلتَ: لا يُشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، بل يجوز انفصاله عنه، وهو قول بعض العلماء فيصح أن يقول: "أنتِ طالق ثلاثًا" ثم بعد مدَّة طويلة يقول: "إلا واحدة" فتطلق =
стр. 2546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هنا طلقتين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "والله لأغزون قريشًا" ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله" وهذا يلزم منه صحة الاستثناء ولو وقع الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن النسخ يصح وإن كان متأخرًا، فكذلك الاستثناء يصح وإن تأخر المستثنى عن المستثنى منه، والجامع: أن كلًّا منهما بيان وتخصيص للكلام الأول. قلتُ: أما السنة القولية؛ فليس المراد به الاستثناء، وإنما المراد به: أن الأفعال المستقبلية لا بد أن تقيد بمشيئة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وأما القياس، فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن النسخ رفع ويُشترط فيه التأخير، أما الاستثناء فهو بيان أن المستثنى غير داخل في المستثنى منه، ويُشترط فيه الاتصال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد من الاستثناء في الحديث السابق، والخلط بين النسخ والاستثناء" فإن قلتَ: لِمَ اشترط الاتصال؟ قلتُ: لأنه يلزم من جواز الفصل في الاستثناء: عدم علم صدق صادق، ولا كذب كاذب؛ لأن كل أحد يستطيع أن يتكلم بكلام عام، ثم إذا قيل له: إنك كذبت بذلك: يستثني ويتخلَّص، وهذا باطل؛ حيث يفضي إلى عدم إتمام عقود ولا مواثيق، ولا معاملات، وهذا فيه مفاسد لا تحصى، فدفعًا لذلك اشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، وقد فصَّلتُ ذلك في كتابي: "المهذَّب في أصول الفقه" (٤/ ١٦٧١) -.
[فرع]: يُشترط في الشرط والصفة الاتصال كما اشترط ذلك في الاستثناء فتقول: "أنتِ طالق ثلاثًا إن دخلتِ الدار" وتقول: "القائمة منكن قد طلقتها ثلاثًا" ولا يصح الانفصال فلا يصح أن تقول: "أنتِ طالق ثلاثًا" ثم بعد مدة يقول: "إن دخلت الدار" أو تقول: "أقصد القائمة" لذلك يسمى الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، المخصِّصات المتصلة.
стр. 2547
باب حكم إيقاع الطلاق في الزمن (الماضي و) وقوعه في الزمن (المستقبل)
(إذا قال) لزوجته: (أنتِ طالق أمس أو) قال: أنتِ طالق (قبل أن أنكحكِ، ولم ينو وقوعه في الحال: لم يقع) الطلاق؛ لأنه رفع للاستباحة، ولا يمكن رفعها في الماضي، وإن أراد وقوعه الآن: وقع في الحال؛ لأنه مقرّ على نفسه بما هو أغلظ في حقه (وإن أراد) أنها طالق (بطلاق سبق منه أو) بطلاق سبق (من زيد وأمكن): بأن كان صدر منه طلاق قبل ذلك، أو كان طلاقها صدر من زيد قبل ذلك: (قُبل) منه ذلك؛ لأن لفظه يحتمل، فلا يقع عليه بذلك طلاق، ما لم تكن قرينة كغضب، أو سؤال طلاق (فإن مات) من قال: أنتِ طالق أمسِ، أو قبل أن أنكحكِ (أو جُنَّ، أو خرس قبل بيان مراده: لم تطلق)؛ عملًا بالمتبادر من اللفظ (١) (وإن قال) لزوجته:
باب حكم إيقاع الطلاق في الماضي والحال، والمستقبل، والمستحيل، واستعمال الطلاق استعمال القسم في غير المستحيل
وفيه أربع وعشرون مسألة:
(١) مسألة: إذا طلق زوج زوجته وقرن ذلك الطلاق بزمن ماض بأن قال: "أنتِ طالق أمس"، أو في الشهر الماضي، أو قال: "أنتِ طالق قبل أن أنكحكِ" ففي ذلك حالات. الحالة الأولى: إذا لم ينو وقوع ذلك الطلاق الذي تلفَّظ به في الحال: فإن زوجته لا تطلق؛ للتلازم؛ حيث إن الطلاق رفع لاستباحة الجماع والوطء، ولا يمكن رفع ذلك من ما مضى فيلزم: عدم وقوع الطلاق، ويلزم من عدم كونها محل للنكاح لما قال لها: "أنتِ طالق قبل أن أنكحكِ": عدم صحة طلاقها، الحالة الثانية: إن كان قد نوى بهذا القول وقوع الطلاق في حال تلفُّظه: فإن زوجته تطلق بهذا القول؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد أقرّ على نفسه بذلك =
стр. 2548
أنت (طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر): لم تسقط نفقتها بالتعليق ولم يجز وطؤها من حين عقد الصفة إلى موته؛ لأن كل شهر يأتي يحتمل أن يكون شهر وقوع الطلاق، جزم به بعض الأصحاب (٢) (فـ) إن (قدم) زيد (قبل مضيه) أي: مضي شهر، أو معه:
وهو ناو لذلك: وقوع الطلاق عليها؛ لكونه قد أقرّ بما هو أغلظ في حقه، الحالة الثالثة: إن أراد بذلك القول: أن تلك الزوجة قد طلقها بطلاق سابق منه بأن كان قد صدر منه طلاق لها في زمن سابق وقد راجعها: فإنه يُقبل منه ذلك، فلا يقع طلاق عليها بذلك القول؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظه وقوله يحتمل ذلك: عدم وقوع طلاق عليها، الحالة الرابعة: إن أراد بذلك القول: إن تلك الزوجة قد طُلقت من زوج غيره، ثم لما انتهت عدّتها تزوجها هو: فإنه يقبل منه ذلك: فلا يقع طلاق عليها بذلك القول للتلازم؛ وقد سبق ذكره في الحالة الثالثة، الحالة الخامسة: إن أراد بذلك القول: أن تلك الزوجة قد طلقها هو بطلاق سابق، أو أنها قد طُلِّقت من غيره: فإنه يُقبل منه فلا تطلق بشرط: أن لا توجد قرينة تدل على أنه أراد طلاقها حاليًا كوجود غضب منها، أو أن تطلب منه أن يطلقها أما إن وجدت قرينة دالّة على إرادته طلاقها كالغصب، أو طلبها الطلاق: فلا يقبل منه ذلك وتطلق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك القرينة: وقوع طلاقها؛ لأن القرائن كالألفاظ، الحالة السادسة: إذا قال ذلك القول، ثم مات أو جُنَّ، أو خرس قبل أن يبيِّن مراده من قوله ذلك - وهو: "أنت طالق أمس" أو "أنتِ طالق قبل أن أنكحكِ": فإن زوجته لا تطلق؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل استمرار النكاح، وظاهر اللفظ لا يدلّ على وقوع الطلاق: فلزم عدم وقوع الطلاق.
(٢) مسألة: إذا قال زوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر": فيجب على الزوج أن ينفق عليها إلى أن يتبين وقوع الطلاق، ويحرم أن يطأها ويجامعها من حين تلفظه بذلك القول إلى أن يموت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها محبوسة =
стр. 2549
(لم تطلق) كقوله: "أنتِ طالق أمسِ" (٣) (و) إن قدم (بعد شهر وجزء تطلق فيه) أي: يتّسع لوقوع الطلاق فيه: (يقع) أي: تبينا وقوعه؛ لوجود الصفة (٤)، فإن كان وطئ فيه: فهو محرم، ولها المهر (٥) (فإن خالعها بعد اليمين بيوم) مثلًا (وقدم) زيد (بعد شهر ويومين) مثلًا: (صح الخلع)؛ لأنها كانت زوجة حينه (وبطل الطلاق) المعلَّق؛
لأجله: وجوب نفقتها إلى تبين الطلاق، ويلزم من احتمال أن يكون كل شهر هو وقت وقوع الطلاق: تحريم وطئها.
(٣) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر"، وقدم زيد قبل مضي شهر، أو قدم مع مضيه: فإن زوجته لا تطلق؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج لو قال: "أنتِ طالق أمس" ولم ينو وقوع ذلك في الحال: فإنها لا تطلق فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما ليس محلًا لوقوع الطلاق؛ حيث إنه لم يمض على قدوم زيد جزء يقع به الطلاق بعد مضي شهر.
(٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر"، ثم قدم بعد شهر وجزء يتّسع لوقوع الطلاق فيه: فإنها تطلق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الصفة التي علَّق الزوج عليها وقوع الطلاق: وجود الحكم، وهو وقوعه.
(٥) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر": فيحرم عليه أن يطأ ويجامع تلك الزوجة بعد قوله هذا إلى حين موته، وإذا وطئها: فلها مهر المثل؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من احتمال كون كل شهر هو وقوع الطلاق فيه: تحريم وطئها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الأجنبية يحرم وطئها، وإذا وطئها: فلها مهر المثل، فكذلك المطلقة البائن مثلها، والجامع: عدم الزوجية في كل.
[فرع]: إذا قال لزوجته: "أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر": فلا يحرم جماعها، ولو جامعها: فإنه تحصل بذلك رجعتها، وهذا معروف قد سبق بيانه.
стр. 2550
لأنها وقت وقوعه بائن، فلا يلحقها (٦) (وعكسهما) أي: يقع الطلاق، ويبطل الخلع، وترجع بعوضه إذا قدم زيد في المثال المذكور (بعد شهر وساعة) من التعليق إذا كان الطلاق بائنًا؛ لأن الخلع لم يصادف عصمة (٧) (وإن قال) لزوجته: هي (طالق قبل موتي) أو موتك، أو موت: زيد (طلقت في الحال)؛ لأن ما قبل موته من حين عقد الصفة (٨)، وإن قال: قبيل موتي - مصغرًا -: وقع في الجزء الذي يليه الموت؛
(٦) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر"، ثم خالعها بعد ذلك اليمين - وهو قوله ذلك - بيوم أو يومين مثلًا بأن أخذ منها عوضًا وفسخ نكاحها: فإن الخلع يصح بشرط: أن يكون ذلك الخلع ليس بجيلة لإسقاط يمين الطلاق، ويُبطل الخلع الطلاق المعلَّق بقدوم زيد؛ للتلازم؛ حيث إنه يأتي وقت الطلاق المعلَّق إلى هذه المرأة وهي بصفة البائن - بسبب الخلع - فيلزم عدم لحوق الطلاق بها؛ لعدم وجود محله؛ حيث صادف الزوجة وهي بائن.
(٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر"، ثم قدم زيد بعد شهر وساعة مثلًا من قوله ذلك، ثم خالعها: فإنه يقع الطلاق، ويبطل الخلع وتأخذ الزوجة العوض الذي دفعته لزوجها؛ للتلازم؛ حيث إنه قد أتى وقت الخلع، وهي بائن بسبب وقوع الطلاق؛ لتحقق الشرط، وهو قدوم زيد - فيلزم بطلان الخلع؛ لعدم وجود محله؛ حيث صادف الزوجة وهي بائن، أي: ليست داخلة في عصمة زوجها.
[فرع]: إذا كانت الزوجة رجعية: بأن طلقها واحدة، ثم خالعها: فإنه يصح الخلع قبل وقوع الطلاق وبعده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الرجعية زوجة: صحة مخالعتها إن لم تنقض عدتها.
(٨) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق قبل موتي" أو "أنتِ طالق قبل موتكِ" أو "أنتِ طالق قبل موت زيد" أو "أنتِ طالق قبل دخولك الدار" أو "أنتِ طالق قبل قدوم زيد": فإنها تطلق حال تلفظه بذلك للتلازم؛ حيث إن ما=
стр. 2551
لأن التصغير دل على التقريب (٩) (وعكسه) إذا قال: أنتِ طالق (معه) أي: مع موتي (أو بعده) فلا يقع؛ لأن البينونة حصلت بالموت، فلم يبق نكاح يزيله الطلاق (١٠)، وإن قال: يوم موتي: طلقت أوله (١١).
(فصل): (و) إن قال: (أنتِ طالق إن طرتِ، أو صعدتِ السماء، أو قلبتِ
قبل موته أو موت زوجته، أو موت زيد، أو دخول الدار، أو قدوم زيد يبدأ من حين تلفظه لذلك القول - وهو عقده لتلك الصفة -، وعدم وجود ما يقتضي للتأخير: يلزم منه: وقوع الطلاق في حال نطقه بذلك؛ لأنَّه ابتداؤه، وإذا ابتدأ: وقع.
(٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنت طالق قبيل موتي" - بتصغير قبل - أو "أنتِ طالق قبيل موتكِ" أو "أنتِ طالق قبيل موت زيد" أو "أنتِ طالق قبيل دخولك الدار": فلا تطلق في الحال، وإنما تطلق في الوقت والجزء الذي يليه موت الزوج، أو موتها، أو موت زيد، أو دخولها الدار مباشرة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصغير قبل إلى قبيل: وقوع الطلاق في الجزء الصغير الذي يبقى قريبًا جدًا من المحدد - وهو موته، أو موتها، ونحو ذلك؛ لأن التصغير في الوقت يدل على التقريب له.
(١٠) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق مع موتي" أو "أنتِ طالق بعد موتي" أو "أنتِ طالق مع موتكِ" أو "أنتِ طالق بعد موتكِ": فلا تطلق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها بائنًا بسبب موت أحدهما: عدم وقوع الطلاق؛ لكون الطلاق لم يصادف نكاحًا يزيله.
(١١) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنت طالق يوم موتي": فإنها تطلق من أول ذلك اليوم الذي يموت فيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل جزء من ذلك اليوم يصلح لوقوع الطلاق فيه، وعدم وجود ما يقتضي التأخير عن أوله: وقوع الطلاق من أول اليوم الذي مات فيه ذلك الزوج.
стр. 2552
الحجر ذهبًا، أو نحوه من المستحيل) لذاته، أو عادة كإن رددت أمس، أو جمعتِ بين الضدَّين، أو شاء الميت، أو البهيمة: (لم تطلق)؛ لأنَّه علق الطلاق بصفة لم توجد (١٢) (وتطلق في عكسه فورًا)؛ لأنَّه علَّق الطلاق على عدم فعل المستحيل، وعدمه معلوم (وهو) أي: عكس ما تقدم تعليق الطلاق على (النفي في المستحيل مثل): أنتِ طالق (لأقتلنَّ الميت، أو لأصعدنَّ السماء ونحوهما) كلأشربنَّ ماء الكوز، ولا ماء به، أو لا طلعت الشمس، أو لأطيرنَّ، فيقع الطلاق في الحال؛ لما تقدم، وعتق، وظهار، ويمين بالله كطلاق في ذلك (١٣) (وأنتِ طالق اليوم إذا جاء غد) كلام (لغو) لا يقع به
(١٢) مسألة: إذا علَّق الزوج الطلاق بشيء يعلم العقل استحالته: فلا تطلق الزوجة، فلو قال لها: "أنتِ طالق إن طرت في السماء" أو "أنتِ طالق إن صعدت السماء" أو: أنتِ طالق إن قلبت الحجر ذهبًا" أو أنتِ طالق إن حملت الجبل" أو "أنتِ طالق إن رددت أمس" أو "أنتِ طالق إن جمعتِ بين الضدَّين" أو قال "أنتِ طالق إن شاء الميت" أو "أنتِ طالق إن شاءت البهيمة" أو قال لها نحوًا من تلك الأقوال التي هي من المستحيل لذاته، أو من المستحيل عادة أن تنفذها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعليقه الطلاق بصفة لا يمكن وجودها أن لا يقع الطلاق؛ لكون الزوج هنا قد قصد إبعاد وقوع الطلاق؛ لأن القاعدة: "أن ما يقصد تبعيده يعلق على المحال" ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾.
(١٣) مسألة: إذا عكس المستحيل لذاته، أو عادة، واستعمل الطلاق استعمال القسم بالله تعالى: بأن علَّق الطلاق على النفي في المستحيل بأن يقول: "أنتِ طالق إن لم أقتل الميت" أو قال: "أنتِ طالق إن لم أشرب الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه أو قال: "أنتِ طالق إن لم أصعد السماء": فإنه يقع الطلاق في تلك الصور؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعليقه الطلاق على عدم فعل المستحيل، وعدمه معلوم في الحال: وقوع الطلاق في الحال.=
стр. 2553
شيء؛ لعدم تحقق شرطه؛ لأن الغد لا يأتي في اليوم، بل بعد ذهابه (١٤)، وإن قال: "أنتِ طالق ثلاثًا على سائر المذاهب": وقعت الثلاث، وإن لم يقل: "ثلاثًا": فواحدة (١٥) (وإذا قال) لزوجته: (أنتِ طالق في هذا الشهر أو) هذا (اليوم: طلقت في الحال)؛ لأنَّه جعل الشهر أو اليوم ظرفًا له، فإذا وجد ما يتّسع له: وقع؛ لوجود ظرفه (١٦) (وإن قال): أنتِ طالق (في غد أو) يوم (السبت أو) في (رمضان): طلقت
[فرع]: إذا علّق العتق، أو الظهار، أو اليمين بالله تعالى على مستحيل لذاته أو عادة: فإنه لا يقع؛ قياسًا على تعليق الطلاق كما قلنا في مسألة (١٢)، أما إذا علق العتق، أو الظهار، أو اليمين بالله تعالى على النفي في المستحيل: فإنه يقع؛ قياسًا على ما قلناه في الطلاق كما قلنا في مسألة (١٣) -.
(١٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق اليوم إذا جاء غد": فلا تطلق؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم تحقق شرطه -؛ لعدم مجيء الغد في اليوم، ومجيئه بعد ذهاب اليوم -: عدم وقوع الطلاق، نظرًا لذهاب محل الطلاق.
(١٥) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثًا على سائر المذاهب" -: مذهب السنة، والشيعة، واليهود والنصارى -: فإنها تطلق ثلاثًا، وإن قال: "أنتِ طالق على سائر المذاهب": فإنها تطلق واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفظه بالعدد - وهو: الثلاث -: وقوعها؛ لكون ذلك تخصيصًا ونصًا في هذا العدد، ولا تقبل: الاحتمال، ويلزم من عدم ذكر العدد في قوله: "أنتِ طالق" طلاقها مرة واحدة؛ لأنَّه أقل ما يطلق عليه الاسم ولا يوجد ما يقتضي تكراره، وهذا متفق عليه في جميع المذاهب.
(١٦) مسألة: إذا قال زوج لزوجته: "أنتِ طالق في هذا الشهر" أو "أنتِ طالق في هذا اليوم": فإنها تطلق حال تلفظ الزوج بهذا القول؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جعل اليوم أو الشهر ظرفًا للطلاق، ووجود ذلك الظرف بدون ضيق: وقوع الطلاق حال تلفظه به.
стр. 2554
في أوله) وهو: طلوع الفجر من الغد، أو يوم السبت، وغروب الشمس من آخر شعبان؛ لما تقدم (١٧) (وإن قال: أردتُ) أن الطلاق إنما يقع (آخر الكل) أي: آخر هذه الأوقات التي ذكرت (دُيِّن، وقبل) ذلك منه حكمًا؛ لأن آخر هذه الأوقات، ووسطها منها، فإرادته لذلك لا تخالف ظاهر لفظه (١٨)، بخلاف: أنتِ طالق غدًا، أو يوم كذا فلا يدين، ولا يُقبل منه أنه أراد آخرهما (١٩) (و) إن قال: (أنتِ طالق إلى
(١٧) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق في غد" أو "أنتِ طالق في يوم السبت" أو "أنتِ طالق في رمضان": فإنها تطلق في أول تلك الأزمنة: فتطلق عند طلوع الفجر الصادق من غد، وعند طلوع الفجر الصادق من يوم السبت، وعند غروب الشمس من آخر يوم من أيام شعبان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جعله هذا الزمن - وهو الغد، أو السبت، أو رمضان - ظرفًا للطلاق، وأوله يصلح أن يكون ظرفًا له: وقوع الطلاق في أوله، كما لو قال: "إذا دخلت الدار فأنتِ طالق" فإذا أدخلت أول جزء منها: طلقت.
(١٨) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق في هذا الشهر" أو "أنتِ طالق في هذا اليوم" أو "أنتِ طالق في غد" أو "أنتِ طالق في يوم السبت" أو "أنتِ طالق في رمضان" وقال الزوج: "أردتُ أن الطلاق يقع عليها في آخر تلك الأزمنة، دون أولها": فإنه يُقبل منه ذلك، ولا تطلق في أوله، ولا وسطه؛ بل تطلق في آخره كما قال، ويكون ذلك بينه وبين الله تعالى، يتحمَّل أثر قوله: فإن كان صادقًا في إرادته: لا إثم عليه، وإن كان كاذبًا فعليه الإثم، وليس لنا إلا الظاهر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظه في تلك الأقوال محتملًا لأول ووسط، وآخر الأزمنة: قبول قوله حكمًا؛ لكون هذا هو ظاهر لفظه فأول ما ذكره ليس بأولى من آخره.
(١٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق غدًا" أو "أنتِ طالق يوم السبت" مثلًا، وقال: "إني أردتُ أن يقع عليها الطلاق في آخر تلك الأزمنة، دون=
стр. 2555
شهر) مثلًا: (طلقت عند انقضائه) روي عن ابن عباس، وأبي ذر، فيكون توقيتًا لإيقاعه، ويرجح ذلك: أنه جعل للطلاق غاية، ولا غاية لآخره، وإنما الغاية لأوله (إلا أن ينوي) وقوعه (في الحال فيقع) في الحال (٢٠) (و) إن قال: أنتِ (طالق إلى سنة: تطلق بـ) انقضاء (اثني عشر شهرًا)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ
أولها: فإنه لا يُقبل منه ذلك، ولا يدين الله به فيقع الطلاق في أوله في هاتين الصورتين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ما قاله مخالفًا لظاهر هذين اللفظين: وقوع الطلاق في كل جزء من غد، أو يوم السبت؛ ليعم جملته، فإن قلتَ: ما الفرق بين مسألتي (١٨ و ١٩)؟ قلتُ: إنه إذا عبَّر بـ "في" الظرفية - كما في مسألة (١٨) -: فإنه يجعل الزمن الذي بعد "في" كقوله: "أنتِ طالق في غد" ظرفًا لوقوع الطلاق، لا أنه يقع في جميعه، بل في جزء منه كما لو قال: "علي أن أصوم في شوال": فإنه يُجزئه يوم منه، أما إذا لم تكن حرف "في" موجودة كقوله: "أنتِ طالق غدًا": فإنه جعل جميع الغد مستغرقًا له؛ ليعم جملته، ولا يعم جملته إلا أن يقع في أول جزء منه؛ نظرًا لسبقه، وهذا يقوي جانبه فلا تقبل دعواه: أنه أراد وقوع الطلاق عليها في آخر تلك الأزمنة، دون أولها في هذه الصورة.
(٢٠) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق إلى شهر" مثلًا: أو "أنتِ طالق إلى حول". فإنها تطلق عند انقضاء ذلك الشهر، أو ذلك الحول؛ إلا إذا نوى وقوع الطلاق في حال تلفظه بذلك القول: فإنه يقع حال تلفظه به؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ يلزم من كونه جعل لهذا الطلاق غاية، والغاية لأوله، دون آخره: وقوع الطلاق عند انقضاء ذلك، ويلزم من إقراره على نفسه بما هو أغلظ، وهو نيته وقوعه حالًا، ولفظه يحتمله: وقوع الطلاق حالًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس، وأبي ذر: أنها تطلق عند انقضاء ذلك المحدد من الوقت.
стр. 2556
شَهْرًا﴾ أي: شهور السنة، وتعتبر بالأهلَّة (٢١)، ويكمل ما حلف في أثنائه بالعدد (٢٢) (فإن عرَّفها) أي: السنة؛ (باللام) كقوله: أنتِ طالق إذا مضت السنة: (طلقت بانسلاخ ذي الحجة)؛ لأن "أل" للعهد الحضوري، وكذا: إذا مضى شهر فأنتِ طالق: تطلق بمضي ثلاثين يومًا، وإذا مضى الشهر: فبانسلاخه (٢٣)، وأنتِ طالق في أول الشهر: تطلق بدخوله وفي آخره: تطلق في آخر جزء منه (٢٤).
(٢١) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق إلى سنة": فإنها تطلق بانقضاء اثني عشر شهرًا باعتبار الشهور الهلالية ابتداء من قوله هذا إلى كمال اثني عشر شهرًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ والمراد: شهور السنة الهجرية، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ حيث دل هذا على أن الشهور معتبرة بالأهلة، لا بالعدد.
(٢٢) مسألة إذا قال الزوج لزوجته في أثناء الشهر: "أنتِ طالق إلى سنة": فإنه يكمل ذلك بالعدد، فإذا مضى أحد عشر شهرًا أضاف إلى ما مضى من الشهر الأول، قبل حلفه تتمة ثلاثين يومًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إكمال سنة كاملة: فعل ذلك.
(٢٣) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق إذا مضت السنة": فإنها تطلق بانسلاخ وخروج شهر ذي الحجة من السنة المعلَّق عليها؛ للتلازم؛ حيث إنه عرَّف السنة بـ"أل" وهي للعهد، فيلزم رجوعها إلى السنة المعهودة، والسنة المعهودة المعروفة آخرها ذو الحجة.
[فرع]: إذا قال "إذا مضى شهر فأنتِ طالق": فإنها تطلق بمضي ثلاثين يومًا - كما سبق في مسألة (٢٢) - وإذا قال: "إذا مضى الشهر فأنتِ طالق": فإنها تطلق بانسلاخه - كما سبق في مسألة (٢٣) -.
(٢٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق في أول الشهر": فإنها تطلق في
стр. 2557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدقيقة الأولى من دخول ذلك الشهر الذي حدَّده؛ وإذا قال: "أنتِ طالق في آخر الشهر": فإنها تطلق في الدقيقة الأخيرة من ذلك الشهر المحدد؛ للتلازم؛ حيث إن تحديده لوقت الطلاق - وهو أوله، وآخره - والدقيقة الأولى، والأخيرة تصلحان لإيقاع الطلاق فيهما: يلزم منه: وقوع الطلاق فيهما.
هذه آخر مسائل باب: "حكم إيقاع الطلاق في الماضي، والحال، والمستقبل، والمستحيل، واستعمال الطلاق استعمال القسم في غير المستحيل" ويليه باب: "تعليق الطلاق بالشروط".
стр. 2558
باب تعليق الطلاق بالشروط
أي: ترتيبه على شيء حاصل، أو غير حاصل بـ: "إن" أو إحدى أخواتها (١) و (لا يصح) التعليق (إلا من زوج) يعقل الطلاق، فلو قال: إن تزوجتُ امرأة أو فلانة: فهي طالق": لم يقع بتزوجها؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه (٢) (فإذا علَّقه) أي: علَّق الزوج
باب تعليق الطلاق بالشروط
وفيه اثنتان وستون مسألة:
(١) مسألة: المراد بذلك: تعليق الطلاق بالشرط اللغوي - وهي: "إن" و "إذا" وغيرهما من أدوات الشرط اللغوي، والطلاق المعلَّق على شرط، يقع عند وجود المشروط كما لو نطق بالطلاق عند وجود الشرط، فمثلًا: لو قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق إن دخلت الدار": فإنها عند أول دخولها للدار تطلق، أي لما وجد المشروط - وهو: دخول الدار - وقع الطلاق عليها كما لو قال لها عند دخولها للدار: "أنتِ طالق": فإنها تطلق حالًا كذلك المشروط يقع في ثاني الحال، فإن قلت: لَم قُيِّد الشرط باللغوي هنا؟ قلت: لأن الشروط أنواع ثلاثة، أولها: شرط عقلي كاشتراط الحياة للعلم؛ إذ لا علم إلا لمن كان حيًا، ثانيها: شرط شرعي كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة ثالثها: شرط لغوي، وهو المقصود بهذا الباب.
(٢) مسألة: يصح تعليق الطلاق بالشرط من زوج مكلّف، ولا يصح من الأجنبي، فمثلًا لو قال زيد: "إن تزوجت امرأة فهي طالق" أو قال: "إن تزوجتُ فاطمة فهي طالق"، ثم تزوج امرأة، أو تزوج فاطمة: فإنه لا يقع الطلاق عليهما، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك" فنفى وقوع طلاق على امرأة لم يعقد=
стр. 2559
الطلاق (بشرط) متقدم، أو متأخر كإن دخلت الدار فأنتِ طالق، أو أنتِ طالق إن قمتِ: (لم تطلق قبله) أي: قبل وجود الشرط (٣) (ولو قال: عجَّلته) أي: عجَّلت ما
عليها، الثانية: القياس؛ وهو من وجوه: أولها: كما لا يصح للمسلم أن يعتق عبد غيره، ولا أن يتصدَّق بمال غيره فكذلك لا يصح أن يطلق امرأة لم يتزوجها، والجامع: عدم الملك والتصرف في كل، ثانيها: كما أن من لا يقع طلاقه بالمباشرة بأنه لو قال لامرأة أجنبية عنه: أنتِ طالق" فإنها لا تطلق فكذلك لا ينعقد طلاقه بالتعليق بما بعد النكاح، والجامع: عدم النكاح الذي يزيله الطلاق، ثالثها: كما أنه لو قال لامرأة أجنبية: "إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق" ثم تزوجها، ودخلت الدار: فإنها لا تطلق، فكذلك ما نحن فيه، والجامع: تعليق الطلاق قبل الملك في كل الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن علي، وابن عباس عدم صحة الطلاق من الأجنبي - كما صورنا ذلك - تنبيه: قوله: "يعقل الطلاق" يشير إلى مذهبه من أنه يجوز تعليق الطلاق من الزوج الصبي المميز الذي يعقل الطلاق قياسًا على الطلاق المباشر؛ حيث أجاز ذلك منه قلتُ: إن هذا مرجوح؛ حيث إن الطلاق لا يصح من الصبي المميز ولو كان يعقل الطلاق كما بينا ذلك فيما سبق وإذا لم يصح طلاقه المباشر: فلا يصح تعليقه للطلاق بالشرط؛ قياسًا عليه، والجامع: عدم حسن التصرف، وعدم معرفة معنى الطلاق، وأثره غالبًا.
(٣) مسألة: إذا علّق الزوج طلاق زوجته بشرط متقدم، أو بشرط متأخر كأن قال لها: "إن دخلت الدار فأنتِ طالق" أو قال لها: "أنتِ طالق إن دخلت الدار": فإن تلك الزوجة لا تطلق قبل وجود الشرط - وهو هنا دخول الدار -: سواء كان متقدمًا أو متأخرًا وتطلق عند وجوده: سواء كان متقدمًا أو متأخرًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال لعبده: "إن بنيت هذا الجدار فأنت حر" أو قال: "أنت حر إن بنيت هذا الجدار": فإن ذلك العبد يعتق إذا بنى ذلك الجدار المشترط،=
стр. 2560
علّقته: لم يتعجَّل؛ لأن الطلاق تعلق بالشرط، فلم يكن له تغييره، فإن أراد تعجيل طلاق سوى الطلاق المعلَّق: وقع، فإذا وجد الشرط الذي علق به الطلاق، وهي زوجته: وقع أيضًا (٤) (وإن قال) من علّق الطلاق بشرط: (سبق لساني بالشرط، ولم أرده: وقع) الطلاق (في الحال)؛ لأنَّه أقر على نفسه بما هو أغلظ من غير تهمة (٥) (وإن قال) لزوجته: (أنتِ طالق، وقال: أردتُ: إن قمتِ: لم يقبل) منه (حكمًا)؛ لعدم ما يدل عليه (٦)، ................................................
سواء كان متقدمًا أو لا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كلٍ منهما إزالة ملك بني على التغليب والسراية.
(٤) مسألة: إذا علَّق الزوج طلاق زوجته بشرط: بأن قال لها في أول الشهر: "إن جاء آخر الشهر فأنتِ طالق"، فإن قال عجَّلتُ ما علقته، وأريد طلاقها في أول الشهر: فإنه لا تتعجَّل نفس الطلقة التي علَّقها في آخر الشهر، وإن أراد تعجيل طلقة سوي التي علَّقها في آخر الشهر: فإن الطلقة التي عجَّلها تقع، فإذا وجد الشرط - وهو مجيء آخر الشهر - وهي باقية على أنها زوجته: فإن تلك الطلقة المعلَّقة به تقع أيضًا، للتلازم؛ حيث إن ما علَّقه قد تعلَّق بالشرط: فلا يملك تغييره، فتقع الطلقة التي علَّقها به، ويلزم من تعجيل طلقة الطلقة - سوي الطلقة التي علقها في آخر الشهر - وقوعها؛ لوجود شرطها، ويلزم من وجود شرط المعلّق في آخر الشهر - وهو مجيئه -: وقوعها أيضًا، والحاصل: أن الطلقتين منفصلتان عن بعضهما.
(٥) مسألة: إذا علَّق الزوج طلاق زوجته بشرط: بأن قال: "إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق" فقال ذلك الزوج: "قد سبق لساني بالشرط، ولم أُرده" فإنها تطلق في الحال؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه يملك إيقاعه في الحال، وإقراره على نفسه بما يوجب التغليظ من غير تهمة: وقوع الطلاق في الحال.
(٦) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ طالق" ثم قال: أردتُ: "أنتِ طالق إن=
следующие страницы →